المقالات
31 ديسمبر 2019
بدء العام الجديد
كثيراً ما يرافق لقاء العام الجديد عند المسيحيين كفر وإلحاد وإفراط وعدم اعتدال. أما الكفر والإلحاد فلأن الكثيرين من المسيحيين يتفاءلون ظانين أنه إذا مضى عليهم اليوم الأول من السنة وهم مسرورون، فالعام كله سيمضي كذلك. وأما الإفراط وعدم الاعتدال، فلأن الجميع رجالاً ونساءً يحتسون الخمر حتى الصباح فهذا السلوك لا يتفق مع حكمة الروح المسيحي اذا اتبعناه، أو سمحنا للآخرين أن يتبعوه. ألم نسمع قول القديس بولس الرسول: "فإنكم تحفظون أياماً وشهوراً وأوقاتاً وسنين فأنا أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم عبثاً" (غلاطية 10:4-11). ومن جهة أخرى، ليس من المعقول أن يُبنى على يوم واحد صُرف بسرور، الشيء نفسه طوال العام كله إذن لا يجوز لنا مراقبة الأيام وأن نحب بعضاً منها وننفر من غيرها. بل علينا أن نعلم جيداً أنه لا شر إلا من الخطيئة ولا خير إلا من أعمال البر. السرور لا يكون بالسكر بل بالصلوات الروحية، وليس بالخمر والملاهي بل بالوعظ والإرشاد. فالسكر يحدث الهياج، والإرشاد يهدئ الاضطراب. الأول يظلم العقل والثاني ينير الظلام. الأول يسبب أحزاناً لم تكن في البال والثاني يبددها مهما كانت على المسيحي ألاّ يحتفل بشهور محددة، ولا يأول يوم من الشهر، ولا بأيام الآحاد فقط، بل عليه أن يصرف أيام حياته كافةً في احتفال دائم. ما هي الحفلات التي تناسب المسيحي؟ لنسمع ما علمه رسول المسيح: "فلنعيّد إذاً لا بالخمير العتيق ولا بخمير السوء والخبث بل بفطير الخلوص والحق"(كورنثوس الأولى 8:5). إذاً إن كان ضميرك نقياً فاحتفالك يدوم لأنك تتعزى بالنعم الآتية. وإن كنت مثقلاً بالخطايا الكثيرة، فالحفلات لا تكون لك أحسن من المآتم، ولا نفع لك من يومك السعيد، إن كانت نفسك معذبة بتأنيب ضميرك. فإن كنت تريد النفع لنفسك من اليوم الأول من الشهر فاعمل هكذا. وإذا بلغت اليوم الأخير من السنة فاشكر الإله السماوي الذي أوصلك إلى نهاية العام. اتضع بقلبك، واعدد أيام حياتك، وقل لنفسك: الأيام تمر وتذهب، والأعوام سوف تنتهي، وقد مضى القسم الأكبر من حياتي فما الذي فعلته من أعمال البر؟ كيف أترك هذه الحياة دون أن أتزود شيئاً من أعمال الحق؟ينبغي لنا أن نفكر بحكمة في أول الشهر. يجب أن نذكر الكلمات السابقة عن تداول الأعوام. لنفكر في اليوم الآتي حتى لا يقال عنا كما قال نبي الله عن اليهود: "فأفني أيامهم كنفس وسنيهم كالفجاءة" (مزمور 33:77). إن مراقبة الأيام عمل مغاير لروح الحكمة المسيحية وتضليل وثني. إنك قُبلت مع الأجناد السماوية وأصبحت مع جماعة الملائكة حيث لا يبدل نور النهار بظلام اليل بل هناك نهار دائم لا يزول، ليس لك هناك ما يتفق مع هذه الدنيا، كشروق الشمس وغروبها، وتبدل الأيام لكن إذا صرفت حياتك بالبر والصلاح فاللل يكون عندك نهاراً، وعكس ذلك يكون الذين يصرفون حيتهم بالكفر وعدم الاعتدال، فيتحهل نهارهم إلى ليل داجٍ لأن نفوسهم أظلمت. فلنتجنب الأعمال التي لا تأتي بنفع، لأن الرسول المملوء حكمة يأمرنا أن نعمل حسب قول الرب: "إن أكلتم أو شربتم أو عملتم شيئاً فاعملوا كل شيء لمجد الله" (كورنثوس الأولى 31:10). لنهتم بالأعمال لا بالأقوال. ولنمجد بلا فتور المسيح الرب الذي يليق به مع الآب الأزلي والروح الكلي قدسه كل مجد وإكرام وسجود، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين.آمين.
المزيد
08 يناير 2021
مقتطفات من ميمر يوحنا ذهبي الفم علي ميلاد ربنا يسوع المسيح
.. الجميع يعيدون إذ يرون الإله في الأرض -المرتفع- تنازل رأفة منه، والهابط ارتفع إذ أحب الله البشر، اليوم تشبهت بيت لحم بالسماء.. وإن كان اليهود يجحدون الميلاد العجيب.. ولقد تقوًل الكتبة مضادو الناموس وكان هيرودس الملك يطلب المولود لا ليكرمه بل ليقتله.
الملوك قد تعجبوا كيف ينزل ملك السماء إلي الأرض وليس في معيته ملائكة ولا رؤساء أو قوات فقد سلك طريقًا غريبًا لم يسلطه غيره.
تناول اللبن كالطفل من ثدي أمه العذراء، جاءه الأطفال، نعم جاءوا إلي الذي صار طفلًا ليجري منطق التسبيح علي أفواه الأطفال والرضع.. جاء الآدميون إلي ذلك الذي صار إنسانًا وأبرأ آدم من مصائبه.
جاء الرعاة إلي الراعي الصالح الذي بذل نفسه عن غنمه، جاء الكهنة إلي رئيس الكهنة علي طقس ملكي صادق.. جاء الصيادون إلي رئيس الحياة ليجعل صيادي السمك صيادين للناس. جاء العشارون إلي الذي صًير العشار كارزًا بالإنجيل. جاء الخاطئات إلي الذي كانت قدماه تبللهما الزانية وبدموعها غسلتهما، جاء كل الخطاة إلي حمل الله الذي يرفع خطايا العالم.
فإذًا الكل في عيد وأنا أيضًا أريد أن أحتفل بالعيد وأفرح فرحًا وأتهلل مبتهجًا بلا ضرب طنبور ولا نفخ مزمار. هو فرحى وزينتي ورجائي وهو أملي وهو خلاصي. فمن أجل ذلك أبتهج لكي بقوته أقوي وأقول مع الملائكة المجد لله في الأعالي، ومع الرعاة أٌول وعلي الأرض السلام وفي الناس المسرة.
.. مثل إنسان ولد من العذراء وبقيت عذراء بعد ولادتها.. بم أنطق وبماذا أعبر.. يا للأعجوبة العظيمة أن المولود وحيد قبل الدهور الذي بلا جسد لا يُحس ولا يفتش جاء في الجسد لأن الناس إنما يصدقون ما يرون ويسمعون عنه، وما لا يرونه لا يصدقونه، فمن أجل ذلك أحتمل المسيح سيدنا أن يُنظَر إليه بالجسد ليؤمن جحود الذين لا يؤمنون به ويولد من عذراء غير عارفة بالأمر لأنها كانت إناء طاهرًا وبسيطًا لا تعرف إلا ما سمعته من جبرائيل الملاك إذ سألته أنىَ يكون لي هذا وأنا لا أعرف رجلًا، فأجابها الملاك وقال لها الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك والذي يولد منك قدوس إبن العلي يدعى.أما كيف كان معها وبعد قليل ولدته.. فكما أن الصانع الحاذق إذا صب فضة نقية جيدة عمل منها إناءً جيدًا كذلك المسيح وجد العذراء طاهرة الجسد والنفس واتخذها هيكلًا.هكذا شاء ولم يأنف من الطبيعة لأنها خلقة يديه، وإن هذا لمجد عظيم إذ عرف الناس الخالق..بِمَ أنطق أو بِمَ أُعبر، عتيق الأيام صار اليوم طفلًا -الذي علي العرش في العلو يوضع اليوم في مذود، العالي الذي لا يُجس ولا يفتش يقلب اليوم بيد البشر، الذي يفك أغلال الخطايا اليوم يشد بالأقماط. حقًا أنه يريد أن يبدل الهوان بالكرامة ويلبس المجد من لا مجد له..من أجل ذلك جاء في الجسد.. يأخذ جسدي ويعطيني من روحه، فهو يعطى ويأخذ ليكسبني كنوز الحياة (أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له فلنسبحه ونمجده ونزيده علوًا إلي الأبد [الإبصلمودية]).أقدم جسدي هذا ليطهره ويعطيني روحه لكيما يخلصني. لقد تحقق ما قيل عنه، أن العذراء ستحبل. ما كتب كان لجماعة اليهود، أما الاقتناء فللكنيسة. تلك الجماعة أخذت اللوحين أما الكنيسة فقد اقتنت الجوهر، تلك الجماعة صنعت الصوف أما هي فقد لبست السندس، يهودية ولدته وأمم كثيرة قبلته، نشأ في تلك الجماعة وقبلته الكنيسة وقطفت الثمرة. فتلك الجماعة غصن الكرمة ولنا عنقود الحق. هي عصرت العنقود فشربت الأم كأس الشراب، زرعت حبة القمح وحصدت الأمم من أجل الإيمان السنبل وقطفت الثمر مخشية الله وقد بقيت أشواك الكفر عند اليهود.
يا لهذا الميلاد العجيب، ليس كمثل البشر كان مولده لكن الإله صار بشرًا. الأزلي أتى من العذراء.إن الذي خلق آدم أولًا من أرض عذراء خلقه من غير امرأة، ثم خلق المرأة كما شاء كذلك العذراء ولدته ولا تعرف رجلًا كما قال الكتاب هو إنسان ومن يعرفه، وللنساء دورهن بعد آدم، فآدم من غير امرأة خلق الله له امرأة، وجاءت العذراء وولدته لتفي عن حواء الدين الذي لزمها من آدم. جاءت حواء من غير امرأة، فلا يفتخر آدم بمدح عظيم أن حواء كانت له بدونها. العذراء ولدته لكي تكون الطبيعة شريكة فقد أخذ الله من آدم ضلعًا ولم ينقص من جنبه شيئًا ومن العذراء ولد ولم تفك بتوليتها.وكما أن آدم كان تامًا وكاملًا بعد أخذ الضلع منه، كذلك العذراء بقيت صحيحة لم يُبن له من غيرها هيكل، كما أنه ليس من غير جسدها تجسد..إن الإنسان إذا خدع صار إناء للشيطان، من أجل ذلك اتخذه المسيح هيكلًا وظهر إنسانًا كاملًا بلا خطية لينقذ الإنسان من ولاية إبليس، ويفك أغلال الخطية وإذ صار إنسانًا لم يولد مثل ميلاد الإنسان ولكن الإله صار إنسانًا، ولأنه لو ولد كالبشر لظن كثير من الناس أنه باطل أما وقد ولد من عذراء ومن بعد ولادته حفظ العذراء فإن ميلاده عجيب غريب وهذه هي الأمانة العظيمة لكيما يخلصني من ذنوبي.. وله المجد دائمًا أبديًا آمين.
المزيد
17 يوليو 2021
عن الحياة ببساطة
يتخيل الإنسان الغني عادة أنه لا يرتكب أية خطية مادام لا يسلب الفقير ماديًا. لكن تكمن خطية الغني في عدم مشاركته ثروته مع الفقير. في الواقع احتفاظ الغني بكل ثروته يعني ارتكاب نوعٍ من السرقة. والسبب أنه بالحقيقة كل الغنى هو من الله، فهو ملك الجميع بالتساوي... والدليل على ذلك يحيط بنا في كل مكان. أنظر إلى الفاكهة النضرة التي تنتجها الأشجار والأدغال. أنظر إلى التربة الخصبة التي تعطي كل عام حصادًا وفيرًا هكذا. أنظر إلى العنب الحلو على العناقيد الذي يمنحنا الخمر لنشربه ربما يدعي الأغنياء أنهم يمتلكون الكثير من الأراضي حيث تنمو الثمار والحبوب، لكن الله هو الذي يجعل البذرة تنبت وتنضج. فواجب الأغنياء أن يشاركوا كل حصاد أرضهم مع كل من يعمل فيها، ومع كل من له احتياج.
إننا لسنا في حاجة لشراء الهواء، والماء، والنار، وضوء الشمس وما شابه ذلك. فقد أعطى الله لكل إنسانٍ كفاية من كل هذه البركات لينعم بها مجانًا. تشرق الشمس بالتساوي على الفقير والغني، وكلاهما يستنشق نفس الهواء. إذن لماذا خلق الله هذه الضروريات التي هي عماد الحياة للاستخدام العام، بينما المال ليس عامًا؟ السبب في ذلك له شقان: لحفظ الحياة ولفتح الطريق للفضيلة.
من جانب، لو كانت ضروريات الحياة غير عامة، لانتزعها الغني من الفقير بطمعه المعتاد. ففي الواقع حيث أن الأغنياء يحتفظون بكل المال لأنفسهم، فمن المؤكد كانوا يفعلون ذلك بالنسبة للضروريات أيضًا.
ومن الجانب الآخر، لو كان المال عامًا ومُتاحًا للجميع، إذن لما كانت هناك فرصة للكرم من جانب الأغنياء، وتقديم الشكر من جانب الفقير.
عندما تفتقر أسرة ما، تصير مدفوعة للاستدانة من أجل البقاء. لكن إن طالب الدائن بفوائد على الدين، حينئذ تسقط هذه الأسرة بالأكثر في عمق الحفرة. فتلتزم ليس فقط برد الدين بل أيضًا الفائدة التي تتراكم عليه. ربما يدعي الدائن حتى أمام نفسه أنه يتصرف بكياسة، لكن فعليًا يتصرف بخبثٍ شديدٍ وراء مظهر العطاء متعمدًا الأذى لغيره.
إنه يتاجر على حساب مصائب الآخرين، ويستفيد من نكبتهم.
إنه يطلب الفوز بالماديات في قالب عمل الرحمة، وهكذا يحول العطاء إلى سرقة. يبدو أنه يرسي بالعائلة الفقيرة على ميناء الأمان، لكنه في الحقيقة يدفع السفينة نحو الصخور. ربما يتساءل الدائن: لماذا يجب عليّ أن اقرض الآخرين مالاً وهو مفيد لي، ولا أطلب مكافأة لذلك؟ والإجابة إنك سوف تنال مكافأة، في مقابل الذهب الذي أقرضته على الأرض، ستأخذ ذهبًا في السماء بنسبة أكبر كثيرًا في الفائدة فوق ما تستطيع أن تتصور.
تخيل نجارًا يعمل بأدوات بسيطة. يأخذه عدة أيام ليصنع منضدة بسيطة. وتُباع هذه المنضدة بثمن بخس لأنها ذو نوعية ضعيفة جدًا. له الخيار، إما أن ينفق كل ما يكسبه من مالٍ لشراء الطعام والشراب أو يضع جانبًا بعض المال حتى وإن كان هذا يعني له أن يجوع، حتى يتمكن من شراء أدوات أفضل. إن فعل الأمر الأخير، حينئذ سريعًا ما تستطيع صنع مناضد جيدة بأكثر سرعة وهكذا يرتفع مكسبه بالمثل. هذا الاختيار يشابه الاختيار الروحي الواجب على كلٍ منا. فإما نقوم بإنفاق كل ما نملكه من ثراء على ملذاتنا الخاصة أو نضع جانبًا جزءً من ثروتنا لنعطيه للآخرين. إن فعلنا الأخيرة حينئذ يمكننا أن نضحي بالقليل من الملذات الأرضية وقتيًا، أمام السرور الذي ندركه في السماء والذي فيفوق أكثر كثيرًا اللذة التي فقدناها على الأرض. كل عمل رحمة على الأرض هو استثمار في السماء.
نُدعى نحن تلاميذ المسيح أن كان هدفنا على الأرض هو أن نضع كنوزنا في السماء. ولكن أعمالنا تناقض كلماتنا. يبني الكثير من المسيحيين لأنفسهم منازل جميلة، ويعدون الحدائق الرائعة، ويشيدون حمامات السباحة ويشترون الأفدنة. فليس بالعجيب إذا رفض الكثير من الوثنيين تصديق ما نقول. يتساءلون إن كانت أعينهم متطلعة إلى منازل في السماء، فلماذا يبنون منازل على الأرض؟ إن كانوا يمارسون ما يقولون لتركوا ثرواتهم وعاشوا في أكواخ بسيطة. لذلك يستخلص هؤلاء الوثنيين أننا لا نؤمن بحق في الديانة التي نعترف بها، ولذلك يرفضون قبول هذه الديانة بجدية.
ربما تقول إن كلمات المسيح بصدد هذه الأمور يصعب جدًا تنفيذها، وأنه بينما تريد روحك هذا، جسدك يكون ضعيفًا. أجيبك أن حكم الوثنيين عليك هو أكثر دقة عن حكمك على نفسك. فعندما يتهمنا الوثنيون بالرياء يجب أن يجيب الكثير منا بأنه مذنب.
-11-
يرى البعض أن منازلهم التي يقيمون فيها هي مملكتهم، وبالرغم من علمهم أن الموت محتم وأنه يومًا ما سيجبرهم على تركها، ففي قلوبهم يشعرون أنهم يمكثون إلى الأبد. إنهم يفتخرون بحجم منازلهم، والمواد الممتازة التي صنعت منها. يجدون متعة في زخرفة منازلهم بألوان زاهية، وفي انتقاء الأثاث الأكثر صلابة والأفضل لملأ الغرف. يتخيلون أنهم باقتناء منزل معمر... سيجدون فيه سلامهم، أي كلما تأكدوا أن حوائطه وأسطحه سوف تظل متينة إلي أجيال كثيرة.
أما نحن فعلى النقيض، نعلم أننا مجرد ضيوف مؤقتين على الأرض. ندرك أن المنازل التي نقطنها هي بمثابة فنادق على الطريق إلى الأبدية. إننا لا ننشد سلامًا أو أمنًا من الحوائط المادية من حولنا أو الأَسقف فوق رؤوسنا. بل بالحري نريد أن نحيط أنفسنا بحوائط النعمة الإلهية. ونتطلع إلى السماء عاليًا كسقفٍ لنا. أما الأثاث في حياتنا فيجب أن يكون أعمال صالحة، نعملها بروح الحب.
-12-
عندما نعيش بحسب مبادئ إيماننا السلوكية سوف يأتي رد فعل من حولنا في ثلاثة احتمالات.
أولاً، ربما يتأثرون بالمثل الذي نقدمه بصلاحنا، وبالغيرة التي يشعرون بها للسرور الذي ننعم به، فيشتاقون أن ينضموا إلينا ويصيروا مثلنا. ورد الفعل هذا هو ما نبتغيه بالأكثر.
ثانيًا، ربما يكونون غير مكترثين بالأمر، بسبب ارتباطهم باهتماماتهم وأنانيتهم فيما يشغلهم من أمورٍ. وبالرغم من رؤيتهم لمنهج حياتنا، وقد أعمت قلوبهم، لذلك لا نستطيع أن نحثهم على اتخاذ هذا المسلك.
ثالثًا، ربما يصيرون ضدًا لنا، إذ يشعرون بالغضب من نحونا. إذ يشعرون أن مثلنا يهددهم، وقد يغضبون علينا. لذلك يلتصقون بالأكثر بممتلكاتهم المادية وطموحاتهم الأنانية، ويقذفوننا كلما سنحت الفرصة.
من الطبيعي إننا نخشى هذا النوع الثالث من رد الفعل، لأننا نريد أن نعيش في سلام مع جيراننا بغض النظر عن معتقداتهم وقيمهم ولكن إن لم يأتِ رد الفعل هذا علينا من أي شخص، علينا أن نعجب هل نحن حقًا ننفذ وصية المسيح.
-13-
هل تتضايق عندما يسقط طبق أو إناء على الأرض فينكسر إلى أجزاء رفيعة؟ هل تنزعج عندما تهب ريح قوية، وتسمع لألواح سقف بيتك أن تتخلع؟ هل تقلق من أجل محصولات حقلك عندما يزداد هطيل الأمطار لئلا تغرق الأرض؟ هل تشعر بالخوف ليلاً عند سماع طقطقة باب أو حين يصرف، خشية من اللصوص الذين ربما قد أتوا لسرقة مقتنياتك؟
هذه المشاعر طبيعية تمامًا. لكن التحدي في إيماننا أن نصير غير مكترثين بالمقتنيات المادية حتى أن أي شيء من هذا النوع لا يهمك من المؤكد انه مادمنا نعيش على هذه الأرض لابد آن يكون عندنا أطباق نأكل فيها، أسقف فوق رؤوسنا لتحمينا من الجو الخارجي، محاصيل في حقولنا لنقتات عليها وقطع أثاث أساسية في منازلنا. ولكن إن اجتهدنا بأقصى ما نستطيع، سوف نتيقن أن الله سوف يوفي احتياجاتنا. وإذا ما انكسر شيء، ضاع، أو سرق، سيدبر الله ويقرر إن كان ومتى يعوضنا عنه.
-14-
تظهر مهارة شخصً ما في طََرْقْ النحاس ليصنع أشكالاً رائعة، وينحت نماذج متقنة عليها. وآخر له مهارة في صنع الأثاث، يضع قطع الخشب جنبًا إلى جنب بثباتٍ حتى يكون متينًا لا ينفلق. وثالث يستطيع أن يغزل أفضل صوف بينما رابع ينسجه إلى ملابس. وخامس بناء يستطيع أن يضع حجر على آخر ليبني حائطًا، بينما سادس يصنع سقفًا على قمة الحائط ليصنع منزلاً. حقًا هناك حِرَف مختلفة، وكل منها يحتاج عدة سنوات لبلوغها، حتى يستحيل أن نفندها جميعًا.
والآن ما هي الحرفة التي يجب على الأغنياء أن يكتسبوها؟ إنهم لا يحتاجون أن يطرقوا النحاس، أو يشكلوا الخشب، أو يبنوا بيوتًا... بل بالحري عليهم أن يتعلموا كيف يستخدمون ثروتهم حسنًا، لخير الجميع ممن هم حولهم. قد يظن الحرفي العادي أن هذه حرفة يسهل أن يتعلمها. على العكس، إنها أصعب المهارات على الإطلاق. إنها تحتاج إلى حكمة عظيمة وقوة أخلاقية رفيعة. أنظر كم يحقق الكثير من الأغنياء في اكتسابها، وهم قليلون الذين يمارسونها بكمال.
-15-
عندما يحيك خياط رداء ويقوم ببيعه، تحدث خدمة واحدة وهي وضع ثوب على جسم إنسان. بالمثل عندما يصنع الإسكافي زوجًا من الأحذية ويبيعه، فالخدمة الوحيدة المقدمة هنا هي وضع حذاء في أرجل. ولكن عندما يقدم إنسان هدية لأخر، سواء من المال أو شيء ما، هنا الخدمة المقدمة مزدوجة. أولاً يخرج المتقبل الهدية بفائدة مادية منها. ثانيًا يخرج المعطي بفائدة روحية... لأن كرمه في العطاء يأتي إليه ببركة لروحه. ويمكن أن تكون هناك خدمة ثالثة: إن امتلأت نفس المتقبل الهدية بشكر متواضع فيكون بمثابة بركة لروحه. تخيل مجتمع لا يبيع فيه أحد شيء... بل يتقاسم كل واحد مجانًا مهاراته وثرواته مع الآخر. حينئذ يأتي كل عمل في مثل هذا المجتمع ليس بنفع مادي فحسب، بل وبنفع روحي أيضًا. مثل هذا المجتمع كائن بصورة مصغرة في العائلات الكبيرة، حيث تكون السماء قد نزلت إلى الأرض.
-16-
لا يُحكم على عطايانا بالكم الكبير من العطايا، بل بمدى اتساع قلب المعطي. إذا ما شاركت امرأة فقيرة أخرى فقيرة في وعاء طعامها الضئيل ينال هذا العمل مدحًا يفوق ما يناله الرجل الغني الذي يلقي بضع العملات الذهبية وسط مجموعة منها في الكنيسة. ولكن بالرغم من علم معظم المسيحيين بحقيقة ذلك تقوم كلماتهم وأعمالهم برسالة أخرى. عندما يقدم رجل غني هدية كبيرة للكنيسة، يُقدم له عظيم الشكر، بالرغم من أن هذا المبلغ لا يمثل الكثير بالنسبة له، فلن ينقصه شيء، يمدح على سخائه. وعندما يقدم رجل فقير هدية صغيرة، لا يقال شيء، وإن كانت هذه الهدية تسبب له الجوع... ولكن لا يمدحه أحد ولا يشكره. من الأفضل ألا نشكر أحدًا عن تخصيص مدحنا للغني. والأفضل من كل ذلك أن نهتم بالأكثر بملاحظة عمل الكرم الحقيقي سواء قدمه الغني أو الفقير قبل تقديم المديح. حقًا لنكن كرماء في مدحنا كما أن المعطي سخي بماله.
-17-
نحتاج بعضنا لبعض
انظر كيف تخرج سنبلة القمح. يشير معظمنا لجهد الزارع في تقليب التربة، وبذر البذور وحَصد الحبوب. لكن الأمر ليس بهذه السهولة.
يحتاج الزارع إلى الحداد ليصنع المجراف، وشفرة المحراث، والمنجل والفأس.
إنه يحتاج إلى النجار ليصنع بروازًا للمحراث ونيرًا للحصان.
يحتاج إلى صانع الجلود ومخزنًا للحبوب والتبن.
يحتاج إلى خباز ليصنع من الحبوب خبزًا وإلا يصير تعبه باطلاً.
ويحتاج إلى رجل الغابات ليمد النجار بالخشب لينشره، وخشب للخباز لإشعال الفرن.
وهكذا يحتاج إنتاج القمح إلى أناسٍ مختلفين.
إذًا إن كنا نحتاج بعضنا لبعضٍ من أجل البقاء نفسه، لماذا نستغل ونرعب بعضنا البعض أبدًا؟ ليس شيء أكثر حماقة وعدم تعقل من محاولتنا الفوز على الآخرين. من يرعب الآخرين ويستغلهم، إنما يرعب ويستغل نفسه.
القدِّيس يوحنا الذهبي الفم
-18-
تقول لي أنك محتاج إلى المال. تقول إن المال هام ليمكنك من شراء احتياجاتك. إنني لست غير متفق معك، فأنا أيضًا أريد مالاً حتى أعيش.. لكنني أتمنى ألا أكون في حاجة إلى المال. أو بالحري أتمنى ألا يكون أحدًا منا في احتياج إلى المال. يطلب الله منا أن نثق فيه ليمنحنا كل ما نحتاجه. أرجو أن نكون قادرين على الثقة في آخرين أيضًا ليمدوننا باحتياجاتنا. في الحقيقة إنني كواعظ مضطر لذلك... إنني أنادى بالله الحق، واعتمد كلية على هبات من يسمعني - هدايا تأتيني في شكل نقود. يقدم ذلك آخرين فيما بينكم. إن أعطي كل منا لمن له احتياج مجانًا لصار المال غير ضروري. إن اهتم كل منكم بالنظر في احتياجات الآخرين، ثم نسد هذه الاحتياجات على قدر طاقتنا مجانًا، لما احتاج أحدنا إلى المال. ولما جاع أحد أو شعر بالبرد، فحينئذ يصير الكل في اكتفاء.
-19-
المهارة المطلوبة من الأغنياء لحسن استخدام ثرواتهم هي أعلى الفنون جميعًا. لا يبني معلمها على الأرض، بل في السماء، لأنه لابد للأغنياء من الاتصال المباشر مع الله لاكتساب هذا الفن وممارسته.
أدواتها غير مصنوعة من الحديد أو النحاس بل من الإرادة الحسنة، لأن الأغنياء لن يحسنوا استخدام ثرواتهم إلا إن أرادوا ذلك.
حقًا إن الإرادة الصالحة هي في ذاتها المهارة. إن أراد شخص غني بإخلاص أن يساعد الفقير، سرعان ما يريه الله أفضل السبل. وهكذا حينما وجب على الشخص الذي يتدرب ليصير نجارًا أن يتعلم كيف يتحكم في المطرقة والمنشار والإزميل، بالمثل وجب على الرجل الغني الذي يتدرب على خدمة الفقير أن يتعلم كيف يضبط عقله وقلبه وروحه.
عليه أن يتعلم باستمرار التفكير في أمور صالحة، ماحيًا كل أفكار الأنانية.
عليه أن يتعلم كيف يشعر بالحنو، ماحيًا كل خبثٍ وازدراءٍ.
عليه ألا يشعر سوى كيف يرغب في إطاعة الهً.
هذا ما يجعلني أقول إنها مهارة أن تكون تلميذًا غنيًا للمسيح، وهي أسمى كل الفنون، والشخص الذي يقتنيها فهو بالحق قديس.
القديس يوحنا الذهبي الفم
المزيد
04 ديسمبر 2021
التجسد الإلهي
حب وعمل!
بسبب الحب أخذ جسدنا وتراءف علينا
ليس هناك سبب آخر لتجسده!
الإنسان والحب
جبل الإنسان مخلوًقا محبا، لا يقدر أن يتذوق الحياة ولا أن يمارس إنسانيته خارج دائرة الحب. يريد أن يكون محبوبا، لو أمكن من العالم كله! ويشتاق- بين الحين والآخر- لو اتسع قلبه ليحمل المسكونة كلها في قلبه بالحب!
هذه ليست طبيعتي وطبيعتك، ولا هي أحاسيس عابرة تجتاز نفسي ونفسك، لكنها هي خبرة "الحياة"،خبرة الإنسان عبر كل العصور، وتحت كل الظروف.قد يبدو الإنسان جادا أو منهمكا في مسئولياته الكبرى، أو مشدودا إلى أبحاثه، أو غارًقا فى أعماله،وقد يكون الإنسان قاسيا وعنيًفا بل وأحياًنا مجرما وقاتلا... لكنه وسط هذا كله تجده متعطشا للحب... يخورأمامه سريعا ويستسلم!
لكننا نتساءل: وهل يترك الله الإنسان محتاجا إلى الحب، يتسوله من هذا أو يستجديه من تلك، بغيرشبع؟! بل وكثيرا ما يجرى وراء الصداقات والزمالات والعواطف... وللأسف غالبا ما يكتشف بعد خبرةسنوات أن سر هذه العلاقة مع أحب إنسان لديه هو الأنانية!!!
الله حب!
إن كان الإنسان بطبعه محبا، فلأنه على مثال الله "الحب اللانهائي"... ينجذب إليه، لا ليقدم حساباعن أعماله، ولا ليقدم فروض الطاعة والولاء وصنوف العبادات والتذلل، ولا لينتظر مكافآت وجزاءات ولا ليتقي غضبه... لكنه أولا وقبل كل شيء يرتمي في أحضانه ويتكيء على صدره لينهل من ينابيع حبه، التي وحدها تقدر أن تروي نفسه الظمآنة! يقول ابن سيراخ أن من يأكل منه يعود إليه جائعا، ومن يشرب منه يعود ظمآًنا إليه! إنه ينهل من حب الله بلا حدود!
هذا الحب الإلهي ليس كلاما بل عملا، أوجد له العالم قبل خلقته لا ليشبع احتياجات جسده، بل وأيضا لكي يتلمس حب الله العملي في الخليقة فترتوي نفسه جبل له حواء أيضا لكي لا يكون وحيدا، لكنه يتلمس محبة الله خلال تآنسهما معا، وهما يلهجان في أعمال الله ويسبحانه من أجل تدابيره المملوءة حبا!
بعد السقوط، خرج "المخلوق المحب" من فردوس الحب إلى عالم مملوء وحشية، قانونه الظلم
ودستوره العنف، إذ تحول من وحدة الحب إلى انقسامات الكراهية والأنانية، كل قبيلة لا تؤمن إلا بنفسها، تؤمن بالبقاء للأقوى والموت للأضعف!... تحول الإنسان إلى وحش كاسر لا يفترس أخاه بل ونفسه حتى ليصل أحياًنا إلى الرغبة في الانتحار، كارها نفسه!
بمعنى آخر، خرج الإنسان من فردوس الحياة إلى عالم الموت، عوض الحب يمارس الأنانية... فإنه وإن صادق أو زامل أو ترفق، فغالبا ما يكون لأجل نفسه لإشباع حاجاته النفسية أو الاجتماعية!
ومع هذا، ففي أعماقه يحس بين الحين والآخر بحنين أن يحب وأن يحب، لكنه كثيرا ما لا يجد من يحبه حًقا، وكثيرا ما يحسب أنه لا يوجد في العالم من يستحق حبه! لقد فسدت حياته الداخلية، كما فسد العالم المحيط به... وصار الأمر جد خطير! لقد فقد الإنسان حياته وطبيعته وبصيرته... فهل يتركه "الحب اللانهائي" هكذا يتخبط؟!
الحب يقتحم حياتنا!
في "فردوس الحب" كان الإنسان ينعم بالحب، يحصره الله بالحب، ويفيض هو حبا نحو الله، متهللا كلما "سمع صوت الله ماشيا في الجنة"... لم يكن محتاجا إلى وصية عن "الحب" ولا معلما يرشده ويدربه على"الحب"... لكن كان يكفيه اللقاء الدائم مع الله، والوجود المستمر في حضرته!
أما وقد خرج الإنسان هائما في عالم الأنانية، لم يقف الله مكتوف الأيدي، بل كان يليق به أن يعلن حبه عمليا، فأرسل إلينا وصيته "حب!"... "حب الرب إلهك... حب قريبك كنفسك" أرسل الله الوصية أو الناموس يطالبنا بالحب، لكن الناموس كان صعبا والوصية غير قادرة على
تغيير طبيعتنا. فصار الناموس وهو مقدس كاشًفا للضعيف غير معالج له... فيقول الإنسان "لما جاءت الوصيةعاشت الخطية فمت أنا. فوجدت الوصية التي للحياة هي نفسها لي للموت. لأن الخطية وهي متخذة فرصة بالوصية خدعتني بها وقتلتني" هذا ما فعله الناموس، وهذا ما أكده الأنبياء، إذ جاءوا نبيا يلي نبيا من أجل تنفيذ وصية الحب.فكشفوا العجز البشري وحاجتهم إلى من يعيد إليهم طبيعة الحب المفقودة.
الحب يتجسد!
إذ كان الإنسان موضع لذة الله وموضوع حبه كان يلزم ألا يبقى الله في سمواته يعلن حبه للإنسان وهو منعزل عنه. لا يكفي أن يرسل إليه الوصية أو الناموس، ولا أن يبعث إليه بالأنبياء، لكن حبه ألزمه أن يلتقي بالإنسان في عالمه... يدخل معه طريقه، ويشاركه حياته الأرضية لكي يحمله بالحب على كتفيه ويعيده من جديد إلى "عالم الحب"، إلى الحياة السماوية!
تجسد "الحب" ليعيش بين البشر، واحدا منهم، حاملا إياهم إلى "حياة الحب" المفقودة... وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم "صار ابًنا للإنسان لكي يصير أبناء الإنسان أبناء لله". جاء يلاطف الإنسان بالحب،يجذبه إليه، واهبا إياه طبيعة جديدة، طبيعة الحب الحقيقي التي تفرح قلب الله. "هكذا يصبح الإنسان قيثارة،متوافقة، نغمها الروحي يسحر الله"!
بحق دعي التجسد سرا أنه سر حب الله اللانهائي، إذ "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد
لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية".الإله المعبود صار إنساًنا، وقابل الذبائح والتقدمات "صار كاهًنا وذبيحة"!
أعلن حبه بالعمل لا بالكلام "فإن الله لم يجازنا عن تعدياتنا الكثيرة التي اقترفناها ضده رغم
إحساناته علينا، بل أعطانا ابنه. جعله من أجلنا خطية تركه يدان ويموت كملعون! إنه يشبه ملكا يرى لصا على وشك الإعدام فيرسل ابنه الوحيد الحبيب، ينقل عليه الموت ذاته بل وخطأ المجرم! هذا كله من أجل خلاص المذنب ورفعه إلى كرامة عظيمة".لقد ترنم الآباء بهذا التجسد العجيب الذي دخل إلى حياتنا ليرفعنا إلى الصداقة مع الله، والشركة مع السمائيين، والتمتع بحياة الحب يقول القديس غريغوريوس العجائبي "المولود من الله الآب أخذ لنفسه من العذراء جسدا حتى يدين الخطية في الجسد، ويهزم المجرب، معلًنا بداية القيامة وتأسيس الحياة الأبدية ونشأة الصداقة بين الناس والآب".ويقول مار إفرآم السرياني "المجد لذاك الذي نظر إلينا إننا قبلنا التشبه بالوحوش في هياجنا وجشعنا، فنزل إلينا وصار واحدا منا، حتى نصير نحن سمائيين".
ويقول مار يعقوب السروجي: "الحب جذبك لتأتي إلى بلدنا من أجلنا... حبك خلطك معنا بالجنس،
لنرتل لك! صرت معنا ومنا، إذ أنت ربنا. هوذا عمانوئيل معنا، بجوارنا...".لنحب... بالإيمان والروح والعمل!
"هو أحبنا أولا..."
لقد بادرنا بالحب لكي يجذبنا إليه، لا بالعاطفة والمشاعر ولا بالكلام والوصية، إنما فوق الكل بالعمل والبذل! تجسد وتأنس، تألم وصلب، مات ودفن، قام ليقيمنا معه حاملين "جدة الحياة".
يفتح ذراعيه بالحب نحو العالم... يدعو الجميع، ويلح في الدعوة، مؤكدا "أن كل الفضل هنا لصاحب الدعوة، وما على المدعوين إلا الطاعة"... يريد أن يبرق في كل نفس ويدعوها باسمها كما في طريقها إلى دمشق لكي يخلق من شاول المقاوم بولسا المحب قائلا "لستم أنتم اخترتمونى بل أنا اخترتكم" قدم عملا وبذلا،ولا يزال يقدم الدعوة الشخصية لكل أحد، لكى من يؤمن به يتجاوب معه بالحب العملي، فيرتمي في أحضانه بالنعمة الإلهية لينعم بالخلاص...
الخلاص هو التلاقي بين حب الله العملي وحب الإنسان الإيماني العملي. هو خروج من الذات
بالروح القدس لكي يدخل الإنسان الحياة الجديدة في المسيح يسوع، كحياة إنجيلية عملية، ممارسة حب مع ذاك الذي يحبها هذا التلاقي يتم بالطبيعة الجديدة التي ننالها بالمعمودية، بالروح القدس الذي ننعم به في الميرون هذا ما أكده الكتاب قائلا "من آمن واعتمد خلص...". لنؤمن ولنعتمد، حاملين الروح القدس فينا،الذي وحده يقدر أن يدخل بنا ونحن في كامل حريتنا إلى "الحياة الإلهية"... "إذ لا نقدر أن نجري في طريق الله إلا محمولين على أجنحة الروح" لابد للتنعم بفاعلية سر التجسد أن نقبل روحه القدوس عوًنا وسندا ينطلق بنا إليه، لنعيش في شركة مع الإله المتجسد، نمارس حياته الفاضلة فينا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:"بمعونة الله نحن نفعل الخير الذي نعمله"،"ليس أقوى من الذي يتمتع بالعون السماوي، كما أنه ليس أضعف من الذي يحرم منه"،
"لنكن أقوى من الجميع، ممتلئين ببولس وبطرس ويعقوب ويوحنا، فإن غاب عنا العون الإلهي لا نقدر أن نقاوم أتفه إغراء".
تلاقي عملي
الله في حبه بذل ابنه بإرادته الكاملة، إرادة محبة عاملة، ونحن أيضا يلزمنا أن نلتقي مع هذه الإرادة بإرادة كاملة، إرادة حب باذل... هذا هو سر خلاصنا! أحبنا أولا بإرادته ونزوله إلينا، ونحن به نحبه بقبوله فينا بالإيمان العملي!
بمعنى آخر لا يلزمنا الله بالخلاص قسرا، كما لا يطلب منا إيماًنا سلبيا بل عاملا... هذا ما أكده
القديس يوحنا الذهبي الفم، إذ أقتطف القليل من أقواله في هذا الشأن."أوجد الخالق طبيعتنا سيدة نفسها. في رحمته يهبنا معونته على الدوام، وهو مدرك ما هو مختبيء في أعماق القلب. إنه يرجونا وينصحنا وينهانا، محذرا إيانا من تصرفاتنا الشريرة، لكنه لا يفرض علينا شيئًا قسرا. يعرض الأدوية المناسبة، تاركا الأمر كله لقرار المريض نفسه"."نحن سادة، نستطيع أن نجعل كل عضو فينا آلة للشر أو للبر"."الله لا يريد أن تكون العطية بكاملها من جانبه، لكنه يريد أن تدخل فيها الصلاة حتى لا يصير العبد بغير مكافأة."الله يريد أن يظهر العبد وكأنه قد ساهم في شيء فلا يسقط في الخجل"."النعمة دائما مستعدة! إنها تطلب الذين يقبلونها بكل ترحيب. هكذا إذ يرى سيدنا نفسا ساهرة وملتهبة حبا يسكب عليها بفيض غناه، وبغزارة تفوق كل طلبته".
"الله يدعو ويجذب إلى الحق الذين حتى في أخطائهم يطلبون طريق الحق"."إن عطش أحد فليقبل إلي ويشرب".أنا لا أسحب أحدا بالقوة ولا بالعنف، لكن إن كان أحد ممتلئًا إرادة حسنة ومشتعلا بالرغبة، هذا أناأدعوه"."يلزمنا أولا أن نصنع ما نستطيع، فيعمل الله فينا".
"كيف صار بولس بولسا؟ من نفسه أم من الله؟ من الله، لأنه من نفسه!"."لا يغضبنا الله ولا نعمة الروح تلزم إرادتنا، إنما ينادينا الله وينتظر لكي نتقدم بملء حريتنا. فإذا مااقتربنا يعطينا كل عونه"."أي شعلة يشعلها الروح في داخلنا، نستطيع نحن إن أردنا أن نوهجها أكثر فأكثر، وإن لم نرد نفقدهاللحال"."الله في حبه قد أعدنا من قبل (النعمة) للخلاص. هذا الخلاص نبلغه لا بمجهودنا ولا بأعمالناالصالحة، بل بالنعمة. ولكن ليس بها فقط بل بالفضائل أيضا. لأنه لو كان كل شيء من قبل النعمة وحدها لخلص جميعنا. ولو كان كل شيء بفضيلتنا الشخصية فما فائدة شفاعة المسيح وتجسده؟!
بالحقيقة نحن مخلصون بالنعمة وحدها ولا بالفضيلة وحدها بل بالاثنين معا"."الله يطلب منا حجة صغيرة حتى يقوم هو بكل العمل".
بالنعمة أنتم مخلصون!
إن كان القديس يوحنا الذهبي الفم يؤكد أهمية الجهاد لكنه يخشى أن نسقط في الكبرياء، فنظن أننا بجهادنا الشخصي ندخل الحياة الإنجيلية، بتقوانا أو بأعمالنا الصالحة، لذلك ينصحنا قائلا:"لا شيء يجعل أعمالنا الصالحة عديمة الفائدة وباطلة إلا عندما نتذكرها ظانين أننا فعلنا الحسنى".
"أعترف أنك تخلص بالنعمة، لكي تشعر بأن الله دائن لك، ليس من أجل أعمالك الصالحة بل من أجل أحاسيسك النبيلة... فإن أسندناها لله، تكون مكافأتنا عن اتضاعنا أعظم من مكافأتنا عن الأعمال نفسها".أخيرا، لقد أحبك الله ونزل إليك، لكي يرفعك بنعمته إليه... إنه ينتظر على الدوام لقاءك، لكي تعلن له حبك وتقبله في حياتك.بركة الرب ترافقك
القديس يوحنا ذهبي الفم
المزيد
29 أبريل 2023
انجيل عشية يوم الأحد الثاني من الخمسين
تتضمن الحث على سماع التعاليم الإلهيـة . مرتبـة على فصل انجيل مشى السيد علـى البحـر وقولـه لتلاميذه : " انا هو لا تخافوا " ( يو ٦ : ١٦-٢٣ ).
يجب علينا ايها الأحباء أن نتمسك بالايمان الوثيق والأعمال الفاضلة وننتبـه من سنتنا . ونسارع إلى طاعة إلهنا . لنقدر على تسكين رياح المحن وتلاطم أمـواج المعاندين . لاننا اذا تركنا الاهتمام بالأشياء الحاضرة واللذات الزمنية . ووقفنا امـام ربنا كل حين فإنه حينئذ يجود علينا بالممالك السمائية والكنوز الأبدية . ويسمح بالخلود في النعيم . وكما أن الأباء الجسدانيين إذا أحدق بهم الأولاد من كـل جـانب وتركوا لعبهم وانعطفوا إلى طاعتهم بكل قلوبهم . يقبل عليـهم الأبـاء أتـم قبـول ويمنحونهم الأموال والهدايا والعطايا الجزيلة . هكذا يكون الأباء الروحيون . وكذلـك أكون أيضاً اليوم إذا رأيتكم مجتمعين اجتماعاً روحياً . مسرعين إلى سماع التعــــاليم الألهية بمحبة ونشاط . محافظين على العمل به مسرورين . معرضين عن الاهتمـام بالأمور الجسمانية . متهافتين للجلوس على المائدة الروحانية . فأنى اسر أن امنحكـم التعاليم المنقذة للنفوس وكما أن الفلاح إذا نظر إلـى جـودة الأرض ونقاهـا مـن الأشواك والأوساخ والحشائش الردية يروم إن يزرع الحبوب بكثرة . هكـذا يـكـون حالي أنا الأن فأني إذا رايت أراضي نفوسكم قد تنقت من الاهتمام بالسكر والبـذخ وطيشان الأذهان وهيمان الأفكار الشريرة وتكون عقولكم ناظرة إلى السماء وممتـدة نحو الباقيات ومستولية على قهر الطبيعة الجسمية . فأني اسارع إلى وضع البـذاربكثرة . حيث لا اشواك تخنقه . ولا طيور تلقطه . ولا عابر طريق يقلعه . أين هذا ايها الأحباء إذ كنا لا نسمع كلام الله ولا نعمل به ؟ الا نعلم كما أن الإيمان بدون عمـلى لا يجدي نفعا . كذلك سماع كلمة الله بدون فهمها والعمل بها لا يفيدنا شيئا فالذي يسـمع ولا يعمل يشبه ذلك الجاهل الذي بنى بيته على الرمل . لهذا أتضرع اليكم ايها الأحباء . ان يكون سماعكم للأقوال الألهيـة كسـمع الفاهمين لها والباحثين عن معانيها المسارعين إلى العمل بأوامرها . الحذريـن مـن مخالفتها . الخائفين من العقاب عن اهمالها . لنشابهوا الذي حفـر الأسـاس وأجـاد . ووضع الحجر على الصخرة مقدما النظر نحو ملاقاة الرياح ومصادمـة الأمواج وإلا يكون سماعكم كسمع المهملين الذين يضيعون أتعابهم باطلا . حيث يتعبون فـى جمع الحجارة وأبتياع الآلات وصرف نفقات الفعلة والبنائين ثم يضعـون الأسـاس على الرمل أسمعوا ربنا له المجد حيث يقول : " من يسمع أقوالي ويعمل بها أشـــبه برجل عاقل بنى بيته على الصخر فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبـت الريـاح ووضعت على ذلك البيت فلم يسقط . لأنه كان مؤسسا على الصخرة " مت٢٤:٧-٢٥ وقال ايضـا " وكل من يسمع أقوالي هذا ولا يعمل بها يشبه برجل جاهل بنى بيته علـى الرمـل . فنزل المطر وجاءت النهار وهبت الرياح وصدمت ذلك البيت فسقط وكان سـقوطه عظیما مت٢٦:٧-٢٧ فسبيلنا إذن أن نقلع عن التلاهي بـــــــالزائلات وأعمالـها النجسـة كالـهزء والضحك وسماع الاصوات الخبيثة وما شبه ذلك . ولنتمسك بأعمال المحبة والرحمـة والرأفة والاتضاع والصدقة على المحتاجين والأفراج عـن المتضـايقين وأفتقـاد المسجونين.والأنشغال بالأمور العقلية المثمرة لهذا . كالصلوات والقـراءات وغـير ذلك . ونقف قدام ربنا بوجوه مشرقة وأعمال مضيئة . فنأخذ أكليـل الظفـر ونفـوز بنعمة ربنا والهنا يسوع المسيح الذي له المجد إلى الأبد أمين .
القديس يوحنا ذهبى الفم
عن كتاب العظات الذهبية
المزيد
08 فبراير 2023
انجيل باكر اليوم الثالث من صوم نينوى
تتضمن الحث على التوبة من قول الأنبـا بطـرس بطريرك انطاكية مرتبة على انذار النبـي لأهـل نینوی بانه : بعد أربعين يوما تنقلب نينوى مرتبة على قوله تعالى بفصل الإنجيل : " أحمـدك أيها الآب رب السموات والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء ... " ( يون ٢ : ١-٤ ومت ١١ : ٢٥-٣٠ ).
أيها الأحباء : إن لم نجعل ملكوت السموات وخيرتها نصب أعيننا فـي كـل حين ونجعل عيوننا ناظرة اليها . فلا نستطيع أن نتعب لأجلها . وإن لـم نتصورهـا دائماً في عقولنا فلا نكد مجتهدين اليها . لذلك العقوبات المعدة لخطاة . إن لم نجعل ذكرها وخوفها في قلوبنا على الدوام . فلا نقدر أن نترك الخطايا التي نفعلها . يا أحبائي بأي حجة نحتج أمام الرب إلهنا إذا كنا لـم نـتـب ونرجـع عـن خطايانا . ونحن نسمع ربنا في كل يوم يقول لنا : " قد كمل الزمان واقترب ملكوت السموات فتوبوا وآمنوا بالانجيل" فاهتموا إذن بنفوسكم قبل الرحيل . لأن سيدنا يحذرنا دائماً بقوله . " أدخلــوا من الباب الضيق . لأنه واسع الباب ورحب الطريق الـذي يـؤدى إلـى الـهـلاك . وكثيرون هم الذين يجدونه وهي نعم أن حلاوة هذا العالم لذيذة . ولكنها يسيرة وتضمحل سريعاً . تؤدى إلى الهلاك . أما الطريق الصعبة الضيقة فإنها عن قريب تؤدى إلـى الفـرح الدائم . وصعوبتها زمن يسير وشقاء منقطع ثم يعقبها فرح دائم لا يزول . أيها الأحباء لو فرضنا أن واحداً منا وقع في شدة . أما كان يعمل على الفرج منها بكل جهده مع انها لزمن يسير ثم تزول سريعاً . فكيف نختـار نـحـن أن نلقـى نفوسنا في الشدائد الصعبة والعذاب الطويل الدائم الذي لا نفاذ لـه . ونثـابر عليـه ونتهافت . ونتمادى فيه وبه نتفاخر . أيها الأخوة أما يمكنكم أن تتشبهوا بأهل نينوى . أولئك القوم الذين كانوا مـن قبل عصاة ظلمة . ولما سمعوا الإنذار بالعقاب التهيت قلوبهم بنار الخـوف مـن الله تعالى . وتصوروا ذلك بعيون عقولهم الرائقة وعـــــــاينوا نتيجـة الخسـف لمدينتـهم والعذاب لنفوسهم . ثم تصوروا نتيجة التوبة الصالحة التي هـي الرحمـة الإلهيـة . فعجلوا بتوبتهم وحصلوا على الرحمة الربانية . أيها الإخوة ليبدأ كل منا بتعجيل التوبة والاعتراف بالذنوب . مـع الإقلاع عنها . فإن السيد له المجد يقول في الانجيل المقـدس : " أحمـدك أيـها الآب . رب السماء والأرض لانك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء واعلنتها للأطفال . نعم أيـها الآب لان هكذا صارت المسرة أمامك " یعنیى بذلك أشكرك يا أبي لانك سمحت أن تخفى أسرار ملكوتك السـماوى ، ومواهب نعمتك العظيمة عن المدعين الحكمـة والفـهم مـن الكتبـة والفريسيين المتكبرين القاطنين بكفر ناحوم . وأظهرتها لتلاميذي المؤمنين بي وللمتواضعين مـن الشعب الساذج . نعم أيها الآب هكذا أردت وصنعت كل ما صنعته بإستقامة . لانــك شئت أن تواضع المتكبرين وترفع المتضعين . وقال ايضاً في الكتاب المقدس : تعالوا إلى يا جميـع المتعبيـن والثقيلـى الأحمال وأنا أريحكم . احملوا نيرى عليكم وتعلموا مني . لانــــى وديـع ومتواضـع القلب . فتجدوا راحة لنفوسكم لان نيرى هین وحملی خفیف فسبيلنا الآن ان نطلب من صانع الخيرات معنا كل حين . أن يبعدنـا عـن الخطايا والركون إليها . وأن يلهمنا العمل بما يرضيه . وان يغفر لنا خطايانا ويمحـو أثامنا . وإن يهبنا القبول أمامه والقربي إليه . وفي يوم الحكم العظيم المرهـوب . وأن يسكنا جميعاً فردوس النعيم . ويسمعنا الصوت البهج القائل تعالوا يا مبــاركي أبـى رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم " . بشفاعة سيدتنا العذراء القديسة مريـم وكافة الشهداء والقديسين . آمين .
القديس يوحنا ذهبى الفم
عن كتاب العظات الذهبية
المزيد
04 فبراير 2023
انجيل عشية الأحد الرابع من شهر طوبة
تتضمن الحث على طلب العلـوم وتفتيـش الكتـب وتبكيت السحرة والمنجمين والذين يكتبون الحـروز . مرتبة على قوله بفصل إنجيل اليوم : " إن كنت أشهد لنفسى فشهادتى ليست حقا . الذى يشهد لى هو آخر ( يو ٥ : ٣١-٤٦ ).
إذا كان سيدنا له المجد قد بكت الذين أهملوا البحث في الكتب كمـا ينبغـى بقوله لهم : " فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حيوة أبدية . وهي تشـهدؤ لى " وقوله : " لأن موسی كتب عنی . وامثال ذلك . فماذا عساه يبكت المؤمنيـن ؟ ومعنى ذلك هو أنكم لو قرأتم كتب الشريعة قراءة المتفهمين لها . لعلمتم أننـي أنـا المنتظر . لا غيرى . ولأغنتكم شهادة الأقوال الإلهية عن سواها . لمطابقة المكتـوب قديما على الواقع . فما بالنا نحن الآن نعرض عن البحث والتفتيش . حتى صرنا عند المخـالفين لنا في الأيمان أضحوكة وخزيا . ويصدق علينا قول الكتاب : " هلـك شعبي لعـدم المعرفة وإذا كنا إلى الآن نوجد هكذا جهلاء من شدة الكسل . فينبغي لنا أن نبدأ لكـم من الشريعة القديمة بالأسهل والأقرب . وما يصلح للأطفال لا للكاملين . حتى يمكنكـم بهذه الواسطة أن ترتقوا إلى فهم المعاني الخفية والنبوات الرمزية . وكما أن الفلاح إذا نظر إلى قوة الأرض . فأنه يبذر الحبوب بكـثرة . هكـذا نحن إذا رأيناكم إلى فهم ذلك تسارعون . ولإحرازه ترغبون . أما الآن فاسمعوا قـول الله تعالى في أول التعاليم الالهية : " أنا الرب الهك لا يكن لك ألهة أخرى أمامي لا تنطق باسم الرب الهك باطلا . لأن الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلا أكـرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الـرب إلـهك . لا تقتـل . لا تزن . لا تسرق . لا تشهد على قريبك شهادة زور . لا تشته بيت قريبك . ولا أمراتـه ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا مما لقريبك . لا تلعن رئيسا في شعبك . لا تؤخر ملء بيدرك وقطر معصرتـك . وأبكـار بنيك تعطيني . كذلك تفعل ببقرك وغنمك . سبعة أيام يكون مع أمه وفي اليوم الثـامن تعطيني أياه . وإذا صادفت ثور عدوك أو حماره شاردا ترده إليه . إذا رأيت حمـار مبغضك واقعا تحت حمله .. فلابد أن تحل معه ' لا تأخذ رشوة في القضاء . لأن الرشوة تعمى المبصريـــن وتعـوج كـلام الابرار . وإن وجدت ضالة لا تعرف مالكها فضمها إلى منزلك لتكون عندك إلـى أن يطلبها صاحبها . لأنه لا يحل لك أن تتغافل عن الضال .ومن أخطأ في فعـل واحدة من مناهى الله . أو فعل ما لا يحل يقدم عن خطيته قريابا . وإن خان صاحبه في وديعة أو أمانة . أو غصبه شيئا . أو أخذ ماله ظلما وحلف كاذبـا علـى شئ فليرد كل واحدة من هذه ويزيد عليه خمسة ويعطيه إلى صاحبه . ويقرب قربانـا عن خطيته لا تكشف امراة في وقت حيضها . ولا تتنجس بزوجة صاحبك . ولا تضـاجع الذكور . ولا يتدنس أحد من الرجال والنساء بشئ من البهائم لا تلتقط ماسقط مـن حصاد أرضك . ولا من ثمار كرمك . بل ترك ذلك للمسكين والغريب لا تؤخر أجرة الأجير عندك للغد . ولا تشتم الاصم . وقدام الأعمى لا تجعـل معثرة . لا تتفاءلوا ولا تقصروا شعوركم . ولا تفسدوا لحالكم ولا تخدشوا وجوهكـم وابدانكم على أمواتكم . وكتابة وشم لا ترسموا على أعضائكم ولا تظلموا الغريـب الساكن بينكم لا تسمعوا للمنجمين والعرافين والمشعبذين . لأني أنا الله ربكـم ولا تفعلوا غشا في الحكم . ولا في القياس ولا في الوزن . ولا في الكيل . بل تكون لكم موازين واقساط عادلة الزاني والزانية يقتلان معا . وكذلك من يتنجس ببهيمـة يقتـل الانسـان والبهيمة رجما . ومن جامع حائضا فليقتل مع المرأة . والمشعوذ والعـراف يقتـلان رجما بالحجارة ويكون دمهما على عنقهما " ولا يوجد فيكم عراف ولا سـاحر ولا متفائل . ولا من يرقى رقية ولا من يسـأل جانـا أو تابعـه ، ولا مـن يستشـير الموتى. ومن وجد هكذا فليخرج من الجماعة . واما الذي يسألهم ويخالطهم . أو يدخلهم إلى بيته أو يدخل هو إلى بيوتـهم . أو يأكل من طعامهم ويشرب من شرابهم . فأن كان كاهنا فليقطع ويمنع من مخالطـة المؤمنين وإن كان غير كاهن فليخرج خارج الجماعة إلى ان يرجع ويتـوب عـن ردی عمله إن كان لرجل ابن عاص مارد لا يطيع أوامر أبيه وأمـه فليخرجـاه إلـى المشائخ . ويقولا لرجال تلك المدينة : أن ابننا هذا عاص متمرد علينا يلعب ويســــر ولا يطيع أوامرنا . فيرجمه جميع أهل المدينة بالحجارة حتى يمـوت ) . واعزلـوا جميع الاشرار من بينكم . ولا تلبس المرأة ثياب الرجل . ولا الرجل ثيـاب المـرأة . فـإن هذه الأفعال مرذولة عند الرب إلهك . أعمل درابزين لسطحك لئلا يقع أحد منه فيموت ويكون قتيلا في منزلك إياك أن ترابي أخاك . لا بربا الورق . ولا ربا الطعـام . ولا ربـا جميـع الأمـور . ليباركك الرب إلهك في جميع أعمالك . وإن نذرت للرب نذرا فلا تؤخر وفاءه . فـإن الرب إلهك يطلبه منك ويكون عليك إثم . احفظ ما يخرج من شفتيك . واعط ما تكلـبه فمك لتجازي بالحسنی . إن كان لك دين على صاحبك . فلا تدخل إلى بيته لتأخذ منه رهنا . بل تقيــم خارجا . وإن كان فقيرا فإياك أن تنام في رهنه . بل رد اليه الثـوب عنـد غـروب الشمس لينام فيه . لتجد رحمة امام الرب ألهك لا تحـف علـى الضعيـف فى القضاء . ولا تسترهن ثوب الأرملة وكونوا قديسين لأنى أنا قدوس ،وإذ قد علمنا أن هذه الأقوال الأولى القريبة المأخذ والسـهلة العمـل هـي متعذرة على الاكثرين منا . فكيف والحالة هـذه تكـون شـريعة الكمـال الموافقـة والمطابقة لعقول الفضلاء ؟ فسبيلنا إيها الأحباء أن نتيقظ من غفلتنا . ونتفهم معـــانى كلام ربنا . لنأخذ أكاليل الغلبة . ونحظى بسعادة ملكوت مخلصنا يسوع المسيح . الـذي له المجد والوقار إلى ابد الآبدين آمين .
القديس يوحنا ذهبى الفم
عن كتاب العظات الذهبية
المزيد
04 يناير 2022
رحمة الله الظاهرة للبشر في تجسد ابن الله
يقول القديس بولس الرسول: "لأنّه هو سلامنا جعل الإثنين واحداً ونقض في جسده حائط السياج الحاجز أي العداوة" (افسس2: 14).
الحق! إن المتجسد من العذراء نقض حائط السياج الحاجز، وصار الاثنان واحداً. تبدّد الظلام وأشرق النور وغدا العبيد أحراراً والأعداء بنين. زالت العداوة القديمة وساد السلام المرغوب من الملائكة والصِدّيقين منذ القديم، لأن الأمر المدهش قد تمّ، وهو أنّ ابن الله صار إنساناً، فتبعته الأشياء كلّها، المخلص يضع ذاته ليرفعنا، ولد بالجسد لتولد أنت بالروح. سمح للعبد أن يكون له أباً، ليكون السيد أباً لك أيها العبد. فلنفرح ونبتهج كلنا. لأن البطريرك "إبراهيم قد ابتهج ليرى فرأى وفرح" (يوحنا8: 56) فكم بالحري نحن الذين رأينا الرب في الأقمطة! لذلك، يجب علينا أن نسَّر ونبتهج بعظمة إحسانه.
إنه لأمر يستحق الانذهال. لقد ساد السلام لا لمبادرتنا إلى الرب نحن الذين أخطأنا إليه ، بل لأن الساخط علينا نفسه قد شفق علينا. "فأسألكم من قبل المسيح أن تتصالحوا مع الله" (كورنثوس الثانية 5: 20) إذ خلق العلي بنعمته وحدها الانسان وأعطاه على الأرض أجمل مكان ليعيش فيه، ووهبه وحده العقل بين المخلوقات كلها، وسمح له برؤيته تعالى، والتلذذ بالحديث معه، ووعده بالخلود، وملأه بالنعم الروحية حتى أن الإنسان الأول تنبأ؛ ولكنه بعد هذه الخيرات كلها رأى العدو أجدر بالايمان ممن وهبه جميع ما ذكر، فاحتقر وصية الخالق وفضل من كان يعمل على هلاكه بكل الوسائط. ومع ذلك فما أباد الله الارض كما تقتضي العدالة، لما أظهر الإنسان من العقوق وعدم معرفة الجميل. بل صار يُعنى به أكثر من الأول، لأن الخطر اشتد كثيراً بعد استسلام جنسنا للإثم، وتعرضه للهلاك. ولكن الآب السماوي اهتم للخاطئ وحدثه كصديق مبيناً له خطر الهلاك المحدق به، ثم أعطاه الشريعة كمساعد له، وأرسل الأنبياء لتعلمه ما يجب عليه أن يفعل. "ثم أرسل له وريثه نفسه – أي ابنه – مولوداً من امرأة تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني" (غلاطية4: 4و5) لذلك نرى نبي الله متعجباً من حكمة الضابط الكل وصارخاً : "هذا هو إلهنا قد تراءى على الأرض وتردد بين البشر" (باروك 3: 38) ابن حقيقي لآب أزلي لا يعبر عنه ولا يدرك، اجتاز أحشاء بتولية، وتنازل ان يُولَد من عذراء، ولم يكفّ عن العمل والشروع بالأشياء حتى جاء بنا نحن الأعداء إلى الله، وصيّرنا اصدقاء له، فكان كمن يقف بين اثنين متقابلين باسطاً ذراعيه لهما ليوحدهما معاً. هكذا فعل ابن الله موحداً الطبيعة الإلهية مع البشرية، أي خاصته مع خاصتنا. هذه وفرة نعمة الرب. إن الذي غضب يسعى للسلام قاهراً المغتصب. قد يخلع الملك تاجه أحياناً ويلبس حلة جندي بسيطة حتى لا يعرفه أحد من أعدائه. أما السيد المسيح فقد جاء لابساً حلتنا حتى يُعرف، ولا يدع العدو يفر هارباً قبل القتال، ويدعو أتباعه إلى الاضطراب، إن غاية ابن الله هي الخلاص لا الإرهاب.
ربما تقول: لماذا لم تكمل هذه المصالحة بواسطة أحد الأرواح غير المتجسدة أو أحد البشر، بل بواسطة كلمة الله؟ فالجواب لأنه لو حصلنا على الخلاص بواسطة أحد الصديقين لما علمنا مقدار عظم اهتمام السيد بنا، ولما أصبح موضوعاً للإعجاب مدى الأجيال. فانه ليس بالأمر المدهش الفريد لو دخل مخلوق في الاتحاد مع مخلوق آخر؛ وبالتالي، لما قدر الإنسان أن يعمل عملاً إلهياً. وسرعان ما يسقط الأرضي، كما عمل اليهود، إذ حوّلوا خلاصهم المعطى لهم بواسطة موسى إلى شرور أشدّ من التي تحمّلوها في أرض مصر، وكادوا يؤلهون موسى بعد موته. إنهم أرادوا أن ينادوا به إلهاً،وهم يعلمون أنهم معه من طبيعة واحدة. وأخيراً لو أرسل ملكاً أو بشراً لاجل إنقاذنا من السقوط لما حصلنا على الخلاص ولا قدرنا أن نقترب من الذي حصلنا عليه الآن. ولو أن قوام خلاصنا حصل من طبيعة ملائكية أو بشرية فكيف يُعطى لنا أن نجلس عن يمين الآب السماوي ونصير أعلى من الملائكة ورؤساء الملائكة، ونستحق ذلك الشرف الذي تتمنى القوات العلوية الدخول في مجده. ولو حرم الجنس البشري من هذا النصيب المغبوط ألا يظهر عدونا القديم كبرياء أعظم من الاولى ويفكر بتهييج السماء ذاتها؟ فمن أجل هذه الاسباب وغيرها أخذ ابن الله الطبيعة البشرية وكمّل خلاص الجنس البشري كله. وعليه إذا تصورنا عظمة تنازل الله فلنعطِ السيد الشرف الواجب، لأننا لا نقدر أن نكافئه إلا بخلاص نفوسنا، وبالاهتمام بالقريب. وليس من عيد أفضل من اهتمام المسيحي الحقيقي بالقريب، والاجتهاد بخلاصه. لأنّ المسيح لم يرضِ ذاته بل الكثيرين. هكذا يقول رسول المسيح: "غير طالب ما يوافقني بل ما يوافق الكثيرين لكي يخلصوا) “كورنثوس الاولى 10: 33(
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
المزيد
11 فبراير 2023
انجيل عشية الأحد الأول من شهر أمشير
و تتضمن الحث على الأعراض عن العالميات وتذكـر القيامة والمجازاة . مرتبة على فصل انجيل ركـوب السفينة . ( يو ٦: ١٥-٢١ ).
إذا كان الذين سمعوه أقوال ربنا زمناً يسيراً تركـوا كـل شـئ وتبعـوه متزرعين بسلاح الشجاعة . ومسرعين إلى السماع بـــــــالقبول وقـد ظـهرت أثـار تصديقهم وثمرات إيمانهم فأنهم القوا انفسهم في البحار الزاخرة . وصـادموا أهـوال تلاطيم الأمواج وعواصف الرياح . ومشوا على المياه الكائنة في الأعماق . وقـاوموا الملوك وقهروا الفلاسفة . وجذبوا سلاطين العالم إلى العمل بمرادهم فما بالنا نحـن الذين نسمعه يخاطبنا دائماً . تارة بذاته وتارة برسله . وتارة بأنبيائه . وتـارة بعظـات التابعين له . ونحن مع ذلك لا نتيقظ من غفلتنا ونسارع إلى ما فيه خلاصنا وحتـى م لا نبتعد عن الميل إلى التنعم والسكر وحب الغني والاهتمام بأجسامنا الباليـة . إذا لا ينبغي لنا أن نقر معترفين بالدخول تحت نير المسيح ونوجد مخالفين له . لأنـه قـد أشترط على مطيعيه أن يكفروا بذواتهم ويهملوا شهوات نفوسهم ويتبعـوه حـاملين صلبانهم ( ۱ ) , ومعلوم أنه حيث يكون الكفر بالنفس فلا لذة توجد هناك ولا سـكر ولا غنى وغير ذلك من المحبوبات العالمية . وحيث يوجد الميل مع الشـهوات واللـذات الدنياوية فهناك توجد المناقضة لشروط المسيح . وإذ نقصنا شروط ربنـا خالفناهـا بأعمالنا الأثيمة . فكيف نوجد بهجين مسرورين ؟ وهل نكون فـى حالتنـا تلـك إلا بمنزلة الأطفال الذين يخالفون آباءهم ويفعلون ما يشتهون ؟ وهم مع ذلـك غـافلون ذاهلون عن عقوباتهم الواقعة بهم وشيكاً . وإلا فكيف يحسن بالعقلاء الإلتـذاذ بنيـل الشهوات الخسيسة مع الخلود في عذاب الجحيم . وكيف اننا لا نصور فـى عقولنـا دائماً إنقراض آجالنـا ؟ وانقطـاع حياتنـا بسـرعة . وفسـاد أجسـامنا . وتفـرق
أوصالناإذا كان الذين سمعوه أقوال ربنا زمناً يسيراً تركـوا كـل شـئ وتبعـوه متزرعين بسلاح الشجاعة . ومسرعين إلى السماع بـــــــالقبول وقـد ظـهرت أثـار تصديقهم وثمرات إيمانهم فأنهم القوا انفسهم في البحار الزاخرة . وصـادموا أهـوال تلاطيم الأمواج وعواصف الرياح . ومشوا على المياه الكائنة في الأعماق . وقـاوموا الملوك وقهروا الفلاسفة . وجذبوا سلاطين العالم إلى العمل بمرادهم فما بالنا نحـن الذين نسمعه يخاطبنا دائماً . تارة بذاته وتارة برسله . وتارة بأنبيائه . وتـارة بعظـات التابعين له . ونحن مع ذلك لا نتيقظ من غفلتنا ونسارع إلى ما فيه خلاصنا وحتـى م لا نبتعد عن الميل إلى التنعم والسكر وحب الغني والاهتمام بأجسامنا الباليـة . إذا لا ينبغي لنا أن نقر معترفين بالدخول تحت نير المسيح ونوجد مخالفين له . لأنـه قـد أشترط على مطيعيه أن يكفروا بذواتهم ويهملوا شهوات نفوسهم ويتبعـوه حـاملين صلبانهم ( ۱ ) , ومعلوم أنه حيث يكون الكفر بالنفس فلا لذة توجد هناك ولا سـكر ولا غنى وغير ذلك من المحبوبات العالمية . وحيث يوجد الميل مع الشـهوات واللـذات الدنياوية فهناك توجد المناقضة لشروط المسيح . وإذ نقصنا شروط ربنـا خالفناهـا بأعمالنا الأثيمة . فكيف نوجد بهجين مسرورين ؟ وهل نكون فـى حالتنـا تلـك إلا بمنزلة الأطفال الذين يخالفون آباءهم ويفعلون ما يشتهون ؟ وهم مع ذلـك غـافلون ذاهلون عن عقوباتهم الواقعة بهم وشيكاً . وإلا فكيف يحسن بالعقلاء الإلتـذاذ بنيـل الشهوات الخسيسة مع الخلود في عذاب الجحيم . وكيف اننا لا نصور فـى عقولنـا دائماً إنقراض آجالنـا ؟ وانقطـاع حياتنـا بسـرعة . وفسـاد أجسـامنا . وتفـرق . ورهيب مجلس القضاء . وجلوس الديان للمحاكمة . واجتماع الأمم . ودوام سعادة المطيعين . وطول شقاوة العاصين . فنتيقظ من ثق نومنا ونفعل مراد ربنا . فإن قلت ياهذا اني فعلت جرائم كثيرة ولا اعلم كيف اتخلص منها ؟ قلت : أنـا أرشدك إلى مسالك الخلاص . وهو أن تستحضر خطاياك في ذهنـك وتعدهـا فـي فكرك . ثم تهرب من قبحها وتبتعد عن سماجتها وتقرع باب رحمة المسيح بالبكـاء والندم والصوم والصلاة والعفة والطهارة والرحمة والمحبة وأمثال هذه . ثـم تـذكـر واحدة واحدة من خطاياك أمام الكاهن وتسارع إلى فعل اضدادهـا . فتقـابل الزنـا بالعفة . والدعارة بالطهارة . والكبرياء بالتواضع . والطمع بالقناعة . والغضب بـالحلم . والحسد بالمحبة وهلم جرا . ثم تضبط الشهوات وتبتعد عن الزوجة وقتاً محدداً . البكاء والصلوة والصوم . وإن كنت اقتنيت مالا بطريق الظلم فتصدق بقدره اضعافـاً من حاصل قناياك . وإن كنت اتبعت الشهوات الأخرى . ولبسـت الثيـاب الفـاخرة . ونوعت ألوان المأكل وسكرت من الخمر ونظرت إلى النساء بعين الفسق فاسـتعمل الأصوام والصلوات والتقشف في المآكل . والتزهد عن رفيع اللباس . وغض الطـوف عن النظر إلى النساء دائماً . وإن كنت قد اسأت إلى غيرك فاصفح عـن المسـيئين اليك وبارك لاعنيك . إياك وأن تهمل شيئاً من ذلك لأن حالات النفوس المهملة مـن التقويم والادب كحالات الاجسام وأعراضها . فكمـا ان الانسـان إذا اهمـل أمـور جسمة . وأستعمل الإكثار من الطعام طيباً ورديئاً . ثم أعرض عن استعمال الأدوية النافعة والمسهلات اللازمة . تولدت العفونة واحترقت الاخلاط داخله . وتفاقمت الامراض عليه . وعزت المداواة وآل حاله إلى الهلاك . كذلك حال النفوس فإنـها إذا لم تقوم بالتعليم والادب . وتتريض بالطهارة والعفة . تغرق بسرعة في بحار الذنـوب و وتتلوث بأوساخ المساوئ " " وتكثر من الخطايا المميتة كـالمرأة الصدئـة التـي لا يمكن للصاقل صقلها فإذا علمنا مما تقدم أن الأدب نافع لنا وعائد بالخير علينـا فـلا نضجـر والحالة هذه من تأديب ربنا . لأنه كما أن الأب الشفوق يؤدب ولده المحبـوب عنـده لخيره وفائدته . محبة منه وشفقة عليه كذلك الآب السماوى فإنه يؤدبنا لكـى نرجـع إليه . وندخل في طاعته ليترآءف علينا ويرحمنا ويهبنا سعادة الملكوت والنعيم بنعمـة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والوقار . إلى الأبد آمين .
القديس يوحنا ذهبى الفم
عن كتاب العظات الذهبية
المزيد