المقالات
08 فبراير 2026
انجيل الأحد الأول من شهر أمشير يو ٦ : ٢٢ - ۲۷
وفي الغد لما رأى الجمع الذين كانوا واقفين في عبر البحر أنه لم تكن هناك سفينة أخرى سوى واحدة وهي تلك التي دخلها تلاميذه وأن يسوع لم يدخل السفينة مع تلاميذه بل مضى تلاميذه وحدهم غير أنه جاءت سفن من طبرية إلى قرب الموضع الذي أكلوا فيه الخبز إذ شكروا الرب فلما رأى الجمع أن يسوع ليس هو هناك ولا تلاميذه دخلوا هم أيضا السفن وجاءوا إلى كفر ناحوم يطلبون يسوع ولما وجدوه في عبر البحر قالوا له يا معلم متى صرت هنا أجابهم يسوع وقال الحق الحق أقول لكم أنتم تطلبونني ليس لأنكم رأيتم آيات بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم أعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقى للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الإنسان لأن هذا الله الآب قد ختمه .
الطعام الباقي
الجموع يطلبون يسوع :
بعد معجزة إشباع الجموع من الخمس خبزات في الغد كانت الجموع تبحث عن يسوع وتطلبه وإذا لم يجدوه في الموضع الذي أكلوا فيه الخبز ركبوا السفينة من طبرية وجاءوا إلى كفر ناحوم وقالوا له : يا معلم متى صرت هنا ؟ فأجابهم يسوع وقال لهم : الحق الحق أقول لكم أنتم تطلبونني ليس لأنكم رأيتم آيات بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم أعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقى للحياة الأبدية الذي يعطيكم إبن الإنسان لأن هذا الله الآب قد ختمه ما أجمل أن نطلب يسوع ولكن نطلبه ليس من أجل عطاياه بل من أجل ذاته نحن نريد أن نتمتع بالمسيح ولو نحرم من جميع الأشياء الأخرى معك لا أريد أيضاً شئ.
المسيح والعطايا :
كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هى نازلة من فوق من عند أبي الأنوار الذي يعطى بسخاء ولا يعير فطعامنا الجسدي نأكله من يد يسوع ونشكره وكل عطايا مادية نحسبها بركة من صلاح الله ولكن الرب يسوع يوجه أنظارنا إلى عطية أخرى يجب أن نعمل من أجلها إنه يشير إلى الطعام الآخر سماه هو الطعام الباقي وفى مرة أخرى : خبز الحياة لا يكفى أن نقول إن يسوع أعطانا نفسه بل يجب أن نؤكد أنه أعطانا نفسه كطعام مأكل حق ومشرب حق أعطانا دمه المسفوك وجسده المكسور ويريدنا أن نعمل من أجل هذا الطعام الباقي للحياة الأبدية.
بعرق جبينك :
قال الرب لآدم أبينا بعرق جبينك تأكل خبزك وصار الإنسان يعمل الأرض لتعطيه خبزاً عندما قتل قايين أخاه
قال الرب متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها فصار الإنسان يتعب طول النهار لكي تعطيه الأرض خبزاً ويكد ويشقى طول عمره لكى يأخذ شيئًا من الأرض بعرق الجبين وكل ما يأخذه من الأرض تستعيده الأرض مرة أخرى لأنه تراب وإلى التراب يعود فصار الإنسان كأنه مولود للمشقة وحسب كل تعبه باطل الأباطيل وقبض الريح ولا منفعة تحت الشمس والعجيب جدا أن الإنسان وهو محصور في جسده وفي مادياته حسب أن حياته في طعام الجسد فأهتم جداً وأفنى حياته بحثًا عن طعام الجسد في أكل وفي شرب وفي مسرة جسدية و ...
لى طعام آخر
قال التلاميذ للرب عند بئر السامرة يا معلم كل فقال لهم لى طعام آخر لستم تعرفونه طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله المسيح المبارك يجوع إلينا ويشبع بتوبتنا ورجوعنا وعندما يكون المسيح فينا يكون فينا هذا الجوع إلى الطعام الآخر إلى تكميل مشيئة الآب وهذا الطعام لا يعرفه العالم ويسوع اليوم يقول يا ابني أعمل من أجل هذا الطعام بكل قوتك وأتعب من أجل الحصول عليه واعرق عرقاً مقدساً ولا يكن كل عرقك وتعبك من أجل الطعام البائد الذي يزول .
طوبي للجياع :
الرب يسوع طوب النفوس التي تجوع وتشتهي أن تأكل خبز الحياة وطعام البر وهناك فرق كبير بين من يتقدم للطعام بجوع وشهوة ومن يتغصب ليأكل هناك نفوس كثيرة تتقدم للتناول بإشتياق عظيم وجوع شديد بينما نفوس أخرى ندفعها دفعا للتناول من جسد الرب وللأكل من خبز الحياة الذي إعتاد أن يأكل الطعام البائد كيف يجوع إلى الطعام الباقي ؟
إن شخصا يحضر إلى القداس في تكاسل وفي ساعة متأخرة هل تسمى هذا الشخص جائع إلى البر ؟ وآخر لا يفكر في التناول إلا في المناسبات كعادة موروثة تريح الضمير هل تسمى هذا الشخص جائع إلى البر ؟
أعملوا للطعام الباقى :
إن خبرة سمعان في صيد السمك تعبنا الليل كله ولم نأخذ شيئًا وخبرة المرأة السامرية من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً وخبرة الآباء والأجيال تعطينا درسا يجب ألا ننساه
ربي يسوع كم تعبنا من أجل طعام بائد كم تصببنا عرقاً وأفنينا سنيناً بحثاً عن طعام الأرض ؟
كم من الوقت كل يوم أعمل فيه من أجل لقمة العيش ومن أجل الطعام البائد ؟
ثم دعنا نسأل أنفسنا كم من الأوقات نعمل من أجل الطعام الباقي الذي للحياة ؟
وما هو إستعدادنا وتعبنا من أجل خبز الحياة ؟
إن نوح البار أمضى سنين هذا عددها يستعد فصنع فلكاً من أجل نجاته مع أولاده وسليمان بني هيكلاً في سبع سنوات ودشنه بألف ذبيحة وداود كان يرقص بكل قوته أمام تابوت العهد والآباء القديسون كم من العبادات والأصوام بذلوها إستعداداً للطعام الباقي وعلى خلاف ذلك فإن أشخاصاً كثيرين يتقدمون الطعام الباقي بلا إستعداد لائق ولو إلى ساعة صلاة أو تقديم توبة ولا يصرفون جهداً بسيطاً من أجل طعام الحياة الأبدية بل ربما يغضبون ويتذمرون إذا منعوا من التناول لسبب تأخرهم في الحضور إلى الوليمة السمائية .
المن السماوي :
والمسيح عندما يكلمنا عن الطعام الباقي الموهوب لنا يشير إلى نفسه وكما كان بنو إسرائيل يبكرون كل صباح ويلتقطون المن من أجل حياتهم هكذا كان حال الروحانيين يبكرون كل صباح ليشبعوا بالمسيح ويبكرون إلى الكنيسة إنه خبز كل يوم خبزنا اليومي وهو أيضاً خبز المستقبل خبزنا الذي للغد والرب يسوع علمنا في الصلاة أن نطلبه من الآب ليس كما كانت الجموع تطلبه من أجل الخيرات الزمنية والخبز المادي الذي يفنى فكثيرون يطلبون مسيح التعزيات ومسيح الخيرات الزمنية ويطلبون أن يكون الله معهم من أجل النجاح ومن أجل المستقبل ومن أجل التوفيق في الأعمال الزمنية ولكن يسوع يوجه نظرنا أن نطلبه كقوتنا الأبدى ونسعى من أجل أن يكون لنا شركة في الحياة الأبدية .
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية
المزيد
21 ديسمبر 2025
الأحد الثانى من شهر كيهك لو 1 : 26 - 38
و في الشهر السادس ارسل جبرائيل الملاك من الله الى مدينة من الجليل اسمها ناصرة الى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف و اسم العذراء مريم فدخل اليها الملاك و قال سلام لك ايتها المنعم عليها الرب معك مباركة انت في النساء فلما راته اضطربت من كلامه و فكرت ما عسى ان تكون هذه التحية فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لانك قد وجدت نعمة عند الله و ها انت ستحبلين و تلدين ابنا و تسمينه يسوع هذا يكون عظيما و ابن العلي يدعى و يعطيه الرب الاله كرسي داود ابيه و يملك على بيت يعقوب الى الابد و لا يكون لملكه نهاية فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا و انا لست اعرف رجلا فاجاب الملاك و قال لها الروح القدس يحل عليك و قوة العلي تظللك فلذلك ايضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله و هوذا اليصابات نسيبتك هي ايضا حبلى بابن في شيخوختها و هذا هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقرا لانه ليس شيء غير ممكن لدى الله فقالت مريم هوذا انا امة الرب ليكن لي كقولك فمضى من عندها الملاك
بشارة الملاك للعذراء
ليتنا نتأمل اليوم في بشارة الملاك جبرائيل للعذراء القديسة مريم وكلماته معها التي تكشف لنا عن شخصيتها الفريدة وشركتها مع الله لعلنا نأخذ بركة لحياتنا بشفاعتها.
تحية الملاك
تحية الملاك للعذراء خالية من المجاملات وتختلف عن تحية الناس انها تكشف عن حقيقة العذراء أمام الله ،و التي وما زالت أسراراً غاية في العمق لأن العذراء القديسة لم تكن لاحد : لأنها كانت كلها للرب فمن يا ترى يعرف سرها أو من يستطيع أن يخبر بما في قلبها انها جنة مغلقة ينبوع مختوم كما يقول سليمان الحكيم .
ممتلئة نعمة " السلام لك يا ممتلئة نعمة" الامتلاء من النعمة يسبقه دائماً تفريغ القلب من العالم والعالميات ومن يا ترى بلغ هذا الاخلاء والتفريغ لله مثل العذراء عاشت بكليتها لله لم تأخذ من العالم لا اسم ولا مركز ولا شهوة ولا سلطان ولا كرامة ولا مجد الناس ولا ملكية فى شيء عاشت في العالم ومع الناس ،ولكن قلبها كان مسكنا لله وليس لآخر طوباك يا ممتلئة نعمة "واشفعى فينا لكي يعطينا الرب أن نمتلىء من النعمة" عندما نتكلم عن العذراء القديسة نتكلم عن ملئها من النعمة ،وحينما تخدم العذراء تخدم من ملء النعمة كل حركة فى حياتها كانت ممسوحة بالنعمة .
"أشفعى فينا أن تصير حياتنا وكلامنا بنعمة في كل حين ، مملحاً بملح لكي يعطى نعمة للسامعين"
"أشفعى فينا يا ممتلئة نعمة لكي تصير حياتنا نوراً للعالم وملح للأرض وتكون سبب بركة وخلاص لكل أحد".
الرب معك
لم يختبر أحد من الناس حياة الوجود مع الله ، قدرك أيتها العذراء القديسة هكذا شهد لك جبرائيل المبشر أن الرب الإله حال معك لانك خضعت بكليتك لحبه الإلهى واتضعت أمامه حتى تطلع من السماء فلم يجد من يشبهك ،وها جبرائيل يحمل إليك بشارة حلول ابن الله في أحشائك طوباك يا من عرفت كيف تكون الحياة مع الله فأنعم عليك بالاتحاد به كجنين في بطنك وها أنت صرت مثل قسط الذهب الذي صار المن مخفى فيه "أشفعي فينا يا من في داخلك أستراح ابن الله وقدم نفسه فيك خبز الحياة نازلا من السماء من عند الآب"
"أشفعى فينا يا كرسى الله .وأفتحى أمامنا باب الاتحاد بالله وعلينا أن نقترب إلى خبز الحياة ونأخذ جسد الكلمة من على المذبح ونحيا به من الموت ونثبت فيه وهو فينا ".
مباركة أنت في النساء
بسبب حواء دخلت اللعنة والخطيئة إلى العالم وبسبب العذراء صار الخلاص والفداء لجنسنا صرت بركة وسبب بركة وتبارك في نسلك كل قبائل الأرض السماوات تطوبك أيتها العذراء القديسة وكل البشر يكرمونك من أجل أنك صرت بركة للجميع حتى الذين يشكرون الإيمان يتشفعون بك في ضيقتهم يعرفون حقاً انك مباركة فى النساء أشفعى فينا لكي نكون باتحادنا بالمسيح وعمل روح القداسة بركة لكل أحد نحب بعضنا من قلب طاهر فنكون تلاميذ الرب نقدم المسيح للعالم و نسمى كسفراء نقول للناس تصالحوا مع الله فنكون مباركين وسبب بركة.
فلما رأته أضطربت من كلامه وفكرت ما عسى أن تكون هذه التحية .
ما أجمل اتضاعك يا أمى العذراء انك في عينى نفسك لا تستحق كل هذا السلام لهذا أضطربت لم تقبلى مدحاً من إنسان ولا أخذت أجرة من الناس كانت حياتك السرية مع الله تخشى كلام الناس وفضول المديح الكاذب .
علميني يا أمي وأشفعي في أن أكون في اتضاع مثل سيدى الذي قال" مجداً من الناس لست أقبل " هذا طريق صعب انه ضد طبيعتي التي تريد أن تتعظم أمام الناس وتقبل مجد العالم علمنى أعمل في الخفاء وأصلى في المخدع وأبغض حب الظهور وأنكر ذاتى ولا أفرح بكلام الناس عنى بل أضطرب حتى لو مدحنى ملاك من السماء إن العذراء القديسة لم تضطرب من منظر الملاك مثلما قيل عن زكريا الكاهن" فلما رآه زكريا أضطرب ووقع عليه خوف " لانها كانت تنظر في داخلها منظراً أعظم من ملاك ، إذ صار قلبها عرشاً لله ومسكناً لروحه القدوس ، إنما هي أضطربت من كلامه ومديحه.
تلدين ابناً وتسمينه يسوع : إن اسم يسوع معناه المخلص .
القديسون عرفوا قيمة هذا الاسم المبارك أسم الخلاص الذي لربنا يسوع فعشقوا هذا الاسم وصار في أفواههم تسبحة دائمة وصلاة بلا انقطاع أما العذراء القديسة مريم فهي أول من تلامس مع أسم يسوع على مستوى الاتحاد ، فلم يكن أسم يسوع كلمة في فمها بل كان الكلمة التي في أحشائها ،ولم تكن العلاقة بين العذراء القديسة وجنينها الإلهى مجرد علاقة جسدية بل كان هناك رباط آخر وهو إدراك العذراء ومعرفتها بأسم الجنين " يسوع المخلص" ومعرفتها بقوة الخلاص روحيا . لذلك هتفت قائلة " تعظم نفسى الرب وتبتهج روحى بالله مخلصي " ان العذراء لم تحمل الرب كجئين في بطنها فقط ، بل كقوة للخلاص تمتعت بها العذراء في روحها وفي أحشائها الباطن شفاعتها تكون معنا آمين .
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية
المزيد
08 مارس 2026
انجيل الأحد الثالث من الصوم المقدس لو ۱۵ : ۱۱ - ۳۲
وقال إنسان كان له إبنان فقال أصغرهما لأبيه يا أبي أعطنى القسم الذي يصيبنى من المال فقسم لهما معيشته وبعد أيام ليست بكثيرة جمع الابن الأصغر كل شئ وسافر إلى كورة بعيدة وهناك بذرماله بعيش مسرف فلما أنفق كل شي حدث جوع شديد في تلك الكورة فابتدأ يحتاج فمضى والتصق بواحد من أهل تلك الكورة فأرسله إلى حقوله ليرعى خنازير وكان يشتهى أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله فلم يعطه أحد فرجع إلى نفسه وقال كم من أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلك جوعا أقوم وأذهب إلى أبي وأقول له يا أبي أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقا بعد أن أدعى لك إبنا اجعلني كأحد أجراك فقام وجاء إلى أبيه وإذ كان لم يزل بعيداً رأه أبوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله فقال له الابن يا أبي أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقا بعد أن أدعى لك ابنا فقال الأب العبيده أخرجوا الحلة الأولى وألبسوه وأجعلوا خاتما في يده وحذاء فى رجليه وقدموا العجل المسمن وأذبحوه فنأكل ونفرح لأن ابنى هذا كان ميتا فعاش وكان ضالاً فوجد فابتدأوا يفرحون وكان ابنه الأكبر في الحقل فلما جاء وقرب من البيت سمع صوت آلات طرب ورقصا فدعا واحدا من -الغلمان وسأله ما عسى أن يكون هذا فقال له أخوك جاء فذبحأبوك العجل المسمن لأنه قبله سالما فغضب ولم يرد أن يدخل فخرج أبوه يطلب إليه فأجاب وقال لأبيه ها أنا أخدمك سنين هذا عددها وقط لم أتجاوز وصيتك وجديا لم تعطنى قط الأفرح مع أصدقائي ولكن لما جاء ابنك هذا الذي أكل معيشتك مع الزواني ذبحت له العجل المسمن فقال له يا ابنى أنت معى في كل حين وكل ما لي فهو لك ولكن كان ينبغى أن تفرح وتسر لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش وكان ضالاً فوجد .
مثل الابن الضال
كان جميع العشارين والخطاة يدنون منه ليسمعوه فكلمهم بهذا المثل لقد فتح الرب بهذا المثل باب السماء أمام الخطاة وكشف عن فرح الآب الشديد برجوعنا لأنه لا يسر بموت الخاطئ ، مثلما يرجع ويحيا ومعلوم أن الرب يسوع جاء ليعرفنا الآب وهنا يعلن المسيح المبارك عن أسرار فكر الآب من نحو رجوعنا إليه وفرح الآب وسروره باستقبالنا كابن راجع من كورة بعيدة وظلال الموت ولا يوجد في الكتاب المقدس كله إظهاراً لمشاعر القرب نحونا كخطاة بقدر ما أعلن المسيح في هذا المثل فالمسيح يتكلم كابن الله الوحيد ويكشف عن قبولنا في شخصه لدى الآب فبدون البنوة لا تكون توبة ولا رجاء ولا حياة ولا رجوع وتمتع بأحضان الآب لذلك المعمودية التي هي بنوتنا لله هي أساس توبتنا فنحن نرجع إلى الآب على أساس بنوتنا له ، وإن لم نكن أبناء فكيف نقدر أن نرجع إليه ؟ .
الغربة عن الآب :
ليتنا نركز فكرنا في الاعلانات التي كشفها لنا الرب يسوع من جهة الآب لأن من جهة الابن الخاطئ وشناعة الخطية والعصيان وأباطيل العالم الزائفة كل هذه الأمور اختبرناها لا بالكلام بل بالعمل فمن منا لم يذق مرارة الخطية وعذابها ؟ ومن منا شبع من خرنوب الخنازير ؟ دعنا نركز فكرنا في الآب الحنون لتكتشف كم تخسر النفس في غربتها بعيدة من الآب وهذه هي الكلمات التي نطق بها الرب يسوع بخصوص الآب .
لما رآه أبوه تحنن :
ليس شئ من النطق يستطيع أن يحد لجة حنان الأبوة اضطرمت مراحمى جميعاً هذه تعبيرات بلغة بشرية عن أمور إلهية لا توصف فالأب الحنون لا يطيق أن يراني في ذل أو عبودية وعندما يراني قادما إليه في ثياب خطيتي ونجاساتي يغلب من تحننه إن أختى لعازر عندما قالتا للرب تعال وأنظر بكى يسوع فمنظرى في قبر شهواتي ونتانة رائحة خطاياي تستدر حنان الآب ودموع يسوع .
وقع على عنقه وقبله :
لقد هجرت أحضانك الأبوية بإرادتي وذهبت أعانق العالم وأفتح قلبي للشهوات نجست شفتي بقبلات الغش والدنس افتكرت في نفسي أن أرتمي في أحضان السعادة والسرور ولكني كنت أذهب من حزن إلى حزن وضعت
شفتي على ينبوع المياه المسروفة والمغشوشة فكنت أعطش أيضاً والآن يا أبي قبلني بقبلات فمك لأن حبك أطيب من الخمر وحلقك حلاوة وكله مشتهيات لقد تغربت كثيراً عن قبلات فمك أحضانك الأبوية تحتويني شمالك تحت رأسى يمينك تعانقني لا تدعنى أخرج أيضاً خارجاً أغلق على بين ذراعيك الذين في يدك لا يقدر أحد أن يخطفهم منك يمينك يا رب معتزة بالقوة في يديك أستودع روحي .
وقع على عنقه :
عنقي الذي وقع تحت نير العبودية واستعبد للشهوات ورأسي الذي أنحني في المسكنة وخزى الخطية وعارها صارا عليه حب الآب يحررني وقبلاته ترفع وجهي حرر يا رب خلص بالحب والعناق أغسل الدنس من نفسى .
أخرجوا الحلة الأولى :
ثوبي الأول معموديتي الطاهرة نقاوتي الأولى فكرى البسيط الذي بلا خطية طفولتي البريئة التي لا تعرف الشر ولا يسكن فيها الخبث أو المكر أو شبه الدنس برك الذي کسانی كالثوب كل هذه عراني العالم منها ألبسني الخزى وتبدل ثوبي بثوب العالم لبست أفكار العالم الملوثة ولبست الرياء والتملق والكلام الباطل وهموم الغنى . صرت شكل أولاد العالم بعد أن كنت لابساً المسيح يا لحب الآب الأزلي هل لى رجوع إلى حلتى الأولى وحالتي الأولى ؟ هل تعود إلى قداستي ؟ يا لكرامة الرجوع إلى الآب تجعل الزناة بتوليين والخطاة أبراراً ربي : كم تغربت عن التمتع بلباس النعمة وحلة الخلاص تغربت كثيراً عن معموديتي ألبسني مرة أخرى حلتي الأولى
حقاً أن التوبة هي تجديد المعمودية أو كما يقول الآباء : هي معمودية ثانية .
خاتما في يده وحذاء في رجليه :
اليد هي العمل والرجل هى السعى نحو الغرض وكلاهما تغربنا كثيراً عن الآب فيدى عملت لحساب الجسد والعالم والشهوات حتى وصلت إلى أن تعمل في رعاية الحنازير لقد تعبت يدى من أعمال النجاسة وها هي راجعة إليك يا الله بعد أن كلت من قبض الريح ألبسها الخاتم خاتم مسيحك لتعمل للملكوت لتعمل للحياة الأبدية لتعمل في الحصاد ألبسها خاتم القداسة لتعمل عمل الرب بقوة وبدون رخاوة ألبسها خاتم الخطبة والاتحاد بالله لكي لا تعود تعمل لنفسها بل للذي بذل نفسه لأجلها إن الخاتم فى يدى عوض المسمار في يد المسيح كم هو ثمين وباهظ التكاليف إيه يا نفسي لا تعودي تتغربي عن محبة الآب ولا تعودى تخلعي خاتم مجده الذي هو وصاياه وكلامه لتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم في قلبك وأجعلها خاتماً على يديك أما رجلي فكم حملتني بعيداً وهى تسعى في الكورة البعيدة لقد أدمت رجلي بأشواك كثيرة لقد خرجت من بيت الآب بحذاء في رجلي هو استعداد انجيل السلام بأرجل مغسولة بيد المسيح بعد العشاء بسراج الكلمة لرجلى وتغربت كثيراً في العالم سرت في وادى الموت وسلكت مسالك الهلاك في مزالق وحفر وفخاخ الشر فقدت حذائي وتهرأ لحم قدمى لم تعد لى قوة على حركة أو قدرة على السعى للملكوت بعد وحتى كل هذا ترده إلى مرة أخرى يا رجلى لا تعودى تسعى بعيداً عن الآب فتتعرضي للآلام ، يا رجلى توجد طريق تبدو صالحة وآخرتها الموت يا نفسي هذا الخذاء في رجلك هو للطريق الكرب لكي لا تتعرجي في السير نحو الآب .
ربي وإلهى احفظ قدمى من الزلل
وقدموا العجل المسمن واذبحوا فنأكل ونفرح :
وليمة الآب هي الذبيحة يصاحبها الفرح هي إذن ذبيحة الفرح وطعام الحياة الأبدية افتكرت نفسى أن تشبع من مائدة العالم فقدم لها العالم اغراءات كثيرة ولكنه كان يخفي خلف الاغراءات خرنوب الخنازير لماذا تزنون فضة بغير خبز وتعبكم بغير شبع استمعوا لى استماعاً وكلوا الطيب ولتلتذ بالدسم أنفسكم السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب هلموا يا أخوة نفرح قلب الآب بتوبتنا وبرجوعنا كفانا غربة وكفانا ذل في الكورة البعيد هلموا نتمتع بأحضان الآب وذبيحة إبنه يسوع المسيح وفرح السمائيين الذي لا يوصف.
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية
المزيد
14 ديسمبر 2025
الأحد الأول من شهر كيهك لو 1 : 1 - 25
اذ كان كثيرون قد اخذوا بتاليف قصة في الامور المتيقنة عندنا كما سلمها الينا الذين كانوا منذ البدء معاينين و خداما للكلمة رايت انا ايضا اذ قد تتبعت كل شيء من الاول بتدقيق ان اكتب على التوالي اليك ايها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به كان في ايام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة ابيا و امراته من بنات هرون و اسمها اليصابات و كانا كلاهما بارين امام الله سالكين في جميع وصايا الرب و احكامه بلا لوم و لم يكن لهما ولد اذ كانت اليصابات عاقرا و كانا كلاهما متقدمين في ايامهما فبينما هو يكهن في نوبة فرقته امام الله حسب عادة الكهنوت اصابته القرعة ان يدخل الى هيكل الرب و يبخر و كان كل جمهور الشعب يصلون خارجا وقت البخور فظهر له ملاك الرب واقفا عن يمين مذبح البخور فلما راه زكريا اضطرب و وقع عليه خوف فقال له الملاك لا تخف يا زكريا لان طلبتك قد سمعت و امراتك اليصابات ستلد لك ابنا و تسميه يوحنا و يكون لك فرح و ابتهاج و كثيرون سيفرحون بولادته لانه يكون عظيما امام الرب و خمرا و مسكرا لا يشرب و من بطن امه يمتلئ من الروح القدس و يرد كثيرين من بني اسرائيل الى الرب الههم و يتقدم امامه بروح ايليا و قوته ليرد قلوب الاباء الى الابناء و العصاة الى فكر الابرار لكي يهيئ للرب شعبا مستعدا فقال زكريا للملاك كيف اعلم هذا لاني انا شيخ و امراتي متقدمة في ايامها فاجاب الملاك و قال له انا جبرائيل الواقف قدام الله و ارسلت لاكلمك و ابشرك بهذا و ها انت تكون صامتا و لا تقدر ان تتكلم الى اليوم الذي يكون فيه هذا لانك لم تصدق كلامي الذي سيتم في وقته و كان الشعب منتظرين زكريا و متعجبين من ابطائه في الهيكل فلما خرج لم يستطع ان يكلمهم ففهموا انه قد راى رؤيا في الهيكل فكان يومئ اليهم و بقي صامتا و لما كملت ايام خدمته مضى الى بيته و بعد تلك الايام حبلت اليصابات امراته و اخفت نفسها خمسة اشهر قائلة هكذا قد فعل بي الرب في الايام التي فيها نظر الي لينزع عاري بين الناس.
بشارة الملاك لن كريا
قرب ملء الزمان ، ودنا الموعد الذي حدده الله لتجسده .
وكان لابد أن يسبقه من يعد ، يهيء الطريق أمامه ، وكان لابد لهذا السابق أن يكون أعظم مواليد النساء حتى يستحق أن يقوم بهذه الخدمة الجليلة . فأى والدين اختارهما الله لياتمنهما على هذا العظيم الذى سيسبقه ؟ يصفهما الإنجيل قائلا :"و كانا كلاهما بارين أمام الله سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم "
كان كلاهما بارين أمام الله ، أي أن الله نظر إلى كل منهما وفحصه فوجده باراً ، لم يذكر الإنجيل لنا شيئاً عن ما كانا يظهران به أمام الناس ، فليس لهذا الأمر وزناً عند الله ، ولم يذكر له وزن عند زكريا واليصابات ، ومسكين هذا الإنسان الذي يفهم أن يظهر باراً أمام الناس وينسى أن الله لا يقبل الوجوه ولا يهتم برأى الناس لكنه يفحص أعماق الإنسان الداخلية وكانا أيضاً "سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم " أين نحن من زكريا وإليصابات ، نحن الذين أصبحنا نفحص وصايا الله لنختار منها ما يناسبنا وما يناسب عصرنا وظروفنا ونترك ما لا نراه غير مناسب أما زكريا وإليصابات فقد كانت وصايا الرب وأحكامه عندهما فوق مستوى الجدل والمناقشة وفوق مستوى الفحص والتحليل لذلك كانا سالكين في جميع الوصايا والاحكام بلا لوم لقد كانت وصايا الرب عندهما السلوك وليس للمعرفة في بيت مثل هذا لابد أن ينشأ الطفل باراً قديساً ، ولابد أن يكون مختاراً من الله ومحبوباً لديه لعلنا إذن لا تخطىء إن قلنا ان قلقنا على مستقبل أولاد لا يعيشون فى مثل بيت زكريا واليصابات لأننا لا نعيش في البر ولا نسلك في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم فلا نقدم لهم القدوة بقدر ما نقدم العثرة ولا نشعر بعمل الله في حياتنا بقدر ما نشعر بحرب الشيطان حولنا ولم يكن لهما ولد إذ كانت اليصابات عاقراً وكانا كلاهما متقدمين في أيامهما لم يكن لهما ولد أى لم يكن لهما ثمر في الجسد. ولكن ثمار الروح كانت وفيرة - فسلوكهما في وصايا الرب وأحكامه كلها جعلتهما بركة لمن حولهما ،وبرهما صعد أمام الله ثمرة شهية مفرحة ومع ذلك فعقر اليصابات كان عاراً وخزياً ( إذ كانت كل أمرأة تشتهى أن يأتي من نسلها المسيح ) . فالمرأة العاقر قد حكم عليها أن المسيح لن يأتي من نسلها ،وقد كانت هذه هي شهوة كل امرأة - كان عاراً أمام القرعة أن يدخل إلى الهيكل الذى للرب و يبخر ، كان الكاهن الشيخ يكهن في نوبة فرقته أمام الله و لعل كلمة" أمام الله " هنا تعبر عن شعوره الداخلي الذي كان مؤكداً يختلف عن شعور كثيرين من أخوته الكهنة إذ كانت وظيفة الكهنوت عندهم عملا يؤدونه مثلما يؤدى كل إنسان عمله ، أصابته القرعة أن يدخل إلى هيكل الرب و يبخر - هذه القرعة رآها هو ـ وباقى الكهنة مصادفة أن تقع عليه - أما الحقيقة فهي أن الله قد دبر هذا الأمر حتى يبلغه البشارة المفرحة التي أعدها له في غير موعدها - فهناك عند مذبح البخور ظهر له ملاك الرب واقفاً من يمين المذبح - وقد كانا طبيعيا أن تحيط الملائكة بمذبح البخور حتى تحمل هذا البخور و تصعد به إلى الله ( الذي هو صلوات القديسين ) ولكن لم يكن طبيعياً أن يظهر له هناك ملاك الرب ففي خدمته الكهنوتية الطويلة لم يسبق أن ظهر له ملاك ولا أحد من أخوته لذلك فلما رآه زكريا أضطرب ووقع عليه خوف فقال له الملاك لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت وأمرأتك اليصابات ستلد لك ابنا وتسميه يوحنا .
ظهر له ملاك الرب واقفا عن يمين مذبح البخور.
الواقع أن ملاك الرب يقف دائما في هذا المكان لا يفارق يمين مذبح البخور ويصعد التقدمة والصلوات ويرفع البخور إلى فوق أمام المذبح الناطق السمائي ولكننا لا نراه من أجل ضعف بصيرتنا فكلما أقتربنا من المذبح وكلما قدمنا بخور صلوات وسكبنا ذبيحة التسبيح فلنتذكر أن الملاك واقف هناك وأنه فى وقت القبول سيقول لنفسى و لا تخف لان طلبتك قد سمعت ولكن على أن لا أضطرب ولا يضعف قلبي إذا ما تأخرت الاستجابة هناك ملء الزمان ووقت معين من قبل الرب من أجل طلبتي ولا بد أن أطلب ولا أكف عن الطلب وأنتظر الرب وأقول" صبرت ننسى لناموسك " ان في نهاية صلواتنا فى الكنيسة نقول " يا ملاك هذا اليوم الطاهر إلى العلا يهذه التسبحة وأذكرنا أمام الرب ليغفر لنا خطايانا" لنثق أن الملاك ينتظر ختام تسبحتنا ليرفعها إلى فوق وفي نهاية القداس يصرف الكاهن ملاك المذبح لينطلق إلى فوق حاملا بخورنا ويعود حاملا استجابة طلبتنا كم يفرح الملاك عندما يحمل بخورنا ويفرحنا عندما يحمل إلينا استجابة الرب لها.
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية
المزيد
11 يناير 2026
الأحد الاول من شهر طوبة مت 2 : 13 - 23
و بعدما انصرفوا اذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا قم و خذ الصبي و امه و اهرب الى مصر و كن هناك حتى اقول لك لان هيرودس مزمع ان يطلب الصبي ليهلكه فقام و اخذ الصبي و امه ليلا و انصرف الى مصر و كان هناك الى وفاة هيرودس لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني حينئذ لما راى هيرودس ان المجوس سخروا به غضب جدا فارسل و قتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم و في كل تخومها من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل صوت سمع في الرامة نوح و بكاء و عويل كثير راحيل تبكي على اولادها و لا تريد ان تتعزى لانهم ليسوا بموجودين فلما مات هيرودس اذا ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر قائلا قم و خذ الصبي و امه و اذهب الى ارض اسرائيل لانه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي فقام و اخذ الصبي و امه و جاء الى ارض اسرائيل و لكن لما سمع ان ارخيلاوس يملك على اليهودية عوضا عن هيرودس ابيه خاف ان يذهب الى هناك و اذ اوحي اليه في حلم انصرف الى نواحي الجليل و اتى و سكن في مدينة يقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالانبياء انه سيدعى ناصريا
الهروب الى مصر
إذا ملاك ظهر ليوسف في حلم قائلا " قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر " مت ١٣:٢ ان رحلة الرب إلى أرض مصر مملوءة أسراراً ، وهناك أسئلة كثيرة تتبادر إلى الذهن ، فمثلا :
لماذا هرب إلى مصر بالذات ؟
ان مصر ليست أقرب البلاد إلى اليهودية ، بل هناك : سوريا والأردن والعراق وصحراء العرب ولبنان . ومصر أيضاً ليست أسهل الطرق ، ولكن على العكس فهى بالنسبة لإسرائيل طريق مملوه بالمخاطر وكثير المتاهات وفوق ذلك فالرحلة إلى مصر مرهقة كل الأرهاق للعائلة المقدسة ، فيوسف رجل شيخ والعذراء القديسة حاملة طفلها الإلهى . فما أصعب الرحلة وما أقسى ظروفها . و لكن أمام كل هذا كانت رؤيا الملاك ليوسف وتدبير النزول إلى مصر كان أمراً إلهيا سبق فأعده الرب منذ الأزل ، وسبق وأخبر به الأنبياء فهوشع النبي يقول : ( من مصر دعوت ابني " وأشعياء النبي يصرخ قائلا "هوذا الذي قادم إلى مصر راكباً سحابة سريعة ،"أش ١٩ .إذن لقد قصد الرب أن يجئ إلى مصر ، ليس بالصدفة ولا تحت إضطرار الظروف ، ولكن له في مصر مذبح لابد أن يبني ، وله في مصر عمود شهادة لابد أن يقام ، وله في مصر كنيسة شاهدة وعابدة ومتكلمة بلسان كنعان الروحي ، وله في مصر بركة بها يبارك رب الجنود ، قائلا : "مبارك شعبي مصر ".
في داخل مصر
ان ربنا جاز فى أرض مصر شمالها وجنوبها ، وتنقل في بلاد كثيرة فلو كانت رحلته مجرد هروب ، لسكن في أول مدينة صادفته ، وما أنتقل إلى مكان آخر ولكن الرب قصد أن يضع قدميه في أماكن كثيرة صارت فيما بعد منابع للروح أرتوى منها العالم كله مثل جبل قسقام ، ووادى النطرون ان سر وجود الكنيسة القبطية وبقائها إلى هذا اليوم رغم ما صادفته من إضطهادات ، كائن في هذه الزيارة العجيبة ونحن نؤمن أن الرب اختار مصر ليضع عليها مسئولية خلاص العالم كله . فكما صارت مصر بسبب يوسف منقذة للعالم القديم من الجوع في أيام الآباء هكذا ستصير مصر بسبب المسيح فيها منقذة للعالم الحاضر من مجاعة الروح وموت الإيمان فيا من أستبقيت يوسف لابقاء حياة الاسباط في القديم وأشبعتهم من حنطة مصر هنا حنطة مصر صارت جسدك على المذبح وخزينها صار تراثاً في كنيسة مصر فأنعم يا رب بالشبع من جسدك ، ومن حبة الحنطة على كل العالم ليشبع العالم روحيا بمصر ،وبإيمان كنيستها آمين .
ترك لنا مثالا
فهو فى هروبه من وجه هيرودس كرس لنا طريق بداية الانتصار من يهرب من وجه الشر ينتصر عليه هكذا ظهر هيرودس الملك ضعيفاً ومغلوباً أمام الطفل يسوع . فهيرودس يضطرب ويخاف ويفقد صوابه ويقتل الأطفال ، كل هذا لانه مغلوب وخائب الهروب من وجه الشر هو طريق المتضعين الذي صار فيه ربنا وفتح لنا باب غلبة الخطية بسهولة جداً أهربوا من الزنى ان أسهل طريق للنصرة على شيطان الشهوات هو الهروب الهروب من أماكن الشر ومن أفكار الشر ومن أصدقاء الشر ومن خطط الشيطان ، مثل يوسف العفيف الذي يهرب من محبة المال يغلب العالم . القديس أوغسطينوس شهد قائلا "وضعت قدمى على قمة هذا العالم عندما أصبحت لا أشتهي منه شيئاً" ان الهروب من الشر ليس خوفاً لأن المسيح لم يهرب من وجه هيرودس خوفاً من الموت ، لأن هدف التجسد هو الصليب والرب يسوع قال " لاجل هذا أتيت " و لكن المسيح بهروبه وضع لنا مبدأ عدم مقاومة الشر فروح هيرودس روح سفك الدم ، وقتل الناس وهذا لا يغلب إلا بروح المسيح ، روح الحياة ، وروح السلام ، وروح الإتضاع الشهداء القديسون واجهوا روح هيرودس في المضطهدين والمفديين بروح المسيح الوديع الهادي ، وغلبوه بدم الخروف ، وبكلمة شهادتهم لم يغلبوا الشتيمة بالشتيمة ، ولا غلبوا السيف بالسيف ، ولكن غلبوا بالإتضاع وبروح المسيح الذي إذ شتم لم يكن يشتم عوضاً هكذا كان داود النبي في القديم يهرب من وجه الشر أينما وجد وهرب من وجه شاول الملك هرب من وجه وجد أبشالوم الشيطان يحاول دائماً أن يعطل طرق الله ويقف في وجه تكميل أعمال الخلاص هكذا تبدو محاولات الشيطان من الايام الأولى لتجسد رب المجد يسوع ولكن المسيح المبارك لم يترك فرصة للشيطان ليكمل أعماله الشريرة فالهروب من وجه الشر يفسد خطط الشيطان التي يدبرها ضد أولاد الله مثل هروب دارد من أمام أبشالوم فأفسد مشورة أخيتوفل فملأ الشيطان قلب أخيتوفل غيظاً وشنق نفسه.
دخل ليملك على مصر
لقد استعلن المسيح ملكاً من أول لحظة دخل فيها إلى العالم فالمجوس جاءوا يسألون أين هو المولود ملك اليهود ؟
و هيرودس يطلب أن يقتله عالماً أنه ملك ولكن ملكوت المسيح ليس من هذا العالم ، بل هو ملكوت سماوى أى أن يصير المسيح ملكا ، وأن يصير الإنسان مملوكاً للمسيح هكذا جاء المسيح إلى مصر ملكا وديعاً راكباً على أتان حسب عادته وحسب إتضاعه ودخل لكى يأخذ له مملكة ويقتنى له شعباً ومنذ ذلك الزمان وملكوت المسيح في مصر يقاوم بعنف وقوة ولكن في كل جيل يعود الشيطان خائباً منكسراً أمام مملكة المسيح في مصر ، الكنيسة التى أسسها الرب على صخر الدهور ووعدها قائلا " أبواب الجحيم لن تقوى عليها ".
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية
المزيد
14 يناير 2026
نزوله من السماء يثبت لاهوته
قال السید المسیح في حدیثه مع الیھود: "أَنَا ھُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ" (یو٦: 41) وقال إنه بھذا معطي الحیاة "لأَنَّ خُبْزَ للهِ ھُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاھِبُ حَیَاةً لِلْعَالَمِ" (یو33:6) وكرر عبارة "نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ" (یو 6: 38) وفسر نزوله من السماء بقوله: "خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَیْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَیْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْھَبُ إِلَى الآبِ" (یو ۱٦: 28) وركز على عبارة خروجه من عند الآب بقوله لتلامیذه "الآبَ نَفْسَه یُحِبُّكُمْ، لأَنَّكُمْ قَدْ أَحْبَبْتُمُونِي،وَآمَنْتُمْ أَنِّي مِنْ عِنْدِ للهِ خَرَجْتُ" (یو ۱٦: 27) وكرر ھذا المعنى أیضًا في حدیثه مع الیھود (یو ۸: 42) إذن ھو لیس من الأرض بل من السماء وقد خرج من عند الآب ھذا ھو موطنه الأصلي أما وجوده بین الناس على الأرض بالجسد، فذلك لأنه "أَخْلَى نَفْسَه، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ" (في ۲: 7) ولكنه لابُد أن یصعد إلى السماء التي نزل منھا أما عن ھذه الأرض فھو كائن قبلھا بل ھو الذي أوجدھا لأن "كُلُّ شَيْءٍ به كَانَ وَبغِیْرِهِ لمَ یَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (یو ۱: 3) أما ھو فقد كان في الآب منذ الأزل وھذا ھو مكانه الطبیعي بل ھذه مكانته.
ونزوله من السماء وصعوده إلیھا أمر شرحه لنیقودیموس فقال "لَیْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي ھُوَ فِي السَّمَاءِ" (یو ۳: 13) والمقصود بالسماء ھنا سماء السماوات التي لم یصعد
إلیھا أحد ولم ینزل منھا أحد إلا المسیح باعتباره أقنوم الابن "الَّذِي ھُوَ فِي حِضْنِ الآبِ" (یو ۱: 18) في سماء السماوات حیث عرش الله كما قال في العظة على الجبل إن السماء ھي كرسي الله (متى ٥: 34) أي عرشه. وقوله "ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي ھُوَ فِي السَّمَاءِ" معناھا أنه كائن في السماء بینما ھو على الأرض یتكلم ومعجزة صعوده إلى السماء (أع ۱: 9) ھي تأكید لقوله لتلامیذه "وَأَیْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْھَبُ إِلَى الآبِ" (یو ۱٦: 28)
وھو لیس في السماء كمجرد مقیم إنما له فیھا سلطان: فقد قبل إلیه روح القدیس إسطفانوس الذي قال في ساعة رجمه "أَیُّھَا الرَّبُّ یَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي" (أع ۷: 59) وھو الذي أدخل اللص إلى الفردوس (لو43:23) وھو الذي أعطى الرسل مفاتیح السماء (مت ۱٦: 19) وقال "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَه عَلَى الأَرْضِ یَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَه عَلَى الأَرْضِ یَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ" (مت ۱۸: 18)
والمسیح تسجد له كل القوات السمائیة: "لكِيْ تَجْثوُ باِسْمِ یَسُوعَ كُل رُكْبَة مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ وَیَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ یَسُوعَ الْمَسِیحَ ھُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ" (في ۲: 9) وقد قال عنه الرسول أیضًا "إِذْ ھُوَ حَيٌّ فيِ كُلِّ حیِنٍ لیِشْفعَ فیِھِمْ، لأنَّه كَانَ یَلیِقُ بنِا رَئیِسُ كَھَنَة مِثْل ھذَا قدُّوسٌ بلِا شَرّ وَلاَ دَنَسٍ قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب ۷: 25 , 26)
إذن من علاقة المسیح بالسماء، یمكن إثبات لاھوته بدلائل كثیرة.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
28 ديسمبر 2025
الأحد الثالث من شهر كيهك لو 1 : 39 - 56
فقامت مريم في تلك الايام و ذهبت بسرعة الى الجبال الى مدينة يهوذا و دخلت بيت زكريا و سلمت على اليصابات فلما سمعت اليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها و امتلات اليصابات من الروح القدس و صرخت بصوت عظيم و قالت مباركة انت في النساء و مباركة هي ثمرة بطنك فمن اين لي هذا ان تاتي ام ربي الي فهوذا حين صار صوت سلامك في اذني ارتكض الجنين بابتهاج في بطني فطوبى للتي امنت ان يتم ما قيل لها من قبل الرب فقالت مريم تعظم نفسي الرب و تبتهج روحي بالله مخلصي لانه نظر الى اتضاع امته فهوذا منذ الان جميع الاجيال تطوبني لان القدير صنع بي عظائم و اسمه قدوس و رحمته الى جيل الاجيال للذين يتقونه صنع قوة بذراعه شتت المستكبرين بفكر قلوبهم انزل الاعزاء عن الكراسي و رفع المتضعين اشبع الجياع خيرات و صرف الاغنياء فارغين عضد اسرائيل فتاه ليذكر رحمة كما كلم اباءنا لابراهيم و نسله الى الابد فمكثت مريم عندها نحو ثلاثة اشهر ثم رجعت الى بيتها.
زيارة القديسة مريم لاليصابات
نستطيع أن نتعلم الكثير من رحلة القديسة مريم عبر جبال اليهودية وزيارتها لإليصابات أم يوحنا المعمدان بل أن دروساً كثيرة نافعة قد تركتها القديسة الطاهرة لجميع الأجيال لاسيما للنفوس التي أرتبطت بالرب برباط الحب ودفعها الحب إلى طريق الخدمة .
النعمة نشيطة
النعمة نشيطة لا تعرف الخمول ومتدفقة دائماً لا ترجع إلى خلف فان امتلأت نفسى من النعمة تراها دائما متحركة للخدمة بلا توان ،وساعية للعمل بلا كسل ان النعمة تغير طبيعة النفس وتجعلها خفيفة في سعيها كأنها محمولة على أجنحة النسور ،وحركات النعمة مملوءة حرارة وحب والخدمة بالنعمة تختلف تماماً عن الخدمة الذاتية التي يعرفها البشر عموماً الناس يخدمون ذواتهم و يخدمون أغراضهم ، ويعظمون عمل يديهم حتى فى العبادة والصوم والصلاة قد تدخل الذات البشرية و تبتلع كل شيء لحسابها أما خدمة النعمة فهي خدمة إنكار الذات وخدمة الصمت والعمل في الخفاء العذراء القديسة لم تكن تخدم حينما يطلب إليها أحدا بل كانت تخدم دون أن يسألها أحد هكذا صنعت مع إليصابات و في عرس قانا الجليل وهكذا تصنع إلى اليوم وإلى آخر الايام العذراء من اللحظة التي قبلت إليها المسيح جنيناً في بطنها وصارت أماً لإبن الإنسان صارت أماً للبشرية كلها ومن لحظتها وهي تمارس عملها الشفاعى كأم من واقع محبة الأمومة الفائقة ومن واقع مسئوليتها الجديرة كأم لمخلص العالم كله .
الملئ من النعمة ومحبة الآخرين
الملىء من النعمة يخرج الإنسان عن ذاته بجعله لا يعيش من أجل نفسه ولا يفكر فى راحته ومصلحته الشخصية النفس الممتلئة نعمة تفكر فى الآخرين انها لا تطلب ما لنفسها الإنسان الخالي من النعمة يهمه بالدرجة الأولى ذاته أما الإنسان الملوء نعمة فهو مستعد أن يبذل ذاته من أجل الآخرين العذراء القديسة مريم وهى فى الأيام الأولى من حملها المقدس وفى ظروفها الخارقة للطبيعة والتى تحتاج منها إلى هدوء وراحة لم تفكر في نفسها قامت مسرعة إلى الجبال تسعى من أجل معونة امرأة متقدمة في أيامها حبلى بابن في شيخوختها ترى متى نعيش من أجل آخرين بل متى نضع أنفسنا من أجل الغير فنتشبه بالرب يسوع الذى جاء ليخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين .
الملئ من النعمة في الكلام
قليلا ما تكلمت العذراء القديسة ، ولكنها عندما تكلمت لطقت بالنعمة وملء الروح كلمات العذراء القديسة ممسوحة بالنعمة يمتلئ سامعها من الروح مثلا امتلأت إليصابات وحتى الجنين في بطن أمه عندما دخلت إليه كلمات العذراء المملوءة نعمة ار تكض بابتهاج وامتلا يوحنا من الروح القدس في بطن أمه العذراء لا تتكلم من ذاتها ولا تخدم من ذاتها هي آلة طيبة وسخية ان كلمة واحدة قد تهيج السخط وتثير الغضب ، وكلمة واحدة قد تدنس الفكر وتوقد الشر وكلمة واحدة قد تحكم على الناس وكلمة واحدة قد تضرم دائرة الكون - هذا كلام النفوس الخالية من النعمة أما النفس الممتلئة نعمة فكلامها وسلامها وحديثها البسيط يعطى نعمة للسامع بكلامك تتبرر و بكلامك يحكم عليك و لا تخرج كلمة ردية من أفواهكم .
تدريب :
حاسب نفسك كل يوم هل كلامك مع الناس للبنيان ؟
المليء من النعمة في الصلاة والتسبيح
لم تعرف البشرية كلها كلمات الصلاة أرتفعت إلى علو صلاة العذراء الطاهرة ولا بلغ الملائكة في تسبيحهم إلى بساطة وعمق تسبحة العذراء فهى كلمات من نور " تعظم نفسى الرب و تبتهج روحى بالله مخلصي لأنه نظر إلى اتضاع أمته فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطويني لان القدير صنع بي عظائم وأسمه قدوس ورحمته إلى جيل الأجيال الذين يتقونه صنع قوة بذراعه .شتت المستكبرين بفكر قلوبهم أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين . أشبع الجياع خيرات وصرف الأغنياء فارغين عضد إسرائيل فتاه ليذكر رحمة كما كلم آباءنا لابراهيم و نسله إلى الأبد " ان تسبحة العذراء لا تحتاج إلى تعليق . انها ليست كلمات بشرية لكنها من ملء النعمة نطقت وبالروح القدس ومن واقع اتحادها بمصدر كل عطية صالحة وكل موهبة تامة أخذ نعمة فوق نعمة لأن الناموس بموسى أعطى أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صاراً .
اليصابات والعذراء
أما وقوف إليصابات المرأة الوقورة وتصاغرها أمام العذراء القديسة وصراخها من أين لى هذا أن تأتى أم ربى إلى فهذا يحتاج إلى وقفة مننا نحن الخطاة لنتعلم أن نكرم القديسة العذراء ليس بكلامنا أو مديحنا ولكن لنقبلها وهي تطرق أبوابنا كل يوم حاملة إلينا ابنها وحبيبها لنقبلها يا أخوة بحياة البر والسلوك في وصايا الرب وأحكامه مثل إليصابات وزكريا ونتوسل إلى الرب أن يجعل لنا نصيباً أن تأتى إلينا أم ربنا وتبارك قلوبنا وبيوتنا وأولادنا بركة صلواتها وشفاعتها تكن معنا نحن الخطاة .
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية
المزيد
07 ديسمبر 2025
الأحد الرابع من شهر هاتور مر ۱۰ : ۱۷ - ۳۱
وفيما هو خارج إلى الطريق ركض واحد وجثا له وسأله أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لارث الحياة الأبدية فقال له يسوع لماذا تدعونى صالحاً ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله أنت تعرف الوصايا لا تزن لا تقتل لا تسرق لا تشهد بالزور لا تسلب أكرم أباك وأمك فأجاب وقال له يا معلم هذه كلها حفظتها منذ حداثتي فنظر إليه يسوع وأحبه وقال له يعوزك شيء واحد أذهب بع كل مالك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال أتبعنى حاملا الصليب فأغتم على القول ومضى حزيناً لأنه كان ذا أموال كثيرة فنظر يسوع حوله وقال لتلاميذه ما أعسر دخول ذوى الأموال إلى ملكوت الله فتحير التلاميذ من كلامه فأجاب يسوع أيضاً وقال لهم يا بنى ما أعسر دخول المتكلين على الأموال إلى ملكوت الله مرور جمل من ثقب أبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله فبهتوا إلى الغاية قائلين بعضهم لبعض فمن يستطيع أن يخلص فنظر إليهم يسوع وقال عند الناس غير مستطاع ولكن ليس عند الله لان كل شيء مستطاع عند الله وابتدأ بطرس يقول له ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك فأجاب يسوع وقال الحق أقول لكم ليس أحد ترك بيتاً أو إخوة أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو أولاداً أو حقولا لاجلى ولأجل الإنجيل الا ويأخذ مئة ضعف الآن في هذا الزمان بيوتاً وإخوة وأخوات وأمهات وأولاداً وحق ولا مع إضطهادات و في الدهر الآتى الحيوة الأبدية ولكن كثيرون أولون يكونون آخرين والآخرين أولين.
يعوزك شيء واحد
وفيما هو خارج إلى الطريق ركض واحد وجثا وسأله أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لارث الحياة الأبدية ؟ فقال له يسوع أنت تعرف الوصايا لا تزن لا تقتل الخ . فاجاب وقال يا معلم هذه كلها حفظتها منذ حداثتى . فنظر إليه يسوع وأحبه وقال له يعوزك شيء واحد أذهب وبع كل مالك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعنى حاملا الصليب فاغتم على القول ومضى حزيناً لانه كان ذا أموال كثيرة ثم قال الرب للتلاميذ ما أعسر دخول المتكلين على الأموال إلى ملكوت الله .
سؤال للغنى :
ماذا أعمل لارث الحياة الأبدية ؟
ان هذا الشاب على ما يبدو مهتم بحياته الأبدية وميراث الملكوت فتراه يركض ويجثوا أمام الرب يسوع ويسأل كيف يرث الحياة الأبدية ؟ ولكن يسوع يمتحن قلب الذين يطلبون الملكوت وكثيراً ما يجيب على سؤالهم بسؤال و لكن سؤال يسوع ليس لعدم معرفته بأحوالنا ،ولكنه يدخلنا مباشرة إلى النور والطريق المؤدى إلى الحياة ويشجعنا لكي تدخل فيه فالرب يسوع يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون وهو لا يشاء موت الخاطئ. ولا يسر بهلاكه بل أن الفتيلة المدخنة والقصبة المرضوضة لها رجاء عنده .
سؤال يسوع :
أنت تعرف الوصايا : لا تزن لا تقتل لا تسرق لا تشهد بالزور لا تسلب وأكرم أباك وأمك العجيب جداً أن الرب يسوع لم يذكر له الوصايا من أولها و تحب الرب إلهك من كل قلبك الخ إن الرب في حنانه يسأله أولا عن الوصايا التي يعرفها والوصايا التي يحفظها وعندما أجاب الشاب بالايجاب نظر إليه الرب نظرة مملوءة حب ، نظرة تشجيع قائلا يعوزك شيء واحد أذهب وبع كل أملاكك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال أتبعنى حاملا الصليب وهنا يكشف الرب أمراً في غاية الأهمية والخطورة ماذا تنفع الوصايا بدون محبة الله من كل القلب ؟
قد يقول واحد اللهم انى أشكرك انى لست مثل سائر الناس الخاطفين والظالمين والزناة أصوم مرتين كل أسبوع وأعطى عشراً من كل أموالى ؟
و لكن يا عزيزى هل تحب الله من كل القلب ؟ ما هي علاقتك الشخصية بالله هكذا قال الرب لهذا الشاب يعوزك محبتى من كل القلب أذهب أفعل هذا فمضى حزيناً لأنه كان يحب آخر؟ يحب العالم ، يحب المال من أراد أن يكون محباً للعالم فقد صار عدواً لله اني أؤثر يا ربى أن أكون فقيراً من أجل حبك على أن أكون غنياً بدونك أختار التغرب معك على الأرض أفضل من امتلاك السماء بدونك .
هناك نوع من المعرفة الكاذبة للوصايا الإلهية .
معرفة عقلانية
مثل إنسان يحفظ وصايا المسيح عن ظهر قلب . ويناقش في الأمور الروحية ويتخيل في نفسه أنه يعرف الإنجيل بينما هو مرتبط بمحبة المال محبة العالم محبة الشهوات لمثل هذا الإنسان يقول الرب يسوع يعوزك شيء واحد أذهب وبع وتعال أتبعنى حاملا الصليب ان هذا الشاب لا يزنى ولا يقتل ولا يسرق ويكرم أباه وأمه فماذا يطلب منه الرب أكثر من هذا ؟
ألا يستحق مثل هذا الشاب التقى فى عينى نفسه وفى عينى المجتمع أن يدخل الملكوت ؟ لو وجد مثل هذا الشاب في مجتمعنا الآن لمدحه الجميع من أجل أخلاقياته ومن أجل استقامته ولكن الملكوت لا يوهب من أجل الأخلاق ولكنه يعطى للمحبين لله من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة هذا الأساس يحمل الفريسى الذى يصلى إلى الله ويصوم مرتين في الاسبوع مستحقا للسكوت ولكن الرب يسوع يطالبنا بالوصية الأولى والعظمى تحب الرب إلهك من كل القلب ومن كل الفكر ومن كل القدرة وبدون هذه الوصية يصير كل شيء باطلا
هناك أمثلة كثيرة طلب الرب إليهم أن يعملوا أموراً خارقة وفائقة للطبيعة فعملوها بفرح ووصلوا إلى ملكوت الله.
موسى أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون مفضلا بالأحرى أن يذل مع شعب الله ، حاسباً عار المسيح عنده غنى أفضل من كل خزائن مصر .
ابراهيم قال له الله سر أمامى وكن كاملا فسمع الصوت
الإلهى وأطاع ولما قال له الله اترك أهلك وعشيرتك خرج وهو لا يعلم إلى أين يأتى ولما قال له الله خذ ابنك وحيدك الذي تحبه وقدمه لى محرقة على الجبل الذي أعلمك به قام باكراً وقدم ابنه ولم يمسك ابنه الوحيد.
ولاوى قال له الله اتبعنى فقام من مكان الجباية وترك كل شيء وتبع الرب وهكذا بقية التلاميذ وتركنا كل شيء وتبعناك أما هذا الشاب فعندما قال أذهب وبع أملاكك واعط للفقراء فاغتم على الفور ومضى حزيناً . أين ما كان يبدو من اهتمام من أجل الملكوت ؟ لقد كان يركض ويجثو على ركبتيه أمام المخلص ويسأل بلهفة . و لكن عندما طلب منه أن يبذل شىء من أجل الملكوت اغتم هو يريد أن يحصل على الملكوت ولا يريد أن يبذل من أجل الملكوت يريد أن يأخذ ولا يريد أن يعطى مع أن ملكوت المسيح هو : ( الغبطة في العطاء أكثر من الأخذ )القديس العظيم الأنبا أنطونيوس سمع هذا الفصل من الإنجيل في القرن الرابع ، فمضى على الفور وباع كل ما كان له ( ٣٠٠ فدان من أجود الأرض ) . ومع أن الشاب الذي سمعها لم تنفعه الكلمة . ولكن القديس أنطونيوس قبلها بفرح وخباها في قلبه وخضع لناموسها ونفذها بشجاعة فرفعته الكلمة الإلهية إلى فوق وصار من أكبر القديسين الذين أرضوا الرب .
البعنى حاملا الصليب
هذا هو ملكوت المسيح الحقيقى ، وطريق الخلاص الذي يرفضه كثيرون ، لأن البعض يرسم صورة خيالية للملكوت ويطلبون راحتهم ومتعتهم ويتصورون الملكوت فرصة الذات البشرية وللتمتع . ولكن ملكوت المسيح يبدأ بإنكار الذات و صلب الذات فنحن فى المسيح نموت لنحيا حياة أبدية وتصلب معه القوم فيه ونسلك فى الحياة الجديدة الذين لا يقبلون صلب المسيح لا يكون لهم نصيب في مجده وقيامته و من الأمور اليقينية أن غنى هذا الشاب صار صخرة عثرة أمام خلاصه لقد صار غناه ترف ورفاهية و تلذذ وشهوات وما أبعد هذا الطريق عن الصليب ما أحوجنا إلى الصليب الذي يضع حداً لطغيان الأمور العادية في حياتنا ويسمر إنساننا العتيق ويصلبه فنتحرر من كل رباطات وعبودية هذا العالم وتختبر حرية مجد أولاد الله.
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية
المزيد
30 يناير 2026
“القدَّاس حيويَّة الكنيسة”
«قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ.مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌّ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ.مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ» (يو 6: 53 – 56) إذا كانت الصحة تعني التوافُق الكامل بين الوظائف الحيويَّة في الجسم؛ بمعنى أنَّ عدم التوافُق في هذه الوظائف سواء: الجسديَّة أو النفسيَّة أو الذهنيَّة، هو ”المرض“ سواء: أمراض جسديَّة أو نفسيَّة أو ذهنيَّة؛ وتصير الحيويَّة هي صحة الجسم الشاملة؛ فبالمثل، يصير القدَّاس الإلهي الذي هو قمَّة الصلوات الليتورجيَّة، هو حيويَّة الكنيسة وصحتها وعندما شرح القديس بولس الرسول مفهوم أنَّ المسيح هو رأس الكنيسة، والكنيسة هي جسد المسيح، وذلك في كافة رسائلهِ وعلى الأخص في رسالتيه إلى أهل أفسس وأهل كولوسي؛ وَضَعَ أمامنا كيف صار يوم الرب (يوم القيامة يوم الأحد) هو رأس الأسبوع (1كو 16: 2)، وصارت قراءات الآحاد عَبْر السنة الكنسيَّة تدور حول خلاص المسيح وخدمته وعنايته بالإنسان، وصارت بقية أيام الأسبوع الستة تُقدِّم لنا مفهوم الكنيسة، جسد المسيح، من خلال قراءات السنكسار اليومي الذي يُقدِّم لنا صورة الكنيسة عَبْر الزمان وهكذا فإنَّ ”الكنيسة هي مجتمع المؤمنين المتَّحد بالرأس الذي هو المسيح“، ويُعبِّر عن ذلك كثيرٌ من الآباء مثل: القديس إيرينيئوس، فيقول: ”حيث توجد الكنيسة فهناك روح الله، وحيث يوجد روح الله فهناك الكنيسة“. ويقول القديس كبريانوس: ”مَنْ لا يتَّخذ الكنيسة أُمًّا، لا يمكنه أن يأخذ الله أبًا“. وكذلك القديس أُغسطينوس القائل: ”يمكننا أن نحصل على كلِّ شيءٍ خارج الكنيسة ما عدا الخلاص“، وهو يقصد المسيح الفادي والمُخلِّص الذي هو قوَّة المؤمن وقوَّة الكنيسة وصلوات القدَّاس الإلهي هي قمَّة الصلوات، وسرُّ الأسرار وسرُّ الكنيسة، كما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم، لأنَّ فيه النِّعَم غير المنظورة والتي تُعطَى لنا تحت أعراضٍ منظورة، حيث يحضر المسيح ذاتيًّا في كلِّ الكنيسة من خلال الخبز وعصير الكرمة، ليصير جسد المسيح ودَمهُ الأقدسَيْن. وقد شرح القديس كيرلس عامود الدين هذا حين قال: إن ذلك يكون ”كما أنَّ الشمس تُرى في أماكن متفرِّقة من كثيرين وهي واحدة“ القدَّاس الإلهي هو منظومة مُتكاملة من العبادة والتسبيح والشكر والفرح والتهليل والطلب والوحدة والتقوى، في قالبٍ من الألحان والطقوس والصلوات التي تُشكِّل صورةً سمائيةً، كقولنا: ”كما في السماءِ كذلك على الأرضِ“. ومعاني دراسة هذا السرِّ – سر الإفخارستيا – كثيرةٌ جدًّا، والتأمُّلات فيه تكاد لا تُحْصَى. لكنَّنا سنُركِّز على معنى ”القدَّاس حيويَّة الكنيسة“، وذلك من خلال خمسة ملامح أساسيَّة:
أولًا: القدَّاس الإلهي يحفظ وجود الكنيسة:
فالكنيسة ليست هي مجموعة الاجتماعات المختلفة، مثل اجتماع الشباب أو الشابات أو السيدات أو …؛ لكن الكنيسة هي صلوات القدَّاس. ولذلك فإن صلوات القدَّاس يسبقها تمهيدات كثيرة: من تسبحة وعشية وصلوات نصف الليل ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم في ذلك: ”جعلنا أعضاء جسدهِ من لحمه ومن عظامهِ. ومن أجل حُبِّه، مَزَجَ نفسه بنا. عَجَنَ جسده بجسدنا لكي نصير معه واحدًا، لنصير جسدًا واحدًا وهو الرأس“ فالقدَّاس يحفظ وجود الكنيسة لتبقى دائمًا حيَّة، بمعنى أنها لا تشيخ، فعمرها الآن عشرون قرنًا من الزمان، ومع هذا فهي ما زالت بكامل حيويتها، وذلك بفضل القدَّاس! ويقول الآباء: ”إن المسيحيين يُقيمون سرَّ الإفخارستيا، وسرُّ الإفخارستيا يُقيم المسيحيين“ ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم، وهو يتكلَّم بفكر القرن الرابع الميلادي: ”الحصون تشيخ مع الزمن، أمَّا الكنيسة فلا تشيخ. الحصون يُحطِّمها البرابرة، أمَّا الكنيسة فلا تقدر عليها حتى الشياطين. كثيرون هاجموا الكنيسة فهلكوا، أمَّا هي فتُحلِّق في السماء“ وقديمًا كان القدَّاس يمكن أن يُقام في أيِّ مكانٍ، في المقابر، في شقوق الأرض، في الحقول. ونقرأ أنَّ الشماس كان يقف ويضع على يدهِ الَّلوح المقدَّس، ويصلِّي الأب الكاهن والشعب القدَّاس في الهواء الطلق، سواءٌ كان ذلك في الحقل أو في الجبل أو في أيِّ مكان؛ وهكذا تفعل الكنيسة الآن؛ فبمجرَّد استخدام الَّلوح المقدَّس في أيِّ مكانٍ، يصير كمذبح، ويمكن أن نُقيم القدَّاس في أيِّ مكان.
ثانيًا: القدَّاس يحفظ جمال الكنيسة:
الإنسان عندما يكون مريضًا، ويوجد عضوٌ من أعضاء جسدهِ لا يعمل جيِّدًا، فلا يكون في كامل لياقته، لكن إن كانت كل أعضاء جسده سليمة، يكون في حالة تناغُم، وهذا التناغُم يُعبَّر عنه دائمًا بالجمال. لذلك القدَّاس الإلهي يحفظ جمال الكنيسة في صلواتها وطقسها. مثال ذلك: عندما يصرخ الشمَّاس ويقول: ”قبِّلوا بعضكم بعضًا بقبلةٍ مقدَّسة“، فقد تعوَّدنا أن تكون هذه القُبلة الرسوليَّة من خلال أن نُسلِّم بعضنا على بعضٍ بأيدينا. وقُبلة المُصالحة هذه يُقدِّمها كل شخصٍ للشخص الذي يجلس بجوارهِ، وهذا يرمز إلى أنه يُقدِّمها للعالم كُلِّهِ، وكأنَّ الإنسان يتصالح مع العالم كُلِّهِ، وهذا شكلٌ من أشكال الجمال. وعبارة ”قبِّلوا بعضكم بعضًا“ تعني أيضًا: إن الإنسان لا يحمِل في قلبهِ ضغينة لأحدٍ، وبها تعهُّدٌ لله أن يكون القلب نقيًّا فالكنيسة ناصعة البياض، وهذا البياض هو توبة الإنسان، ونسمع في القدَّاس الشمَّاس يقول: ”أيُّها الجلوس قفوا“. المقصود هنا ليس الوقوف المادي، لكنه وقوف الإنسان بعيدًا عن أيِّ خطية، والوقوف هو علامة استعداد، وكأنَّ نداء الشماس: ”أيها الجلوس قفوا“ هو نداء توبة ثم يُتابع الشمَّاس بقولهِ: ”إلى الشرق انظروا“، وفي هذا النداء علامة استعداد لمجيء المسيح الذي سيأتي من المشارق. كل هذا يُمثِّل جمال الكنيسة من خلال القدَّاس، ولذلك كثيرٌ من الآباء يُسمُّون القدَّاس ”سرّ الشركة“. فالكاهن له دور، والشمَّاس له دور، والشعب له دور. وكأنَّ وحدتنا مع المسيح هي اتِّحادٌ لنا جميعًا في ”شركة المحبة“.
ثالثًا: القدَّاس يحفظ قداسة الكنيسة:
الكاهن هو الإنسان الذي يُصلِّي القدَّاس، ويجب أن يكون مُشرطنًا بسرِّ الكهنوت، والشعب يأتي إلى الكنيسة في حالة توبة. وقديمًا كان الجلوس في مقاعد الكنيسة يُقسَّم إلى خورس التائبين وخورس المؤمنين وخورس الباكين. ويتقدَّم الإنسان عندما يقول الأب الكاهن: ”القُدْسات للقدِّيسين“. وهذا يعني أنَّ الإنسان نقَّى قلبه تمامًا، والنقاوة في فكر الكنيسة هي شكلٌ من أشكال القداسة، كما يقول الكتاب: «لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ» (1بط 1: 16) ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم عن القدَّاس الإلهي: ”بهذه العطيَّة تتزيَّن نفوسُنا وتتجمَّل“. ويقول أيضًا: ”إن كنتَ لا تقدر أن تُقَبِّل مَلِكًا بفمٍ قذِر، أتُقبِّل ملك السموات بنفسٍ دنسة؟!“، فيا له من انتهاكٍ للقُدْسات! فلا نستطيع أن نستخدم آنية ملوَّثة في تقديم الأسرار، فنُقدِّم الأسرار في أوانٍ لامعةٍ حتى تصير نفوسُنا أيضًا لامعة فالقداسة هي أن يقترب الإنسان من شخص المسيح أكثر فأكثر، كما نقول في صلاة باكر: ”بنورِكَ يا ربُّ نُعاين النور“. فالنقطة الرئيسية في صلاة القدَّاس هي عمل التوبة، والقدَّاس ليس عملًا ميكانيكيًّا، لكنه حضورٌ حيٌّ وفعَّالٌ للمسيح. ونحن نتقدَّم لكي نتناول جسد المسيح ودمَهُ الأقدسَيْن: «مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ» (يو 6: 56). وتقول بعض الكتابات إنَّ العمل الليتورجي يجعلنا ملائكة عِوَض عن كوننا بشرًا. وفي أثناء التوزيع نُرتِّل قائلين: ”سبِّحوا الله في جميع قديسيه“. ومن العبارات الشعبية المشهورة: ”آنستك النعمة“، أي ”صارت النعمة فيك“.
رابعًا: القدَّاس يحفظ مسكونية الكنيسة:
كلمة ”مسكونية“ تُعبِّر عن العالم كُلِّه، أو العالم الذي يسكنه البشر. فالعمل المسكوني أو الحركة المسكونيَّة هي عمل يشمل الكنيسة عَبْرَ العالم كُلِّه. والكنيسة عندما تُصلِّي القدَّاس، لا تُصلِّي محليًّا فقط، أي لا تُصلِّي من أجل حدود جغرافيَّة، لكنها تُصلِّي من أجل العالم كُلِّه؛ فهي تُصلِّي من أجل المياه والهواء والعُشب والزروع. وتُصلِّي أيضًا من أجل رئيس الأرض وكافة المسؤولين والمرضى. وتُصلِّي في الأواشي قائلة: ”اذكر يا رب سلامة كنيستك الواحدة الوحيدة المقدَّسة الجامعة الرسولية“، وأيضًا: ”اذكر يا رب هذه الكائنة من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها“. فالكنيسة لها مسؤولية عن كل المسكونة ونحن نُصلِّي من أجل المُسافرين والراقدين. فصلوات الكنيسة في القدَّاس تشمل الحياة كلها، لذلك نقول إن القدَّاس يحفظ مسكونيَّة الكنيسة. والكنيسة نفسها في ترتيبها تصلِّي صلواتٍ شاملةً من أجل كلِّ أحد. فالكنيسة تُصلِّي من أجل العالم كلِّهِ، وهذه نظرة مهمة جدًّا. لأن المسيحيَّة لا تعرف الجغرافيا، فالمسيحيَّة للعالم كُلِّهِ والمسكونة كلِّها، وحلول الروح القدس لم يكن باللغة المحلية، ولكن بلغاتٍ عديدة (حوالي ست عشرة لغة)، لأن الكنيسة للعالم كُلِّه. ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: ”أتُريد أن تُكرِّم جسد يسوع؟ لا تتغافل عنه وهو عُريان. لا تُكرِّمه هنا في الكنيسة بثيابٍ فاخرة، وفي الخارج تغفل عنه وهو يموت من البرد والعُري“. بمعنى أن الإنسان يأتي إلى الكنيسة بثيابٍ فاخرة، وهو ينسى المُحتاج الذي يُريد أن يحتمي من البرد. وقال ذهبي الفم أيضًا: ”أنتَ تكسو المذبح بكسوةٍ فاخرة، وتترك المذبح الحي“، أي تترك الفقير والعُريان. فصلوات القدَّاس تدفع الإنسان إلى خدمة أيِّ إنسانٍ، وخصوصًا: الفقير والمُحتاج والبائس.
خامسًا: القدَّاس يحفظ وظيفة الكنيسة:
القدَّاس عبارة عن مستودع فيه العقيدة والطقس واللحن والتعبير اللاهوتي، والتعليم والكرازة والعبادة وكل شيء. القدَّاس يحفظ دور الكنيسة، فتبقى الكنيسة حيَّة من جيلٍ إلى جيل. فمثلًا لا توجد آية في الكتاب المقدَّس تُعلِّمنا كيف نرشم الصليب! لكن من خلال الليتورجية نتعلَّم كيف يتمُّ رَشْم الصليب؛ وهكذا نتعلَّم كثيرًا من خلال القدَّاس الإلهي. فالقدَّاس هو مستودع عقائدنا، فمثلًا عقيدة الثالوث القدوس واضحة في كلِّ مراحل القدَّاس، وكأنَّ القدَّاس هو الذي حفظ لنا هذه العقيدة فعقيدة الثالوث واضحة من أول رفع بخور عشية وباكر والقدَّاس، ودورة الحَمَل، وتحليل الخُدَّام. وفي البركة الختامية نقول: ”محبَّة الله الآب ونعمة الابن الوحيد ربنا وإلهنا ومخلِّصنا يسوع المسيح وشركة وموهبة وعطيَّة الروح القدس، تكون مع جميعكم“ فصلوات القدَّاس هي نسيجٌ من عقائدنا، ويتَّضح هذا من خلال الطقس الذي نُصلِّي به في القدَّاس، فنحضر في صحن الكنيسة ونستمع إلى القراءات والعظات؛ ثم ننتقل بعد القراءات والعظات لندخل في صُلب القدَّاس والتقديس؛ ثم ننتهي بأن نتناول الجسد والدم من على المذبح المقدَّس. إذن، فالقدَّاس يحفظ دور الكنيسة ووظيفتها وعملها في حياة الإنسان.
الخُلاصة: إن القدَّاس الإلهي هو حيويَّة الكنيسة. فاحضرْ، أيُّها الحبيب، القدَّاس وعِشْ فيه وادخل إلى أعماقهِ، ليس كمجرَّد طقوس أو عقائد، لكن كحياة، كما يُعلِّمنا الكتاب: «مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ» (يو 6: 54) وفي آخر القدَّاس، يقول الأب الكاهن الاعتراف الذي يحوي هذه الثلاثية الهامة: ”يُعطَى عنَّا خلاصًا، وغُفرانًا للخطايا، وحياةً أبديَّة لكلِّ مَنْ يتناول منه“. وهذا التواصُل بين السماء والأرض: ”يُعطَى عنَّا خلاصًا“، أي خلاص المسيح الذي تمَّ منذ قرون؛ ”وغُفرانًا للخطايا“، أي الخطايا التي يصنعها الإنسان؛ ثمَّ ”وحياةً أبديَّة لكلِّ مَنْ يتناول منه“. وكأنَّ القدَّاس الإلهي هو على مرِّ الزَّمن، في الماضي والحاضر والمستقبل. إنه حيويَّة الكنيسة وصحَّتها.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد