المقالات

31 يوليو 2021

الصلاة فى مزامير داود النبى

كما شرحها القديس يوحنا ذهبي الفم حينما خاطب القديس يوحنا ذهبي الفم شعبه سواء مباشرة من على المنبر أو بالمقالات المكتوبة، كان يستعرض فهمه للطبيعة البشرية ولتقلُّبات الحياة اليومية. وقد كان اهتمامه الأول أن يسمو بشعبه ويجذبهم ليقتربوا أكثر فأكثر من شخص الرب يسوع المسيح. كان يحاول باستمرار، ليس فقط أن يُعلِّمهم كيف يحيون حياتهم متشبِّهين بالمسيح، بل وأيضاً كيف يُنمون حياتهم الروحية. وكانت الصلاة من بين الموضوعات التي كان يُكثر الحديث عنها. وفي شروحاته على المزامير يتناول هذا الجانب الهام: ”الصلاة“ بتوسُّع، وإن كان ليس على سبيل الحصر.ولا يتحدث القديس ذهبي الفم عن الصلاة من جهة أنواعها المتعددة (صلاة التمجيد، صلاة التوسُّل... إلخ)، بقدر ما يتكلَّم عن هدف أن يستجيب الله صلاتك بأي نوع كانت. ويدور تناوله لهذا الجانب من الصلاة حول داود النبي والمرنِّم، وكيف كان يسعى لإرضاء الله حتى يستجيب له.وفي شرحه للمزمور السابع الذي يصفه بأنه ترنيمة شكر لله بعد انتصار داود على ابنه أبشالوم، يُعدِّد القديس ذهبي الفم ستة شروط لاستجابة الله لصلواتنا: شروط استجابة الصلاة: أولاً: أن تكون جديرة بالقبول من الله، ثانياً: أن يُصلِّي الإنسان بما يتوافق مع شرائع الله، ثالثاً: أن يُصلِّي الإنسان على الدوام وباستمرار، رابعاً: أن لا نطلب متاع الأرض في صلواتنا، خامساً: أن نطلب ما هو نافع حقًّا لنا، سادساً: أن نفعل كل ما في مقدورنا فعله من صلاح. إن العلاقة بين الصلاة والحياة عموماً هي موضوع رئيسي في شروحات المزامير للقديس يوحنا ذهبي الفم ولا يعسر علينا العثور عليها كثيراً في سائر عظاته الأخرى. فالحياة التي يعيشها الإنسان، والطريقة التي يُعامِل بها رفقاءه مــن بني البشر، ومـا يكمن داخل أعماق نفسه، كل هذه أمور ضرورية للصلاة الناجحة، تماماً مثل أهمية كلمات الصلاة نفسها. كما أنه ليس هناك أسلوب محدَّد للكلمات التي نُرضي بها الله، فمعاني الكلمات والإحساسات التي تقف وراءها هي التي تهم.وهنا يتضح تأثير رسائل القديس بولس الرسول. فالقديس بولس كثيراً ما تكلَّم عن سلوك الحياة كما يحق للرب، وفي كولوسي 10:1 يصف مثل هذه الحياة بأنها الإثمار في كل عمل صالح. وفي تسالونيكي الأولى 17:5 يحث المسيحيين على الصلاة الدائمة. وهو في هذا يكرر الوصية في رومية 12:12: «مواظبين على الصلاة»، وتصريحه في أفسس 18:6: «مُصلِّين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح». أما عن الحياة بحسب مشيئة الله فيوصي الرسول المسيحيين في رومية 2:12: «ولا تشاكلوا هذا الدهر» (أي لا تعيشوا بحسب هذا العالم)، ويوبِّخ بولس الرسول مسيحيي فيلبي الذين «يفتكرون في الأرضيات» (في 19:3). ويربط القديس ذهبي الفم بين الشرط الخامس لاستجابة الصلاة وبين القديس بولس حينما صلَّى إلى الله أن يرفع عنه الشوكة التي في جسده فلم يستجبْ، بأنها مَثَل للصلاة من أجل ما ليس نافعاً للإنسان.ومما لا شكَّ فيه أنه كان للقديس بولس تأثير عميق في تعاليم القديس ذهبي الفم. وكثيرة جداً هي إشارات القديس ذهبي الفم في كل كتاباته وفي بعض من باقي أعماله (وإن لم يكن في شروحاته على المزامير) حيث يُسجِّل إعجابه بلا حدود بالقديس بولس. ويرجع ذهبي الفم إلى القديس بولس ليس بمجرد ترديد نصوص من رسائله؛ بل هو يستغرق في كتاباته فيرجع إلى مضمون مفاهيمه اللاهوتية حينما يتناول موضوعاً مـا. وكمثال لهذا، مـا نـراه في الشروط الستة لاستجابـة الصلاة. فباستثناء ”الصلاة بـلا انقطاع“ (1تس 12:5)، فإن باقي الأمثلة المستقاة من رسائل بولس الرسول لا تختص بالصلاة بالذات، بل بوصايا بولس الرسول للسلوك في الحياة المتمثِّلة بالمسيح. مما يلفت نظرنا إلى أن الصلة بين الحياة المتمثِّلة بالمسيح وبين الصلاة الناجحة هي لفتة يتميز بها القديس يوحنا ذهبي الفم. وهذه الدراسة قائمة على شروط ذهبي الفم الستة كما يشرحها ليس فقط في تفسيره للمزمور السابع، بل وفي كل شروحاته على المزامير. وفي هذه الدراسة قسَّمتُ هذه الشروط إلى قسمين اثنين: الشرطان الأول والسادس مختصَّان بالحياة والصلاة كشرطين لاستجابة الصلاة، والشروط من الثاني إلى الخامس مختصَّة بمضمون الصلاة.والقديس ذهبي الفم يتكلَّم عن كاتب المزامير باعتباره ”النبي“، وهو ليس إنساناً آخر سوى داود. وتشمل الشروط الستة الحياة بأكملها، وبكلمات القديس يوحنا فإنه لكي تتحقَّق هذه الحياة، فإنه لابد من أن يصحب المزمور القارئ في كل مستوى من مستويات حياته الشخصية. وحينما يُقدِّم داود باعتباره مؤلِّف المزامير ويرجع إلى الأحداث التي تمَّت في سيرته ليشرح هذه المزامير، فإنَّ ذهبي الفم يُقدِّم داود للقارئ باعتباره شخصاً حقيقياً يتحدث عنه. وهو بهذا يوفِّر لنا تعمُّقاً في نصوص المزامير أكثر مما تعوَّدنا عليه من تفاسير المزامير. الحياة والصلاة معاً لضمان استجابة الصلاة لكي نستحق أن ننال استجابة لصلواتنا، فهذا يتطلب بالضرورة أن نعمل كل ما في وسعنا. وهذا يعني: طريقة الحياة، ووضع الصلاة، ما يجعل الله منصتاً لصلواتنا. ويعتبر القديس ذهبي الفم داود أنه بالدرجة الأولى المعلِّم لهذه الأمور. فهو ليس فقط مستحقاً لاستماع الله له، بل هو أيضاً جديرٌ بأن يكون قدوة للآخرين. الاستحقاق في الصلاة: حينما يتحدَّث ذهبي الفم في ”شرحه لمزمور 7“، عن تعقُّب أبشالوم لداود، يضع تأكيداً على رد فعل داود لهذه الضيقة، حيث تظهر شخصية الرجل بوضوح. وحتى بعد أن قتل أبشالوم أخاه، يقول ذهبي الفم إن داود عامَـل ابنه برفق، ثم بـالرغم من أن أبشالوم انقلب حينئذ على أبيه واضطره إلى الهرب خوفاً على حياتـه، فإن داود يظل يقول لجنوده: «ترفَّقوا لي بالفتى أبشالوم» (2صم 5:18). وحينما بلغ داود خبر مقتل أبشالوم صرخ باكياً منزعجاً: «يا ابني يا ابني أبشالوم، يا ليتني مُتُّ عِوَضاً عنك...» (2صم 33:18). لقد عانى داود عداءً شديداً على يدي ابنه، ويُعلِّق القديس ذهبي الفم بأن داود تألَّق كالذهب في بوتقة الانصهار، إذ صار أكثر نقاءً بسبب هذه المحنة القاسية) ويرى القديس ذهبي الفم في عزلة داود وضعفه الواضح نموذجاً لانتصار الفضيلة على الرذيلة، لأن الفضيلة ــ كما يقول ذهبي الفم ــ يقف الله لها حامياً ومعضدا ,. ويحثُّنا أن نقتدي بهذا المثال الذي يُقدِّمه داود بكلماته في المزمور: ”يا رب إلهي، فيك وثقتُ، فخلِّصني...“ (مز 1:7 ــ بحسب النص في شروحات ذهبي الفم). وهذه النصيحة التي يُسديها لنا ذهبي الفم تربط بين الحياة والصلاة.وتتضح فضيلة حياة داود العالية من بدايات مُلْك داود. ففي 2صم 14:7ــ16 يُعلن الرب أنه سيُثبِّت مملكة داود إلى الأبد، وسوف يؤدِّبه إن أخطأ، ولكنه لن ينزع رحمته منه كما نزعها من شاول الملك.ولكن إن كان ذهبي الفم قد أوضح أن حياة الفضيلة العالية ضرورية لحياة الصلاة الناجحة، فماذا يا تُرى قال عن خطية داود العظيمة مع بثشبع؟ لا شكَّ أن كلامه ذو أهمية وحاسم لنفهم تعليمه عن علاقة الخاطئ بالله وفرصته في الصلاة الناجحة.وفي الشروحات كما هي متاحة لنا اليوم، يرجع القديس ذهبي الفم إلى مرجعين في هذا الموضوع. ففي شرحه على مزمور 6 يقول إن داود ارتكب خطية القتل، إلاَّ أنه اختبر ”محبة الله للبشر“ Philanthropia. وفي شرحه على مزمور 4 يتكلَّم عن المعاناة القاسية التي أصابت داود بسبب شهوته الآثمة ويُقدِّم القديس ذهبي الفم تعليقاً مطوَّلاً على هذه المسألة في ”عظاته على إنجيل متى ــ العظة 36“، حيث يصف ارتكاب داود للزنا والقتل بأنه ”مرض“، تفاقم سُوءُه بسبب حقيقة أنه لم يكن فقط رجلاً فاضلاً؛ بل أيضاً نبيًّا. لكن ذهبي الفم يعود فيؤكِّد على ”سرعة تماثـُل داود للشفاء“ من مرضه، لأنه لم يستغرق في اليأس بل تاب، وعاد طاهراً مرة أخرى([في موضع آخر يصف طريقة داود في التوبة بأنها بالاتضاع، وندم القلب، وبتأنيب الضمير، وبعدم الرجوع لهذا السقوط مرة أخرى بتذكُّرها دائماً، وباحتمال كل ما يأتي عليه بالشكر، وبالرفق بمن يحزنونه، وبالامتناع عن الحُكْم على الذين يتآمرون ضده، إلى حدِّ مَنْعه الذين كانوا يريدون أن يفعلوا هذا.ونجد في المزامير التي شرحها القديس ذهبي الفم برهاناً على كل ذلك. فكما رأينا، فإن سلوك داود تجاه أبشالوم برهان على الامتناع عن مجازاة خصومه. أما عن احتماله بشكر ما يأتي عليه، فإننا نجد ذلك في مزمور 7 حينما يقول: ”سأشكر الرب حسب برِّه، وسأُرنم لاسم الرب العليِّ“ (مز 17:7). ويقول ذهبي الفم إن داود باستخدامه هنا صيغة المستقبل (”سأشكر“، ”سأُرنم“) يشير إلى أنه لم ينسَ أعمال الله الصالحة التي نالها ولا هو صار كسولاً؛ بل كان صاحي العقل يقظاً لإحسانات الله معه) الصلاة الدائمة:- يحثنا القديس يوحنا ذهبي الفم على الصلاة الدائمة، لأنه ما من شيء يؤدِّي إلى الفضيلة مثل أن نتكلَّم دائماً مع الله، وأن نقدِّم له الشكر دوماً ونسبِّح الله وكان ذهبي الفم على مدى حياته كلها يشير إلى أن داود النبي مجَّد الله بكلماته كما بأعماله وينصح القديس ذهبي الفم قرَّاءه، أنه في أوقات التجارب والمحن والاضطهادات فلنفعل كما فعل داود ونُقدِّم المجد لله ولا نكفّ عن أن نباركه وسواء كُنَّا شيوخاً أو شباباً، فيجب أن نُقدِّم الشكر لله. وكما يقول ذهبي الفم، فإن هذا هو غرض المزمور 148 أنه يُبيِّن لنا أنه لابد أن نُسبِّح الرب على كل شيء، بصرف النظر عمَّن نكون نحن. كما يجب أيضاً أن نثابر في صلواتنا وتوسُّلاتنا ولا نيأس إذا لم تُستَجَبْ في الحال. صلاة التوبـة:- أما صلاة التوبة فهي نوع آخر من الصلاة التي تتطلَّب الدوام فيها والمثابرة عليها. فحينما يشرح المزمور 6: 6 ”أغسل كل ليلة سريري، وبدموعي أبلُّ فراشي“، يقول ذهبي الفم إن المرنِّم هنا كان يقضي كل حياته في دموع التوبة. وهذا مَثَل لنا في كيف يجب أن نتصرف حينما نخطئ: أن نفصل أنفسنا عن كل مَن يُخطئ، ونصلِّي إلى الله بدموع كل ليلة فوق سرير نومنا. إن القديس ذهبي الفم يرى في المزامير نموذجاً لنا في الصلاة الدائمة.ففي كل ظرف من ظروف الحياة يلتفت المرنِّم إلى الله بالصلاة. وحينما نثابر في الصلاة فسوف ننال ما نسأل من أجله، إن كان نافعاً لنا. نسأل ما هو نافع حقًّا، وليس الأمور الأرضية:- أن نطلب ما هو نافع معناه أن لا نطلب الأمور الأرضية بل نطلب ما هو حقًّا نافع لنا، هكذا يعلن القديس ذهبي الفم. وصلاة المزمور 140 (الترجمة السبعينية) هي هذه الصلاة بعينها، ويشير ذهبي الفم أن داود في هذا المزمور لا يسأل شيئاً ضد أعدائه، ولا يسأل غِنىً ولا ازدياداً ولا قوةً ولا مجداً ولا سائر الأشياء الزائلة، بل فقط الباقيات والخالدات ويأخذ ذهبي الفم سليمان الملك كنموذج آخر لمن استُجيبت صلاته، لأنه سأل الروحيات. فقد سأل سليمان الذهن الفهيم ليحكم به شعبه (3 ملوك 3 في السبعينية، وهي تساوي 1 ملوك 3 في الطبعة المتداولة)، وقد كافأه الله على صلاته الروحية هذه فأعطاه حتى ما لم يسأله. فقد نال ليس فقط الحكمة العالية، بل وأيضاً غِنَىً وكرامة عظيمتين.وكما يشرح ذهبي الفم، فإن المرنِّم حينما يُصلِّي: ”اهْدِني يا رب ببرِّك“ (مز 5: 9)، فإن هذا السؤال ليس من أجل أشياء فانية وعابرة في هذه الحياة، بل من أجل التعضيد من العُلا. لأننا ونحن في هذه الحياة، التي هي كمثل طريق، نحتاج إلى الله هادياً لنا ليمسكنا بيده ويُرينا الطريق . ويؤكِّد ذهبي الفم على أنه من الضروري أن نطلب معونة الله إن كنا نريد أن ينجح جهادنا . يقول المرنِّم في مزمور 142: 10: ”علِّمني أن أصنع مشيئتك، لأنك أنت إلهي“، فكل صلواته كانت روحية؛ إذ لم يسأل مالاً ولا قوة ولا مجداً، بل أن يصنع مشيئة الله.وأيضاً في مزمور 143، يشرح ذهبي الفم، أن المرنِّم يزدري بكل متاع الدنيا ويُعلن: ”طوبى للشعب الذي الله هو إلهه“ (مز 143: 15). أما الشهوات الخاطئة، والجنوح نحو أمور هذه الحياة والتعلُّق بالأرض، فإنها تُضعف القلب. الفضيلة هي الشيء الوحيد الجدير باقتنائها في هذه الحياة. هذه هي الأشياء التي علينا أن نسألها في الصلاة، حسب شرح ذهبي الفم.ويُقدِّم ذهبي الفم توسُّعاً في شرح هذه النقطة، وهو يشرح مزمور 7: 11، حيث يقول النبي: ”مُعيني هو بار“. ويشرح ذهبي الفم ذلك: هذا يعني ”فليتعاملْ الله معي بطريقة بارة (عادلة) لأني لم أسأل شيئاً غير عادل“. فإن كنا نريد أن نتمتع بالتعضيد من فوق، فلنسأل فقط ما هو متوافق مع العدل، وذلك حتى من طبيعة هذا التوسُّل نتأكَّد من المعونة الآتية مِن ”الذي يُنجِّي المستقيمي القلب“ (مز 7: 10). لكن صلاتك لن تكون بارة إن سألتَ غِنَى أو جمالاً أو أي نعمة أخرى عابرة تتصل بهذه الحياة الحاضرة وحتى إذا كان المصلِّي بارًّا، فقد لا تكون صلاته مستجابة إذا لم تكن من أجل شيء نافع. هكذا يقول ذهبي الفم في شرحه مزمور 7 لأنه مَن كان أكثر برًّا من القديس بولس؟ ولكن لأنه سأل شيئاً ليس نافعاً، فلم يُستَجَبْ له.حيث يقول القديس بولس: «من جهة هذا تضرَّعتُ إلى الرب ثلاث مرات أن يُفارقني. فقال لي: تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تُكْمَلُ» (2كو 12: 8و9). وأيضاً مَن كان أكثر برًّا من موسى النبي؟ وهذا أيضاً لم يُسمَع له، حيث قال الله له: «كفاك، لا تَعُدْ تُكلِّمني أيضاً في هذا الأمر» (تث 3: 26). لأنه كان يسأل الله أن يدخل إلى أرض الموعد، وكان هذا الطلب غير نافع له، فلم يسمح الله بذلك. ملاحظات ختامية:- إن ذهبي الفم في كتابه شرح المزامير، يتفوَّق في عظاته الرعوية المشهور بها جداً. وإن الشروط الستة لاستجابة الله للصلاة كما يُعدِّدها في ”شرح مزمور 7“ تحيط بكل نواحي الحياة اليومية. فالشخص المصلِّي قد يكون مستحقاً لنوال إجابة صلاته فقط حينما يعيش الحياة الصالحة والتَقَويَّة. ويحث ذهبي الفم متواتراً قارئه لسلوك هذه الحياة، بحيث إن كل شيء يقوله ذهبي الفم يهدف من ورائه أن يجذب الإنسان ليكون أكثر التصاقاً بالله وأكثر بُعْداً عن الخطية. ولأن نوعية حياة الإنسان تؤثـِّر مباشرة في فاعلية صلاته، فإن كل عظات ذهبي الفم تتصل بالصلاة. لكن هذه الملاحظات التي تعقد رباطاً بين الاثنين: الحياة والصلاة تُعتبر بمثابة ”خريطة طريق“ للإنسان المُصلِّي، وهذا هو ما تُلقي عليه الضوء هذه الدراسة التي نُقدِّمها. وبنفس الطريقة، فإن الصلاة في توافقها مع شرائع الله، والصلاة الدائمة، وعدم سؤال الأشياء الأرضية؛ بل سؤال الأشياء التي هي حقًّا نافعة لنا، هي توجيهات يحاول بها ذهبي الفم أن يدفع القارئ إلى سلوك الطريق الصحيح نحو الله. وحينما نوفي كل هذه الشروط، فإننا حينئذ فقط نكون قد اشتركنا بكل ما في مقدورنا عمله. يقول ذهبي الفم إن غاية كل مجهوداتنا الدائمة، يجب أن تكون ليس فقط أن نصلي، بل أن نصلي ونحن في الحالة التي فيها تُستجاب صلواتنا. ثم يواصل ذهبي الفم توضيحه، أن الصلاة وحدها ليست كافية لننال ما نسأل من أجله، إن لم نضع في اعتبارنا هذه الشروط التي تجعل صلاتنا مقبولة لدى الله. فالفرِّيسي صلَّى، لكن صلاته لم تنفعه شيئاً. واليهود كانوا يصلُّون، لكن الله انصرف عن صلواتهم لأنهم لم يصلُّوا بالشروط المطلوبة. لهذا يوصينا الله أن نُقدِّم له صلاتنا في الوضع الذي يجعلها مسموعة. وهذا هو ما علَّمنا إيَّاه داود في مزمور 6. ومزمور 6 ليس وحده الموضع حيث يُعلِّمنا داود عن الصلاة لكي تكون مُستجابة. ففي كل المزامير - كما يقول ذهبي الفم - كان داود يحثنا على معرفة الله وسلوك الحياة المقدسة . إنه يتولَّى دور المعلِّم كما يتولَّى دور النبي كذلك، حيث يمزج المشورة بالصلاة أحياناً، وأحياناً يمزج التشجيع بها وفي مزمور 148 يُظهِر لنا داود أنه لا يكفي أن نرتل بالتسبيح لله بأنفسنا فقط، بل وبكل الخليقة التي يجب أن تشترك في تسبحات الأتقياء: ”سبحيه أيتها الشمس والقمر. سبحيه يا كل النجوم والنور.“ (مز 143: 3) وفي شروحات ذهبي الفم على المزامير التي هي حقًّا صلاة داود، فإن هذه الشروحات تُقدِّم ليس فقط حثـًّا وإرشاداً على الصلاة، بل هي أيضاً عمل جوهري على ربط الصلاة بشخص النبي داود وبتعاليم القديس بولس الرسول. إن هذه الدراسة بما فيها من معلومات ليتها تكون نافعة لطالبي الصلاة والحياة الروحية، وكذلك لطالبي دراسة التعليم الآبائي الكنسي، وعلم التفسير. وفي دراسة عن العهد القديم يقول الكاتب: ”هناك أسفار قليلة في العهد القديم قُرئت أكثر من المزامير، إما لأنها جزء من الليتورجية، وإما من خلال الدراسة الشخصية، وقد بَدَت أنها مُحببة إلى قلوب المؤمنين“. وإني أعتقد أن هذا هو المستوى الذي بلغ إليه نبوغ ذهبي الفم بأكثر وفرة، إذ حيث لمست شروحات ذهبي الفم ”القلب البشري، ودوافعه، وضعفه، أو بشـَّرت بنعمة ومحبة يسوع المسيح، فهنا يرتفع ذهبي الفم ويدوم ليصير بحق "معلِّماً في إسرائيل".“وكما تلمس المزامير نفسها قلب الإنسان، هكذا أيضاً فعلت شروحات ذهبي الفم على المزامير.
المزيد
30 يوليو 2021

لا تدنو ضربة من مسكنك ج2

كلّ مرّة تسقط، قُمْ فتخلُص.. «لِلرَّبِّ حَرْبٌ مَعَ عَمَالِيقَ مِنْ دَوْرٍ إِلَى دَوْرٍ» (خر17: 16).ولكن يُحسَب أنّ الحرب هي للرب، فمنذ يوم خروجنا من بطن المعموديّة وقد تعهّدنا وتكرّسنا للحياة بحسب المسيح، بعد أن جحدنا الشيطان وكلّ قواته الشريرة. صارت الحرب إذن من العدو الشرير ضدّ المسيح الذى صرنا له وهو فينا، وصرنا مُبغَضين من الجميع من أجل الاسم الذي دُعِيَ علينا. فنحن مُضطهدون ليس لأجل ذواتنا، بل لأجل اِنتسابنا للمسيح أبطَلَ المسيح قوّة المجرِّب وسلَّم لنا مفاتيح الانتصار عليه. ليس في مقدور الشيطان ولا في سلطانه أن يُجبر أحدًا مِنّا على الخطيّة، أو يسوقه قَسرًا إلى ارتكاب الشرور. هو خدَّاع وكذَّاب ولكنه صاحب حيلة ودهاء، هو يعرض بضاعته النجسة ويلفَّها بغلاف اللذّة ويُزيِّنها للإنسان فتبدو شهيّة.. كما قيل في الأمثال: «الْمِيَاهُ الْمَسْرُوقَةُ حُلْوَةٌ، وَخُبْزُ الْخُفْيَةِ لَذِيذٌ» (أم9: 17)، هي مياه وخبز ولكنّ الشيطان المُزوِّر يُظهرها للإنسان هكذا حلوة، لكي ينخدع وينجذب بالشهوّة نحو الحرام. ولكن كلّ مَن يثبت فى إيمان المسيح يستطيع بالنعمة أن يفلِت من فخاخه. القديسون فضحوه وأهانوه بكثرة الاتضاع والالتصاق بالرب. هو أبّ الكبرياء، ولكنّ الروح الوديع الهادئ يغلب كبرياءه وقد أوصانا الرب بالصلاة أن نطلب إلى الآب ونقول: «لاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ» (مت6: 13). فالصلاة الجادّة والطِلبة من القلب هي عامل أساسيّ في أن نجد عَونًا في حينه.. فلا يستطيع أحد أن ينقذنا من يد المُشتكي علينا سوى أبونا الذي في السموات وكوننا نطلب عونًا ونجاة، هو اعتراف ضمني بضعفنا وعدم إمكانيِّتنا.. لذلك إذ يسحق هو الشيطان تحت أقدامنا، فليس لنا فضل ولا افتخار.. بل نتمسّك بالأكثر، ونحتمي في ذاك الذي به «يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا» (رو8: 37) تجربة الجوع والخبز هي تجربة طبيعتنا التي تلاحقنا مَدى الحياة.. الميل الطبيعي والحاجات الطبيعيّة ليس فيها خطيّة.. ولكنّ العدو الخدَّاع يستغلّ ما هو طبيعي وينسج منه بالكذب خيالات وخيالات، كلّها خداع وكلّها تهويل وكذب. وهذا التهويل والتخويف من الموت ليس فيه حقّ. وقول المسيح: «لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ» (مت4: 4)، لم يكُن أحد من الناس قد عاشها قط.. رغم أنّها الحقّ ذاته إنّنا نستمد حياتنا في الحقيقة من شخص المسيح، الذي هو الكلمة الذاتي. هو مصدر الحياة و«هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ... لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ» (يو6: 48، 50). صِنَّارة المُجَرِّب هي الميل الطبيعي، وهو في كلّ محاولاته أن يُحرِّف الميل الطبيعي إلى ما هو على خلاف الطبيعة، لأنّه يريد أن يُفسد خليقة الله ويُميت ويقتل، بانفصال إرادة الإنسان عن الله.. فيعمل الإنسان إرادته الذاتية منفصلاً عن الحقّ والحياة.. فيموت. تُرى مَتَى أحيَّا بكلّ كلمة تخرج من فم الله؟ مَتَى استمدّ حياتي ووجودي واستمرار حياتي منه وفيه وله وبه؟ كيف أتذوّق وآكُل فأحيا.. وأسمو بنفسي وجسدي وغرائزي؟ إنّني استمدّ خبز الكفاف من يده.. ألم يُطعم الملايين من المن النازل من فوق؟ ألم يُشبع الآلاف من خبز الكفاف حتى فضل عنهم؟ شبع الجسد شيء، وشبع النفس شيء آخر.. الجسد يطلب ما هو أرضيّ، ترابيّ حسب طبيعته.. بينما شوق أرواحنا إلى الشبع من برّ المسيح. فنحن نجوع ونعطش إليه، وهو قد طوَّب الطالبين وجهه، والمترجّين خلاصه بجوع وعطش نحوه. الميل الطبيعي لكلّ ما هو جسدي هو الشهِّية المغروسة في طبيعتنا لبقاء الحياة كغرائز. قُدرة الميول الطبيعيّة ليس فيها خطيّة، إنّما انحراف الإرادة بعيدًا عن الله يحوّل الشهِيّة إلى شَهْوة، والشهوة إذا حبلَت تجُرّ الإنسان إلى الخطايا، ثم إلى الموت «الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا» (يع1: 15).جوع المسيح بعد أربعين يومًا أفصَحَ عن الشهِّية الطبيعيّة للطعام دون شهوة أو انحراف. فلما جاء المجرِّب يلعب على هذا الوتر، ليجرّ المسيح من الشهِّية إلى الشهوة خاب وافتضح وانكسرت سهامه.وعلى هذا تُقاس جميع حِيَل الشيطان المجرِّب، الذي يدخل من مداخل الميول الطبيعيّة ليحرِّفها نحو الشرور، والسلوك المنحرف، بعيدًا عن الحقّ، لخدمة الخطايا لقد سجّل الوحي هذه التجارب الثلاث كنموذج، والواقع أنّ إبليس جرَّب الربّ بكلّ تجربة، وبكلّ حيلة وخديعة، وبكلّ أسلحته كما هو مكتوب: «وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ» (لو4: 13). فالتجارب صوَّبها العدو نحو الجسد في تجربة الخبز والجوع، ثم نحو النفس في تجربة مباهج العالم والملكيّات الأرضية وكلّ مجدها.. هذه التي تشتهيها النفوس، ثم التجربة الثالثة نحو الروح والروحيّات، إذا ألقى بنفسه من على جناح الهيكل، وحملته الملائكة فلا تُصدِم رِجله بحجر بحسب وعد الله. فقد صوَّب العدو سهامه بذلك نحو الجسد والنفس والروح، أي كيان الإنسان كلّه. و«فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا» (رو8: 37) ونجَّانا من هذه الفخاخ المنصوبة، إذ حطّمها وكسرها وأذلَّ فخر المجرِّب، بل وطرده أشر طردة.في تجربة النفس، قال العدو: «أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا (كلّها)» (مت4: 9).. مجدُ العالم زائلٌ ومِلكياته وهْمٌ. المجرِّب هو رئيس هذا العالم، كقول الرب.. هو مسيطر على العالم بالخداع والكذب لأنّه روح الظلمة. وحينما يقول لأحد أعطيك، فهو كاذب. هو لا يملك لكي يعطي، ولكنه يَعِدُ ويكذبُ. وكم مَنَّى الإنسان بالأماني بأنّ يمتلك العالم، ولكن يكتشف الإنسان أخيرًا إنّه قبض الريح.. والثمن الباهظ الذي يدفعه الإنسان هو السجود للشيطان والخضوع لروح الظلمة. وهذا هو الهلاك بعينه.رد الرب يسوع بالمكتوب «لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ». أمَّنَ الإنسان من الخضوع للظلام ليحيا في النور بالخضوع لمشيئة الله وحده. المتنيح القمص لوقا سيداروس
المزيد
29 يوليو 2021

شخصيات الكتاب المقدس تارح

تارح ومات تارح في حاران" تك 11: 32 مقدمة قصة تارح قصة الرجل الذي توقف في منتصف الطريق قبل أن يصل إلى كنعان، قصة الرجل الذي سجل عنه الوحي: "ومات تارح في حاران".. وقد يسأل البعض: وأي شيء في هذا التعبير يمكن أن يثير أو يشير؟!! لقد مات الرجل شيخاً عن مائتين وخمس من السنين، فهو لم يذهب في قوة الصبا أو أوج الشباب حتى يمكن أن يتوقف الناس ليبكوا عوده الزاوي وشبابه الضائع في صبح الحياة؟!! وهو الرجل الذي خلف وراءه الأولاد إذ لم يمت عقيماً، بل ترك أولاداً على رأسهم إبراهيم الابن العظيم الخالد،.. قد يكون هذا صحيحاً وحقاً،.. ولكننا لا ينبغي أن ننسى أن الرجل مات في رحلة من أعظم رحلات الإنسان على الأرض،.. وقد خرجت القافلة الصغيرة من أور الكلدانيين، وعلى رأسها شيخ ورجل وشاب، وكان الشيخ تارح، والرجل إبراهيم، والشاب لوط، وسقط الشيخ في الطريق، وجرد الشاب من كل ما يملك، ولم يبق سوى الرجل الذي كان النموذج الأعظم الثاني في الرحلة الخالدة ومن المؤسف أن الشيخ الذي قطع أكثر من خمسمائة ميل في الرحلة حتى وصل إلى حاران، أو في لغة أخرى قطع أكثر من نصف الطريق، هذا الشيخ لم يلبث أن أصابه الملل والتعب والكلل والإعياء، فرفض أن يتقدم خطوة أخرى واحدة بعد هذا،.. ومات في حاران دون أن يدخل أرض الموعد،.. هذه مأساة الرجل القديم الذي خرج يبحث عن الله، أو بتعبير أصح، خرج مع ابنه الذي استجاب الدعوة السماوية وقطع شوطاً طويلاً في الطريق دون أن يتمم أو يبلغ نهايته،.. إنه يمثل الكثيرين من المسيحيين الذين أطلق عليهم مودي: "المسيحيين الحارانيين" الذين يبدءون الرحلة بالغيرة والحماس والقوة والنشاط، ولكنهم هم أبناء "تارح" الذي سقط في الأرض، وليس أبناء إبراهيم الذين وصلوا إلى نهاية المطاف إلى كنعان السماوية، إن قصة تارح تعطي تحذيراً أكيداً للسالكين في رحلة الحياة الأبدية إلى الله في المجد، ولذا يحسن أن نراها من النواحي التالية: تارح وتجاربه وما أكثر ما واجه تارح من تجارب،.. وربما كانت تجربته الأولى تجربة الإعجاب الوقتي،.. ولعلك تلاحظ عند المقارنة الدقيقة بين إبراهيم وتارح، أن الكتاب يقول: "ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم وهو ما بين النهرين قبلما سكن في حاران".. وليس في لغة الكتاب ما يدل على أنه ظهر لتارح، وقد صنع هذا الفارق القصة المختلفة بين الأب وابنه،.. وسيتاح لنا عندما نقرأ في الشخصيات الكتابية شخصية إبراهيم، أن مفتاح حياته كان هذه الرؤية المجيدة، التي كانت بمثابة الجاذب المغناطيسي الذي حركه حيثما حل وذهب، وهل يستطيع الحديد المقترب من القطب المغناطيسي إلا أن يسير أسراً لهذه القوة المغناطيسية وفي نطاق دائرتها؟!!.. وهكذا كان إبراهيم في صداقته وعلاقته بالله، ولقد ضرب في الأرض، وهو لا يعلم إلى أين يأتي، لأنه سبى بشخص الله الذي ظهر وهو ما بين النهرين قبلما سكن ولسنا نعلم كيف واجه تارح الوثني هذا التغيير العجيب الذي طرأ على ابنه!!.. هل قاومه الأمر، عندما أدار إبراهيم ظهره لعبادة القمر، وغيرها من ديانات الوثنية؟!! قد يكون إذ ليس من السهل التصور أن أبينا يخرج على دين آبائه، ثم يستقبل الآباء هذا الخروج بالهدوء أو التصفيق والاستحسان!! وإذا كانت التقاليد تقول إن نمرود اضطهد إبراهيم اضطهاداً مريراً عندما تحول عن العبادة الوثنية، فليس من المستبعد أن تارح فعل الشيء نفسه تخوفاً أو مصانعه لأهله وعشيرته!!.. على أن إبراهيم وقد تمكنت الرؤية من نفسه ومشاعره –تحمل كل شيء كما يتحمل المؤمن الحديث الإيمان بفرح كل ما يمكن أن يفعله الأشرار في نفسه؟!!.. ولعله –وقد أضاءت حياته بهذا النور اللامع الجديد- قد استطاع أن يؤثر في أبيه ويثير إعجابه إلى أبعد الحدود!!.. ولعل أباه إعجاباً أو خوفاً على ابنه من الاضطهاد أبى أن يتركه وحده في رحلته، بل سار معه في ارض المجهول حتى جاءت القافلة إلى مدينة حاران. وهكذا ذهب تارح وإبراهيم ولوط في الطريق إلى الأرض الجديدة، والأب معجب كل الإعجاب بابنه العظيم.. والإعجاب في العادة يصلح أن يكون ابتداءً، لكنه لا يمكن أن يصمد في السير إلى النهاية، ما لم يكن مصحوباً بعوامل أخرى فعالة وعظيمة،.. وهو أشبه الكل بالزرع الساقط على الأرض الذي وصفه السيد المسيح بالقول: "والمزروع على الأماكن المحجرة هو الذي يسمع الكلمة وحالاً يقبلها بفرح ولكن ليس له أصل في ذاته بل هو إلى حين فإذا حدث ضيق أو اضطهاد من أجل الكلمة فحالاً يعثر".. ولعل الرؤيا التي أبصرها إبراهيم –ولم يرها تارح- هي التي صنعت الفرق العظيم بين القلبين أو التربتين، فكان الأصل العميق في قلب إبراهيم، والسطحية المحجرة في قلب تارح،.. وكان الفارق بين من قطع الطريق إلى آخر الشوط، ومن تخلف في منتصفه دون أن يتم الرحلة إلى أرض الموعد!!.. كما أن التجربة الثانية أمام الرجل كانت ولا شك الإعياء، فهو شيخ يضرب في الفيافي والقفار، مئات الأميال، بعد أن ترك أهله وصحبه وبيته، والحياة التي درج عليها وعاشها سنوات متعددة طويلة، وهو إذا كان قد بدأ متحمساً غيوراً نشطاً، فمما لا شك فيه أن خمسمائة ميل خلفها وراءه أصابته بالإعياء البالغ الجسدي أو النفسي على حد سواء، ولم نعد نراه على الحماس القديم أو الغيرة السابقة،.. وهو صورة للكثيرين من المسيحيين الذين يدلفون صوب كنعان السماوية، وقد يقطعون أشواطاً متعددة من الرحلة، والهتاف يملأ قلوبهم، ونفوسهم، على أنهم شيئاً فشيئاً –والرحلة طويلة ممتدة قاسية فوق حصباء الحياة ورمال الزمن- نجد الكلال والتعب والتبرم والضيق يستولي عليهم، وعلى وجه الخصوص إذا أحاطت بهم التجارب، أو حفت بهم الآلام، أو ضاقوا بالحياة أو ضاقت الحياة بهم، وإذ بحاران أول مدينة يلقون فيها عصا الترحال دون رغبة في مواصلة السير، حتى ولو كانت هناك نهاية الحياة، وآخر المطاف،.. إنهم أحوج الكل إلى القول الإلهي: "بصبركم اقتنوا أنفسكم".. أو: "سمعتم صبر أيوب ورأيتم عاقبة الرب لأن الرب كثير الرحمة ورؤوف".. أو: "الرب يهدي قلوبكم إلى محبة الله وإلى صبر المسيح".. صور دانتي في الكوميديا الإلهية الذئب أشد ضراوة من النمر أو الأسد وذلك للفارق البعيد بين هجوم الاثنين على الفريسة المطاردة، إذ أن النمر أو الأسد ينقض على الفريسة من أول الحركة، وهو لا يسلم من صراعها، إذ تبدو في كامل قوتها، وتحاول أن ترد العدوان بكل ما تملك من جهد أو قوة!!، وعلى العكس من الذئب الذي يطارد فريسته أولاً، ثم ينقض عليها عندما يتملكها التعب والإعياء، وتكون أعجز عن أي مقاومة، وتصبح بذلك لقمة سهلة سائغة ميسورة!!.. وقد بدا هذا واضحاً وصحيحاً في الكثير من الصور الروحية التي جاءت في كلمة الله.. ألم يأتي عيسو ذات يوم من الحقل وهو قد أعيا وقال عيسو ليعقوب: أطعمني من هذا الأحمر لأني قد أعييت، لذلك دعي اسمه أدوم فقال يعقوب: بعني اليوم بكوريتك، فقال عيسو، ها أنا ماض إلى الموت فماذا في بكورية!!.. وباع عيسو أثمن ما يملك وهو معيي بطبق من عدس!!.. كان عماليق أخطر الأعداء على شعب الله، وذلك لأنه ترك الشعب حتى الإعياء، ثم انقض عليه، ومن ثم جاء الأمر الإلهي بمحو ذكره من تحت السماء، لأنه لم يرحم المتعب المجهد المعيي،ألم يسر إيليا في البرية مسيرة يوم، وإذ أخضه التعب الجسدي والروحي جلس تحت الرتمة، وطلب الموت لنفسه وقال كفى الآن يا رب، خذ نفسي لأنني لست خيراً من آبائي،.. ورأى الله حاجة إيليا القصوى إلى الراحة فأنامه وأطعمه حتى تهدأ نفسه وتستريح، قبل أن يلتقي به أو يتحدث معه في جبل الله حوريب وكانت التجربة الثالثة أمام تارح تجربة الإغراء والعودة إلى الماضي القديم، إذ كانت حاران أقرب المدن جميعاً إلى أور الكلدانيين، فالمدينتان كانتا مركزين متماثلين لعبادة القمر، وكلتاهما كانت على درجة عالية من الحضارة والثروة والتجارة والصناعة، فإذا سكن تارح في حاران، فإنما يستعيد بذلك ما فاته أو ما ضاع منه في أور الكلدانيين، ولعل السؤال الملح الذي كان يطوف بذهنه، ويطارده ليلاً ونهاراً.. ألم يكن متعجلاً في الخروج من أور الكلدانيين؟!!.. وهل رأى ابنه حقاً الرؤيا الإلهية أم هي بعض الخيالات أو الأوهام أو الوساوس التي ألمت به، فظنها رؤيا الله البعيد الساكن السموات؟ مسكين الإنسان عندما يقع بين شقي الرحى، التعب من جانب، والإغراء من الجانب الآخر إنه مثل هرقل كما تصوره أساطير الإغريق، والذي كان عبداً لملكه، وأراد الملك أن يتخلص من قوته الخارقة، فكان يرسله إلى أخطر الرحلات، ويطلب منه أشق الأعمال، لعله يهلك، أو تأتيه الكارثة بأية صورة من الصور،.. وقد جلس هرقل ذات يوم يلتقط أنفاسه المتعبة، وإذا به يبصر فتاتين تقبلان عليه في الطريق، وتقول أولاهما: أي أيها البطل العظيم، لقد جئتك أدعوك إلى المسامرة، وأمد لك أسباب الحياة الحلوة الجميلة الفياضة المترعة بالملاهي والمتعة والملذات، إن سرت معي وصاحبتني الرحلة طول الطريق، ويسألها هرقل: من هي ومن تكون وما اسمها؟ فتقول: أنا اللذة، وإن كان أعدائي يطلقون عليَّ اسماً آخر هو الرذيلة".. وتتقدم الثانية لتقول: لا تصدقها يا هرقل، فهي مدعية وكاذبة، ولن أعدك أنا بما أدعت أو صورت، لكني أعدك بأن أسير معك الطريق المضني المتعب القاسي، وأن أزودك بالقوة والشجاعة الأمانة والصبر، فتحيا، وتصبح قصتك قصة عظيمة تتوارثها الأجيال، ويتحدث بها عابرو الطريق في كل جيل وعصر!!.. وسألها هرقل: من هي ومن تكون وما اسمها؟ فقالت: اسمي "الفضيلة"!! قد تكون هذه أسطورة من أساطير الإغريق، ولكنها تنطق بما يواجه الإنسان في كل زمان ومكان،.. ورأى تارح وإبراهيم القصة بكاملها في أرض حاران، وسقط الأب، ونجا الابن،.. وعاد الأب على الأغلب لعبادة القمر، أو كان على أية صورة من الصور الإنسان الذي تقاعس في الطريق دون أن يتم رحلته إلى آخر الشوط،.. ولم يكن له من نصيب في موعد الله ما كان لابنه أبي المؤمنين في الأرض!!.. وقد أضاف بعضهم إلى القصة تجربة رابعة، هي تجربة الشيخوخة الطاعنة في السن، ومع أن رحمة الله يمكن أن تنتقد الإنسان مهما طال عمره حتى إلى أخريات حياته لكن هناك فارقاً واضحاً بين إنسان كبلته الشيخوخة بالكثير من التقاليد والعادات والسير والماضي، وبين آخر لم تحكم حوله السنون شراكها بما يمكن أن يتركه أسيراً لا يفلت من شرها وخداعها!!.. ولعل هذا ما قصد الرسول يوحنا بعد آلاف من السنين أن يذكر به الأحداث في القول: "كتبت إليكم أيها الأحداث لأنكم أقوياء، وكلمة الله ثابتة فيكم وقد غلبتم الشرير. لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب لأن كل ما في العالم شهوة الجسد شهوة العيون وتعظم المعيشة ليس من الآب بل من العالم والعالم يمضي وشهوته، وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد".. وقف تارح في حاران شيخاً طاعناً في السن، ووقف معه إبراهيم إلى أن دفنه هناك!!.. تارح وخطاياه أما وقد أدركنا هذه التجارب التي ألمت بتارح، فمن حقنا أن نعرف الخطايا التي أودت به إلى أسوأ مصير،.. ولعل أول خطية كانت البقاء في مكان التجربة،.. هل سمعت عن القديس الذي تاب عن الخمر، وصلحت حاله، وأصبح من أروع الأمثلة عن التعبد والشركة مع الله؟، لكنهم رأوه ذات يوم مخموراً ساقطاً في الطريق، وتعجبوا كيف يمكن للرجل الذي أصبح عيافاً أن يصل إلى هذه الحال،.. وتبينوا شيئاً عجيباً غريباً، أن الرجل وهو في سبيله إلى العبادة في الكنيسة تعود أن يربط حصانه على مقربة من الحانة القديمة التي كان يشرب فيها الخمر، فكان المكان القريب من الماضي الآثم مصيدته التعسة وهو لا يدري،.. من المؤكد أن يوسف لم يكن في قوة شمشمون الخارقة، ونجا يوسف من السقوط في الخطية لأنه ترك ثوبه وهرب، ونام شمشمون على حجر دليلة ليسقط الجبار كما يسقط الوعل في شبكة!!.. إن النصيحة التي سمعها لوط من الملاك كانت "اهرب لحياتك" وكان تارح في حاجة إلى هذه النصيحة أكثر من إبراهيم، ولكنه توقف في حاران لينتهي هناك!!.. وكانت خطية تارح الثانية خطية التأجيل، لست أعلم هل استحثه إبراهيم على السير قدماً إلى الأمام؟ وهل راوغه الأب يوماً وراء يوم حتى جاءت النهاية؟.. الذي أعلمه أنه لم يجعل حاران نقطة انتقال، بل مكان سكن، هل اقتنى بيتاً هناك، ورفض السكن في خيام؟، هل تلكأ لهذا السبب أو ذاك، ومنع ابنه سنة بعد أخرى عن الرحلة الخالدة؟!!.. إنه على أي حال التأجيل، وما يصاحب هذا التأجيل من أخطاء وبلية!!.. "اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم كما في الإسخاط يوم التجربة في القفر" لقد أوشك لوط أن يضيع في سدوم رغم إنذار الملاكين بسبب التأجيل في مواجهة الخطر الداهم وقيل: "ولما توانى أمسك الرجلان بيده وبيد امرأته وبيد ابنتيه لشفقة الرب عليه وأخرجاه ووضعاه خارج المدينة وكان لما أخرجاهم إلى خارج أنه قال: "اهرب لحياتك، لا تنظر ورائك ولا تقف في كل الدائرة اهرب إلى الجبل لئلا تهلك".. وهل تعلم أن شاول الطرسوسي كان في حاجة أيضاً غداة لقاء المسيح إلى نصيحة حنانيا الذي قال له: "والآن لماذا تتوانى؟ قم واعتمد واغسل خطاياك داعياً باسم الرب".. والخطية الثالثة كانت خطية الارتداد أو العودة إلى الدين القديم، كانت البلاد المحيطة بحاران تعبد آلهة مختلفة فبعضها كان يعبد الشمس أو غيرها من الكواكب، لكن حاران بالذات كانت تعبد القمر، مما شجع على التصور أنها طابت مكاناً ومقاماً لتارح، حيث عاد إلى العبادة الوثنية التي رفضها إبراهيم،.. هل نشأ النزاع بين الأب وابنه، وكانت سنوات حاران انقساماً فكرياً أو روحياً بين الاثنين؟!! أو هل جاهد إبراهيم طوال هذه الفترة أن يقنع أباه ببطلان القمر والشمس والنجوم كآلهة معبودة، لسنا ندري سوى أن الموت حسم النزاع، وذهب تارح بعيداً عن إله إبراهيم ومواعيده وأمجاده، وتجددت الدعوة لإبراهيم بعد موت أبيه أن يحمل عصا الترحال إلى أرض كنعان!! مهما يكن الذي حدث، فمما لا شك فيه أن إبراهيم كان يمثل الإيمان بكل شجاعته وقوته وصلابته، وكان أباً للمؤمنين وما يزال في كل العصور أو الأجيال. وكان تارح رمزاً للهزيمة والضياع والتراجع، وأبا للمرتدين الذين تذوقوا الحلاوة الأولى، ثم عافوا عنها، أو أضحت مراً لهم، إذ أفقدتهم الخطية الطعام والشهوة والمذاق الصحيح!!. تارح ومأساته وأية مأساة أقسى من هذه المأساة؟ وأي ضياع أرهب وأشد من هذا الضياع؟، أليس هو ذلك الرجل الذي كان من أقدم من وصفهم الرسول بطرس يوم قال: "لأنه كان خيراً لهم لو لم يعرفوا طريق البر من أنهم بعدما عرفوا يرتدون عن الوصية المقدسة المسلمة لهم قد أصابهم ما في المثل الصادق كلب قد عاد إلى قيئه وخنزيرة مغتسلة إلى مراغة الحمأة"؟! أجل لقد ضاعت الخمسمائة ميل في طريق دون خير أو جدوى، فلا هو بالإنسان الذي استقر مع قومه دون أن يرحل عنهم وعن صحبتهم وعن الليالي السامرة التي لم يعد يجد مثيلها في الأرض الغريبة النائية،.. ولا هو الذي سار مع ابنه إلى الأرض العظيمة أرض الموعد، ليرى بركات الله وإحسانه ورحمته وجوده!!.. كان تارح من أقدم رجال التاريخ الذي عرجوا بين الفرقتين، وأدرك أنه لا يمكن الاستفادة من القديم أو الجديد على حد سواء!!.. وكان مثلاً بشعاً من أقدم الأمثلة التي تحكي مأساة الارتداد الديني المحزن عن شخص الله،.. وما من شك بأن إبراهيم ابنه –وقد دفنه هناك- وقف على قبره في آلم حالة وأقسى حزن، إذ لم يكن يود له هذا المصير، وودع هذا القبر بالعين الباكية وكأنما يردد بعد ألفي عام ما قاله المسيح لبنات أورشليم اللواتي خرجن وراءه في يوم الصليب نائحات باكيات: "يا بنات أورشليم لا تبكين عليَّ بل أبكين على أنفسكن وعلى أولادكن".. أو ما قاله الرسول بولس، عندما كتب رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي، ويعتقد أنه كتبها من كورنثوس وكان يرى من بعض النوافذ هناك مقابر الوثنيين وقد حفر فوقها لغة اليأس والحزن في عبرات تعتبر ضياع الأمل، وانقضاء الرجاء!!.. ومن ثم كتب: "ثم لا أريد أن تجهلوا أيها الأخوة من جهة الراقدين لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم".. أجل إنه شيء محزن أن نخسر الضياع أو المركز أو الشهرة أو الجاه أو أي متاع أرضي، لكن هذا كله لا يمكن أن يقارن بالخسارة الأبدية!!.. وحق للشاعر "دانتي" أن يكتب على باب الجحيم هذه العبارة: "أيها الداخل إلى هذا المكان ودع الرجاء إلى الأبد!!".. كان تارح مأساة لنفسه، ومأساة قاسية لابنه الذي كانت ينتظر ولا شك أن يأخذ أباه معه إلى كنعان السماوية،.. ولكن الرجل تخلف وراءه في الطريق، وأضحى مأساة تحذر الآخرين أيضاً في كل جيل وعصر!!.. كان من أشد ما روع الكابتن سكوت في رحلته في القطب الجنوبي. وهو يسير أميالاً متعددة فوق الجليد المتكسر، أن أبصر ورفقاؤه المتعبون معه، شيئاً يلوح من بعيد،.. كان علماً أسود رفع على بقايا ضحايا من الرحالة الذين سقطوا في الطريق، وقد فقدوا الحياة دون أن يبلغوا الغرض المنشود!!... ومنذ آلاف السنين ارتفع علم أسود فوق قبر قديم في أرض حاران لرجل تعثر في الطريق، ومات هناك، وتركه ابنه بعيون دامعة وهو يضع رخامة محزنة فوق القبر ما تزال كلماتها باقية إلى اليوم: "ومات تارح في حاران"..
المزيد
28 يوليو 2021

المعرفة معرفة الله معرفة الناس معرفة النفس

كل ما يعرفه الناس أنهم يعرفون بعض الأشياء عن بعض الأشياء، أما المتخصص منهم فيركز في معرفته علي أمر معين، يعرف عنه بطريقة أعمق وما أكثر الأشياء التي لا يعرف عنها البشر شيئًا وبعضها مجال لبحوثهم والبعض فوق مستوي البحث! أما الله تبارك اسمه، فانه يعرف كل شيء عن كل شيء ويعرف كل شيء عن كل احد، في السماء وعلي الأرض، سواء من الأرواح البشرية، أو الملائكة أو أسرار الكون، ما يري منه وما لا يري وهي معرفة كاملة شاملة. ولذلك فان الله هو الوحيد الذي يمكن أن يوصف بأنه 'كلي المعرفة'. الله أيضًا يعرف كل الخفيات والظاهرات فهو الوحيد الذي يعرف الغيب. وان ذكر بعض البشر معرفة شيء من المستقبل، فان ذلك يكون عن طريق الاستنتاج أو المعرفة العامة، مثل ما يقوله خبراء الأرصاد عن حالة الجو فيما سيحدث من حرارة أو رياح أو مطر، حسبما يتوقعون وقد لا تكون معلوماتهم دقيقة.. أو قد يقول أحد الأساتذة حسب خبرته أن طالبًا من تلاميذه سوف يرسب وان طالبًا آخر سوف ينجح بتفوق. ويحدث هذا فعلًا بناء علي درايته السابقة بمستوي تلاميذه من حيث العقلية والدراسة والذاكرة.وقد يقول طبيب عن احد مرضاه انه لابد سيموت بعد أيام، وذلك بناء علي وضوح تطور المرض وعدم الاستجابة لأي علاج. ويحدث هذا فعلا ولا نسميه لونًا من معرفة المستقبل إنما هو استنتاج. أما معرفة المستقبل عند الله، فهي فوق مستوي الاستنتاج أو ما توحي به طبيعة الأشياء، إنما هو النبوءة التي فوق الإدراك البشري. ومن أمثلة معرفة الله بالخفيات معرفته بما في الأفكار والقلوب.. فالله هو الوحيد فاحص القلوب وقارئ الأفكار والعارف بما في داخل الإنسان من نيات ومشاعر.. ولذلك فهو يحاسب كل شخص علي نواياه، الأمر الذي هو فوق معرفة البشر.. كما أنه أحيانًا ينقذ البعض من مؤامرة سرية تدبر ضدهم ولا يعرف بها أحد إن كلمة 'أسرار' تقال عن معرفة بعض البشر. أما عند الله فلا يوجد سر بالنسبة إليه.. إنما كل شيء واضح أمامه ومعروف.والله يعرف كل أمر بدون وسائط أو وسائل أو أجهزة.ما أكثر الأجهزة والوسائل التي يستخدمها البشر للوصول إلى معرفة معلومة معينة.. كما نري في الطب أجهزة الأشعة والتحاليل والمناظير، وأجهزة لمعرفة الحرارة والضغط أو التأكد من وجود مرض معين. أما الله فيعرف كل شيء معرفة مباشرة بدون وسائل.. البشر ­في قمة ما وصلوا إليه من علم­ اخترعوا سفن الفضاء، واستخدموها لمعرفة بعض أخبار الكواكب أو الحصول علي بعض صور أو حجارة يستنتجون منها شيئًا..! أما الله فيعرف كل تلك الأجرام السمائية، لأنه هو خالقها، ويعرف كل المعلومات عن باقي الكواكب التي لم يستطع البشر الوصول إليها.. وكذلك ما في فلك السماء من شمس وكواكب ونجوم تحيط بها ولا يحيط بها علم البشر أبدًا..! البشر ينقبون في الجبال بحثا عن الذهب والأحجار الكريمة. وقد ينجحون أحيانًا أو يفشلون.. كما أنهم يحفرون أميالًا عديدة تحت الأرض لعلهم يجدون شيئا من البترول مثلا.أما الله فيعرف كل ذلك دون تنقيب أو حفر، لأنه هو الذي وضع الذهب في تلك الجبال، ووضع البترول تحت الأرض وبالمثل قد يبذل العلماء جهودهم ووقتهم إلى أن يكتشفوا خواص طبية في بعض الحشائش أو النباتات أو في مواد معينة. بينما الله­ جلت قدرته­ يعرف كل هذا دون بحث علمي لأنه هو الذي وضع في تلك النباتات أو المواد ما تتصف به من خواص طبية. تتميز معرفة الله أيضا بأنها معرفة يقينية وفوق التطور الإنسان ينمو في معرفته وأحيانًا يتطور أو يتغير حتى يصل إلى معرفة يعتبرها ثابتة وقد كانت له قصة متناقضة في موضوع الذرٌة وانقسامها إلى أن استقر علي معرفته الحالية وكذلك مرٌ بمأساة بشرية حتى وصل إلى كروية الأرض وقد كان من قبل يحكم بالموت علي من يقول بذلك! ومازال البشر من جهة أصل الإنسان ونظرية التطور في اختلاف بين ما يقوله الدين وما يقوله بعض العلماء وبخاصة عن الحلقة المفقودة بين الإنسان والقرد! وأمور كثيرة نري فيها معرفة الإنسان ­وبخاصة العلماء­ لم تصل إلى مستوي اليقين بعد، إنما هي مجرد محاولات للوصول.. أما معرفة الله فهي معرفة يقينية في كل شيء لا تقبل الشك. معرفة الإنسان تأتي أحيانًا عن طريق التدرج فخطوة منها تقود إلى خطوة أخرى. وبحث لعالم معين يكمل مجهودًا لعالم آخر حتى يصل الجميع إلى نتيجة ثابتة.عنصر التدرج أيضًا يكون في علاج كل مريض مع متابعة كل خطوات علاجه واستجابته له. ونفس التدرج نجده في حلٌ أي تمرين هندسي وفي شرح أي علم حتى يستوعبه الذهن البشري نقطة اثر نقطة.. كذلك كل إنسان في تلقيه للعلم يتدرج من مستوي إلى مستوي اعلي. وفي معرفته ينمو فيها شيئًا فشيئًا.أما الله ­سما وتعالي­ فلا تدرج مطلقا في معرفته، بل انه يعرف كل شيء دفعة واحدة وليس خطوة فخطوة. نهاية كل شيء واضحة أمامه مع بداية هذا الشيء.والله ­كما يعرف­ يمنح أيضًا المعرفة للإنسان في الأمور التي لا يستطيع أن يصل إليها بذاته.ولذلك كما انه كليٌ المعرفة هو أيضًا مانح المعرفة. وان كنا نحن نعرف أمورًا عديدة بعقولنا فهو الذي منحنا هذه العقول بكل مداركها وقدراتها وكثيرًا ما يكشف لنا أمورًا فوق قدراتنا الطبيعية أن نعرفها.. ولعله من أمثلة ذلك ما منحه ليوسف الصديق من جهة موهبة تفسير الأحلام وما تشير إليه أحيانًا عن مستقبل الأمور.وأيضًا ما منحه للأنبياء من وحي الهي.. وما منحه للبعض من جهة كشف المستور ومعرفة بعض الأمور.علي انه يعطينا من المعرفة ما يلزمنا وما ينفعنا. ونحن نشكر الله في كل حين، لأنه أعطانًا علم معرفته وأوصلنا إلى الإيمان به.وهناك أمور يعرفها الله، ولم يكشفها لنا بعد فأمور خاصة بسرٌ الحياة والموت وما يتعلق بروح الإنسان: ما كنهها؟ وكيف تفارق الإنسان؟ وكيف تعود إليه؟ وكيف تكون قيامة الأجساد من الموت؟ ومتى يكون ذلك؟ وكيف تتغذي الروح في العالم الآخر؟ وما كنه ذلك العالم وأين يكون؟ في كل ذلك نطلب المعرفة من الله نفسه وليس إلى غيره فهو وحده الذي يعرف الحق كله بل هو الحق جل جلاله.. نقول ذلك ونحذر الذين يطلبون المعرفة من غير الله عن طريق المنجمين أو الدجالين أو الذين يدعون معرفة البخت والحظ وقراءة الكف وقراءة الفنجان أو ضرب الرمل وأمثال كل ذلك من ادعاء معرفة الغيبيات التي هي من شأن الله وحده.كذلك نحذر من اللجوء إلى السحرة، أو من يدعون السحر!! أو اللجوء إلى الشيطان كمصدر من مصادر المعرفة عند المخدوعين! فالشيطان معرفته دنسة ومضللة يريد بها خداع الناس ممن يقبلون خداعه.. 'وللبحث بقية'. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
27 يوليو 2021

المسيحية والجسد

نحن في المسيحية لا ننظر لجسدنا على أنه عدو يجب محاربته أو معاداته أو إهانته... فمُعلِّمنا بولس الرسول يوضِّح لنا هذا المعنى بفلسفته البليغة قائلًا: "فإنَّهُ لم يُبغِضْ أحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ، بل يَقوتُهُ ويُرَبيهِ" (أف5: 29).ولكن في كل حياتنا نسعى في جهادنا اليومي أن يكون هذا الجسد مقدسًا للرب وهيكلًا طاهرًا.. هذه النظرة العاقلة غير العدائية نجدها واضحة كل الوضوح في رسائل مُعلِّمنا بولس الرسول حينما تكلم عن الجسد قائلًا:- "ولكن الجَسَدَ ليس للزنا بل للرَّب، والرَّبُّ للجَسَدِ" (1كو6: 13). "ألستُمْ تعلَمونَ أنَّ أجسادَكُمْ هي أعضاءُ المَسيحِ؟" (1كو6: 15). "أم لستُمْ تعلَمونَ أنَّ جَسَدَكُمْ هو هيكلٌ للرّوحِ القُدُسِ؟" (1كو6: 19). وفي هذا كله كان مُعلِّمنا بولس يتكلم عن الجسد مميزًا ذلك عن الروح وليس كلامًا شاملًا الجسد والروح، ويتضح ذلك مما كتبه قائلًا:- "فمَجِّدوا اللهَ في أجسادِكُمْ وفي أرواحِكُمُ التي هي للهِ" (1كو6: 20) وهنا تختلف نظرتنا عن نظرة الغنوسيون الذين أنكروا تجسد السيد المسيح، وذلك لاعتقادهم أن الجسد شر وهو مصدر الخطية، وهو الذي يؤدي بالإنسان إلى الأفعال الدنسة والمميتة، فقالوا لا يمكن أن الله الكلي القداسة والطُهر يأخذ جسدًا (شرًا) إذ كيف يتحد الأقنوم الثاني (الكلمة) بجسد يميل للخطية! هؤلاء حرمتهم الكنيسة وحرمت كل مَنْ يتبع كلامهم لأنهم أساءوا فهم عقيدة التجسد وأنكروها.. بل تعاملوا مع الجسد على أنه شيء مظلم يميل للخطية، بل هو السبب في كل خطية والبُعد عن الله.ولكن فكرنا المسيحي السليم عن الجسد نجده يتمثل في أننا نمقت ونقاوم أعمال الجسد الشريرة، وليس الجسد نفسه.. ونقصد بها هنا الخطايا والشهوات الدنسة والأعمال الدنيئة التي يميل إليها الجسد، وهذا ما وضحه مُعلِّمنا بولس الرسول عندما قال: "وأعمالُ الجَسَدِ ظاهِرَةٌ، التي هي: زِنىً، عَهارَةٌ، نَجاسَةٌ، دَعارَةٌ، عِبادَةُ الأوثانِ، سِحرٌ، عَداوَةٌ، خِصامٌ، غَيرَةٌ، سخَطٌ، تحَزُّبٌ، شِقاقٌ، بدعَةٌ، حَسَدٌ، قَتلٌ، سُكرٌ، بَطَرٌ، وأمثالُ هذِهِ" (غل5: 19-21).هذة الأعمال الرديئة التي تصدر من الجسد ذكرها مُعلِّمنا بولس قبل أن يذكر ثمر الروح الذي ذكره في نفس الاصحاح: "وأمّا ثَمَرُ الرّوحِ فهو: مَحَبَّةٌ، فرَحٌ، سلامٌ، طولُ أناةٍ، لُطفٌ، صَلاحٌ، إيمانٌ، وداعَةٌ، تعَفُّفٌ" (غل5: 22-23).فقد ذكر لنا على سبيل المثال 17 عملًا رديئًا من أعمال الجسد، في حين ذكر 9 ثمرات من ثمار الروح، وهذا يوضح لنا أن خطايا الجسد كثيرة لأنه يميل إلى الخطية.ومن هنا يتضح لنا أن جهادنا ضد أعمال الجسد يكون مستمر، ويحتاج إلى يقظة مستمرة وجدية في الحياة الروحية.فمَنْ يهتم بروحه ويهمل جسده يكون مثل إنسانًا ساعيًا نحو السراب في الصحراء.. لأن هيهات أن ينمو روحيًا دون أن يجاهد ضد أعمال الجسد. مثال على ذلك:- إنسانًا يُصلي باستمرار وينتظم على حضور القداسات والتناول من سر الإفخارستيا،ومع هذا يأكل كثيرًا جدًا، فيجد نفسه باستمرار خاملًا كسولًا، لا يريد الاستيقاظ، ففي ذلك الوقت يقوى الجسد على الروح، ويهمل هذا الإنسان صلاته وحضوره القداسات مؤجلًا من يوم لآخر، لأنه يشعر بالحاجة إلى النوم الكثير، ويجد صعوبة في استيقاظه لحضوره القداسات، ويتراخى في حياته الروحية.. وبمرور الوقت يجد نفسه ترك الصلاة والقداسات والتناول، وأصبح يهتم فيما للجسد وليس فيما للروح. وباستمراره في هذا الفِعل يجلب على نفسه حرب الفكر الدنس والشهوة، وتتلوث أفكاره بالأفكار السمجة الشريرة، ويشكوا أنه مُحارب بأفكار دنسة كثيرة وخيالات مثيرة للشهوة، ويعتبرها حرب روحية موجهة له بسبب جهاده وصلاته، وهو غير مستيقظ أنه هو الذي يجلب على نفسه هذه الحرب بسبب عدم يقظته بأنه يجب أن يضبط جسده في الأكل والشرب وكل احتياجاته ولذلك عاش آباءنا القديسين مجاهدين باستمرار ضد أعمال الجسد الشريرة، متيقظين في إعطاء الجسد احتياجه الضروري الذي يعيش به، ولا يعطوه كل ما يطلبه لكي تنمو الروح وتتحرر من قيود الجسد الأرضية، فانطلقت أرواحهم محلقة في السماء والسماويات، متمتعين بالسيد المسيح وهم على الأرض.. فلا يوجد عائق يمنعهم عن ممارساتهم الروحية وجهادهم اليومي المستمر وهذا الجهاد مطلوب من الكل.. ليس آباء الصحراء فقط، ولكن من كل إنسان يحيا على الأرض لكي يصل إلى السماء، متذكرين كلمات مُعلِّمنا بولس الرسول: "كُلُّ مَنْ يُجاهِدُ يَضبُطُ نَفسَهُ في كُل شَيءٍ" (1كو9: 25).ولإلهنا كل المجد والإكرام من الآن وإلى الأبد آمين. الراهب القمص بطرس البراموسي
المزيد
26 يوليو 2021

الحكمة

هي أجمل العطايا وأعظم المواهب. هي التمييز بين الأمور المتخالفة. وهي الإفراز بين الجيد والرديء. هي الربان الحكيم لسفينة الحياة. هي الشيبة الصالحة الوقورة. هي موهبة سمائية. وهي حلو الكلام، وعذوبة الحديث، وُحسن المنطق. إنها مفتاح الغنى. وحقن للدماء. هي مجلبة الصداقة النافعة. وهي بوابة الملوك والعظماء. ومجلبة الكرامة والمجد. الفقير بالحكمة يغتني والكثير المال بجهله يفتقر. فيها الراحة وفيها الخير. هي أفضل ما يطلبه الإنسان. هي الحافظ للمواهب. وبدونها لا قيمة لفضيلة. بالحكمة تنجو المدينة من الهلاك. وبها نسحب السموم الشريرة ونطفيء السهام الملتهبة، وننجو من عروض الخطيئة المحيطة بنا. إذا أثمر الذكاء خيرا جعل صاحبه حكيما. والأحمق هو الذي يلد ذكاؤه خبثا وشراً. بها أكمل الشهداء جهادهم ونال المجاهدين إكليلهم. هي المسيح أقنوم الحكمة، اللوغوس كلمة الله. نطق الله العاقل وعقل الله الناطق. وإنما إن كان أحدكم تعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير فسيعطى له (يعقوب 1 : 5). نيافة الحبر الجليل انبا مكاريوس اسقف المنيا وتوابعها
المزيد
25 يوليو 2021

الخادم والأنشطة

كثرت الأنشطة بالكنيسة في عصرنا الحالي وتعدّدت نتيجة زيادة الاحتياجات وتغيرات وسلبيات المجتمع وتضاعف الأعداد ...لذا وجدت الكنيسة أنه من الواجب عليها أن تقدم لأبنائها ما يحتاجونه في كافة المجالات الروحية والنفسية والاجتماعية والرياضية. ولأن الكنيسة تعلّمت من سيدها يسوع المسيح كيف تقدّم خبزًا للجائع وماءً للعطشان وسندًا للمريض وعزاءً للمتضايق... ولأن الكنيسة بلا شك هي التي تحتضن العالم وتقدسة وترقّيه وتربّيه في المسيح يسوع، فقدّمت الكنيسة كل جهدها لتقديم المعونه لابنائها... ولكن مع تزاحم الأنشطة وجب علينا أن ننتبه دائمًا إلى مراجعة الهدف باستمرار لئلا يضيع هدف الخدمة الحقيقي وسط تداخلات الاحتياجات (وهو التوبة والتقديس وربح الملكوت ومجد المسيح على الأرض) لئلا تتحول الكنيسة إلى مؤسسة زمنية اجتماعية تقدّم الكورال والتمثيل والكومبيوتر والنادي والمسرح دون هدف واضح، وبحسب نصيحة معلمنا بولس الرسول «فإن كان وعظ ما في المسيح، إن كانت تسلية ما للمحبة، إن كانت شركة ما في الروح»(فيلبي 2: 1). وما نخشاة أن تكون قوة الاستحابة لمثل هذه الأنشطة تمثّل تعويضًا عن الضعف الروحي وتقصيراته الداخلية... فتجد الكنيسة مكدّسة بأعداد المتردّدين للأنشطة بينما العبادة متناقصة... ونصل إلى حالة اكتفاء كاذب، ونتائج غير حقيقية، ويتردّد المخدومون على الكنيسة بشكل دائم مما يفقدهم الكثير من هيبه وكرامة الكنيسة... وتتحوّل العبادة والأسرار إلى مجرد فواصل بين الأنشطة. لذلك وجب تقنين ومراجعة الأنشطة بشكل أكثر تدقيقًا... ويجب أن نتحلّى بالحكمه والتأنّي في اختيار النشاط ومراجعته باستمرار، من هنا وجب على الخادم أن يضع في قلبه عدّة أمور: 1- الأنشطة هي وسائل وليست أهداف. 2- يُراعى فيها تقديم الاحتياجات الروحية من خلالها. 3- الأنشطة فرصة لجذب نوعيات نعجز عن الوصول إليها. 4- هي من أجل نمو روح الشركة والحب بين الخادم والمخدومين، والمخدومين وبعضهم البعض. 5- هي فرصة للتعرّف على المخدوم وضعفاته وجذبة بشكل أقوى من خلال الاحتكاك المباشر به والتقرّب إليه. 6- اكتشاف مواهب المخدومين والارتقاء بها. 7- حفظ المخدومين من الفراغ والعثرات. 8- غرسهم في الكنيسة والاندماج مع عبادادتها لئلا يُصاب بالاغتراب في الكبر. وأخطر ما في الأمر أن تكون دوافع الخادم مثل دوافع المخدوم في أي نشاط... فقد يحضر المخدوم للنشاط فقط من أجل قضاء وقت مع الأصدقاء أو للتسلية، أمّا الخادم فيجب أن يري أبعد من ذلك بكثير... بحسب قول القديس يوحنا ذهبي الفم إنه يجب أن يكون الفرق بين الخادم والمخدوم كالفرق بين الراعي والقطيع، الراعي يهتم بامور أبعد ما تكون عن فكر القطيع، فهو يدبّر المراعي الخصراء والماء والأماكن الآمنة، ويتعهد سلامة القطيع في كل الأحوال. كذلك الخادم فهو يصلي ويدبّر ويعدّ ماهو مشبِع ومسرّ لنفوس مخدوميه.... لئلا نقدّم النشاط ونخسر القطيع، ونشبه نحاسًا يطن أو صنجًا يرن. القمص أنطونيوس فهمى - كنيسة القديس جوارجيوس والأنبا أنطونيوس - محرم بك
المزيد
24 يوليو 2021

صلاة القديسين من أجلنا

القديس يوحنا الذهبي الفم يحسن بنا الإعتماد على صلاة قديسي الله ولو كنا نشيطين بتتميم الواجب، وربما تقول: ما الحاجة الى صلاة الآخرين، إذا كنت أتمم واجباتي بنشاط؟ فأنا لست بحاجة إليها! لم يقل القديس بولس الرسول: لا حاجة الى صلاة الآخرين. مع أن الذين صلّوا لأجله لا يُضاهونه بشيء. فكيف تقول انت ما حاجتي الى صلاة الآخرين عني؟ والقديس بطرس الرسول لم يقل ما الحاجة الى هذه الصلاة، بل قيل: "وكانت الكنيسة تصلي الى الله من أجله بلا انقطاع" (أعمال ٢:٥) وأنت تقول ما الحاجة الى صلاة الآخرين؟ إنها تلزم، وخاصة لأنك لا تعترف بالحاجة إليها. إنك في حاجة الى صلاة الآخرين، ولو كنت معادلاً للرسل المتقدمين على غيرهم.إنني أكرر القول أن صلاة الغير من أجلنا نافعة لنا إذا كنا نتعب بتأدية واجباتنا. أما شهد رسول المسيح بقوله :"لأني أعلم أن هذا يؤول الى خلاصي بصلاتكم وبإعانة روح يسوع المسيح" (فيلبي ۱:۱٩) "والذي ينقذنا الآن بمعونة دعائكم لنا حتى أن كثيرين يودون الشكر على الموهبة" (٢كور ۱:۱٠و۱۱) ولكن لا أحد يستطيع أن يساعدنا بصلواته إذا كنا متهاملين. فما الفائدة التي حصل عليها النبي إرميا لليهود؟ ألم يصرخ الى الله ثلاثاً ويسمع ثلاثاً: "وأنت فلا تصلي عن هذا الشعب ولا ترفع صراخاً ولا صلاة لأجلهم ولا تشفع إليّ فإني لا أسمع لك" (إرميا ٧:۱٦) وما المنفعة التي قدّمها النبي صموئيل للإسرائليين؟ ألم يهلكوا جميعاً غير ناظرين إلى نبي الله الذي شهد عن نفسه: "وأما أنا فحاشا لي أن أخطئ الى الرب وأترك الصلاة من أجلكم" (ملوك الأول ۱٢:٢٣) لذلك يجب أن نعلم أن صلاة الآخرين من أجلنا تعود علينا بالنفع العظيم إذا قمنا بواجبات الصلاة نحن أيضاً. إن الصلاة تعمل وتساعد من يتمم واجباته، أما إذا كان متكاسلاً فلا تعود عليه بفائدة. ألم يصلِّ القديس بولس الرسول من أجل العالم بأسره؟ ألم نصلِّ نحن من أجل خلاص الجميع؟ فلماذا لا يصير الأشرار أبراراً؟ لأنهم لا يهتمون لنفوسهم! فالصلاة من أجلنا تفيدنا إذا أتممنا ما يجب علينا. أتريد أن تعرف أيها المسيحي كيف تكون الصلاة نافعة لنا؟ اسمع ما يقول يعقوب للابان: "ولولا أن إله أبي ابراهيم ومهابة اسحق معي لكنت سرحتني فارغاً" (تك ٣۱:٤٢) واسمع أيضاً ما قال الرب الإله: "فأحمي هذه المدينة وأخلّصها من أجلي ومن أجل داود عبدي" (الملوك الرابع ۱٩:٣٤) لكن متى يكون هذا؟ كان بواسطة حزقيا الذي كان صديقاً. ولكن إذا كان للصلاة قوة أثناء الشدائد العظيمة فلماذا أسلم الرب المدينة الى نبوخذنصر عند هجوم البابليين؟ لان الفساد ازداد في تلك الأيام، وهكذا النبي صموئيل من أجل الإسرائليين، نجح لما أرضى الإسرائلييون العلي. وربما تقول ما الحاجة الى صلاة الآخرين من أجلك إذا كنت عائشاً في طاعة الله؟ فهذا لا يجوز لك أن تقوله مطلقاً بل اسمع ما قاله السيد الرب عن أصحاب أيوب: "إن عبدي أيوب يصلي من أجلكم فتترك لكم خطاياكم" (أيوب ٤٢:٨) لأنهم قد خطئوا ولكن خطيئتهم لم تكن عظيمة، وهذا الصديق نفسه الذي خلّص اصدقاءه لم يقدر أن ينقذ اليهود من الهلاك لأن "إثمهم كان عظيماً" (حزقيال ۱٤:۱٤). وقد قال السيد الرب بواسطة أنبيائه: "ولو كان فيها هؤلاء الرجال الثلاثة نوح ودانيال وأيوب إنهم لا ينقذون لها بنين ولا بنات والأرض تصير مستوحشة" (حزقيال ۱٤:۱٥) "لو أن موسى وصموئيل وقفا أمامي لما توجهت نفسي الى هذا الشعب" (إرميا ۱٥:۱) وعندما صرخ النبي حزقيال: "آه أيها السيد أتهلك جميع بقية إسرائيل". عرَّفَه الرب أن عدم مساعدته للاسرائليين لم تكن لأنه توسط لهم بل "لأن إثم اسرائيل ويهوذا عظيم جداً" (حزقيال ٩:٨ و٩). فبتذكرنا أيها الاحباء كل هذا يجب ألا نحتقر صلاة القديسين أو نعتمد عليها وحدها، بل لنحافظْ على الشرط الثاني أي ألاّ نتكاسل، ونصرف حيلتنا في البطالة، حتى لا نُحرَم من الخيرات العظيمة. لنسألْ سكان السماء القديسين أن يساعدونا بصلواتهم لنقضي حياتنا في الصلاح حتى نحصل على الملكوت الأبدي. عن كتاب "منهج الواعظ" للمطران أبيفانيوس زائد مجلّة التراث الأرثوذكسي
المزيد
23 يوليو 2021

لا تدنو ضربة من مسكنك ج1

هذا هو الوعد الإلهي للساكن في سِتر العَلِيِّ، وفي ظلّ الإله القدير يبيت. فكيف يتجرّأ العدو أن يضرب الساكن في الحصن الإلهي والحضن الأبوي؟ هذا هو ميراث الذين يحيون في المسيح يسوع، الذي أعطى لنا أن نتّحد به ونحتمي فيه. لقد صِرنا «أَعْضَاءَ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ» (أف5: 30)، «وَبِظِلِّ جَنَاحَيْكَ أَحْتَمِي (نعتصم) إِلَى أَنْ تَعْبُرَ الْمَصَائِبُ (يعبر الاثم)» (مز57: 1) المُجرِّب لا يكُفُّ ولا يهدأ ولا ينام. ولكنّ واقع الأمر أنّ المسيح فضح خُطَطَهُ ودَحَرَهُ (دفعه بعنفٍ وطرده) وسحق قوّته وأرجعه خائبًا مذلولاً، بعد أن أكمل على جبل التجربة كلّ ما استطاع من تجارب. ولكن القدوس الذي بلا شرّ صار «مُجَرَّبًا فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا،(ولكن) بِلاَ خَطِيَّةٍ... يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ» (عب4: 15، 2: 18)أنا في المسيح غالب ومنتصر والعدو ذليل.. أنا في آدم الأول مغلوب وساقط وميّت. «فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، أمَّا فِي الْمَسِيحِ فيُحْيَا الْجَمِيعُ» (1كو15: 22)لا ولم يوجد إنسان نجَّى نفسه من تجارب العدو الشرير.. ولا ولم يوجد إنسان في تاريخ البشرية لم يُسقِطْه العدو. الخطية كائنة في الطبيعة القديمة، وهيهات أن يفلت منها الإنسان. الخطيّة في الطبيعة القديمة تسبي الإنسان سَبْيًا حتى لو كان من أعظم القديسين ناموس روح الحياة في المسيح يسوع حررنا من «نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِنا» (رو7: 23). إذن إن كنت أريد أن أغلب لابد أن أتّحد بالغالب. المسيح وحده «خَرَجَ غَالِبًا وَلِكَيْ يَغْلِبَ» (رؤ6: 2) لأنّه هو وحده الذي بلا خطية.الاتحاد بالمسيح نلناه بالمعمودية، ونناله بالتناول.. الثبات في المسيح قوامه الحبّ الذي أحبَّنا به. وحِفْظ وصايا يسوع هو برهان الحُبّ الوحيد «اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي» (يو14: 21).«وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ» (لو4: 13). لا يعرف أحد أعماق الشيطان ولا يتخيّل أحد قدراته وخبايا شرّه. ربنا يسوع المسيح وحده قاس أعماقه وقدراته المُخرِّبة المضادّة لكلّ ما هو خير أو صلاح.. أليس هو ضد الله، أي ضدّ الحقّ المطلق والحب المطلق. لذلك كان من خطّة خلاص الإنسان من براثن هذا العدو القَتَّال، أن يُجَرَّب المسيح، وأن يدخل إلي صميم التجارب، وينتصر عليه، وينزع سلاحه المتّكل عليه، ويُجرِّده من وهم النُّصرة الكاذبة. فالتجارب كانت فِعليّة واقعيّة بلا خيال. واستلزم الأمر في التدبير الإلهي مُدّة الأربعين يومًا التي قضاها المسيح صائمًا على جبل التجربة، بلا مأوى وبلا طعام أو شراب. فالعدو شرس قتَّال، والفِخاخ والتجارب لا حدود لها المسيح وهو حامل طبيعتنا فيه ومتّحدٌ بها اتحادًا كاملاً غير منقوص، غَلَبَ بها كلّ التجارب التي تأتي على طبيعتنا البشريّة؛ والتي لم يَنجُ منها إنسان، والتي عثر فيها كلّ إنسان، حتى أقدس الآباء والأنبياء. ولكن لماذا غلب المسيح؟ أليس هو القائل «لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ» (يو14: 30). المسيح وحده غير خاطئ.. غير مضبوط بآلام الخطايا.. «مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟» (يو8: 46) لم تكن التجارب أمرًا هيِّنًا، ولكنّها معارك ضارية، جازها المسيح لأجلنا، وسحق الشيطان وأهانه. ثم جاءت سنوات كرازة الإنجيل، أي البشارة المُفرِحة، أنّ العدو قد اِنكسر، وجاءت أزمنة الخلاص والنجاة من يد القاهر الغالب والقادر على كلّ شيء. لذلك كان المسيح يُخرج الشياطين.. «وَكَانَتْ تَصْرُخُ... فَانْتَهَرَهُمْ وَلَمْ يَدَعْهُمْ يَتَكَلَّمُونَ» (لو4: 41).. هذا كان ثمرة جبل التجربة ثم ما صنعه يسوع لأجلنا أعطانا إيّاه، إذ «أعْطَانَا سُلْطَانًا لِندُوسُ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ» (لو10: 19). وهكذا أُؤْتُمِنَتْ الكنيسة، واستودعها المسيح سرّ النصرة على الشيطان. وقال للرسل الأطهار: «أَخْرِجُوا شَيَاطِينَ... فَرَجَعَ السَّبْعُونَ بِفَرَحٍ قَائِلِينَ يَارَبُّ، حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِكَ» (مت10: 8، 17) فأجاب الرب وقال: «لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا: أَنَّ الأَرْوَاحَ (الشياطين) تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ» (مت10: 20) فصار نصيبنا في السموات هو مصدر الفرح، حيث أعادنا الرب إلى حضن الآب، بعد أن كسر شوكة العدو الذي أغوى جنسنا. على أنّ كسرة الشيطان وهزيمته لا تعني أبدًا أنّه تخلّى عن مقاومته، أو سكت عن حروبه وضلالته، أو أصابه اليأس وكفَّ عن الغواية. بل على العكس، زاد في عدم رحمته ومقاومته.. وصار «كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ» (1بط5: 8). ولكن الرسول يوصينا قائلاً: «فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ». فهو مثل أسد ولكنّه مُصاب بجرح مميت. لذلك فهو فى هياج عالمًا أنّ له زمانًا يسيرًا. بل وأكثر من ذلك قال الرسول: «قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ» (يع4: 7)هكذا صارت لنا هذه النعمة والنصيب الصالح في المسيح يسوع: إنّنا بنعمته نُقاوم العدو فيهرب مخذولاً. وهذا ما حدث في حياة آبائنا القديسين الأبطال الذين «غَلَبُوهُ بِدَمِ الْخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ» (رؤ12: 11)، وتقوّوا في الإيمان، وجاهدوا الجهاد الحسن، ودخلوا إلى الفرح منتصرين على هذا يتعيّن على الإنسان أن يتأكّد جدًّا من التصاقه بالربّ، وحياته فيه واتحاده به، الذي صار لنا بالمعمودية والمسحة وسرّ القربان، حتى إذا صار هذا الاتحاد حيًّا فَعَّالاً ضَمَنَ بالنعمة النُّصرة في جميع الحروب، والانفلات من جميع الفخاخ التي ينصبها العدو لينال بغيته من الإنسان ثمّة أمر آخر جدير بالاعتبار؛ أنّه كثيرًا ما يخدعنا العدو بسبب ضعف طبيعتنا، أو بسبب الإهمال، أو الكسل، أو التراخي، وتسويف العمر، فنجد أنفسنا وقد انطلت علينا حيله أو صرنا فريسة لفخاخه، أو ضرباته ذات اليمين في الافتخار والاتكال على الذات أو حب الظهور..الخ. أو الضربات الشمالية التي توقِعنا في الخطايا العمد، أو السهوات، من جهة ما هو ضدّ الروح، وضدّ وصايا المسيح، وضدّ قداسة طبيعتنا المخلوقة فينا بالنعمة. فنحن والحَال هكذا نحتاج إلى التوبة، التي هي تجديد الاتحاد، وتواصُل الثبات في المسيح، بغَسل الخطايا بدموع التوبة، وقبول روح التجديد، وقوّة القيامة من العثرة. وهكذا تصير أعمال التوبة كمعمودية متجدّدة. وهكذا يستعيد الإنسان ما فُقِد منه، ويتعافى في الروح، ويختبر ثانية فرح النصرة على العدو ومجد القيامة. فإن كان الشيطان لا ييأس في محاربتنا مهما تكرّرت مرّات خيبته، فكَم بالحري يكون الحال معنا إذا كُنّا ممسكين بالحياة الأبدية، ومتعلّقين باسم الخلاص؟ فمهما تكرّرت مرّات هفواتنا أو سقوطنا فلن نيأس، بل بالحريّ نتمسّك بمراحم الله الذي يُقيم الساقطين. ونثق أنّ النصرة بالنهاية ستكون للذي داس الموت وكسر شوكة الجحيم. (يُتّبَع) المتنيح القمّص لوقا سيداروس
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل