الرب يسوع يُشارك في خدمة التسبيح

10 ديسمبر 2018

نستطيع أن نتوقع أن ربنا يسوع المسيح نفسه قد اشترك في ترنيم المزامير داخل الهيكل، وفي المجامع أيام السبت حسب الترتيب المستقر وقتها هذا الأمر بدأ منذ طفولة الرب يسوع "وكانَ أبَواهُ يَذهَبانِ كُلَّ سنَةٍ إلَى أورُشَليمَ في عيدِ الفِصحِ" (لو41:2)، واستمر بعد ذلك وهذا يتضح من بقائه في الهيكل في سن 12 سنة "وبَعدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ وجَداهُ في الهيكلِ، جالِسًا في وسطِ المُعَلمينَ، يَسمَعُهُمْ ويَسألُهُمْ" (لو46:2) ويتضح أيضًا من مواظبة السيد المسيح على المجمع في أيام السبوت "وجاءَ إلَى النّاصِرَةِ حَيثُ كانَ قد ترَبَّى ودَخَلَ المَجمَعَ حَسَبَ عادَتِهِ يومَ السَّبتِ وقامَ ليَقرأَ" (لو16:4) لقد كان الرب يسوع مُشاركًا في كل العبادة، لأنه بتجسده كان لا بد له أن يُمارس كل ما يختص بنا كإنسان كامل وقد شرح الرب يسوع ذلك في قوله ليوحنا المعمدان: "لأنَّهُ هكَذَا يَليقُ بنا أنْ نُكَملَ كُلَّ بِرٍّ" (مت15:3)وقد شارك أيضًا تلاميذ الرب يسوع في خدمة التسبيح بالهيكل وهذا واضح في التسبيح الذي قدَّمه تلاميذه الأطهار عند دخوله أورشليم "ولَمّا قَرُبَ عِندَ مُنحَدَرِ جَبَلِ الزَّيتونِ، ابتَدأَ كُلُّ جُمهورِ التلاميذِ يَفرَحونَ ويُسَبحونَ اللهَ بصوتٍ عظيمٍ، لأجلِ جميعِ القوّاتِ التي نَظَروا" (لو37:19) وكذلك في ليلة آلام السيد المسيح حيث قيل: "ثُمَّ سبَّحوا وخرجوا إلَى جَبَلِ الزَّيتونِ" (مت30:26) ويغلب الظن أنهم سبَّحوا بـ "مزامير التهليل" حسب عادة اليهود في مثل هذا العيد، وهي (المزامير 112 - 118).
(1) وصف لروحانية أيام السيد المسيح على الأرض
يُمكن أن نقول إن التسبيح وخدمة الهيكل والذبائح كانت قد وصلت إلى قمم عالية وقت تجسد الله فكان الهيكل يعُج دائمًا بالمصلين، وكانت مواعيد الأعياد والصلوات والذبائح تُتمم بكل تدقيق وحرص، كما يظهر في قصة زكريا: "فبَينَما هو يَكهَنُ في نَوْبَةِ فِرقَتِهِ أمامَ اللهِ، حَسَبَ عادَةِ الكَهَنوتِ، أصابَتهُ القُرعَةُ أنْ يَدخُلَ إلَى هيكلِ الرَّب ويُبَخرَ" (لو8:1-9)، مما يدل على انتظام الفرق والنوبات والعوائد الكهنوتية والدخول للهيكل والتبخير كانت هناك أيضًا فئات كثيرة من الشعب حريصة على إتمام الواجبات الدينية مثل الفريسيين والصدوقيين والكتبة وإن اتسمت عبادتهم بالحرفية وغياب الروحانية، ولكن مع ذلك يذكر العهد الجديد العديد من الشخصيات المباركة التي مارست العبادة بروحانية وتقوى مما يدل على الأثر القوي لذبيحة التسبيح على حياتهم وروحانيتهم ومن هؤلاء مثلاً: زكريا الكاهن وامرأته أليصابات اللذان شهد عنهما الإنجيل "وكانا كِلاهُما بارَّينِ أمامَ اللهِ، سالِكَينِ في جميعِ وصايا الرَّب وأحكامِهِ بلا لومٍ" (لو6:1) ولم يكونا هما فقط بل قيل أيضًا: إن جمهورًا كثيرًا من الشعب كان يصلي ففي قصة ظهور الملاك لزكريا قيل: "وكانَ كُلُّ جُمهورِ الشَّعبِ يُصَلّونَ خارِجًا وقتَ البَخورِ" (لو10:1)، وقد فهم الشعب بكل حِس روحي دقيق أن زكريا قد رأى رؤيا في الهيكل لأنه كان صامتًا بعد خروجه من الهيكل (راجع لو22:1).
(2) شخصيات روحانية بارزة عاصرت التجسد الإلهي
إنه جيل عظيم أنجب زكريا وأليصابات، وأنجب يوحنا أعظم مواليد النساء، بل وأنجب سيدة كل البنات العذراء القديسة مريم من والديْن تقيين أيضًا وهما يواقيم وحنة وهذا الجيل أيضًا أنتج لنا كل الآباء الرسل الأطهار، وكل الجيل الأول للمسيحيين قبل دخول الأمم في الإيمان حقًا لقد صلبوا رب المجد، ولكن في وسط ذلك الجيل المعوج والملتوي كانت هناك أنوار تضيء بينهم في العالم (راجع فيلبي15:2) وأعتقد أن الفضل في ذلك يرجع إلى تهذيبهم روحيًا من خلال ذبيحة التسبيح والصلاة بالهيكل لقد كانت معظم تسبحة "العذراء مريم" مأخوذة من كلمات المزامير والتسابيح الموجودة بالهيكل مما يدل على شِبعها بهذه الروح الكنسية العميقة بسبب تواجدها الدائم بالهيكل قبل أن يأخذها الشيخ يوسف النجار إلى منزله وكذلك تسبحة "زكريا" بعد ولادة يوحنا المعمدان امتلأت بتعابير من المزامير والتسابيح، والتسبحة التي فاه بها سمعان الشيخ تدل على روحانية سامية في تأليف التسبيح الكنسي كذلك قيل عن "حنة النبية" بنت فنوئيل إنها كانت "وهي أرمَلَةٌ نَحوَ أربَعٍ وثَمانينَ سنَةً، لا تُفارِقُ الهيكلَ، عابِدَةً بأصوامٍ وطَلِباتٍ ليلاً ونهارًا فهي في تِلكَ السّاعَةِ وقَفَتْ تُسَبحُ الرَّبَّ، وتكلَّمَتْ عنهُ مع جميعِ المُنتَظِرينَ فِداءً في أورُشَليمَ" (لو37:2-38) إنني أتعجب من هذه الروحانية السامية فهذه امرأة تعيش في الهيكل 84 سنة، وعندها روح النبوة، وتتوقع مع كثيرين من سكان أورشليم فداءً عتيدًا أن يحدث قريبًا حسب النبوات لذلك تقف في استقبال الطفل يسوع تُسِّبحه وتُمجد خلاص الله!!!من الظلم أن نعتبر كل الجيل الذي ظهر فيه السيد المسيح جيلاً شريرًا لأنهم صلبوه، ولكن دعونا نرى هذه الأنوار التي تدل على الروحانية السامية في بعض الأشخاص المعاصرين لهذا الجيل.
لقد قيل أيضًا عن "يوسف الرامي" إنه: "كانَ هو أيضًا مُنتَظِرًا ملكوتَ اللهِ" (مر43:15).
و"شاول الطرسوسي" بالرغم من أنه كان يضطهد المسيحيين، لكنه كان يفعل ذلك بجهل كأنه يقدم خدمة لله حسب قول السيد المسيح: "بل تأتي ساعَةٌ فيها يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقتُلُكُمْ أنَّهُ يُقَدمُ خِدمَةً للهِ" (يو2:16)، وقد اعترف بذلك القديس بولس الرسول قائلاً: "أنا الذي كُنتُ قَبلاً مُجَدفًا ومُضطَهِدًا ومُفتَريًا ولكنني رُحِمتُ، لأني فعَلتُ بجَهلٍ في عَدَمِ إيمانٍ" (1تي13:1)، وطفوليته كانت مليئة بمعرفة الله، كما شهد هو بنفسه "فسيرَتي منذُ حَداثَتي التي مِنَ البُداءَةِ كانَتْ بَينَ أُمَّتي في أورُشَليمَ يَعرِفُها جميعُ اليَهودِ، عالِمينَ بي مِنَ الأوَّلِ، إنْ أرادوا أنْ يَشهَدوا، أني حَسَبَ مَذهَبِ عِبادَتِنا الأضيَقِ عِشتُ فريسيًّا" (أع4:26-5) وإن كانت روحانياته بطريقة فريسية متشددة، لكنها على كل الأحوال تدل على اهتمام روحي وانشغال بالأمور الدينية بطريقة تناسب الفكر اليهودي الحرفي، ويشهد القديس بولس أيضًا أن الأسباط جميعًا كانوا في حالة روحية عالية توقعًا لمجيء المسيح "الذي أسباطُنا الاثنا عشَرَ يَرجونَ نَوالهُ، عابِدينَ بالجَهدِ ليلاً ونهارًا" (أع7:26) وعائلات كثيرة كانت تتوارث الإيمان والتقوى والعبادة الروحانية مثل عائلة تيموثاوس الرسول فقد كان أيضًا من الشخصيات المباركة في هذا الجيل: جدة تيموثاوس (لوئيس)، وأمه (أفنيكي) "إذ أتذَكَّرُ الإيمانَ العَديمَ الرياءِ الذي فيكَ، الذي سكَنَ أوَّلاً في جَدَّتِكَ لوئيسَ وأُمكَ أفنيكي، ولكني موقِنٌ أنَّهُ فيكَ أيضًا" (2تي5:1) كل هذه الشخصيات الروحانية المباركة المعاصرة لوقت تجسد كلمة الله تدل على المستوى الروحي الراقي الذي كانوا يتمتعون به وتُشير إلى ارتفاع قيمة العبادة والتسبيح عند الشعب.
نيافة الحبر الجليل الانبا رافائيل أسقف عام وسط القاهرة

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل