رسالة القديس أنطونيوس عن معرفة النفس ومعرفة الله
28 يناير 2012

    الإنسان العاقل الذى أعد نفسه لكى يتحرر (يخلص) بظهور ربنا يسوع يعرف نفسه فى جوهره العقلى، لأن الذى يعرف نفسه يعرف تدابير الخالق وكل ما يعمله وسط خلائقه. يا أعزائى المحبوبين فى الرب (أنتم) أعضاؤنا والورثة مع القديسين. نتوسل (لأجلكم) باسم يسوع، أن يعطيكم الله روح التمييز، لكى تدركوا وتعرفوا عظم المحبة التى فى قلبى من نحوكم، وتعرفوا أنها ليست محبة جسدية بل روحية إلهية. لأنه لو أن الأمر بخصوص أسمائكم الجسدية لما كانت هناك حاجة لأن أكتب إليكم بالمرة لأنها (هذه الأسماء) مؤقتة. لكن إذا عرف إنسان اسمه الحقيقى فسوف يرى (يعرف) أيضًا اسم الحق. ولهذا السبب أيضًا عندما كان يعقوب يصارع طوال الليل مع الملاك كان لا يزال اسمه يعقوب، لكن عندما أشرق النهار دُعىَّ اسمه إسرائيل أى " العقل الذى يرى الله" (تك 24:32ـ30) .

افتقاد الله لخلائقه دائمًا : وأعتقد أنكم لا تجهلون أن أعداء الفضيلة يتآمرون دائمًا ضد الحق. لهذا السبب فقد افتقد الله خلائقه ليس مرة واحدة فقط، بل من البدء كان هناك البعض مستعدين لأن يأتوا إلى خالقهم بواسطة ناموس عهده المغروس فيهم، هذا الناموس (الداخلى)  الذى علّمهم أن يعبدوا خالقهم باستقامة. ولكن بسبب انتشار الضعف وثقل الجسد والاهتمامات الشريرة جفّ وتوقف الناموس المغروس (فى البشر) وضعفت حواس النفس، حتى أن البشر أصبحوا غير قادرين أن يجدوا أنفسهم على حقيقتها بحسب خلقتهم، أى كجوهر (طبيعة) عديم الموت لا يتحلل مع الجسد. ولذلك فهذا الجوهر (النفس) لم يتمكن من التحرر (الخلاص) بواسطة برّه الذاتى. ولهذا السبب سكن الله معهم (البشر) حسب صلاحه بواسطة الناموس المكتوب، لكى يعلّمهم (الناموس) كيف يعبدون الآب كما يجب. الله واحد، أى أنه جوهر واحد عاقل. وأنتم تفهمون هذا، يا أحبائى، إنه فى كل مكان حيث لايوجد توافق وانسجام، يحارب البشر بعضهم بعضًا ويقاضون (فى المحاكم) بعضهم البعض.

مجئ المسيح للشفاء والخلاص:وقد رأى الخالق أن جرحهم يعظم وأنه يحتاج لرعاية طبيب ـ ويسوع نفسه هو خالقهم وهو نفسه الذى يشفيهم، ولذلك أرسل أمام وجهه السابقين. ونحن لانخاف أن نقول إن موسى واضع الناموس هو أحد سابقيه، وإن نفس الروح الذى كان مع موسى كان يعمل أيضًا فى جماعة القديسين (جوقة الأنبياء) وإنهم جميعًا صلوا لابن الله الوحيد. ويوحنا أيضًا هو أحد سابقيه ولهذا السبب فإن الناموس والأنبياء كانوا إلى مجيئ يوحنا " وملكوت الله يُغصب والغاصبون يأخذونه بالقوة"(مت12:11و13). وإذ كانوا لابسين للروح رأوا أنه ولا واحد من الخليقة قادر أن يشفى هذا الجرح العظيم وإنما فقط صلاح ونعمة الله، أى ابنه الوحيد الذى أرسله ليكون مخلّصًا للعالم كله، لأنه هو الطبيب العظيم الذى يستطيع أن يشفى الجرح العظيم. وطلبوا إلى الله. وهو فى صلاحه ونعمته، وهو آب كل الخليقة، لم يضن بابنه لأجل خلاصنا، بل سلمه لأجلنا جميعًا ولأجل خطايانا (رو32:8). ووضع نفسه وبجلداته شُفينا (راجع فيلبى8:2 ـ إشعياء5:53). وبقوة كلمته جمعنا من كل الشعوب ومن أقصاء الأرض إلى أقصائها ورفع قلوبنا بعيدًا عن الأرض وعلّمنا أننا أعضاء بعضنا البعض.

لنتحرر نحن أيضًا بمجيئه: أتوسل إليكم ياأعزائى المحبوبين فى الرب، افهموا أن هذا الكتاب المقدس هو وصية الله. وإنه لأمر عظيم جدًا أن نفهم الصورة التى أخذها يسوع لأجلنا، لأنه صار فى كل شئ مثلنا ما عدا الخطية (عب 15:4). والآن إنه من الصواب أن نتحرر(نخلص) نحن أيضًا من كل شئ بواسطة مجيئه، حتى أنه بقبوله الجهل بإرادته يجعلنا حكماء وبفقره يجعلنا أغنياء، وبضعفه يقوينا، ويهب القيامة لنا كلنا، مبيدًا ذاك الذى له سلطان الموت (عب14:2). وحينئذ نكف عن أن نطلب يسوع لأجل احتياجتنا الجسدية. إن مجيئ يسوع يساعدنا على أن نفعل كل صلاح، إلى أن نبيد تمامًا كل رذائلنا. وعند ذلك يقول يسوع لنا لا أدعوكم بعد عبيدًا بل إخوة (راجع يو15:15). وعندما وصل الرسل إلى قبول روح التبنى علّمهم الروح القدس أن يعبدوا الآب كما يجب. 

الخلاص والدينونة بمجئ يسوع :أما بالنسبة لى أنا الأسير الفقير ليسوع، فإن الوقت الذى نعيش فيه قد تسبب فى فرح ونوح وبكاء. لأن الكثير من جنسنا (الرهبان) قد لبسوا الثوب الرهبانى ولكنهم أنكروا قوته. أما الذين أعدوا أنفسهم للتحرر (الخلاص) بمجئ يسوع، فهؤلاء أنا أفرح بهم. أما الذين يتاجرون باسم يسوع بينما هم يعملون مشيئة قلوبهم وأجسادهم، فهؤلاء أنا أنوح عليهم. أما الذين نظروا إلى طول الوقت وخارت قلوبهم وخلعوا ثوب الرهبنة وصاروا وحوشًا فإنا أبكى لأجلهم. لذلك اعلموا أن مجئ يسوع يصير دينونة عظيمة لمثل هؤلاء. لكن هل تعرفون نفوسكم يا أحبائى فى الرب، لكى تعرفوا أيضًا هذا الوقت، وتستعدوا بتقديم نفوسكم ذبيحة مقبولة لدى الله. وبكل يقين يا أحبائى فى الرب ـ انا أكتب لكم كأناس حكماء قادرين أن يعرفوا أنفسهم وأنتم تعرفون أن من يعرف نفسه يعرف الله وأن من يعرف الله يعرف أيضًا تدابيره التى يصنعها من أجل خلائقه.  لتكن هذه الكلمة ظاهرة لكم، إنه لايوجد عندى حب جسدى من ناحيتكم وإنما محبة روحية إلهية، لأن الله يتمجد فى جميع قديسيه (مز 8:88س). هيئوا نفوسكم طالما أن لكم من يتوسلون عنكم لله لأجل خلاصكم، لكيما يسكب الله فى قلوبكم النار التى جاء يسوع لكى يلقيها على الأرض (لو49:12)، لكى تستطيعوا أن تدربوا قلوبكم وحواسكم وتعرفوا كيف تميزوا بين الخير والشر واليمين من الشمال والحقيقة من الوهم . إن يسوع عرف أن الشيطان يستمد قوته من الأشياء المادية الخاصة بهذا العالم ، ولذلك دعى تلاميذه وقال لهم " لا تكنزوا لأنفسكم كنوزًا على الأرض" " ولاتهتموا للغد" (مت19:6،34). وحقًا يا أحبائى إنكم تعرفون أنه عندما تهب ريح معتدلة يفتخر ربان السفينة (بأنه أتم الرحلة)، لكن فى وقت الرياح العاصفة المضادة تظهر مهارة الربان. اعرفوا إذًا من أى نوع هو هذا الوقت الذى نعيش فيه. أما عن تفاصيل كلمة الحرية فتوجد أمور كثير أقولها لكم . لكن اعطوا الفرصة للحكيم فيكون أكثر حكمة (أم9:9). أحييكم من الصغير إلى الكبير فى الرب، آمين.

المزيد
أحدث العظات
  • المسيح فى عرس قانا الجليل
  • المحبة فى حياة الانبا انطونيوس
  • الحوار فى الاسرة
  • مثاليات السيد المسيح
  • بركات عيد الظهور الالهى
  • المزيد

    أحدث الكتب
  • الإستشهاد المسيحي
  • الآباء الرسل
  • بدع السبتيين الأدفنتست
  • التثليث والتوحيد
  • كتاب الجهاد والنعمة
  • المزيد

    أحدث العروض
  • غواغوثا
  • اومونجنيس
  • ختام الطرح
  • مقدمة الطرح
  • كى برتو
  • المزيد

    قطمارس
    27 يناير 2012 - 18 طوبه 1728

    عشية:
    المزامير 89 : 19 , 20
    الانجيل: متى 10 : 34 - 42

    باكر:
    المزامير 132 : 9 , 17
    الانجيل: لوقا 6 : 17 - 23

    القداس:
    البولس: عبرانيين 7 : 18 - 8 : 13
    الكاثوليكون: 3 يوحنا 1 : 1 - 15
    الابركسيس: اعمال الرسل 15 : 36 - 16 : 5
    المزامير 99 : 6 , 7
    الانجيل: يوحنا 16 : 20 - 33
    المزيد