المقالات
24 فبراير 2021
تأملات في سفر يونان النبي
إن سفر يونان النبي مملوء بالتأملات الروحية الجميلة ، نعرض لهذا السفر من الناحية الروحية البحتة وليس من جهة الجدل اللاهوتي سبيلنا هو الاستفادة وليس النقاش. نريد أن نأخذ من هذا السفر الجميل دروسا نافعة لحياتنا، نستفيد من عمل الله ، ومن فضائل الناس ، ومن أخطائهم وما أجمل ما فعلته الكنيسة إذ اختارت هذا السفر ليكون مقدمة للصوم الكبير ، يسبقه بأسبوعين ، بقصة جميلة للتوبة ، وللصوم حتى نستقبل أيام الأربعين المقدسة بقلب نقى ملتصق بالرب والعجيب أن كثيرين من الذين يدرسون سفر يونان ، يركزون على أهل نينوى وصومهم وينسون ركاب السفينة ، وينسون يونان النبي ومشكلته . فماذا كانت مشكلة يونان ؟
مشكلة يونان
إن الله في سفر يونان النبي، يريد أن يعرّفنا حقيقة هامة هي أن الأنبياء ليسوا من طبيعة أخرى غير طبيعتنا ، بل هم أشخاص "تحت الآلام مثلنا" يع 5 : 17.. لهم ضعفاتهم ولهم نقائصهم وعيوبهم، ومن الممكن أن يسقطوا كما نسقط . كل ما في الأمر أن نعمة الله عملت فيهم، وأعطتهم قوة ليست هي قوتهم وإنما هي قوة الروح القدس العامل في ضعفهم ، لكي يكون فضل القوة لله وليس لنا كما يقول الرسول ( 2 كو 4 : 7 )وقد كان يونان النبي من "ضعفاء العالم" الذين اختارهم الرب ليخزي بهم الأقوياء ( 1 كو 1 : 27 ) . كانت له عيوبه، وكانت له فضائله. وقد اختاره الرب على الرغم من عيوبه، وعمل به، وعمل فيه، وعمل معه.. وأقامه نبيا قديسا عظيما لا نستحق التراب الذي يدوسه بقدميه؛ لكي يرينا بهذا أيضا أنه يمكن أن يعمل معنا ويستخدم ضعفنا، كما عمل مع يونان من قبل..
سقطات فى هروب يونان:-
سنرى بعضا من ضعف يونان في موقفه من دعوة الرب.. يقول الكتاب : "وصار قول الرب إلى يونان بن أمتاي قائلا: قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة، ونادِ عليها، لأنه قد صعد شرهم أمامي. فقام يونان ليخرج إلى ترشيش من وجه الرب، فنزل إلى يافا، فوجد سفينة ذاهبة إلى ترشيش، فدفع أجرتها، ونزل فيها ليذهب معهم إلى ترشيش من وجه الرب"وهنا نرى يونان النبي وقد سقط في عدة أخطاء..
كانت السقطة الأولى له هي المخالفة والعصيان:-
لم يستطع أن يطيع الرب في هذا الأمر، وهو النبي الذي ليس له عمل سوى أن يدعو الناس إلى طاعة الرب . عندما نقع في المخالفة ، يجدر بنا أن نشفق على المخالفين . واضعين أمامنا قول الرسول: "اذكروا المقيدين كأنكم مقيدون أيضا مثلهم .." ( عب 13 : 3 ) على أن سقطة المخالفة التي وقع فيها يونان، كانت تخفي وراءها سقطة أخرى أصعب وأشد هي الكبرياء ممثلة في الاعتزاز بكلمته، وترفعه عن أن يقول كلمة وتسقط إلى الأرض ولا تنفذ كان اعتزازه بكلمته هو السبب الذي دفعه إلى العصيان، وحقا إن خطية يمكن أن تقود إلى خطية أخرى، في سلسلة متلاحمة الحلقات.. كان يونان يعلم أن الله رحيم ورؤوف، وأنه لا بد سيعفو عن هذه المدينة إذا تابت. وهنا سبب المشكلة!
وماذا يضيرك يا يونان في أن يكون الله رحيما ويعفو؟
يضيرني الشيء الكثير : سأقول للناس كلمة، وكلمتي ستنزل إلى الأرض!.. إلى هذا الحد كان يونان متمركزا حول ذاته!
من يستطع أن ينكر ذاته في سبيل خلاص الناس. كانت هيبته وكرامته وكلمته، أهم عنده من خلاص مدينة بأكملها..!
كان لا مانع عنده من أن يعمل مع الرب، على شرط أن يحافظ له الرب على كرامته وعلى هيبة كلمته.. من أجل هذا هرب من وجه الرب، ولم يقبل القيام بتلك المهمة التي تهز كبرياءه وكان صريحا مع الرب في كشف ما بداخل القلب، إذ قال لله فيما بعد عندما عاتبه:
وكان هرب يونان من وجه الرب يحمل في ثناياه خطية أخرى هي الجهل وعدم الإيمان.. هذا الذي يهرب من الرب، إلى أين يهرب، والرب موجود في كل مكان؟!صدق داود النبي حينما قال للرب: " أين أذهب من روحك؟ ومن وجهك أين أهرب؟.. ( مز 139 : 7 – 10 ).. أما يونان فكان مثل جده آدم الذي ظن أنه يختفي من وجه الرب وراء الشجر.. حقا إن الخطية تطفئ في الإنسان نور المعرفة، وتنسيه حتى البديهيات!
وجد يونان في يافا سفينة ذاهبة إلى ترشيش، فدفع أجرتها، ونزل فيها.. العجيب أن الخطيئة كلفته مالا وجهدا. دفع أجرة للسفينة ليكمل خطيته.. أما النعمة فننالها مجانا.. عندما دفع يونان أجرة السفينة خسر خسارة مزدوجة: خسر ماله، وخسر أيضا طاعته ونقاوته العجيب أن الله استخدم عصيان يونان للخير. حقا إن الله يمكنه أن يستخدم كل شيء لمجد اسمه.. اللــه يستخدم الكل!!
لقد عصى يونان أمر الرب، وهرب راكبا السفينة، ولكن الله الذي "يخرج من الآكل أكلا ومن الجافي حلاوة" ( قض 14 : 14 )، الله الذي يستطيع أن يحول الشر إلى خير، استطاع أيضا أن يستخدم عصيان يونان.. إن كان بسبب طاعة يونان يمكن أن يخلص أهل نينوى، فإنه بعصيان يونان يمكن أن يخلص أهل السفينة!!.. وكأن الله يقول له: هل تظن يا يونان أنك قد هربت مني؟ كلا . أنا سأرسلك إلى ركاب السفينة، ليس كنبي، ولا كمبشر، ولا كصوت صارخ يدعو الناس إلى التوبة، وإنما كمذنب وخاطئ وسبب إشكال وتعب للآخرين، وبهذه الصورة سأخلصهم بواسطتك!!
هل ركبت البحر في هروبك يا يونان؟ إذن فقد دخلت في دائرة مشيئتي أيضا.. لأنني أملك البحر كما أملك البر، كلاهما من صنع يدي. وأمواج البحر ومياهه وحيتانه تطيعني أكثر منك كما سترى!!
طاعة المخلوقات غير العاقلة:-
لقد أخجل الرب يونان النبي بطاعة أهل نينوى، وببر أهل السفينة وإيمانهم.. إلا أنه أيضا أخجله بطاعة الجمادات والمخلوقات غير العاقلة. ومن الجميل أننا نرى كل هؤلاء في إرساليات إلهية وفى مهمات رسمية أدوها على أكمل وجه وأفضله. فما هي هذه الكائنات غير العاقلة التي كانت عناصر نافعة في إتمام المشيئة الإلهية؟
"فأرسل الرب ريحا شديدة إلى البحر، فحدث نوء عظيم في البحر حتى كادت السفينة تنكسر" ( 1 : 4 ).. لقد أدت الريح واجبها، وكانت رسولا من الرب، قادت الناس إلى الصلاة، فصرخ كل واحد إلى إلهه وكما أدت هذه الريح الشديدة مهمتها في أول القصة، كذلك أدت مهمة أخرى في آخر القصة، إذ يقول الكتاب: " وحدث عند طلوع الشمس أن الله أعد ريحا شرقية حارة، فضربت الشمس على رأس يونان فذبل فطلب لنفسه الموت.." ( 4 : 8 ) في سفر يونان كانت كل هذه الكائنات مطيعة للرب، الوحيد الذي لم يكن مطيعا هو الإنسان العاقل، يونان ... الذي منحه الله حرية إرادة يمكنه بها أن يخالفه!.. هكذا الإنسان، أما باقي الكائنات فلا تعرف غير الطاعة. على أنه لم يكن كل إنسان غير مطيع في سفر يونان، بل كل الناس أطاعوا، ما عدا يونان؛ النبــى!!
ولم يهرب يونان من المهمة إشفاقا على نينوى من الهلاك، بل على العكس هرب خوفا من أن تبقى المدينة ولا تهلك.. لم يتشفع فيها كإبراهيم عندما تشفع في سدوم. بل إنه حزن واغتاظ واغتم غما شديدا، ورأى أن الموت هو أفضل لنفسه من الحياة، كل ذلك لأن الله لم يتمم إنذاره ويهلك المدينة!
أراد الله للبحر أن يهيج فهاج، وأراد له أن يهدأ بعد إلقاء يونان فيه فهدأ.. ما أعجب الطبيعة المطيعة التي لا تعصى لله أمرا، كالإنسان وكما أمر الحوت الضخم الكبير لكي ينفذ جزءا من الخطة الإلهية، كذلك أمر الدودة البسيطة أن تضرب اليقطينة فيبست.. ما أعجب هذا.. أن نرى حتى الدودة تكون جزءا من العمل الإلهي المقدس الكامل.. حقا ما أجمل قول الكتاب: " انظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار" متى 18 : 10 ليتنا نأخذ درسا من كل هؤلاء وندرك نحن أيضا عمق عبارة "لتكن مشيئتك" في حياتنا وحياة الناس. هذه العبارة التي فشل يونان في ممارستها، ولم يستطع أن يصل إليها إلا بعد تجارب كثيرة وصراع مع الله، وعقوبات، وإقناعات.. أخيرا استطاع الله أن يقنعه بخيرية المشيئة الإلهية، مهما كانت مخالفة لمشيئته الذاتية.
بحارة أمميــــون كانوا أفضل من النبي:-
ما أعجب أهل هذه السفينة التي ركبها يونان.. حقا كانوا أممين، ومع ذلك كانت لهم فضائل عجيبة فاقوا بها النبي العظيم. وفيهم تحقق قول الرب: "ولى خراف أخر ليست من هذه الحظيرة، ينبغي أن آتى بتلك أيضا فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراع واحد" ( يو 10 : 16 ) يذكرني أهل هذه السفينة بكرنيليوس قائد المائة، الذي كان في مظهره رجلا أمميا بعيدا عن رعوية الله، ولكنه كان في حقيقته رجلا تقيا خائفا الله هو وجميع بيته!.. لعله تدبير الهي أن ينزل يونان في هذه السفينة بالذات، من أجله ومن أجل هذه السفينة.. لم يشأ الله أن يمضي إلى كورة بعيدة.
فضائل أهل السفينة:-
أول صفة جميلة في بحارة هذه السفينة أنهم كانوا رجال صلاة.. يقول الكتاب: "فخاف الملاحون، وصرخوا كل واحد إلى إلهه، وطرحوا الأمتعة التي في السفينة إلى البحر ليخففوا عنهم" ( 1 : 5 ).نلاحظ هنا أنهم لجأوا إلى الله قبل تنفيذهم ما تتطلبه الحكمة البشرية لإنقاذ الموقف. صلوا أولا ثم ألقوا الأمتعة ليخففوا عن السفينة.. كان كل بحارة السفينة وركابها يصلون، والوحيد الذي لم يكن يصلي في ذلك الوقت هو نبي الله يونان!! وحتى بعد أن أيقظوه، لم يقل الكتاب أنه قام وصلى!
إنه موقف مخجل حقا.. عجيب حقا هو الرب إذ يبكت أحد أنبيائه برجل أممي: "مالك نائما".. ما هذا الكسل والتراخي واللامبالاة؟! ألا تقوم وتصلي كباقي الناس؟ "قم اصرخ إلى إلهك، عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك" كيف خالف الله، وكسر وصيته وهرب منه، واستطاع أن ينام نوما ثقيلا؟! لا بد أن ضميره كان قد نام أيضا، نوما ثقيلا، مثله..
صفة جميلة ثانية نجدها في أهل السفينة أنهم كانوا يبحثون عن الله.. لم يقولوا ليونان في تعصب لديانتهم "قم اصرخ إلى إلهنا"، وإنما قالوا له: "قم اصرخ إلى إلهك، عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك".. وهذا يدل على أنهم كانوا يبحثون عن الله..
صفة جميلة ثالثة وهى أنهم كانوا رجال بساطة وإيمان.. لم يكتفوا بالصلاة، وإنما أيضا ألقوا قرعة.. في تقواهم كانوا يشمئزون من بشاعة الخطية ويشعرون أنها سبب البلايا التي تحيق بالإنسان ..
كانوا أيضا أشخاصا عادلين لا يحكمون على أحد بسرعة، بل اتصفوا بطول الأناة وبالفحص وإرضاء الضمير.. أما يونان فاعترف لهم وقال: "أنا عبراني، وأنا خائف من الرب إله السماء الذي صنع البحر والبر، وبمجرد سماعهم ذلك الكلام خافوا خوفا عظيما.. هل إلهك يا يونان هو إله البحر والبر؟ نحن الآن في البحر، إذن فنحن في يد إلهك أنت.. ونحن نريد الوصول إلى البر.. وإلهك هو إله البر أيضا، كما هو إله البحر، إذن فنحن في يديه!!.. لذلك خافوا ووبخوه قائلين: "لماذا فعلت هذا ؟!".. وللمرة الثانية يبَكَّت النبي العظيم من الأمميين وكما كان ركاب السفينة عادلين، كانوا أيضا في منتهى الرحمة والشفقة كانوا يوقنون أنه مذنب ويستحق الموت، ومع ذلك لم يكن سهلا على هؤلاء القوم الرحماء، أن يميتوا إنسانا حتى لو كان هو السبب في ضياع متاعهم وأملاكهم وتهديد حياتهم بالخطر قال لهم يونان: "خذوني واطرحوني في البحر، فيسكن البحر عنكم، لأني عالم أنه بسببي هذا النوء العظيم عليكم".. لقد بذلوا كل جهدهم لإنقاذ الرجل الخاطئ من الموت، ولكن دون جدوى. كانت مشيئة الرب أن يلقى يونان في البحر.. وهكذا أسقط في أيديهم.. ولكن لكي يريحوا ضمائرهم، صرخوا إلى الرب وقالوا: "آه يارب، لا نهلك من أجل نفس هذا الرجل. ولا تجعل علينا دما بريئا، لأنك أنت يارب فعلت كما شئت"وإذ تحققوا أن هذه هي مشيئة الله، وأنهم لا يستطيعون أن يقفوا ضد مشيئته، "أخذوا يونان وطرحوه في البحر، فوقف البحر عن هيجانه" من كل ما سبق يتضح أن هؤلاء البحارة كان لهم ضمير حساس نقي، وأنهم أرادوا بكل حرص أن يقفوا أمام ضميرهم بلا لوم كانت لهؤلاء الناس قلوب مستعدة لعمل الله فيها: كانوا يتلمسون إرادة الله لتنفيذها. ولما وقف هيجان البحر بإلقاء يونان فيه، تأكدوا من وجود الله في الأمر، فآمنوا بالرب، وذبحوا له ذبيحة، ونذروا له نذورا.. وفى إيمانهم بالرب لم يؤمنوا فقط أنه هو الرب، وإنما بتقديمهم للذبيحة أعلنوا أيضا إيمانهم بالدم والكفارة!! وهكذا كسب الله المعركة الأولى، وتمم خلاص أهل السفينة بعصيان يونان.. وبقيت في خطة الله للخلاص مسألتان مهمتان أخريان: وهما خلاص أهل نينوى، وخلاص يونان نفسه.. وهو ما تممه الله بحكمته ومحبته وطول أناته كما ترى عزيزي القارئ من قراءتك لباقي السفر.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث
المزيد
27 مايو 2020
بركة القيامة فى حياتنا
البركة الأولي هي أنه لا مستحيل : يبذل الناس جهودهم في كل مجال . فإن وقفوا أمام الله ن كفوا تماماً عن العمل و الجهد ، لأنه لا فائدة . و كان هذا هو شعور مريم و مرثا بعد موت لعازر ، الذي مضي علي موته أربعة أيام ،و قيل ( و قد أنتن ) . فلما أقامه السيد المسيح من الموت ، عرفوا أنه لا مستحيل . و لكن لعازر - بعد أن أقامه المسيح - عاد فمات مرة أخري ، و لم يقم بعد ... أما السيد المسيح - في قيامته - فقد حطم الموت نهائياً . بقيامة أبدية لا موت بعدها ، حتي نظر بولس الرسول إلي قوة هذه القيامة و قال " إين شوكتك يا موت ؟ " لقد تحطم الموت ، و أصبح لا مستحيل ... ولم الناس فقط ، بأن كل شئ مستطاع عند الله ( متي 19 : 26 ) القادر علي كل شئ ، بل أن الرسول يقول " استطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني " ( في 4 : 13 ) . قال هذا بعد قوله " لأعرفه و قوة قيامته " ( في 3 : 10 ) . بل إن الكتاب في اللا مستحيل ن يعطينا قاعدة عامة هي : " كل شئ مستطاع للمؤمن " ( مر 9 : 23 ) . إن القيامة أعطت الناس قوة جبارة . و إذ تحطم الموت امامهم ، تحطمت أيضاً كل العقبات ، و اصبح لا مستحيل . و ماذا قدمته القيامة أيضاً ؟ و ما هي بركتها الثانية ؟
2-البركة الثانية هي الشوق إلي الحياة الأبدية : " لي اشتهاء أن أنطلق و أكون مع المسيح ، فذال أفضل جداً ، هكذا قال الرسول ... أكون مع المسيح ، الذي قام ،و صعد إلي السماء ، و جلس عن يمين الله . و قال " إن ارتفعت ، اجذب إلي الجميع " . و قال " أنا ماض لأعد لكم مكاناً .و إن أعددت لكم مكاناً اَتي أيضاً و اَخذكم إلي . حتي حيث أكون أنا ، تكونوا أنتم أيضاً " ( يو 14 : 2 ، 3 ) . و حب الأبدية جعل الناس يشتاقون إلي شئ أكبر من العالم ، و أرقي من المادة ، و أعمق من كل رغبة أو شهوة يمكن أن تنال علي الأرض . و نظر القديسون إلي الأرض كمكان غربة ، و اعتبروا أنفسهم غرباء ههنا ، يشتاقون إلي وطن سماوي ، و إلي حياة أخري ، من نوع اَخر ، و روحاني ، و خالد و مضئ ... اشتاق الناس إلي العالم الآخر ، الموضع الذي هرب منه الحزن و الكاَبة و التنهد ، الموضع الذي لا خطية فيه ، و لا كراهية بين الناس ،و لا صراع ، بل يسوده المحبة و الفرح و السلام و الطهارة ، حيث الخير فقط ، و ينتهي الشر نهائياً .و هذا يقودنا إلي البركة الثالثة للقيامة و هي :
البركة الثالثة للقيامة ، هي تجلي الطبيعة البشرية : في القيامة تنجلي الطبيعة البشرية ، جسداً و روحاً . فمن جهة الجسد ، تقوم أجساد نورانية روحانية ، لا فساد فيها ، لا تتعب ، و لا تجوع ، و لا تعطش ، و لا تمرض و لا تنحل . تكون كملائكة الله في السماء ، بل تقوم علي "شبه جسد مجده" . ما أروع هذا التجلي ، الذي تمجد فيه الطبيعة البشرية ، و يعيد إلينا صورة جبل طابور. أما الروح فتدخل في التجلي أيضاً ، و ترجع كما كانت في البدء " صورة الله و مثاله ، في نقاوة لا يعبر عنها .
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
عن كتاب تأملات في القيامة
المزيد
20 نوفمبر 2019
مفهوم العثرة
ما هى العثرة
ما هى العثرة ، التى قال عنها السيد المسيح له المجد ( ويل للعالم من العثرات ويل لذلك الإنسان الذى به تأتى العثرة ) ( مت 18 : 7 ) ( من أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بى ، فخير له أن يعلق فى عنقه حجر الرحى ويغرق فى لجة البحر )( مت 18 : 6 )إن كانت العثرة بهذه الخطورة فى عقوبتها ، فما هى العثرة ؟
العثرة هى أن يتسبب إنسان فى إسقاط غيره وقد تكون العثرة بقصد ، أى أن يتعمد الإنسان ويقصد أن يسقط غيره وهذه عقوبتها أخطر من حالة الإنسان الذى يعثر أحدا بغير قصد أول عثرة فى تاريخ البشرية ، جاءت عن طريق الشيطان فهو الذى أسقط أبوينا الأولين وكانا بسيطين لا يعرفان شرا وفقد أسقطهما بقصد 0 وذلك عن طريق الخداع والإغواء وبهذه العثرة دخل الموت إلى العالم وتسبب الشيطان فى إفساد الطبيعة البشرية وعموما طرق العثرة هى إما أن يعثر الشخص غيره بمعرفة الخطية ، أو بتسهيل الخطية ، أو بمذاقة الخطية أو بإعطاء مفهوم مخادع الخطية ، كأن يقدمها باسم فضيلة ، أو أن يحدثه عن ( منافع ) الخطية وفوائدها !!
معرفة الخطية:-
يعنى أن بعرف الإنسان أمورا تضره روحيا ، ما كان يعرفها من قبل وهكذا تدخل فى ذهنه معارف تدنس فكره أو تجلب له شهوات ، وتسقطه فى الخطية ولعله عن هذه قال سليمان الحكيم ( الذى يزيد علما ، يزيد حزنا ) (جا 1 : 18 ) وبهذه المعرفة سقطت حواء ، مع أنها كانت معرفة ديع سليمة ، قال لها الشيطان وهو يكذب ( تنفخ أعينكما وتصيران مثل الله ( تك 3 : 5 ) فما الذى أحدثته هذه العبارة ؟ لقد غيرت نظرة حواء وتفكيرها وشعورها ( فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون ، وأن الشجرة شهية للنظر 0 فأخذت من ثمرها وأكلت ) فالذى يصب فى أذن زميل أو صديق معلومات تضره ، إنما يعثره كأن يعطيه معلومات تدين شخصا معينا ، أو تجعله يأخذ فكرة سيئة عنه أو يقدم له معارف معينة تتعبه اخلاقيا ، أو شكوكا تتعبه عقيديا بحيث يخرج صاحبه من هذا اللقاء ليقول ليتنى ما قابلت فلان ، أو ليتنى ما سمعت 0
مثال ذلك أيضا البيئة الشريرة ، وما تقدمه من أفكار هذه التى قال عنها الرسول ( المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة ) ( 1كو 15 : 33 ) وهكذا بالعثرة من جانب ، وبالانقياد للعثرة من جانب آخر ، يتعلم منهم التحايل ، أو طرق المكر أو طالب يتعلم التزويغ من الدارسة ، أو الغش فى الامتحان وأطفال تستخدمهم عصابات فتعثرهم وتعلمهم النشل أو شباب يجتمعون معا ،والجديد فيهم يعلمونه تعاطى المخدرات أو لعب القمار كلها عثرات ، ولتفاديها قال عنها المرتل فى المزمور الأول ( طوبى للإنسان الذى لم يسلك فى مشورة الأشرار وفى طريق الخطاة لم يقف ، وفى المستهزئين لم يجلس ) كذلك يعتبر عثرة من يقدم لك الفكر الخاطئ ، دون أن يرد عليه يقدم لك كل أدلة الفكر الخاطئ وبراهينه ، ويقف عند هذا الحد ، دون أن يذكر تعليقاته على كل ذلك دون ذكر الردود التى تحطم ذلك الفكر الخاطئ وإذا هوجم فلا يورده من أفكار ، يرد قائلا
( أنا لم أقل إن هذا رأيى ، وإنما ذكرت كل ذلك من باب العلم !! )والخطير أيضا أن يكون وراء هذا الشخص تابعوه وتلامذته ومريدوه ، الذين يكررون نفس الكلام ويعملون به ، ويكونون هم أيضا عثرة البعد عن هؤلاء طهارة ، وليس خصومة إنه بعد عن أسباب العثرات ، أو البعد عن معرفة العثرة فالذى يسبب العثرة يفقد صاحبه البساطة والبراءة التى كان يحياها وكأنه يقول له ما قاله الشيطان لحواء ( تنفتح أعينكما ) تنفتح العين ، فتعرف الخطية النقطة الأخرى غير معرفة الخطية ، هى تسهيل الخطية 0
تسهيل الخطية:-
إنه نوع آخر من العثرة لأنه ربما يعرف إنسان الخطية ، ولكنه لا يمارسها لأن الباب مغلق أمامه لذلك يعثره من يسهل الأمر عليه فيعرفه أماكن الخطية ووسائلها ، ويقودها إليها ، ويزيل الخوف من قلبه ، كما يزيل العوائق من أمامه مثال ذلك ما فعلته إيزابل مع الملك آخاب فى الاستيلاء على حقل نابوت اليزرعيلى ( 1ما 21 ) وما كان ينويه اخيتوفل فى نصيحته لأبشالوم ليمكنه من القضاء على أبيه داود ( 2صم 17 ) كل هذا أعمق وأخطر بكثير من مجرد معرفة الخطية ، التى علاجها أسهل من علاج مذاقة الخطية
مذاقة الخطية:-
هى الخطوة العملية الأولى فى ارتكاب الخطية كالذى يقدم لشخص سيجارة ليدخنها ، أو وردة فيها مسحوق الهيروين ليشمها أو يجعله يذوق مكسبا فى لعب القمار ، أو يذوق كأسا من الخمر ، أو يفتح له مجالا عمليا لممارسة الخطايا الشبابية
اسم أخر للخطية:-
من العثرة أيضا تسمية باسم فضيلة أو باسم آخر يسهل قبوله فالذى ينشر هرطقة مثلا ، يقول عنها إنها المفهوم السليم للدين والذى يعلم زميله لعب القمار ، يسميها تسلية ، أو تحلية للعب والذى يدعو لممارسة الزنى ، يسمى ذلك معالجة للكبت وأضراره والذى يساعد على التهرب من الضرائب ، يقول إن ذلك مجرد تخلص من مغالاة وظلم اللجان التى تقدر قيمة الضريبة وهكذا فإن الشيطان – فى العثرة – لا يحارب بوجه مكشوف 0
أنواع من العثرات:-
ليست كلها فى الأمور الشبابية كما يظن البعض فهناك عثرات فى الدين ، كهراطقة ، والذين ينشرون الشكوك فى الدين ، أو الذين ينشرون الإلحاد والذين ينكرون القيامة والمعجزات وهناك عثرات فى الفلسفة والفكر وزعزعة الفكر فى كثير من المبادئ والقيم كأصحاب البدع الذين يأتون بشئ جديد لتحطيم ما تسلمه الناس من قبل ويقدمون ذلك باسم العلم والتجديد إن الأريوسيين كانوا أكثر خطرا من أريوس ، وأكثر إيذاء لأثناسيوس لذلك حسنا قال معلمنا يعقوب الرسول لا تكونوا معلمين كثيرين يا أخوتى ، عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم ( يع 3 : 1 ) لماذا ؟ ( لأننا فى أشياء كثيرة نعثر جميعنا ) إنها العثرة فى التعليم يعثر نفسه إذ يظن أنه على حق ، ويكون ( حكيما فى عينى نفسه ) ( أم 3 : 7 ) وأيضا يعثر غيره بنشر تعليمه الخاطئ لذلك لا تقبلوا كل فكر جديد يحطم ما تسلمتموه ويكون لكم عثرة ذلك لأن البعض يحاولون أن يقدموا شيئا جديدا ، يلفون به المسلمات القديمة ، ليثبتوا أنهم أكثر علما ومنهم بعض المشتغلين بالنقد الكتابى Biblical Criticism وهم فى الجامعات الأجنبية من رجال الدين ومن أساتذة اللاهوت ، ولكنهم عثرة ، وحسب قول الرسول يأخذون دينونة أعظم دينونة بسبب أخطائهم ، ودينونة بسبب نشرها 0
القدوة السيئة:-
هى أيضا عثرة ، إذ يقع الغير فى أخطاء بسبب تقليدهم لتلك القدوة وهؤلاء المخطئون – إن كانوا من القادة أو الرؤساء أو الزملاء – لم يقصدوا أن يجعلوا غيرهم يخطئون 0 ولكنهم كانوا سببا فى ذلك فقد يعلمونهم الروتين ، أو الحضور متأخرين إلى مكان العمل ، أو محاولة تبرير كل خطأ ، أو سوء معاملة الناس وتعطيل مصالحهم ، أو يعلموهم قلة الإنتاج ، أو كتابة تقارير وهمية أو مزورة إلخ فالإنسان فى المجتمع يمتص منه أشياء كثيرة يمتص عادات وعثرات ويدخل فى هذا المجال أيضا الآباء والأمهات بالنسبة إلى أبنائهم فالأنباء ينظرون إلى آبائهم وأمهاتهم كقدوة ويقلدونهم ويدخل فى مجال العثرة أيضا ما يتعرض له البسطاء الذين ليست لديهم القدرة على تحليل تصرفات من هم أكثر منهم خبرة وعلما ومركزا فيعثرون بهم – ليس من جهة انتقادهم – إنما من جهة تقليدهم كذلك الموظف الأدنى مركزا ، إذا توقى إلى مركز أعلى ، قد يسير على نفس نهج من سبقه ، ويكون ذلك له عثرة 0
الثقافة والإعلام:-
كل أجهزة الوسائل السمعية والبصرية قد تكون عثرة ، إذا قدمت برامج معثرة للسامعين أو المشاهدين فلها تأثير على شخصياتهم ، من حيث تفكيرهم وأساليبهم ، وما تتركه فى نفوسهم من مشاعر وأحاسيس وبالمثل كل مصادر الفكر من كتب ومجلات وجرائد ونبذات ومنشورات ، هى أيضا قد تكون عثرة ، إن أثرت على أفكار الناس ومشاعرهم وتصرفاتهم تأثيرا خاطئا وقادتهم فى طريق يضرهم أو يضر المجتمع قال أحد المفكرين قل لى ماذا تقرأ ، لأقول لك من أنت وأريد أن أضيف إلى ذلك ليس الأمر يقتصر فقط على ما تقرأ ، وإنما أيضا ماذا ترى وماذا تسمع فالكاسيتات ، وأجهزة التليفزيون و الفيديو ، لها خطورتها فى التأثير على الناس ، وكذلك الأفلام السينمائية والمسرحية وكثير من هذه كلها قد تكون عثرة وعلينا أن نكون حريصين فى كل ذلك بالنسبة إلى أنفسنا وإلى أولادنا 0
الكبير والصغير:-
على الكبير أن يكون حريصا جدا ، فى أقواله وتصرفاته ، حتى لا يعثر الصغير ، أو الضعيف وهكذا يقول الرسول ( أنظروا لئلا يصير 00 هذا معثرة للضعفاء ) ( 1كو 8 : 9 ) ويكرر عبارة ( الأخ الضعيف الذى مات المسيح لأجله ) ( 1كو 8 : 11 ) ثم يقول أخيرا ( إن كان طعام يعثر أخى ، فلن آكل لحما إلى الأبد ، لئلا أعثر أخى ) ( 1كو 8 : 13 ) وهو من جهة العثرة يقول عن الضمير ( ليس ضميرك أنت بل ضمير الآخر غير طالب ما يوافق نفسى ، بل الكثيرين لكى يخلصوا ) ( 1كو 10 : 29 – 33 ) والسيد المسيح – من جهة العثرة – اهتم بالصغار فقال
( من أعثر أحد هؤلاء الصغار ) ( مت 18 : 6 ) إن أسباب العثرة قد يقاومها القوى ولكن ما ذنب الضعيف ؟ ونقصد بالقوى ، القوى فى روحياته ، والقوى فى إرادته ، والناضج فى تفكيره هذا القوى يمكنه أن يدرك الخطأ ويقدر على مقاومته ولو أنه من الجائز أن يقع فى إدانة صاحبه ولكن المشكلة فى عثرة الضعيف أو البسيط والضعيف أيضا قد يقول إن الكبار هكذا يسقطون ، فماذا أفعل أنا الضعيف ؟! وقد يسستلم للخطأ ، أو يقع فيه يأسا ، أو انقبادا وربما من عثرة الضعيف أن تسقط المثل العليا أمامه وهكذا فإن القديس بولس الرسول لما وبخ القديس بطرس الرسول ، قال له قدام الجميع ( إن كنت وأنت يهودى ، تعيش أمميا لا يهوديا ، فلماذا تلزم الأمم أن يتهودوا ؟! )( غل 2 : 14 ) قال ذلك لأنه وجد ( أن برنابا أيضا انقاد إلى ريائهم ) ( غل 2 : 13 ) أى أعثر منهم فليحترس الكبار إذن فى تصرفاتهم 0 ونقصد الأبوين فى محيط الأسرة ، والمدرسين بالنسبة إلى التلاميذ ، والخدام بالنسبة إلى مخدوميهم والكهنة بالنسبة إلى شعبهم والمرشدين بالنسبة إلى من يسترشد بهم يحرصون ألا يكونوا عثرة فى كلامهم وتصرفاتهم وحركاتهم وملامحهم وكذلك فى حفظهم للنظام ، وفى طاعتهم للقانون ، وفى حفظهم للوصية فإذا كان الشماسة مثلا لا يتكلمون فى الكنيسة ، يحرصون على احترام الهيكل والصلوات قد يقتدى بهم الشعب وإن أخطأوا قد يكونون عثرة للشعب ، الذى قد يفعل المثل والذى يتكلم أثناء الصلاة فى الكنيسة يقع فى عدة أخطاء :-
أولا : عدم احترام الكنيسة ، وعدم احترام الصلاة ، وعدم وجود مخافة الله فى قلبه0
والخطية الثانية : يكون عثرة لغيره : إما فى أن يفعلوا مثله ، أو أن يقعوا فى إدانته وبالمثل الذى يداوم النظر إلى ساعته ، أثناء الاجتماع أو العظة وكذلك الذى يخرج من الكنيسة قبل البركة أو التسريح على الشخص أن يتنافى العثرة ، حتى لو لم يكن فى تصرفه خطأ إن السيد المسيح عندما طلبت منه الجزية ، وكان يعرف أن الجزية لا تطلب من بنى البلد بل من الغرباء ، قال لبطرس ولكن لكى نعثرهم ، اذهب إلى البحر وألق صنارة ) ( مت 17 : 27 )ولكى لا يعثرهم أيضا ، تقدم إلى معمودية يوحنا التى للتوبة ، مع أنه غير محتاج إلى توبة وإن السيد المسيح أطاع الناموس فى أمور كثيرة لا تلزمه ، وكذلك القديسة العذراء ، لكى لا يعثرهم أحد 0
الضمير:-
يوجد ضمير ضيق يتشكك فى كل شئ ، ويظن الخطأ حيث لا يوجد خطأ وضمير واسع يبرر تصرفات كثيرة وموضوع الضمير يدخل فى موضوع العثرة0 والأمثلة كثيرة
هل الجمال مثلا يعثر ؟ فتاة جميلة 0 ينظر إليها البعض ويشتهونها فهل هى عثرة لهؤلاء ؟ وما ذنبها ؟ كلا ، إنها ليست عثرة العثرة هى فى قلوب الذين يشتهونها الخطأ فيهم وليس فيها القديسة يوستينا مثلا كانت جميلة جدا وقد اشتهاها شخص لدرجة أنه لجأ إلى السحر ليحصل عليها فهل كانت هذه القديسة عثرة ؟ كلا ، وإنما العثرة فى قلب ذلك الإنسان غير النقى 0
ما رأيكم فى ملاكين اشتهاهما أهل سادوم ؟!
هل الملاكان كانا سبب عثرة ؟! حاشا 0 إنما الخطأ فى انحراف ذلك الشعب الشاذ ، لذلك ضربهم الملاكان بالعمى عقابا لهم عل شهوتهم النجسة ( تك 19 : 4 – 11 ) الكتبة والفريسيون انتقدوا السيد المسيح ، لأنه صنع معجزات فى يوم سبت – فهل كان السيد المسيح عثرة لهم ؟! بل عدم فهمهم أو عدم نقاوة قلوبهم كان هو السبب العثرة أتتهم من داخلهم ، وليس من سبب خارجى وما أكثر القديسين الذين أتهموا من الناس ظلما ، مثل القديس مكاريوس الكبير، والقديسة مارينا والقديس افرام السريانى ، ولم يكونوا عثرة ، وأظهر الله براءتهم وهنا ليتنا نتأمل قول الرسول ( كل شئ طاهر للطاهرين ) ( تى 1 : 15 ) غير الطاهرين إذن ، تكون كثير من الأمور عثرة لهم ، بسبب عدم طهارتهم إذ يفكرون بطريقة فيها دنس أما الطاهرون فيفكرون بنقاوة لذلك لا تعثرهم أشياء تعثر غيرهم الأمر إذن يحتاج إلى ضمير نقى يحكم بعدل لقد أمرنا السيد الرب أن نخفى فضائلنا فهل إذا خفينا صلواتنا وأصوامنا وصدقاتنا حسب أمر الرب ( مت 6 ) أيعثر الناس فينا ويظنوننا لا نصلى ولا نصوم ؟!أم نطهر فضائلنا لكى لا يعثروا ونخالف وصية الرب ؟!ّ المسألة إذن مسألة ضميرالمهم أننا نقدم مادة للعثرة أما إن أعثر غيرنا لسبب فيه ، ولا قصد منا فى إعثاره ، فالذنب ذنبه هل كان داود النبى سبب عثرة لشاول الملك ، حينما انتصر على جليات ؟!
كلا ، بلا شك وما كان بإمكان داود أن يترك جليات يعير صفوف الرب وداود نفسه نسب الإنتصار للرب وقال لجليات ( اليوم يحسبك الرب فى يدى ) ( لأن الحرب للرب ، وهو يدفعكم ليدنا )
( 1صم 17 : 46 ، 47 ) ولكن الذى أعثر شاول هو الغيرة التى فى قلبه ، وتعبه من قول النساء
( ضرب شاول ألوفه ، وداود ربواته ) ( 1صم 18 : 7 ) داود النبى قال أيضا فى المزمور ( أكثر من شعر رأسى الذين يبغضونى بلا سبب ) ( مز 69 : 4 ) فهل هو أعثرهم حتى أبغضوه ؟!كلا ، بل هم أبغضوه بلا سبب منه إنما السبب هو حقد قلوبهم ، وغيرتهم من تقواه وانتصاراته ، أو شهواتهم فى أن يغتصبوا سلطانه كما فعل أبشالوم 0
الرياء:-
هناك أشخاص لكى لا يجلبوا العثرة ، يقعون فى الرياء يتظاهرون بالبر ، لكى لا يعثر الناس ، بينما هم غير صائمين وهكذا يكونون قد وقعوا فى خطيتين هما عدم الصوم ، والرياء ليس لكى يتفادى الإنسان العثرة ، يتظاهر بالبر ! بل الوضع السليم هو أن يسلك حسنا ، ويكون بارا بالحقيقة ، حتى لا يعثر الناس 0
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
27 نوفمبر 2019
مفهوم الوداعة
أهمية الوداعة :-
من أبرز الآيات عن أهمية الوداعة قول السيد المسيح له المجد ( تعلموا منى لأنى وديع ومتواضع القلب ، فتجدوا راحة لنفوسكم ) (مت 11 : 29 ) كل الكمالات موجودة فيه ، ولكنه ركز على الوداعة أولا وجعلها سببا لراحة النفس والقديس بولس الرسول وضع الوداعة ضمن ثمار الروح ( غل 5 : 23 ) ويقول القديس يعقوب الرسول( من هو حكيم وعالم بينكم،فليرأعماله بالتصرف الحسن فى وداعة الحكمة ) ( يع 3 : 13 ) وحينما ذكر الرب التطوبيات ، جعل الوداعة فى أوئلها 0 فقال ( طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض ) ( مت 5 : 5 ) ويوجد تطويب كثير للوداعة فى سفر المزامير ، إذ يقول ( يسمع الودعاء فى الحق ) ( مز 25 : 9 ) وعندما تكلم القديس بطرس الرسول عن زينة النساء ، قال ( زينة الوديع الهادئ الذى هو قدام الله كثير الثمن ( 1بط 3 : 4 )
إن كانت الوداعة بهذا المقدار ، يقف أمامنا سؤال مهم ما هى الوداعة إذن ؟ وما هى صفات الوديع ؟
ما هى الوداعة؟
الإنسان الوديع هو إنسان هادئ طيب ، ومسالم ، وبشوش هو إنسان هادئ ، لا يغضب ولا يثور ، ولا ينفعل بسرعة لا يحتد فى كلامه ، بل الصوت المنخفض الخفيف هو بعيد عن النرفزة أعصابه هادئة قيل عن السيد المسيح فى وداعته ، إنه ( لا يخاصم ولا يصيح ، ولا يسمع أحد فى الشوراع صوته قصبة مرضوضة لا يقصف ، وفتيلة مدخنة لا يطفئ ) ( مت 12 : 19 ، 20 ) ( أش 42 : 2 ، 3 ) هدوء الوديع ، هدوء من الداخل ومن الخارج يملك السلام على قلبه فى الداخل ، فلا يقلق ولا يضطرب ومن الخارج هو مسالم لجميع لا يهاجم أحدا ، ولا يجرح شعور أحد هو بعيد عن العنف حتى إذا هوجم ، لا ينتقم لنفسه إنه لا يتدخل فى شئون الناس ، ولا يقيم لنفسه رقيبا على أعمالهم ، وبالتالى لا يدين أحدا وإن تدخل فى إصلاح غيره ، يكون ذلك فى هدوء ، حسبما قال الرسول ( أيها الأخوة ، إن إنسيق إنسان فأخذ فى زلة ، فاصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة ، ناظرا إلى نفسك لئلا تجرب أنت أيضا ) ( غل 6 : 1 ) يصلحه بالأقناع بالهدوء ، وبالإتضاع ناظرا إلى نفسه لئلا يجرب هو أيضا الإنسان الوديع يحتمل الآخرين ، بطول الروح بطول بال يضع أمامه قول الكتاب ( الجواب اللين يصرف الغضب ) ( أم 15 : 1 ) هو على صورة الله الذى يحتمل الخطاة ، ويطيل أنته عليهم الإنسان الوديع بعيد عن التذمر سواء فى علاقته مع الله أو الناس بل بلعكس يكون على الدوام بشوشا مبتسما والوديع غالبا ما يكون خجولا يتميز بشئ من الحياء بلل كما قال أحد الآباء ( لا يملأ عينيه من وجه إنسان ) لا يفحص ملامح الناس ، ولا يغوص فى أعماقهم ، ليعرف ما فى داخلهم لا يحلل الناس ومشاعرهم إنما نظراته بسيطة هو إنسان حيى لا يفارقه حياؤه الوديع شخص سهل التعامل بسيط ، ليس عنده دهاء ولا مكر ولا خبث واضح فى تعامله ، يبطن غير ما يظهر ، ولا يعقد الأمور يتعامل فى وضوح ، بلا لف ولا دوران ، ولا يدبر خططا يمكنك أن تستريح إليه ، لأنه واضح ، صريح ، ومريح إنه رقيق ، لطيف ، حلو الطبع لذلك تجده محبوبا من الكل لأنه إنسان طيب حتى لو ظلمه البعض ، تجد الكثيرين يدافعون عنه ويقولون لمن ظلمه ( ألم تجد سوى هذا الإنسان الطيب ، لكى تظلمه ؟! ) حتى الذى ظلمه ، يأتى إليه بعد حين ويعتذر له والكل يدافع عنه ، لأنه لا يؤذى أحدا ولأجل محبة الناس للوداعة ، يقول الرب طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض ) ( مت 5 : 5 ) هذا بالأضافة إلى السماء ونعمة الله باستمرار تكون عليه والإنسان الوديع ، إنسان ( مهاود ) يميل إلى إراحة الناس ، وعدم العناد معهم لا يكثر من الجدل والنقاش والملاججة والتحقيق إنما الخير الذى يستطيع أن يعمله ، يعمله بهدوء وسرعة وبدون تأجيل مناقشة 0 إنه لا يتشبث برأيه فى كل شئ ، كما يفعل البعض إنما يمرر الأمور مادامت لا تكسر وصية 0 ولذلك فإنه لا يتحزب ، إنما يحب الكل 0
فقد الوداعة:-
الإنسان الوديع يحتفظ بوداعته باستمرار لا يفقد وداعته إن نال مركزا كبيرا ، أو تمتع بسلطة فمهما كان مركزه عاليا ، تستمر وداعته كما هى ولا يرتفع قلبه فى أمر ونهى والوديع أيضا لا يفقد وداعته بسبب اصلاح الآخرين فإن كان فى وضع يسمح بهذا ، لا يصلح الناس بالعنف أو بالشدة ، أو بحدة الصوت أو حدة التصرف إنه لا يفقد وداعته أيضا ، إن دافع عن الحق إنما يدافع عنه فى هدوء ، دون أن يجرح شعور أحد كذلك إن تكلم بصراحة ، لا تكون صراحته جارحة وإنما يعبر عما يريد قوله بأسلوب رقيق وفى هذه المناسبة نذكر أسلوب السيد المسيح مع المرأة السامرية كشف لها كل شئ ، بغير أن يخدش حياءها ، أو يجرح شعورها ( يو4 ) والوديع الحقيقى لا يفقد وداعته بحجة الحزم أو الشجاعة ، أو بالفهم الخاطئ للقوة وللكرامة الشخصية ولا يحتج أحد بفقد الوداعة بحجة أنه مولود النارى فموسى الأسود كان من هذا النوع ، ولكنه اكتسب الوداعة بحياة التوبة ، على الرغم من أنه بدأ حياته شديدا ولكنه درب نفسه حتى تحول إلى إنسان طيب القلب جدا 0
الوداعة والشجاعة:-
البعض يخطئ فى فهم الوداعة ، فيتصور الوديع كشخصية خاملة ، بلا تأثير ولا فاعلية ويظن الوداعة رخاوة فى الطبع !! كأن يتحول الوديع – بسبب طبيعته – إلى أضحوكة وسط الناس ، يلهون به ويدوسون على كرامته أو أنه بسبب احتماله للآخرين وعدم تذمره ، يصبح مهزأة أو أيضا بسبب عدم إدانته للناس ، لا يفعل شيئا متى رأى الشر مسيطرا على الخير ! كلا فليست هذه هى الوداعة إنما المفهوم الصحيح للوداعة ، لا يمنع مطلقا من أن ترتبط بالرجولة والنخوة والشجاعة والشهامة فنحن نتحدث عن الوداعة بأسلوب الحقائق ! ونقول إن الوديع هو إنسان طيب ومسالم ومهاود ، ونتغافل أن يكون ذا شجاعة ونخوة وشهامة وأيضا هناك كلمة عميقة قيلت فى سفر الجامعة ، تنطبق على تصرف الوديع فى مختلف المواقف والأحداث ، وهى ( لكل شئ زمان ، ولكل أمر تحت السموات وقت للسكوت وقت وللتكلم وقت ) ( جا 3 : 1 ، 7 ) فنع أن الطيبة هى الطابع العام فى حياة الوديع ، إلا أنه للشجاعة فى حياته وقت وللشهامة وقت ، ولكن فى غير عنف 0
أمثلة :
1- السيد المسيح فى وداعته وحزمه هذا المثل الأعلى الذى قيل عنه ( لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته ) نراه حازما قويا فى تطهيره للهيكل ، حينما طرد الباعة ، وقال لهم ( مكتوب بيتى بيت الصلاة يدعى ، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص ) ( مت 12 : 12 ، 13 ) وكان قويا وحازما أيضا فى توبيخه للكتبة والفريسين ) ( مت 23 ) وكان حازما فى شرح شريعة السبت وفعل الخير فيه ، على الرغم من كل المعارضة التى لاقاها 00
2- مثال موسى النبى المشهور بحلمه العجيب حتى أنه قيل عنه ( وكان الرجل موسى حليما جدا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض ) ( عد 12 : 3 ) موسى هذا الذى نزل من الجليل ومعه لوحا الشريعة ، ووجد الشعب يعبد عجلا ذهبيا ويغنى ويرقص لم يقف موقفا سلبيا باسم الحلم والوداعة ، بل حمى غضبه وطرح لوحى الشريعة من يديه وكسرهما ثم أخذ العجل الذى صنعوه ، وأحرقه بالنار ، وطحنه حتى صار ناعما وذاره على وجه الماء ( خر 32 : 19 ، 20 ) وانتهر هرون رئيس هرون رئيس الكهنة ، حتى اضطرب بين يديه 0
3- مثال آخر هو داود النبى هذا الذى قيل عنه فى المزمور ( اذكر يارب داود وكل دعته ) ( مز 132 : 1 ) كان موقفه جريئا وشجاعا ، لما رأى جليات يعير صفوف الله الحى ، بينما كان كل الجيش واقفا فى خوف أمام ذلك الجبار أما داود الوديع فقال من هو هذا الأغلف حتى يعير شعب الله ؟! وظل يكلم الناس بشأنه ، ولم يهمه إستهزاء أخيه الأكبر به وأخيرا قال لشاول الملك ( لا يسقط قلب أحد بسببه ) ( 1صم 17 : 32 ) وذهب وحاربه ولم يخف منه ، بل قال له ( أنت تأتى إلى بسيف وبرمح وبترس ، وأنا آتى باسم رب الجنود اليوم يحبسك الرب فى يدى ( 1صم 17 : 45 ، 46 ) هذا هو داود الشاب الهادئ الأشقر ، صاحب المزمار والقيثار ، وفى نفس الوقت صاحب الغيرة ، ورجل الحرب جبار البأس 0
4- مثال ثالث هو بولس الرسول 0
إنه إنسان طيب هادئ ، يقول لأهل كورنثوس فى توبيخه لهم ( أطلب إليكم بوداعة المسيح وحلمه ، أنا نفسى بولس الذى هو فى الحضرة ذليل بينكم ، وأما فى الغيبة فمتجاسر عليكم )( 2كو 10 : 1 ) ويقول لشيوخ أفسس ( متذكرين أنى ثلاث سنين ليلا ونهارا ، لم افتر أن أنذر بدموع كل أحد ) ( أع 20 : 31 ) إنه رسول ، من حقه أن ينذر ، ولكنه بوداعة ينذر ، ولكنه بوداعة ينذر بدموع بولس هذا فى الكرازة والتبشير ، كان أسدا إنه حينما يتكلم عن البر والدينونة والتعفف أمام فيلكس الوالى ، يقول الكتاب ( ارتعد فيلكس وقال له إذهب الآن ، ومتى حصلت على وقت أستدعيك ) ( أع 24 : 25 ) ولما وقف أمام اغريباس الملك ، قال له الملك ( بقليل تقنعنى أن أصير مسيحيا ) ( أع 26 : 28 ) وبولس هذا الوديع ، لم يمتنع عن توبيخ بطرس الرسول 0 وقال ( لما رأيت أنهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الإنجيل ، قلت لبطرس قدام الجميع : إن كنت وأنت يهودى تعيش أمميا لا يهوديا ، فلماذا تلزم الأمم أن يتهودوا ) ( غل 2 : 14 )
5- مثال خامس هو أليهو بن برخئيل كان الرابع بين أصدقاء أيوب ومن وداعته ظل صامتا بينما كان يتكلم أصحاب أيوب الثلاثة معه على مدى 28 إصحاحا ولم يفتح أليهو فمه من فرط وداعته ، لأنهم كانوا أكبر منه سنا وأخيرا لم يستطع أن يصبر هذا الوديع أكثر من هذا ، لما رأى أن الجميع قد أخطأوا وفى ذلك يقول الكتاب ( فحمى غضب أليهو بن برخئيل البوزى من عشيرة رام على أيوب حمى غضبه ، لأنه حسب نفسه أبر من الله وعلى أصحابه الثلاثة حمى غضبه ، لأنهم لم يجدوا كلاما واستذنبوا وأيوب فقال لهم ( أنا صغير فى الأيام ، وأنتم شيوخ ، لأجل ذلك خفت وخشيت أن أبدى لكم رأيى ) ( أى 32 : 2 _ 7 ) ثم بدأ رسالته فى التوبيخ حقا لكل شئ تحت السموات وقت لسكوت الوديع وقت ، ولكلامه وقت لطيبته وقت ، ولحزمه وقت 0
ملاحظات:-
هل تجد أحد أقربائك على وشك أن يتزوج مطلقة ، أو أية إنسانة لم تأخذ تصريحا من الكنيسة ، أو زيجة بقرابة خاطئة لا يجوز فيها الزواج هى ترى كل هذا ، وتسكت باسم الوداعة والهدوء ، دون أن تحذر قريبك ليبعد عن الزيجة الخاطئة ؟ كلا ، ليست هذه وداعة إنما يجب أن تحذره من الموقف الخاطئ ، وتشرح له فى هدوء خطأ موقفه ولا تكون ضد الوداعة فى موقفك ، لأنك وضحت الموقف دون أن تشتم أو تجرح أو تخطئ إنما عبارة القديس يوحنا المعمدان على فمك ( لا يحل لك أن تأخذ ( هذه ) زوجة لك أو تجد أحد معارفك يريد أن يتزوج إمرأة زواجا عرفيا ، وتقف صامتا باسم الوداعة ؟! كلا قل له إن هذا أمر خاطئ لا يباركه الله ، يقودك إلى حياة خاطئة وليس فى هذا ضد الوداعة إننا لا نقول لك لا نقول لك أن تثور وتضج وتملأ الدنيا صياحا بل أن تنذر فى هدوء إن الله يحب الحق ، ويحب أن يرى من يدافع عنه ، بأسلوب لا يخطئ فيه وفى ذلك يقول الرب فى سفر أرميا النبى ( طوفوا فى شوراع أورشليم ، وفتشوا فى ساحاتها ، هل تجدون إنسانا أو يوجد عامل بالعدل ، طالب الحق ، فاصفح عنه ) ( أر 5 :1 ) إذن الدفاع عن الحق فضيلة يطلبها الله إن سلكت فيها تسلك فى الحق ولا يتنافى هذا مع الوداعة ما دام الأسلوب سليما 0
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
07 نوفمبر 2018
الشهوة: أنواعها وخطورتها
الشهوة هي أصل وبداية خطايا كثيرة فالزنى يبدأ أولًا بشهوة الجسد والسرقة تبدأ بشهوة الاقتناء أو شهوة المال والكذب يبدأ بشهوة في تبرير الذات أو في تدبير شيء ما والقتل يبدأ بشهوة الانتقام أو بشهوة أخرى تدفع إليه فإن حارب إنسان شهواته الخاطئة وانتصر عليها، يكون قد انتصر على خطايا عديدةهنا وتحضرني عبارة عميقة في معناها، قالها مرة الأستاذ مكرم عبيد، وهى: افرحوا لا لشهوة نلتموها، بل لشهوة أذللتموها من أكثر العيوب أن يقال عن شخص ما إنه "شهواني" أي أنه يقاد بواسطة شهواته، وليس بضميره أو عقله والشهوة إن بدأت، لا تستريح حتى تكمل. وما دام الأمر هكذا، فالهروب منها أفضل. فلماذا تدخل معها في صراع أو في نقاش؟! إنك كلما أعطيتها مكانًا في ذهنك، أو تهاونت معها واتصلت بها، حينئذ تقوى عليك، وتتحول من مرحلة الاتصال، إلى الانفعال، إلى الاشتعال، إلى الاكتمال. وتجد نفسك قد سقطت فتتدرج من التفكير فيها إلى التعلق بها، إلى الانقياد لها، إلى التنفيذ، إلى التكرار، إلى الاستعباد لها. وقد يلجأ الشخص إلى طرق خاطئة لتحقيق شهواته: إلى الكذب أو الخداع أو الاحتيال وربما إلى أكثر من هذاوقد يظن البعض -إذا ما أرهقته أفكار شهوة ما- إنه إذا ما أكملها بالفعل، سيستريح من أفكارها الضاغطة!! كلا، فهذا خداع للنفس فإن الشهوة لا يمكن أن تشبع... وكلما يمارس الإنسان الشهوة، يجد فيها لذة. واللذة تدعوه إلى إعادة الممارسة. والقصة لا تنتهي إن إشباع الشهوة لا ينقذ الإنسان منها، بل يزيدها إنسان مثلًا يشتهى المال. وكلما يجمع مالًا يشتاق إلى مال أكثر. وموظف طموح يشتهى الترقي. فكلما يصل إلى درجة يشتهى درجة أعلى. ويعيش طول عمره في جحيم الشهوات التي لا تنتهي، ولا يشبعه شيء وصدق سليمان الحكيم حينما قال: "العين لا تشبع من النظر، والأذن لا تمتلئ من السمع. كل الأنهار تجرى إلى البحر، والبحر ليس بملآن"فلا تظن إذن أن الإشباع ينقذك من الشهوة. لأنه لا ينقذك منها سوى ضبط النفس، والهروب. سواء الشهوة التي تأتيك من الحواس أو من الفكر والقلب، أو التي تأتيك من الغيروقد يعالج الإنسان شهوة رديئة، بأن يجعل شهوة مقدسة تحل محلها. فالجسد يشتهى ضد الروح، والروح تشتهى ضد الجسد. الجسد قد يشتهى الخطية، والروح تشتهى حياة البر والفضيلة. فإن أشبعت الروح فيما تشتهيه، حينئذ تنجو من شهوات الجسد ما أجمل ما قاله أحد الروحيين عن التوبة، "إنها استبدال شهوة بشهوة". فبدلًا من شهوة الخطيئة، تحل محلها شهوة الفضيلة والقرب إلى الله. وأيضًا شهوة الكرامة والعظمة والعلو، يمكن أن تعالجها شهوة الاتضاع. وشهوة الضجيج تحل محلها محبة الهدوء. وهكذا دواليك من الأساطير التي تقال عن بوذا Buddha مؤسس الديانة البوذية إنه جلس في يوم ما تحت شجرة المعرفة. فعرف أن كل الناس يبحثون عن السعادة، وأن الذي يريد السعادة عليه أن يتخلص من الشقاء. ووجد أن للشقاء سبب واحد، وهو وجود رغبة أو شهوة لم تتحقق. وهكذا علّم الناس أن يبتعدوا عن الشهوات والرغبات لكي يعيشوا سعداء على أن تعليم بوذا هذا، غير ممكن عمليًا. لأنه من المستحيل أن يعيش إنسان بدون أية رغبة أو شهوة. إنما الحل المعقول أن تكون له رغبات وشهوات غير ضارة، أو هي تتفق من وصايا الله ذلك لأن هناك شهوات مؤذية ومدمرة. ولعل في أولها شهوة الشيطان في أن يدمر حياة البر مع جميع الأبرار وأعوانه يفعلون مثله إن الذي يدمن المخدرات، إنما بشهوة الإدمان يدمر نفسه، وقد يؤذى غيره أيضًا. والذي يقع في شهوة الخمر والمسكر، بلا شك يدمر معنوياته وكرامته. والذي تسيطر عليه شهوة الزنى، يدمر عفته وأخلاقياته، ويدمر أيضًا من يشاركه في الخطيئة أو من يكون فريسة له وشهوة الحقد أيضًا شهوة مدمرة، وكذلك شهوة الانتقام. وجميع الشهوات التي يقع فيها البشر، تدمرهم خلقيًا واجتماعيًا. وإن لم يحسوا هذا التدمير على الأرض، فإن شهواتهم ستدمر مصيرهم الأبدي إن الشيطان حينما يقدم للإنسان شهوة تشبعه، فإنه لا يفعل ذلك مجانًا أو بدون مقابل!! إنما في مقابل تلك الشهوة، يسلب روحياته منه، ويسلب إرادته، ويضيّع مستقبله في الأرض والسماء. لذلك علينا أن نهرب من شهواته ومن إغراءاته، واضعين في أذهاننا نتائجها وأضرارها والشهوات التي بها يضر الإنسان غيره، عليه أن يضع أمامه احترام حقوق الغير، وسمعته، وعفته. ويقول لنفسه: واجبي هو أن أنفع غيري. فإن لم أقدر على منفعته، فعلى الأقل لا أضره أما الشهوات التي يضر بها نفسه، فعليه أن يتمسك بكل القيم والمثاليات شاعرًا أن الخضوع لأية شهوة إنما هو ضعف لا يليق بمن يحترم شخصيته، ويرتفع بها عن مستوى الدنايا والشهوات الخاطئة ليس من نتائجها فقط أن يضر الإنسان نفسه، أو أن يضره غيره، إنما هي أيضًا تفصل الشخص عن الحياة مع الله، وتدفعه إلى كسر وصاياه. وهذا أمر خطير لذلك نصيحتي لك: اسلك ايجابيًا في حياة النزاهة والعفة. عالمًا أن الإيجابيات تنجيك من السلبيات. وأيضًا اعرف ما هي المصادر التي تجلب لك الشهوة بكافة أنواعها، وتجنبها... فهذا أصلح بكثير من تترك الباب مفتوحًا فتدخل منه الشهوة، ثم تقاومها.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
12 سبتمبر 2018
عيد النيروز
ما هو عيد النيروز؟
نحتفل كل عام في مثل هذا الوقت بعيد النيروز وهو رأس السنة القبطية (أول توت) أو عيد الشهداء. والأقباط جعلوا لأنفسهم تقويم خاص بهم هو التقويم القبطي أو تقويم الشهداء والذي يبدأ بسنة 284م. وهي بداية عصر ديوقلديانوس الذي كان من أقسى عصور الاضطهاد التي مر بها الأقباط.
مكانة الشهداء في الكنيسة:-
والكنيسة تحب الشهداء وتحب الاستشهاد وإن كنا نحتفل بعيد الشهداء في 10 سبتمبر تقريبًا فنحن نحتفل بالشهداء في كل يوم تقريبًا والشهداء لهم عندنا مقام كبير جدًا وتبنى الكنائس على أسمائهم والأديرة أيضًا على أسمائهم وخصوصًا أديرة الراهبات دير أبو سيفين على اسم الشهيد مارقوريوس أبو سيفين ودير الأمير تادرس على اسم الشهيد الأمير تادرس ودير مارجرجس في مصر القديمة ودير مارجرجس في حارة زويلة ودير القديسة دميانة على اسم الشهيدة دميانة كلها أديرة على أسماء شهداء فنحن نحب الشهداء ونحتفظ بأيقوناتهم ونقدس رفات أجسادهم ونسمي الكنائس بأسمائهم.
استفانوس أول الشهداء:-
والاستشهاد في الكنيسة بدأ من أول نشأة الكنيسة آخر شهيد في العهد القديم هو يوحنا المعمدان وأول شهيد في العهد الجديد هو استفانوس الشماس واستفانوس الشماس نضع اسمه في المجمع قبل الآباء البطاركة. وقبل كثير من الرسل.
الاستشهاد بدأ باستفانوس واستمر على مر الأيام:-
والاستشهاد بدأ في الكنيسة في العهد الجديد، من أول استفانوس واستمر على مدى العصور المختلفة.
جميع الآباء الرسل أنهوا حياتهم بالاستشهاد ما عدا يوحنا الحبيب الذي تعذب عذابات فوق الوصف ولكنه لم يستشهد.
الاستشهاد اكليل:-
تصوروا محبة يسوع المسيح ليوحنا المعمدان عندما قال عنه في متى 11 "لم تلد النساء من هو أعظم من يوحنا المعمدان"، ونص الآية هو: "لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ" (إنجيل متى 11: 11) ومع ذلك أكرمه إكرامًا آخر بأن يكون شهيدًا كان يستطيع أن ينقذه بالموت ولكنه أعطى له بركة أن يكون شهيد الاستشهاد شمل الكل وليس الرسل فقط
الاستشهاد شمل حتى من كانوا أعداء للمسيحية:-
لونجينوس الشهيد:-
والاستشهاد شمل الأعداء أيضًا فلونجينوس الذي طعن المسيح بالحربة صار شهيدًا في المسيحية وله يوم في السنكسار نذكره فيه cuna[arion.
الشيهد أريانوس والي أنصنا:-
وأريانوس الذي كان أقسى ولاة مصر في عهد دقلديانوس، فقد كانوا عندما يحتاروا في شخص مسيحي يسلموه لأريانوس أريانوس هذا حدثت له معجزة وصار شهيدًا ونقول في الكنيسة ونقول في السنكسار في مثل هذا اليوم تعيد الكنيسة لتذكار القديس أريانوس والي أنصنا.
الاستشهاد شمل النساء والأطفال أيضًا:-
والاستشهاد شمل أيضًا الأطفال والنساء. وليس فقط الرجال نسمع عن الأم دولاجي وأولادها ونسمع عن الشهيدة يوليطا وابنها الشهيد قرياقوس ونسمع عن الطفل أبانوب الاستشهاد شمل الكل وليس الرسل فقط.
الاستشهاد صار شهوة المؤمنين:-
الاستشهاد صار شهوة في وقت من الأوقات (شهوة الموت على اسم المسيح) فكانت طريقة تفكير المؤمنين هي: ما المشكلة في ضربة سيف ثم أجد نفسي في الملكوت مع المسيح؟! فهذا هو أقصر وأضمن الطرق المؤدية للسماء لذلك في أقوال الآباء نجد كتب كثيرة موضوعها "الحث على الاستشهاد"أصبح الاستشهاد شهوة كما قال بولس الرسول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي 1: 23).
تاريخ الكنيسة هو تاريخ الشهداء:-
ووجدنا تاريخ الكنيسة هو تاريخ الاستشهاد بدءًا من العصر الروماني الأول والاستشهاد الذي تم على يد نيرون والذي استشهد في عصره بطرس وبولس إلى أواخر العصر الروماني في أيام دقلديانوس واستمر الأمر إلى سنة 313 م (هذا التاريخ هام يجب أن نحفظه جميعًا)، ففي سنة 313 م صدر قانون من قسطنطين الملك بالحرية الدينية ولكن مع ذلك ومع الحرية الدينية استمر الاستشهاد والإرهاب الديني حتى بعد مجمع خلقيدونية. وكثير من الآباء استشهدوا من اخوتهم المسيحيين المخالفين لهم في المذهب والسيد المسيح لم يقل لتلاميذه أنهم عندما يؤمنوا به سيسيروا في طريق مفروش بالورود، بل قال لهم: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ" (إنجيل يوحنا 16: 33) وأيضًا في يوحنا الإصحاح السادس عشر قال لهم: "تأتي ساعة وأتت الآن يظن فيها كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله" وفي بعض الترجمات "يقدم قربان لله"، ونص الآية هو: "تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً للهِ" (إنجيل يوحنا 16: 2).
القديس الشهيد يوليوس الأقفهصي:-
ولأن الاستشهاد يعتبر بركة نحن نشكر القديس يوليوس الأقفهصي الذي كان يكتب أسماء الشهداء وسيرتهم ويجمع أجسادهم كان رجلًا قديسًا وحفظ لنا تاريخًا عظيمًا جدًا.
الشهداء هم أعظم القديسين:-
الشهداء هم من أعظم القديسين. أعظم من الرهبنة وأعظم من الكهنوت. لماذا؟ لأن السيد المسيح يقول "لا يوجد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه عن أحبائه"، ونص الآية هو: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (إنجيل يوحنا 15: 13) والشهيد وضع نفسه عن إيمانه وبذلك يكون قدم أعظم حب كل إنسان يجاهد ولكنه قد لا يصل للاستشهاد. فالاستشهاد هو أقصى جهاد يمكن أن يصل إليه المؤمن والاستشهاد أيضًا كان يسبقه عذابات كثيرة ولكن الله كان يعطي الشهداء القوة على الاحتمال حتى يوصلهم إلى أن يقدموا أنفسهم بسلام.
الاستشهاد دليل عمق الإيمان وعمق المحبة لله:-
الاستشهاد يدل على عمق المحبة لله. المحبة التي يبذل فيها الإنسان نفسه والاستشهاد يدل على عمق الإيمان. وعمق الإيمان بالحياة الأخرى لأن لولا الإيمان بالله والحياة الأخرى ما كان الإنسان يبذل حياته والاستشهاد هو شهادة للدين، وهو أيضًا قدوة لكل الأجيال التي تبعت عصور الشهداء.
الكنيسة تعد أولادها للإستشهاد:-
الكنيسة أعدت أولادها الشهداء أعدتهم بالإيمان الثابت وأعدتهم بمجموعة من المدافعين عن الإيمان apologists، الذين كانوا يدافعوا عن الإيمان ويردوا على كل كلام الوثنيين ضد الإيمان المسيحي وأعدتهم أيضًا بالزهد في العالم وعبارة "لا تحبوا العالم وكل ما في العالم"، ونص الآية هو: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ" (رسالة يوحنا الرسول الأولى 2: 15)وأعدتهم بعبارة ماران آثا Maranath (اليونانية: μαραν αθα)، أي الرب آت (ماران تعني ربنا وآثا تعني آت) والكنيسة أيضًا شجعتهم بالاهتمام بعائلاتهم"أريد أن الجميع يكون بلا هم"
نقطة هامة أريد أن تعرفوها هي:-
عندما تكلم بولس الرسول عن عدم الزواج وقال: "أريد أن الجميع يكون بلا هم" لم يكن يقصد بكلمة "بلا هم" معنى "بلا زواج"، بل كان يقصد أن المتزوج – وخاصة أنه كان يتكلم وهو في العصر الروماني- صعب عليه أن يدخل في حياة الاستشهاد لأنه يفكر في مصير امرأته وأولاده، أي أنه يحمل هم امرأته وأولاده فبولس الرسول عندما يقول "بلا هم" يقصد بها "أنه حتى إذا جاءت ساعة الاستشهاد لا يكون لديكم من تحملوا هم مصيره".
نفسية الشهيد:-
وعصر الاستشهاد قد انتهى والقديس أوغسطينوس تعرض لهذه النقطة حيث قال: "نفرض أن شخص يريد أن يصبح شهيد وقد انتهى عصر الاستشهاد فماذا يفعل". قال: "الذي له نفسية الشهيد يعتبر من الشهداء حتى لو لم يستشهد" أي له نفسية الشهيد الذي لديه الاستعداد أن يبذل حياته. والذي لديه الإيمان القوي والثقة بالله. والذي عنده محبة العالم الآخر والإيمان به.
الكنيسة تقوت بالاستشهاد:-
وأريد أن أقول أن الاستشهاد لم يضعف الكنيسة بل قوى الكنيسة لذلك نقول أن الكنيسة بنيت على الدم وعلى الصمود وليس مجرد حياة رعوية فقط.
كيف نستفيد من عيد النيروز/عيد الشهداء؟
أما الآن ونحن في عيد الشهداء فليتنا نفكر ماذا نستفيد من عيد النيروز في حياتنا نحن نقول أننا أبناء الشهداء. فكيف تكون لنا نفسية الشهداء الذين هم آبائنا؟
كيف يكون لنا نفس مشاعرهم ونفس إيمانهم؟
في بداية عام جديد للشهداء ليت كل واحد منا يفكر كيف يبدأ هذا العيد بداية طيبة. على الأقل يكتسب فضيلة تنمو معه ويدرب نفسه عليها طوال العام.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
15 مايو 2019
القيامة مجرد مقدمة للحياة في السماء
نحن نحتفل بالقيامة. فما هي القيامة؟
إنها من عنصرين: العنصر الأول هو أن يقوم الجسد، أي يُبعث حيًا. لأنه كان ميتًا، وبالقيامة منحه الله حياة أخرى. أما الروح فإنها حية بطبيعتها، لم تمت حتى تُبعث إذن العنصر الثاني للقيامة، هو أن تأتى الروح من مستقرها لكي تتحد بالجسد، ويعود الإنسان كاملًا: جسد وروحًا.
بعد القيامة تكون الدينونة، أي الحساب. فيقف الإنسان أمام منبر الله العادل ليعطى حسابًا عن كل ما فعله أثناء حياته الأرضية، خيرًا كان أم شرًا.
وبعد ذلك يكون الجزاء، أي المصير. فيذهب الأبرار إلى النعيم الأبدي، والأشرار يلاقون العقاب.
والنعيم الأبدي يكون في السماء، في عشرة الله والملائكة والقديسين. وعن هذه الحياة في السماء سنتكلم اليوم:
هنا ونسأل: ما هي السماء؟
السماء هي ما يسمو، أي ما يعلو ويرتفع. وتوجد سماوات يعلو بعضها على بعض طباقًا. أي يوجد طبقات من السموات السماء الأولى هي سماء الطيور، التي تسبح فيها الطيور وأيضًا الطائرات على ارتفاعات متنوعة. فوق هذا توجد سماء أعلى هي الفلَك حيث توجد الشمس والنجوم والكواكب والمجرات وكل الأجرام السمائية. والإنسان قد وصل إلى طبقة بسيطة هي القمر. ولكنه لن يستطيع الوصول إلى الشمس فطائرته تحترق من وهج الحرارة قبل أن تصل إليها. فوق هذه الطبقة توجد سماء ثالثة، وهى التي تسكن فيها أرواح الأبرار قبل القيامة العامة. ونقول في بعض تعبيراتنا أن الروح صعدت إلى جوار الله فوق كل هذه السموات توجد سماء أعلى، نسميها سماء السموات، حيث يوجد عرش الله، تحيط به الملائكة ورؤساء الملائكة وكل الطغمات السمائية بكافة أنواعها ودرجاتهاعلى أن الله تبارك اسمه غير محدود في كل شيء، فليس له مكان محدود هو العرش. إنما عرشه هو مجده غير المحدود. فحيث يوجد تمجيده ومحبته، إنما يشبه هذا عرشًا يجلس عليه الله وبهذه المناسبة أقول إن السماء لها معناه الحرفي الذي ذكرناه، ولها معنى آخر رمزي، قلت فيه مرة في مناجاة الله:
قد نسيت الكل في حبك يا متعة القلب فلا تنسى فتاك
في سماء أنت حقا كل قلب عاش في الحب سماك
عرشك المحبوب قلب قد خلا من هوى الكل فلا يحوى سواكْ
نعود إلى السماء التي يستقر فيها الأبرار بعد القيامة فنقول: لا يوجد في السماء شيء ثقيل، كالجسد المادي، فكل ما فيها خفيف. إن الملائكة يتحركون فيها ويصعدون ويهبطون في خفة عجيبة بل إن الملاك حينما برسله الله إلى العالم الأرضي لكي يبلَغ رسالة، أو لينقذ إنسانًا، فإنه يهبط من السماء إلى الأرض في لمح البصر، إذ أنه خفيف جدًا في تحركاته وتنقلاته فإن كنا في السماء مع الملائكة، هل سنكون وضعنًا شاذًا بينهم؟! أم نكون كما قال السيد المسيح عن القائمين من الموت "يكونون كملائكة الله في السماء" (مت 22: 30) فهل سنكون في السماء مجرد أرواح بلا أجساد؟ كلا، فسوف تكون لنا الأجساد التي قامت من الموت. ولكنها ستكون أجسادًا روحانية ليس لها ثقل المادة. لأن الجسد المادي معرض لأن يتعب، وأن يمرض، أو يضعف أو ينحل. وكلها أمور لا تناسب سكان السماء والجسد المادي يحتاج أن يأكل طعامًا ماديًا. والطعام المادي له تفاعلاته داخل الجسم ونتائجه! كما أن الجسد المادي يمكن أن يقع في شهوة جسد آخر. ومثل هذه الشهوات الجسدية لا تليق أن تكون إلى جوار الله وملائكته، فلابد أن نرتفع على مستواها إن الشهوات التي في السماء، كلها شهوات روحية: مثل شهوة الوجود مع الله ومع ملائكته وقديسيه، أو شهوة التسبيح... ومن غير المعقول، أن تكون لنا شهوة أخرى غير الله، كالشهوات المادية أو الجسدية!! وكما يقول المثل "في حِضرة الشمس من ذا يبصر الشهبَ"بالطبع إذن من اللائق والمناسب أنه في السماء تنتهي شهوة المادة، وشهوة الجسد، وكل الشهوات الأرضية. لأننا لو بقينا ملتصقين بهذه الشهوات، فماذا يكون إذن الفرق ما بين الحياة في السماء والحياة على الأرض؟! وماذا تكون الفائدة التي نحصل عليها من الوجود في السماء في مكافأة الأبرار؟! وإن كان الأثرياء الأتقياء على الأرض يتمتعون بكل الشهوات الأرضية الحلال، فماذا يأخذون في السماء، إن كانوا ينتظرون بلا شك شيئًا أفضل؟! وبخاصة لو كانوا قد سئموا تلك المشتهيات الأرضية، ويشتاقون إلى نوعية أخرى أفضل وأسمى وأرقى مما تعودّونه في حياتهم الأرضية!لذلك وعدنا الله بما لم تره عين، وما لم تسمع به إذن، وما لم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه (1كو 2: 9). ويقول الكتاب المقدس "إن الأشياء التي تُرى وقتية. أما التي لا تُرى فأبدية" (2كو 4: 18). لذلك نحن ننتظر من الحياة في السماء كل أنواع المتع التي لا تُرى، أي التي فوق حواسنا الأرضية نقطة أخرى، وهى أننا حاليًا على الأرض منشغلون بأشياء كثيرة، خاصة بالعمل أو بالأنشطة أو بواجباتنا من نحو الأسرة أو المجتمع أو الدولة، بحيث لا يوجد لنا وقت كافٍ نقضيه مع الله تبارك اسمه. وما نقدمه له من وقت، هو ضئيل بلا شك فهل في الأبدية، في السماء، سننشغل أيضًا عن الله بأمور أخرى؟! كلا. فليست هذه هي طبيعة الحياة في السماء. وإن انشغلنا عن الله هناك، نكون غير مستحقين للسماء، ولا نكون حينئذاك "كملائكة الله في السماء". فمن غير المعقول أن نكون في السماء في غربة عن الله!، كم هي الحياة على الأرض!إن الحياة في السماء، هي الحياة في الحب الإلهي. وما عدا ذلك، فهو لا شيء... والحب الإلهي هو موضوع طويل علينا أن نستعد له من الآن وندّرب أنفسنا عليه. حتى لا تكون الحياة في السماء غريبة علينا، أو نكون نحن غرباء عنها..!!
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
26 يوليو 2019
خدمة الذين ليس لهم أحد يذكرهم
في صلاة تحليل نصف الليل للآباء الكهنة طلبة عميقة جداً و مؤثرة في معناها و هي : " اذكر يا رب العاجزين و المنقطعين و الذين ليس لهم أحد يذكرهم " نعم ، هؤلاء الذين لم يجدوا أحداً يهتم بهم ، و لا حتي يذكرهم في صلاته هؤلاء الذين أهملهم الكل ، و ربما قد نسوهم أيضاً . لا شك ، أنه يوجد أشخاص لا يحس أحد بالآمهم ، و لا باحتياجاتهم ، و لا بضياعهم . كأنهم ليسوا أعضاء في جسد الكنيسة . و لعله تنطبق عليهم تلك الأبيات التي وردت في قصيدة " النجم " :
أنا ملقي في ضلالي ليس من أسقف يرعي و لا من مفتقد فطريقي في ظلام دامس قد ضللت الله دهراً لم أجد ذلك الهادي الذي يهدي يدي يذكرنا بهذا النوع أيضاً مريض بيت حسدا الذي قضي في مرضه 38 سنة دون معونة من أحد . قال للسيد المسيح عن حالته " ليس لي إنسان يلقيني في البركة " ( يو 5: 7 ) . إنها خدمة جميلة أن نخدم تلك النفوس المسكينة المحتاجة ، التي لا تجد من يهتم بها و يفتقدها .
1- الأحياء غير المخدومة:-
هناك أحياء توجد فيها كنائس تخدمها ، و يوجد فيها اَباء كهنة روحيون و نشطاء يقومون بإفتقاد كل بيت ، و كل أسرة و كل فرد زو يعرفون كيف يوفرون الخدمة اللازمة لكل أحد ، يحلون الإشكالات ، و يتلقون الإعترافات ،و يحيطون ابناءهم بجو روحي إنها أحياء مخدومة . و لكن ماذا نقول عن الأحياء و المدن و القري غير المخدومة ، التي لا تجد أحداً يذكرها ؟! و ماذا نقول عن الخدام الذين يفضلون أن يرسموا كهنة علي المدن الكبيرة و الأحياء المخدومة ، و يرفضون القرى و الأحياء المحتاجة إلي خدمة ؟! هل هذا هو أسلوب السيد المسيح ، الذي كان يترك التسعة و التسعين ، و بحث عن الواحد الضال المحتاج إلي خدمة ؟! نعم إنه الراعي الصالح ، الذي كان " يطوف المدن و القري كلها ، يعلم في مجامعها و يكرز ببشارة الملكوت ، و يشفي كل مرض و كل ضعف في الشعب " ( مت 9 : 35 ) نعم إنه المعلم الصالح الذي قال لتلاميذه : " لنذهب إلي القري المجاورة لأكرز هناك ، لأني لهذا خرجت " ( مر 1 : 28 ) . إن الذي يفضل بهرجة المدينة علي حاجة القرية ، إنما هو يفكر في ذاته ، بطريقة علمانية ،و لا يفكر في إحتياج الآخرين و خدمتهم !
و نفس هذا الكلام نقوله عن :
2- خدمة أولاد الشوارع:-
اذكر أن هذا الأمر قد هز عاطفتي جداً في الأربعينات ، و أنا خادم و قلت في ذلك الوقت لزملائي : إننا نخدم الأطفال الذين في المدارس ، و الذين يلبسون ملابس نظيفة ، و ننسي خدمة الأولاد " الغلابة " . و أتذكر إنني وقتذاك جمعت لنفسي فصلاً جديداً لخدمته و كان فصلي هذا من أولاد الشوارع ، و من بائعي الليمون ، و ماسحي الأحذية ،و أطفال اَخرين يقفزون علي الشمال في الترام ، و أحياناً يقذفون الجمعية بالطوب . و اهتممت بهؤلاء الأولاد روحياً ، و كنت أحبهم جداًو شاءت الظروف أن أنتقل إلي خدمة في منطقة أخري و هي أحد الأيام و أنا سائر بالقرب من " حكر عزت " قفز أحد الصبيان الصغار من محل ماسح أحذية و جري نحوي يسلم علي في محبة و هو يقول " أنا تلميذك " اذكر هذه القصة فتنفعل مشاعري في داخلي . ما أحوج هؤلاء إلي الفتات الساقط من خدمتك بينما اَخرون متخمون بخدمات مركزة !! إن الذين يعيشون في الحواري و الأزقة و القري ، هم يحتاجون أكثر فالذي يسكن في الشارع الكبير قد يجد كثيرين يخدمونه ، أما الذي يسكن في " العطفة " ، , الدرب ، و الزقاق ، فربما يكون من الذين ليس لهم أحد يذكرهم لذلك ما أجمل ما فعله أخوتنا الذين كرسوا جهودهم لخدمة أحياء الزبالين ،و بعض الأحياء الشعبية الأخرى في القاهرة . و ما أجمل الذين يجمعون الأطفال الفقراء من الطرقات ، و أولاد الصناع و العمال و الكنائس و الذين لا عمل لهم و يوصلون إليهم كلمة الله التي يوصلوها إلي أولاد الأغنياء جميلة تلك العبارة التي وردت في الدسقولية عن الراعي أنه يجب أن " يهتم بكل أحد ليخلصه " لذلك سررت لما قال لي أحد الآباء الكهنة إنه سيقيم قداساً كل يوم إثنين فسألته لماذا ؟ فقال " من أجل الحلاقين و أصحاب وظائف أخري عطلتهم هي في هذا اليوم . و آخرون من أصحاب النوبتجيات لا يجدون فراغاً إلا في يوم معين . و من المفروض في الكنيسة أن توفر الرعاية لكل أحد و من بين هؤلاء ، نذكر :
خدمة الشباب النحرف:-
إننا – للأسف الشديد – نهتم فقط بالشباب الذي يأتي إلينا في الكنيسة في إجتماعات الشبان ، أو مدارس التربية الكنسية ، أو في الأنشطة و الخدمات و نكتفي بهذا . و يندر أن تكون لنا خدمة وسط الشباب الذي يتسكع في الطرقات ، أو يضيع وقته في الملاهي و في المقاهي و الذي يدل شكله ولبسه و حديثه علي أنه بعيد تماماً عن الكنيسة . أمثال هذا الشباب ، هو من النوع الذي ليس له أحد يذكره ، بل بالأكثر قد يوجد متدينون يحتقرونه و يرفضون حتى الحديث معه كيف يخلص هؤلاء إذن ؟ أليسوا هم أيضاً محتاجين إلي رعاية ؟! إن الأسقف حينما يرسم علي إيبارشية ، إنما يرسم عليها كلها ، و ليس سيامته من أجل الصالحين فيها فقط ، المترددين علي الكنيسة ن إنما من أجل الكل . عمله أن يطلب و يخلص ما قد هلك 0 لو 19 : 10 ) كما فعل سيده و تحت عنوان ط ما قد هلك " ، تدخل فئات كثيرة من الذين ليس لهم أحد يذكرهم : طلبة شطبهم خدام التربية الكنسية من قوائمهم لكثرة غيابهم . و عائلات أعتبرها الآباء الكهنة أنها ليست من أولاد الكنسية بسبب سلوكها . ألوان عديدة من المنحرفين الذين يفضل كل الخدام البعد عنهم خوفاً ، أو حرصاً أو عجزاً ، أو ياساً ...! ليس لهم أحد يذكرهم . ما أخطر أن يوجد إنسان ، تيأس منه الكنيسة ، أو تنساه ، أو تتجاهله أو تحتقره ، أو تطرده ، أو تعتبره من أهل العالم !
نتحدث عن نوع اَخر من الذين ليس لهم أحد يذكرهم ، و هو :
المنسيون فى الإفتقاد:-
قد توجد عائلات في السكندرية أو في القاهرة ،تمر عليها سنوات عديدة لا يزروها أحد من الآباء الكهنة . و لا تهتم الكنسية بهؤلاء ، إلي أن يهتم بهم الشيطان و يفتقدهم ! و حينئذ تبدأ الكنيسة تتعرف إلي أحدهم في قضية طلاق ، أو في حادث إرتداد. و كان السبب في كل هذا ن أن هؤلاء ليس لهم أحد يذكرهم ، مع أنهم ليسوا في قري فقيرة أو نائية ، و إنما هم في القلب العاصمة ! نحن أحياناً لا نهتم بالحالة ، إلا بعد أن تصل غلي أسوأ درجاتها و لو ذكرناها في بادئ الأمر ، ما كنا نحزن في نهايته لست اقصد بالذين ليس لهم أحد يذكرهم ، المحتاجين إلي الرعاية في مجاهل أفريقيا ، أو الهنود الحمر في أمريكا ن مع حاجة كل هؤلاء بلا شك !إنما اقصد " الهنود الحمر ط في قلب العاصمة ، أو في قلب المدينة العامرة و ربما قريباً من الكنيسة ! إن التخصص في خدمة " الضالين " أمر لازم في الرعاية بلا شك كانت المرأة السامرية واحدة من الذين ليس لهم أحد يذكرهم ، و كذلك زكا العشار ، و متي العشار ، و آخرون و قد قال السيد المسيح " لا يحتاج الأصحاء إلي طبيب بل المرضي " . فهل يمكن أن يتخصص بعض الخدام في مثل هذه الخدمة ؟
هناك نوع من الخدام كنا نسميهم " خدام الحالات الصعبة " .
الحالات الصعبة :-
كانوا يذهبون إلي الحالات التي تبدو معقدة ، التي وصلت إلي أسوأ درجاتها . و مع ذلك لم يفقد الخادم الأمل منها . الحالات التي قد لا تقبل الخدام و قد تطردهم ، أو التي لا تقبل كلاماً و لا إقناعاً ، و تصل إلي لون من الإصرار و العناد يدفع إلي اليأس هذه الحالات بالنسبة إلي كنائس أخري ، كانوا يتركونها يائسين ، و ينفضون أيديهم منها ، و تبقي ضمن الذين ليس لهم أحد يذكرهم أما خدام الحالات الصعبة ، فكانوا يفتقدون هذه الحالات ، ولو في آخر رمق ، و هم متالمون لأن الحالة لم تكن قد افتقدت منذ البدء إن الخدمة الصعبة لها اجر أكبر عند الله ن لن الخادم يتعب فيها ن و الله لا ينسي تعب المحبة دعوة يوسف الرامي لخدمة السيد المسيح أمر سهل ن و لكن من الصعب أن تدعو رجلاً كزكا . فرق بين أن تدعو إنساناً كيوحنا الحبيب إلي إجتماع ، أن تدعو اَخر كشاول الطرسوسي سهل ان تفتقد العائلات المنحلة و التعب في حل مشاكلها و مصالحة المتخاصمين فيها إن الأجر الكبير ليس لمن يزرع الأرض الجيدة ن إنما لمن يستصلح الأراضي البور و الأراضي المالحة ، و يحولها إلي أرض زراعية جيدة . فتلك الأراضي البور ربما كانت لمدة طويلة من النوع الذي ليس له أحد يذكره بسبب صعوبة العمل فيها .
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
01 أبريل 2020
قدسوا صوماً
قال الرب علي لسان يوئيل النبي " قدسوا صوماً ، نادوا باعتكاف " ( يوئيل 1:14، 2:15) فما معني تقديسنا للصوم ؟ وكيف يكون ؟
معنى عبارة " قدسوا صوما ً"
كلمه " تقديس " كانت في أصلها اليوناني تعني التخصيص فلما قال الرب لموسى " قدس لي كل بكر ، كل فاتح رحم إنه لي " ( خر 13: 2) كان يعني خصص لي هؤلاء الأبكار ، فلا يصيرون لغرض آخ : أبكار الناس كانوا يتفرغون لخدمة الرب قبل اختيار هرون وأولاده وأبكار البهائم كانت تقدم ذبائح والثياب المقدسة هي المخصصه للرب لخدمه الكهنوت وفي هذا قال الرب لموسى النبي " فيصنعون ثياباً مقدسة لهرون أخيك ولبنية ، ليكهن لي "( خر 28: 5) أواني المذبح هي أوان مقدسة للرب ، لأنها مخصصة لخدمته ، لا يمكن أن تستخدم في غرض آخر وتقديس بيت للرب معناها تخصيص بيت للرب ، فلا يمكن أن يستخدم في أي غرض آخر سوي عبادة الرب " بيتي بيت الصلاة يدعي " ( مت 21: 13) ولعل البعض يسأل ما معني قول الرب عن تلاميذه " من أجلهم أقدس انا ذاتي" ( يو 17: 19) ؟ معناها قول الرب عن تلاميذه " من أجلهم ، أي لأجل الكنيسة ، لأني جئت لأقدي هؤلاء وبهذه تكون المقدسات هي المخصصات للرب أي أنها أشياء للرب وحده وليس لغيره ، هي مخصصه للرب ، مثل البكور مثلاً وفي هذا يقول الرب علي لسان حزقيال النبي " هناك أطلب تقدمانكم وباكورات جزاكم جميع مقدستكم " ( حز 20: 40) ويقول عن بكور كل شجرة مثمرة " وفي السنة الرابعة يكون كل ثمرها قدساً لتمجيد الرب " ( لا 19: 24) أي يكون ثمرها مخصصاً للرب ، يعطي لكهنة الرب ( حز 44: 30) والموال التي تدخل إلي خزانه الرب في الهيكل ، قيل عنها " تكون قدساً للرب ، وتدخل في خزانه الرب "( يش 6: 19 ) . أي تخصص للرب وبنفس المعني كان تقديس الأيام أي تكون مخصصه للرب فعبارة " أذر يوم السبت لتقديسه " ( خر 20: 8) أي تخصص هذا اليوم للرب " لا تعمل فيه عملاً ما " إنه للرب وبنفس المعني تقديس كل مواسم الرب ، كل أعياده تقام فيها محافل مقدسة ، وتخصص تلك الأيام للرب لا تعمل فيها أي عمل ( لا 23: 7، 8، 21، 25، 31، 36) وهكذا تقدس الصوم معناه تخصيصه للرب تكون أيام الصوم مقدسه ، أي مخصصة للرب هي أيام ليست من نصيب العالم ، ولكنها نصيب الرب ، قدس للرب ولهذا وضح الوحي الإلهي هذا المعني بقوله " قدسوا صوماً نادوا باعتكاف "لأن الاعتكاف يليق بسبب أعمالك الرسمية أعتكف ما تستطيعة من الوقت لكي تتفرغ للب وإن ضاق وقتك علي الرغم منك ، فهناك معني آخر للتخصيص علي الأقل خصص هدف الصوم للرب وهكذا يكون صوماً مقدساً أي مخصصاً للرب في هدفه ، وفي سلوكه بهذا ندخل في المعني المتداول لكلمة مقدس ، أي طاهر ، لأنه للرب فهل هدف صومك هو الرب .
ما هو هدف صومك؟
لماذا نصوم ؟ ما و هدفنا من الصوم ؟ لأنه بناء علي هدف الإنسان ، تتحدد وسيلته وأيضاً بناء علي الهدف تكون النتيجة هل نحن نصوم ، لمجرد أن الطقس هكذا ؟
لمجرد أنه ورد في القطمارس ، أو التقويم ( النتيجة ) ، أن الصوم قد بدأ ، أو قد أعلنت الكنيسة هذا الأمر ؟ إذن فالعامل الفلبي الجواني غير متكامل طبعاً طاعة الكنيسة آمر لازم ، وطاعة الوصية أمر لازم . ولكننا حينما نطيع الوصية ، ينبغي أن نطيعها في روحانية وليس في سطحية وان كانت الكنيسة قد رتبت لنا هذا الصوم ، فقد رتبته من أجل العمق الروحي الذي فيه . فما هو هذا العمق الروحي ؟ ؟ وما هدفنا من الصوم ؟
هل هدفنا هو مجرد حرمان الجسد وإذلاله في الواقع إن الحرمان الجسد ليس فضيلة في ذاته ، إنما هو مجرد وسيلة لفضيلة وهي أن تأخذ الروح مجالها . فهل نقتصر علي الوسيلة ، أم ندخل في الهدف منها وهو إعطاء الروح مجالها ؟ ما اكثر الأهداف الخاطئة التي تقف أمام الإنسان في صومه !
فقد يصوم البعض لمجرد أن يرضي عن نفسه لكي يشعر أنه إنسان بار ، يسلك في الوسائط الروحية ، ولا يقصر في آيه وصية أو قد يصوم لكي ينال مديحاً لكي ينال مديحاً من الناس في صومه ، أو في درجة صومه وهكذا يدخل في مجال المجد الباطل ، أي يدخل في خطية ! ما هو إذن الهدف السليم من الصوم ؟
الهدف السليم أننا نصوم من أجل محبتنا لله من أجل محبتنا ، نريد أن تكون أرواحنا ملتصقة بالله . ولا نشاء أن تكون أجسادنا عائقاً في طريق الروح . لذلك نخضعها بالصوم لكي تتمشي مع الروح في عملها . وهكذا نود في الصوم ، أن نرتفع عن المستوي المادي وعن المستوي الجسداني ، لكي نحيا في الروح ، ولكي تكون هناك فرصه لأرواحنا البشرية أن تشترك في العمل مع روح الله ، وان تتمتع بمحبة الله وبعشرته . حقاً ان التمتع بمحبة الله وحلاوة عشرته ، من المفروض أن يكون أسلوب الحياة كلها . ولكن لا ننسي أننا ننال ذلك بصورة مركزه في الصوم ، فيها عمق اكثر ، وحرص أكثر ، كتدريب وكتمهيد لكي تكون هذه المتعه بالله هي أسلوب الحياة كلها فنحن نصوم لأن الصوم يقربنا إلي الله الصوم فيه اعتكاف ، والاعتكاف فرصة للصلاة والقراءة الروحية والتأمل والصوم يساعد علي السهر وعلي المطانيات والسهر والمطانيات مجال للصلاة . والصوم فيه ضبط للإرادة وانتصار علي الرغبات وهذا يساعد علي التوبة التي هي الطريق إلي الله وإلي الصلح معه ونحن نصوم وفي صومنا تتغذي علي كل كلمة تخرج من فم الله ( مت 4) إذن من اجل محبة الله وعشرته ، نحن نصوم نصوم ، لأن الصوم يساعد علي الزهد في العالميات والموت عن الماديات وهذا يقوينا علي الاستعداد للأبدي والالتصاق بالله إن كان الصوم إذن هو أيام مخصصه لله وحده ، وإن كنا نصوم من اجل الله ومحبته ، فإن سؤالاً يطرح نفسه علينا وهو
هل هناك اصوام غير خصصه لله ؟
نعم ، قد توجد أصوام للبعض لا نصيب لله فيا كإنسان يصوم ولا نصيب لله في حياته علي الرغم من صومه ! يصوم وهو كما هو ، بكل أخطائه ، لم يتغير فيه شئ ! أو يصوم كعادة ، أو خوفاً من الإحراج لأجل سمعته كخادم أو أن صيامه مجرد صوم جسداني كله علاقة بالجسد ، ولا دخل للروح فيه ! أو هو صوم لمجرد إظهار المهارة ، والقدرة علي الأمتناع عن الطعام أو قد يكون صوماً عن الطعام ، وفي نفس الوقت يمتع نفسه بشهوات أخري لا يقوي علي الأمتناع عنها! يظن البعض أن الصوم مجرد علاقة بين الإنسان وبين الطعام ، دون أن يكون الله طرفاً ثالثاً فيها كل اهتماماته في صومه هي هذه ما هي فترة الأنقطاع ؟ متي يأكل ؟ وكيف ينمو في أطاله فترة إنقطاعه ؟ وماذا يأكل ؟ وكيف يمنع نفسه عن أصناف معينه من الطعام ؟ وكيف يطوي أياماً ؟ كأن الصوم بين طرفين هو و الطعام ، أو هو والجسد ! دون أن يكون الله طرفاً في هذا الصوم بأيه صورة من الصور !! أحقاً هذا صوم ؟! إن الصوم ليس هو مجرد تعامل مع الجسد بل هو تعامل مع الله والصوم الذي لا يكون الله فيه ، ليس هو صوماً علي الأطلاق نحن من أجل الله نأكل ، ومن أجله نصوم من اجل الله نأكل ، لكي ينال هذا الجسد قوة يستطيع بها أن يخدم الله ، وأن يكون أميناً في واجباته تجاه الناس ونحن من أجل الله نجوع لكي نخضع الجسد فلا يخطئ إلي الله ولكن يكون الجسد تحت سيطرتنا ، ولا نكون نحن تحت سيطرة الجسد ، لكي لا تكون رغبات الجسد وشهواته هي قائدتنا في تصرفاتنا وإنما نسلك حسب الروح وليس حسب الجسد ، من أجل محبتنا لله ، وحفاظاً علي شركتنا مع روحه القدوس اما في غير ذلك فيكون الصوم مرفوضاً من الله .
أصوام باطلة ومرفوضة :-
ليس كل صوم مقبولاً من الله . فهناك أصوام باطلة ، لا تعتبر بالحقيقة أصوامأ ، وهي مرفوضة من الله . وقد قدم لنا الكتاب أمثلة من هذه الأصوام المرفوضة منها
1- الصوم الذي لكسب مديح الناس الصوم المكشوف الظاهر ، الذي يشاء أن يكون مكشوفاً لكي يراه الناس ويمتدحوه وعن هذا الصوم قال السيد الرب في عظته علي الجبل " ومتي صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين ، فإنهم يغيرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرهم وأما أنت فمتي صمت ، فادهن رأسك واغسل وجهك ، لكي لا تظهر للناس صائماً بل لأبيك الذي في الخطاء فأبوك الذي يري في الخفاء يجازيك علانية "( مت 6: 16-18 ) هذا الصوم الذي لمديح الناس ، ليس لأجل الله ، ولا نصيب لله فيه لذلك هو صوم باطل
2- وصوم الفريسي الذي وقف مثال آخر لصوم غير مقبول هذا الفريسي الذي وقف أمام الله يتباهي بفضائله ويقول " أصوم يومين في الأسبوع وأعشر جميع أموالي "وفي نفس الوقت كان يدين العشار قائلاً عن نفسه " لست مثل سائر الناس الظالمين الخاطفين الزناه ولا مثل هذا العشار " لذلك لم يخرج من الهيكل مبرراً، مثلما خرج العشار المنسحق القلب ( لو 18: 9-14) وهذا المثل يرينا ان الصوم الذي لا يمتزج بالتواضع والانسحاق هو صوم مرفوض من الله لأن صاحبه يظن في نفسه أنه بار ، ويحتقر الآخرين ( لو 18: 9) .
2- الصوم الذي هدفه خاطئ ، صوم غير مقبول .
ومن أمثله هذا الصوم أولئك اليهود الذين صنعوا اتفاقاً فيما بينهم " وحرموا أنفسهم قائلين إنهم لا يأكلون ولا يشربون حتي يقتلوا بولس . وكان الذين صنعوا هذا التحالف نحو الأربعين " أع 23: 12، 13) وطبعاً كان صومهم هذا خطية بل لا نستطيع أن نسمية صوماً بالمعني الروحي .
4- صوم الشعب الخاطئ أيام ارمياء النبي .
هؤلاء لم يقبل الرب صومهم بل قال عنهم لأرميا النبي " لا تصل لأجل هذا الشعب للخير حين يصومون لا أسمع صراخهم وحين يصعدون محرقه وتقدمه لا أقبلهم بل بالسيف والجوع والوبأ أنا أفنيهم "( أر 14 : 11، 12)هؤلاء لم يقبل الرب أصوامهم ولا صلواتهم ولا محرقاتهم ، لأنهم كانوا يعيشون في الشر ، وقلوبهم لم تكن طاهرة قدامه أذن الصوم البعيد عن التوبة هو صوم غير مقبول فالله يريد القلب النقي ، أكثر مما يريد الجسد الجائع والإنسان الذي يصوم فمه عن الطعام ، ولا يصوم قلبه عن الخطايا ، ولا يصوم لسانه عن الأباطير ، فصوم هذا الإنسان باطل ، حتي إن يسلم جسده ليحترق فلا ينتفع شيئاً ( 1 كو 13: 3)
5- والصوم العيد عن الرحمة و الصدقة ، غير مقبول وقد شرح الرب هذا الأمر لإشعياء النبي ، فقال له " يقولون لماذا صمنا ولم تنظر ؟ ذللنا أنفسنا ولم تلاحظ ؟ ها إنكم للخصومة و لنزاع تصومون أمثل هذا يكون صوم اختاره هل تسمي هذا صوماً ويوماً مقبولاً للرب ؟! أليس هذا صوماً أختاره حل قيود الشر ، فك عقد النير ، وإطلاق المسحوقين أحرارا أليس أن تكسر للجائع خبزك ، وأن تدخل الماسكين التائهين إلي بيتك " ( أش 58: 3- 7) فالذي يصوم ، حتي ولو كان صوماً بتذللك بالمسوح و الرماد ، يحني فيه كالأسلة رأسة ، هو صوم غير مقبول ، أ لم يكن ممتزجاً بأعمال الرحمة وبنقاوة القلب.
6- والصوم الذي ليس لأجل الله ، صوم باطل فقد يصوم إنسان ، لأن الأطباء أمروه بهذا وقد يصوم آخر من أجل رشاقة جسده وحسن منظرة وكلاهما ليس من أجل الله ، ولا ينتفع روحياً بصومه وقدوم إنسان ثالث ، بأسلوب إضراب عن الطعام ، وليس بهدف روحي ، ولا من أجل الله كما يمتنع رابع عن الطعام حزناً أو يأساً ، ولا نستطيع أن نعتبر أحداً من هؤلاء صائماً بالحقيقة نعود ونقول كل صوم ليس هو من أجل الله ، وليس هو بسبب روحي ، لا يمكن أن نعتبره صوماً علي الأطلاق ، ولا يقبله الله .
فما هو الصوم الروحي المقبول أمام الله ؟
هو الصوم الذي تكون فيه علاقة عميقة مع الله الصوم الذي تشعر فيه بالله في حياتك ، هو الفترة المقدسة التي تشعر أن الله يملكها ، وأنها مخصصة كلها لله ، وان وجود الله ظاهراً جداً خلالها في كل تصرفاتك ، وعلاقتك بالله تزداد وتنمو في كل يوم من أيام الصوم ، بمتعة روحية تشتهي بسببها أن يطول صومك ولا ينتهي لعل هذا يجعلنا نفحص سؤال هاماً وهو ما علاقة الله بصومك وهذا ما نجيب عليه فى المقاله القادمة
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
عن كتاب روحانية الصوم
المزيد