المقالات
16 سبتمبر 2018
نيرى هين وحملى خفيف
﴿ نِيري هيِّن وحِملي خفيف ﴾ ( مت 11 : 30 ) كثيرون يعيشون مع الله ويشعرون أن الطريق شاق وصعب والحِمْل ثقيل والوصية صعبة لكن ربنا يسوع يقول ﴿ نِيري هيِّن وحِملي خفيف ﴾ النِير هو ما يُوضع على ظهر الحيوان ليحمل الأثقال ومادام الحيوان بدون النِير يشعر أنه في وقت راحة فيعيش وكأنه طفل لكن مجرد أن يُوضع عليه النِير يصير جاد في سلوكه تعالوا نقول لله ضع نِيرك علينا هو يقول نِيري هيِّن أي خفيف الأنبا أنطونيوس كان يقول لأولاده ﴿ يا أولادي اعلموا أن وصاياه ليست ثقيلة ﴾الذي يجعل النِير هيِّن والحِمْل خفيف هو المحبة والذي يجعله ثقيل وصعب عدم المحبة ما الذي يجعل النِير هيِّن ؟ الحب الذي يحب الله يشعر أن طريقه لذيذ يستعذبون الألم أبونا إبراهيم ترك أرضه وعشيرته وهو مُبتهج رغم أنه ذاهب إلى مجهول نقول له أنت لا تعلم إلى أين تسيريقول مادام الله معي ومُعطيني نعمة لن أستثقِل الأمر نجد أن الإنسان الروحاني يفرح بالصوم ويلتهب وينتظر قدومه لأن النِير بالنسبة له هيِّن والحِمْل خفيف لأنه لا يشعر أن الصوم عذاب للجسد بل ترويض للجسد وارتقاء وسمو قديماً كان الآباء يعرفون الصوم دائماً ولا يشعرون بصوم وإفطار ولم يكن هناك توقيت ونتائج لأيام السنة وكان الزمن بالنسبة لهم مسئول عنه شخص مُعيَّن وكان ذلك الشخص يُرسِل راهب يُنادي بالصوم قبل بدايته بيومين وكان أحد الرهبان يُنادي الصوم بعد يومين فقال له شيخ أنا لي ثلاثة وخمسون سنة في البرية لم أعرف ميعاد صوم وإفطار لم يشعر بحرمان أو عذاب أو فُقدان لذة لأن نِيره هيِّن اِحمِل نِيره بحُب تجده خفيف ولتسأل شهيد عن حاله في العذابات وتقول له ماذا تفعل مع التعذيب هذا أمر لا يُحتمل كيف تتحمَّل كل هذه الإهانات والعذابات والألم ؟ يقول أنه يحب الألم لأجل المسيح أن تستضئ عينيك بنور المسيح تستثقِل الثوب الذي على جسدك والطعام الذي تأكله وكأنك تقول له ليتني أُقدم لك أكثرالشهداء أرادوا أن يقدموا له أكثر من حياتهم حتى أن الله ظهر للأنبا بولا الطموهي وقال له " كفاك تعباً يا حبيبي بولا " لأن جسده قد اضمحل من شدة النُسك حتى صار كورقة الشجر لكنه يُجيب الله ويقول ماذا يكون تعبي أمام قطرة من دمك سال لأجلي أمام صليبك أمام حبك للبشرية أنا ما فعلت شئ يليق بحبك نِيره هيِّن والألم لذيذ والحِرمان مقبول يرى الشهيد أثناء عذاباته جانب لن يراه الآخرون الناس ترى شهيد وسيف ودم مسفوك وقسوة وعذاب وهو يرى سماء مفتوحة وأكاليل ومجد وملائكة ويقول أنا في تنعم ومجد لأن عينه مفتوحة على أسرار الله ﴿ نِيري هيِّن وحِملي خفيف ﴾آية لا تُفهم إلاَّ بالحب ولا يفهمها إلاَّ عُشَّاق يسوع وتدفعهم أكثر في طريق الله ﴿ يجرون في طريق الأحزان بلا شبع ساعة ما أدركوا شهوة حُب الرفيق ما صبروا أن يبقوا في أفراح العالم لحظة واحدة ﴾يحملون تعاذيبهم لأن نِيره هيِّن الذي يقدم حياته لأجل الله هل يشعر أنه قدم شئ فائق لم يفعله غيره ؟معلمنا بطرس الرسول قال ليسوع ﴿ ها نحن قد تركنا كل شيءٍ وتبعناك ﴾ فقال له يسوع﴿ كل من ترك بيوتاً أو إخوةً أو أخواتٍ أو أباً أو أماً أو امرأةً أو أولاداً أو حقولاً من أجل اسمي يأخذ مئة ضِعفٍ ويرث الحياة الأبدية ﴾ ( مت 19 : 27 ، 29 ) يشعر أن هذه الأرض كلها هي له والبشرية كلها أولاده وهو مسئول عنهم كان المتنيح أبونا بيشوي كامل يقول للناس اعتبروني أفقر شخص فيكم وأغنى شخص فيكم لا أملُك شئ لكن كل ما لكم لي كان يشعر بالمكسب وإذا أتاه فقير ولم يكن معه شئ كان يضع يديهِ في جيب أقرب شخص له ويأخذ منه دون حساب ويعطي الفقير اُدخل إلى عمق الحياة مع الله تجد نفسك تسأل الله ماذا أُقدم لك يستحق حبك ؟ صومي مُخجِل لأني آكل كثيراً هو مجرد تغيير طعام هل يليق أن أمنع نفسي عن كذا وكذا كل ذلك أيضاً قليل أمام حبك هل أمنع نفسي عن أنواع أطعمة عن الماء عن وتظل هكذا حتى تشعر أنك تقدم جسدك كله بل وحياتك ذبيحة مُحرقة لله ذبيحة مُحرقة أي تُحرق بالكامل تقول له أريد أن أُقدم لك كل حياتي ذبيحة حية مقبولة أمامك جسدي وعقلي وقلبي وتُقدم بلا ندامة وتشعر أنك كسبت الكثير والكثير هل اختبرت نِيره ؟ إنه هيِّن هل تستثقِل وصاياه أم تشعر بلذتها ؟ إختبِر وادخل للعمق وتذوق وكلما تعمقت النعمة ترفعك درجة ودرجة وتشعر بلذة أكثر وأكثر إختبروا وتلذذوا ربنا يكمل نقائصنا ويسند كل ضعف فينا بنعمته لإلهنا المجد دائماً أبدياً آمين
القس أنطونيوس فهمى
كاهن كنيسة مارجرجس والأنبا أنطونيوس – محرم بك الأسكندرية
المزيد
23 ديسمبر 2018
المسيح شبع النفس
يقول الكتاب في قصة المرأة السامرية ” وكان نحو الساعة السادسة فجاءت امرأة من السامرة لتستقي ماء . فقال لها يسوع أعطيني لأشرب لأنَّ تلاميذه كانوا قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعاماً فقالت له المرأة السامرية كيف تطلب مني لتشرب وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية لأنَّ اليهود لا يُعاملون السامريين أجاب يسوع وقال لها لو كنتِ تعلمين عطية الله ومَنْ هو الذي يقول لكِ أعطيني لأشرب لطلبتِ أنتِ منه فأعطاكِ ماءً حياً “ ( يو 4 : 6 – 10 ) النفس عميقة جداً وجوهر الإنسان في نفسه الجسد سهل والروح لا نعرف كيف نصل لها أعمق جزء في الإنسان هو نفسه واحتياجات النفس كثيرة جداً لأنَّ الجسد يحتاج طعام لكن النفس تطلب أكثر النفس تشتهي الكثير ودائماً تطلب واحتياجاتها كثيرة لا تنتهي ولا نستطيع أن نُقيِّم احتياجاتها حتى أنَّ الكنيسة تذكرها قبل الجسد فتقول في القداس ” أمراض نِفوسنا اشفيها والتي لأجسادنا عافيها “ لأنَّ النفس أصعب من الجسد لو إنسان مُصاب بمرض جسدي فمرضه واضح المهم المرض الغير واضح وهو يأتي من النفس لذلك المهم أن تشبع النفس وتفهمها وتُطورها معظم أمراض الجسد قد يكون سببها انحراف النفس ومعظم التقدُّم الروحي يسبِقه استقرار نفسي لذلك لابد أن تشبع النفس وكما يقول الكتاب ” النفس الشبعانة تدوس العسل “ ( أم 27 : 7 ) المرأة السامرية كانت تعرف ستة رجال ولم تشبع لأنَّ رقم " 6 " يُشير للنقص رقم ناقص أي احتياج لنا بدون المسيح لا يُشبِع دخل ربنا يسوع رقم " 7 " في حياة السامرية فشبعت .
ما هي احتياجات النفس ؟
لها خمسة احتياجات :-
1. الأمن :-
الإنسان يريد أن يشعر أنه آمِنْ وليس لديه اضطرابات الإنسان له احتياج أن يكون له بيت فِرَاش مكان آمِنْ مُستقر الإنسان يعيش خائف تسمع نشرة الأخبار تخاف تسمع كلام الناس تخاف أمور الحياة صعبة اضطراب أمراض أوبئة قلق على المستقبل وعلى الامتحانات وعلى دائماً يعيش الإنسان في قلق ودائماً القلق يرتبط بالقُدرة الإنسان الغني لا يخاف من الغلاء مثل الفقير والإنسان ذو المركز المرموق قد يشعر بأمان أكثر لذلك كثيراً ما يعيش الإنسان في قلق أحياناً الغِنَى والمركز يُسبِّب قلق أيضاً هيرودس الملك خاف على مُلكه عندما عرف أنه وُلِدَ طفل وسيكون ملك على إسرائيل وفقد صوابه وأخذ قرار وحشي بقتل كل الأطفال لأنه جعل أمانه بمركزه هكذا شاول اضطرب من داود الأمان في المسيح المسيح هو المُعطي الأمان لنرى الغلاء وإن جلسنا نحسب بالعقل عندما يكبر الشاب ويريد الارتباط كم يكون ثمن الشقة وكم يتكلف في ارتباطه نضطرب ونخاف فكَّر في المجموع الذي تحصل عليه في الثانوية وما هي الجامعة التي تلتحق بها وتخاف وتضطرب فكَّر لو فقدت شخص عزيز عليك ستضطرب مَنْ يعطي الأمان وسط كل هذه المُتغيرات العنيفة ؟ ربنا يسوع هو يدبر أمرك في الغلاء وإن شعرت بالجوع هو يُشبِعك حتى لو فقدت شخص مهم غالي هو يعوضك إن كان الناس يعتمدون على قُدراتهم فأنا أعتمد على الله كُليّ القدرة خالق الكل مُعطي الغِنَى والسند إذاً احتياجي النفسي مُشبِع لأنَّ الله إلهي وأنا أثق في رعايته المرأة المُمسكة في ذات الفِعْل ربنا يسوع وضعها خلفه ووقف هو أمامها يحامي عنها ضد راجميها نعم أنا خاطي لكنه يُحامي عني لذلك أشعر فيه بالأمان لذلك أشتاق للرجوع لحضنه مهما كانت خطاياي هو يقبلني لذلك يقول داود النبي ” أُعظِّمك يارب لأنك احتضنتني “( مز 29 ) مادُمت خارج المسيح لن تشبع ولن تستقر كثيرون مُصابون بأمراض نفسية لأنهم فاقدين الأمان لذلك المسيح هو طريق الأمان ولا توجد حياة روحية سليمة بدون ما تُبنَى على نفسية سليمة .
2. التقدير :-
الإنسان يحب التقدير تخيل إنسان يُلام ويُوبَخ دائماً صعب الإنسان محتاج للتقدير ويحاول دائماً أن يُعبِّر عن نفسه لكي يُقدَّر الذي لا يُقدَّر تصغُر نفسه جداً ويحاول أن يكون كبير بأي وسيلة وقد يُعبِّر عن ذلك بانحراف شهواني أو عاطفي أوأي انحراف عندما هاجمت الجموع ساكبة الطِيب قال عنها السيد المسيح ” حيثما يُكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يُخبر أيضاً بما فعلته هذه تذكاراً لها “ ( مت 26 : 13) ربنا يسوع يريد أن يرفعنا ويُعطينا مجد ويُزيننا ونحن نتضع من أفضل الأمور التي تُعطي الإنسان تقدير أن يسمع اسمه يُنادى وجدنا ربنا يسوع يُعامل زكا بتقدير والمولود أعمى بتقدير و الإنسان محتاج أن يشعر أنه مهم وغالي ويشعر أنَّ أعماله صحيحة تُقدَّر ولنرى التقدير من وجهة نظر الناس الناس تعرف اللوم فقط وإن فَعَلْ شخص شيء مهم لا يُقدِّره مَنْ حوله بحجة أن لا يتكبر إن فَعَلْ شيء خاطئ الجميع يلومه ويوبخه نحن لا نُجيد التعبير وأحياناً لا نريد التعبير ودائماً الذي يُجيد التقدير لا يُريده ليتكم تُقدِّرون بعضكم بعض وتُقدِّمون لبعضكم البعض كلمات الشكر والتشجيع على أي شيء ولو بسيط مجرد مجيئكم لبعضكم قدِّموا عنه كلمات شكر شجعوا أي سلوك ولو بسيط ودائماً التقدير تزداد قيمته بِمَنْ يُقدِّمه لذلك نحن تقديرنا عند المسيح له المجد هو يُقدِّرني وأنا غالي جداً عنده وكرامتي هي عنده وكما يقول الكتاب ” لمدح مجد نِعمتِهِ “ ( أف 1 : 6 ) لمَّا أتى وتجسَّد بجسدي هذا أعظم تقدير لي لمَّا دُعِيَ اسمه عليَّ وصار اسمي مسيحي هذا أعظم تقدير لي لمَّا بذل نفسه لأجلي قدَّرني جداً ليتنا نتمتع بهذه التقديرات العظيمة ونتمتع بتقديره جداً في التوبة لأنه فيها يقبلني ويحبني رغم أنَّ كل الناس تنظر لي على إني خاطي .
3- الحرية :-
الإنسان لا يُحب الأسر لو وضعت نسر في قفص ووضعت أمامه طعام كثير لن يأكل مهما طالت فترة حبسه في القفص لأنه غير حُر هكذا الإنسان يحب أن يشعر أنه حُر قد يبنون في الخارج سجون عالية التجهيز وبها كل احتياجات الإنسان حتى الترفيهية لكن الإنسان يشعر فيها بالضيق لأنه محبوس من الاحتياجات النفسية المهمة للإنسان أن يشعر أنه حُر في سلوكه لأنَّ الذي يفعله بدون حرية يُولِّد فيه الكبت حتى حضور الكنيسة إن كان بأمر وبدون رغبة داخلية يُولِد كبت ودائماً التغصُّب يزول بزوال المؤثِر لذلك لابد أن يتعلم الإنسان كيف يختار الكنيسة تُربيك لكي تعرف كيف تعيش حُر كل شاب مُعرَّض لأن يلتحق بجامعة خارج مدينته ويتغرَّب فيها إن لم يكن قد تربَّى على المسئولية لن يشعر بالمسئولية إن تربَّى على الكبت والأوامر في المواعيد والاستذكار وسينحرف في غربته ويجدها فرصة للخروج من قيود الأوامر والكبت لذلك لابد أن تشعر بحرية وأنك تفعل الأمور باقتناع أنت محتاج أن تحترم الضوابط والثوابت وهذا يأتي من الحرية حتى الروحيات تحتاج حرية حتى لو تغصبت فأنا أتغصب بحريتي لأنتقل إلى درجة روحية أجمل الكنيسة تُربيك على الحرية وتُعطيك المشورة فقط لذلك الحرية تصنع اتزان واحترام وإن لم أنال حريتي في بيتي والمجتمع ؟ أقول لك أنَّ الله يُعطيك الحرية الحرية ليس معناها أن أسلُك كما أشاء لا بل الحرية من الداخل ” إن حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً “( يو 8 : 36 ) أصعب شيء العبودية للخطية هي أشرس من العبودية لسيد قاسي ربنا يسوع أعطانا الحرية ” يارب أنا عبدك ، أنا عبدك وابن أمتك “” قطعت قيودي “ ( مز 115 – من مزامير التاسعة )أنا عبد لك يارب لأنك أنت الذي حللت قيودي كانت شريعة العبد في العهد القديم تسمح بأن يُفك العبد بعد فترة من العبودية لكن إن أحبَّ العبد سيِّده وفضَّل أن يكون في خدمته كل أيام حياته كانوا يأتون به عند مدخل المدينة وهو بنفسه يثقُب أُذُنه ليُعلن أمام الجميع أنه بإرادته يريد أن يكون في خدمة سيِّده أعظم حرية نأخذها على الصليب وفي الاعتراف نأخذ الحِلْ ويقول الحِلْ ” قطَّع يارب كل رباطات خطايانا “ معلمنا بولس الرسول كان يُسمي نفسه سفير في سلاسل وهو حُر داخلياً لأنه حُر من الخطية أصعب عبودية هي العبودية لخطية أو عادة أوبينما أفضل حرية هي أن تتخذ قراراتك في ضوء الوصية .
4- الانتماء :-
دائماً تشتاق أن يكون لك انتماء لشيء مهم وقوي لبيت لبلد لدين لجنس لعمل لفكرة وأصعب انتماء هو الانتماء الديني والذي بواسطته قد تخرب بلاد لذلك إن أرادوا تقسيم بلد يزرعون فيها بُغضة دينية وهذا سهل جداً في البلاد قليلة الثقافة إحساس الانتماء إحساس قوي عند الإنسان لذلك جيد أن تشعر أنك مُنتمي ولكن بتعقُّل وليس بتشدُّد أنا محتاج لهذا الإحساس وليس هناك انتماء أجمل من الانتماء لجسد المسيح للكنيسة هو قال أنتم لحم من لحمه وعظم من عِظامه ( تك 2 : 23 ) أي انتماء أعظم من هذا ؟اشعُر بانتمائك للمسيح وللكنيسة ولإخوتك والذي يعيش بدون انتماء يكون بلا هوية والذي بلا هوية نفسيته فقيرة والإنسان يحب الانتماء لشيء قوي مُميز لأنه محتاج أن يشعر أنه قوي ومُميز وينال بذلك نشوة ونُصرة وكفاه احباط اشعر أنك مُنتمي للمسيح مصدر سعادتك وقُوَّتك ” رعية مع القديسين وأهل بيت الله “ ( أف 2 : 19) أنت مُنتمي له وعائلتك هي القديسين لأنَّ الانتماء للعائلة يُشبِع النفس جداً والنفس محتاجة للشبع وكلما كانت النفس جوعانة كلما كانت الخطية أسهل والانحراف أسهل .
5- الحب :-
الإنسان يحب أن يشعر أنه محبوب وغالي ومُشبَّع بأمور كثيرة ومن أكثر الأمور التي ترفع الإنسان للسماء أنه يشعر أنه محبوب لذاته ذَوِي المعاش يشعرون بالاحباط إن لم يسأل عنهم أحد لأنهم يشعرون أنهم كانوا محبوبون ليس لذواتهم بل لمراكزهم الحب عطاء وكما تُعطي تأخذ كثيراً ما نشكو أننا غير محبوبين لا في البيت ولا في الكنيسة الإنسان يحب أن يكون مُميز لنفرض أنَّ الكنيسة أرسلت رسائل مُعايدة لأولادها بالطبع يفرحون بها لكن الذي يفرَّح أكثر أن تكون كلمات الرسالة خاصة بك أنت وتحمل اسمك هذا يُسعِدك لأنك تشعر أنك مُميز ومحبوب الإنسان يحتاج الحب الشخصي ودائماً احتياج الحب يسبِق أي احتياج فسيولوچي سواء طعام أو نوم أوالتقدير والحب أهم ولا نأخذ إحساس الحب من الناس لأنهم مُتقلبين ذَوِي مزاج مُتغير وصعب تجد إنسان يسير بخط واحد حياته كلها لذلك خذ الحب من الله تسمع مَنْ يقول أنا منذ " 30 " سنة كنت أحب والدتي ومن " 15 " سنة كنت أحب زوجتي والآن أحب أولادي .. هذا لأنه كان محتاج لأُمه منذ " 30 " سنة واحتاج لزوجته منذ " 15 " سنة أكثر من أُمه والآن محتاج لأولاده هذا حب مبني على الأنانية والأخذ أمَّا ربنا يسوع فقد أحبنا بلا سبب أحبنا أولاً ” هكذا أحبَّ الله العالم “( يو 3 : 16) أي بلا سبب أمَّا نحن فنحبه لأنه أعطانا عطايا وله صفات جميلة وكلما تأملت في عطاياه وصِفاته كلما أحببته أكثر صليبه يُشبِعك لأنه يُشعِرك أنك غالي عليه يقول الشيخ الروحاني ” أقسمت بحبك أن لا أحب وجه آخر غير وجهك “ ” مَنْ رآك واحتمل قلبه ألاَّ يراك “ التقدير منه الحرية فيه الانتماء له الحب هو القادر أن يُشبِعك به لن تستطيع أن تكون مُشبِع وغني ومُستقر إلاَّ به فخذ احتياجاتك كلها منه والذي يحب يسوع يجد الكنز يقول القديس أوغسطينوس ” مَنْ امتلكك شبعت كل رغباته “ هو دعاني للحرية والحب والانتماء والتقدير وتقابل مع المرأة السامرية فأعطاها الشبع وأنساها ماضيها وبدأت حياة جديدة فليكن هدفك هو الشبع من يد المسيح هو كنزك وغايتك هو الكل لأنَّ له ومنه وبه كل شيء ربنا يكمل نقائصنا ويسند كل ضعف فينا بنعمته له المجد دائماً أبدياً آمين.
القس أنطونيوس فهمى
كاهن كنيسة مارجرجس والأنبا أنطونيوس - محرم بك الأسكندرية
المزيد
27 مايو 2020
بركة القيامة فى حياتنا
البركة الأولي هي أنه لا مستحيل : يبذل الناس جهودهم في كل مجال . فإن وقفوا أمام الله ن كفوا تماماً عن العمل و الجهد ، لأنه لا فائدة . و كان هذا هو شعور مريم و مرثا بعد موت لعازر ، الذي مضي علي موته أربعة أيام ،و قيل ( و قد أنتن ) . فلما أقامه السيد المسيح من الموت ، عرفوا أنه لا مستحيل . و لكن لعازر - بعد أن أقامه المسيح - عاد فمات مرة أخري ، و لم يقم بعد ... أما السيد المسيح - في قيامته - فقد حطم الموت نهائياً . بقيامة أبدية لا موت بعدها ، حتي نظر بولس الرسول إلي قوة هذه القيامة و قال " إين شوكتك يا موت ؟ " لقد تحطم الموت ، و أصبح لا مستحيل ... ولم الناس فقط ، بأن كل شئ مستطاع عند الله ( متي 19 : 26 ) القادر علي كل شئ ، بل أن الرسول يقول " استطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني " ( في 4 : 13 ) . قال هذا بعد قوله " لأعرفه و قوة قيامته " ( في 3 : 10 ) . بل إن الكتاب في اللا مستحيل ن يعطينا قاعدة عامة هي : " كل شئ مستطاع للمؤمن " ( مر 9 : 23 ) . إن القيامة أعطت الناس قوة جبارة . و إذ تحطم الموت امامهم ، تحطمت أيضاً كل العقبات ، و اصبح لا مستحيل . و ماذا قدمته القيامة أيضاً ؟ و ما هي بركتها الثانية ؟
2-البركة الثانية هي الشوق إلي الحياة الأبدية : " لي اشتهاء أن أنطلق و أكون مع المسيح ، فذال أفضل جداً ، هكذا قال الرسول ... أكون مع المسيح ، الذي قام ،و صعد إلي السماء ، و جلس عن يمين الله . و قال " إن ارتفعت ، اجذب إلي الجميع " . و قال " أنا ماض لأعد لكم مكاناً .و إن أعددت لكم مكاناً اَتي أيضاً و اَخذكم إلي . حتي حيث أكون أنا ، تكونوا أنتم أيضاً " ( يو 14 : 2 ، 3 ) . و حب الأبدية جعل الناس يشتاقون إلي شئ أكبر من العالم ، و أرقي من المادة ، و أعمق من كل رغبة أو شهوة يمكن أن تنال علي الأرض . و نظر القديسون إلي الأرض كمكان غربة ، و اعتبروا أنفسهم غرباء ههنا ، يشتاقون إلي وطن سماوي ، و إلي حياة أخري ، من نوع اَخر ، و روحاني ، و خالد و مضئ ... اشتاق الناس إلي العالم الآخر ، الموضع الذي هرب منه الحزن و الكاَبة و التنهد ، الموضع الذي لا خطية فيه ، و لا كراهية بين الناس ،و لا صراع ، بل يسوده المحبة و الفرح و السلام و الطهارة ، حيث الخير فقط ، و ينتهي الشر نهائياً .و هذا يقودنا إلي البركة الثالثة للقيامة و هي :
البركة الثالثة للقيامة ، هي تجلي الطبيعة البشرية : في القيامة تنجلي الطبيعة البشرية ، جسداً و روحاً . فمن جهة الجسد ، تقوم أجساد نورانية روحانية ، لا فساد فيها ، لا تتعب ، و لا تجوع ، و لا تعطش ، و لا تمرض و لا تنحل . تكون كملائكة الله في السماء ، بل تقوم علي "شبه جسد مجده" . ما أروع هذا التجلي ، الذي تمجد فيه الطبيعة البشرية ، و يعيد إلينا صورة جبل طابور. أما الروح فتدخل في التجلي أيضاً ، و ترجع كما كانت في البدء " صورة الله و مثاله ، في نقاوة لا يعبر عنها .
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
عن كتاب تأملات في القيامة
المزيد
07 فبراير 2021
طقس رفع بخور باكر
يصلي الكاهن أوشيتيّ المرضي والمسافرين في جميع أيام الأسبوع ما عدا الأحد (يوم الرب ليس فيه سفر) لا يصلي أوشية المسافرين أما في الآحاد والأعياد السيدية (ملك لله) يصلي الكاهن أوشيتيّ المرضي والقرابين لأن الكنيسة تفترض أن ليس أحد يسافر في هذه الأيام للتفرغ للصلاة.
ملحوظة هامة:
الحمل لا يدخل إلا بعد رفع بخور باكر مع لحن (تين أو أوشت) وهو شبيه باللحن العسكري فمن الخطأ جدًا تقديم الحمل في رفع بخور باكر إذا تقديم الحمل بعد أوشية المسافرين بعد انتهاء رفع بخور باكر أما في الأعياد يقدم الحمل مع لحن (إبؤورو) `pouro ولا يدخل طبق الحمل إلى الهيكل فالذي يدخل إلى الهيكل (القربانة الحمل) فقط (عب 9: 12) وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداءاَ أبديًا.
في رفع بخور باكر نصلي أوشية المرضي لأننا نعتبر الكنيسة مستشفى تفتح أبوابها كل صباح لتتلقي المرضي والمصابين للعلاج والشفاء. إذًا الكنيسة دار استشفاء والسيد المسيح قال لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضي (يع 5: 14، 15) أمريض أحد بينكم فليدع شيوخ الكنيسة.. إلخ.
سر مسحة المرضي يجب عمله في الصباح والكل في حالة صوم. ثم أوشية المسافرين: في الصباح طبقًا ما عدا يوم الأحد.. يوم الرب لحفظ المسافر واشتراك الله معه في العمل والسفر.
الشرح:
يبدأ الكاهن دورة البخور في الكنيسة كلها كالآتي:
1- بعد انتهاء الـ3 أواشي الصغار دورة واحدة حول المذبح.
2- ثم ينزل أمام باب الهيكل ويعطي البخور كالمعتاد شرقًا ثم شمالًا ثم غربًا ثم جنوبًا ثم شرقًا.
3- بخور للإنجيل (المنجلية) ثم يعطي الكاهن البخور للإنجيل القبطي ثم العربي وهو يقول (نسجد لإنجيل ربنا يسوع المسيح الذي له المجد إلى الأبد أمين) ثم يقبل الإنجيل.
4- نحو الأجساد: (القديسين والشهداء) أينما وجدت وهو يقول السلام للقديسين.. السلام لجسدك الطاهر الذي ينبع لنا منه الشفاء.. اطلب من الرب عنا ليغفر لنا خطايانا.
5- بخور الكهنوت: تقديم البخور للكهنة يعني اشتراكهم جميعًا في تقديم البخور لله ويسمى (يمين الشركة) ويدل علي احتياج الكاهن المصلي لمساعدة إخوته بالصلاة ليقبل الله ذبيحته وبخوره.
- الأب الأسقف له 3 أياد بخور (مع مطانية metanoia وتقبيل اليد والصليب)
الأولى: الرب يحفظ لنا وعلينا حياة وقيام أبينا المكرم الأنبا..
الثانية: حفظًا احفظه لنا سنين كثيرة وأزمنة سالمة.
الثالثة: اخضع أعداءه تحت قدميه سريعًا.
ثم يقبل الصليب ويد الأب الأسقف قائلًا: اطلب من المسيح عنا ليغفر لنا خطايانا.
يرد الأسقف عليه قائلًا: الرب يحفظ كهنوتك مثل ملكيصادق وهارون وزكريا وسمعان كهنة الله العلي أمين.
هنا نلاحظ أننا نعطي بخور للأب الأسقف باعتبار أكبر الموجودين كهنوتًا وتقدم له البخور ليرفعه بدورة إلى الله مع صلواته.
- القمص له يدان فقط (وضع راحة اليد مرتين)
- القس له يد واحدة (وضع راحة اليد مرة واحدة)
ويقول للأب القمص:
• أسألك يا أبي القمص أن تذكرني في صلاتك لكي المسيح إلهنا يغفر لي خطاياي الكثيرة. يرد الكاهن الذي يعطي له البخور قائلًا: الرب يحفظ كهنوتك مثل ملكيصادق وهارون وزكريا وسمعان كهنة لله العلي أمين.
ويقول للأب القس:
• أسألك يا أبي القس..
ويرد نفس الرد..
أما الكاهن الخديم: يرد عليه قائلًا: الرب يقبل ذبيحتك.
فهي تبادل محبة.. صلاة لأجل بعض
6- إلى بحري (الحجاب البحري) بخور حامل الايقونات:
يبخر الكاهن لايقونات الشهداء والقديسين الموضوعة.
شرط هام جدًا لابد أن تكون الايقونة مدشنة بالميرون ولا يبخر الكاهن لأي أيقونة غير مدشنة بزيت الميرون.
ويقول السلام للشهيد..
وأمام الهيكل البحري يقول "السلام لهيكل الله الآب" هنا نجد الهيكل يقام فيه القداس لله الآب والذبيحة هي الله الابن (السيد المسيح) والذي يقدس القرابين هو الله الروح القدس إذا الثالوث القدوس اشترك في تهيئة الأسرار المقدسة.
والبخور للأيقونات تعبير عن شركة الصلاة بين الشعب والقديسين (امتزاج صلواتنا مع صلواتهم) تكريم للروح القدس علي جميع القديسين (مجد القداسة).
7- في الطرقة (الممر) البحري للكنيسة: ويقول بركة بخور عشية بركته المقدسة فلتكن معنا أو في باكر بالمثل.
ويظل هكذا حتى أقصي الغرب ويعطي الكاهن أثناء المرور – البركة باليد.. اليد ماسكة الصليب ومعرفة الحاضرين وحالتهم الروحية.
- يسمع الإعترافات السريعة (الخطايا التي بعد الاعتراف الأخير)
- يعطي الكاهن البخور وسط الشعب.. لماذا؟
نجد أن في سفر العدد (16: 44 – 48) لما ابتدأ الوباء في الشعب قال الرب لموسى.. وقال موسى لهارون خذ المجمرة وأجعل فيها نارًا من علي المذبح وضع بخورًا واذهب بها مسرعًا إلى الجماعة وكفر عنهم لأن السخط قد خرج من قبل الرب. قد ابتدأ الوباء فأخذ هرون كما قال موسى وركض إلى وسط الشعب وإذا الوباء قد ابتدأ في الشعب فوضع البخور وكفر عن الشعب ووقف بين الموتى والأحياء فامتنع الوباء. إذا البخور له قوة ذبيحة غير دموية.
ويجب علي الشعب أثناء مرور الكاهن بالبخور أن يرد الشعب قائلين: أسألك يا ربي يسوع المسيح أن تغفر لي خطاياي التي أعرفها والتي لا أعرفها أي طلبًا للرحمة وغفران الخطية.
8- في الجناح الغربي للكنيسة: يظل ماشيًا بالبخور حتى الممر الأوسط بالكنيسة حتى يصل:
9- إلى اتجاه الشرق بالطرقة الوسطى: مكان البصخة (ذبيحة المسيح)
10- الأرباع الخشوعية: يتقدم في الثلث الأخير (اللقان) ويصلي الأرباع الخشوعية نحو الشرق قائلًا: يسوع المسيح هو أمسا واليوم وإلى الأبد هو بأقنوم واحد نسجد له ونمجده (عب 13: 8).
شرقًا وهو واقف يقول: هذا الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة علي الصليب عن خلاص جنسنا ثم بحري فاشتمه أبوه الصالح وقت المساء علي الجلجثة، ثم غربًا فتح باب الفردوس ورد آدم إلى رئاسته مرة أخري وقبلي يقول: من قبل صليبه وقيامته المقدسة رد الإنسان إلى الفردوس مرة أخري ثم:
11- في اتجاه الشرق بالطرقة الوسطى.
12- بجوار حامل الأيقونات إلى قبلي.
13- في الطرقة القبلي للكنيسة في اتجاه الغرب.
14- يسير حتى يصل "الجناح الغربي للكنيسة".
15- الطرقة الوسطى مباشرة إلى داخل المذبح.
يعود إلى الهيكل من الممر (الطرقة) الوسطي وهو يقف أمام المذبح إلى الشرق ويضع يد بخور ويقول مجدًا وإكرامًا ثم يبخر الكاهن علي المذبح نحو الشرق وهو يقول: سر الرجعة (سر اعتراف الشعب).
يا الله الذي قبل إليه اعتراف اللص اليمين علي الصليب المكرم أقبل إليك اعترافات شعبك واغفر لهم كافة خطاياهم من أجل اسمك القدوس الذي دعى علينا كرحمتك وليس كخطايانا. ثم يقم الكاهن بعمل دورة واحدة حول المذبح ثم أمام الهيكل ثم للإنجيل المقدس ثم لرئيس الكهنة والكهنة. ويعلق الشورية في مكانها وسط واجهة الهيكل الأوسط ويقف الكاهن عند باب الهيكل حتى ينتهي الشعب من ترديد الذكصولوجيات وقانون الإيمان وأثناء لحن وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر (يمسك الكاهن 3 شمعات وصليب) ويرسم الصليب دون نطق ناحية الشرق والجنوب وغربي وبحري مع عقارب الساعة لإعطاء البركة للشعب ثم الشرق.
ثم يقول الكاهن:
يا الله ارحمنا.. تراءف علينا مع عكس عقارب الساعة شرق وشمال وغرب وجنوب لأن الرحمة علي الصليب هو حدث ممتد فوق الزمن والصليب به 3 شمعات إشارة للثالوث دليل اشتراك الثالوث في الفداء ويدور الكاهن مع عقارب الساعة ليعطي البركة للشعب ثم يردد تسبحة الرحمة مع عكس عقارب الساعة لأننا نحن نتبع عمل المسيح الفادي علي الصليب فوق الزمن بعد انتهاء اللحن.
ويصلي الكاهن أوشية الإنجيل، يمسك البشارة والصليب ويلف حول المذبح عكس عقارب الساعة وطوال الدورة الكاهن والشماس معًا، إذًا الكنيسة ككل رتبها مسئولة عن البشارة بالفداء ثم بعد ذلك يقول الشماس ماسكًا الصليب "انصتوا لسماع الإنجيل.." ثم الكاهن يقول "مبارك الآتي باسم الرب.." ثم يقرأ الإنجيل يبخر وحوله شمعتان والكل وفوق التنفيذ أوامر الله. ثم في النهاية التحاليل الثلاثة. التحاليل مثل إطلاق عصفور في قفص.
نيافة الحبر الجليل الانبا بنيامين مطران المنوفية وتوابعها
عن القداس الإلهي في اللاهوت الطقسي القبطي
المزيد
06 نوفمبر 2018
لماذا خلق الله الجنس؟
كان من الممكن -لو أراد الله للبشرية إن تستمر- أن خلقنا بتكوين آخر يسمح بامتداد النوع وحفظه دون الحاجة إلى هذه الشركة دون جنسين مختلفين ونحن نعرف -علميا- ذلك الذي نسميه: التلقيح الذاتي مثلًا أو إن يخلق الله الإنسان بغريزة تتحرك في وقت معين بهدف حفظ النوع وترقد هادئة بقية العام، لكن الله -في الواقع- أراد بالجنس ما هو ابعد من مجرد حفظ النوع وذلك ما انفرد به الإنسان دون سائر المخلوقات لقد أراد بالجنس نوعا من الحب والشركة والاتحاد بين الإنسان والله، وبين الإنسان والآخر.
وهذا يتحقق -بصورة خاصة- في سر الزواج المقدس، حينما يعطى الإنسان المؤمن نفسه للآخر بلا تحفظ، ويتحد الاثنان بالروح القدس ليصيرا واحدا، ويصير كل واحد منهما زوجا.
لذلك فكل انحراف بالجنس عن ذلك المسلك الطبيعي المقدس هو تعبير عن انحراف في "تيار الحياة".
1) الذاتية
ليس من شك إن الله خلق الإنسان ليحيا في شركة معه، ولذة الطرفين تكمن في هذه الشركة، "لذتي مع بنى آدم" لكن مشكلة الإنسان تحدث حين ينعكف على ذاته، وينحصر داخل نفسه، لا يعطى شيئا للغير ولا حتى لله. هذه الاكتفائية بالذات هذه الأنانية والعزلة هي القوة الأولى التي تنحرف بالجنس ليصير ضارًا.
هنا يبدأ الشباب يحصل على لذته من نفسه، ويتعبد لذاته وكبريائه، ويحطم الآخرين ليرتفع هو هذا الانغلاق الأناني هو المحرك الأول لشهوات الجسد سواء ما كان منها ذاتيًا (كالعادات الشبابية) أو مع الآخرين (كالعلاقات المنحرفة) الذات هي المحرك فهو يحب نفسه ويريد إن يمتعها ولو على حساب آخر.
لذلك فالإحساس بالمسيح، والاقتراب منه، والانفتاح لعمل السماء والنعمة، يصحح تيار الحياة وهذا أمر ضروري لحفظ الجنس في إطاره الصحيح والتخلص من هذه الانحرافات المسيح يخرج النفس من عزلتها لتتحد به وبالبشرية كلها " افتحي لي يا أختي يا حبيبتي يا حمامتي يا كاملتي" (نش5: 2).
المسيح ينادى نفسك يا أخي الشاب. فهل تفتح له قلبك؟ وهل تدخل في حوار واقعي معه؟ وهل تسلم له حياتك ليخلصها من كل أنانية بغيضة فتعيش بالمحبة وللمحبة؟
إن الإيمان بشخص المسيح، والحديث الهادئ معه في الإنجيل أو المخدع أو القداس، هو دواء لكل الشهوات الرديئة: "عند إصعاد الذبيحة على مذبحك، تضمحل الخطيئة من أعضائنا بنعمتك " (قسمة القداس الإلهي).
لذلك فالسؤال الأول المطروح أمامي كشاب هو:
هل عرفت المسيح حقا؟ وهل دخلت في حديث معه؟ وهل أحبه لصفاته العذبة وعمله الفدائي لأجلى، إن لم تكن قد دخلت في هذه الشركة فهيا الآن اجلس في هدوء وتصور رب المجد أمامك وأبدأ حديثا معه، وإن بدأ الحديث فلن ينته.
2) المادية
يحس الإنسان بنشوة خاصة في ممارسة الجنس سرعان ما تتحول إلى ضيق وفراغ، إن هو مارس الجنس خلوا من المحبة النقية الكائنة في سر الزيجة، لذلك فهذه النشوة الشعورية الحسية، التي كثيرا ما تشد الشباب للانحراف، تحتاج إلى اختبار لنشوة روحية هادئة تنقل الإنسان من مستوى الجسدانيين إلى مستوى الروحانيين.
مشكلة الشباب أنهم لا يريدون إن يحيوا الحياة في ملئها ونقاوة قصدها وهم إن تذوقوا هذه الحياة سيتأكدون أنها أفضل وأعمق وأبقى من لذة الخطية، التي تنفي عن الحياة جديتها وعمق مصيرها.
وهذا السقوط إلى المستوى الحسي والمادي ينسحب إلى (أو هو في الحقيقة ينبع من) الاستعباد للمادة بوجه عام، وعدم قدرة الإنسان على رؤية غير المنظور من خلال المنظور، إن الوهم الذي يقع فيه معظم الناس هو إن المادة في ذاتها تقدر إن تهب الحياة والسعادة وهذا الوهم كان نتيجة سقوط آدم لكن ابن الله الكلمة الذي خلق كل شيء حسنا، صحح هذه الرؤية بتجسده إذ لبس المادة ولمسها واكل منها وهكذا تقدست المادة أو بالحري استعلنت نعمة الله من خلالها، ومن ثم وهبنا بصيرة جديدة هي عطية الإيمان: إن نرى ونطلب بالإيمان مجد الكلمة من وراء الجسد والمادة.. هذا الإيمان نختبره ونمارسه من خلال الأسرار الكنسية، وفى ممارستها تتجدد فينا قوة هذه البصيرة وتشحذ وهكذا نستطيع إن نعيش في الخليقة الجديدة، بالحياة الروحية أي بروح الله المنسكب علينا من العلاء، فلن نقف بحسنا ومشاعرنا عند حد المادة، ولن نظن إن سعادتنا وكفايتنا كامنة في المنظور، بل في ابن الله الكلمة واهب الحياة وغاية الحياة.
هل ذقت يا أخي الشاب حلاوة صفاء الحياة الروحية هذه؟ وهل ترن في أذنيك أنغام أورشليم؟ التي سبقنا إليها انطونيوس وبولا وأغسطينوس؟ تلمس في هدوء بصيرة الإيمان التي فيك، حتى ترى الله في كل خليقة وكل إنسان، فيتنقى العالم أمامك ويتطهر.
3) الفراغ
يستحيل إن يعيش الإنسان في فراغ، والفراغ هنا ليس فراغ الوقت بل خلو الحياة، حين تكون الحياة خلوا من رسالة. هنا الضياع والسقوط في العبث الذي طبع الأدب الفرنسي لزمان غير قليل، وأنتشر في بقاع كثيرة بعد ذلك. إن مَنْ يقرأ لصموئيل بيكيت Samuel Beckett أو اونسكو سيشعر بمرارة ما يعانيان من ضياع معنى الحياة والوجود في نظرهما وحين يفقد الإنسان رسالته في الحياة إلى مأساة ويتحول الآخرون إلى جحيم، لأنهم سيعطلون طوح الذات.
لكن الرب يفتح لنا هنا أفقا رائعة: "أحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم أنا" الإنسان هنا، وجد لكي يخدم ويتحد بالمحبة مع البشرية كلها، وحين يشعر الإنسان انه "رسول محبة" للإنسانية ينسى ذاته ويتذكر أخاه فلا يعد أنانيا بل محبا للجميع من قلب طاهر بشدة.
لا تجلس متباكي على بعض المتاعب الجنسية عندك، لكن أخرج إلى الطرقات لتبحث عن الخراف الضالة والمجهدة، وتدعوها إلى وليمة المحبة في بيت الرب، والى شركة الوجود في حضرة الله، هل تشعر يا أخي الشاب أنك "رسول محبة"؟ تقدم الخدمة لكل فقير أو بعيد، وتقدم من حبك لكل محروم ومتضايق، هل تخدم الرب بأمانة وأتساع قلب؟ أم أنك تحيا لتكون نفسك ماديا، وتمتع نفسك بما في هذا الدهر وتترك أخوة لك -فقراء في الروح أو المادة- يتضورون جوعًا.
فلتكن لك رسالة وخدمة، واخرج من بيتك لتزرع الحب والسلام في كل الأرض .
4) التوتر
حين يعانى الشباب توترا وقلقا نفسيا من اجل المستقبل مثلا، أو من اجل متاعب مادية أو اجتماعية في محيط الأسرة، ينعكفون على الخطية لاستجلاب لذة تعويضية عن المرار الذي يعيشونه.
لذلك يلزم للشباب الذي ينشد الطهارة ألا يترك نفسه لأي سبب أو لأي مشكلة، بل يسلمها في هدوء بين يدي الله، واثقا أنه أبن لأب يرعى احتياجاته ويعطيه الطعام في حينه الحسن، ويعمل كل شيء حسنا في وقته.
إن لحظات المخدع التي تتحاور مع الله بخصوص مشاكلك المادية والعلمية والعائلية.. تهدى نفسك وتسكب السلام في داخلك، فلا تشعر بجوع عاطفي، ولا بتوتر نفسي يدفعك للسقوط، خصوصا في الأفكار الشريرة أو العادات الضارة كالعادة الشبابية أو عادة التدخين أو غيرها.
والآن يا أخي الحبيب..
مزيدا من الحب للمسيح والتطلع للسماء، والمحبة للآخرين، والسلام الداخلى.. وهكذا تحصل على الطهارة والقداسة التي بدونها لن يرى احد الله.
"من لي في السماء ومعك لا أريد شيئًا على الأرض" (مز73: 25)
نيافة الحبر الجليل الأنبا موسى أسقف الشباب
المزيد
09 نوفمبر 2019
ابشالوم ابن داود الملك
"يا ليتني مت عوضاً عنك يا أبشالوم ابني يا ابني" 2صم 18: 33
مقدمة
لست أعلم ما هو هذا النصب الذي أقامه أبشالوم في وادي الملك تذكاراً لحياته وقصته بين الناس؟!! أهو مسلة من المسلات كما يتصور البعض... أو هو هرم صغير من الأهرام كما يفكر آخرون؟!! أ هو بناء بني على صورة ما يحمل اسمه؟!! لقد أنجب أبشالوم ثلاثة أولاد وبنتاً حلوة جميلة كأخته ثامار، ومن ثم أطلق عليها اسم أخته!! ومات الأولاد الثلاثة صغاراً على الأرجح، ولم يكن له ولد يحمل اسمه، فصنع النصب المذكور وهو حي وأطلق عليه "يد أبشالوم" لكن أبشالوم في عقيدتي لم يكن في حاجة إلى هذا النصب على الإطلاق،... لأنه استطاع أن يصنع نصباً أعظم وأرهب وأكبر، في كل أجيال التاريخ، نصبه لا في وادي الملك القريبة من أورشليم، بل في وادي التاريخ كله،.. ولا يستطيع أبرع المصورين أو المثالين أن يصنع مثله على الإطلاق،... ولقد كتب الروائيون الكثير من القصص الرهيبة، لكنني لا أعتقد أن واحدا منهم، وهو يتحدث عن الجريمة والثورة والعقاب، أبدع قصة أعظم من قصة أبشالوم.
في واحدة من الصور العظيمة لإشعياء، جاءت عبارة قائلة: "فقسوا بيض أفعى"... ومن المؤسف أن بيت الرجل العظيم داود امتلأ بفقس الأفعى!!.. مسكين أيها الملك القديم! لأن الحية القديمة أفرخت في بيتك بهذا الفقس القاتل، وكان الموت والعار والخطية والشر ما عنيت وعانى بيتك التعس، "ويد أبشالوم" ستبقى مرفوعة دائماً في كل التاريخ لكي تؤكد أن أجرة الخطية هي موت،.. والخطية حقاً خاطئة جداً!!.. وها نحن نواجه هذه المأساة ونحن نقرأ قصة أبشالوم المحزنة!!..
أبشالوم والجريمة
عندما نقرأ قصة أبشالوم، يبدو على التو أمامنا أمران هامان: أولهما صدق الرواية الكتابية، والتي تشهد بالوحي الإلهي، فنحن لو ترك إلينا أن نكتب عن داود، الرجل الذي يأخذ لبناً بمزاميره الخالدة، وبطولته العظيمة، وغيرته على مجد الله، وخدمته الأمينة للسيد، لترددنا كثيراً أن نكتب عن مخازي بيته الفاضحة، حتى لا نصدم أفكار الناس أو مشاعرهم أو خيالهم، وهم يقرأون سيرته العظيمة الخالدة،... أو على الأقل كان من الممكن أن نترفق فيما نكتب أو ندثر أو نغطي، ما لا ينبغي حسب تصورنا، أن يعري على الصورة القاسية، التي نقرؤها علىها في الوحي الإلهي!!... لكن كلمة الله على العكس تعطي الصورة الواضحة المجلوة دون أدنى تردد أو إبهام أو غموض، مهما يصدم الناس في عواطفهم، لأن الأمر الآخر أن الكلمة تهتم بإبراز الخطية في بشاعتها وشناعتها وقسوتها وخبثها وامتدادها، وشرها المستطير،.. بل إنها تتغور إلى الأعماق لنرى سر الجريمة العميق البعيد الخفي المختفي... ولعلنا لو حللنا الجريمة التي كان أبشالوم واحداً من أبطالها وممثليها العظام لرأيناها ترجع إلى:
البيت المزواج
قد لا يستطيع الإنسان أن يصف مدى المرارة التي امتلأت بها حياة داود من أنه حول بيته إلى "وكر" للأشرار بتلك الحياة الغريبة التي ساعدت عصره، والعصور الأخرى، بتعدد الزواج، وهي اللعنة التي اكتسحت العصور القديمة، حتى جاء المسيح ورد البشرية إلى الأصل في الزواج امرأة واحدة لرجل واحد مدى الحياة،.. ولم يجز موسى الطلاق ألا وهو يربطه بقساوة القلب البشري،... إن امرأة شريرة واحدة في بيت رجل صالح كفيلة أن تحوله إلى الجحيم، فكيف بك الأمر لو أن هناك مجموعة متنافرة من مختلف الأنماط والألوان، ويكفي أن ترى بيت داود على هذه الحال، ونساؤه إلى جانب ميكال التي لم تنجب له أولاداً، كان هناك كما جاء في سفر أخبار الأيام: "وهؤلاء بنو داود الذين ولدوا له في حبرون أمنون من أخينوعم اليزرعيلية الثاني دانيئيل من أبيجايل الكرملية الثالث أبشالوم ابن معكة بنت تلماي ملك جشور الرابع أدونيا ابن حجيث الخامس شنطيا من أبيطال. السادس يثرعام من عجلة امرأته.. وهؤلاء ولدوا له في أورشليم شمعي وشوباب وناثان وسليمان من أربعة من بثشوع بنت عميئيل ويبحاز وأليشامع وأليفاظ ونوجة، ونافج ويافيع وأليشمع والياداع واليغلط، تسعة الكل بنو داود، ما عدا بني السراري وثامار هي أختهم".. وإذا كانت الأختان -ليئة وراحيل- لم تستطيعا العيش معاً في بيت واحد بسلام: "ورأى الرب أن ليئة مكروهة ففتح رحمها".. "كلما رأت راحيل أنها لم تلد ليعقوب غارت راحيل من أختها".. "فقالت راحيل مصارعات الله قد صارعت أختي".. وإذا كانت حنة قد رأت الويل من ضرتها فننة: "وكانت ضرتها تغيظها أيضاً غيظاً لأجل المراغمة"... فهل يمكن أن نتصور بيت داود وقد جمع ميكال العاقر المتعجرفة بنت شاول، ومعكة الوثنية أم أبشالوم بنت تلماي ملك جشور، وبثشبع أم سليمان، وأبيجايل المؤمنة الطيبة، وسائر النساء المختلفات، وغيرهن من السراري- هل يمكن لمثل هذا البيت إلا أن يكون بيتاً ممتلئاً بالانقسام والغيرة والتحزب، والحسد والعداوة، والمعارك الظاهرة والخفية؟؟.. وهل يمكن أن نرى الأولاد إلا في الصورة المنعكسة التعسة المحزنة لكل هذه؟!!.. لقد فقست الأُفعى بيضها في بيت مزواج!!...
التربية الدينية
ولا حاجة إلى القول أن التربية الدينية، في مثل هذا البيت كانت ضعيفة أو معدومة الأثر، وأغلب الظن أن داود لم يكن عنده من الوقت ما يعطيه لأولاده، ولعل بعض هؤلاء، وهم ينظرون أباهم، وهو شديد الاهتمام ببيت الله، وبالعبادة كانوا يحتقرونه كما احتقرته ميكال وهو يرقص أمام التابوت، ولعل سليمان كان أكثر الأبناء حظاً، لأنه كان في يد ناثان النبي الذي علمه منذ نعومة أظفاره،... كانت مزامير داود ترن في قلوب الكثيرين، ولكن موسيقاها البعيدة العميقة لم تصل إلى قلوب أولاده،.. فإذا أضيف إلى ذلك أن أغلب زوجات داود، كن بدورهن مفتقرات إلى الحياة الدينية المتعمقة، ولم يكن بينهم من تحرص على تربية أولادها كما فعلت يواكبد أم موسى وهرون ومريم، وكما فعلت حنة أم صموئيل،.. ومن ثم افتقر البيت العظيم إلى العمق الديني المنشور، ... وإذا كان في التقاليد اليهودية، أن يبدأ الولد في قراءة التوراة وهو في الخامسة من عمره، وأن يتقيد بالناموس في الثانية عشرة، وأن يدرس التلمود في الخامسة عشرة، وكان على الآباء اليهود -كما يذكر فيدخلون اليهودي السكندري- أن يعلموا أولادهم ويربوهم ليروا الله الآب وخالق العالم، قبل أن يتعلموا الناموس والشرائع المقدس، والتقاليد أو التعاليم غير المكتوبة، منذ الخطوات الأولى في حياتهم على هذه الأرض!!..
عندما كان داود فقيراً وبسيطاً وراعياً للأغنام، وعندما كان يغني فوق بطاح بيت لحم بأحلى الترانيم، شرب من كأس الشركة العميقة المروية مع الله،.. لكن أولاده وقد تربوا في القصور، وعاشوا حياة التنعم والترفه والغنى، لم تكن لهم هذه الفرصة الجليلة العميقة المباركة، ولسنا نظن أن واحداً منهم صاحب أباه ليغني له في أعماق الليل أو في وضح النهار، المزمور الثامن، أو التاسع عشر، أو الثالث والعشرين من روائع مزامير داود الخالدة!!..
من أجمل ما كتب لايل توماس الذي صاحب اللورد اللنبي ولورانس في الحرب العالمية الأولى، وهو يصف حياته وتربيته المنزلية: "كان أبي يصحبني مرات كثيرة في منتصف الليل ليريني الجبال الحمراء الغارقة في ضوء القمر، وكان يعود بهذا المنظر الجميل الفاتن إلى يد الله التي صنعت كل هذا ولقد زرع في أعماق نفسي الشعور الروحي الذي صاحبني وأنا أتجول في الأرض في كل ما يتصل بالكون، وكم كان يقضي أوقاتاً طويلة في فترات متعددة، ليقرأ لي ما كان يؤمن به أنه أعظم كتاب في العالم، الكتاب المقدس، وكان يقرأ الكتاب لا كما يقرأ أثناء الصلاة العائلية، بل كما يقرأه العالم المتفقه، ولقد جعل القصص الكتابية تسري في دمي وشراييني، وتضحى خلف جميع الاختبارات التي عرفتها في حياتي.. أما الكنيسة فكانت جزءاً حيوياً في حياتي، مثلها تماماً مثل المدرسة في حياتي، ومثل الطعام اليومي، ومثل أسلوب المعيشة، وكما أنك لا تفكر أو تناقش هذه كلها أو تحللها تماماً، كما لا تفكر في تحليل زوجتك إذ هي جزء من كل شيء فكذلك الكنيسة عندي جزء من كل شيء وأنا لم أفكر أبداً في الكنيسة من ناحية تحليلها أو المناقشة في ضرورتها، إذ هي جزء طبيعي عادي من اختباري اليومي، وأنا شديد الحماس في تشجيع الناس للذهاب إلى الكنيسة"..
التأديب
لعل من أعجب الأمور في داود ضعفه البالغ تجاه أولاده، إذ يبدو أن التأديب كان غريباً عن حياتهم، فإذا وصل بأمنون الشر إلى الدرجة الرهيبة التي فيها أذل أخته: "ولما سمع الملك داود بجميع هذه الأمور اغتاظ جداً" ولم يفعل أكثر من هذا الغيظ الذي أكل فيه نفسه، دون أن يلتهب أو يأكل ابنه وبقى أمنون حراً طليقاً إلى الدرجة التي شجعت أبشالوم على أن يقتص لنفسه ولأخته على النحو المرهف الذي حدث فيما بعد بعد أن بيت له: "ولم يكلم أبشالوم أمنون بشر ولا بخير لأن أبشالوم أبغض أمنون من أجل أنه أذل ثامار أخته"... والأمر عينه واضح في معاملته لابنه أدونيا الذي قيل فيه: "ولم يغضبه أبوه قط قائلاً لماذا فعلت هكذا".. ترى هل كان هذا كله واضحاً في ذهن سليمان وهو يتحدث عن التأديب قائلاً: "من يمنع عصاه يمقت ابنه ومن أحبه يطلب له التأديب" "رب الولد في طريقه فمتى شاخ لا يحيد عنها" "الجهالة مرتبطة بقلب الولد عصا التأديب تبعدها عنه" "لا تمنع التأديب عن الولد لأنك إن ضربته بعصا لا يموت تضربه أنت بعصا فتنقذ نفسه من الهاوية" "العصا والتوبيخ يعطيان حكمة والصبي المطلق إلى هواه يخجل أمه"... ومن المؤسف أن داود أطلق أولاده جميعاً إلى هواهم، ولو أنه بكر بتأديبهم لما احتاج إلى البكاء والدموع التي جاءت متأخرة دون أن تتمكن من إصلاحهم أو إنقاذهم،... أو دون ترك العار يلطخ حياتهم وسيرتهم بين الناس، وأي سيرة هذه التي بلغوا فيها المستنقع حتى يتآمر أكبر أولاده مع صديقه على تلويث شرف أخته، دون أن يعف عن الوصول إلى ما تفعله أحط الحيوانات، وعندما يجتمعون إلى حفل أخيهم أبشالوم تدور الخمر بينهم إلى درجة السكر البين، وإذ جميعهم يجرعون الكؤوس ويسكرون، وإذ العلاقة بينهم جميعاً أبعد عن أن تكون علاقة المحبة والرقة والحنان والجود!!.. لو أن داود ربي أولاده أو أدبهم لما فقست الأفعى بيضها بينهم!!..
المثال
على أن أسوأ ما في الأمر كله، كان المثال، وكيف يتكلم داود إليهم، وقد أعطاهم أسوأ مثال في فعلته الشنيعة التي جلبت الغضب الإلهي عليه، وسخرية الساخرين من الرجل الذي يقف على رأس أمته ليسبح ويغني لله، فإذا كان أمنون يفعل بأخته ما فعل هو ببثشبع. وإذا كان أبشالوم يفعل ذات الشيء بسراري أبيه، فهل يملك الرجل أن يرفع صوته مشتكياً أو محتجاً أو مؤدباً؟!..
دخل الرجل بيته، وإذا بالبيت كله يضج بالضحك لأن الولد الصغير لبس بدلة أبيه، يجرجر فيها، وكان منظره مثيراً مضحكاً، إلا الأب الذي فزع لأنه رأى المعنى البعيد الحقيقي، إن الولد يقلده، وويل له إذا أعطى الولد مثالاً تعساً من أي تصرف أو عمل، .. لقد فقست الأفعى بيضها في بيت داود لأنه البيت المزواج الذي ضاعت فيه التربية الدينية والتأديب والمثال الحسن.
أبشالوم والثورة
ولعله من اللازم، ونحن نتناول هذه الثورة بالتحليل، والتمحيص، والتعقب أن نلاحظ ما يأتي:
ثورة الابن ضد أبيه
وهل لك أن تغوص معي إلى الجرح العميق البعيد، الذي ينزف من الدم نزيفاً لا ينقطع في قلب داود، وهو يرى الثورة آتية ضده من ابنه، وابنه الحلو الجميل الممدوح في جماله من هامة الرأس إلى أخمص القدم،.. الابن الذي مع فعلته الشنعاء حن إليه قلب أبيه وهو في المنفى، ولم يعد يذكر يديه المخضبتين بدم أخيه الأكبر أمنون،.. ربما السهل أن يدخل داود في معركة مع عدو سافر كجليات، رغم فزع الجميع من المغامرة في مثل هذه المعركة، وربما من السهل أن يتحمل طعنة رجل مثل شمعي بني جيرا رغم ما فيه من افتراء وغدر وكذب، إذ هو بنياميني من سبط آخر، سب مركزه الملكي ليأخذه سبط يهوذا، ويستقر في بيت داود،... وربما من السهل أن يفقد صديقاً مثل أخيتوفل الذي كانت تحلو العشرة معه، لأن أخيتوفل جد بثشبع، وقد تركت فعلة داود جرحاً عميقاً في قلبه ليس من السهل أن يندمل،.. لكن أصعب من الجميع بما لا يقاس أن تأتي الثورة من الابن الحلو الجميل المحبوب من، أبشالوم أو كما قال هو لأبيشاي ولجميع عبيده: "هوذا ابني الذي خرج من أحشائي يطلب نفسي فكم بالحري بنياميني، دعوه يسب لأن الرب قال له..." وقد ازداد الجرح عمقاً وبعداً، لأن السيف الذي خرج علي داود لم يكن سيف جليات، أو شمعي أو أخيتوفل أو أبشالوم، لقد كان سيف الله نفسه: "والآن لا يفارق السيف بيتك إلى الأبد لأنك احتقرتني وأخذت امرأة أوريا الحثي لتكون لك امرأة هكذا قال الرب ها أنذا أقيم عليك الشر من بيتك وآخذ نساءك أمام عينيك وأعطيهم لقريبك فيضطجع مع نساءك في عين هذه الشمس لأنك أنت فعلت بالسر وأنا أفعل هذا الأمر قدام جميع إسرائيل وقدام الشمس".. ومهما تكن الأسباب الظاهرة أو البشرية، فما هي إلا أسباب ثانوية أدرك داود اليد الحقيقية خلفها جميعاً يد الله!!..
عجز الموازنة بين العدل والرحمة
كان داود أباً وملكاً في الوقت نفسه، وجاءت ثورة أبشالوم بسبب إفلاسه التام في الموازنة بين مركزه كأب ومركزه كملك فإذا نظر إلى الأمر من وجهة نظر كونه أباً، فقد ضاع منه مركز الملك الذي ينبغي أن يحكم بناموس العدالة، الذي لا يتوقف عند مجرد الناموس الموسوي، بل يرجع إلى ما هو أسبق، إلى أمر الله مع نوح عندما قال: "وأطلب أنا دمكم لأنفسكم فقط من يد كل حيوان أطلبه ومن يد الإنسان أطلب نفس الإنسان من يد الإنسان أخيه سافك دم الإنسان بالإنسان يسفك دمه لأن الله على صورته عمل الإنسان"... وإذا عالج الأمر كملك، فإن صرخات قلبه الأبوي لا تطاوعه،.. ومن الملاحظ أن الإنسان قد أدرك هذه الحقيقة، واستقرت في أعماقه ووجدانه، وهو بصدد قضية أعظم وأكبر وأرهب، قضية الجنس البشري كله، وموقف الإنسان المدان أمام الله الذي هو الملك الحاكم العادل والديان، وفي الوقت نفسه هو الأب المحب المشفق العطوف،.. ومحاولات الإنسان المتعددة في شتى الديانات للتوفيق بين الأمرين أضحت عاجزة بالغة العجز، مهما بذل الإنسان من جهد أو معاناة أو تضحية، حتى ولو تقدم بمحرقات بعجول أبناء سنة أو بألوف الكباش أو ربوات أنهار زيت حتى ولو أعطى بكره عن معصيته ثمرة جسده عن خطية نفسه، وإذا كان قلب الأب في الله يصرخ لإنقاذ الجنس البشري، فإن الله القاضي العادل، لا يمكن أن يتمم هذا الإنقاذ بمجرد التغاضي أو إغفاء البصر، أو الغفران الناقص، كما فعل داود الذي يترك ابنه في المنفى أو يسمح بالمجيء بشرط ألا يرى وجهه أو يمثل في حضرته،... إن الأمر أبعد من ذلك وأعمق إذ أن المصالحة الكاملة لا يمكن أن تتم من غير صليب تلتقي فيه الخطية بالعدالة والمحبة معاً، أو كما يقول الرسول بولس: "ولكن الكل من الله الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح وأعطانا خدمة المصلاحة أي أن الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه بيسوع المسيح غير حاسب لهم خطاياهم وواضعاً فينا كلمة المصالحة"...
كان داود يعلم هذه الحقيقة بدون أدنى شك، وهو يعجز كملك، ويحار أبلغ الحيرة، ويخشى إذا تغاضى كلية عن خطية ابنه، أن يغضب الله، قبل أن يتهم بالتحيز من ناحية الناس، وإن كنا لا نعلم متى كتب المزمور المائة والواحد، إلا أنه يبدو أنه كتبه تحت إحساس المعركة بين العدالة والرحمة في حياته، أو ربما كتبه وهو يواجه الصراع النفسي القاسي تجاه ابنه أبشالوم "رحمة وحكماً أغنى. لك يا رب أرنم. أتعقل في طريق كامل. متى تأتي إليَّ. أسلك في كمال قلبي في وسط بيتي. لا أضع قدام عيني أمراً رديئاً عمل الزيغان أبغضت لا يلصق بي. قلب معوج يبعد عني الشرير لا أعرفه الذي يغتاب صاحبه سراً هذا أقطعه مستكبر العين ومنتفخ القلب لا أحتمله عيناي على أمناء الأرض لكي أجلسهم معي السالك طريقاً كاملاً هو يخدمني لا يسكن وسط بيتي عامل غش المتكلم بالكذب لا يثبت أمام عيني باكراً أبيد جميع أشرار الأرض لأقطع من مدينة الرب كل فاعلي الإثم"... وقد قتل داود العماليقي الذي ادعى أنه قتل شاول بناء على طلبه لمجرد أن يده امتدت إلى مسيح الرب، وقتل ركاب وبعثة الأخوين إيشبوشث وهو نائم نومة الظهيرة،.. وكان السؤال القائم أمام ضميره: أليس من واجبه أن يطبق هذا على أبشالوم دون أدنى استثناء وهذا ظاهر من محاولة المرأة التقوعية التي جاءت بقصة، كقصة ناثان، مع الفارق أن ناثان كان يريد إيقاظ ضميره، أما هي فقد أرادت على العكس أن تعطيه راحة للضمير مبينة أن الموت كالماء المهراق، الذي إذا سكب لا يمكن أن يجمع مرة أخرى من الأرض، والله لا يرضى أن منفيه يطرد عن الحياة بعيداً عنه، وأنه يستحيل تصور موت أخوين معاً> قتل أحدهما الآخر، وذهب الآخر عقاباً على موت القتيل أخيه،.. ومهما يكن من هذا الدفاع الحكيم، فهو أن أثار الرحمة العميقة، فإنه أعجز عن مواجهة العدالة التي ذكرها داود في المزمور المائة والواحد!!... وقد بذر داود بذور الثورة اللاحقة لإفلاسه في التوفيق بين العدل والرحمة!!...
الغفران الناقص والسلبية ليسا علاجاً
ظن داود أنه يستطيع أن يعالج ابنه بالغفران الناقص، الذي يسمح له بالعودة من المنفى بشرط أن ينصرف إلى بيته ولا يرى وجهه، وعالج داود المشكلة السلبية المطلقة، أو في لغة أخرى، لقد أعاده من منفى المكان في جشور حيث كان هناك مع أقارب أمه، ليبقيه في منفى أسوأ أو أشد، منفى النفس، مع أن المشكلة الحقيقية أنه الآن أحوج ما يكون إلى حب أبيه أو نصحه، أو إرشاده، أو تهذيبه، أو تعليمه، أو توجيه نظره إلى الله،.. وإذا لم يستطع داود أن يملأه بكل هذه، فلابد أن يملأ الفراغ بصورة أخرى، إذ تصور الفتى قسوة أبيه وعنفه وشدته، وفقست الأفعى في أعماقه فقس الحقد والتمرد والغدر والخيانة،... لقد ارتكب أبشالوم جريمته، والمجرم متعد، لكنه أكثر من ذلك إنسان مريض وقد نظر المسيح إلى الخاطيء بهذا المعنى وهو يقول: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى".. والعالم اليوم ينظر إلى المجرم هذه النظرة، ويحاول لا مجرد استئصال المجرمين، بل التغور وراء نزعتهم الإجرامة، لمعرفة الدوافع الكامنة الخفية وراء ما ارتكبوا من آثام وجرائم،.. ولو أن الآباء نظروا إلى أولادهم بهذا المنظار، وهو يرتكبون الشرور والمفاسد والآثام، ولو أدركوا أن هذا الوقت بالذات، هو وقت المعالجة الجادة الصبورة الحكيمة، لتركوا كل شيء، ليهتموا بتقويم الإعوجاج وإصلاح المفاسد، والعودة بأبنائهم، لا من مجرد الكورة البعيدة التي ذهبوا إليها، بل إلى الحنان والحب والإحسان والجود في بيت الآب،. أو -لغة أخرى-ليس من مجرد منفى المكان بل قبل وبعد كل شيء من منفى النفس الموحشة المعذبة القلقة التعسة، وبغير هذا سيتحول من إجرام إلى إجرام أقسى، كما تحول أبشالوم من القضاء على أمنون، للمحاولة الأكبر للقضاء على أبيه وتقويض ملكه ومجده وعرشه وخدمته!!...
الثورة والخداع البالغ
لسنا نظن أن هناك قبلة تتفوق على قبلة أبشالوم، غير قبلة يهوذا الاسخريوطي، كان أبشالوم من حيث الشكل قطعة من الجمال، ومنظره يصلح منظر ملك عظيم، وقد خدع الشعب فيه، كما خدعوا في قامة شاول الذي كان فارع الطول جميل المنظر، مهيب الطلعة، والمظهر دائماً خداع لمن يقف عند حدوده، أو لا يتعدى شواطئه، وكم من فتى أو فتاة خدع بجمال المنظر وفتن به، وتعلق بصاحبه، ليذهب في طريق الموت،... على أن الأمر عند أبشالوم تجاوز ذلك، إذ صاحبه خداع الذهن، إذ أن أبشالوم، على ما صور للناس، ليس لهم من يقضي لظلمهم وينصفهم إذ ليس للملك أو في بيته متسع من الوقت أو الذهن أو الصبر لشكواهم وآلامهم وتعاستهم وقضاياهم،.. وأضاف أبشالوم إلى هذا كله: الديمقراطية المصطنعة، والقبلة المخادعة: "فاسترق أبشالوم قلوب رجال إسرائيل".. وأشعل الثورة بقبلته التاريخية المخادعة الغاشة،.. وحقاً لقد تحول أبشالوم إلى سارق وقاطع طريق، وليس السارق من ينهب أموالك، أو يعتدي على ممتلكاتك فحسب، بل هو ذاك الذي يسرق معنوياتك، ليتركك أمام أكبر شرك أو خداع تكتشفه نفسك، وربما يحدث هذا بعد فوات الأوان، حين تعجز أمام الثورة عن رأب الصدع، أو إصلاح الحال، أو العودة إلى النقطة السابقة للمأساة التي تمت وكملت!!..
أبشالوم والعقاب
إن الجريمة لا يمكن أن تفيد بأي حال من الأحوال، وأجرة الخطية هي موت بدون أدنى ريب أو شك، والتاريخ في كل زمان ومكان يشهد على هذه الحقيقة، فإذا ذهبنا إلى محنايم، فلن نرى أبشالوم هناك كجده الكبير يعقوب، محاط بجيش الله في مواجهة عيسو أخيه، بل سنرى الشاب في خاتمة المطاف، وقد تهاوت ثورته، وانتهى تمرده، بعد أن استقرت في قلبه السهام الثلاثة التي أنشبها يوآب، وهو معلق بين السماء والأرض، ومن الغريب أن الشاب لم يمت في صحبة واحد من جنوده أو مريديه أو معاونيه. وانتهى حلم السيادة والمملكة والعظمة والسلطان، على هذا النحو البشع المريع، حيث سقط جثمانه الجميل تحت رجمة كبيرة من الأحجار التي انهالت عليه من كل جانب، وهكذا يأتي العقاب مؤكداً أن الأشرار كالعصافة التي تذرها الريح لأن الرب يعلم طريق الأبرار أما طريق الأشرار فتهلك.
كان من الممكن أن لا يصل أبشالوم إلى هذا العقاب الرهيب القاسي البشع، لو أن أباه بكر بالتأديب، وبالعقاب الأبسط والأخف، وهو بعد صبي أو غض صغير،.. ولكن العقاب في العادة يتصاعد كلما أجله الآباء أو الأمهات، حتى تأتي اللحظة التي يقال معها أن العقاب قد خرج من أيديهم لتتولاه الأيام والليالي، أو بتعبير أدق أو أصح ليتولاه الله في عدالته الأكيدة في العالم الحاضر أو العتيد أيضاً!!..
والسؤال الذي يفرض نفسه ههنا: لماذا صرخ داود عندما سمع بمصرع ابنه إلى الحد الذي قال فيه: "يا ابني أبشالوم يا ابني يا ابني أبشالوم يا ليتني مت عوضاً عنك يا أبشالوم ابني يا ابني"..؟!! هل يرجع هذا إلى الفارق بين إحساس الجريمة عند الأب وعند الابن وأنه مهما كانت الجريمة التي يرتكبها الابن ضد أبيه فإن حنان الأب أعلى وأسمى؟!! لست أعلم، وإن كنت أعلم عن يقين بأن الأمر أمام خطيتنا الكبرى في هذه الأرض، قد تجاوز الحنان والرغبة والتمني، ليصبح أعلى حقيقة عرفها البشر عند هضبة الجلجثة: "لأن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا!!".. أم يرجع الأمر عند داود إلى شعور بالندم، لأنه قصر أبلغ التقصير في تربية أولاده، وها هو يرى أمنون يموت، وأبشالوم يلحق به، وثامار تعيش بعارها ووحشتها بين الناس؟!! قد يكون.. ولعله دموعه هذه كانت إحساساً عميقاً بالتقصير، الأمر الذي يحسه كثيرون من الآباء، ولكن للأسف بعد فوات الوقت، إذ أهملوا أبناءهم أحياء ليتسلموهم أمواتاً، وليس لهم ما يتبقى سوى النحيب أو البكاء على جثمانهم المسجي أمامهم، أو المغيب تحت رجمة قاسية أشبه برجمة أبشالوم في أرض محنايم!!.. أم هل الأمر أعمق من هذا كله إذ هو شعور الذنب القاسي، ولذعة الضمير، إذ لم تكن القصة من أولها إلى آخرها إلا امتداد للأصبع القائلة: "أنت هو الرجل"... وها هو يرى النبوة وقد اكتملت وتأكد صدق الله، فإذا كان هناك من سبب بعيد عميق لكل ما جرى فإنه هو وليس غيره هذا السبب؟!! ولعله لهذا كره نفسه في تلك اللحظة ومقتها، إلى الدرجة التي تمنى أن يكون هو، وليس ابنه أو أحد غيره من الناس، هو الضحية المعاقبة!!.. ألم يستول عليه ذات الإحساس عندما أمر بعد الشعب فجعل الرب وباء في إسرائيل، ومات في يوم واحد سبعون ألف رجل وبسط الملاك يده ليهلك أورشليم حتى قال له الرب عند بيدر أرونه اليبوسي رد يدك؟... "فكلم داود الرب عندما رأى الملاك الضارب الشعب وقال ها أنا أخطأت وأنا أذنبت وأما هؤلاء الخراف فماذا فعلوا فلتكن يدك علي وعلى بيت أبي"... قد تكون دموع داود بسبب واحد من هذه الأسباب أو بسببها جميعاً، أو بغيرها، لكنها تعطينا على أي حال أن نقف لنرى ماذا تفعل الخطية عندما تسيطر على حياة الناس؟!!.. عندما أطلق داود على ابنه الحلو الجميل الاسم أبشالوم "أب السلام"، كان يتمنى أن يكون أبو السلام هذا متمتعاً بكل سلام، ومعطياً السلام لكل من يتصل به أو يرتبط بحياته، ولم يدر قط أنه سيتحول مجرماً ثائراً، يدفن جثمانه تحت رجمة كبيرة تحولت نصباً خالداً في التاريخ لرجل فقد السلام، وذهب في الحرب، وامتدت يده "يد أبشالوم" لتقول للجميع في كل عصور التاريخ: ويل للخاطيء: "لأن أجرة الخطية هي موت وأما هبة الله فهي حياة أبدية في المسيح يسوع ربنا!!
المزيد
14 ديسمبر 2019
تسبحة 7 و 4 والأربعة هوسات
إن تسبحة كيهك التي تُصلى ليالي الآحاد الكيهكية هي تسبحة كل أحد على مدار السنة لأنه هو يوم القيامة، الذي تحتفل فيه الكنيسة بهذه الذكرى أسبوعيًا، بسهرها حتى طلوع الفجر الذي قام فيه السيد المسيح وعند طلوع الفجر كانت البُشرى الملائكية بدحرجة الحجر، وإعلان القيامة المجيدة فبعد أن تُصلى صلوات مزامير نصف الليل بخدماتها الثلاثة يُقرأ في أول خدمة إنجيل لقاء العريس مع العذارى اللواتي استعددن بإيقادهن مصابيحهن(مت25: 1-13)"حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ عَشْرَ عَذَارَى، أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَخَرَجْنَ لِلِقَاءِ الْعَرِيسِ وَكَانَ خَمْسٌ مِنْهُنَّ حَكِيمَاتٍ، وَخَمْسٌ جَاهِلاَتٍ أَمَّا الْجَاهِلاَتُ فَأَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَلَمْ يَأْخُذْنَ مَعَهُنَّ زَيْتًا، وَأَمَّا الْحَكِيمَاتُ فَأَخَذْنَ زَيْتًا فِي آنِيَتِهِنَّ مَعَ مَصَابِيحِهِنَّ. وَفِيمَا أَبْطَأَ الْعَرِيسُ نَعَسْنَ جَمِيعُهُنَّ وَنِمْنَ. فَفِي نِصْفِ اللَّيْلِ صَارَ صُرَاخٌ: هُوَذَا الْعَرِيسُ مُقْبِلٌ، فَاخْرُجْنَ لِلِقَائِهِ! فَقَامَتْ جَمِيعُ أُولئِكَ الْعَذَارَى وَأَصْلَحْنَ مَصَابِيحَهُنَّ. فَقَالَتِ الْجَاهِلاَتُ لِلْحَكِيمَاتِ: أَعْطِينَنَا مِنْ زَيْتِكُنَّ فَإِنَّ مَصَابِيحَنَا تَنْطَفِئُ. فَأَجَابَتِ الْحَكِيمَاتُ قَائِلاتٍ: لَعَلَّهُ لاَ يَكْفِي لَنَا وَلَكُنَّ، بَلِ اذْهَبْنَ إِلَى الْبَاعَةِ وَابْتَعْنَ لَكُنَّ. وَفِيمَا هُنَّ ذَاهِبَاتٌ لِيَبْتَعْنَ جَاءَ الْعَرِيسُ، وَالْمُسْتَعِدَّاتُ دَخَلْنَ مَعَهُ إِلَى الْعُرْسِ، وَأُغْلِقَ الْبَابُ. أَخِيرًا جَاءَتْ بَقِيَّةُ الْعَذَارَى أَيْضًا قَائِلاَتٍ: يَا سَيِّدُ، يَا سَيِّدُ، افْتَحْ لَنَا! فَأَجَابَ وَقَالَ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ. فَاسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْرِفُونَ الْيَوْمَ وَلاَ السَّاعَةَ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا ابْنُ الإِنْسَانِ" (مت25: 1-13).
وفي الخدمة الثانية نصلي إنجيل التوبة "المرأة الخاطئة"، ولقاء المحبة مع السيد المسيح في بيت الفريسي، فنشتم رائحة طيب عطرة (هي أصلًا رائحة دموع المرأة الخاطئة وليست رائحة الطيب المسكوب).. فدموعها التي بللت بها قدمي المُخلّص هي أقصر قيمة وأريجًا من رائحة الطيب المسكوب.. (لو7: 36-50)"وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ الْفَرِّيسِيِّ وَاتَّكَأَ. وَإِذَا امْرَأَةٌ فِي الْمَدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً، إِذْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مُتَّكِئٌ فِي بَيْتِ الْفَرِّيسِيِّ، جَاءَتْ بِقَارُورَةِ طِيبٍ وَوَقَفَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ بَاكِيَةً، وَابْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِالدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَتَدْهَنُهُمَا بِالطِّيبِ. فَلَمَّا رَأَى الْفَرِّيسِيُّ الَّذِي دَعَاهُ ذلِكَ، تَكَلَّمَ فِي نَفْسِهِ قِائِلًا: "لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا، لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ الامَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئَةٌ". فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: "يَا سِمْعَانُ، عِنْدِي شَيْءٌ أَقُولُهُ لَكَ". فَقَالَ: "قُلْ، يَا مُعَلِّمُ". "كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا. فَقُلْ: أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبًّا لَهُ؟" فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ:"أَظُنُّ الَّذِي سَامَحَهُ بِالأَكْثَرِ". فَقَالَ لَهُ: "بِالصَّوَابِ حَكَمْتَ". ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَرْأَةِ وَقَالَ لِسِمْعَانَ: "أَتَنْظُرُ هذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا. قُبْلَةً لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ. بِزَيْتٍ لَمْ تَدْهُنْ رَأْسِي، وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطِّيبِ رِجْلَيَّ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيرًا. وَالَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلًا". ثُمَّ قَالَ لَهَا: "مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ". فَابْتَدَأَ الْمُتَّكِئُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: "مَنْ هذَا الَّذِي يَغْفِرُ خَطَايَا أَيْضًا؟". فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ" (لو7: 36-50).
ونختم صلوات الخدمة الثالثة بوعد الراعي لقطيعه بعدم الخوف من أي شيء.. هذا القطيع ولو أنه صغير ومفروز من العالم، لكنه بإطاعته لراعيه أصبح الرب من نصيبه ومن حقه أن يرث الملكوت.. (لو 12: 32-40)"لاَ تَخَفْ، أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ، لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ. بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً. اِعْمَلُوا لَكُمْ أَكْيَاسًا لاَ تَفْنَى وَكَنْزًا لاَ يَنْفَدُ فِي السَّمَاوَاتِ، حَيْثُ لاَ يَقْرَبُ سَارِقٌ وَلاَ يُبْلِي سُوسٌ، لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكُمْ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكُمْ أَيْضًا. "لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً، وَأَنْتُمْ مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ مَتَى يَرْجعُ مِنَ الْعُرْسِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقَرَعَ يَفْتَحُونَ لَهُ لِلْوَقْتِ. طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَتَمَنْطَقُ وَيُتْكِئُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدُمُهُمْ. وَإِنْ أَتَى فِي الْهَزِيعِ الثَّانِي أَوْ أَتَى فِي الْهَزِيعِ الثَّالِثِ وَوَجَدَهُمْ هكَذَا، فَطُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ. وَإِنَّمَا اعْلَمُوا هذَا: أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ رَبُّ الْبَيْتِ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي السَّارِقُ لَسَهِرَ، وَلَمْ يَدَعْ بَيْتَهُ يُنْقَبُ. فَكُونُوا أَنْتُمْ إِذًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ" (لو 12: 32-40).
وتبدأ التسبحة بلحن نُصليه يوميًا.. وهو لحن (تين ثينو Ten;ynou)، ومعناه: "قوموا يا بني النور لنسبح رب القوات".. وهنا نجد الكنيسة تحثنا على السهر، الذي هو تعبير عن الوقوف في نور السيد المسيح، لنسبح رب القوات، لأن بنوره نعاين النور.. وهنا ينطبق قول بولس الرسول: "جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ وَأَبْنَاءُ نَهَارٍ. لَسْنَا مِنْ لَيْل وَلاَ ظُلْمَةٍ. فَلاَ نَنَمْ إِذًا كَالْبَاقِينَ، بَلْ لِنَسْهَرْ وَنَصْحُ... فَلْنَصْحُ لاَبِسِينَ دِرْعَ الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ، وَخُوذَةً هِيَ رَجَاءُ الْخَلاَصِ" (1تس5: 4-8) وكلمة "اسهروا" نجدها من أكثر الكلمات التي تكررت في الأناجيل، لأنها هي متعة روحية تنعش الروح، وتجدد النفس، وتقوي العلاقة بين الإنسان والله فالسهر في تسبيح رب القوات خالق الكل هو:
- اشتراك في تمجيد مع القديسين والملائكة في تمجيد الرب.
- وتدريب على الوجود مع الله باستمرار.
- وأيضًا استعداد للقاء العريس السماوي.. فهو تصريح واضح لأصحاب المصابيح الموقدة للدخول مع العريس السماوي عندما يأتي الصوت الصارخ: "هوذا العَريسُ مُقبِلٌ، فاخرُجنَ للِقائهِ!" (مت25: 6).
ولاشك أن السهر في بدايته يكون عبئًا على الإنسان وشيئًا ثقيلًا عليه، ولكن مع جهاد الإنسان وتخطيه هذه المرحلة بالتغصب (يبدأ بالتغصب.. أي تغصب الذات على السهر، وينتهي بالحب).. تنتهي هذه المرحلة بالمحبة الغير محدودة، والانطلاقة الروحية التي لا يساويها شيء، وهي أن يقضي الإنسان ليلة في التسبيح والشكر وتقديم صلوات يشتمها ضابط الكل رائحة بخور عطرة، فيتحول السهر داخل الإنسان من شيء ثقيل إلى عادة شهية لذيذة، يتمتع بها، ولا يستطع فيما بعد أن يتخلى عنها أو يفضل النوم عنها.
أقسام تسبحة 7 و 4
تسمى التسبحة الكيهكية (7 و4) لأنها تتكون من أربع هوسات، ويعقبها سبع إبصاليات، ثم سبع ثيؤطوكيات، مرتبة على سبعة أيام الأسبوع،وكل يوم من أيام الأسبوع له "إبصالية" و"ثيؤطوكية" الخاصة به، وهذا بخلاف المدائح العربية والابصاليات القبطية المرتبة على الأربع هوسات.. والهدف من ذلك هو إطالة وقت التسبيح الذي نتمتع به في تسبيح رب القوات وخالق الكل.. وأيضًا الطروحات المترتبة على الهوسات والمَجمَع والثيؤطوكيات، التي تفسر لنا مع تذكرة ما نركز عليه في هذا اليوم. وإليك فكرة بسيطة عن ترتيب التسبحة:
(1) الهوس الأول
هو عبارة عن تسبحة موسى النبي والشعب كله عندما عبروا البحر الأحمر، وهى المسجلة بالتفصيل فيسف الخروج (خر 15) "حِينَئِذٍ رَنَّمَ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ هذِهِ التَّسْبِيحَةَ لِلرَّبِّ وَقَالُوا: "أُرَنِّمُ لِلرَّبِّ فَإِنَّهُ قَدْ تَعَظَّمَ. الْفَرَسَ وَرَاكِبَهُ طَرَحَهُمَا فِي الْبَحْرِ. الرَّبُّ قُوَّتِي وَنَشِيدِي، وَقَدْ صَارَ خَلاَصِي. هذَا إِلهِي فَأُمَجِّدُهُ، إِلهُ أَبِي فَأُرَفِّعُهُ. الرَّبُّ رَجُلُ الْحَرْبِ. الرَّبُّ اسْمُهُ. مَرْكَبَاتُ فِرْعَوْنَ وَجَيْشُهُ أَلْقَاهُمَا فِي الْبَحْرِ، فَغَرِقَ أَفْضَلُ جُنُودِهِ الْمَرْكَبِيَّةِ فِي بَحْرِ سُوفَ، تُغَطِّيهِمُ اللُّجَجُ. قَدْ هَبَطُوا فِي الأَعْمَاقِ كَحَجَرٍ. يَمِينُكَ يَا رَبُّ مُعْتَزَّةٌ بِالْقُدْرَةِ. يَمِينُكَ يَا رَبُّ تُحَطِّمُ الْعَدُوَّ. وَبِكَثْرَةِ عَظَمَتِكَ تَهْدِمُ مُقَاوِمِيكَ. تُرْسِلُ سَخَطَكَ فَيَأْكُلُهُمْ كَالْقَشِّ، وَبِرِيحِ أَنْفِكَ تَرَاكَمَتِ الْمِيَاهُ. انْتَصَبَتِ الْمَجَارِيَ كَرَابِيَةٍ. تَجَمَّدَتِ اللُّجَجُ فِي قَلْبِ الْبَحْرِ. قَالَ الْعَدُوُّ: أَتْبَعُ، أُدْرِكُ، أُقَسِّمُ غَنِيمَةً. تَمْتَلِئُ مِنْهُمْ نَفْسِي. أُجَرِّدُ سَيْفِي. تُفْنِيهِمْ يَدِي. نَفَخْتَ بِرِيحِكَ فَغَطَّاهُمُ الْبَحْرُ. غَاصُوا كَالرَّصَاصِ فِي مِيَاهٍ غَامِرَةٍ. مَنْ مِثْلُكَ بَيْنَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ؟ مَنْ مِثْلُكَ مُعْتَزًّا فِي الْقَدَاسَةِ، مَخُوفًا بِالتَّسَابِيحِ، صَانِعًا عَجَائِبَ؟ تَمُدُّ يَمِينَكَ فَتَبْتَلِعُهُمُ الأَرْضُ. تُرْشِدُ بِرَأْفَتِكَ الشَّعْبَ الَّذِي فَدَيْتَهُ. تَهْدِيهِ بِقُوَّتِكَ إِلَى مَسْكَنِ قُدْسِكَ. يَسْمَعُ الشُّعُوبُ فَيَرْتَعِدُونَ. تَأْخُذُ الرَّعْدَةُ سُكَّانَ فِلِسْطِينَ. حِينَئِذٍ يَنْدَهِشُ أُمَرَاءُ أَدُومَ. أَقْوِيَاءُ مُوآبَ تَأْخُذُهُمُ الرَّجْفَةُ. يَذُوبُ جَمِيعُ سُكَّانِ كَنْعَانَ. تَقَعُ عَلَيْهِمِ الْهَيْبَةُ وَالرُّعْبُ. بِعَظَمَةِ ذِرَاعِكَ يَصْمُتُونَ كَالْحَجَرِ حَتَّى يَعْبُرَ شَعْبُكَ يَا رَبُّ. حَتَّى يَعْبُرَ الشَّعْبُ الَّذِي اقْتَنَيْتَهُ. تَجِيءُ بِهِمْ وَتَغْرِسُهُمْ فِي جَبَلِ مِيرَاثِكَ، الْمَكَانِ الَّذِي صَنَعْتَهُ يَا رَبُّ لِسَكَنِكَ الْمَقْدِسِ الَّذِي هَيَّأَتْهُ يَدَاكَ يَا رَبُّ. الرَّبُّ يَمْلِكُ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ". فَإِنَّ خَيْلَ فِرْعَوْنَ دَخَلَتْ بِمَرْكَبَاتِهِ وَفُرْسَانِهِ إِلَى الْبَحْرِ، وَرَدَّ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ مَاءَ الْبَحْرِ. وَأَمَّا بَنُو إِسْرَائِيلَ فَمَشَوْا عَلَى الْيَابِسَةِ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ. فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ النَّبِيَّةُ أُخْتُ هَارُونَ الدُّفَّ بِيَدِهَا، وَخَرَجَتْ جَمِيعُ النِّسَاءِ وَرَاءَهَا بِدُفُوفٍ وَرَقْصٍ. وَأَجَابَتْهُمْ مَرْيَمُ: "رَنِّمُوا لِلرَّبِّ فَإِنَّهُ قَدْ تَعَظَّمَ. الْفَرَسَ وَرَاكِبَهُ طَرَحَهُمَا فِي الْبَحْرِ..." (خر 15: 1-21) والبحر الأحمر هنا يذكرنا أنه كان رمزًا للمعمودية، التي تُعتبر حدًا فاصلًا بين فرعون وجنوده، وبين الشعب الماشي في البرية مع إلهه فالكنيسة بعبور أولادها في مياه المعمودية.. هي الآن في برية العالم، وترنم تسبحة الغلبة والخلاص (ترنيمة موسى).. فهي تُرتلها كل يوم إلى أن تُرتلها في تمام الغلبة والنُصرة في الأبدية.. كما ذكر ذلك مُعلمنا يوحنا الرائي..
"ثُمَّ رَأَيْتُ آيَةً أُخْرَى فِي السَّمَاءِ، عَظِيمَةً وَعَجِيبَةً: سَبْعَةَ مَلاَئِكَةٍ مَعَهُمُ السَّبْعُ الضَّرَبَاتُ الأَخِيرَةُ، لأَنْ بِهَا أُكْمِلَ غَضَبُ اللهِ. وَرَأَيْتُ كَبَحْرٍ مِنْ زُجَاجٍ مُخْتَلِطٍ بِنَارٍ، وَالْغَالِبِينَ عَلَى الْوَحْشِ وَصُورَتِهِ وَعَلَى سِمَتِهِ وَعَدَدِ اسْمِهِ، وَاقِفِينَ عَلَى الْبَحْرِ الزُّجَاجِيِّ، مَعَهُمْ قِيثَارَاتُ اللهِ، وَهُمْ يُرَتِّلُونَ تَرْنِيمَةَ مُوسَى عَبْدِ اللهِ، وَتَرْنِيمَةَ الْخَرُوفِ قَائِلِينَ: "عَظِيمَةٌ وَعَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ! عَادِلَةٌ وَحَق هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الْقِدِّيسِينَ! مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَارَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ، لأَنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ سَيَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّ أَحْكَامَكَ قَدْ أُظْهِرَتْ" (رؤ15 : 1–4) ومن هنا نجد ارتباطًا قويًا بين كنيسة العهد القديم في رموزها، وبين كنيسة العهد الجديد.. كنيسة تحقيق الرموز.
إن الكنيسة اليوم ترتل ترنيمة الغلبة وهي عابرة بحر هذا العالم، لتؤكد لنا نصرتنا على العالم وشهواته، ولترفع من أرواحنا المعنوية في جهادنا وحربنا الغير منظورة مع قوات الشر الروحية، وأيضا تأكيدًا لقوة الله وروحه القدوس الذي يعمل فيها.. فهي سر نصرتنا.. فهي تؤكد لنا أن الشيطان قد ذُل وهو يغوص مثل الرصاص في بحر ليس له قرار.. أي جرن المعمودية).
(2) الهوس الثاني
هو عبارة عن المزمور (135)"هَلِّلُويَا. سَبِّحُوا اسْمَ الرَّبِّ. سَبِّحُوا يَا عَبِيدَ الرَّبِّ، الْوَاقِفِينَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ، فِي دِيَارِ بَيْتِ إِلهِنَا. سَبِّحُوا الرَّبَّ لأَنَّ الرَّبَّ صَالِحٌ. رَنِّمُوا لاسْمِهِ لأَنَّ ذَاكَ حُلْوٌ. لأَنَّ الرَّبَّ قَدِ اخْتَارَ يَعْقُوبَ لِذَاتِهِ، وَإِسْرَائِيلَ لِخَاصَّتِهِ. لأَنِّي أَنَا قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ الرَّبَّ عَظِيمٌ، وَرَبَّنَا فَوْقَ جَمِيعِ الآلِهَةِ. كُلَّ مَا شَاءَ الرَّبُّ صَنَعَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ، فِي الْبِحَارِ وَفِي كُلِّ اللُّجَجِ. الْمُصْعِدُ السَّحَابَ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ. الصَّانِعُ بُرُوقًا لِلْمَطَرِ. الْمُخْرِجُ الرِّيحِ مِنْ خَزَائِنِهِ. الَّذِي ضَرَبَ أَبْكَارَ مِصْرَ مِنَ النَّاسِ إِلَى الْبَهَائِمِ. أَرْسَلَ آيَاتٍ وَعَجَائِبَ فِي وَسَطِكِ يَا مِصْرُ، عَلَى فِرْعَوْنَ وَعَلَى كُلِّ عَبِيدِهِ. الَّذِي ضَرَبَ أُمَمًا كَثِيرَةً، وَقَتَلَ مُلُوكًا أَعِزَّاءَ: سِيحُونَ مَلِكَ الأَمُورِيِّينَ، وَعُوجَ مَلِكَ بَاشَانَ، وَكُلَّ مَمَالِكِ كَنْعَانَ. وَأَعْطَى أَرْضَهُمْ مِيرَاثًا، مِيرَاثًا لإِسْرَائِيلَ شَعْبِهِ. يَا رَبُّ، اسْمُكَ إِلَى الدَّهْرِ. يَا رَبُّ، ذِكْرُكَ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ. لأَنَّ الرَّبَّ يَدِينُ شَعْبَهُ، وَعَلَى عَبِيدِهِ يُشْفِقُ. أَصْنَامُ الأُمَمِ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ، عَمَلُ أَيْدِي النَّاسِ. لَهَا أَفْوَاهٌ وَلاَ تَتَكَلَّمُ. لَهَا أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُ. لَهَا آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُ. كَذلِكَ لَيْسَ فِي أَفْوَاهِهَا نَفَسٌ! مِثْلَهَا يَكُونُ صَانِعُوهَا، وَكُلُّ مَنْ يَتَّكِلُ عَلَيْهَا. يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، بَارِكُوا الرَّبَّ. يَا بَيْتَ هَارُونَ، بَارِكُوا الرَّبَّ. يَا بَيْتَ لاَوِي، بَارِكُوا الرَّبَّ. يَا خَائِفِي الرَّبِّ، بَارِكُوا الرَّبَّ. مُبَارَكٌ الرَّبُّ مِنْ صِهْيَوْنَ، السَّاكِنُ فِي أُورُشَلِيمَ. هَلِّلُويَا" فهذا المزمور هو تسبحة شكر خالص لله.. وهذا الشكر هو الذي تُقدمهُ الكنيسة لله خالقها ومدبرها وراعيها من أجل محبته لها ولنا.. (فالكنيسة هي نحن).. فهو الذي أنقذها عندما عبر بنا بحر الموت، وقد أعالنا في البرية، ويعولنا حتى اليوم في برية العالم، ويقوتنا بجسده ودمه الأقدسين، كما أعال الشعب في البرية أربعين سنة.. وثيابه لم تُبلى، ونِعال رجليه لم تتهرأ، وأعطاهم المَن من السماء.. فهو أعطانا اليوم المَن السماوي الذي يأكل منه لا يموت إلى الأبد إن الشكر هو طبيعة الكنيسة المجاهدة كل يوم.. فكما قال مار إسحق:"ليست موهبة (عطية) بلا زيادة إلاَّ التي بلا شكر".. فنحن نشكره لأنه يحتمل ضعفاتنا البشرية، ويستر ضعف طبيعتنا الساقطة، ويغسل أرجلنا التي اتسخت بخطايا وأقذار العالم بالتوبة والاعتراف، ويجدد طبيعتنا، ويعطينا الحياة بدل الموت بالإفخارستيا أي جسده ودمه الحاضرين كل يوم على المذبح.. فهو يقودنا في موكب نصرته من مجد إلى مجد.
(3) الهوس الثالث
هو عبارة عن تسبحة الثلاثة فتية القديسين (وهذه التسبحة مدونة في الكتاب المقدس وقد حذفها البروتستانت في طبعة بيروت).. وملخص هذه التسبحة هو أن الملك أمر بإلقاء الثلاثة فتية القديسين في أتون النار المتقدة.. فرغم أن النار لم تنطفئ لكنها لم تمسهم بأي أذى، ثم بعد ذلك اكتشف الملك وجود شخص رابع (شبيه بابن الآلهة) يتمشى معهم وسط الآتون.. وهذا الهوس ترتله الكنيسة بنغمة الابتهاج والفرح، لتعلن لنا هذه المعاني الروحية السامية وهي أن السلام الداخلي لا يُعني زوال التجارب والآلام عنا.. لكنه يعني وجود الله معنا في وسط نيران العالم.. فمفهوم التجربة في المسيحية هي أنها لا تحل بزوالها، ولكن باجتياز الرب معنا في هذه التجربة، وبحمله الصليب معنا.. أي الوجود الدائم معنا فالشهيد اسطفانوس كان يُرجم بالحجارة وعظامه تتفتت، ولحم جسمه يتهرأ من الحجارة.. ولكنه كان يرى ابن الإنسان قائمًا عن يمين العظمة.. فكان شاخصًا للسماء، ولا يبالي بالحجارة ولا الراجمين أن نار العالم لازمة لتجربة الكنيسة.. (الكنيسة كجماعة ونحن كأشخاص في هذه الجماعة)، ولكن الله الرؤوف الحنون واقف في وسط هذا الأتون (التجارب القاسية)، فيحول النار إلى ندى بارد.
* هذه التسبحة تجمع في مشهد واحد وجودها في الحاضر الزمني المؤلم (الأتون)، ووجودها في الأبدية السعيدة (ابن الآلهة الموجود في الآتون).. "الخَروفَ الذي في وسطِ العَرشِ يَرعاهُمْ" (رؤ7: 17).. فهي في نار العالم وهى في حضرة الله والسعادة الأبدية أن هذه التسبحة تحمل معنى الغلبة بقوة الصليب، بسر الرابع، الشبيه بابن الآلهة فنهتف كلنا بصوت الفرح والتهليل: "سبحوه مجدوه زيده علوًا"، وهو المَرَد المتكرر في كل أرباع الهوس الثالث وهو اللحن الرائع الذي نتغنى به على مدار ما يقرب من الخمسة عشر دقيقة في تناغم ليس له مثيل في لحن (هوس ايروف \wc `erof)، وهو يقال في آخر ربع من أرباع هذا الهوس.. لنعبر عن فرحتنا بإلهنا الذي لا يتركنا حتى ونحن في آتون النارولعل هذا ما يجعلنا نجد أن الهوس الثالث هو أكبر جزء في التسبحة اليومية بألحانها العديدة والجميلة والرائعة.. فنحن في ختام الهوس الثالث نقول الألحان الآتية:
(1) ازمو ابشويس `Cmou `e`P[oic
(2) هوس ايروف \wc `erof
(3) آري هواؤ تشاسف `arihou`o [acf
(4) أربسالين `Ari'alin
(5) تنين ولحنه الممتع الرائع
(6) تين أويه انسوك Tenoueh `ncwk
كل هذا كختام للهوس الثالث.. ولنلاحظ أن إبصالية أربسالين نجدها تبدأ بـ "رتلوا للذي صلب عنا وقبر وقام وأبطل الموت وأهانه سبحوه وزيده علوا".. ونعقبها بعد ذلك بلحن تينين، وهى القطعة اليونانية التي تقال للثلاثة فتية القديسين، ونقول فيها: "فمن ثم تقدم الذبيحة والعبادة العقلية. ونرسل لك في هذا اليوم التسابيح لدى مجدك يا مخلصنا.. حنانيا وعزاريا وميصائيل.... يسبحون ويباركون الله كل حين" ثم نتبعها بلحن للثلاثة فتية القديسين أيضًا هو (تين اويه انسوك) بلحنه الكيهكي الرائع الذي نقول فيه: "نتبعك بكل قلوبنا ونخافك ونطلب وجهك يا الله لا تحزنا...".
*وأخيرًا نقول بعد هذه الألحان الجميلة (مجمع الآباء القديسين)، الذي هو امتداد للثلاثة فتية.. فكما شهدوا هؤلاء الثلاثة أمام الملك نبوخذ نصر، كذلك هؤلاء الشهداء والقديسين شهدوا أمام الولاة وأمام الكل بحياتهم حسب المسيح فكمثل إحساس الكنيسة بوجود الله مع الثلاثة فتية القديسين في أتون نار هذا العالم.. هكذا يتدرج بإحساس المجاهدين والعابدين بعمق الشركة والعلاقة القوية التي تربط بين الكنيسة المجاهدة والكنيسة المنتصرة.. يجمعها هدف واحد وروح واحدة فالعضوية هي جسد واحد يقرب بينهما اشتياق لا مثيل له، لملاقاة الرب على السحاب حيث نكون مع الرب كل حين.. "ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ" (1تس4: 17) فنجد المجمع يبدأ بشفاعة السيدة العذراء كلية الطهر والقداسة مريم والدة الإله، ثم رؤساء الملائكة وبقية رتب السمائيين، والأربعة وعشرون قسيسًا ويوحنا المعمدان، ثم طلب صلوات القديسين ابتداء من البطاركة الأولين (إبراهيم وإسحق ويعقوب)، ثم الآباء الرسل والأنبياء والشهداء والنساك والرهبان.. إلى أن نصل إلى طلب صلوات البابا البطريرك اعترافًا منا أننا كنيسة آباء وكنيسة رسولية.. هؤلاء أجدادنا والأحياء الآن آباءنا ونخضع لهم بكل ترتيب ونظام فنحن نطلب صلوات الآباء الرسل والأنبياء والشهداء والقديسين.. فهم بمثابة سحابة الشهود التي لنا في السماء تطلب من أجلنا ليلًا نهارًا.. وكل منهم يتطلع لنظيره متمثلًا بسيرته طالبًا معونته.. هؤلاء هم الموجودون تحت المذبح في السماء يصلون من أجل المضطهدين والمتضايقين من اجل المسيح.
وأيضا المئة والأربعة والأربعون ألفًا البتوليون يطلبون من أجل الذين اشتهوا بحياة البتولية والقداسة في السيد المسيح، وأيضًا الغالبون عند البحر البلوري يطلبون من أجل شبابنا المسيحي العفيف المجاهد حتى الدم ضد الخطية فالمجتمع يعتبر لحظة من لحظات التجلي على قمة جبل الرب العالي (وهو الكنيسة)، حيث يشمخ الرب يسوع المسيح بين موسى وإيليا (أبطال العهد القديم)، والتجلي ما هو إلا حالة الصلاة التي يجتمع فيها الرب يسوع مع قديسيه.. فلا فارق بينهما في عنصري الزمان والمكان.. إنها الأبدية الجميلة.
(4) الهوس الرابع
الهوس الرابع يتكون من ثلاثة مزامير هم: (مز148، 149، 150)"هَلِّلُويَا. سَبِّحُوا الرَّبَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ. سَبِّحُوهُ فِي الأَعَالِي. سَبِّحُوهُ يَا جَمِيعَ مَلاَئِكَتِهِ. سَبِّحُوهُ يَا كُلَّ جُنُودِهِ. سَبِّحِيهِ يَا أَيَّتُهَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. سَبِّحِيهِ يَا جَمِيعَ كَوَاكِبِ النُّورِ. سَبِّحِيهِ يَا سَمَاءَ السَّمَاوَاتِ، وَيَا أَيَّتُهَا الْمِيَاهُ الَّتِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ. لِتُسَبِّحِ اسْمَ الرَّبِّ لأَنَّهُ أَمَرَ فَخُلِقَتْ، وَثَبَّتَهَا إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ، وَضَعَ لَهَا حَدًّا فَلَنْ تَتَعَدَّاهُ. سَبِّحِي الرَّبَّ مِنَ الأَرْضِ، يَا أَيَّتُهَا التَّنَانِينُ وَكُلَّ اللُّجَجِ. النَّارُ وَالْبَرَدُ، الثَّلْجُ وَالضَّبَابُ، الرِّيحُ الْعَاصِفَةُ الصَّانِعَةُ كَلِمَتَهُ، الْجِبَالُ وَكُلُّ الآكَامِ، الشَّجَرُ الْمُثْمِرُ وَكُلُّ الأَرْزِ، الْوُحُوشُ وَكُلُّ الْبَهَائِمِ، الدَّبَّابَاتُ وَالطُّيُورُ ذَوَاتُ الأَجْنِحَةِ، مُلُوكُ الأَرْضِ وَكُلُّ الشُّعُوبِ، الرُّؤَسَاءُ وَكُلُّ قُضَاةِ الأَرْضِ، الأَحْدَاثُ وَالْعَذَارَى أَيْضًا، الشُّيُوخُ مَعَ الْفِتْيَانِ، لِيُسَبِّحُوا اسْمَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ قَدْ تَعَالَى اسْمُهُ وَحْدَهُ. مَجْدُهُ فَوْقَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ. وَيَنْصِبُ قَرْنًا لِشَعْبِهِ، فَخْرًا لِجَمِيعِ أَتْقِيَائِهِ، لِبَنِي إِسْرَائِيلَ الشَّعْبِ الْقَرِيبِ إِلَيْهِ. هَلِّلُويَا" (مز 148).
"هَلِّلُويَا. غَنُّوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً، تَسْبِيحَتَهُ فِي جَمَاعَةِ الأَتْقِيَاءِ. لِيَفْرَحْ إِسْرَائِيلُ بِخَالِقِهِ. لِيَبْتَهِجْ بَنُو صِهْيَوْنَ بِمَلِكِهِمْ. لِيُسَبِّحُوا اسْمَهُ بِرَقْصٍ. بِدُفّ وَعُودٍ لِيُرَنِّمُوا لَهُ. لأَنَّ الرَّبَّ رَاضٍ عَنْ شَعْبِهِ. يُجَمِّلُ الْوُدَعَاءَ بِالْخَلاَصِ. لِيَبْتَهِجِ الأَتْقِيَاءُ بِمَجْدٍ. لِيُرَنِّمُوا عَلَى مَضَاجِعِهِمْ. تَنْوِيهَاتُ اللهِ فِي أَفْوَاهِهِمْ، وَسَيْفٌ ذُو حَدَّيْنِ فِي يَدِهِمْ. لِيَصْنَعُوا نَقْمَةً فِي الأُمَمِ، وَتَأْدِيبَاتٍ فِي الشُّعُوبِ. لأَسْرِ مُلُوكِهِمْ بِقُيُودٍ، وَشُرَفَائِهِمْ بِكُبُول مِنْ حَدِيدٍ. لِيُجْرُوا بِهِمُِ الْحُكْمَ الْمَكْتُوبَ. كَرَامَةٌ هذَا لِجَمِيعِ أَتْقِيَائِهِ. هَلِّلُويَا" (مز 149).
"هَلِّلُويَا. سَبِّحُوا اللهَ فِي قُدْسِهِ. سَبِّحُوهُ فِي فَلَكِ قُوَّتِهِ. سَبِّحُوهُ عَلَى قُوَّاتِهِ. سَبِّحُوهُ حَسَبَ كَثْرَةِ عَظَمَتِهِ. سَبِّحُوهُ بِصَوْتِ الصُّورِ. سَبِّحُوهُ بِرَبَابٍ وَعُودٍ. سَبِّحُوهُ بِدُفّ وَرَقْصٍ. سَبِّحُوهُ بِأَوْتَارٍ وَمِزْمَارٍ. سَبِّحُوهُ بِصُنُوجِ التَّصْوِيتِ. سَبِّحُوهُ بِصُنُوجِ الْهُتَافِ. كُلُّ نَسَمَةٍ فَلْتُسَبِّحِ الرَّبَّ. هَلِّلُويَا" (مز 150) هذه المزامير كلها عبارة عن تسبيح، وهذا التسبيح هو عمل الملائكة، وهو عمل الكنيسة الدائم في السماء، وعمل القديسين وكل الخليقة أيًا كانت.. إنسان أم حيوان أم نبات أم جماد.. الكل يمجد الله في صورة منقطعة النظير فأتركك أيها الفادي العزيز لنتمعن في كلمات الهوس الرابع الرائعة، وأذكرك أنك الآن تعرفت على معنى أربعة.. وبقي أن نتعرف عن جمال سبعة في التسبحة الكيهكية (سبعة وأربعة) وهذا ما سوف نلتقي به في المقال القادم إن شاء الله لإلهنا كل المجد والإكرام من الآن وإلى الأبد آمين.
الراهب القمص بطرس البراموسي
المزيد
07 أبريل 2020
تأملات فى عيد البشاره المجيد
بشرى الخلاص للبشرية
نهنئكم أحبائنا القراء بعيد البشارة بدء الأعياد السيدة الكبري ونرجو لكم حياة مفرحة مقدسة ونحن مدعوين ان نحيا جميعا في فرح محبة الله لنا وتجسدة من اجل خلاصنا . فعيد البشارة وهو أول الأعياد من حيث ترتيب أحداث التجسد فلولا البشارة وحلول السيد المسيح في بطن العذراء ما كانت بقية الأعياد، لذلك يسمونه الأباء رأس الأعياد والبعض يسمونه نبع أو أصل الأعياد.
أرسل الله رئيس الملائكة جبرائيل للسيدة العذراء ليخبرها بتجسد أقنوم الكلمة او اللوغوس منها كما جاء فى بشارة معلمنا لوقا البشير { و في الشهر السادس ارسل جبرائيل الملاك من الله الى مدينة من الجليل اسمها ناصرة. الى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف و اسم العذراء مريم. فدخل اليها الملاك و قال سلام لك ايتها المنعم عليها الرب معك مباركة انت في النساء. فلما راته اضطربت من كلامه و فكرت ما عسى ان تكون هذه التحية. فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لانك قد وجدت نعمة عند الله. و ها انت ستحبلين و تلدين ابنا و تسمينه يسوع. هذا يكون عظيما و ابن العلي يدعى و يعطيه الرب الاله كرسي داود ابيه. و يملك على بيت يعقوب الى الابد و لا يكون لملكه نهاية. فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا و انا لست اعرف رجلا. فاجاب الملاك و قال لها الروح القدس يحل عليك و قوة العلي تظللك فلذلك ايضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله. و هوذا اليصابات نسيبتك هي ايضا حبلى بابن في شيخوختها و هذا هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقرا. لانه ليس شيء غير ممكن لدى الله.فقالت مريم هوذا انا امة الرب ليكن لي كقولك فمضى من عندها الملاك} لو 26:1-38.
أختيار السماء للعذراء مريم
- نقول فى التسبحة اليومية فى كنيستنا { تطلع الأب من السماء فلم يجد من يشبهك ، اتى وتجسد منك } نعم للعذراء المتواضعة التى قالت هوذا انا أمة الرب ، نظر الأب السماوى ليهبها تلك النعمة الفريدة لأنها متضعه ومنسحقه فرفعها الرب فوق السمائيين " قريب هو الرب من المنسحقى القلوب" " يقاوم الله المستكبرين أما المتواضعين فيعطيهم نعمة" "نظر إلى إتضاع أمته" نعم تواضعوا تحت يد الله القوية ليرفعكم فى حينة . نظرت العذراء مريم الى نفسها أنها عبدة لله . من اجل هذا رفعها الى مرتبة الأم للاله الكلمة المتجسد .وتكلم معها الملاك بتحية الإحترام والتقدير "السلام لك أيتها الممتلئة نعمة ، الرب معك ".
ان الله العظيم فى تواضعه يريدنا ان نتعلم منه الوداعة والأتضاع . هل ترى مثل هذا إتضاع من الله أن يستأذن من السيدة العذراء أن يحل فيها ويأخذ منها ناسوتاً وهى جبلة يديه، وهذا طبعاً شرف كبير للسيدة العذراء هى فرحت به، فهى بشارة مفرحة تتضمن خبراً سعيداً وأيضاً إستئذان بلطف شديد مع عطايا جزيلة.
ويؤكد الآباء أن السيد المسيح حل فى بطن العذراء بعد أن قالت "هوذا أنا أمة الرب ليكن لى كقولك"، ان الله يحترم حريتنا وارادتنا الشخصية حتى وهو يهبنا أعظم النعم .
- العذراء العفيفة الطاهرة القديسة الخادمة التى ترنمت بتسبحتها الخالدة لله مستخدمة أيات الكتاب المقدسة وقد أعتادت ان تحفظ الكلام فى صمت متفكره به فى قلبها .{ فقالت مريم تعظم نفسي الرب. و تبتهج روحي بالله مخلصي. لانه نظر الى اتضاع امته فهوذا منذ الان جميع الاجيال تطوبني.لان القدير صنع بي عظائم و اسمه قدوس. و رحمته الى جيل الاجيال للذين يتقونه. صنع قوة بذراعه شتت المستكبرين بفكر قلوبهم. انزل الاعزاء عن الكراسي و رفع المتضعين.اشبع الجياع خيرات و صرف الاغنياء فارغين} (لو 46:1-53).
- كان سلام القديسة مريم سبب أمتلاء اليصابات وجنينها بالروح القدس لتعلن لنا بالروح { من اين لى هذا ان تأتى ام ربى الي} لو 34:1 . نعم ان العذراء أمنا توصينا دائما ان نفعل كل ما يقوله لنا المخلص الصالح { قالت امه للخدام مهما قال لكم فافعلوه} يو 5:2 فلقتدى أذا بالقديسة مريم فى فضائلها وحياتها ليحل المسيح بالإيمان فى قلوبنا .
التجسد الإلهى وأعلان محبة الله للبشر
- في عيد البشارة نجد قمة إعلان محبة الله للبشر إذ أخذ صورتنا وطبيعتنا بغير خطية ولا دنس ومن ثمار التجسد غفران الخطية الجدية والفعلية لأدم ونسله الى نهاية الدهور بالفداء وننال هذا الغفران بالإيمان بهذا السر العظيم وبالولادة من الماء والروح { لانه كما في ادم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع }(1كو 15 : 22) .
- كما ان التجسد الإلهى اعلان لقداسة الجسد الأنسانى { و بالاجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة كرز به بين الامم اومن به في العالم رفع في المجد} (1تي 3 : 16) . إذا كان الجسد شر في ذاته ما كان أقنوم العقل الإلهى قد أتخذ جسداً ووهبنا إمكانية تحقيق القداسة ونحن في الجسد اننا كما تعلمنا من ابائنا القديسين قد أمرونا ان نحارب شهوات الجسد وليس اجسادنا التى هى هياكل لروح الله { ام لستم تعلمون ان جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله و انكم لستم لانفسكم } (1كو 6 : 19).نعم سيقوم الجسد فى اليوم الأخير جسداً روحيا نورانيا ليكأفا على تعبه وخدمته لله او يعقاب مع الروح على شروره وأثامه .
- وبالتجسد الإلهى نرى محبة الله للخاطئ وقبوله له بالتوبة، والتوبة هي أول خطوة نحو القداسة. ان أنظارنا تتجة للسماء مصدر فرحنا والى الله قوتنا ورجائنا وكلنا مدعوين للأتحاد بالعريس السمائى الذى جاء واتحد بطبيعتنا .
- بالتجسد صار بطن القديسة مريم العذراء هو معمل الإتحاد بين اللاهوت والناسوت فى شخص ربنا يسوع المسيح. لقد تكون الجنين بعد أن قبلت العذراء البشرى باتحاد اللاهوت مع جبلتنا فى بطن العذراء ، فصار فى البطن الإبن الكلمة المتجسد. فى الولادة سُمى "يسوع" أى المخلص "أنا أنا هو الرب وليس غيرى مخلص" (أش 43) فى العماد سُمى "المسيح" أى الممسوح من الروح القدس فأصبح أسمه يسوع المسيح إبن الله الحى . بنوة روحية فريدة كولادة النور من النار أو نور الكهرباء من التيار . لماذا لايقبل البعض التجسد فهل هناك شئ غير مستطاع لدى الله ؟ ان كان الله قديما كلم الإنسان من شجرة او ظهر لابونا ابراهيم فى شكل انسان او ظهر للبعض بهئية ملاك فهل الله الذى يحب ابنائه لايقبل ان يتجسد لخلاصهم ولا يحد التجسد من لإهوته فهو حال فى كل مكان ولا يحويه مكان .
- اننا اذ نحتفل بهذا العيد فنحن نعبر عن فرحة الكنيسة بهذه البشارة ، و نشارك العذراء فرحتها بهذه البشارة المفرحة التى أتت إليها من السماء من خلال رئيس الملائكة جبرائيل. ونشاركها لأنها بشارة للخلاص لنا و للبشرية كلها. لقد شاركنا السيد المسيح فى كل مراحل حياتنا قبل الولادة وبعدها حتى النضوج، "باركت طبيعتنا فيك" لكى ما يجعلنا ابناء له بالتبنى ونرث ملكوت السموات .
انت فردوس نفسى
الهى أشكرك وتشكرك عنى ملائكتك لانى عاجز عن القيام بحمدك كما يليق بحبك وتواضعك وعطائك العجيب . نعم صرت وانت الاله العظيم أنسان حق لترفعنى لأكون ابنا لك بالتبنى والنعمة .
ايها الكلمة المتجسد الوديع علمنا ان نجعل من قلوبنا لك مسكنا ومن حياتنا شعلة حب تعلن محبتك للبشرية لكى ما نرجع بالتوبة والإيمان الى أحضانك الإلهية ايها الاله الرحوم .
الهى لقد أقتربت الي لترفعنى وتجسدت لتقدسنى وفديتنى بالدم الكريم على عود الصليب لتخلصنى وقمت لتقيمنى معك . الهى انت فردوس نفسى .
القمص أفرايم الأورشليمى
المزيد
02 يوليو 2019
بناء الخادم الروحي
ان اعداد الخادم الروحي عمل روحى فى غاية الأهمية ويكفى ان مخلصنا الصالح المزخر لنا فيه كل كنوز الحكمة والعلم لم يبدأ خدمته الا فى سن الثلاثين مع انه فى عمر الثانية عشر اذهل المعلمين بحكمته وعلمه { بعد ثلاثة ايام وجداه في الهيكل جالسا في وسط المعلمين يسمعهم و يسالهم. وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه واجوبته} لو46:2-47. ان الخدمة ليست معلومات تلقن او دروس تحضر لكنها حياة وعشرة مع الله ومعرفة بقيمة النفس البشرية أمام الله، السيد المسيح أستمر ما يذيد عن الثلاث سنوات يتلمذ ويعلم وهو يحيا مع تلاميذه وبعد هذا منحهم مواهب الروح القدس ليستطيعوا ان يقوموا بالخدمة . ورغم حاجة الخدمة الى الكثير من الفعلة { قال لهم ان الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون فاطلبوا من رب الحصاد ان يرسل فعلة الى حصاده }(لو 10 : 2) . لكن مع حاجة الخدمة للخدام فليس هذا مدعاة للتسرع لاسيما فى رسامة الكهنة اوالرهبان والراهبات او الشمامسة حتى لا يكون الخدام عثرة فى الكنيسة وثقل على الخدمة . ففضلا عن انه لابد ان تتوفر فى من يتقدم للخدمة العلاقة الروحية الشخصية الناجحة مع الله وتميزة بالتواضع والمحبة والصبر ومخافة الله فانه لابد ان تكون علاقاته مع الآخرين علاقات تمتاز بالروحانية والوداعة والحكمة سواء مع اسرته او اقربائه او كنيسته او مجتمعه بما فيه من شرائح مختلفة من المجتمع .
هذا بالاضافة الى معرفتة ودراسته للاهوت والعقيدة والكتاب المقدس وكتابات الاباء وتاريخ الكنيسة وطقوسها وادابها فى عصر نجابه فيه ثورة فى المعرفة واسئلة من المؤمنين وغيرهم مما يحتاج الى دراسة لعلم النفس والمنطق والفلسفة والتاريخ والادب واللغات . ومع هذا يجب ان يتم تدريب الخدام وتلمذتهم لخدام مختبرين وان يحتفظ الخادم بروح الخدمة والتلمذة والتعلم المستمر مدى الحياة فى مدرسة المعلم الأعظم والراعى الصالح .
صفات الخادم الروحى .. الخدام بمختلف درجاتهم سواء الخدام المكرسين لله فى خدمة الكهنوت او المؤمنين من شمامسة وخدام فى حقل الخدمة يجب ان تتوفر فيهم صفات تؤهلهم للخدمة والرعاية . ليستطيعوا ان يقوموا بدورهم فى الكنيسة والمجتمع ، هذه الصفات تتعلق بعلاقتهم الروحية بالله وكتابه المقدس وممارساتهم للاسرار المقدسة فى تقوى ومخافة الله . او سواء فى حياتهم الشخصية المنزة عن العيوب على قدر الطاقة وعمل النعمة والمهتمة بخلاص النفس وثقلها بكل الدراسات والخبرة الشخصية اللازمة للخدمة أو علي مستوى العلاقات الاسرية والكنسية والأجتماعية الناجحة والمتميزة لكى يستطيع ان يربح النفوس ويقودها ويغذيها ويشبعها روحيا .
وهذه بعض الصفات التى ذكرها الكتاب المقدس فى الخدام ..
+ ذوى قدرة للقيام بمهامهم وخائفين الله فى تصرفاتهم وسلوكهم وامناء مبغضين للرشوة باشكالها المختلفة { وانت تنظر من جميع الشعب ذوي قدرة خائفين الله امناء مبغضين الرشوة وتقيمهم عليهم رؤساء الوف ورؤساء مئات ورؤساء خماسين ورؤساء عشرات} (خر 18 : 21).
+ يذكر القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس بعض من الصفات التى يجب توفرها فى الاساقفة والكهنة والشمامسة . فيجب ان يكونوا بلا لوم اى بلا عيوب تمسك عليه وتكون عثرة للشعب وتضر بالكنيسة . وان يتميزوا بالعفاف فى وقت كانت الوثنية واليهودية تسمح بتعدد الزوجات لايكون له الا زوجة واحدة وليس معنى هذا ان لا يكون متبتلاً فبولس نفسه كان بتولاً لم يتزوج { و لكن اقول لغير المتزوجين وللارامل انه حسن لهم اذا لبثوا كما انا} (1كو7 : 8).يجب على الخادم ان يكون ذو عقل متزن حكيم لا ينخدع { فيجب ان يكون الاسقف بلا لوم بعل امراة واحدة صاحيا عاقلا محتشما مضيفا للغرباء صالحا للتعليم.غير مدمن الخمر ولا ضراب ولا طامع بالربح القبيح بل حليما غير مخاصم ولا محب للمال. يدبر بيته حسنا له اولاد في الخضوع بكل وقار.وانما ان كان احد لا يعرف ان يدبر بيته فكيف يعتني بكنيسة الله .غير حديث الايمان لئلا يتصلف فيسقط في دينونة ابليس. ويجب ايضا ان تكون له شهادة حسنة من الذين هم من خارج لئلا يسقط في تعيير وفخ ابليس. كذلك يجب ان يكون الشمامسة ذوي وقار لا ذوي لسانين غير مولعين بالخمر الكثير ولا طامعين بالربح القبيح. ولهم سر الايمان بضمير طاهر.وانما هؤلاء ايضا ليختبروا اولا ثم يتشمسوا ان كانوا بلا لوم. كذلك يجب ان تكون النساء ذوات وقار غير ثالبات صاحيات امينات في كل شيء. ليكن الشمامسة كل بعل امراة واحدة مدبرين اولادهم و بيوتهم حسنا.لان الذين تشمسوا حسنا يقتنون لانفسهم درجة حسنة وثقة كثيرة في الايمان الذي بالمسيح يسوع} 1تيم 2:3-13.
+ على الخادم ان يكون محتشما فى مظهره وكلامه وسلوكه يتميز بالوقار والتصرف الحسن فى المواقف المختلفة . وان يكون مضيفاً للغرباء كريما له قلب متسعاً محبا للأخوة وان يكون صالحاً للتعليم { لان شفتي الكاهن تحفظان معرفة ومن فمه يطلبون الشريعة لانه رسول رب الجنود }(ملا 2 : 7). قد لا يكون معلماً موهوباً، لكن يجب أن يكون ذا دراية كافية بكلمة الله حتي يقدر أن يساعد المخدومين فى مشاكلهم اليومية. لديه المرونة والقابلية أن يتعلَّم بتواضع قلب، وأن يكون صالحاً أن يعلِّم آخرين ويبنيهم في الإيمان. الخادم يجب ان يتحلى بالوداعة والتواضع وان يكون لطيفاً فى تعامله غير غضوباً ولا طامعاً أو راغباً بالربح القبيح فلا يستخدم الأمور الروحية ليتربح منها فيتحول إلي مُحب للمال . الخادم صانع سلام وليس رجل خصام لا يتنازع مع الآخرين من أجل أمور العالم او من اجل ذاته ولا يكون له خاصة دون البعض فهو اخاً أواباً للجميع ، يربحهم لملكوت الله .
+ غير حديث الإيمان ومشهود له . أي ناضج روحياً، لائق للخدمة غير مفتقر للخبرة الروحية. والخطر هو أن حديث الإيمان وغير المختبر قد يتصلف أي تأخذه الكبرياء فينتفخ ويقع في دينونة إبليس. فلابد ان يكون له مدَّة كافية وعميقة في حياة الإيمان الصحيح، حتى يفهم أهمية الخدمة في الكنيسة، فيخدم الرب بكل تواضع ويكون مثمراً فيها . ان الخدمة والكنيسة فى حاجة لخدام امناء لديهم العمق الروحى ويبتعدوا عن سطحية العبادة وشكلية الخدمة ومظهريتها من أجل خلاص نفوس الخدام والمخدومين ان التلاميذ سهروا الليل كله ولم يصطادوا شئ حتى أمرهم المخلص بالدخول الى العمق فامتلأت شباكهم بالسمك ليتركوا كل شئ ويتبعوا المعلم الصالح ويصيروا صيادى الناس. الخادم الأمين يكون له شهادة حسنة من الذين هم من خارج من غير المسيحيين أيضاً، فلابد ان يكتسب احترام زملاء العمل والأقرباء والجيران، وذلك من خلال حياته اليومية العادية. فشهادة أولئك برهان على صحة قوة وتاثير إيمانه الصحيح .
+ التواضع والصلاح والنشاط .. ان يكون الخادم غير معجب بنفسه، فلا يكون متكبرا معجباً بنفسه { حينئذ قال يسوع لتلاميذه ان اراد احد ان ياتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني} (مت 16 : 24) الخادم المتكبر ينفر الآخرين ويعثرهم لهذا علينا كخدام ان نحيا فى تواضع وانكاراً للذات مقدمين بعضنا بعضاً فى الكرامة ونقبل الرأى الأخر ونستمع للآخرين فى صبر وطول بال { وكونوا لطفاء بعضكم نحو بعض شفوقين متسامحين كما سامحكم الله ايضا في المسيح }(اف 4 : 32) الخادم يكون محباً للخير والصلاح والخير لجميع الناس وبارا يخاف الله، نقي وتقي في سلوكه وتصرفاته في السر والعلن .
+ على الخادم ان يكون ضابط لنفسه متحكما فى كلامه وانفعالاته وسلوكه مداوماً على التلمذة ويعلم التعليم الصحيح ويدافع عن الايمان ضد المقاومين . يخدم لا عن اضطرار بل بالاختيار{ ارعوا رعية الله التي بينكم نظارا لا عن اضطرار بل بالاختيار ولا لربح قبيح بل بنشاط. ولا كمن يسود على الانصبة بل صائرين امثلة للرعية. ومتى ظهر رئيس الرعاة تنالون اكليل المجد الذي لا يبلى} 1بط 2:5-4.
+ يجب ان يهتم الخدام بخدمة وتشجيع الضعفاء والمحتاجين والارامل والايتام والمضطهدين وكانه يخدم سيده ومعلمه الصالح فيهم {بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم} (مت 25: 40). {في كل شئ أريتكم أنه هكذا ينبغي أنكم تتعبون وتعضدون الضعفاء} اع 20: 35 . {الديانة الطاهرة النقية عند الله الاب هي هذه افتقاد اليتامى والارامل في ضيقتهم وحفظ الانسان نفسه بلا دنس من العالم }(يع 1 : 27). { بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا، فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة؛ وأما مَن كانت له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجاً وأغلق أحشاءه عنه، فكيف تثبت محبة الله فيه} (1يو 3: 16-17). {وكل ما فعلتم، فاعملوا من القلب كما للرب ليس للناس. عالمين أنكم من الرب ستأخذون جزاء الميراث، لأنكم تخدمون الرب المسيح}(كو 3: 23-24).
القمص أفرايم الأنبا بيشوي
المزيد