القمص بولا صليب يوسف كاهن كنيسة السيدة العذراء مريم بإبيار

Large image

المقالات (2)

27 أكتوبر 2022

شخصيات الكتاب المقدس يوئيل

يوئيل "ويكون بعد ذلك أنى أسكب روحى على كل بشر" " يؤ 2: 28 " مقدمة لا نكاد نعرف شيئاً كثيراً عن يوئيل النبى، فهو من الأنبياء الذين يختفون ليظهر ضوء الرب ونوره، من غير إشارة إلى المشعل الذى يحمل الضوء واسمه يكاد يشير إلى هذه الحقيقة، إذ أن اسمه يعنى « الرب هو اللّه »، وهو من الشخصيات التى لا يعرف بالضبط تاريخها، فبينما يرد البعض نبوته إلى سنة 810 ق.م، يعتقد آخرون أنه على العكس من ذلك، يأتى متأخراً جداً، ولعل موطن الخلاف بين الأثنين، هو أنه لا يكاد يظهر من نبوته أثر للانقسام بين المملكة الجنوبية والشمالية، فرسالته شاملة ليهوذا وإسرائيل معاً، وإن كان من المرجح أنه عاش فى أورشليم، ورسالته أدنى إلى المملكة الجنوبية، غير أن هذا الرجل العجيب، تتلخص حياته فى كلمة واحدة إذا شئنا الحقيقة: « النصر » فهو نبنى النصر، سواء جاء مبكراً أو متأخراً بين الأنبياء الصغار،.. ومن الغريب أن هذا النصر يأتى لاحقاً لخراب شامل لا يبقى ولا يذر، فمطلع نبوته عن الخراب والدمار والهزيمة القاسية، لكن هذا الخراب قاد الأمة إلى التوبة، وجاء روح اللّه، فى الأرض الخربة، كيوم الخمسين، ليصنع من قلب الخراب، نصراً عظيماً،... كان فى وسط الأنقاض ينادى بالنصر، وكما عاد المسبيون إلى ديارهم بعد الخراب الشامل،... وكما نبتت الكنيسة يوم الخمسين من قلب أمة مستعمرة خربة، لتغزو العالم كله، فإن نبوة يوئيل تمتد إلى آخر الأيام، حيث تخرج كنيسة المسيح منتصرة انتصارها الكامل على الشر والخراب فى العالم إن قصة هذا الرجل، ورسالته من ألمع القصص والرسالات التى ينبغى أن نراها ونتأملها ونحن نعالج الشخصيات الهامة فى كتاب اللّه، ولذا يحسن أن نراه فيما يلى: يوئيل والخطية القاتلة كان يوئيل، أشبه بالإنسان الذى يمشى بين الخرائب والأنقاض، ولو أنه كان مجرد كاتب من كتاب التاريخ، لحدثنا فقط عن نوعين من الخراب ألما بالبلاد، وأتيا على الأخضر واليابس، وهما: حرب الطبيعة، وحرب الإنسان،... فالطبيعة تتمثل فى غزوة الجراد، والحرب تظهر فى انقضاض العدو، وليس هناك وصف أرهب أو أقسى من وصف يوئيل لكليهما، ففى الأصحاح الأول، نرى غارة رهيبة مروعة استخدام فيها اللّه جيشه العظيم، من الجراد، من القمص، والزحاف، والغوغاء، والطيار - أربعة أنواع من الجراد بحسب ألوانها ونضوجها، وغارات الجراد رهيبة ومفزعة لم تبق على شئ، فالكرمة خربت، والتينة تهشمت، وقد تقشر كل شئ، وطرح، ولم تبق هناك سوى القضبان البيضاء الخالية من الورق والثمر معاً،... ولم تكن هناك تقدمة يمكن أن تقدم لبيت اللّه، بعد أن ضاع المحصول وتلف الزرع بأكمله: « انقطعت التقدمة والسكيب عن بيت الرب، ناحت الكهنة خدام الرب »... « تنطقوا ونوحوا أيها الكهنة، ولولوا ياخدام المذبح، أدخلوا بيتوا بالمسوح يا خدام إلهى لأنه قد امتنع عن بيت إلهكم التقدمة والسكيب » " يؤ 1: 9 و13) كما أن الفلاحين استولى عليهم البؤس والضيق: « خجل الفلاحون، ولول الكرامون على الحنطة وعلى الشعير، لأنه قد تلف حصيد الحقل. الجفنة يبست والتينة ذبلت.. الرمانة والنخلة والتفاحة، كل أشجار الحقل يبست. إنه قد يبست البهجة من بنى البشر ».. " يؤ 1: 11 و12 " « أما انقطع الطعام تجاه عيوننا، الفرح والابتهاج من بيت إلهنا، عفنت الحبوب تحت مدرها. خلت الأهراء. انهدمت المخازن، لأنه قد يبس القمح، كم تئن البهائم، هامت قطعان البقر لأن ليس لها مرعى، حتى قطعان الغنم تغنى. إليك يارب أصرخ لأن ناراً قد أكلت مراعى البرية، ولهيباً أحرق جميع أشجار الحقل، حتى بهائم الصحراء تنظر إليك لأن جداول المياه قد جفت والنار أكلت مراعى البرية». " يؤ 1: 16 - 20 " وفى الأصحاح الثانى وصف مروع رهيب للغزو الحربى: « شعب كثير وقوى لم يكن نظيره منذ الأزل، ولا يكون أيضاً بعده إلى سنى دور فدور. قدامه نار تأكل، وخلفه لهيب يحرق، الأرض قدامه كجنة عدن وخلفه قفر خرب، ولا تكون منه نجاة كمنظر الخيل منظره ومثل الأفراس يركضون كصريف المركبات على رؤوس الجبال يثبون. كزفير لهيب نار تأكل قشاً. كقوم أقوياء مصطفين للقتال. منه ترتعد الشعوب، كل الوجوه تجمع حمرة يجرون كأبطال. يصعدون السور كرجال الحرب،يمشون كل واحد فى طريقه ولا يغيرون سبلهم، ولا يزاحم بعضهم بعضاً، يمشون كل واحد فى سبيله وبين الأسلحة يقعون ولا ينكسرون، يتراكضون فى المدينة، يجرون على السور يصعدون إلى البيوت، يدخلون من الكوى كاللص. قدامه ترتعد الأرض وترجف السماء، الشمس والقمر يظلمان والنجوم تحجز لمعانها، والرب يعطى صوته أمام جيشه. إن عسكره كثير جداً. فإن صانع قوله قوى لأن يوم الرب عظيم ومخوف جداً فمن يطيقه » " يؤ 2: 2 - 11 "... ومن المعتقد أن هذا وصف من أرهب وأقسى الأوصاف القديمة التى حملها التاريخ لنا عن الحرب!!... على أنه من اللازم أن نشير إلى أن غزو الطبيعة، أو غزو الحرب، ليس مجرد أحداث شاءها سوء الظروف أو الطالع، أو نتيجة لهذا أو ذاك من ظواهر الطبيعة، أو علاقات الناس بعضهم بالبعض، إن الأمر عند يوئيل أعمق من ذلك كثيراً،.. إنه نتيجة الخطية القاتلة الرهيبة،... وإن يوم الرب بهذا المعنى، هو ذلك اليوم الذى يأتى فيه الرب، قاضياً دياناً، ليعاقب الخطية الفجور والفساد بين الناس، فى أى مكان وزمان، وفى الوقت عينه هو صورة ورمز ليوم الدينونة الأخيرة، عندما يضرب اللّه ضربته الكاملة للخطية، وحيث يقول الأشرار للجبال أسقطى علينا وللآكام غطينا من وجه الجالس على العرش ومن غضب الحمل!!.. يوئيل والتوبة الصادقة على أن يوئيل - وهو يتحدث عن الخطية التى تجلب كل هذا - يتحول فجأة من الظلام الرهيب، ومن الغيوم الشديدة، إلى نور الشمس المشرقة، وإلى رضا الساكن فى الأعالى، ويكشف عن روح اللّه الذى سيأتى بجلاله ومجده، ليغير كل شئ، ويقلب الأمور رأساً على عقب، أو بتعبير أصح، ليعيد الأمور إلى وضعها الصحيح، بعد أن قلبتها الخطية تماماً، ونحن لا نستطيع أن نرى الأمور فى وضعها الصحيح دون أن نربط بين النبوة كما تنبأ لها بها يوئيل، وتحقيقها فيما حدث يوم الخمسين، كما جاء فى عظة بطرس الرسول ولعله من المناسب أن نشير إلى أن يوم الخمسين، كان العيد الثانى الرئيسى عند اليهود، فالعيد الأول هو عيد الفصح، والثانى عيد الأسابيع، والثالث عيد المظال، وإذا كان الفصح عندهم رمز للتحرر من أرض مصر وعبوديتها، والمظال إعلاناً عن الشكر لراحتهم واستقرارهم فى أرض كنعان فإن عيد الأسابيع كان يشير إلى حقول الحنطة التى ابيضت للحصاد، ولذا كانوا يدعونه أيضاً عيد الحصاد أو يوم الباكورة، وكان يبدأ غد السبت السابع لسبت الفصح، أو بعد خمسين يوماً من ابتداء المنجل فى الزرع والتقليد اليهودى يعتقد أنه اليوم الذى نزلت فيه الشريعة على جبل سيناء. ومن ثم كان يوم الخمسين أنسب الأيام لانسكاب الروح القدس، وميلاد الكنيسة المسيحية، وباكورة الحصاد الهائل فى العالم والتاريخ والأجيال!!.. وهنا نحن نقف وجهاً لوجه أمام قوة الروح القدس، فإذا كانت الخطية قد خلفت الخراب والمجاعة فى غزوة الجراد الرهيبة، فإن روح اللّه قد جاء بالإثمار والحصاد العظيم الهائل،... وإذا كانت الخطية قد تركت الهزيمة القاسية، فإن روح اللّه - على العكس - يخرج النصر العظيم،... ويوئيل هنا يكشف عن عصر الروح القدس، العصر الذى لا يعمل فيه الروح فى حدود جزئية، كما كان يحل على الأنبياء أو المكلفين برسائل معينة من اللّه، وقد يكون هذا الحلول وقتياً لكنه يكشف عن الانسكاب الكامل الذى لا يفرق بين البشر، سواء من ناحية الجنس أو السن أو المجتمع: « إنى أسكب روحى على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويحلم شيوخكم أحلاماً ويرى شبابكم روئ، وعلى العبيد أيضاً وعلى الإماء أسكب روحى فى تلك الأيام » " يؤ 2: 28 و29 "والروح القدس عندما جاء غير كل شئ، وكان مصحوباً بالآيات والعجائب، فإذا كان قد أعطى البركة من جانب، فإنه من الجانب الآخر قد قضى بالدينونة على أورشليم الرافضة: « وأعطى عجائب فى السماء والأرض دماً وناراً وأعمدة دخان، تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجئ يوم الرب العظيم المخوف » " يؤ 2: 30 و31 "... ومن العجيب أن يوسيفوس المؤرخ اليهودى، وتاسيتوس المؤرخ الرومانى - قد تحدثا عن الظواهر العجيبة التى صاحبت حصار أورشليم. وقت أن دمرها الرومان، عندما تصاعد فيها الدم والنار وأعمدة الدخان، والمدينة فى طريقها إلى نهايتها الرهيبة، كما حدثانا عن كسوف فى الشمس وخسوف فى القمر الذى أضحى لونه فى لون الدم،... ومع أن هذا الرأى يلفت النظر إلى ما سيكون فى يوم الدينونة الأخيرة من ثورات الطبيعة الرهيبة، إلا أننا نرجح ما يذهب إليه كثيرون من المفسرين، من أن المعنى هنا رمزى، والشموس والكواكب هى الصور الهائلة عن التغييرات التى تحدث عندما تهزم المسيحية الدولة الرومانية، فتنهار نظمها وأكبر الشخصيات التاريخية فيها، ويتمخض التاريخ عن أعجوبة العجائب، ونعنى بها مسيحية الصيادين والفقراء، التى أسقطت قياصرة الرومان، وجبابرة الإمبراطورية العاتية تحت أقدام الناصرى العظيم،وعندما جاء روح اللّه، كان أظهر ما عمله هو تغيير الحياة بالتوبة الصحيحة، أو كما جاء فى أعمال الرسل: « فلما سمعوا نخسوا فى قلوبهم »" أع 2: 37 " أو كما جاء فى طلب اللّه على لسان يوئيل: « ولكن الآن يقول الرب: ارجعوا إلى بكل قلوبكم وبالصوم والبكاء والنوح، ومزقوا قلوبكم لا ثيابكم، وارجعوا إلى الرب إلهكم لأنه رؤوف رحيم بطئ الغضب وكثير الرأفة ويندم على الشر. لعله يرجع ويندم فيبقى وراءه بركة تقدمة وسكيباً للرب إلهكم »... " يؤ 2: 12 - 14" ولعلنا نلاحظ أن اللّه وهو يطلب تمزيق القلب لا الثياب، لا يقصد إتمام ذلك حرفياً، كأن يمسك الإنسان خنجراً أو سكيناً وينهال بها على قلبه بطعنات قاتلة، ولكن المعنى المقصود مجازى رمزى، تعبيراً عن أعمق حزن يمكن أن يتخيله الإنسان. فإذا كانت العادة فى القديم أن الإنسان يمزق ثيابه، أو يتغطى بمسح تعبيراً عن الحزن القاسى أو الدفين، فإن اللّه لا يرضيه هذا المظهر، إذ أنه يطلب الحزن الداخلى القلبى العميق،... أو فى عبارة أخرى، إن هناك أشياء كثيرة فى حياتنا الروحية الداخلية، يلزم تمزيقها بالتمام!!.. فالخطية بكل صورها ومشتهياتها يلزم أن تمزق، وكل أصنام رابضة فى القلب، يلزم أن تطرح وتحطم،... إلتقى رجلان عاشا فى الهند لمدة ثلاثين عاماً، وقال أحدهما - وقد كان يهوى صيد الحيوانات والوحوش البرية - لقد عشت فى الهند ثلاثين عاماً أصطاد فيها النمور، وقال الثانى وكان مرسلا: لقد عشت فى الهند ثلاثين عاماً دون أن أرى نمراً واحداً!!... وما أكثر الحيوانات الرابضة فى أعماقنا، ويلزم أن نمزقها من قلوبنا تمزيقاً دون أدنى شفقة أو تهاون أو تقاعس أو ترفق!!.. يوئيل والنصر العظيم آمن يوئيل بالنصر وهو يمد بصره إلى آخر الأيام، ولئن كانت رؤياه قد تحققت جزئياً فى الشعب اليهودى، ولاحت تباشيرها فى يوم الخمسين، كما عند سقوط أورشليم وتدميرها على يد تيطس الرومانى، إلا أن النبوة فى كمالها تأتى بنا إلى آخر الأيام عندما تسقط الخطية نهائياً وإلى الأبد، ولعل الدراسة الواعية للأصحاح الثالث من يوئيل، تأتى بنا إلى حقائق عظيمة: قائد النصر والقائد هنا، ليس إنساناً بشرياً، بل هو اللّه العلى بنفسه، والمعركة أساساً معركته، ومن ثم نجده يقول: « شعبى »... « ميراثى » « فضتى ».. « ذهبى »... « نفائسى الجيدة »... وهو يدخل المعركة - لا لمجرد أن يتمم العدالة والكرامة والحق، بين ظالم ومظلوم، وبين صاحب حق، والمعتدى على هذا الحق - بل لأنه هو اعتدى عليه، وجرح فى مركزه وكرامته ومجده،... وهو لا يمكن أن يهدأ على الإطلاق قبل أن يصحح هذا الوضع والأمر، بالضبط، أشبه بمن يلقى حجراً إلى أعلى، ومهما يرتفع الحجر فلابد أن يعود إلى الأرض، مأخوذاً بقانون الجاذبية وسلطانها،.. ومهما يحاول آلإنسان أن يقاوم هذه النواميس الطبيعية، فإنها ستتغلب عليه آخر الأمر، لتضع المقاومة فى وضعها الصحيح، طال الزمن أو قصر!!... وثمة أمر آخر فى القائد، إذ أنه القائد المحب الذى لا يهتم بالمجموع فحسب، بل بكل فرد على حده، إذ لكل واحد منا مكانه الثابت عنده، وهو لهذا لا يقول شعبى فحسب، بل يذكر أيضاً « الصبى » و« البنت » أو أصغر من فى هذا الشعب، أو أقلهم حظاً من الحياة،... إنه القائد الذى اندمج فى جنوده، وهو يخاطب الأعداء: « ماذا أنتن لى يا صور وصيدون وجميع دائرة فلسطين » " يؤ 3: 4 "... وهو هو بعينه الذى قال: « لأنى جعت فأطعمتونى، عطشت فسقيتمونى، كنت غريباً فآويتمونى، عرياناً فكسوتمونى مريضاً فزرتمونى، محبوساً فأتيتم إليّ.. بما أنكم فعلتموه بأحد أخوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم ».. " مت 25: 35 - 40 "« شاول شاول لماذا تضطهدنى؟!.. صعب عليك أن ترفس مناخس ».. (أع 9: 4 و5) وهو القائد المظفر: « والرب من صهيون يزمجر ومن أورشليم يعطى صوته فترجف السماء والأرض ».. " يؤ 3: 16 " إنه الأسد الخارج من سبط يهوذا!! … وإذا كان نابليون قد عد من عباقرة الحروب، لأنه كان يعتقد قبل أن يدخل المعركة، أن النصر لابد أن يواتيه، ولكن نابليون هزم فى موسكو أشر هزيمة، وعندما سئل لماذا هزم!!.. أجاب: لقد هزمنى الجنرال يناير أو برد الشتاء القارص، وانتهت عبقريته إلى سانت هيلانة، حيث عاش يلعق مرارة الهزيمة حتى الموت، … لكن قائدنا دائماً حى، وقادر على كل شئ، وخرج غالباً ولكى يغلب!!.. أعداء النصر وقد وصف يوئيل أعداء النصر وصفاً دقيقاً، إذ هم أولا الأعضاء الفاسقون، عبيد الفسق والخمر الذين « أعطوا الصبى بزانية وباعوا البنت بخمر ليشربوا » " يؤ 3: 3 ". أى أنهم باعوا الصبى الصغير من أجل شهوة الفسق مع زانية، وباعو البنت الصغيرة من أجل كأس من الخمر، أو فى عبارة أخرى، أنهم عبيد الاستباحة والشهوة والمجون، والعربدة والفساد،... كان نلسون سيد البحار وعبد المرأة،... وقد قال روبرت برنز، الشاعر المجيد، الذى هز مشاعر اسكتلندا: إنه لو دخل إلى غرفة ورأى فى ركن برميلا من الخمر، وفى الركن الآخر مدفعاً يهدد من يقف إلى جواره، بأنه سيطلقه على من يشرب المسكر، فإنه لا يتردد فى الشرب حتى ولو كان يواجه الموت لا محالة!!... ولم يستطع أدجار ألن بو » أعظم كاتب للقصة القصيرة فى أمريكا، التخلص على الإطلاق من الإدمان على المسكر،... وكان الأعداء، أعداء قساة، والشر دائماً يقسى القلب: « وألقوا قرعة على شعبى ».. عندما اقتسموا غنائمهم التى غنموها بفرح وبهجة وهم يقترعون على الضحايا وأموالهم!!.. وكان الأعداء أيضاً هم الأعداء اللصوص: « أخذتم فضتى وذهبى وأدخلتم نفائسى الجيدة إلى هياكلكم »، واللصوصية سمة أعداء اللّه فهم سارقون لكل شئ للحياة، والوقت، والمال والمواهب، والوزنات... وهم - إلى جانب ذلك - الأعداء الظالمون: « من أجل ظلمهم لبنى يهوذا »... وهل يمكن أن يكون الخاطئ القاسى الشهوانى اللص إلا ظالماً ومستبداً،... قيل إن روما صنعت تمثالا لأحد العشارين، لأنه كان الوحيد الذى يجبى الأموال بالعدل!!.. وهم آخر الأمر الأعداء الوثنيون الذين أدخلوا نفائس الرب إلى هياكلهم، كانو لصوصاً وفجاراً وأثمة وأشراراً،... فمن الغريب أن يكون لهم أيضاً هياكل!!... أبطال النصر على أنه من الوجهة الأخرى، كان هناك أبطال النصر الذين أطلق عليهم الوحى « الأبطال »... وفى الواقع أن الذين يحاربون من أجل اللّه هم الأبطال حقاً: « إلى هناك أنزل يارب أبطالك » " يؤ 3: 11 " وبطولتهم هى البطولة الحقيقية لا الزائفة، ومن يضارع فى البطولة يوسف، وموسى، وداود وبطرس، ويوحنا، وبولس؟ …، ونقرأ فى سفر الرؤيا فى الأصحاح التاسع: «وشكل الجراد شبه خيل مهيأة للحرب، وعلى رؤوسها كأكاليل شبه الذهب ووجوهها كوجوه الناس»، وهى صورة الأكاليل التى توضع على رؤوس الأبطال الزائفين فى الأرض، وهى ليست ذهباً، بل هى » شبه الذهب » لأنها بطولة زائفة كاذبة، أما أبطال اللّه الذين يقفون إلى جانب الحق مهما كان ضعفهم، فليقل الضعيف فيهم بطل أنا!!.. معركة النصر وهى الحرب الضروس الشاملة للعالم كله: « أجمع كل الأمم.. جماهير » " يؤ 3: 2 - 14 " وهى ليست قاصرة على جماعة دون جماعة، أو على أمة دون أمة،... كانت الحروب القديمة تقوم فى نطاق محدود، ثم أخذ هذا النطاق يتسع حتى عرفنا الحروب العالمية،... وإذا كان العالم ينقسم الآن إلى كتلتين رهيبتين، بينهما دول أطلقت على نفسها « الدول غير المنحازة »،... إلا أن معركة الخير والشر لا يمكن أن يكون فيها شئ اسمه الحياد أو عدم الانحياز، لأن من ليس معنا فهو علينا،... ولا مهرب من الوقوف إلى جانب الخير أو جانب الشر!!.. إنها فى الواقع، المعركة المقدسة. لقد تصور البعض أن القول: « اطبعوا سكاتكم سيوفاً ومناجلكم رماحاً، ليقل الضعيف بطل أنا » يقصد به الأعداء الذين يشددون بعضهم بعضاً، غير أن الراجح أنه نداء اللّه لجميع المؤمنين للدخول فى المعركة، وأن آلات الاقتصاد فى الزرع والحصاد ينبغى أن تتحول إلى أداة للحرب، أو فى عبارة أخرى، بالمقابلة مع لغة ميخا وإشعياء، والتى قيل فيها يطبعون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل، من واجب المؤمنين أن يكرسوا كل جهدهم للمعركة المقدسة،... فالوقت والمال والجهد وكل قوة ينبغى تكريسها لهدم سلطان الشر فى الأرض،... وعلينا فى كل الظروف أن ندرك أن يد اللّه متدخلة فى كل شئ،.. وكما حدث فى وادى يهوشافاط حين آمن هذا الملك بالنصر حسب وعد اللّه له عندما تألب عليه المؤابيون والأدوميون والعمونيون، وساعد بعضهم على إهلاك بعض، ولم يفعل يهوشافاط أكثر من الترنم والصلاة،... هكذا يحدث معنا فى كل العصور، وهكذا سيحدث فى اليوم الأخير، عندما نرنم ترنيمة موسى والحمل!!.. مجد النصر بدأ يوئيل نبوته بالحرب والخراب، وانتهى بالجلال والمجد: « ويكون فى ذلك اليوم أن الجبال تقطر عصيراً والتلال تفيض لبناً وجميع ينابيع يهوذا تفيض ماء ومن بيت الرب يخرج ينبوع ويسقى وادى السنط » " يؤ 3: 18 " - أو فى عبارة أخرى - إن الأرض التى ضربت باللعنة، وضاع منها الفردوس الأرضى، بسبب خطية الإنسان، تعود مرة أخرى، لتأخذ مجدها العظيم، فى الأرض الجديدة والسماء الجديدة، عندما تكمل قصة الفداء، فإذا كان لنا أن نحلل هذا المجد كما جاء على لسان النبى،... فهو فى الواقع مجد البطولة وهى بطولة الأحياء، وليست بطولة الموتى،... وإذا كانت انجلترا قد أكرمت أبطالها، إذ دفنت فى مقابر وستمنستر أولئك الذين أدوا أعظم الخدمات للامبراطورية البريطانية، وبقى رفاتهم مزاراً يذهب إليه الناس ليروا أعظم الرجال والأبطال... إلا أن مجد النصر الإلهى أعظم وأكمل وأمجد، لأنه مجد الأبطال الخالدين الذين كتبت أسماؤهم فى سفر الحياة، وقد اجتازوا الموت إلى الخلود بيسوع المسيح، وأعطاهم اللّه مجد التشبه به، والسير فى معيته، وخدمته،... ومهما عانوا من متاعب ومعارك فى الحياة،... فإنهم لا يملكون إلا أن يصيحوا مع ذلك البطل القديس، والذى كان واحداً من أغنياء لندن، ولكنه استمع إلى نداء المسيح، فترك الثروة والغنى، والجاه والنفوذ والسلطان، وعاش فى خدمة اللقطاء،... وفى أخريات حياته، وهو يموت شبه وحيد فى أحد المستشفيات قال له أحدهم: لقد كان من الممكن أن تقضى حياة أكثر ظهوراً وبروزاً ومجداً، فلماذا دفنت نفسك بين اللقطاء؟!!.. وأضاء وجه الرجل وهو يقول: إن الذى علق على الصليب أمسكنى، وما كنت لأهرب، ولم أندم لأنى قضيت حياتى لمجد ابن اللّه فى الأرض!!..
المزيد
31 يوليو 2022

المسيح هو الحياه في مواجهة الموت ووراثة الخطية

تحدثنا الكنيسة في هذة الفترة عن عمل ربنا يسوع المسيح داخل الكنيسة، وعمل الكنيسة في وسط العالم، وعن قوة الحياة التي بدأت حينما تجسد ربنا يسوع المسيح، وصار علي الأرض، الإله الذي هو خالق كل شئ، اراد أن يدخل إلي ضعفنا وطبيعتنا وصورتنا، ليكون مشاركاً لنا. هذا الحال الذي هو السجن، والذي صرنا فيه من بعد السقوط والخطية المسيح هو الحياة "أنا هو القيامة والحياة"، والإله الصانع كل شئ هو عمق الحياة، فحينما يوجد الإله توجد الحياة، وخارج الوجود الإلهي موت، فلذلك الخطية هي موت، لأنها رفض الوجود والحياة مع الله، الخطية هي عمل دخيل علي الطبيعة الإنسانية، لأنه حينما خلق الله الإنسان، خلقة يحمل شبهه ومثاله، الشبه هو الحياة. الوجود الإلهي ضد كل ما هو موت تحمل الكنيسة سلطان الحياة من وجود المسيح فيها، فحينما يوجد المسيح لا يوجد موت، بل تتحول كل صور الموت إلي صور حياة حينما يحل الروح القدس علي مياة المعمودية، تتحول المياة من مجرد أمور مادية زائلة، إلي إمكانية وجود حياة، فنولد من جديد. وحينما يحل المسيح بذاته علي المذبح، ويتخذ المادة التي علي المذبح بصورة جديدة، تتحول تلك المادة من مجرد ترابيات، إلي المسيح الذي يعطي الحياة، فتكون الأفخارستيا والتناول هو الحياة. آتي المسيح لكي يواجه الموت وجهاً لوجه "معجزة إقامة لعازر" مواجهة الموت لم تكن فقط في القبر، لأنه ليس كل الأموات مدفونين في القبور، هناك أموات مدفونه في الصدور والقلوب، وفي الأفكار، هناك أموات تحمل أكفاناً مزركشة، وملامح قد يراها الآخرين أنها جميلة، ولكنها تخفي الموت. جاء المسيح لكي يغير تلك الصورة، ويعطي للحياة إمكانية الوجود والصمود أمام الموت الذي في داخلنا وينهشنا.كان الموت فينا، وفي كل من يولد "بالخطية ولدتني أمي" والخطية هو صورة الموت، لأننا نولد ونحن نحمل صورة الموت. ولذلك الكنيسة في طقوسها، تري أن المرأة التي تحمل دم سواء جنين، إنه دم يحمل موت، وتقول للأم: "فلتطهر من نجاساتها" لم تقصد الكنيسة هنا نجاساتها الشخصية، أو صورة خطية، أو النجاسة بمعني النجاسة الفعلية، ولكنها هنا هي دم الإنسان الذي يولد، وهو يحمل صورة الموت ففي العهد القديم ذكر الله هذة الفكرة يقول "تصير نجسة سبعة أيام، ثم تطهر من نجاساتها"، تكلم عن المرأة التي في داخلها هذا الدم، الذي هو بداية فكرة تكوين الإنسان في رحمها وفي احشائها، يقول عنها أنها نجاسة وهؤلاء الأشخاص الذين لا يفهموا غير الأمور السطحية ويقولوا: وهل الله يخلق نجاسة؟ يقصد الله بالنجاسة هي ميراث الخطية نفسها. الدم هنا يحمل ميراث الخطية؟ رو13:5 "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلي العالم، وبالخطية الموت، وهكذا إجتاز الموت إلي جميع الناس، إذ أخطأ الجميع"الترجمة العربي ضعيفة، بينما الترجمة اليوناني مع الأصل القبطي متطابقة جداً وتقول: "وهكذا اجتاز الموت إلي جميع الناس، إذ جميعهم أخطأوا فيه "في آدم" وبمعني آخر "بسبب الذي فيه "آدم" اخطأوا الجميع".الذي فيه "إنختف" باللغة القبطية (في كيانه)، أخطأ الجميع. ففي عقيدتنا نحن نولد ونحن نرث خطيئة، نحن جميعنا طبيعة أخطأت. هرطقة البيلاجية التي ظهرت في إنجلترا بداية القرن الخامس ترفض تماماً ميراث الخطية، و نتيجة الحوار بين القديس أغسطينوس، والقديس جيروم والأباء في هذة الفترة، والمجامع التي حرمت هذة الهرطقة، صار ما يُسمي "نصف بيلايجة" ينادوا بأنهم لم يرثوا خطية آدم، ولكن ورثنا نتيجة الخطية.بيينما إيمان الكنيسة وتعليمها أننا ورثنا الخطية، يقول البابا أثناسيوس"لم يكن مستطاعاً لأحد أن يرد البشر عن الفساد الذي حدث، غير كلمة الله الذي خلقهم منذ البدء،فهو وحده الذي يليق بطبيعتة ان يجدد خلقة كل شئ".إيماننا أننا نولد ونحن نرث الخطية، فقد ورثنا حالة كاملة، خطية بنتائجها، فلا يمكن أن أرث النتيجة دون أن أرث الطبيعة الخاطئة، نحن نولد وقد ورثنا طبيعة أخطأت في آدم، لم يكن آدم وحواء أفراد، ولكنهم طبيعتنا الأولي.لذلك تجسد المسيح ليحمل طبيعتنا، ويحمل هذة الصورة، ولأنه هو الحياة، لم يكن ممكناً ابداً للموت أن يغلبه، لأنه مصدر الحياة. "فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس"رو 17:5 "الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح""صارت الهبة إلي جميع الناس لتبرير الحياة" هو جاء ليقف أمام الموت في داخلنا، نحن نحمل طبييعة مائتة لأننا نحمل طبيعة خاطئة وساقطة، أما هو فقد جاء لكي يضخ في هذا الخاطئ الذي هو أنا، سواء بطبيعتي الأولي فأعطاني الفداء والمعمودية، أو بسواء بخطيئتي المتجددة عن ضعف، فيأتي ويقف أمام الموت الذي في داخلي، ويدخلني إلي شركة الكنيسة، فأدخل في شركة الحياة بالأفخارستيا.رو 23:6 "لأن أجرة الخطية موت، أما هبة الله فهي حياة أبدية".1كو53:13 "لأن هذا الفاسد يلبس عدم فساد، هذا المائت يلبس عدم موت".هذا الفاسد والمائت هو أنا، وهذا الذي نحمله في داخلنا يبتلع موتنا هو المسيح نفسه. رو 9:5 " ونحن متبررون الآن بدمه، نخلص من الغضب".كل من يحتمي فيه، ويتحد به، يخلص من الغضب.كو13:1 "الذي أنقذنا من سلطان الظلمة، ونقلنا إلي ملكوت إبن محبته" عب 15:9 " لأجل هذا هو وسيط عهد جديد، لكي يكون المدعون ( بمعني إكلسيا أو كنيسة) إذ صار موت لفداء التعديات الذي في العهد الأول، يناولوا وعد الميراث الأبدي. 1بط 24:2 "الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده علي الخشبة، لكي نموت عن الخطايا فنحيا في البر".إذاً الموت في داخلنا يعمل في كل أمور حياتنا، فالذي يحيا بدون المسيح، يحيا في الموت، وتنتهي حياته إلي لا شئ، أما الذي في المسيح، تتغير الحياة. هذا المائت الذي ولد بطبيعة مائتة، يمكنه أن يصير قديساً "نظير القدوس الذي دعاكم، كونوا قديسين". يقول القديس كيرلس الكبير:"كان يلزم لأجل خلاصنا أن كلمة الله يصير إنساناً، لكي يجعل جسد الإنسان الذي تعرض للفساد، خاصاً له لكونه هو الحياة، ليبطل الفساد الذي فينا".من يريد الحياة، فليأخذ المسيح.كان الأنبا أنطونيوس يقول لأولادة: "تنسموا المسيح دوماً".هكذا عاش القديسيون، وهكذا تحول الموت الذي كان هو حالة رعب وبكاء دائم إلي فرح أبدي. نحن ننظر إلي الموت الآن، أنه المعبر إلي الحياة الأبدية، فلم يعد الموت شر، ولا حالة العدم التي يخاف منها المريض، ولا الذي يدخل يعاني من الشيخوخة، ويظن أن أيامه أنتهت، بل أيامه ستبدأ حينما يدخل في الحياة الأبدية. يقول القديس أغسطينوس: "إني أشتهي الموت لكي آراك".ويقول الأنبا أنطونيوس: "الموت يحررنا من الأمراض التي نخضع لها في هذة الحياة".لم يقصد أمراض الجسد، ولكن أمراض الخطية. يقول ذهبي الفم: "هذا هو حال القيامة، إنه مات لكي لا نموت".يقول الشهيد كبريانوس: "بالموت نترك الأتعاب المؤلمة، ونتخلص من أنياب الشياطين السامة، نذهب إلي دعوة المسيح، نحن متهللون بالخلاص الأبدي".لم يعد الموت هو هذة الأمور التي نرتعب منها، بل صار الموت هو طاقة النور التي ننتظرها لنعيش فيها، صار الموت هو الجسر الذهبي الذي يعبر بنا من أرض متعبة مزعجة، وأمور كلها تدخلنا في صراعات والآلام إلي الراحة الأبدية، إلي الوجود مع المسيح "لا يكون موت بعد، ولا بكاء، ولا ألم، ويمسح الله كل دمعة من عينونكم".نحن ننتظر أن نعبر لأننا نؤمن بأن المسيح قد أعطانا حياة أبدية.لإلهنا كل مجد وكرامة إلي الأبد أمين. القمص أنجيلوس جرجس كاهن كنيسة أبي سرجة مصر القديمة
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل