المقالات

28 أكتوبر 2025

في المسيح

لقد كانت مشيئة الله الآب ومسرته التي قصدها منذ البدء، وحققها الابن الكلمة بتجسده، وتمّمها الروح القدس في الكنيسة. هي أن يجمع كل شيء ممّا في السموات وما على الأرض "في المسيح" «إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ... لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ» (أف1: 9، 10). في المسيح، هو التعبير الذي صبغ الكنيسة منذ انطلاقها يوم الخمسين، لتعلن أن المسيح هو أساس وجودها، وسر حياتها، وينبوع بركاتها، وجوهر كرازتها. فصار عنوانًا ولقبًا يُعرف به أتباعه وتلاميذه "مسيحيون". في المسيح، هو ذلك التعبير الذي حفظ للمسيحية جوهرها وفرادتها وتميّزها في وجه "الابيونية" (اليهود)، "الغنوسية" (الأمم). الابيونية التي أرادت الارتداد لليهودية ولكن في ثياب مسيحية، إذ رفضت التخلي عن ناموس موسي، وحاولت أن تصبغ المسيحية بالعوائد والعادات اليهودية، لتجعل منها إحدى أشكال أو طرق الديانة اليهودية، دون أن تنكر تاريخية مسيحها. فجاء تعبير في المسيح، ليعلن أنه لا ناموس يصلُح، ولا عوائد تُفيد، ولا حتى وصايا تُغني. في المسيح وحده نفهم الناموس كمؤدِّب يقودنا اليه، ونُدرك الذبائح كرموز تشير إلى صليبه، ونعي مغزى الأعياد كظلال تجد معناها في أحداث حياته، والنبوات كإشارات وعلامات ترشدنا إلى عمله. في المسيح وحده يحقّق الناموس هدفه، وتأخذ الوصية قوتها، والطقوس فعلها وتأثيرها. بينما الغنوسية، أرادت الارتداد للفلسفة وخاصة الأفلاطونية، التي ترى أن العقل قبل الإيمان، والمعرفة أهم من الإعلان، والخلاص في أن تعرف لا أن تؤمن. فأرادت أن تجنح بالمسيحية عن عريسها، سر إيمانها، ينبوع خلاصها. المسيح المُذخَر فيه جميع كنوز الحكمة والمعرفة. أأقنوم الحكمة، جوهر كتابات الفلاسفة، وغايه رسالتهم. أقنوم الإعلان، الذي ألهم الفلاسفه، وحرّك أقلامهم، ليكتبوا عن ذلك المبدأ الأول، الكائن المُطلَق، واللا نهائي. وإن كانوا قد عجزوا عن إدراكه. فجاء المسيح متجسدًا «والكلمة صار جسدًا»، كاشفا عن أزليته وأبديته ووحدانيته مع الله الآب، فهو الألف والياء، البداية والنهاية. هو الذي كان من البدء والدائم الى الأبد. هو اللوغوس الحقيقي، عقل الله الناطق، أو نُطق الله العاقل. في المسيح، نعرف الله، إذ أن المسيح هو كمال الإعلانات وهدفها. فالله كلّمنا بأنواع وطرق متعدّده وكثيره (الطبيعة، الضمير، الناموس)، ولكن جميعها لم تكن كافيه. فأراد الله أخيرًا أن يكشف عن نفسه، فجاء الابن الوحيد، الذي يعرف الآب معرفة حقيقية، إذ له نفس الجوهر الذي لله الآب. فكل من رآه فقد رأى الآب، إذ هو والآب واحد. لذلك هو وحده الطريق والحق، الوسيلة والغاية. في المسيح نجد هويتنا الحقيقية، كأبناء وأحباء وليس عبيدًا أو أجراء، بل وبالأحرى شركاء للميراث الأبدي. إذ فيه تصير لنا الدالة والامتياز أن نخاطب الله وندعوه "أبانا.."، وبالتالي يحق لنا الميراث السماوي، كنعمة وعطية مجانية، يمنحها لنا الآب السماوي، لإنه إن كنا أبناء فنحن ورثة، وراثون مع المسيح. في المسيح تجد الكنيسة صخرتها القوية التي بُنيت عليها، ومنه تستمد قوتها ونصرتها. وتُبنى جذورها الثابتة التي تستند إليها، ومنه ترتوي وتفرح وتنمو. وتتحقق رسالتها، إذ المسيح رأسها الذي يهب حياته مسكوبة ومبذولة بالروح القدس العامل فيها. لنكون في المسيح، يجب أن نعرفه على المستوى الفكري (من يقول الناس إني أنا؟)، ثم نحبه على المستوى القلبي (العبادة والتسبيح والصلوات)، ثم نتحد به على المستوى السرائري في الكنيسة (الأسرار الكنسية)، ثم على المستوى الحياتي، نصير بالحقيقة مسيحيين شاهدين لنعمته وحياته فينا. القس إبراهيم القمص عازر
المزيد
21 أكتوبر 2025

الرجل ذو اليد اليابسة

كان اليوم سبت والسيد المسيح قد دخل مجمع اليهود، والرجل يجلس في أحد الأركان، لم تلحظه سوى العيون المتربصة، عيون الفريسيين المترقبة، ينتظرون غلطة يعرفون أنها قادمة.. فيد الرجل اليمنى يابسة بلا حياة، والمعروف من خبرتهم في خلال ما يقرب من السنة أن السيد المسيح "يتحنن" على هؤلاء المرضى المُهملين، فبالتأكيد لن يعتبر للسبت، ولن يهتم بكسر هذه الوصية العظيمة من أجل هذا الرجل. لذا كانت عيونهم تتربص.. يتململون متعجلين فرصتهم في الايقاع به.الرجل.. لم يكن يرى فيهم سوى جماعتين مختلفتين: الفريسيون والكتبة، معروفون، خليط من الجدية والقسوة والغلاظة، أسرى الفروض والأحكام الدينية، أسرى الحروف والحدود! والجماعة الأخرى.. السيد المسيح وتلاميذه، فقراء بسطاء ولكنهم مازالوا يحملون قلوبًا إنسانية لحمية.وعندما طلب الرب يسوع من الرجل ذو اليد اليابسة أن يقف في الوسط (مرقس 3:3)، قام بهدوء ووقف، وهو يعلم أنه في مركز اختبار من نوع ما، مسابقة أو تحدٍ بين المجموعتين!وكسر الرب حالة الصمت بسؤال: «هَلْ يَحِلُّ فِي ٱلسَّبْتِ فِعْلُ ٱلْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ ٱلشَّرِّ؟ تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ قَتْلٌ؟» (مرقس٣: ٤)... ساد صمت!وكان هذا الصمت كالسكين الحاد يمزق كرامة الرجل ونفسيته، كان يتوقع أن يسارع أحدهم فيجيب: بالطبع يحل.. وهل يُجرَّم أحد إن تسبّب في شفاء وإنقاذ انسان؟... ولكن أحدًا لم يجب، بل صمتوا!وتغضّن وجهه من الحسرة، إذ لم يكن أحد من الفريسين أو الكتبة يعاني أيّة إعاقة أو عجز.. جميعهم أصحاء، فكيف سيشعرون بألمه أو يفهموا أمله الشديد منذ ناداه الرب يسوع! ولكن حتى ولو لم يختبروا العجز.. أما أمكنهم الشفقة؟!هل يحل فعل الشر في السبت إذًا؟ربما لهذا صمتوا، لأن جميعهم يفعلون الشر في السبت وغيره! فلا يوجد من لم يفعل الشر وإن كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض.. فهل يحلّلون الشر ويهلكون النفس لأنها طبيعة البشر، ويُحَرِّمون الخير وخلاص النفس لأنه كسر للوصية!وأكمل الرب يسوع بسؤال، ربما يستطاع أن يحرك تلك المياه الراكدة والعقول المتحجرة، منطقًا أو مشاعر. سألهم: «أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ سَقَطَ هَذَا فِي ٱلسَّبْتِ فِي حُفْرَةٍ، أَفَمَا يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ؟» (متى11: 12). وتعاظم الألم في قلب الرجل حينما ظل الصمت باقيًا، هل يرونه أقل من خروف؟ هل يستحق الحيوان الرأفة أكثر منه؟ أم أن للخروف ثمنًا بينما هو.. لا ثمن له!ونظر الرب حوله، ربما يجد أحدًا قد تحرك قلبه، أو تفاعل عقله مع المنطق الواضح.. لا حياة لعقول تقودها الحروف القاتلة! لا روح يحيي قلوبًا متحجرة قاسية! فنظر الرب يسوع إليهم بغضب حزينًا على غلاظة قلوبهم! وقال للرجل «مد يدك». فمدها وعادت صحيحة! (مرقس٣: ٥). لم يصدق الرجل أن الحياة تدب في اليد العاجزة، ونظر من حوله مذهولًا متوقعًا نظرات حمد أو فرحة أو.. ولم يجد سوى أنهم امتلأوا حمقًا وغيظًا.. لم يرَ أحدهم اليد تتحرك، ولكنهم رأوا فرصة النوال من الرب يسوع تتسرب من أيديهم!والسيد المسيح، وهو ابن الإنسان ورب السبت، يقول لنا كما لأولئك إن السبت قد وُضِع لأجل الإنسان، فلا يصح أن ينعكس الوضع وتصبح الوصية فرصة للدوس على رقاب المحتاجين والمتألمين. ماريان إدوارد
المزيد
12 يناير 2026

لماذا أمر هيرودس بقتل جميع أطفال بيت لحم وتخومها

كان من السهل تحديد البيت الذي وُلِد فيه ملك اليهود في قرية صغيرة، وهو البيت الذي دخله المجوس فلماذا أمر هيرودس بقتل جميع أطفال بيت لحم وتخومها (مت 2: 16)؟ وهل يمكن ارتكاب هذه المذبحة والمؤرخون المعاصرون لها مثل يوسيفوس يصمتون عنها، بالرغم من استعراضهم لذمائم هيرودس؟ يقول "يوسف هريمة" عن مذبحة أطفال بيت لحم " لازال الخيال التوراتي يُلقي بظلاله على كتَّاب الأناجيل بمختلف مشاربهم الفكريَّة والعقائديَّة. وهذه المرة مع إستلهام آخر من هذا الخيال يوظفه متى كعادته، من خلال قصة استوحاها ليؤكد عَبْرها مشروعه في المسيح يسوع... هذه حكاية أخرى من نسيج خيال متى رواها وحده، دون الالتفات إلى غيره من المصادر القانونية أو غير القانونية. فهذه الحادثة لم يذكرها أي شخص آخر غيره في ذلك الزمان. حتى فلافيوس يوسيفوس الذي كتب تاريخ الشعب اليهودي بعد حوالي 100 عام من هذه الحادثة، لم يذكر حكاية قتل جميع أطفال بيت لحم وجوارها، وذلك بالرغم من أن يوسيفوس قد شتم هيرودس ونعته بأسوأ النعوت، إلاَّ أنه لم يذكر حكاية قتل الأطفال. والمتتبع لقصة المسيح زمان هيرودس كما تحدَّث بها متى، يجد الحضور التوراتي منكشفًا، حيث تستلهم القصة مثيلتها في سفر الخروج زمان موسى وفرعون، مع شيء من التحوير في الأحداث والشخصيات. كما كانت القصة تهدف بشكل من الأشكال إلى إثبات النبوة التوراتية بشأن المسيح المنتظر، من خلال مولد يسوع بيت لحم" (339) ويقول "علاء أبو بكر": "س58... وهل ترك هيرودس من استهزؤا به وقتل أطفال قرية بيت لحم كلها، وهيَ قرية صغيرة تقع في دائرة حكمه ويسهل السيطرة عليها، ويسهل عليه معرفة من الذي وُلِد فيها، وإلى أي بيت جاء المجوس... ولماذا تكلف قتل الأطفال في باقي التخوم؟ ولو فعل هيرودس هذا لأصبح من أعداء اليهود على كامل فرقهم، ولكتبها المؤرخون من اليهود وغيرهم، الذين كانوا يكتبون ذمائم هيرودس ويتصفَّحون عيوبه وجرائمه، وهل تقبَّل اليهود إبادة أطفالهم دون أدنى اعتراض أو مظاهرة أو محاولة للانتقام منه؟ ثم فكر معي مرة أخرى!. كان هيرودس هذا نصفه يهوديه ونصفه أرامي، وقد أسدى لليهود خدمات عظيمة جدًا استحق عليها لقلب ملك... ويستحيل معها أن يقتل أبناء شعبه هو نفسه: فقد كان الحاكم الوحيد في فلسطين الذي استطاع أن يحفظ الأمن والسلام في تلك البلاد المضطربة، وكان صاحب مشروعات عمرانية كبيرة، فقد بنى الهيكل في أورشليم، كما خفف الضرائب عن الشعب في أوقات الأزمات، وفي وقت المجاعة عام 25 ق.م حوَّل طبقة الذهبي إلى سبيكة باعها ليشتري قمحًا، لينقذ الشعب من الموت جوعًا" (340). ج: 1ــ عُرِف الملك هيرودس الكبير بالقسوة الشديدة والدموية، فعندما عارضه مجمع السنهدريم في تطبيق القوانين والأوامر الرومانية أعدم منهم 46 عضوًا من 71 عضوًا، وأعدم زوجته المحبوبة "مريمن" وأمها "السكندرا" بعد أن أغرق "أرسطوبولس الثالث" شقيق مريمن، ثم قتل ابنيه من مريمن "اسكندر" و"أرسطوبولس"، وأيضًا قتل ابنه "أنتيباتر" بعد أن اختاره ليخلفه في العرش، وقبض على أراخنة كثيرين من اليهود وأمر بإعدامهم عند موته لتعم الأحزان مملكته إلاَّ أن أمره هذا لم يُنفَذ، وشخص مثل هذا ليس بمستبعد عنه أن يأمر بذبح أطفال بيت لحم ليضمن قتل المولود ملك اليهود، ظنًا منه أنه جاء لينافسه المُلك ويسترد عرش داود المغتصب. 2ــ سبق أو أوضحنا أن هيرودس الكبير مَلَكَ نحو (37 - 4 ق.م) مرَّ خلالها بثلاث مراحل أساسية، الأولى (37 - 27 ق.م) وقد اهتم فيها بتثبيت مُلكه على اليهودية والجليل، والثانية (27 - 13 ق.م) مرحلة الازدهار والتعمير، مع أن قصره الذي ضم عشر زوجات له لم يخلو من الدسائس والمؤامرات، وبسبب الضغوط التي تعرَّض لها وجد متنفسه في التعمير والبناء، فجدد الهيكل وضاعف مساحته، وأنشأ ميناء قيصرية وأقام معابد لآلهة الأمم... إلخ. أما المرحلة الثالث (13 - 4 ق.م) فهيَ مرحلة الأزمات داخل القصر وخارجه، وكنوع من السياسة كان يقف بجوار الشعب وقت الشدة والأزمة، فعندما حلَّت بالبلاد مجاعة شديدة، استورد كميات ضخمة من القمح من مصر لينقذ حياة الكثيرين، وفي أواخر مُلكه وُلِد يسوع المسيح (راجع مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (1) س12). 3ــ كان من الممكن تحديد شخصية المولود في بيت لحم، لأنها قرية صغيرة،ودخول المجوس إليها كان أمرًا مُلفتًا، فهم غرباء، ملابسهم الفارسية تُظهرهم، يبدو عليهم الثراء، ولكن لأن هيرودس يملأه الشك، وصار يتمسك بتلابيت عرشه أكثر من محبته لأولاده، لذلك أصدر قراره البشع بقتل جميع أطفال بيت لحم الأبرياء، بل امتد قراره إلى تخوم بيت لحم لئلا يكون الطفل وُلِد في إحدى هذه التخوم أو انتقل إليها مع أسرته، وأحاط قراره بالسرية التامة، ولم يأخذ الأهالي حذرهم، إنما فوجئوا بجنود هيرودس على رؤوسهم يسألون ليس عن مجرمين عتاة ولا عن ثوَّار ضد الملك، إنما عن أطفال صغار من سن سنتين فما دون. 4ــ لو صمت المؤرخون (أو هكذا تصوّرنا) عن ذِكْر حادثة معينة معروفة لا يعني هذا عدم وقوعها، فكون القديس متى يذكر هذه الحادثة في إنجيله، وانتشار هذا الإنجيل بين الشعب اليهودي وصمت الجميع وعدم تكذيب أحد منهم لهذا الخبر، فمعنى هذا أنه تأكيد على حدوثه، وصاحب هذا الاعتراض هو فولتير الفيلسوف الفرنسي، وكعادة النُقَّاد هذا يأخذ من ذاك، هكذا تتناقل الاعتراضات من جيل إلى جيل، وقد سبق أن ردَّ "كتاب الهداية" على هذه الاعتراضات سنة 1900م في أربعة أجزاء كبيرة قبل أن يُولَد يوسف هريمة وعلاء أبو بكر، فأورد صاحب كتاب الهداية الأدلة الكافية الشافية على صحة هذه الحادثة: " أولًا: أن "سلسوس" (كلسوس) الفيلسوف وهو من ألد أعداء الديانة المسيحية وكان في أواخر الجيل (القرن) الثاني ذكر هذه الحادثة، فلو لم تكن حقيقية لردَّ عليها ونقضها، بل (ولاسيما) كان يقرع ويشنع في متى البشير. ثانيًا: أن "ماكروبيوس" وهو من المؤلفين الوثنيين ذكر هذه الحادثة ونص عبارته ما يأتي: وهو لما بلغ "أغسطس" (الإمبراطور أغسطس قيصر) بأن هيرودس ملك اليهود أمر بذبح الأطفال الذين عمرهم سنتان في سورية وأنه ذبح أيضًا أحد أولاده قال: إن خنزير هيرودس هو أحسن (حالًا) من ابنه. إنتهى كلامه. ومعنى هذا الكلام هو أنه لما كان هيرودس متمسكًا بالديانة اليهودية كانت ديانته تنهيه عن ذبح الخنازير لأنها تحرم أكل لحمه، وعلى هذا يكون خنزيره في أمنٍ، بخلاف ابنه فأنه قتله. فهذه الأقوال تدل على اشتهار هذه الحادثة الشنيعة التي نُسبت إليه. ثالثًا: لا يتوقع أن يوسيفوس يذكر كل حادثة كلية وجزئية بل لابد أن يترك شيئًا ويذكر أشياء، ولا يُتوقَع أن المؤرخين المعاصرين لبعضهم يذكرون عين الحوادث التي يوردونها، فالمؤرخ "سواتونيس" ذكر أشياء كثيرة لم يذكرها المؤرخ "تاسيتس"، فأتى "ديون كاسيوس" واستدرك ما فاتهما وذكره. رابعًا: إن هذه الفعلة المُنكَرة لم تكن بشيء بالنسبة إلى باقي فظائع هيرودس، فبيت لحم هيَ قرية صغيرة حقيرة ولم يكن لها اسم يُذكَر، وكانت المنكرات التي اقترفها أفظع وأشنع من هذه الفعلة الوخيمة فلذا ضرب يوسيفوس عنها صفحًا. خامسًا: ربما كان الأمر الذي أصدره هيرودس سريًَّا ولم يكن معروفًا عند يوسيفوس، على أنه لماذا لا نصدق ما رواه "متى" ونصدق غيره. أليس البشير متى جدير بالاعتماد كغيره. سادسًا: اشتهر هيرودس بالقسوة وسفك الدماء بحيث أن قتل الأطفال لم يكن شيئًا بالنسبة إلى منكراته" (341). (راجع أيضًا نيافة المتنيح الأسقف إيسيذورس - مشكاة الطلاب في حل مشكلات الكتاب ص447 - 449) أ. حلمي القمص يعقوب
المزيد
18 نوفمبر 2025

حياتنا في المسيح

الحياة المسيحية ليست مجرد الاعتقاد بمجموعة من المبادئ والتديُّن بها أو اعتناق بعض الأفكار والسير خلفها أو تبنّي لأيدلوجيات والدفاع عنها هي ليست مجرد معتقدات أو مبادئ إصلاحية أو أفكار مذهبية وإنما الحياة المسيحية في جوهرها وبساطتها هي حياة الشركة مع الله الآب في الابن بالروح القدس فالحياة المسيحية هي الحياة مع الله من خلال عمله المستمر فينا ولذلك تبدأ حياتنا بايماننا بشخص الابن الكلمة ما قدمه لنا من خلاص وفداء ومعرفة وحياة وتستمر بقيادة الروح القدس والخضوع له والسير معه من خلال حياة شاهدة وعاملة وفاعلة ومقدسة وتنتهي بشركة مع الله الآب حيث نحيا ونتمتع بأبوة الله ونُؤهَّل لشركة ميراثه الأبدي الذي هو ميراث الأبناء والأحباء من أجل هذا قيل عن "نعمة الحياة في المسيح " وهي التي بدأت بنعمة الخلق واستمرت بعمل الفداء وتأخذ قوتها من سكنى الروح القدس وفعله وستكتمل بالحياة الأبدية معه إنها حياة النعمة والحق (يو1: 17) هي "النعمة" إذ وهُبت لنا مجانًا لإنها عظيمة وثمينة وغالية جدًا فهى ليست نتيجة مجهود إنساني أو عمل طبيعي ولم ننلها عن استحقاق أو جدارة أو كنتيجة أو مكأفاة "فنعمة الحياة في المسيح" وُهِبت لنا وانسكبت فينا من أجل عظم محبته الجزيلة وغنى رحمته العظيمة وهي "الحق" فالنعمة تقودنا إلى الحقيقة وهي بالضرورة تجعلنا نحيا بالحق ونسلك دائمًا فيه ونشهد عنه وقد نموت من أجله فالذي قبل النعمة ككنز سماوي وكنصيب صالح إنما في الحقيقة اختار أن يسلك في دروب الصليب ويحمله لذلك يتضمن الإيمان المسيحي فعلين أساسين الفعل الأول فعل الإماتة والثاني فعل الإقامة فعل الإماتة نناله من خلال باب الأسرار ومدخلها (سر المعمودية) حيث نموت مع المسيح نجوز شركة حقيقية معه من خلال نزولنا الى جرن المعمودية ثلاث مرات على مثال موته وقيامته نموت عن خطايانا عن ذواتنا يموت إنساننا العتيق نترك حياتنا القديمة والفعل الثاني هو فعل الإقامة والشهادة فنحن نموت لكي نحيا نُقطَع لكي نُغرَس في شجرة الحياة نخرج من حياة عتيقة وندخل إلى حياة جديدة شاهدة نترك حياة الجسد ونسلك بالروح (رو6: 4-6) وهذا ينمو فينا ويزدهر ويثمر بالحياة الدائمة والمستمرة في المسيح ومن خلال القراءات والصلوات والعبادات والأسرار الكنسية وفي القلب يأتي سر الأسرار وختم النعمة "سر الإفخارستيا" كينبوع لقيامتنا الدائمة وقوة لحياتنا الجديدة ودواء لضعفاتنا ومصدر لقوتنا وسر غلبتنا فالحياة المسيحية هي اختبار لفعل الموت مع المسيح وقوة القيامة مع الناهض من بين الأموات "يا مسيح الله الذي بموتك قتلتَ الموت الذي قتل الجميع بقوتك أقم ميتوتة نفوسنا" (صلاة قسمة للابن يا حمل الله) وبناء على هذا فعلى قدر شدة الموت تكون قوة الحياة وعلى قدر أمانة التخلّي يكون فعل التجلّي فينا فمن يموت بالحقيقية (الذات والأهواء والرغبات) ويتخلى عن مشيئته وإرادته الخاصة وراحته على قدر ما تسرى فيه النعمة وتعمل فتُغيّر وتقدّس وتجدّد وتتجلّى فيه حياة المسيح وتشرق فتفوح منه رائحة المسيح الزكية وتنتشر فالموت يسبق القيامة والصليب طريق المجد والكسر سر البركة والطاعة هي ينبوع حياة وهذا ما عبّر عنه معلمنا بولس قائلًا «لأَعْرِفَهُ وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ» (في3: 10) فالمسيحي الحقيقي هو من يستطيع أن يردّد مع معلمنا بولس «فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ» (غل2: 20). القس إبراهيم القمص عازر
المزيد
17 يناير 2026

قصة لحن

لحن أعياد يوحنا المعمدان والغطاس في هذا اللحن نجد ذكر لسان العطر ثيؤدوسيوس وهو يمدح يوحنا المعمدان، ولذلك سنتكلم عن ثيؤدوسيوس أولاً ثم عن اللحن. من هو ثيؤدوسيوس؟ بعد نياحة البابا تيموثاوس الثالث (32) يوم 7 فبراير 535م، وحسب التقاليد تم انتخاب ثيؤدوسيوس ليصير البطريرك 33. وكان البابا ثيؤدوسيوس صديقًا لكل من أنتيموس بطريرك القسطنطينية والقديس ساويرس الإنطاكي. ولم يستمر على كرسيه في سلام طويلاً، فقد سعى أتباع مجمع خلقيدونية لعزل أنتيموس، وقد كان لهم ما أرادوا عند زيارة بابا روما إلى القسطنطينية سنة 536م مبعوثًا عن ملك الغرب، وعندئذ عُزِل أنتيموس وعُيِّن مكانه آخر موافق لمجمع خلقيدونية، ورجع القديس ساويرس الإنطاكي إلى مصر حيث تنيح بعد قليل في سخا. أما ثيؤدوسيوس فقد نُفِي عن كرسيه بسبب عدم موافقته على المجمع المذكور، وقد ظلّ ثيؤدوسيوس في الأسكندرية يواجه أتباع هرطقة يوليانوس، وأرسل إليه الإمبراطور يدعوه إلى الانضمام لمجمع خلقيدونية، ولكن البابا السكندري رفض القبول وذهب إلى القسطنطينية منفيًا، وفي منفاه كان يكتب رسائل إلى رعيته. وقد اعتبرته رعيته معترفًا بالإيمان ليس فقط في مصر ولكن أيضًا في سوريا. وتنيح في المنفى عام 566م ومن حسن الحظ أن سيرة هذا البابا القديس وصلتنا عن طريق العديد من المؤرخين المعاصرين له مثل زكريا الفصيح وغيره، وكذلك من أعدائه، وقد وصلتنا شذرات من حياته بالقبطية. أعماله: وقد وصلنا من أعماله باللغة القبطية: ( عظة عن بداية العام القبطي) كاملة باللغة القبطية. عظة عن يوحنا المعمدان: (وهو ثاني يوم من توت) مخطوطة من مجموعة مورجان، ومخطوطة من الدير الأبيض وهو عبارة عن العظة الأصلية، ويحكى فيها قصة يوحنا المعمدان كما وردت في إنجيل لوقا 1: 8-62 ومتى 3: 53-65، ثم شهادة يوحنا المعمدان. وتوجد منفصلة في مخطوطات صعيدية وبحيرية، والجزء الأخير هو عظة عن العام. عظة عن رئيس الملائكة ميخائيل. عظة عن صعود جسد العذراء مريم. رسالة: ربما تكون الرسالة المكتوبة على البردي والمحفوظة في جامعة ديوك من أعمال ثيؤدسيوس ومن خلال كتابات القديس ثيؤدوسيوس نجد أنه رتب عظات لكل مناسبات السنة، فكتب عظة عن السنة الجديدة يشرح فيه المزمور: «بارك إكليل السنة بصلاحك يارب» (مزمور 64 :12)، وهذا المزمور هو المرد الخاص بعيد النيروز أمّا العظة عن يوحنا المعمدان فقد قيلت بعد العظة السابقة، وقد استشهد بها البابا الأنبا يوأنس الثالث السمنودي المعروف بالرحوم بطريرك الأسكندرية (681-689م) في رده على أسئلة ثيؤدورس. ومن الملاحظ أن هذا البطريرك دائمًا ما يستخدم النصوص المعروفه لسامعه وعلى الرغم من أنه لم تصلنا هذه العظة كاملة إلاّ من خلال مجموعة مخطوطات دير الحامولي بالفيوم والمحفوظة الآن بنيويوك، إلاّ أن الطقس القبطي حفظ لنا هذا التراث الأدبي من خلال هذا اللحن. متى تم تحويل العظة إلى لحن؟ من الصعب الجزم بأجابة قاطعة على هذا السؤال، إلاّ أنه كما سبق أن بينّا أن البابا يوأنس الثالث في القرن السابع أشار إلى هذه العظة مما يدل على أنها كانت معروفة لمحِّدثه، وبالتالي فمن المحتمل أنها قد دخلت في الطقس القبطي أولاً كعظة تُقرأ في عيد القديس يوحنا المعمدان ثم اُختُصِرت لتصبح اللحن المعروف وذلك قبل منتصف القرن السابع بحيث كان يكفي البابا يوأنس الثالث الإشارة فقط إلى النص دون إعطاء تفاصيل لكي يفهم محدِّثه ماذا يقصد. أمّا عن موسيقى اللحن فأترك هذا لمن هم أقدر مني في الموسيقى د.يوحنا نسيم يوسف
المزيد
05 فبراير 2026

فصح يونان النبي

يسمي (فطر) صوم يونان ب (فصح) يونان كلمة فصح معناها عبور وتعني عبور يونان من جوف الحوت إلى اليابسة وبالتالي عبوره من الموت إلى الحياة، وعبور أهل نينوى من حياة الشر إلى التوبة فبخروف الفصح عبر الشعب من عبودية فرعون وهلاكه إلى حرية ونجاة وبيونان عبر أهل نينوى للحياة بعد أن كان محكومًا عليهم بالموت (عبور للحياة في الحالتين) وكان يونان رمزاً شخصياً للمسيح في موته وقبره وقيامته، وذلك على لسان السيد المسيح: "لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة ايام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الانسان في قلب الارض ثلاثة ايام وثلاث ليال" (مت 12: 40) فخروج يونان من بطن الحوت رمز لقيامة المسيح وبقيامة المسيح صار لنا حياة وعبور من الموت للحياة، كما عبر يونان الموت للحياة.
المزيد
25 نوفمبر 2025

ابتسامة الروح

عندما تستسلم الأذن ويذعن العقل ويُقْبِل القلب بكل الحب لصلوات القداس، تهدأ النفس، وتسمع الروح روحًا تخاطبها فتتجمّع الدموع وكثيرًا ما يبكي الناس في القداسات تتناغم الألحان فتلمس المشاعر، ويتناسق المنطق فيشبع العقل، وتبدأ رحلة الصلح التي تنتهي بالمصالحة والنعمة، فتجد أرواحنا راحتها في الروح القدس.مع كل قداس نسمع انتصارًا فهذا هو اليوم الذي صنعه الرب فنفرح ويهتف القلب مجدًا ومع كل مرة يقرّ بأن واحد هو الله القدوس نُوحَّد وينشر سلامًا للجميع فيمتلأ الجو سلامًا أليست مجمرةُ ذهبٍ في يديه تلك التي حملت جمر نار وأصعدت رائحة زكية! ما أجمل المجمرة الذهبية! نسجد لاسم الله فتسجد القلوب قدوس الله قدوس القوي قدوس الحي الذي لا يموت نقر إيماننا منذ آدم إلى آخر الدهور في كل ساعة ومع كل صلاة وتجد من يرفع الأيدي عاليًا مع كل مرة يسمع "دبّر حياتنا كما يليق بارك إكليل السنة بصلاحك من أجل الأرملة من أجل اليتيم من أجل الغريب ومن أجل الضيف" وتجد من يدقّ صدره مع كل مزمور توبة، ومع كل ترنيمة "ارحمنا يا الله يا ضابط الكل" مَنْ لم يبكِ مع هذا اللحن يومًا؟! من لم يتب فيه ويندم؟! أيها الرب إلٰه القوات ارجع واطلع وانظر من السماء وتعهّد هذه الكرمة التي غرستها يمينك من لم يترجّ مع المرنم أن يرجع الله؟ ومن لم ينظر بعين الإيمان رأفته مطّلعًا متعهدًا شعبه وكرمته غرس يمينه!شوق يشبع بنوال النعمة، بالالتصاق والثبات في السيد المسيح ومع تكرار القداسات نحفظها، ولكننا في الحقيقة لا نحفظ القداس ولكننا نحفظ الكتاب المقدس مُرنَّمًا ولا ننسى إيماننا بل نُقِّره ونهتفه مع كل صلاة ونغادر هذا الاحتفال الأعظم على الإطلاق ونحن نحمل "الله" في قلوبنا الضعيفة ودمائنا الواهنة نثبت فيه، نحيا به! العيب ليس في قداس أو صلاة العيب في أذن لا تسمع وعين لا تبصر العيب في الوقوف والقلوب مبتعدة بعيدًا!أشكرك يا مرقس الرسول الأمين يا من أضاء بلادنا بالإيمان! ماريان إدوارد كنيسة السيدة العذراء أمستردام
المزيد
27 يناير 2026

البيت القبطى

إذا أردنا أن ندرس مسئوليات الكنيسة نحو الأفراد في مراحل نموهم المختلفة ، فلابد أن نبدأ بالبيت . حيث ينشأ الفرد ويتربي وينمو متأثراً بالبيئة الأولى - البيت - وبكل الانطباعات التي يمتصها من بيئة البيت. وسندرس المميزات التقليدية للبيت القبطى ، ثم بعد ذلك العائلة في المجتمع الحديث، والرعاية اللازمة لها ولاستقرارها . الميزات التقليدية للبيت القبطي قديما من النواحي الدينية : تستخدم نظرية أثر انطباعات الطقوس والتقاليد على النفس البشرية في التربية الدينية المباشرة وغير المباشرة . الارتباط بالله والكنيسة : مكان الله فى والبيت : المقصورة - الأيقونة . عادات الصلاة ( الساعات أو الأجبية والمزامير المحفوظة ) . الصلاة على الأكل لبركته ، المدائح والترانيم كوسيلة للترفيه ( أفرح أحد فليرنم ) . عادات الصوم في البيت وأثرها . دخول الكاهن الى البيت في مناسبات : 1- صلاة بركة البيوت الجديدة . 2- صلاة الطشت . 3- صلاة القنديل المرضى ( وفي الدورة السنوية ) . 4- زيارات الافتقاد الدوري، والرعاية المنتظمة . 5- زيارات حل المشاكل .. 6- في الخطوبة ( التى تقام في البيت ) . 7- في الأحزان ( الثالث ....) . عادات الأعياد واعياد القديسين : أفراح العيد وأثرها على الجميع ، كيف يستخدمها المسيحي لإدخال الفرح على الآخرين أيضا ( نصيب الفقراء والمرضى والحزانى ) ارتباط عادات الأعيادات بالمواسم الزراعية والحصاد والمحصولات في النيروز والغطاس والعنصرة . المحصول الجديد، يوزع منه على الفقير، ويفرز نصيب الكنيسة قبل دخول المحصول إلى المخزن - الفاكهة الجديدة كذلك ، قبل أن يتذوقها أصحاب البيت ، يعطون منها للفقراء فطير الملاك وتوزيعه . شفيع العائلة واحتفالات عبده تقيمها العائلة . ولائم المحبة (الاغابي) كل أسبوع بعد القداس ، كل عائلة أسبوع . الميامر الترفيه الديني، ميمركلمة سريانية معناها قصة أو مقالة أو تاريخ ، غالباً سيرة قديس . العائلة عندما تحتفل بمناسبة سعيدة : تجمع الكهنة والعرفاء والشمامسة والأصدقاء والفقراء لعمل ليلة سهرة ، تقرأ فيها أرباع المدائح والترانيم الدينية، ويقرأ ميمر الشهيد أو الشفيع، وعند كل باب أو مقطع تقال الأرباع بالمدائح، يدفع المدعوون نقوطاُ للعرفاء ولرجال الكنيسة ، ويقدم البيت الوليمة ( أو الذبيحة المقدمة ) حسب النظم القديمة . إذا صنعت غداء او عشاء، فلا تدع أصدقاءك ولا أخوتك ولا أقربائك ولا الجيران الأغنياء ، لئلا يدعوك هم أيضا فتكون لك المكافأة ، بل إذا صنعت ضيافة ، فادع المساكين الجدع العرج العمي، فيكون لك الطوبي ، إذ ليس لهم حتى يكافئوك ، لأنك تكافاً في قيامة الأبرار ( لوقا12:14 ) . المجتمع التطور : وكيف نحتفظ بروح هذه التقاليد بوسائل متطورة، تصلح للمجتمع الحضري الجديد وتناسب ظروفه نيافة مثلث الرحمات الانبا صموئيل أسقف الخدمات الاجتماعية مجلة الكرازة العدد الثانى عام 1980
المزيد
16 ديسمبر 2025

ترنيمة المصاعد / حجارة حية

هوت رأس المطرقة النحاسية على كتلة الجبل الحجري مرارًا لتقطتع منه أحجارًا كبيرة، تفصلها بعد ذلك بأسافين نحاسية طويلة إلى قطع أصغر. وبينما اعتدّت القطع الحجرية الكبيرة بنفسها وقوتها، تناثرت الصغيرة يائسة لا تدري أيّ مصير ينتظرها!مضت أسابيع عانت فيها الحجارة من ضجيج أصوات الآلات، وآلام المطرقة الحادة فوق رؤوسها، تعرّضت كل واحدة منها لعمليات تقويم واستعدال لتكون في أفضل صورة تصلح للبناء.. وبدا أن الأتعاب في طريقها إلى الإنتهاء الآن، فما ان انتهى العمل في الأحجار، حتى امتدت الأيادي تجمعها كلها في صفوف متراصة لتنقلها إلى حيث تُبنى المدينة، وسورها الحصين.أصغت الحجارة بلهفة إلى حديث الرجال عن تلك المدينة الجديدة التي سيُنقَلون إليها، مدينة السلام، أورشليم.. لكم كان الاسم مُحبَّبًا، وقعه أراح أتعابهم وآلامهم طوال الأشهر السابقة. أيّة سعادة ملأتهم حينما عرفت الأحجار أنها لن تشترك في بناء المدينة المقدسة، بل بيت الرب نفسه! في أجسامها ستتردد صلوات وتسابيح إلى مدى الأيام، لطالما وقفت هناك شامخة!في الطريق الصاعد إلى أورشليم، كانت الحجارة تترنم معًا نشيدها، "ترنيمة المصاعد"، رددها من بعدهم كل الصاعدون الجبل للصلاة في المدينة المقدسة..«فَرِحْتُ بِٱلْقَائِلِينَ لِي: "إِلَى بَيْتِ ٱلرَّبِّ نَذْهَبُتَقِفُ أَرْجُلُنَا فِي أَبْوَابِكِ يَا أُورُشَلِيمُ...أُورُشَلِيمُ ٱلْمَبْنِيَّةُ كَمَدِينَةٍ مُتَّصِلَةٍ كُلِّهَاحَيْثُ صَعِدَتِ ٱلْأَسْبَاطُ - أَسْبَاطُ ٱلرَّبِّ – لِيَحْمَدُوا ٱسْمَ ٱلرَّبِّ...لِيَسْتَرِحْ مُحِبُّوكِ. لِيَكُنْ سَلَامٌ فِي أَبْرَاجِكِ، رَاحَةٌ فِي قُصُورِكِمِنْ أَجْلِ بَيْتِ ٱلرَّبِّ إِلَهِنَا أَلْتَمِسُ لَكِ خَيْرًا".»في خلال شهور قليلة كان للمدينة الحصينة سور متماسك لا تنفصم رُبُطه.. اتخذ كل حجر منها موضعه، من صغيرهم إلى كبيرهم.وتلاشت مخاوف الحجارة باختلافها، اذ لم يوجد حجر وحده.. لم يوجد مرذول ولا مُهمَّش ولا من لا قيمة له؛ بل من كان يبدو ضعيفًا بالأمس، أصبح سندًا يسد ثغرة لكي لا تنفذ منها الثعالب الصغيرة.. ومن كان قويًا كبرج عظيم ثم سقط وترضّض، وجد حجارة تسنده وتحميه متى أعاده البناءون إلى موضعه برفق.استراحت الأحجار بعد حين مطمئنة، متماسكة، لا تتزعزع بعد.. وإن استمرت في تسابيحها السرية، تجاوب بها تسابيح البشر المتردّدة في جوانبها:"مباركة هي أورشليم التي تقبل إليها وفيها الجميع..مباركة هي أورشليم، حيث يحيا الساكنون مطمئنون، متفقون بمحبة حقيقية إنجيلية، يسبحون الله معًا مثل قيثارة تنشر نغماتها حبًا وسلًاما على الأرض كلها..مباركة هي أورشليم، مسكن الله مع الناس، على الأرض وفي السماء.." ماجي حسني
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل