المقالات

03 ديسمبر 2020

شخصيات الكتاب المقدس أستير

«ومن يعلم إن كنت لوقت مثل هذا وصلت إلى الملك» مقدمة هل نحن في عالم يعتني به الله؟ وما مبلغ عنايته؟ وما مدى تدخلها في أحوال الناس وظروفهم وأحداثهم وحوادثهم؟،أي السبل تسلك؟ وما وسائلها التي تتذرع بها لبلوغ مقاصدها البعيدة المتعددة المترامية؟ كل هذه أسئلة تثار، والناس يقفون ازاءها مختلفي الفكر، موزعي الاتجاه، متبايني المنطق، فمنهم من لا يؤمن بالعناية اطلاقاً، لأنه لا يؤمن بوجود إله.. ويتخذ من مظاهر هذا الكون والاضطراب والفوضى التي تتمشى فيه سندًا لحجته وقوة لها... ألم يقل عمر الخيام في فلسفة بائسة يائسة محزونة: «ما هذه القبة الزرقاء فوقنا إلا صحن مقلوب يزحف تحته البشر ويحيون ويموتون، فلا ترفع لهذه القبة يدا في طلب العون فهي صماء بكماء عاجزة مثلي ومثلك». ومنهم من يظن أن الله لا يكاد يبالي بآلام الناس وأحزانهم وتعاساتهم، كلورد بيرون، أو نأي عنهم فنفض يديه منهم كما زعم توماس كارليل، ومنهم من يؤمن بالعناية بكيفية مجملة عامة تسيطر على مصاير الجماعات والشعوب والأمم ولكنه لا يكاد يصدق تدخلها في تلك الأمور الصغيرة الدقيقة العادية التي يألفها الناس في حياتهم من أكل وشرب ولبس ومرح وبكاء ودخول وخروج وما أشبه! غير أن هناك من يؤمن بالعناية في أوسع وأدق ما تشمل من معنى، العناية الجامعة المانعة، العناية التي ترعي الصغير والكبير على حد سواء، فتحصى شعور الرءوس كما تعد الشعوب والممالك، وتهتم بعصفور صغير كما تهتم بأمة بأسرها، العناية الحكيمة الحلوة المحبة المبصرة التي صاح ازاءها كلفن: «اني لا أؤمن بعناية الله كإله فحسب، بل بعنايته كآب محب مشفق»... إزاء هذه كلها ماذا تحدثنا قصة أستير!؟ وأي ضرب من العناية تكشف لنا؟ وما أثر العناية في توجيه التاريخ والشعوب والأفراد والحوادث؟ ذلك ما أريد أن نتأمله في اتجاهين: أستير: من هي؟ كانت أستير فتاة يهودية ولدت في السبي في شوشن القصر، ويقول التقليد ان أباها مات وهي جنين في بطن أمها، كما ماتت أمها أثناء ولادتها، فهي فتاة حزينة بائسة، خرجت إلى عالم لم تتذوق فيه حنان الأمومة، وعطف الأبوة، ولم يكن لها من عائل سوى ابن عمها الفقير مردخاي، الذي تكفل بها منذ الصغر، ولعله هو الذي دعاها «هدسة» أي «آس» ذلك النوع من الشجر القصير الصغير الظليل الجميل الدائم الأخضرار العطري الرائحة، والاسم يشير إلى جمال فائق فتان تعلوه مسحة من الكآبة والوحشة والتعاسة التي أورثها الفقر واليتم والسبي، على أنها دعيت فيما بعد أستير، والكلمة سواء كان معناها «نجمة» أو «عشتاروث» آلهة الخصب والشباب والجمال، فإنها تحدثنا عن هذا الجمال حين نضج واكتمل وتألق، وسار في طريقه إلى العظمة والإبهاء والقصور، كما أنها كانت فتاة رضية الخلق، وادعة النفس، متواضعة الروح، تروق لها الدعة والبساطة والهدوء، فهي في تجملها لا تميل إلى الإفراط والإغراق الأمرين اللذين كان يتطلبهما الاستعداد للدخول إلى الملك، وحين بلغت العرش لم يبهرها الصعود السريع المفاجيء، عن الحياة الوديعة القديمة، كنت أظنها ستنسي مردخاي أو تتحاشاه، أو تذكره لماما في شيء من الأنفة والكبرياء.. أليس الفاصل بينهما الآن وسيعًا كبيرًا هائلاً لا يستطاع تخطيه، أليست هي الآن نجمة الإمبراطورية الفارسية العظيمة، وهو مجرد واحد من الرعايا اليهود الأصاغر، لكن الملكة القديمة لم تفعل، ومن العجيب أنها ظلت على روح كاملة من الولاء والطاعة له، كما كانت عنده في بيته الفقير: «وكانت أستير تعمل حسب قول مردخاي كما كانت في تربيتها عنده» أنها في الواقع صورة النفس العظيمة التي لا يلوثها الغرور أو تفتنها الكبرياء، فتشيح بذكراها عن الأيام البسيطة الصغيرة الساذجة الأولى... رفع أحشويرش إلى المجد شخصين، فقتل المجد أحدهما، وأزكى الثاني، قتل خلق هامان، وأزكى عظمة أستير!.. ولعل أستير كامرأة وملكة قديمة، تعطي صورة من أقدم وأدق الصور للشخصية اليهودية في مختلف العصور، ومن العجيب أننا يمكن أن نرى فيها الكثير من الصور التي نراها في اليهودي في القرن العشرين كما كانت في القرون السابقة على الميلاد، سواء بسواء، فهي أولا صورة اليهودي المنعزل الذي لا يمكن أن يختلط بغيره، والذي حقت عليه نبوة بلعام القديمة: «هو ذا شعب يسكن وحده، وبين الشعوب لا يحسب».. كان اتصالها الدائم بمردخاي وشعبها، ولم تستطع حياة الترف والبذخ والمجد العالمي أن تفصلها عنهم أو تجعلها قريبة التنكر أو التجاهل لهم!!.. ومن الواضح أن الكثير من الجنسيات والشعوب، قد ذابت على مر الأجيال في الأماكن التي انتهت إليها، إلا اليهود أنفسهم الذين مهما اختلطوا أو ارتبطوا بغيرهم من الأمم أو الحضارات إلا أنهم إلى اليوم في أمريكا أو أوروبا أو أي مكان آخر من العالم، لا يمكن إلا أن يعيشوا في وحدة داخلية متعصبة كاملة!!.. وهي أيضًا تمثل اليهودي في سريتها، إذ لم تخبر أحدًا بحقيقة مولدها وجنسها وشعبها كما أوصاها مردخاي، والتقليد يقول إن احشويرش لما بهره جمالها يوم دخلت إليه، وأراد تمليكها، حاول أن يتعرف على شيء من أصلها وأهلها وعشيرتها وجنسها، ولكنها استطاعت أن تصرفه بمهارة ولباقة عن السؤال بكثرة ما شغلته ووجهت إليه من أسئلة عن الملكة السابقة وشتي، وفي الواقع ليس هناك أستاذ في الدنيا، كاليهودي في فن التخفي، والحياة السرية العميقة الغامضة، ويرد رجال النفس هذا للحياة المشردة التي يعيشها في كل التاريخ، على أنها إلى جانب هذا كله، يضع لنا كتاب الله قصة حياتها، كفتاة يهودية مؤمنة، في عصر الوثنية والظلام وقد عاشت في شوشن تحيط بها الوثنية من كل جانب، لكنها لم تستطع قط أن تؤثر فيها أو تنتصر عليها، أو تنسيها الحياة العظيمة القديمة التي كانت لأجدادها إبراهيم واسحق ويعقوب، كانت تؤمن بالله في أرض الوثنية، وتعيش متطلعة إليه بالحق في عالم الضلال. وعندما واجهها الخطر، وواجه قومها، كانت أنبل صورة يقدمها الإنسان من أجل شعبه، وعقيدته، ودينه، وسعت إلى الخطر بقدميها، وهي تصوم وتصلي هي وجواريها قائلة قولها العظيم الرائع «إذا هلكت هلكت» ان صورة أستير يمكن أن تكون عظة لجميع المؤمنين في كافة الأوطان والشعوب والأمم والممالك، إذ أن المؤمن الصحيح ينبغي أن يكون وطنياً متفوقًا في وطنيته، على استعداد أن يبذل كل شيء من أجل الآخرين من إخوته وأحبائه ومواطنية، وعليه أن ينسى نفسه، ويدفع الضريبة ما بلغت لمجد الله أولاً، وخير إخوته وأحبائه وشعبه ومواطنيه بعد ذلك، ولا شبهة على الإطلاق، في حياتنا كمسيحيين بعد خمسة وعشرين قرنًا من الزمان من هذه الفتاة القديمة، أن نشير إلى أن الإيمان الصحيح والوطنية الصحيحة يسيران على الدوام في خطين كاملي الاستقامة والامتداد والتوازي، وإن كنا نتحفظ في الأسلوب الذي اتبعته هذه الملكة القديمة، إذ كانت ضاربة قاسية في الانتقام لشعبها، الأمر الذي أثار حفيظة مارتن لوثر عليها، وجعله شديد التبرم منها ومن قسوتها، ومع أن الكثيرين حاولوا أن يدافعوا عنها، من هذا القبيل، إذ ذكروا أنها فيما فعلت، لم تكن في موقع الهجوم أو الاستعداء على الساكن الآمن الهادي، بل كانت تدفع ظلمًا صارخًا قاسيًا مروعًا، وكانت في موقع الدفاع والحماية لنفسها وشعبها! على أنه مهما تكن حجتها في ذلك، فمن الواضح أن روح العهد الجديد في المسيح يسوع لا يمكن أن تقبل هذا الأسلوب على الإطلاق، ولا يجوز الالتجاء إليه بتاتًا الآن، وقد رفضه المسيح بوضوح، عندما طلب ابنا زبدي نارا من السماء تحرق قرية سامرية، لم تعط السيد مكانًا وضيافة وترحابا، وقال لهما في زجر قاس: «من أي روح أنتما» وكأنما يريد أن ينبهما، أن روح إيليا النبي الملتهب الغيور، لا يجوز في العهد الجديد أن تأخذ صورة القسوة والانتقام والثأر، على أي حال لقد كانت هذه المرأة تعمل في عصرها القديم بروح العصر وأسلوب ونظامه وإيمانه، وهي فيما خلا ذلك تعطي صورة رائعة لانتصار عناية الله أزاء ظلم لم يكن له على الإطلاق، ما يبرره، من هامان المدمر الرهيب القاسي.. أستير والعناية قد يكون من الغريب في سفر أستير أن لفظ «الله» جل جلاله لم يرد في السفر، لكن عناية الله ظهرت في كل سطر فيه ونحن يمكن أن نراها فيما يلي: أستير وامتياز العناية ليس في قصص التاريخ أمثلة كثيرة لشخصيات ترتفع من الحضيض إلى المجد بهذه الصورة، فتاة فقيرة يتيمة من شعب مرذول تدبر لها العناية أن ترقي عرش امبراطورية فارس، ومن أجل هذا التدبير وفي أعقابه يرتفع أناس ويسقط آخرون، وتتلفت الفتاة الفقيرة لتجد نفسها في هذا الجو الملكي العظيم، سيدة سيدات فارس، والملكة المدللة المحبوبة، لم هذا! ألكي تلهو وتسر؟ ألكي تتمتع بأطايب الملك وخمر مشروبه؟ ألكي تغرق في الحياة البازخة الناعمة؟ ألكي تأمر وتتسلط وتستبد؟ كلا، بل أن للعناية قصدًا ثابتًا علويًا كريمًا، بدأ في أول الأمر عند مردخاي ظنًا: «من يعلم إن كنت لوقت مثل هذا وصلت إلى الملك» ثم تحول هذا الظن يقينا بعد أن جاء الفرج، وتحققت النجاة على يديها، إنه الامتياز يتحول إلى مسئولية لازمة، والتملك يضحي وديعة مؤكدة، والسيطرة تمسى أمانة واجبة!!. هذه قصة ما نعطي دائمًا، دعاها الله وزنات، ومن الناس من يأخذ خمسًا وآخر وزنتين، وآخر وزنة، أيا كان عددها، فهي على كل ودائع وامتيازات لم يحرم منها واحد قط في هذه الحياة! فما هي وزنتك أو وزناتك وماذا عملت بها وكيف تصرفت فيها! هل أنت ممن يضيفون إلى ما في حوزتهم «ياء النسب» جسدي، عقلي، ثروتي، ملكي، مجهودي، كدي، نشاطي؟ أم أنت ممن يعتقدون أن هذه من الله وينبغي أن ترد لمجده! إن الإجابة على هذين السؤالين، هي التي تضع الفرق بين إنسان العالم وإنسان الله، بين الإنسان الخارج عن وضعه، والإنسان حيث وضعته إراده الله.. من الأقوال المأثورة عن لوثر: «أني أؤمن أن الله خلقني وخلق كل الموجودات، وأنه أعطاني وما يزال يصون لي جسدي ونفسي، بكل ما أملك من أعضاء، وحواس، وعقل، وروح، وجهز لي ثوبي وطعامي وعائلتي وبيتي، ومنحني الكل دون استحقاق، لأرد له الجميع حمدا وشكرًا وطاعة وخدمة» على أنه يوجد من الناس من نسمعه يقول: إني على استعداد أن أخدم وأبذل وأجود بكل مالدي لو أن ظروفي أوفق وأحسن وأيسر، لو أن الله ينقلني بين طرفه عين وانتباهتها، من خمول الذكر والضعة والفقر، الى الرفعة والسؤدد والمجد، كما نقل أستير! مثل هذا أريد أن أذكره بقصة شابين وشابة، كان ثلاثتهم برمين بالحياة وظروفهم، وبسوء تصرف الناس فيما يملكون ويعلمون! كان الأول يقول آه لو أنني غنى لنثرت الذهب على الفقراء، وأشبعت الجياع، وكسوت العرايا، ولأنشأت الملاجيء والمستشفيات ودور العجزة، يا للأسف أني لا أملك مالا، لكن هذا الشاب على الأقل كان يمكنه أن يقتسم - ولو لمرة واحدة - مع جار له جائع لقمة خبز أو بعض آدام، وأبدا ما فكر أو حاول أو فعل!... وأما الثاني فكان ينعي على الخدام إهمالهم وقصورهم في التبشير كان يقول لو أنني خادم لهززت المنبر، ووبخت الشرير، وأرعدت الخاطيء، وقويت البائس، وأعنت المسكين،... غير أنه ما فكر مرة وهو يذهب صباح كل أحد إلى الكنيسة بالسيارة، أن يحدث سائقها عن الدين أو يدعوه إلى الدخول إلى بيت الله بدلا من الانتظار في الخارج ساعة العبادة،... أما الثالثة وكانت عانسًا لم تتزوج فقد كانت تشكو البيوت وسوء التربية وفساد الأخلاق، وتتمنى لو وهبها الله زوجًا وبيتًا وولدا إذن لأحسنت قيادتهم ورعايتهم والسهر عليهم وجعلتهم جميعًا في شركة سامية صالحة مع الله، ومن الغريب أنها نسيت أن عندها خادمة لم تر منها سوى القسوة والاستبداد والإهمال وسوء المعاملة. أيها الصديق تمسك بما عندك، وأحسن العمل به، مهما يبدو صغيرًا حقيرًا تافهًا، ولا تنس أن أرملة فقيرة ألقت في غفلة من الناس ووعي البشر فلسين حقيرين في خزانة بيت الله، ولكن رقيب الناس رآها وامتدحها ومجدها مجدًا لم يعرفه الأغنياء والأثرياء وأرباب الكنوز، ولا تنس أن ولدا صغير أنقذ نلسن في معركة من معاركه الأولى فكسب لانجلترا النيل وكوبنهاجن والطرف الأغر،.. ليتك تسمع أخيرًا عند ختام الحياة هذه العبارة الإلهية الكريمة: «نعما أيها العبد الصالح والأمين كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير أدخل إلى فرح سيدك!..». أستير ووقت العناية لعلة من المثير هنا أن ندرك أن عناية الله لا تقع من حيث الزمان على الإطلاق أمام عنصر المفاجأة، وما نتصوره نحن صدفة أو عارضًا أو مفاجأة، لا يمكن أن يكون كذلك أمام الله الذي يجمع الزمان كله بين يديه، ويرتبه ترتيبًا زمنيًا دون أن يترك دقيقة أو ثانية واحدة من غير حساب، وكان في قصة أستير، لابد أن يرتب للحوادث ويعدها، كما يلحقها دون أن تفلت نأمة أو حركة من بين يديه، فأعد أستير للملك، بعد خلع الملكة وشتي، بما يقرب من عشر سنوات على الأقل، فأضحت المملكة المحظوظة والمحبوبة، قبل ظهور المؤامرة بوقت طويل، كما أنقذ الملك أحشويرش من مؤامرة خصييه، وأجل مكافأة مردخاي للوقت المناسب، وجعل القرعة تقع في آخر شهر من شهور السنة حتى يمكن الوصول إلى أرجاء الإمبراطورية كلها، دون أن تسقط نقطة واحدة من دم الضحايا، وعند التنفيذ من ذلك، يأتي في اللحظة الأخيرة، في الهزيع الرابع، فلا ينقذ مردخاي إلا في صباح اليوم الذي كان سيصلب فيه. كما أن الشعب نفسه ينجو، عندما اقترب الأجل المحدد للخلاص منهم، والقضاء عليهم! لقد تعلمت من ذلك أن الله يمسك في العادة بأطراف التاريخ، وقبل أن يدبر الشر يحتاط هو للأمر ويعد العدة، كما أنه يبصر الخفيات العميقة التي ربما لا يستطيع أصحابها اكتشافها بعد تحت أضالعهم وبين جوانبهم، ويعد المنقذ قبل الاضطهاد، ويوجد المصلح قبل تغلغل الفساد، لا تخف إذن ولا ترتع، وتقول... لقد ضعنا، وقد انهد الأمل وانطوى الرجاء، وضاعت الفرصة، ألا فاعلم أن الزمن لا يسبقه أو يتأخر عنه واذكره يقول: «من اغتصاب المساكين من صرخة البائسين الآن أقوم يقول الرب اجعل في وسع الذي ينفث فيه».. «اكتب الرؤيا وانقشها على الألواح لكي يركض قارئها لأن الرؤيا بعد إلى الميعاد، وفي النهاية تتكلم ولا تكذب. إن توانت فانتظرها لأنها ستأتي إتيانًا ولا تتأخر».. تستطع أن تترنم أومن بك يا صخر الدهور ومنية الآكام الدهرية!.. أستير وسعة العناية في أي مكان تعمل العناية، وعند أي حدود تنتهي، قديمًا كان الوثنيون يعتقدون أن لكل آلهة مكانًا خاصًا لا تبرحه، بل تسيطر عليه وتعمل فيه، وكانوا يظنون أن آلهة الجبال لا تصلح للوديان، وآلهة البحر لا تصلح للبر، كان لكل آلهة منطقة خاصة لا تتجاوزها أو تتعداها، وكان اليهودي يحتاج إلى زمن طويل حتى يفهم سعة العناية بالمعنى الذي عرفه فيما بعد، ألم يقل يعقوب بعد أن بارح بيت أبيه، وصادف في البرية مكانًا رأى فيه الله: «حقاً إن الرب في هذا المكان وأنا لم أعلم» لكن قصة أستير تعلمنا جميعًا أن العناية في كل مكان، في شوشن، كما في الهند، وكوش، في كل أرض أحشويرش، بل في كل مكان على هذه الأرض!!. أيها الصديق ألا تستطيع أن تغني مع داود في مزموره العجيب عن العناية: «من خلف ومن قدام حاصرتني وجعلت علي يدك. عجيب هذه المعرفة فوقي ارتفعت لا أستطيعها، أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب إن صعدت إلى السموات فأنت هناك وإن فرشت في الهاوية فها أنت إن أخذت جناحي الصبح وسكنت في أقاصي البحر فهناك أيضًا تهديني يدك وتمسكني يمينك، فقلت إنما الظلمة تغشاني فالليل يضيء حولي. الظلمة أيضًا لا تظلم لديك والليل مثل النهار يضيء كالظلمة هكذا النهار»؟... ومع ماري سليسر التي صاحت «ما كنت أجرؤ أن أفعل شيئًا أو أجزم أمرًا إلا ليقيني أنني أراه دائمًا في الطريق أمامي»... لقد أبصرته هاجر في الصحراء حيث ظنت نفسها وحيدة، ورأه يونان في بطن الحوت حين التف عشب البحر برأسه، واختبره الثلاثة فتية في أتون النار، وعرفه دانيال في جب الأسود، وجاء إلى يوحنا في بطمس.. ليس هناك مكان يختفي عنه عينيه.أيتها الأم التي لها ابن ناء عنها في أقصى الأرض اذكري الله وصلي لأجل ولدك فإن الرب إلى جواره، أيها الأب الذي لا تعلم ماذا ما يجري في بيتك فكر في الله لأنك لا تستطيع أن تصون دارك دون عنايته، ذكرنا يارب أن نعلم أنك كما أنك بعيد عنا فأنت إلى جوارنا أيضًا جداً قريب. أستير وقوة العناية وما أقواها من عناية تلك التي تسخر خليطًا عجيبًا من الناس، فيهم الملك وفيهم الصعلوك، فيهم السيد وفيهم العبد، فيهم الطيب، وفيهم الماكر، فيهم البسيط وفيهم الشرير، فيهم المتكبر وفيهم الوديع، فيهم المؤدب وفيهم فظ الأخلاق، هذا والملك أحشويرش يضع لنا التاريخ صورة مرعبة لحياته تماثل ما نقرأ في سفر أستير، أنه لم يكن ملكًا بل كان وحشًا همجيًا شهوانيًا مستبدًا متغطرسًا في ثياب ملك، جرد أكبر جيش عرفه التاريخ القديم لمحاربة اليونان، وعمل جسرًا من السفن على بوغاز الدردنيل، ولما هاجت الزوبعة وكسرت سفنه أمر بجلد البحر وقطع روؤس المهندسين الذي شادوا الجسر، كان لا يعرف الرحمة أو تتطرق الرقة إلى قلبه، مع الأصدقاء أو الأعداء على حد سواء، توسل إليه صديق اسمه بسياس أن يعفي ولده الأكبر من الذهاب إلى الحرب وكان قد قدم أولاده الخمسة الباقين، فما كان منه إلا أن شطر الولد شطرين، وأمر الجيش أن يمر بينهما ليعرف الجميع كم هو حازم صارم، ما أقوى العناية التي تستغل مثل هذا، وهامان بكبريائه وعجرفته، وأنانيته، ودهائه،... ووشتي بوداعتها وفضيلتها،.. وأستير بجمالها وحيويتها، ومردخاي بتعصبه وغيرته، وغيرهم من المعلومين لنا أو المجهولين لدينا، كل هؤلاء تستغلهم العناية أبرع استغلال وأوفاه، بعواطفهم وميولهم، ونزعاتهم ومواقفهم، أشرارًا وأخيراً معاً، سواء كانوا في القصر أم على الطريق، داخل الحجاب أم في الخارج، ممن يصعب الوصول إليهم أو من يبلغهم الجميع... تأمل كذلك أيضًا كيف تشق العناية سبيلها في المستحيل، فهذه شريعة مادي وفارس لا يمكن أن تتغير، وما تصدره من أحكام لا يستطيع تفاديه، وقرار الإمبراطورية، لا يستطيع الإمبراطور نفسه أن يعدل عنه بعد ما أصدره، فما فائدة الصلاة أو الصوم، لقرار أضحى واجب التنفيذ، ولا توجد قوة على الأرض يمكن أن تلغيه، لكن هل يعجز الله على الانتصار على أي قرار بشري. إن الإيمان يؤكد أنه حتى ولو لم تتدخل أستير، وسكتت عاجزة عن أن تفعل شيئًا، فإن النجاة ستأتي بأي سبيل آخر، وتتخطى كل النظم والنواميس والقوانين، حتى ولو كانت أقسى نواميس الطبيعة أو شريعة مادي وفارس التي لا تتغير، لم يستطع الإمبراطور أن يعدل عن قراره، ولكنه أصدر الأمر للشعب المجني عليه بأن يستعد للدفاع عن نفسه، وأن يجد كل معاونة في الإمبراطورية للقضاء على خصومه، أنه يشبه في ذلك ما فعله سلطان قديم قيل إنه أصدر قرارا بأن يجلد كل من يرى وهو يشرب خمرا ثمانين جلدة، وكان لهذا السلطان صديق شاعر يدمن الخمر وأراد السلطان تكريمه، فطلب منه أن يتمنى عليه بأي طلب، فأجابه الشاعر لا رغبة لي ولا أمنية الا أن أشرب خمرًا وأعفى من العقوبة فقال له السلطان: ولكن هذا محال لأني كيف أنقض حكمًا عاماً أذعته، ورجاه أن يطلب شيئًا آخر، غير أن الشاعر لم يكن عنده غير هذا الطلب، ففكر السلطان وفكر بدافع إعزازه للرجل كيف يخلصه من العقوبة، واخيرًا اهتدى إلى حل.. أن يضرب الشاعر ثمانين جلدة إذا أبصر يشرب خمرًا، على أن يضرب من يشهد عليه مائة جلدة، فكان الناس إزاء هذا الحكم يضحكون ويتندرون قائلين: من يدفع ثمانين جلدة للشاعر ليأخذ بدلاً منه مائة.. وهذا ما فعله أحشويرش تمامًا ليخرج من مأزق القرار الأول الذي أصدره، وبذلك استطاع المظلوم لا أن يدفع عن نفسه الظلم فحسب، بل أن يتخلص من ظالمه أيضًا. على أي حال أنها العناية الإلهية العجيبة، التي تمسك بالشر لتحول منه إلى الخير، أو كما ذكر يوسف الصديق لإخوته، «أنتم قصدتم لي شرًا أما الله فقصد به خيرًا لكي يفعل كما اليوم» أو كما قال شمشون: «من الآكل خرج آكل ومن الجافي خرجت حلاوة» أو كما هتف أساف قائلاً: «لأن غضب الإنسان يحمدك، بقية الغضب تتنطق بها» وما أكثر اختبارات القديسين التي لا تنتهي في كل التاريخ من هذا القبيل. وهي العناية التي تأتي للضعيف العاجز ليأخذ قوته وأمنه وهدوءه وسلامه، كذلك الطائر الذي صوره وردثورث وقد دفعته الرياح العاتية في بلاد النرويج، وهو مقرور يكاد يموت من البرد، وحاول أن يقاوم بجناحيه الواهنتين الضعيفتين، ولكن الريح دفعته دفعًا نحو المحيط فأغمض عينيه واستسلم، ولكنه لم يسقط في المحيط، بل طرحته العاصفة في بقعة مشرقة هادئة في شمال انجلترا.. أليست هذه هي صورة حياتنا جميعًا حين نرفرف في مواجهة المتاعب بأجنحة ضعيفة مرتعشة لا تلبث أن تخور، وتكف عن كل محاولة ومجهود، ولكن عناية الله تظهر عندئذ.لقد علم عصفور صغير قذفت به الزوبعة إلى غرفة تشارلس ويسلي، حيث وجد من المرنم الموهب حنانا وعطفا عبرا به أرض الخوف والموت والهلاك، علمه هذا العصفور أن يرنم ترنيمته الحلوة التي مطلعها: من يسوع المعتمد لاجئا أرجو النجاة بينما الأرياح قد غمرتني بالمياه أعطني الستر الحصين ريثما يأتي الحمام وأهدني المينا الأمين خاتمًا لي بالسلام ألا يجمل أن نقول بعد هذا كله: «منحتني حياة ورحمة وحفظت عنايتك روحي» «هل تسلب من الجبار غنيمة وهل يفلت سبي المنصور فإنه هكذا قال الرب حتى سبي الجبار يسلب وغنيمة العاتي تفلت وأنا أخاصم مخاصمك وأخلص أولادك وأطعم ظالميك لحم أنفسهم ويسكرون بدمهم كما من سلاف....».... طوبى لجميع المتكلين عليه!!...
المزيد
02 ديسمبر 2020

الفضيلة تعريفات ومستويات

تعريفات ما أكثر الأسماء أو الصفات التي نطلقها على الفضيلة. وهى في مجموعها تعطينا فكرة عن كنه الفضيلة وتفاصيلها وطريقة السلوك فيها وسنحاول أن نذكر هنا بعضًا من هذه التعريفات: 1- الفضيلة هي محبة الخير: إنها ليست في مجرد عمل الخير, إنما بالأكثر في محبة الخير. ذلك لأن الفضيلة التي تمارس من الخارج فقط, وليست صادرة من القلب, قد تكون رياءً. أو أن البعض يعملون الخير خوفًا من انتقاد الناس, أو خوفًا من عقوبة المجتمع أو عقوبة القانون, أو يفعلون ذلك خجلًا, أو من أجل المنفعة, أو لمجرد كسب مديح الآخر وليست حبًا في الخير ولا حبًا في الغير, أو رغبة في نوال مكافأة, أو مجاراة لتيار معين, أو تقليدًا لغيرهم. كل ذلك بغير اقتناع من الداخل, وبغير رغبة! وربما يفعل الشخص ذلك وهو محرَج, لا يستطيع أن يمتنع أو يقول لا!! وعمل الخير لشيء من هذه الأسباب لا يمكن أن يُحسب فضيلة الفضيلة هي إذن حب الخير, حتى لو كان الإنسان لا يستطيع أن يفعله لسبب خارج عن إرادته, لوجود موانع تمنع التنفيذ عمليًا... ولكن إن وُجدت إمكانية لعمل الخير, فلابد أن يعمله. لأنه حينذاك تجتمع نية القلب مع العمل والإرادة, لأن النية وحدها لا تفيد الآخرين فالفضيلة تبدأ في داخل القلب, وتنبع منه, في المشاعر والنيات والأحاسيس. ويكون عمل الخير هو التعبير عما في القلب من مشاعر طيبة.. 2- الفضيلة هي السلوك الفاضل إنها تبدأ في الداخل, في القلب والفكر والروح. ولكنها تظهر في الخارج عن طريق الممارسة العملية. فالحب مثلًا هو فضيلة في القلب, ولكن لابد أن يتحول إلى عمل محبة في الخارج. فلا نحب بالكلام ولا باللسان, بل بالعمل والحق. هنا تظهر المحبة عن طريق العطاء والبذل والتضحية فضيلتك التي في فكرك لا يشعر بها أحد. ولكنك تعبر عنها بعملك. وكذلك محبتك لابنك التي في داخل قلبك, تعبر عنها بالعطايا والاهتمام وبالحنو. وأيضًا لا يكفى أن تقول إن محبتك لله هي في قلبك, بل تعبر عنها بطاعتك لوصاياه.وبالمثل: خشوع العابد في داخل قلبه, يعبر عنه بخشوع الجسد من الخارج. بالسجود والركوع في الصلاة. وحفظ الجسد أثناءها من طياشة الفكر والحواس. وبهذا يشترك الجسد مع الروح. وتكون الفضيلة من الداخل والخارج معًا إن حياة الشجرة في داخلها. ولكنها تعبر عن وجود الحياة فيها بالخضرة وبالزهر والثمر. ونحن نريد الفضيلة المثمرة, بالعمل الصالح, بالكلمة الطيبة, بالسلوك الحسن, بالمحبة العملية, بالقدوة المؤثرة في الغير... 3- الفضيلة هي في الشخصية المتكاملة: بحيث لا يوجد في من يمارسها أي نقص في سلوكه. وهذا واضح عمليًا: فإن سلك في فضيلة ما, لابد ستقوده إلى فضائل أخرى كثيرة. كما أنه أذا فقد إحدى الفضائل, ما أسهل أن يجره السقوط إلى فضائل أخرى عديدة.. إنها سلسلة مترابطة إن انفك عقد أحدها, انفرط الباقي أيضًا فطالب العلم الذي يهمه مستقبله, يقوده هذا إلى الاجتهاد والعمل على التفوق. وهذا الاجتهاد يحثه على البعد عن اللهو. والبعد عن اللهو يبعده أيضًا عن أصدقاء السوء. والبعد عنهم ينجيه من القدوة السيئة. وهذا أيضًا يساعده على حياة الفضيلة... وهكذا تتعاون الفضائل معًا, ويؤدى بعضها إلى البعض الآخر. وبالمثل فإن الخطية تجر إلى خطايا أخرى. 4- الفضيلة وضع متوسط بين رذيلتين: أو هي وضع متكامل بين نقصين. ومن أمثلة ذلك: الشجاعة هي الوضع المتوسط بين الخوف والتهور والتربية السليمة هي الوضع المتوسط بين التدليل والقسوة والتدبير الحسن لما تملكه هو الوضع المتوسط بين البخل والتبذيرويمكننا أن نذكر أمثلة عديدة لهذا الوضع المتوسط مستويات فيوجد نوعان من الفضيلة: وذلك من الناحية السلبية, والناحية الإيجابية. فالناحية السلبية هي مقاومة الخطيئة ورفضها. أما من جهة الناحية الإيجابية فهي عمل الخير. وليست الفضيلة هي فقط البعد عن الخطيئة, إنما يجب الارتفاع عن المستوى السلبي, وذلك إيجابيًا بالسلوك في حياة البر: لا يكفى فقط إنك لا تكره إنسانًا, إنما يجب أن تحب الكل لا يكفى أن تمتنع عن اللفظ بأية كلمة خاطئة, إنما يجب أيضًا أن تقول كلامًا للبنيان ينفع الآخرين ولذلك فإن الفضيلة ليست فقط أنك لا تضر الناس, إنما هي بالأكثر أن تعينهم بقدر إمكانك, وتعمل على راحتهم أو إسعادهم.. ومستويات الفضيلة تشمل الحسّ، والفكر, والقلب, والعمل فهناك المستوى الجسدي للفضيلة, والمستوى النفسي, والمستوى الروحي وعلى الإنسان أن يحفظ نفسه في كل مستوى, ويحترس من السقوط في غيره فمثلًا الحواس هي أبواب الفكر, وما تراه أو تسمعه أو تلمسه, قد يجلب لك أفكارًا. فلكي تحفظ فكرك, أحفظ حواسك. وإن أخطأت بالحواس, لا تجعل الخطأ يتطور إلى فكرك. وإن وصل الخطأ إلى الفكر, اطرده بسرعة, وحذار أن تجعله يتحول إلى مشاعر في قلبك. وإن تحوّل إلى مشاعر, لا تجعله يتطور إلى العمل بالضغط على إرادتك واعلم أن جميع المستويات تتجاوب مع بعضها البعض. وقد يصير الواحد منها سببًا ونتيجة... فخطأ القلب يسبب خطأ الفكر. كما أن خطأ الفكر يسبب مشاعر للقلب. وربما الاثنان يدفعان إلى العمل. وكذلك المشاعر والعمل يقودان إلى خطأ الحواس إنها دائرة متصلة. أية نقطة فيها توصل إلى باقي النقاط وكما في الشر, كذلك في الخير تتعاون كل المستويات معًا على أن أعلى مستوى في الفضيلة هو السعي إلى الكمال.إن الذي يسلك في الفضيلة, يودى أن ينمو فيها. ويستمر في النمو حتى يصل إلى الكمال الممكن له كإنسان. وأعني الكمال النسبي, نسبة إلى ما عنده من إمكانيات, وما يُوهب له من عمل النعمة فيه والسعي إلى الكمال يحتاج إلى التدرج. والآباء الروحيون كثيرًا ما كانوا يدربون أولادهم في نطاق هذا التدرج. لأن الطفرات السريعة في الفضيلة قد تؤدى إلى ارتفاع القلب والكبرياء، وأحيانًا تكون لها نتائج عكسية. لكن القادة الروحيين كانوا يعملون على تثبيت أبنائهم في كل خطوة يخطونها. حتى إذا ما صارت شبه طبيعة عندهم, يتدرجون منها إلى خطوة أعلى, ولا يصبحون في خطر من أية نكسة ترجعهم إلى الوراء أما إذا أرادت نعمة الله أن ترفع الإنسان إلى فوق مرة واحدة, فهذه هبة إلهية غير عادية. والسعي إلى الكمال يحتاج إلى جهاد: لأنه كما أن نعمة الله تساعد الإنسان على الارتفاع إلى فوق, فإن قوى الشر لا تريد أن تتركه في راحة, إنما تحاول أن تجذبه إلى أسفل. ومن هنا كانت محاولة الوصول إلى الكمال الروحي, هي صراع ضد الخطية وضد العقبات الروحية. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
01 ديسمبر 2020

هِبَةُ الحَيَاةِ المُقَدَّسَةِ

(رِسَالَةُ تَشْجِيعٍ) الحياة هبة مقدسة منحها الله للبشر الذين عليهم أن يتلقفوها ويكرموها ويقدمونها مجددًا إليه تعبيرًا عن فرادتهم كخليقة حية. أعطانا الله العقل لنكون شركاء اللوغوس (عاقلين) نحيا حياة إلهية. فمِن الله خالقنا وفادينا أخذنا أصلنا، أصل حياتنا، نحن جبلته وصنيعة يديه وهو العامل فينا أن نريد وأن نعمل من أجل المسرة، نعترف بنعمته وجُوده وإحسانه ونتجاوب مع عمله الإلهي معنا، نقرّ بنعمة الشفاء الخلاصي التي نلناها، نامين في الفضيلة والجهاد حتى لا نكون قد أخذنا النعمة عبثًا، بل نكون من الذين تاجروا بالوزنات واستثمروا النعمة التي أخذوها. استجابتنا ونموّنا ينبعان أساسًا من المبادرة الإلهية، لأن الله خلقنا وميّزنا بالحرية والعقل والإنجاز. إنه أحبنا أولاً، أحبنا فضلاً، أحبنا ونحن خطاة، إنه يظل معنا لا يتركنا ولا يهملنا ولا يتخلىَ عنا ولا يُقصينا بعيدًا، وعدم أمانتنا لا يُبطل أمانته... إنه أبو الرأفة والمراحم، إنه فينا رجاء المجد، إنه يحل في قلوبنا بالإيمان، ومَن يُقبل إليه لا يُخرجه خارجًا، إنه لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا.إرادتنا هي قلع المركب التي تحركها الريح، المحرك لمركب حياتنا، إمّا إلى بَر الأمان للمسيح ميناء الخلاص للذين في العاصف، وإما للهلاك بعيدًا، لأننا نُبحر في بحر هذا العالم المتلاطم وفقًا لإرادتنا الحرة كما بواسطة الريح، وكل واحد يوجِّه مساره حسبما يريد، إمّا أن يكون تحت إرشاد الكلمة ويقبل نعمة الخلاص ويتجاوب معها ويجاهد قانونيًا فيدخل إلى الراحة والنعيم الأبدي، أو أن تتحطم سفينته ويهلك في العاصف. إرادتنا حُرة في اختيارها وفي قبولها للتناغم والانسجام والتجاوب مع نعمة الكلمة. فالذين يذهبون إلى الملكوت هم الذين سعوا لذلك، والذين ينحدرون للجحيم هم الذين تقسّوا وازدروا.الله يشترك في العمل مع عبيده في كل عمل صالح، نعمته تؤازرنا وتعين ضعفنا وتكمل نقائصنا وتقودنا في مسيرة حياتنا وتسند كل عمل خير فينا، فعندما نصنع الخير ونتقدم إلى ما هو قدام، هذا ليس من أنفسنا، بل من الله صانع الخيرات الإله المحب الوحيد الحكيم. عندما نصير متمثلين به، إله معونتنا وناصرنا وملجأنا وحياتنا الأبدية معًا، به نصنع ببأس (مز ١٢:٦٠) وبه ندوس أعداءنا (مز ٥:٤٤) الخفيين والظاهرين.أعطانا نعمة الحياة والخلود وأوصانا أن لا نفشل لأننا رُحِمنا... أعمالنا به معمولة، فمنه وبه وله كل الأشياء قد خُلقت... إرادته قداستنا وسلامنا وخيرنا، وهو عينه المتكلم فينا بروحه القدوس، فلا يقدر أحد من معاندينا أو مقاومينا أن يُخيفونا، ولا سلطان لأحد على أرواحنا، لأنه قد وهبنا جدّة الحياة وروح النصرة والغلبة حتى لا نفشل... لسنا هالكين ولا خائرين ولا مهزومين ولا مأزومين لأن رجاءنا فيه لا يخزَى، ولأن انتصارنا يعظم بفصحنا الذي أحبنا وفدانا، ويقودنا كل حين في موكب نصرته، والضامن لعهد أفضل.إنه أنعم علينا بالحياة واتخذ شكل العبد لأجلنا، وجعلنا بنين وورثة ورعية مع القديسين وأهل بيت الله، لا عبد ولا سيد، بل الجميع حُر في المسيح الكل وفي الكل... وضع علينا ختمه بشكل واحد للجميع، وأعطانا الوديعة الصالحة (وديعة الإيمان) لنحيا ونعمل ونوجَد ونتاجر بالوزنات ولا نطمرها... ونعمل بحسب معطيات المواهب ووسم المِسحة والأسرار الموهوبة لنا، بعيدًا عن الفراغ واللامعنى في حوار بنّاء مع الإعلان الإلهي وقبول البشارة المفرحة القادرة أن تحرر كياننا وتطلق أنفاسنا لنستنشق هواء الأبدية وحياتها، فلا نرتاع أو نخور أو نرتدّ.لقد أتى بنا الله من العدم إلى الوجود وأعطانا نعمة الخلقة وأعاد خلقتنا بخلاصه لنتبعه ونقتني بهجة وسلامًا وعزاءًا وصبرًا وفهمًا ودالة، ونتزيّن بالفضيلة... لذا كل من يدرك قيمة نعمة الحياة الفائقة لا تأتيه أفكار الابتآس والفراغ والانتحار واللامعنى، تلك التي يقع فيها الهالكون!!! بل يتزين بالمعرفة الصافية ويلجأ بنفسه إلى الله فيستريح، فكلما نحمي نفوسنا بالضمانات الروحية وبوسائط النعمة ونُعدّ قلوبنا بالتجليات الروحية العالية، نصير أرضًا مُفلَّحة ببذار الزارع الإلهي، ونستقبل ندَى النعمة ومطر الروح ونستدفئ بأشعة شمس حياة البر ونتذوق كم أن ربنا صالح للذين يطلبونه وطيِّبٌ للذين يتوقعون بسكون خلاصه.إن عالم اليوم الحاضر الذي يؤمن بالتكنولوچيا إيمانًا أعمىً، هذا العالم الذي يُعاني من الشجار والتلوث الذهني والفكري والروحي، هذا العالم المادي الطاغي الذي وُضع في الشرير، أصبح مستقبله مجرد تكرار مُملّ وهابط للماضي... كرَّس الانعزالية والفردية وضحّل قيمة حياة وروح الإنسان، فتزايدت أعداد البائسين واليائسين بل والمنتحرين، وسط ضجيج الأفكار والمخاوف المتخبطة، يجعلنا بالأحرَى أن نتمسك بوعود رجائنا، ونرفع أفكارنا ونتأمل نعمة الحياة الكائنة فينا، لأننا هيكله وروحه يسكن فينا (١ كو ١٦:٣)، لنا كرامة الإنسان الجديد الذي تقدس وتأصّل بالنعمة، والذي يحيا بكل كيانه الداخلي في الحضرة الإلهية، فيتصور فينا المسيح، ونكون به أعظم من منتصرين، ونُحلِّق على أجنحة النسور، وترتسم في نفوسنا صورة بهاء البر والقداسة، فتتغير أجسادنا وأرواحنا وقلوبنا وعقولنا وأفهامنا ونياتنا بالقوة التقديسية التي تنبثق من عند الآب لتكملنا جميعًا وترسم طبيعتنا بالتمام على جمال الأصل. القمص أثناسيوس جورج كاهن كنيسة مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد
30 نوفمبر 2020

القيم الروحية فى حياة وتعاليم السيد المسيح(18) الحرية المسيحية

مفهوم الحرية المسيحية وأهميتها ... + الله خلق الانسان عاقلا حرا مسئولا... وعندما سقط الإنسان فى الخطية واصبح عبدا للشيطان والخطية وساد الظلم على الارض ونصبَ البعض نفسه سيدا وديكتاتورا على غيره، صرخ المظلومين على الارض من عبوية الشيطان والانسان لخالقهم . فعمل الله على أصلاح الامور بالاباء والانبياء ثم فى مل الزمان أتى الينا متجسداً ليعيد لنا الحرية السليبة ويسعى الى تحريرنا من كل اشكال الاستعباد سواء للشيطان او لبعض البشراوالمادة اوالسلطة او الشهوات {فاثبتوا اذا في الحرية التي قد حررنا المسيح بها ولا ترتبكوا ايضا بنير عبودية } غل 1:5. لقد جاء أقنوم العقل الإلهي لخلاصنا وتحريرنا وعلينا ان نسعى الى هذه الحرية الحقيقة ولا نقبل بان نستعبد لاحد بل بالمحبة والتقدير نخدم بعضنا البعض. والفهم الصحيح للدين هو رفض للظلم او عدم قبول تنصيب الانسان سيدا لغيره متسلطاً عليهم او قبول العبودية لاحد{وانا ايضا قد سمعت انين بني اسرائيل الذين يستعبدهم المصريون وتذكرت عهدي. لذلك قل لبني اسرائيل انا الرب وانا اخرجكم من تحت اثقال المصريين وانقذكم من عبوديتهم واخلصكم بذراع ممدودة وباحكام عظيمة} خر 5:6-6. فان كان الله دعانا له ابناء وقال لا ادعوكم عبيدا بعد فهو لا يقبل ان يعيش الانسان مستعبدا لا للشيطان اولشهواته ولا للمادة او لاحد من الناس{ لا اعود اسميكم عبيدا لان العبد لا يعلم ما يعمل سيده لكني قد سميتكم احباء لاني اعلمتكم بكل ما سمعته من ابي} (يو 15 : 15) . + الحرية هى التعبير الواقعي عن الشخصية بكاملها.. فيتصرف الإنسان بمعزل عن أى من الضغوط الخارجية التى تملى عليه تفكيره او سلوكه فى أتجاه معين ، كما ان تصرفه وقراراته تأتى تعبيراً عن كيانه كله بما يهدف الى خيره الشامل وخير الاخرين، ومجد الله ، وان لا يكون تصرف الانسان تعبيراً عن جزء من شخصيته ، دون بقية الأجزاء فمثلاً قد تتحكّم فيه إحدى الشهوات ويتصرف بموجبها، دون النظر إلى الاعتبارات الأخرى، فيكون حينئذ لست حراً بل عبدًا للشهوة. اوقد يتحكّم في الانسان انفعال، كالغضب مثلا ويتصرف تحت سيطرته. فيكون عبد لهذا الانفعال. وقد تتحكم فى الشخص عادة من العادات، يتعطّل معها الضابط المتحكم فيه فيتصرف بحكم العادة بدون تفكير، حينئذ يكون عبدا لعاداته . الحرية نعمة من الله، يجب ان نحياها ونعمل للوصول اليها ومساعده الأخرين ليحيوها فى إنسانية كريمة . إن صورة الله في الإنسان هي الركن الذي تستند إليه حرية الشخص البشري وكرامته ، فإنه عندما خلق الله الإنسان طبع فيه صورته ومثاله ، وعلى الإنسان ان يفهم دعوة الخالق له للحرية ، من خلال نزوع طبيعته وتوقها نحو الخير الأسمى، وقد كشفت الله للإنسان أنه خلقه حراً ليتمكن بالنعمة من الدخول في عشرة محبة وشركه مع الله . أن الله يحترم حريتنا الشخصية ويريد من كل واحد وواحدة منا ان يكون حرا مسئولاً مخلوق على صورة الله ومثاله ومن هذه المبادئ السامية أنبثقت حقوق الإنسان والهيئات المدافعه عنها. فالله لا يعبد بالقهر ولايقبل ايضا ان يستعبد الانسان لغيره من الناس . + الحرية السياسية والدينية .. لقد أقرت المواثيق الدولية لحقوق الانسان والتى تعترف وتلتزم بها كل الدول المنضمة لمظمة الامم المتحدة والهيئات الدولية الأخرى المنبثقة عنها، أقرت حرية الراي والعقيدة والتنقل والعمل وقضت برفض كل اشكال العبودية والظلم واعترفت ان الناس خلقوا متساوين فى الحقوق والواجبات. وحددت ان الجرائم ضد الانسانية يجب ان تعاقب وانها لا تسقط بالتقادم . ورغم هذا نري الكثيرين يعانون من الظلم والاضطهاد نتيجة الظلم وعدم الحرية والرق والتمييز البغيض بسبب الجنس او اللون او الدين او الرأى. ورغم ذلك نرى فى العديد من الدول المتخلفة يعانى فيها البعض من الاضطهاد والتمييز المنظم او الاجتماعى والذى يقع علي الأقليات الدينية او العرقية والقومية او السياسية او الفقراء، وسط أجواء من الصراع الديني والتعصب الأعمي . وعلينا جميعا ان نعمل لرفع الظلم وأعلاء كرامة الانسان فالانسان قبل الاديان وجاء الانبياء لهداية الناس وكلنا ابناء اباً واحد هو آدم وأم واحدة هى حواء فلماذا الظلم والاستعلاء! لقد جاءت الاديان لكى تهب الانسان حياة أفضل ومن يدعى ان هناك استعلاء باسم الله لاحد على غيره باسم الله والدين فديانته باطلة والهه الذى يتعبد له ليس بالله الحقيقى بل هو اله صوره الانسان لنفسه ليرضى شهواته وأهوائه وكبرياء قلبه . حتى فى حالات الحروب قديما كان أسرى الحروب عادة ما ينالون قسوة فى المعاملة من المنتصرين، ويقتلون ويساقون إلي ساحات النصر مقيَّدين لاذلالهم ولارضاء غرور المنتصرين . وكانوا يبقون فى غياهب السجون أعوامًا قد تمتد لعدة سنوات يعانون فيها من مرارة الأسر اما الان فحتى الاسرى لهم حقوق يجب ان تحترم . وتقوم منظمات حقوق الانسان بزيارتهم فى السجون وتحفظ لهم حقوقهم بما يضمن معاملتهم المعاملة الانسانية الكريمة حتى اطلاق سراحهم احرار، لكن البعض فى غيه وظلمه لا يقر ولا يعترف بحق الاخر فى حياة كريمة حرة وهؤلاء يجب ان يردعهم القانون الوطنى او الدولى. وان تغاضت دولة عن ظلم فئة من ابنائها لاي سبب فنحن فى عصر العولمية ولم يعد خافيا على احد فى أي مكان الجرائم التى ترتكب من الانسان ضد أخيه . من اجل هذا ومن صميم رسالتنا الدينية العمل القضاء على الظلم بكل اشكاله وصوره والسعى الى تحرير الإنسان ونشر المساواة والديمقراطية والعدل والعدالة الإجتماعية ورفع مستوى الطبقات المحرومة وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية لكل المواطنين بغض النظر عن انتمائتهم الحزبية او الدينية او العرقية او الجنسية . + أسرى الخطية والعادات الشريرة .. إدمان الجنس والدنس او المكيفات، والخمر، والتدخين وكل العادات الشريرة، والطمع، والشهوات كلها توقع الإنسان في عبودية بغيضة تذل الإنسان، وقد قال القديس اغسطينوس (إن عبد الشهوة أذل من عبد الرق). علينا أن نشعر بكل هؤلاء مع المسيح الرب الرحوم، وبحالاتهم الصحية والنفسية والمادية البائسة، ونسعى لخلاصهم وعلاجهم روحيًا وصحيًا، ونرشدهم للمختصين للعلاج الروحى والطبي والنفسي والأجتماعي . كما اننا يجب ان نعمل على المستوى الفردى والوطنى والدولى على تحرير المرأة والأطفال فى عصر الرق الحديث من ان تكون المراة او الاطفال أداة رخيصة لاشباع شهوة المنحرفين بالجنس وتجريم كل أشكال الأتجار بالجنس. ومعالجة أسبابه الروحية والاقتصادية او الاجتماعية اوالنفسية . فلكل هؤلاء جاء السيد المسيح داعياً اياهم للحرية والحياة الأفضل . إننا لن نحيا إلا حياة واحدة وحيدة، فلماذا نهدر حياتنا ووزناتنا وطاقاتنا وامكانياتنا فيما يضر؟ ونحيا نعاني المرارة ونخسر أبديتنا. إن المسيح له المجد يدعو كل نفس للتحرر من قيود العادات الضارة والمهلكة، ويريد لنا أن نتغير ونغير حياتنا، ونعرف إرادته الصالحة المرضية ونعمل بها. إن التوبة تعني الرجوع إلي الله والحياة المقامة في المسيح يسوع القائم منتصرًا علي الشيطان والخطية والضعف، والقادر أن يحرِّر الخطاة ويعطيهم قوة القيامة والانتصار علي الشر. + أسرى التعصب والتطرف والكراهية .. هناك نوعا اخر من العبودية هو التقيد باغلال التعصب الديني او الايدلوجي والكراهية البغيضة وعدم قبول او احترام الاخر والسعى الى استغلاله او استعباده او عدم مساواته فى الحقوق، إما بالتعصب الدينى المقيت الذى يرى ان الله اله قبلى او عرقى وهناك الاسرى للمذاهب السياسية والاحزاب المتطرفة حتى لو شكلت أغلبية فهتلر فى الماضى نادى بالتفوق العرقى للجنس الاري وتسبب فى مقتل الملايين، وقد حكم باسم الأغلبية، فهل نكرر اخطاء الماضى فى العالم المعاصر أم نسعى للتقدم والرقى والحرية والمساوة والقضاء على كل اشكال التمييز والفقر والمرض والجهل . هناك أيضا من يتعلق بأفكار خُرافية مثل تصديق أثر العين، والسحر، والحظ ، والتشاؤم بأمور مُعينة، والجن والعفاريت؛ أو أن يفكِّر الإنسان فقط في الأرضيات وينسي الله والحياة الروحية، أو أن يتعصب الإنسان لفكرة أو لبني جلدته او قبيلته، أو يحيا الإنسان لنفسه في أنانية مفرطة حتي داخل الأسرة الواحدة، ويحيا متغربًا عن إخوته غير مشارك لهم همومهم وأفراحهم . انها انواع من الأستعباد تتفاوت فى الدرجة والنتائج المترتبة عليها ويجب على قادة السياسة والفكر والدين والاعلام العمل على حث الناس على أحترام التنوع الدينى والفكرى والسياسى والقبول بمبدأ الاختلاف وعدم الاقلال من شأن الاخرين سواء عن جهل او قصد. ومن يفعل هذا يخل بمسؤلياته الوظيفية ويجب مسألته قانونيا . ان الحرية الشخصية تقف عند حد التعدى على حقوق الغير و كل حرية يجب ان تقابلها مسئولية أمام الضمير الانسانى وأمام المجتمع ثم أمام القانون بدرجات التقاضى المختلفة ثم أمام الله الذي يعطى كل واحد حسب عمله . الله وسعيه الى خلاص وحرية الإنسان + حرية وكرامة الانسان فى قصد الله .. يؤكد لنا الإنجيل أن الإنسان له القدرة الحرّة لتلبية مقاصد الله نحوه؛ كما يرسم لنا الطريق للحرية الحقيقية ، فهدف كل تدخّلات الله حتى في العهد القديم هو حرية شعبه ؛ ويبيّن لنا الكتاب المقدس أن نعمة المسيح في العهد الجديد تقدّم لجميع البشر حريّة أولاد الله . الحرية اذاً هى حياة بدون عبودية للغيراو لأبليس أو الشهوات ،هى معرفة لله والتحرر به من كل رق أو استعباد (وتعرفون الحق و الحق يحرركم ) يو 8 : 32 . الله يريد خلاص كل البشر (1 تي2: 4) والخلاص الإلهي مقدم للجميع ليتوبوا عن خطاياهم وأخطائهم . أن الإنجيل يؤكد ان الإنسان قادر على اتخاذ القرارات الحرّة. الإنسان حر وقادرعلى الاختيار ويشدّد على مسئوليته الشخصية ، وذلك منذ خطيئة آدم الأولى. ان الإنسان قادر وحر ومسئول ويتحمل نتيجة تصرفاته امام الله ولهذا فان الله يحاسبنا على أعمالنا وافكارنا { انظر انا واضع امامكم اليوم بركة ولعنة. البركة اذا سمعتم لوصايا الرب الهكم التي انا اوصيكم بها اليوم. واللعنة اذا لم تسمعوا لوصايا الرب الهكم وزغتم عن الطريق التي انا اوصيكم بها اليوم لتذهبوا وراء الهة اخرى لم تعرفوها}. ( تث 11: 26- 28). كما أعطى الله للانسان فرصة للتوبة والرجوع اليه منذ القدم { فاذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها و حفظ كل فرائضي وفعل حقا وعدلا فحياة يحيا لا يموت. كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه في بره الذي عمل يحيا.هل مسرة اسر بموت الشرير يقول السيد الرب الا برجوعه عن طرقه فيحيا. واذا رجع البار عن بره وعمل اثما وفعل مثل كل الرجاسات التي يفعلها الشرير افيحيا كل بره الذي عمله لا يذكر في خيانته التي خانها وفي خطيته التي اخطا بها يموت. لاني لا اسر بموت من يموت يقول السيد الرب فارجعوا واحيوا } {حز 21:18-25،32). فعلى كل إنسان أن يسلك الطريق المؤدي إلى الحياة، وأن يستمر في سلوكه ليحيا فى حرية مجد ابناء الله القديسين والسلوك الإنسانى القويم لكل البشر بما وهبهم الله من نعمة العقل والضمير . ويرفض الأنجيل صراحة حجج الجبريين منكري الحرية {لا تقل إن الرب هو أضلّني. كل رجس مبغض عند الرب وليس بمحبوب عند الذين يتّقونه.هو صَنَعَ الإنسان في البدء وتركه في يده اختياره. فإن شئت، حفظت الوصايا ووفّيت مرضاته} (سير15: 13- 16). الحرية من الاستعباد والرق .. لقد بدأ تاريخ الشعب اليهودى قديماً بحادث أساسي طبعه بطابع خاص ألا وهو تحرير الله له من عبودية فرعون (خر 1 إلى 15).{ و حدث في تلك الايام الكثيرة ان ملك مصر مات و تنهد بنو اسرائيل من العبودية وصرخوا فصعد صراخهم الى الله من اجل العبودية} (خر 2 : 23) وعندما أدّت خيانات شعب الله إلى خراب أورشليم ثم إلى السبي، صار تحرير اليهود المنفيين في بابل بمثابة فداءٍ ثانٍ. وهو الخبر السار الذي يتغنى به إشعيا، ويتضمَّن الإصحاحات من 40 إلى 55: الله هو قدوس إسرائيل وهو محرّره. وفي الشرع العبراني القديم، ينطبق لفظ المحرّر على أقرب شخص في الأسرة يقع عليه عبء الدفاع عن ذويه، سواء كان للمحافظة على الميراث العائلي (لا 25: 23- 25)، أو فكّ أخ من العبودية (لا25: 26- 49)، أو حماية أرملة (را 4: 5) . لقد قاد موسى النبى قديما بأمر من الله الشعب اليهودى بمعجزات وأيات لكى يتحرر من عبودية فرعون . وغرق فرعون وجنوده فى البحر الأحمر . لكن فى أجيال كثيرة وحتى الان نرى فرعون أخر يمارس الاستعباد ونهب الثروات وظلم شعب الله المسكين وكما ارسل الله منقذاً لشعبه قديما نراه يبث الوعى والقوة فى المستعبدين ليتحرروا ونصلى اليه بقوة ليحرر المنسحقين والمظلومين والمضطهدين ويجب علينا ان نعمل بعزيمة لا تلين وبدون عنف أو همجية بربرية لا يقبل بها الله او الضمير لكى يتحرر كل انسان وكل الإنسان من العبودية بكل أشكالها وندافع عن المظلومين والفقراء والارامل والأيتام ونتبنى الدفاع عن حقوق المظلومين كواجب ينطلق من صميم دعوتنا المسيحية ومن يفهم ان الإيمان هو واجب داخل الكنيسة لعبادة الله دون البعد الروحى الأجتماعى والاخلاقى والإنسانى فهو يبتعد كثيرا عن الحق ومعرفة الله . ان التحرير الذي أنجزه الله لصالح شعبه يمتد ويتجدّد في حياة كل مؤمن {حيٌّ الربّ الذي خلّص نفسي من كل ضيق}2 صم 4: 9 . وكثيراً ما تدور صلاة المزامير حول هذا الموضوع، فتارة يعبر عنه داود النبى بشكل عام دون توضيح الخطر المحدق به (مز 19: 15، 26: 11)، وتارة أخرى يرى المرنم نفسه محاطاً بأعداء يقصدون إيذاءه ويصلى الى الله لينجيه ويحرره (مز 55: 19، 69: 19)، وأحياناً أخرى ترتفع صلاته بحرارة إلى الله القادر وحده على إنقاذه (مز 103: 3- 4). ولكن نجد أيضاً بذور رجاء متّسم بروحانية أعمق ( مز 31: 6، 49: 16).على المستوى الاجتماعي: يضع ذكر التحرير الأول بصماته على التشريع الكتابي، حتى الصوم المقبول عند الله هو {إطلاق المستعبدين أحراراً وكسر كل نير} (إش 58: 6). نعم لقد خلقنا الله أحراراً ولا ينبغى ان نستعبد لاحد ، لكن نخدم الغير بالمحبة المسيحية الساعيه لخلاص كل نفس فى كرامة وحرية مجد ابناء الله. المسيح المحرر ...فى أول عظة له بدأ بها السيد المسيح خدمته، كانت فى مجمع الناصرة، واقتبس عنوانها من سفر "إشعياء"، مشيرًا إلي أن هذا النبي الذى سبق التجسد الإلهي بنحو سبعمائة عام، قد تنبأ عن مجئ المسيح الفادي ورسالته الخلاصية { وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربّى ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ؛ فدُفع إليه سفر إشعياء النبي، ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبًا فيه روح الرب عليّ لانه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية. وأكرز بسنة الرب المقبولة. ثم طوى السفر وسلَّمه إلى الخادم وجلس. وجميع الذين في المجمع كانت عيونهم شاخصة إليه. فابتدأ يقول لهم إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم} (لو16:4-21). فمسيحنا القدوس جاء مخلصًا للناس من العبودية لإبليس وللخطية والظلم والموت. جاء ليبشر المساكين الذين تخلَّي عنهم الكثيرون، واعتبروهم فقراء ورعاع الأرض، جاء لنصرة المستضعفين والمضطهدين، ومساعدة الفقراء والمظلومين. جاء ليعلن لنا أن كل نفس عزيزة أمام الرب فلتكن عزيزة في أعيننا أيضًا. جاء المسيح ليشفي منكسري القلوب. وكم من قلوب كثيرة منكسرة بالكأبة والمرض والخطية والظلم. جاء ليفتح عيون العمي الذين يظنون إنهم القيمين علي أمور الحياة والدين، ونسوا ان الله محبة. وهذه هي جوهر رسالة كل إنسان يريد أن يسير علي خُطى يسوع المخلص والمحرر وتعاليمه السامية . + جال السيد المسيح يبشر المساكين ببشرى الخلاص والرجاء فى المدن والقرى ، فى الهيكل والمجامع ،فى الحقول والطرقات ، يشفى كل مرض وضعف فى الشعب ، لم يميز بين يهودى وسامرى ويونانى او رومانى ، ولم يفرق بين رجل وامراة وطفل بل أحب الجميع حتى اولئك الذين قاوموه وتقولوا عليه ، كان يعمل على شفاء منكسرى القلوب والنفوس والمثقلين بالخطايا والأثام ، سار يعمل على محو الذنوب بالتعليم والوعظ والقدوة ويفتح أعين العميان ويعطى البصيرة لمن أعماهم التعصب المقيت والكراهية والظلم والظلمة . جاء ليحرر الانسان من كل قيود الشيطان والخطية والتعصب والظلم وعندما ارسل الرسل يكرزوا باسمه فى كل مدينة وقرية مزمع ان ياتى اليها ورجعوا اليه { فرجع السبعون بفرح قائلين يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك. فقال لهم رايت الشيطان ساقطا مثل البرق من السماء. ها انا اعطيكم سلطانا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء. ولكن لا تفرحوا بهذا ان الارواح تخضع لكم بل افرحوا بالحري ان اسماءكم كتبت في السماوات} لو 17:10-20. ولانه كان يقاوم الظلم فى مجتمع يسوده الكبرياء والاستعلاء والحسد تأمر رؤساء الكهنة والفريسين بحسد أبليس وحُكم عليه انه مستوجب الموت من القيادات الدينية والرومانية وهم لم يعلموا ان هذه مشئية الله ان يموت من اجل خلاصنا { فدعا بيلاطس رؤساء الكهنة والعظماء والشعب. وقال لهم قد قدمتم الي هذا الانسان كمن يفسد الشعب وها انا قد فحصت قدامكم ولم اجد في هذا الانسان علة مما تشتكون به عليه. ولا هيرودس ايضا لاني ارسلتكم اليه وها لا شيء يستحق الموت صنع منه. فانا اؤدبه و اطلقه. وكان مضطرا ان يطلق لهم كل عيد واحدا. فصرخوا بجملتهم قائلين خذ هذا واطلق لنا باراباس. وذاك كان قد طرح في السجن لاجل فتنة حدثت في المدينة وقتل. فناداهم ايضا بيلاطس وهو يريد ان يطلق يسوع. فصرخوا قائلين اصلبه اصلبه .فقال لهم ثالثة فاي شر عمل هذا اني لم اجد فيه علة للموت فانا اؤدبه واطلقه. فكانوا يلجون باصوات عظيمة طالبين ان يصلب فقويت اصواتهم واصوات رؤساء الكهنة} لو 13:23-23. ولم يعرفوا ان المسيح اذ وجد فى الهئية كانسان وضع ذاته واطاع حتى الموت ، موت الصليب ليحرر المنسحقين ويطلق آسرى الرجاء من سبى الشيطان { ولي خراف اخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي ان اتي بتلك ايضا فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة و راع واحد. لهذا يحبني الاب لاني اضع نفسي لاخذها ايضا. ليس احد ياخذها مني بل اضعها انا من ذاتي لي سلطان ان اضعها ولي سلطان ان اخذها ايضا } يو 16:10-18. جاء السيد المسيح رجل الأوجاع مختبر للحزن {لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها، ونحن حسبناه مصابًا مضروبًا من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا. كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه اثم جميعنا} (أش 4:53-6). جاء الرب كمن يقول لنا: ظُلمت وأنا البرئ، واحتملت وأنا المبرئ المذنبين {لأنه في ما هو قد تألم مجربًا يقدر أن يعين المجربين} (عب 2 : 1).لقد قام الرب من الأموات لكي ما يقيم ويبشر المظلومين أن الظلم له نهاية. دور الرب يسوع فى تحرير الخطاة.. ان الإيمان بالله والإتحاد به والشركة معه، يقوي الإنسان ويجعل منه قلعة حصينة ضد كل قوي الشر ويحرره {كل شيء مستطاع للمؤمن} (مر 9: 23). وهذا هو سر التغيير والتحرر في حياة "شاول" الطرسوسي ليصبح القديس "بولس الرسول" {أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني} في 13:4. السيد المسيح له المجد يُحرّر النفوس من العادات القاتلة للنفس والمهلكة ويقوينا بوسائط النعمة لكسر قيود الفساد وهذا ما رايناه في حياة قديسى التوبة مثل "أغسطينوس" و"موسى الأسود"، و"بيلاجية"، و"مريم المصرية. كان تحرير إسرائيل يرمز مسبقاً إلى الفداء المسيحي. فالمسيح هو الذي يقيم فعلاً عهد الحرية الكاملة والنهائية لكل من اتحد به بالإيمان والمحبةً. {إن المسيح قد حرّرنا لنكون أحراراً... أيها الاخوة قد دعيتم إلى الحرية} (غلاطية 5: 1 و13) . أن الحرية المسيحية لها انعكاساتها على المستوى الاجتماعي للتحرر من الأستعباد للأخرين لكنها فى الأساس هي بالأحرى نتيجة حدث تاريخي هو موت المسيح الفادى وقيامته الظافرة، واتّصال مباشر بالاتحاد بالمسيح في المعمودية.. والمؤمن حرٌّ، بمعنى أنه قد نال في المسيح قوة على أن يعيش منذ الآن وإلى الأبد في صلة حميمة مع الآب السماوى ، دون أن تعرقله قيود الخطيئة والموت والشيطان واعوانه . لقد تجدّدت عجائب التحرّر بالمسيح يسوع ربنا {الذي انقذنا من سلطان الظلمة، ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته الذي لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا}(كو 1: 13- 14). لقد تمَّ به ومن خلاله أيضا الانتصار على الموت، الرفيق الملازم للخطيئة (تك 2: 17، رو 5: 12). لقد فقد الموت شوكته (1 كو 15: 56). ولم يعد المسيحيون عبيداً لمخافة الموت (عبر 2: 14- 15). أجل لن يتم هذا التحرّر الكامل إلا عند القيامة المجيدة (1 كو 15: 26 و54- 55)، ونحن ما زلنا {ننتظر افتداء أجسادنا}(رومة 8: 23). لكن الأزمنة الأخيرة قد بدأت بنوع ما، وانتقلنا من الموت إلى الحياة (1 يو3: 14. يو: 24)، على قدر ما نحيا في الإيمان والمحبّة والحرية المسيحية . الحرية المسيحية وحدودها .. يمتلئ المؤمن شجاعة وثقة وفخر لكونه صار بالإيمان ابناً لله بالتبنى (أفس3: 12، عب 3: 6، 4: 16). لأن ما نتقبله عند المعمودية هو "روح التبنّي"، وليس " روح العبودية" (رومة 8: 4- 17). بالحرية يستطيع الإنسان اتخاذ قراراته فى تعقل وحكمة ، ورغم تأثر الإنسان في بعض الأحيان بالضغوط والظروف او البيئة او التربية إلا إنه لا يفقد قدرته على اتخاذ قراراته الحرة لاسيما فى القرارات المصيرية التى يجب ان تتخذ فى ضوء إيمانه ومبادئه الاصيلة وقيمه. فإذا تعرض شخصان لنفس الحدث أو الظرف فإنهما لن يتفاعلا معه بنفس الطريقة في أغلب الأحيان. ومن الصعب أن تنتزع حرية الاختيار من الشخص الذي يعي إنسانيته. ويمكننا تصوير ذلك عملياً بآبائنا الرسل والشهداء الذين ورغم إلقائهم في السجون المظلمة ، وتكبيل أيديهم وأرجلهم بالقيود إلا أنهم لم يفقدوا أبداً حريتهم وقدرتهم على اتخاذ قرارتهم ، فالسجن لا يستطيع أبداً أن يُفقدَ الإنسان حريته، فبالرغم من تقييد جسد الإنسان في مكان معيّن ، إلا أنه ما يزال حراً بفكره وروحه ومشاعره، ولا يستطيع أحد أن يحدد قدرته على اتخاذ القرار، ولذلك يستطيع أن يكون إنساناً مختلفاً بالكلية حتى وهو مسجون. وفى نفس الوقت يعمل على التحرر من السجن والظلم ويرفع دعواه حتى لقيصر{ فقال بولس انا واقف لدى كرسي ولاية قيصر حيث ينبغي ان احاكم انا لم اظلم اليهود بشيء كما تعلم انت ايضا جيدا لاني ان كنت اثما او صنعت شيئا يستحق الموت فلست استعفي من الموت ولكن ان لم يكن شيء مما يشتكي علي به هؤلاء فليس احد يستطيع ان يسلمني لهم الى قيصر انا رافع دعواي (اع 25 : 10- 11).{حينئذ تكلم فستوس مع ارباب المشورة فاجاب الى قيصر رفعت دعواك الى قيصر تذهب} (اع 25 : 12). الحرية المسيحية والقداسة الشخصية .. ان الإباحية التى نراها فى الغرب باسم الحرية الشخصية هى بعيدة عن روح المسيحية الطاهرة ، بل الإباحية هى الاستغلال السيء للحرية ، أما الحرية فى المسيح فهى قداسة وسمو و انتصار ، ولخطورة الأمر يحذرنا الوحى الإلهى على فم بولس الرسول من الاستغلال الخاطئ والمسىء للحرية ، قائلا { لا تصيروا الحرية فرصة للجسد } (غل 5 : 13) ، وذلك لأنه متى صارت الحرية فى حياتنا لحساب الجسد ، فحتماً ستقودنا إلى الانحلال والانحراف عن الحق . ان الثبات فى الحرية التى وهبت لنا بخلاص المسيح تقتضى من الإنسان القيام بأمور عديدة والتى من بينها رفض التجاوب مع الأفكار الشريرة وشبة شريرة ، السلوك بروح التقوى الصادقة والكشف ، بروح الجدية والأمانة ، لكل معوقات التجديد والنمو فى النعمة والارتقاء حسب الروح ، الاجتهاد فى النمو والارتقاء حسب دعوة الإنجيل ومسرة الروح ، وسعى الإنسان لممارسة الأمور التى تحرره من القيود، والمواظبة على الإقتداء بفكر أباء الكنيسة والسير وفقاً لتعاليم الانجيل وإرشادات الاباء ، و مقاومة كل ميل يشك الإنسان فى صلاحه وقدسيته ، والتيقن من عدم وجود بديل يصلح للنجاة والوصول إلى ميناء الخلاص ومعرفة الله سوى السلوك بروح الإنجيل وفكر المسيح وتنفيذ إرادة الله كل حين ورغم كل الظروف. هذه هى الحرية المسيحية التى نسعى اليها وليس كما يصورها بعض الجهال بمسيحيتنا على انها اباحية أو شرك أوشرب الخمر وأكل لحم الخنزير الاشياء الغريبة عن مسيحيتنا وعبادتنا لله الواحد والاخلاق الفاضلة لكى من يدعى عليه أسم المسيح الحسن . حرية الانسان والوصية الإلهية .. يظن البعض ان الوصايا الإلهية تحد من حرية الإنسان أو تجبره على عمل ما . لكن فى الحقيقة فان الوصايا الإلهية تحفظ الانسان من العبودية او الوقوع فى الشر كما تحفظ ضفاف النهر الماء من الضياع هباء وتقوده الى غايته المنشودة . يقول العلامة ترتليان ( الوصية في حقيقتها علامة من علامات حب الله المتدفق نحو الإنسان ليس فقط في تقديم الفرصة لآدم للتعبير عن مشاعر الحب نحو من أحبه أولاً. أو تهيئة المجال الذي به يرتبط الإنسان بمصدر وجوده فلا يرتد إلي التراب مره أخري. لكنها تحمل أيضاً في مدلولها حرية الإنسان وسيطرته على نفسه. الإنسان على مثال الله من جهة حرية الإرادة وسيطرته على نفسه فعظمة الإنسان تكمن لا في مجرد سيطرته على طيور السماء وأسماك البحر وكنوز الأرض، بل بالأكثر في سلطانه على نفسه. + كيف يمكن أن يكون للإنسان سلطاناً على نفسه وحرية إرادته ما لم توجد وصية له أن يعطيها أو يعصاها. فالوصية بالنسبة للإنسان تحمل تكريماً من الله للانسان. فيها إعلان عن حرية الإنسان، وقوته وقدرته، لأنه من استحق أن يوهب له وصية من قبل الله غير الإنسان؟ فلو لم يكن للإنسان قدرة على تنفيذ الوصية كما على كسرها ما كان الله قد أفرده بها؟ على نفس المثال عندما قدم لنا الرب وصايا نراها صعبة أو كما يظنها البعض خيالية لم يقصد أن يعجزنا في التنفيذ أو يحطم نفوسنا بالفشل إنما أراد أن يكشف للإنسان عن الإمكانية الفائقة التي في داخله. إنها تكريم لنا إننا بالمسيح قادرون على تنفيذ ما يبدوا صعباً ومستحيلاً. لقد فرض الله الوصايا على الإنسان بقصد سعادته. لقد قصد بها إرتباطة بالله لكي لا يظهر مخلوقاً حقيراً بل يكون حراً حتى لا ينزل بنفسه إلي مستوي الحيوانات الأخرى التي ليس لها حرية الإرادة . لقد مكنه ككائن بشري أن يفتخر ، بأنه الوحيد الذي كان مستحقاً أن يتقبل وصايا من قبل الله، بكونه كائن قادر على التعقل والمعرفة يضبط نفسه في هدوء برباطات الحرية العاقلة خاضعاً لله الذي أخضع له كل شيء. ولأجل ضمان المحافظة على هذه الوصية قدم الصلاح أيضاً مشورة تساندها هذه العقوبة {يوم تأكل فيها موتاً تموت} تك17:2. إنه عمل مملوء حنواً عظيماً من قبل الله أن يشير عليه عن مصادر العصيان لئلا يدفعه جهلة بالخطر نحو الإهمال في الطاعة. حقاً لقد عرض العقوبة لكنه لم يكن يرغب في أن تكون بلا شفاء). العلوم السلوكية والحرية .. تشرح العلوم السلوكية سلوكيات الإنسان كتفاعل طبيعي مع معطيات وراثية وبيئية بالإضافة إلى الظروف التي يمر بها. ويمكننا تشبيه الإنسان إلى حدٍّ ما ومع فارق التشبيه بالكومبيوتر الذي تقوم بإمداده بمعلومات معينة ويصل الى النتائج بصورة تلقائية تبعاً للمعطيات. ولكن على الجانب الشخصي الإنساني، وإذا نظرت إلى الحياة الكاملة لإنسان معين ، فإنك تجد حياته متفرِّدة غير متكررة في التاريخ البشري وعلى مستوى الإنسانية عامة.ولهذا فاننا نعمل على تنمية الشخصية وتربيتها روحياً لتتخذ القرارات التى تتناسب مع تكوينها ومبادئها وأيمانها دون أجبار إو ارغام . حينما نتحدث عن حرية اتخاذ القرار لابد لنا أن نذكر ان الانسان من حيث المنطق له الحرية الكاملة في اختيار ما يريده، ولكن هذا ليس حقيقي دائماً ، فالإنسان لا يستطيع أن يتخطى كل القيود الموضوعة عليه نتيجة لكونه إنساناً يعيش في مجتمع يؤثر ويتأثر به . وحريتنا محددة بحدود إنسانيتنا ووجودنا، وهناك عوامل تؤثّر على حريتنا في اتخاذ القرار ومنها عوامل النمو، فالطفل الصغير أقل حرية من الشخص الناضج، فينمو الطفل عاماً بعد عام وتنمو حريته معه ولكن نرى البعض يريد ان يحيا فى طفوله دائمة فى خضوع لتوجيهات الأخرين دون استقلالية وتفاهم وحرية. وهناك العديد من العوامل الاجتماعية والثقافية التي تحدد حرية الإنسان، فحريتى لا ينبغى ان تقوم على سلب الإخرين حقوقهم وحريتهم التي يجب أن نصونها ونحميها أيضاً، فحدود حريتي تنتهي حينما تؤثر على حرية الآخرين ، كما وتؤثر الحالة الاقتصادية للإنسان على حريته، فالإنسان المُكبَّل بالفقر ، يشعر بحرية أقل في بعض النواحي ويهتم أكثر بالكفاح من أجل الحياة. لهذا يجب ان ادافع عن حريتى متى سُلبت وارضى اذ نُهبت وعرضى متى تعرض للأذى وقوتى متى نهبه الناهبون ، ينبغى ان نكون أحراراً من الخوف والضعف او الأستعباد للأخرين. معطلات للتحرر الروحى والاجتماعى ... ان للحرية معطلات سواء فى المجال الروحى او الاجتماعى او السياسى او الاقتصادى او النفسى .. فالانسان المستعبد للذات والشهوات او المال لا يستطيع ان يتخذ قراراته بحرية { {فشكرا لله انكم كنتم عبيدا للخطية و لكنكم اطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها} (رو 6 : 17). فان الذى يفعل الخطية هو عبداً لابليس {فقال يسوع لليهود الذين امنوا به انكم ان ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي.وتعرفون الحق و الحق يحرركم. اجابوه اننا ذرية ابراهيم ولم نستعبد لاحد قط كيف تقول انت انكم تصيرون احرارا. اجابهم يسوع الحق الحق اقول لكم ان كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية. والعبد لا يبقى في البيت الى الابد اما الابن فيبقى الى الابد. فان حرركم الابن فبالحقيقة تكونون احرارا. انا عالم انكم ذرية ابراهيم لكنكم تطلبون ان تقتلوني لان كلامي لا موضع له فيكم. انا اتكلم بما رايت عند ابي و انتم تعملون ما رايتم عند ابيكم. اجابوا و قالوا له ابونا هو ابراهيم قال لهم يسوع لو كنتم اولاد ابراهيم لكنتم تعملون اعمال ابراهيم. ولكنكم الان تطلبون ان تقتلوني و انا انسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله هذا لم يعمله ابراهيم. انتم تعملون اعمال ابيكم فقالوا له اننا لم نولد من زنا لنا اب واحد وهو الله. فقال لهم يسوع لو كان الله اباكم لكنتم تحبونني لاني خرجت من قبل الله واتيت لاني لم ات من نفسي بل ذاك ارسلني. لماذا لا تفهمون كلامي لانكم لا تقدرون ان تسمعوا قولي. انتم من اب هو ابليس وشهوات ابيكم تريدون ان تعملوا ذاك كان قتالا للناس من البدء ولم يثبت في الحق لانه ليس فيه حق متى تكلم بالكذب فانما يتكلم مما له لانه كذاب وابو الكذاب.واما انا فلاني اقول الحق لستم تؤمنون بي} يو 31:8-45. ان عدم الوصول إلى النضج الحقيقى، سواء على المستوى الروحى او النفسى أو التربوى أو الاجتماعى يعيق ويعطل الحرية الحقيقة ، واخطر الاشياء التى تجعل الانسان يسير بلا هدى هو النرجسية والانانية التى تفقد الانسان النظرة السليمة للحياة والناس والاشياء. الانانية قيد على حريتنا فى المسيح بما تجلبه من شهوات، او سعى مرضى لأمتلاك الناس والاشياء والعمل على التخلص من المعارضة حتى لو كانت موضوعية وهذا سر دكتاتورية الانظمة المستبدة والافراد الانانيين. بالنسبة للمؤمن فان كل هذا يجب أن يوضع على المذبح، لكى يحترق بنار الروح القدس، فتنفك قيود الانسان ويتحرر من الخوف ، سواء الخوف من المجهول، أو من الظروف الخارجية، أو من الموت {الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً حياتهم تحت العبودية } عب 15:2. ان التربية الخاطئة التى تنشأ الانسان على الخوف والاستكانة للظلم تخلق فيه الخنوع والضعف وهذا أيضا ما يجب ان يتحرر منه الانسان . كما ان عدم التحرر الاقتصادى للفقراء وسعيهم الدائم من أجل توفير لقمة العيش بدون وعى بحقوقهم وواجباتهم فى ظل ضعف العمل النقابى الذى يدافع عن حقوق العمال والفلاحين يهمش شرائح عريضة فى المجتمع وكل هذا يحتاج الى تظافر الجهود الصادقة من النظم السياسية والموسسات الاجتماعية والدينية والفكرية للعمل عل التخلص من السلبيات وخلق وعى عام وطنى قوى وانسانى لكى نحيا فى مجتمع لا يضحى باى فراد من أجل النظام ولا يقوم النظام بسلب اى مواطن حقوقه وحريته باسم الاغلبية . بل ينهض فيه المواطن والمجتمع على اسس الحرية والعدالة والمساواة والاخاء والعيش الكريم للجميع . يسوع المسيح هو هو، أمس واليوم وإلي الأبد ايها المسيح ذو القلب الدامى والجنب الجريح، يا مسيح الجياع والعطاش والعرايا والفقراء والمسجونين والغرباء والذين بلا سكن او لقمة خبز كريمة ، ومن جارت عليهم القوانين الظالمة . يا من تعقبه هيردوس طفلا ليقتله ويعانى مع أطفال افريقيا واسيا الجياع . يا مسيح المفترى عليهم أمام القضاء والمحاكم المدنية والدينية . يا الهنا المتجسد والذى عانى التعصب والظلم والنفاق السياسى والدينى . كنت القائد والمحرر غير المرغوب فيه وانت المسيح ذو القلب الانسانى الرحوم للذين تجردوا من انسانيتهم والاله الحق الذى جاء ليقدم لنا نموذجا صالحا للانسان الحق . ان تحريرنا من كل أشكال الرق والعبودية هو صميم رسالتك السامية ، فلهذا نشكرك ونسألك ان تعمل فى العالم لتحريرة من عبودية الشيطان والخطية والموت . يا من يمد يد العون لكل نفس مكبَّلة بسلاسل الدنس، ومرتبطة بعبودية الخطية، والتى تحاول عبثًا الإتكال على ذاتها وحدها فلا تستطيع الفكاك من الخطية . بينما تناديها لتأتى إليك لتكسرعنها قيودها، وتحرِّرها من عبودية الخطية، ومن أي عادة ردية تجلب الهموم والعار والفقر والمرض الشديد والموت، وهذه دعوتك لكل إنسان للتحرر من سجن الخطية والشهوات العالمية، ولكى يُقبل الجميع إلى حرية مجد أولاد الله. إننا لابد أن نسير علي خُطاك ايها المخلص الذي يجول يصنع خيرًا ويشفي كل مرض وضعف في الشعب. ليكن كل واحد منا سفير سلام ونوايا حسنة وسط ظلمة هذا العالم. لنكون رائحة المسيح الذكية التي يشتم منها الآخرون قوة المحبة والبذل والعطاء. لنكون سفراء لمملكة السماء نطلب عن المسيح من الناس أن يتصالحوا مع أنفسهم وإخوتهم والله. ايها الرب الاله محرر الخطاة ، جئت اليك لتحررنى من قيودى ، وتهديني وتوسع قلبى وفهمى فاليك اصرخ ايها المحرر الحقيقى ، حررني من العبودية للشيطان والخطية ، حررنى من سلطان المادة والسلطة والشهوات ، حررنى من ان أستعبد نفسى للأخرين فى خضوع مهين لكرامتى الأنسانية ، حررنى من عبودية الحرف والخوف والضعف ، حررنى من انانيتى وقيودى لانعم بعبادتك بالروح والحق ، وانقاد في فكرى واقوالى وسلوكى لروحك القدوس ، وانموا في المحبة والأيمان والرجاء ، واضعا رضاك ووصاياك ومحبتك هدفى . متحرر من كل القيود التي تعيق تقدمي وحريتى ، لنعرفك ونخدمك ونتبعك من كل القلب ،فانت رجائنا وتستحق منا كل الحب اننا نصلى لكي تستخدمنا يارب لنكون صناع سلاما ودعاة حرية ، وان نكون أوان مقدسة لحمل مشاعل المحبة ونور الايمان في القلوب.. ندعو الناس للتوبة؛ نعلن بشري الخلاص للمقيَّدين، ورسالة الحرية للخطاة. لنصلى من اجل انتهاء الظلم واحقاق الحق والرحمة والعدل .إلهي إننا نصلي من أجل كل حزين ليفرح، ومريض ليُشفي، وخاطي لكي يتوب ويرجع إليك. وأنت ضابط الكل؛ فأعمل في الجميع ليخلصوا، وإلي أحضنك ليرجعوا؛ فيفرح الزارع والحاصد، ويُستعلن حبك ومجدك لكل بشر. القمص أفرايم الأورشليمى
المزيد
29 نوفمبر 2020

طقس أوشية الراقدين

- ثم يصلي الكاهن الأواشي، ففي رفع بخور عشية يصلي أوشية الراقدين ودائمًا في رفع بخور عشية نصلي هذه الأوشية لأن غروب اليوم يرمز لغروب العمر "الذين سبقوا فرقدوا".. س: لماذا نصلي أوشية الراقدين؟ (الصلاة على الراقدين) ج : الصلاة لأجل الراقدين عقيدة (العجيب أنها تميز الأرثوذكس عن بقية الطوائف الأخرى) وذلك للأسباب الآتية: 1- مبدأ المحاماة: فكل الصلوات علي الراقدين "لأجلهم" منذ نياحة الشخص إلى الدينونة تمثل المحاماة عن هذا الإنسان وهذه النفس. والمحاماة شرط أساسي من شروط العدل لدرجة أن المحكمة تحضر محامي للمتهم الذي لم يستطيع إحضار محامي للدفاع عنه يتمشي مع العدل وجود المحاماة. 2- غفران الخطايا: وذلك منذ آخر اعتراف إلى لحظة الوفاة إذًا الصلاة تحل محل اعترافه طالما لم يمت في خطيته من حقه أن نصلي لأجله.وبشرط مهم جدًا وهو التوبة والإقرار بها لأن: التوبة = استحقاق المغفرة. الإقرار بها (الاعتراف) = نوال المغفرة. التناول = تمام المغفرة. بدليل قراءة التحليل علي المنتقل فإذا كان تائب يستفيد أما إذا كان غير تائب فلا يستفيد، إذا الصلاة من أجله مهمة ورحمة الله تخص الله يقبل أو لا يقبل. 3- تأكيد فكرة القيامة: إعلان الإيمان بالقيامة، حتى لا يظن الناس لا قيامة بعد الموت. وهناك رد جميل للقديس يعقوب السروجي رد علي سؤال لتلاميذه كيف الناس تموت والمسيح قام المفروض المسيح قام لا يموت الناس، فرد القديس يعقوب قائلًا: بعد قيامة المسيح تأكد قيامة من نقوم بدفنهم للموت وليس للبشر لأنهم يقومون إذًا يخرج الجسد وندفن الموت. 4- تأكيد فكرة الدينونة العامة (يوم المحاكمة): بصلاتنا علي الراقدين نعترف جهارًا بالدينونة، يتذكرها العارفون ويعرفها من يجهلها يوم يدين الله سائر الناس عن كل عمل إن كان خيرًا أم شرًا حسب قول الكتاب.وضع للناس أن يموتوا مرة ثم بعد ذلك الدينونة. 5- عضوية الراقدين في الكنيسة: الراقدين في العالم الآخر ولكنهم لازالوا أعضاء في الكنيسة "الصديق تدوم ذكراه إلى الأبد" (مز 112: 6)إذًا نفوس الراقدين حيه وليس كالحيوانات مثلًا الله إله أحياء وليس إله أموات إذاَ خلود الروح يجعلنا نجاه نحن أيضًا. 6- لأجل تعزية الأحياء: الذين يتألمون لانتقال الأحباء وطلب الصبر لهم. 7- لتأكيد المكافأة لم ينلها أحد بعد: لأنهم لم يكملوا بدوننا (عب 11: 40) إذًا العالم مستمر إلى أن يكمل العبيد رفقائهم كما في الختم الخامس في سفر الرؤيا. ملحوظة هامة: أوشية الراقدين تقال في جميع العشيات حتى في الأعياد السيدية أما في يوم سبت النور تقال في الصباح تذكارًا لوجود السيد المسيح في القبر يوم سبت النور. نيافة الحبر الجليل الانبا بنيامين مطران المنوفية وتوابعها عن القداس الإلهي في اللاهوت الطقسي القبطي
المزيد
28 نوفمبر 2020

المقالة التاسعة عشرة في معرفة الجهاد وهي رسالة بعث بها إلى أولوجيوس العابد

أيها الأخ لما نظرت ثمر الطاعة، بادرت أن أكتب إليك عن الأشياء التي أمرتني بتلخيصها. تقوى الرب ابتداء صالح. الشيخوخة الحسنة مكرمة في النفس المحبة المسيح. من يصغِ إلى ذاته في كل مكان يسلم.من يحب أحاديث العالم، ما بغض العالم.الحطب يشعل النار ويزيد التهابِها، والأحاديث العالمية تنهض الآلام في قلب العابد.أيها الأخ إن كنت تؤثر أن تنفع القاصدين إليك، فلا تضر ذاتك.من يحب محادثة النساء، يستنهض على ذاته شيطان الزنا.إذا سمع والداك عنك سمعاً صالحاً، يسران أكثر من سرور النبيذ وطرب الخمر. من يحب السكر ؛ يخسر فوائد كثيرة، وقد قيل أنه يعمل أشياء ما لا يجب افتعالها، ويبدد ثروته، ويُدفع إلى الأعداء مثل غريب لأن السكر أعمى ذهنه. أيها الأخ صر ورعاً، فإن الورع يولد سجية سلامية، والسجية السلامية تنتج عدم التألم، وليكن ورعك مقترناً بالتواضع، حتى تصير عابداً محقاً، وترث المحبة والعفة. أيها الأخ إن كثرة الكلام تسود الذهن وتظلمه، وإذا أظلم الذهن أنقاد إلى عدم الحياء، وعدم الحياء هو أم الزنا.من يحب السكوت يلبث بلا قلق، ولا يغيظ قريبه، أما الضحك والدالة يضران المبتدئ كمضرة السم القاتل، ولا يوافقانه أصلاً، لأن الرب إنما طوب الذين يبكون وينوحون.إن انغلاب العابد أن يسمع دفعتين على المائدة: أسكت. حب الصمت يا أخي ؛ ليثبت الورع عندك. أحفظ التورع ؛ ليصونك من الزنا. من يجاوب الرئيس ولا يخضع له، فلا يبطئ أن يتكردس في المساوئ. من يطع وعظ من هو أكبر منه، يسر مع الصديقين. من يفتخر بقوته، يبعد عن ذاته معونة اللـه. أما المفتخر فليفتخر بالرب. من يحب الشغب الذي يشغل الذهن، ويبغض السكوت، يحزن حزناً كثيراً. ومن يسكت بتواضع، يسر الرب. من لا يقدم اختبار الوقوف في الصلاة الجامعة بثبات، يخسر فوائد كثيرة، ومن يقف بتورع وصبر، يستجاب له. من يتكلم كلاماً باطلاً في أوان الصلاة الجامعة يحصل له لوم مضاعف، لأنه يبطل من الصلاة والترتيل بالكلام. من يفاوض، يسبب لذاته خسارة. من يحب النسك، سيكون متوافر القوة. ومن يحب السكر، يثبت في لا شيء. من يبغض العمل، فذاك فضولي هو، لأن البطالة تسبب شهوات كثيرة، ومن يحب العمل، يبقى بلا حزن. من يفتخر بجسامة شأن والديه، فذاك غير مختبر، لأنَهما في مصاف القتال لا ينفعانه. أكرم أيها الأخ الصغار والكبار ليعليك الرب، لأن من يواضع ذاته يُرفع. ذلل رأسك للرئيس وللمتقدمين في رفقة الإخوة، أخضع بالرب فإن ثمر الخضوع مخافة اللـه، والتواضع لا يظهر بأن تتواضع لمن هو أعظم منك شأناً بل بمنح الإكرام للصغار الأدنياء جداً. فقد كتب: ” أنا أشرف الذين يشرفونني، ومن يستحقرني يهان “. فنحن فلنشرف اللـه لكي ما يشرفنا مع جماعة قديسيه، وبماذا نشرفه؟ بحفظ قول وصاياه، لأنه قد كتب: “ليس ملكوت اللـه بكلام بل بقوة” وأيضاً: ” ليس كل من يقول يارب يارب يدخل ملكوت السماوات بل الذي يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات “. فقبل كل شيء أيها الأخ أتقِ اللـه بالحقيقة فإن تقواه يضئ عيني ذهنك، حب التواضع فإن التواضع الذي من أجل اللـه هو سور لا ينقب قدام وجه العدو، وصخرة مصادمة تكسر حيل الشيطان ونشاب الخبيث المحمي. إن وضعت في فكرك أن تصبر من أجل الرب على السب والخسارة والازدراء ستكون كمحارب بطل مشتمل بالسلاح دائماً على المقاومين، وإذا رآك حينئذ أعداؤك متخذاً مثل هذا الحرص يتساقطون من قدام وجهك. إن شئت أن تحاضر بلا تعب، فأحفظ طهارة جسدك مع المحبة، لأن المحبة هي أم الفضائل، والطهارة مصباح وعضد لها، إن السكوت نور الفضائل، وسورها مخافة اللـه. فلنحفظ الآن أيها الأخ طهارة جسدنا بمخافة اللـه ليحصينا الرب مع ملائكته القديسين، لأن من يحب الطهارة، يسر به الروح القدس، ويعطيه الصبر. فالطهارة إذاً تقوم بالحمية والوداعة والسكوت بمحبة. فلذلك نحتاج أن نبتعد عن كل أخ يسلك سيرة غير مرتبة، لئلا نمنح الذين يبصروننا وهماً، لأن الرسول يقول: ” نتقدم فنفطن برؤيات حسنة أمام الرب والناس، فإن كان أحد يحب السجس فنحن ليس لنا مثل هذه العادة ولا لكنائس اللـه “. فلهذا يجب اضطراراً أن نقبل عظات الناس المتقين الرب، ولا نرضي ذاتنا كما يعلمنا القائل: ” كل واحد منكم فليرضي قريبه في الخير لإبتناء منفعته “. وأيضاً حتى يخجل المنتصب بإذائنا، ولا يكون له أمر طالح يقوله عنا لأن رب المجد قد قال: ” فليشرق نوركم هكذا أمام الناس ليعاينوا أعمالكم الحسنة فيمجدوا أباكم الذي في السماوات “. ولا نضيع القداسة بحجة المواساة، فإن للعدو عادة مثل هذه أن يبدل بالخير الشر، لأن من يخطئ ويفتكر أن يكتم ذلك يطغي ذاته، لأن ليس شئ خفياً لا يشتهر. إن أخطر لك العدو شهوة بشرية فقل له: حاشا لي أن أُحزن الروح القدس الذي خُتمت به يوم الافتداء. فإنه قد كُتب: ” كل خطية يصنعها الإنسان هي خارج جسده، أما من يزني فإلى جسده يخطئ “. أما القتال الصائر بالذهن، فقد عرفته بعض المعرفة، لأن أخاً قال له أخ: أن الأفكار الدنسة تقلقني. فأجابه: أن الشيوخ القديسين قد أمروا قوماً أن يتركوا الأفكار كي تدخل إلى داخل وحينئذ يقاتلونَها، أما الضعفاء كثيراً فأوصوهم أن لا يناجوها ألبته، لكي لا بدوام الفكر يصعب ألم شفائه. فقال حينئذ الأخ: وما معنى أن تترك الأفكار تدخل إلى داخل، وحينئذٍ تقاتل ؟ فقال له: أسمع متى أحضر العدو لأحد فكراً قبيحاً أو فكراً دنساً، في الحين تقيم له في الذهن امرأة جميل وجهها، أو أحد الأشياء التي تفضي إلى الفساد، فإذا رأى المحارب ذلك بالذهن، لا ينزعج من مثل هذه الأفكار بل ينتصب مقابلها، ويحارب بشهامة وبسرعة. ثم يفتح لها ويغلق عليها، فإذا صارت داخل مع الصورة التي حاربته بِها، يقول للأعداء: أنه بِهذه الواقفة معكم آذيتموني كل يوم، وخبلتم ذهني الآن أشاء أن أعرف بالدقة ما الحاجة إليها.فيأمر أن يحضر له سكيناً بذهنه، فإذا أخذها يفتح بِها بطنها قائلاً: أشاء أن أعرف أجمالاً أو نتناً وقيحاً، فإذا فتح جوفها يجد داخله الأشياء التي نعرفها كلنا، فتظهر بعض قباحة الشهوة.فإذا شاهد المضادون انكسارها، يحدثون شغباً مريدين أن يستحقروا فكر الأخ، حتى إذا كدروا ذهنه بأفكار أُخر، يبطلون الجهاد المنصوب، خوفاً من أن يظهر خزيهم بالكمال. فيقول المحارب المنتصب بإذائهم: لِمَ ترومون أن توردوا أشياء أخر عوض تلك، فإنني لا أترككم أن تخرجوا إلى أن أفحص جملة الأمر بالتأكيد، إن كان بالحقيقة أهلاً أن يُحب ما تمدحونه.فحينئذ يحبس الأخ الجثة في الخزانة الباطنة ثلاثة أو أربعة أيام، وبعدها يفتحها مريداً أن يعاين الجثة، فقبل أن يدخل إلى داخل، تلتقيه النتانة التي لا تُحتمل، فيسد بيده فمه ومنخريه، ويشير للأفكار المضادة ومؤازري الخطيئة نِهاية الأمر. ثم يقول لهم: ماذا تجاوبون عن هذه ؟ فيخزون حينئذ، وينحلون كدخان في الهواء، ويصبح الأخ أعلى من الآلام، مؤازراً من قبل النعمة، فيعترف للرب ويقول: أشكرك أيها الرب إلهي فإنك لم تسلمني إلى أيدي أعدائي بل خلصتني من شرك القانصين، وأنارتني نعمتك لأتفطن بِهذه الرؤيات، وأخلص بِها من شركهم.فلنتخذ يا إخوتي مخافة اللـه نصب أعيننا كل حين لكي ما يسترنا، لأنه خلواً من ستر اللـه لا يحسب الإنسان شيئاً ؛ فإن رداءة صناعة أعدائنا كثيرة، لكن معونة اللـه المحيطة بالإنسان أكثر منها، ولا سمح لنا أن نبصرها بأعيننا.فلنحب إذاً الإله الذي يعيننا ويخلصنا حباً بكل قلوبنا كما نحب أنفسنا، وليكن في عقلك أيها الأخ الحبيب كل يوم وفاتك، أي فزع يشتمل النفس في ذلك اليوم.يا أخي الحبيب إن كنت قد عملت شيئاً صالحاً في هذا العالم الذي سكنته، إن كنت قد احتملت الحزن والتعيير من أجل الرب، وصنعت الفضائل التي ترضيه، تصعدها الملائكة مرفوقة بفرح عظيم إلى السماوات.لأنَها مثل فاعل نشيط حريص، عمل في كافة النهار، ينتظر الساعة الثانية عشرة لكي ما يقبل بعد العمل أجرته ويستريح. هكذا نفوس الصديقين تنتظر ذلك اليوم، أما نفوس الخطاة فيشتملها في تلك الساعة خوف وجزع بمنزلة مجرم قد قبض عليه الأعوان يقتادونه إلى مجلس القضاء.لذلك ترتعد نفوس الظالمين في تلك الساعة لمعاينة عذاب الظُلمة البرانية الدهرية التي لا نَهاية لها.وإن قال أحد: اطلقوني أمضي إلى ذلك العالم لأتوب، فيسمع، حيث كان لك زمان ولم تتب، فالآن لم تتب، حين فتح المقام للكافة لم تجاهد، أفتروم الآن أن تجاهد، فقد غُلقت سائر الأبواب، وعبر زمان الجهاد، أما قد سمعت القائل: ” تيقظوا فإنكم لا تعرفون الساعة “. فإذ قد تقدمنا وعرفنا هذا يا أخي الحبيب، ما دام لنا زمان فلنتب لكي ينقذنا اللـه من الرجز الذي يحل بأبناء المعصية، ويؤهلنا لحظ القديسين. صلِ من أجلي أنا الخاطئ، فإني أقول ولا أعمل، فإنه قد كتب: ليعترف بعضكم لبعض بالخطايا، وليصلِّ بعضكم على بعض لتشفوا، لأنه يليق باللـه المجد إلى الدهور. آمين مقالات مار إفرآم السريانى
المزيد
27 نوفمبر 2020

قوة خرجت مِنّي

في معجزة شفاء المرأة نازفة الدم، المذكورة في إنجيل لوقا أصحاح 8، يقول الإنجيلي إنّه لما جاءت المرأة من وراء، ولمسَتْ طرَف ثوب الرب، أنّها شُفيتْ في الحال، ووقف نزْف دمها.. فالتفتَ الربُّ العارف كلّ شيء، فاحص القلوب ومختبر الكُلى، وقال: «مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي؟» بالطبع لم يكن خافيًا على الرب.. بل لقد عرفها، عرف ما أضمرته في قلبها بالإيمان الذي سكنَ فيها، حين قالت: أنا إن لمستُ فقط طرف ثوبه شُفيت.لذلك بعد أن أظهرها الرب للجميع، مدح إيمانها، ودعاها ابنته، قائلاً لها: «ثِقِي يَا ابْنَةُ، إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ». والذي يجذب الانتباه قول الرب: «لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي». لأنّه لما سأل الرب من الذي لمسني؟ ملَكَ العجب على الذين كانوا حوله إذ قد كان الزحام حول الربّ شديدًا جدًّا، حتّى قال القديس بطرس ومَن معهُ «يَامُعَلِّمُ، الْجُمُوعُ يُضَيِّقُونَ عَلَيْكَ وَيَزْحَمُونَكَ، وَتَقُولُ مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي؟». فكانت إجابة الرب «قَدْ لَمَسَنِي وَاحِدٌ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي».الأمر إذن غاية في الوضوح، فشتَّان بين من يَزحِم وبين من يَلمِس، بين مَن كان معدودًا إنّه سائر مع المسيح أو قريب منه، وبين مَن يتلامس مع الرب تلامسًا حقيقيًّا. لقد خرجَتْ قوّة شفاء من الرب، واستقرّتْ في المرأة التي لمسته ليس بطرف أصبعها بل تلامسَت معه بقلبها العامر بالإيمان.كلّ مرّة أقترِبُ لألمس الرب، يلزمني هذا القلب وهذا الإيمان، لأشعر بالقوّة الخارجة وأتحصل عليها، ويقف نزيف الدم الذي يؤدِّي إلى الموت. ربى يسوع... العارف قلب كلّ واحدٍ، هَبني هذه النعمة، ومُرْ لي بالقوّة الخارجة من عندك، حتّى تسكُن أعماقي، فأشعر في الحال بنعمة الحياة.. حياة المسيح تدب فيَّ.. حينئذ يتوقّف عمل الموت في الحال. هبني يارب أن أتلامس معك كلّ يوم وكلّ ساعة.. ومهما يكُن مِن زحام حولك في كلّ مكان وكلّ زمان، أعطِني نصيب هذه المرأة، وأن أطلبك أنت وحدك من عمق نيتي، وأن لا يشغلني الزحام أو يعوّقني أو يعطّلني عن التلامس معك. لاسيّما يا سيدي حينما أقترب وأتلامس مع جسدك المقدس ودمك الكريم.. هو في الواقع تلامُس حقّ، لأنّ جسدك ودمك هما الحقّ بذاته. وما أحتاجه في الحقيقة هو خلوص النيّة واستقامة الغرض، لكي أتقرّب وأنا واثق أنّني حالما أتلامس تسري فيَّ قوّة الحياة والشفاء. فلتدركني نعمتك يا سيدي، واسمَح لعبدك أن يقترب منك للتلامس الحقيقي، فأحظى بهذا النصيب الصالح. وأخيرًا، إذ أقف أمامك معترفًا بفضلك عليَّ، وأُخبِر الكلّ بعمل نعمتك، أسمع صوتك الإلهى المُفعَم صلاحًا «ثِقِي يَا ابْنَةُ، إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ». وإذ أَنعَم بهذا السلام من فمِك الإلهي، تكون قد تبدّلَتْ الأمور في حياتي.. من مرض إلى صحة، ومن موتٍ إلى حياة، ومن خوف إلى سلام إلهي لا يُنطق به؛ آمين. المتنيح القمص لوقا سيداروس
المزيد
26 نوفمبر 2020

شخصيات الكتاب المقدس آساف

"لأني غرت من المتكبرين إذ رأيت سلامة الأشرار" مز 73: 3 مقدمة ربما لا يجد المرء في كل ما خطه القلم البشري، وصفا أروع وأبلغ من وصف المؤمن عندما يسقط فريسة الشك، مما كتبه يوحنا بنيان في كتاب: "سياحة المسيحي"، إذ صور هناك السائح المسيحي ومن معه يسيرون، ليجدوا أنفسهم وهم لا يدرون في أرض غريبة، وإذ ينامون ليلتهم يستيقظون في الصباح ليجدوا أنفسهم في قبضة جبار عات اسمه "جبار اليأس".. وقد أمسك بهم ليطوحهم في عنف وقسوة، في جب مظلم رهيب اسمه "قلعة الشك" ولعل بنيان وهو يصور هذه الحقيقة، كان يكشف عن خبيئة نفسه، عندما أحاط به الشك العاصف، بعد أن دخل السجن في 12 نوفمبر عام 1660م بعد أن اقتحم رجال الشرطة الكنيسة الصغيرة التي كان يعظ فيها وكانت عظته في ذلك اليوم مما جاء في إنجيل يوحنا: "فسمع يسوع أنهم أخرجوه خارجاً فوجده وقال له أتؤمن بابن الله" يو 9: 35.. وكان بينان يقول للحاضرين مخاطباً كل فرد فيهم. "أتؤمن بابن الله"؟ فأخذته الشرطة وقدمته للمحاكمة إذ كان شارل الثاني ملك انجلترا يحارب ويضطهد المؤمنين الأحرار الذين لا يريدون أن يخضعوا أنفسهم سوى لصوت الله والكتاب المقدس والضمير، وقد طلب القضاة من بنيان أن يمتنع عن الوعظ التبشيري مقابل أن يتمتع بالحرية والأمن، ولكنه رفض ليبقى في السجن اثنى عشر عاماً ذاق خلالها كل أنواع التجارب والآلام والأهوال، كانت زوجته وأولاده يزورونه في السجن، وكان أشد ما يؤلمه رؤية ولده الصغير الأعمى ولقد صاح مرة: “يا طفلي المسكين.. ما أكثر ما ترى في حياتك من مأساة، وإن كنت لا أستطيع أن أتحمل مر النسيم عليك”!. وخاض بنيان معركة الشك، وانتصر فيها الانتصار الحاسم، وكتب كتاب “سياحة المسيحي” و“الحرب المقدسة” من زنزانة السجن ودون أن تناله الهزيمة بأية صورة من الصور،.. وقبل بنيان بما يقرب من ستة وعشرين قرناً، دخل آساف ذات المعركة، وهو يرى مظاهر الصراع القاسي بين الخير والشر، وخرج إلى العالم بمزاميره المنتصرة. ولعل قصته يمكن أن تعطينا لذلك أغلى الدروس: آساف وتجربته ليس هناك من شك أن المزمور الثالث والسبعين قد كتبه آساف النبي المرنم في إسرائيل، وأن عشرة مزامير أخرى تحمل اسم آساف، وقد يختلف الشراح في نسبة بعضها إليه،.. ولكن الطابع العام المتقارب في هذه المزامير يكشف عنه المزمور الثالث والسبعون، وهو التجربة التي أحس بها آساف تجاه مشكلة الشر في الأرض، وقد أثرت ظاهرة الشر في أفكار الرجل، وعواطفه، وكانت على وشك أن تغير مساره وتاريخه بالتمام، كيف يمكن تفسير ظاهرة الشر مع وجود الله الكلي الحكمة، والقدرة، والمحبة؟ وكيف تبدو هذه الظاهرة فيما تترك من طابعها المدمر الرهيب الملحوظ بين الناس!!.. لقد بدت عند آساف أولاً: في ثروة الأشرار المتزايدة: "هوذا هؤلاء هم الأشرار ومستريحين إلى الدهر يكثرون ثروة".. وبدت عند أيوب من قبل يوم قال: "عندما أتذكر أرتاع وأخذت بشرى رعدة لماذا تحيا الأشرار ويشيخون نعم ويتجبرون قوة، نسلهم قائم أمامهم معهم وذريتهم في أعينهم بيوتهم آمنة من الخوف وليس عليهم عصا الله ثورهم يلقح ولا يخطيء، بقرهم تنتج ولا تسقط يسرحون مثل الغنم رضعهم وأطفالهم ترقص".. وبدت في لغة المسيح سيدنا في صورة مؤلمة قاسية مثيرة: "كان إنسان غني وكان يلبس الأرجوان والبز ويتنعم كل يوم مترفهاً وكان مسكين اسمه لعازر الذي طرح عند بابه مضروباً بالقروح ويشتهي أن يشبع من الفتات الساقط من مائدة الغني بل كانت الكلاب تأتي وتلحس قروحه".. ولست أعلم لماذا يضع الله الرجلين جنباً إلى جنب وفي مكان واحد، وعلى هذه الصورة الرهيبة من التباين والتباعد! وهل قصد المسيح أن يصور حال الدنيا على هذا الوضع الغريب الذي يتقابل فيه فقر المؤمنين مع غنى الأشرار، ولئن كان لعازر لم يتحدث إلينا عن الآلام النفسية العميقة التي كانت تملأ قلبه، وهو يقارن بين حاله وحال الغني الذي يتنعم كل يوم وهو على قيد خطى قليلة منه،.. غير أن آساف تحدث عن عمق ألمه وتجربته، وهو لا يرى مجرد الأغنياء فحسب، بل تزايد ثرواتهم على نحو رهيب، وكلنا مرات كثيرة "آساف" في الحياة المعاصرة، ويكفي أن تقرأ الصحف أو الكتب أو المجلات، لكي نرى مدى الصعود الغريب السريع لأشر الناس في الأرض، وهم يتحولون من أصحاب الآلاف إلى عشرات الألوف إلى مئات الألوف إلى أصحاب الملايين، والبلايين والمليارات،.. وهل نقرأ عن الأموال التي لا تعد ولا تحصى، ويحصل عليها الناس بأشر الأساليب، وأفحش الوسائل، وأقسى السبل، وليذهب الحق والخير والفضل والهدوء والراحة والسلام، إلى الجحيم ما داموا يصلون إلى معبودهم الذي رفعوه إلى مستوى الله، وعبدوه بكيفية يمكن أن يقال معها بكل يقين ما قاله السيد: "لا تقدروا أن تخدموا سيدين الله والمال"؟!. إن المال عند الأشرار وخلفه الحروب والمفاسد والشرور التي قلبت كل الأوضاع في الأرض، فأعطت من لا ينبغي أن يأخذ، وأخذت ممن ينبغي أن يساعد وبنت قلاعاً للشيطان ينبغي أن تهدم،.. وهدمت قلاعاً لله ينبغي أن تقوم وترتفع!!.. كل هذا يمكن أن يقترب بالمؤمن من خطوة الانزلاق ليقول. "أما أنا فكادت تزل قدماي لولا قليل لزلقت خطواتي" "هوذا هؤلاء هم.. الأشرار يكثرون ثروة".. وكانت التجربة الثانية أمام آساف: راحة الأشرار: ".. ومستريحين إلى الدهر".. وقد بدت هذه الراحة أمامه: "إذ رأيت سلامة الأشرار لأنه ليست في موتهم شدائد وجسمهم سمين ليسوا في تعب الناس ومع البشر لا يصابون".. فإذا ترجمنا هذا الكلام، فإننا نجد عاموس واحداً من أبرع المترجمين القدامى إذ يقول: "ويل للمستريحين في صهيون والمطمئنين في جبل السامرة.. أنتم الذين تبعدون يوم البلية وتقربون مقعد الظلم المضطجعون على أسرة من العاج، والممتدون على فراشهم، والآكلون خرافاً من الغنم، وعجولاً من وسط الصيرة الهاذرون مع صوت الرباب، المخترعون لأنفسهم آلات الغناء كداود، الشاربون من كؤوس الخمر، والذين يدهنون بأفضل الأدهان ولا يغتمون على انسحاق يوسف"... وإذا حولناه إلى لغة العصر الحديث، فإنه يعطي صورة للإنسان الذي اخترع المخترعات الحديثة، الإنسان الذي يطلق عليه "إنسان الأزرار، فهو يمد إصبعه ليضغط على الزر، وهو متمدد في مكانه، أو جالس على نغم الموسيقى، في أمكنة التكييف، وقد طوع لنفسه كل شيء في السفر، والسكن، والملبس والمشرب، ولا يكلفه هذا كله، سوى أن يضغط بطرف إصبعه على الزر، والدنيا كلها عند قدميه، وهو يرى نفسه في راحة ما بعدها راحة وفي عز ما بعدها عز،.. هذا في وقت قد يشقى فيه المؤمن، وهو يجد لقمته بصعوبة بالغة في أرض العرق والدموع!!.. وهو قد يعاني من هذا أو ذلك، فيجف نهره في أرض المجاعة، وهو يتنقل في حاجته بين عطايا الغربان أو مساندة أرملة فقيرة تقش عيدانها، باحثة عن لقمة عيش ستأكلها هي وابنها الصغير، ثم يموتان جوعاً بعد ذلك،.. كلنا آساف في بعض المواطن ونحن نرى هذا الوضع المقلوب في الأرض!!.. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن آساف رأى شيئاً، إذ رأى الكبرياء المذهلة التي تتملك الأشرار: "تقلدوا الكبرياء.. جعلوا أفواههم في السماء وألسنتهم تتمشى في الأرض".. أي أنهم لبسوا الكبرياء كالقلادة في العنق، إذ يبدو عنقهم ملتوياً، وأفواههم شامخة إذ يتكلمون بكبرياء المرتفعين في لغة نبوخذنصر القائل: "أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها لبيت الملك بقوة اقتداري ولجلال مجدي؟"، دون أن يعلموا أن العلي متسلط في مملكة الناس،.. أو في لغة آدوم الذي قيل عنه: "تكبر قلبك قد خدعك أيها الساكن في محاجي الصخر رفعة مقعده القائل في قلبه من يحدرني إلى الأرض".. والكبرياء دائماً ساخرة مستهزئة، تتعالى على الله والناس، وهي أشبه بقبضة الغلام الصغير الذي رفع عينيه نحو السماء، ولوح بقبضته مهدداً القدير،.. ومن المتصور أن يحتمل كل هذا كما يحتمل عبث الأطفال. ولكن المشكلة عند آساف أن هذا قد انصرف إلى الظلم البين الرهيب الذي وقع المؤمنون ضحيته، إذ: "لبسوا كثوب ظلمهم،.. ويتكلمون بالشر ظلماً من العلاء يتكلمون".. أو في لغة حبقوق: "حتى متى يا رب ادعو وأنت لا تسمع أصرخ إليك من الظلم وأنت لا تخلص لم تريني اثما وتبصر جورا وقدامى اغتصاب وظلم ويحدث خصام وترفع المخاصمة نفسها لذلك جمدت الشريعة ولا يخرج الحكم بتة لأن الشرير يحيط بالصديق فلذلك يخرج الحكم معوجاً":.. ألم يدفع هذا سليمان إلى القول: "ثم رجعت ورأيت كل المظالم التي تجري تحت الشمس فهوذا دموع المظلومين ولا معز لهم ومن يد ظالميهم قهر أماهم فلا معز لهم فغبطت أنا الأموات الذين قد ماتوا منذ زمان أكثر من الأحياء الذين هم عائشون بعد. وخير من كليهما الذي لم يولد الذي لم ير العمل الرديء الذي عمل تحت الشمس".. وقد فاضت الكأس آخر الأمر عند آساف بأن الأشرار في كل هذا قد طرحوا الله وراء ظهورهم، فهم لا يكادون يرونه أو يبالون به: "وقالوا كيف يعمل الله وهل عند العلي معرفة".. إنهم يعيشون ويفعلون دون أن يقيموا للقدير حساباً، أو يروا فيه رقيب الناس المطلع على الظاهر والخفي في الحياة!!.. آساف المصاب هذه المظاهر الشريرة انتهت بآساف إلى الحالة الشقية التعسة التي وصل إليها في القول: "وكنت مصاباً اليوم كله وتأدبت كل صباح".. لقد أدرك آساف بأن هذه المظاهر الشريرة لابد أن تصيب أحداً، إذ هي غير طبيعية، وغير متفقة مع ناموس العدالة الإلهية، فإذا كان الأشرار: "ومع البشر لا يصابون".. فإن الإصابة بدورها تتحول إلى المؤمنين، وهي إصابة دائمة ومتكررة، إذ أنها اليوم كله وتتجدد كل صباح، أو في لغة أخرى: إنها كالمرض المزمن العميق الذي تظهر له مضاعفات متعددة على الدوام،.. مرض المؤمن برؤية الشرير في الأرض،.. عاد هنري دراموند ذات يوم إلى بيته، ووجهه ناطق بالأسى والألم العميق، وإذا سأله أحدهم: هل أنت مريض؟.. أجاب: نعم أنا مريض بالناس وبشرهم وخبثهم وحقدهم وقساوة قلوبهم ووحشيتهم التي لا تنتهي!!.. فما هو نوع المصاب الذي وصل إليه آساف؟ لقد أصيب أولاً بالحسد: "غرت من المتكبرين إذ رأيت سلامة الأشرار"... ولقد صور واحد من المؤمنين هذه الغيرة في القول: إنه كان شريكاً مع آخر في شركة تجمعهما معاً،... وذات مرة دعاه شريكه إلى عمل آخر، غير أنه رفض إذ أن هذا العمل لا يمكن أن يتم إنجازه مع الاحتفاظ بالمباديء الصحيحة السليمة، وبعد فترة وكان الآخر قد ذهب إلى العمل، وأصاب نجاحاً مادياً كبيراً- فرق بينه وبين شريكه من الوجهة المادية إلى حد بعيد،.. أرسل المؤمن إلى أحد الرعاة يقول له: ها أنا قد تمسكت بالمباديء المسيحية العلمية!!.. ولكن ماذا كانت النتيجة!!؟.. أليست هذه صرخة الكثيرين من أبناء الله، الذين يصابون بالألم العميق، عندما يؤخذ حقهم ليعطي لمن لا يستحق؟، والذين كلما تمسكوا بالحق والشرف والأمانة والصدق، كلما واجهوا السجن والآلام، والتشريد، والمتاعب، وما أشبه؟!كتب أحدهم مقالاً عن ابراهام لنكولن تحت عنوان "الفاشل العظيم" وهو يروي قصة المتاعب التي لاقاها الرجل حتى مصرعه الأخير، نتيجة تمسكه بالمبدأ، ورغبته في عدم التخلي عنه مهما كان الثمن... عندما سقطت الظلمة على عيني ملتون قال له الأطباء: ينبغي أن تكف عن العمل إذا رمت أن تبقى على بصرك، أما هو فأجاب: كلا أن أكون أعمى وأتمم عمل الله وإرادته، خير عندي من أن أبصر بعيداً عن هذا العمل والإرادة،.. قد يفقد الشاب شيئاً ما، كان يمكن أن يحصل عليه، لو سلك السبيل العالمي، وقد يأتيه الشيطان ليهمس في أذنه، والآن ماذا أخذت؟!! وقد يصل إلى النقطة التي وصل إليها آساف: "غرت من المتكبرين إذ رأيت سلامة الأشرار" وثمة أمر آخر ضاعف الألم والصعوبة عند الرجل القديم، هو أنه المصاب الذي لم يحصد نتيجة سريعة يمكن أن تعطيه تعويضاً عما ضاع منه أو فاته إلى الدرجة التي اهتزت معها الأسس الدينية عنده: "حقاً قد زكيت قلبي باطلاً وغسلت بالنقاوة يدي"... وإنها مصيبة، وأية مصيبة أن يتقوض في أعماق الإنسان الإحساس الداخلي بقيمة الدين أو فائدته!!... إن مثوبة الحق الأولى والأهم، ليس في أنه يمكن أن يعطي مغنماً مادياً أو أدبياً، بل لأنه أولاً وقبل كل شيء هو الحق، ونقاوة القلب في حد ذاتها هي أهم مكافأة للإنسان حتى ولو عذب أو مات شهيداً،.. لكن المؤمن مع ذلك يعيش منتظراً نتيجة محسوسة لحياته الدينية في مواجهة المتطلبات والمشاكل التي تربطه بالعالم!!.. فإذا أضيف إلى ذلك أن المصاب كان قاسياً وشديداً، لأنه كان مكبوتاً: "لو قلت أحدث هكذا لغدرت بجيل بنيك".. وقد يهون المصاب إذا وجد المتألم أذنا تسمعه أو تعطف عليه،.. لكن آساف تحول إلى مرجل مكبوت شديد الغليان، ولعل مشاعره كانت ذات المشاعر التي أصابت إرميا عندما تحدث إلى الله قائلاً: "قد أقنعتني يا رب فاقتنعت وألححت علي فغلبت. صرت للضحك كل النهار كل واحد استهزأ بي لأني كلما تكلمت صرخت ناديت ظلم واغتصاب لأن كلمة الرب صارت للعار وللسخرية كل النهار فقلت لا أذكره ولا أنطق بعد باسمه فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي فمللت من الإمساك ولم أستطع" لم ينجح إرميا في الاحتفاظ بالصمت، والامتناع عن ذكر اسم الله، إذ ملأت النيران قلبه، وحاصرت عظامه، حتى تكلم ونطق،.. وكانت المشكلة بالنسبة لآساف تختلف إلى حد ما، فهو لا يريد أن يتكلم، وعلى وجه الخصوص أمام الشباب، لأنه لو تحدث إليهم عن الشكوك التي تملأ نفسه وصدره، لأجهز على إيمانهم الغض الحديث بالله،.. وقد انتهى الموقف بالنسبة للمصاب أنه أضحى واقفاً على حد الضياع والكارثة، وقد أضحت الطريق أمامه رخوة زلقة، كادت تزل معها قدماه، ولولا قليل لزلقت خطواته،.. لقد أضحى آساف أشبه بالمريض الذي يقف على الخط الفاصل بين الحياة والموت!!.. كان مرضه عميقاً، وكان مرضه خطيراً!!.. آساف والعلاج كيف أمكن أن يجد آساف علاجاً لهذا الضياع الذي أوشك أن يلم به؟؟ لقد وجد العلاج في تأدية الواجب رغم الشكوك العميقة التي كانت تملأ صدره، لقد كان آساف نبياً، ورائياً، وموسيقياً،.. وربما استمر سنوات متعددة يحيط الضباب برؤياه، وتحيط الأحزان بصنوجه وموسيقاه،.. لكنه لم يكف عن الخدمة، أو يتقاعس عن الرسالة أو يطوح بآلاته الموسيقية حتى يعود مرة أخرى إيمانه بالله،.. كانت المعركة الداخلية بينه وبين نفسه أمام الله،.. وكان أشبه بالواعظ الإنجليزي العظيم فردرك روبرتسن، الذي كانوا -لفرط بلاغته وإبداعه- يطلقون عليه "واعظ الوعاظ"، إذ كانت عظاته نموذجاً رائعاً يمكن أن يتعلم منه الوعاظ كيف يتكلمون ويعظون!!.. هذا الرجل خاض في حياته معركة من أقسى معارك الشك، حتى انتصر دون أن يتراجع أو يتقهقر عن الرسالة والخدمة،.. إن أعظم علاج للشك، هو الاستغراق في الخدمة، وبذل الجهد المتواصل فيها، إذ أن التجربة تفرخ دائماً في أحضان الفراغ والبطالة، والجندي الذي يشغل نفسه بالصراع في المعركة، ليس عنده من الوقت أو المجال ما يجعله ينساق هنا أو هناك وراء أحابيل الخطية أو شراكها المخادعة!!.. على أن آساف -مع ذلك- وجد المكان العظيم للانتصار على الوساوس والشكوك "مقادس العلي" حيث دخل هناك إلى الشركة العميقة مع الله،.. لقد عزل نفسه عن العالم، إذ أنه لا يستطيع أن يرى الرؤية الصحيحة، وزيف العالم أمام عينيه، ولا يستطيع أن يسمع صوت الله، وضجيج العالم يملأ أذنيه،.. ومن ثم فهو في حاجة إلى المكان الهاديء العميق في بيت الله، إلى الخلوة الصحيحة مع سيده وإلهه دون مقلق أو مزعج،.. ولعله السيد المسيح كان يقصد هذا المعنى عندما قال: "ادخل إلى مخدعك واغلق بابك"... فليس يكفي أن ندخل المخدع، بل نغلق الباب على كل ما يصل بيننا وبين العالم الخارجي بغروره وشروره وأوهامه وخياله، وهناك نتحدث إلى الله، وهناك نسمع صوته،.. هل نستطيع في الكنيسة والمخدع والعزلة مع الله، أن نواجه كافة المتاعب والمخاوف، والشكوك والصراع، ونجد الحل الذي نفتقر إليه ولا نجده في أي مكان آخر؟.. وقد وجد المصاب علاجه في صفاء الرؤية: “حتى دخلت مقادس العلي وانتبهت”.. لقد سقطت القشور عن عينيه، وانتبه، وماذا رأى؟.. لم يعد يرى المظاهر المخادعة، بل أضحى يبصر الرؤيا الحقيقية، ولم يعد الأشرار أمامه بالصورة القديمة، رآهم في سقوطهم الكامل العظيم،.. رأى مزالق الضياع، رأى البوار بل رأى الخراب المباغت، رأى الاضمحلال، رأى الدواهي المضنية، رآهم كالحلم العابر الذي ذهب كالخيال عند التيقظ،.. ولقد ملأت هذه الرؤية قلبه ونفسه، حتى أدرك أنه كان بليداً ولا يعرف وكان أشبه بالبهيم فيما تصور،.. لقد عرف كل ذلك عندما أدرك فكر الله ورأيه وهدايته في قلب المخاوف والوساوس،.. في الكلمة "انتبهت" الفرق الحاسم بين البصر والبصيرة، وبين ظاهر المنظر وعمق الحقيقة، ولعل هذا هو الذي دعا المرنم أن يقول: "اكشف عن عيني فأرى عجائب من شريعتك".. إذ لا يمكن أن يعثر الإنسان على الحقيقة من تلقاء نفسه دون مساعدة أو مساندة الله، في مقادس العلي!!.. عش حياة التأمل والصلاة، وادخل إلى عمق الشركة، وهناك تعثر على الحقيقة التي لا شك فيها!!... آساف والأغنية انجابت الزوبعة عن قلب الرجل، وصفا الجو من الغيوم الكثيفة التي حجبت الشمس، ورفع الرجل صوته مغنياً للرب الصالح، واستهل مزموره بالقول: "إنما صالح الله"، أو يمكن أن تكون العبارة: "بالتأكيد صالح الله".. أو أنه ليس هناك شك أو ريب في الله الصالح، أليس هذا عين ما قاله إرميا في مراثيه: "طيب هو الرب للذين يترجونه للنفس التي تطلبه" وقاله حبقوق بعد العاصفة النفسية التي اجتاحته: "فمع أنه لا يزهر التين ولا يكون حمل في الكروم يكذب عمل الزيتونة والحقول لا تصنع طعاماً ينقطع الغنم من الحظيرة ولا بقر في المذاود فإني أبتهج بالرب وأفرح بإله خلاصي الرب السيد قوتي ويجعل قدمي كالأيائل ويمشيني على مرتفعاتي".. من عهد غير بعيد حدث زلزال مروع في الجزء الغربي من الولايات المتحدة، وقد دمر هذا الزلزال كثيراً من المباني والممتلكات، غير أنه عوض أصحابها تعويضاً لم يكن في الحسبان إذ كشف في قلب الأرض التي مزقها عن مناجم غنية بالذهب،.. وكم تأتي التجارب القاسية بغنى الاختبارات، التي تؤكد أن الرب طيب وصالح وإلى الأبد رحمته!!... لقد تحدثنا في مطلع الأمر عن يوحنا بنيان، وما من شك أن دخوله إلى السجن كان بمثابة الكارثة المروعة له،.. لقد أراد أن يبشر جيله، في الكنيسة الصغيرة التي كان يعظ فيها، وشاء له الله أن يمنع من ذلك، ليتكلم إلى عالم أوسع وأعظم، وأكثر امتداداً فيما كتب عن الرحلة الخالدة، من مدينة الهلاك إلى جبل صهيون وقاد أجيالاً وراء أجيال في سياحته العظيمة إلى المدينة الخالدة التي صانعها وبارئها الله!!... كان الرب صالحاً وهو يخرج من الآكل أكلاً ومن الجافي حلاوة!!كشف آساف في الدراما الخالدة التي كتبها لا عن الفصل الأول فقط في حياة الأشرار بل عن الفصل الأخير أيضاً، وقد تأكد الرجل أن الشر قد يكسب معركة، ولكنه لابد أن يخسر الحرب، وقد كان دقيقاً في التصوير إذ ربط بين يد الله الخفية، وبين المظهر الفجائي، ففي الوقت الذي نرى فيه يد الله في القول: "حقاً في مزالق جعلتهم أسقطتهم إلى البوار".. نجد الحوادث الظاهرة، أو أسباب الثانوية المباشرة: "كيف صاروا للخراب بغتة اضمحلوا فنوا من الدواهي".. وقد يتعجب الناس للسقوط المفاجيء، الذي قد يأتي في أوج المجد والقوة، حسب المظهر الخارجي،.. ولكن الشر أشبه بالنمل الأبيض، الذي يدخل في جسم الخشب ليأكل لبه، وعندما يستعمل الخشب في بناء المنازل أو الكباري، لا تلبث أن تنهار، وبهذا المعنى ينخر الشر والفساد والخطية في حياة أي فرد أو أمة، وتقوضها فجأة أبشع تقويض!!.. وقد رأى آساف كل هذا، وأمكنه أن يرى الله خلف كل هذه النهاية الرهيبة الداوية في حياة الأشرار،... وإذا قرأنا المزامير الأخرى خلاف المزمور الثالث والسبعين -والتي يعتقد أن آساف كاتبها- نجد الله لا يبدو في صورة الساكن الذي لا يتحرك أمام آثام الأشرار أو خطاياهم، بل نراه شديد القوة والبطش: "الله معروف في يهوذا اسمه عظيم في إسرائيل كانت في ساليم مظلته ومسكنه في صهيون هناك سحق القسى البارقة المجن والسيف والقتال".. "اللهم في القدس طريقك أي إله عظيم مثل الله أنت الإله الصانع العجائب عرفت بين الشعوب قوتك فككت بذراعك شعبك بني يعقوب ويوسف أبصرتك المياه يا الله أبصرتك المياه ففزعت ارتعدت أيضاً اللجج سكبت الغيوم مياها أيضاً سهامك طارت صوت رعدك في الزوبعة أضاءت المسكونة ارتعدت ورجفت الأرض في البحر طريقك وسبلك في المياه الكثيرة وآثارك لم تعرف هديت شعبك كالغنم بيد موسى وهرون" وغنى آساف آخر الأمر بالمكان الذي اختاره في هذه الدراما العظيمة، إذ أخذ مكانه إلى جانب الله: "ولكني دائماً معك أمسكت بيدي اليمنى برأيك تهديني وبعد إلى مجدك تأخذني" لم يعد يرى في السماء أو الأرض إلا شخص الله: "ونصيبي الله إلى الدهر" "أما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لي، جعلت بالسيد الرب ملجأي لأخبر بكل صنائعك".. أين هذا من المكان الآخر مكان الأشرار، ممن ابتعدوا عن الله، وكانوا بهذا كمن يرتكب الفسق والزنا "لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون تهلك كل من يزني عنك".. "لأن خارجاً الكلاب والسحرة والزناة والقتلة وعبدة الأوثان وكل من يحب ويصنع كذباً"... هل تعرف أيها القاريء الصديق: أين مكانك في مسرحية الحياة؟؟. كان هناك مبشر في نيويورك تعود أن يطرق نوافذ البارات، وعندما يطل السكارى والمعربدون يسمعونه يقول لهم: "لأن أجرة الخطية هي موت"... وهي الكلمة التي يستطيع آساف أن يقولها لكل البعداء عن الله،.. وفي الوقت عينه يستطيع أن ينادي المؤمنين، ولو في قلب المتاعب والآلام والتجارب... "وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا!!"...
المزيد
25 نوفمبر 2020

الأعذار و التبريرات

إن كنت يا أخي تريد أن تحيا في حياة التوبة الحقيقية, فلا تحاول أن تقدم أعذارًا وتبريرات عن كل خطية تقع فيها. فالتبريرات تعنى أن الإنسان يخطئ, ولا يريد أن يتحمل مسئولية أخطائه. ويعتبر كأنما كان الخطأ شيئًا طبيعيًا هناك أسباب دعت إليه, أو كأن لا خطأ في الأمر! فإن كان يجد لخطيئته ما يبررها, فكيف يتوب إذن عنها؟!التبريرات هي محاولة لتغطية الأخطاء, بإيجاد مبرر لها! وهكذا ما أسهل أن يستمر المخطئ فيها, وعذره معه ويظن بهذا أنه يخرج بلا لوم ولا عيب أمام الناس, وربما أمام نفسه أيضًا, لكي يريح ضميره إذا احتج عليه... ولكن حتى لو قبل الناس منه ما يقدمه من أعذار, وحتى لو استطاع هذا المخطئ أن يخدع نفسه ويخدّر ضميره ليقبل منه تلك التبريرات, فإن الله لا يقبلها, لأنه عالم بكل شيء وفاحص القلوب والنيات.حقًا ما أصدق الذي قال إن طريق جهنم مفروش بالأعذار والحجج والتبريرات إن الإنسان المتواضع- إذا أخطأ- يعترف بما ارتكبه من خطأ. أما غير المتواضع وغير التائب, فإنه يحاول أن يجد تبريرًا عند ارتكاب الخطيئة, وبعد ارتكابها أيضًا, وكلما دام الحديث عنها بصفة عامة ويؤسفني أن أقول إن توالى الأعذار والتبريرات عند مثل هذا الشخص تجعل القيم والمبادئ عنده تهتز... ومادام كل خطأ يمكن له تغطيته. فلا توجد إذن مثل يسير على مناهجها أو روحيات يتمسك بها وسنحاول هنا أن نذكر بعض الأعذار التي يعتذر بها البعض ممن لا يسلكون حسنًا في حياتهم. 1- يقولون كل الناس هكذا (الكل كده), فهل نشذ عن المجتمع؟وكأنهم بهذا يعتبرون أن الخطأ إذا صار عامًا, لا يلام عليه الفرد! أي صار الخطأ العام مبررًا لخطأ الفرد. وكأن نقائص المجتمع كله لم تعد تناقص! كلا, فالخطأ هو خطأ, عامًا كان أو خاصًا. ومن أجل هذا, يقوم المصلحون الاجتماعيون بإصلاح أخطاء مجتمعاتهم. وكذلك يهاجم تلك الأخطاء: أصحاب المبادئ من رجال القلم ومن الوعاظ.إن أبانا نوحًا البار لم يندمج مطلقًا في أخطاء وفساد المجتمع في أيامه, وهكذا نجا في الفلك مع أسرته. ويوسف الصديق كان يعبد الله, بينما كانت كل العبادات التي حوله فرعونية. والأبرار باستمرار يحتفظون بمبادئهم السامية مهما كان الخطأ عامًا. وعلى العكس- يمكن أن يقال- إن الخطأ إذا كان منتشرًا, فهذا يحتاج إلى حرص أكبر لتفاديه.وهكذا أنت, عش بروحياتك السليمة, حتى لو عشت بها وحدك وإن لم تستطع أن تؤثر على المجتمع وترفعه إلى مستوى أعلى فعلى الأقل لا تندمج في الأخطاء المنتشرة, ولا تجعلها تؤثر عليك.والمفروض في الإنسان البار أن يطيع ضميره ولا ينجرف مع التيار الخاطئ. 2- البعض يعتذر بالعوائق, بينما يليق بالأقوياء أن ينتصروا على العوائق إن القلب القوى يمكنه أن يجد وسائل عديدة لتنفيذ الغرض النبيل الذي يهدف إليه, مهما صادفته عقبات وعوائق.. يقول الآباء الروحيون "إن الفضيلة تريدك أن تريدها لا غير". نعم, يكفى أن تريد, وحينئذ تجد النعمة تفتح أمامك أبوابًا كانت مغلقة إذن لا تعتذر بالعوائق, إنما ضع أمامك أن تنتصر عليها.. ولا تكن دوافعك الداخلية إلى عمل الخير ضعيفة بحيث تمنعها العوائق. 3- يعتذر البعض بشدة الضغوط الخارجية, أو بعنف الإغراء الخارجي.ولكن القلب الثابت من الداخل, لا يقبل أن يخضع لأي ضغوط خارجية, ولا يسقط بسببها, ولا يتخذها تبريرًا لسقوطه. إنما يبرر سقطته بسبب الضغوط الخارجية, ذلك الشخص الذي ليست محبته للفضيلة قوية.وخذوا يوسف الصديق كمثال رائع للانتصار على الضغط الخارجي الذي وقع عليه من امرأة سيده. فهي التي كانت تطلب منه الخطيئة, وتلح عليه, وهو تحت سلطانها تسئ إلى سمعته في حالة رفضه لها. ولكنه كان أقوى من الأغراء, وانتصر ولم يبالِ بما يحدث له... 4- قد يعتذر البعض بأنه ضعيف, والوصية صعبة!ربما تقول بأنك ضعيف, إم لم تضع معونة الله في اعتبارك. فأنت لست وحدك, إنما معك النعمة الإلهية التي تسند الضعفاء. ثم لا تقل عن وصية الله إنها صعبة لأنها لو كانت صعبة, ما كان الله أمر بها. كيف يأمر بما لا يمكن تنفيذه؟! إنه لا يأمرنا بالمستحيل. بل عندما يعطى الله وصية, إنما يمنح في نفس الوقت القدرة على تنفيذها طوباهم أولئك الجبابرة الذين انتصروا على قلوبهم من الداخل, ولم يعتذروا بصعوبة الوصية كما نفعل نحن في تبرير أنفسنا..! 5- هناك من يقصّر في أمور العبادة من صلاة وتسبيح وصوم وقراءات مقدسة, معتذرًا بأن نقاوة القلب تكفى, والله هو أله قلوب!فمن الذي قال إن نقاوة القلب تغنى عن هذه الممارسات الروحية؟!إن الإنسان البار يجمع بين الأمرين معًا: نقاوة القلب وكل الممارسات الروحية التي هي ثمرة طبيعية لنقاوة القلب.وما أعمق عبارة "افعلوا هذه, ولا تتركوا تلك". قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل