المقالات

05 يوليو 2023

الخادم الروحي

هناك سؤال يجول في نفس وفي أعماقي أحقًا نحن خدام؟ سهل أن يرتئي الواحد منا فوق ما ينبغي (رو3:12) ويظن أنه خادم الله!! بينما الخدمة في أعماقها الروحية لها مقاييس عالية، ربما نحن لم نصل إليها أو ربما نكون قد بدأنا كخدام روحيين، ولكننا لم نحتفظ بهذا الطابع طول الطريق فلنبحث إذن معًا من هو الخادم؟ الخادم الروحي هو لحن جميل في سمع الكنيسة، وأيقونة طاهرة يتبارَك بها كل من يراها وهو سلّم يصل إلى السماء دائمًا، يصعد عليه تلاميذه إلى فوق هو جسر ينقل غيره من شاطئ العالميات إلى شاطئ الروحيات، أو ينقلهم من الزمن إلى الأبديةهو صوت الله إلى الناس وليس صوتًا بشريًا، بل هو فم يتكلم منه الله، ينتقل إلى الناس كلمة الله. الخادم الروحي هو نعمة إلهية أرسلت من السماء إلى الأرض هو زيارة من زيارات النعمة، يفتقد بها إلهه بعضًا من شعبه يقدم لهم مذاقة الملكوت وطعم الحياة الحقيقية. الخادم الروحي هو إنجيل متجسد، أو هو كنيسة متحركة هو صورة الله أمام تلاميذه هو نموذج للمثل العليا، وقدوة للعمل الصالح، ووسيلة إيضاح لكل الفضائل. الخادم الروحي يشعر بالدوام أنه في حضرة الله وتكون الخدمة بالنسبة إليه كمذبح مقدس، وعمله فيها رائحة بخور مهمة الخادم الروحي هي إدخال الله في الخدمة وهو يردد في قلبه قول المرتل في المزمور "إن لم يبني الرب البيت، فباطلًا تعب البناءون" (مز1:126) . الخادم الروحي له باستمرار شعور الانسحاق وعدم الاستحقاق يشعر أنه فوق مستواه أن يعمل على إعداد قديسين، وأن يهيئ للرب شعبًا مبررًا (لو7:1)، مدركًا تمامًا أن تخليص النفوس البشرية أمر أعلى منه إنه عمل الله وإن اشتراكه مع الله في العمل، وشركته مع الروح القدس في بناء الملكوت وفي تطهير القلوب، كلها أمور لا يستحقها ولكنه على الرغم من شعوره بعدم الاستحقاق، فلا يهرب من الخدمة، بل يدفعه هذا الشعور إلى مزيد من الصلاة، حيث يقول للرب باستمرار هذه الخدمة يا رب هي عملك وليس عملي وأنت لابد ستعمل بي أو بغيري وأنا مجرد متفرج أتأمل عملك وأفرح وأسر (يو29:3) حقًا "ليس الغارس شيئًا، ولا الساقي شيئًا لكن الله الذي ينمي" (1كو7:3) فأعمل يا رب عملك، وفرّح قلوب أولادك ولا تمنع عنهم نعمة روحك القدوس بسبب أخطائي أو ضعفاتي أو تقصيري وهكذا بلجاجته في الطلب، ينال الخادم نعمة من الله وعندما تنجح الخدمة، يعطي مجدًا للرب الذي عمل العمل كله الخادم الروحي هو باستمرار رجل صلاة بالصلاة يخدم أولاده وبالصلاة يحل مشاكل الخدمة وتكون الصلاة بالنسبة إليه كالنفس الداخل والخارج، كما قال الآباء بعض الخدام يظنون أن غاية الإخلاص للخدمة، هي أن يعملوا أما الخادم الروحي فيرى أن غاية الإتقان هي أن يعمل الله ليس معنى هذا أن يكسل ولا يعمل!! كلا، بل هو يعمل بكل جد وبكل بذل، ولكن ليس هو، بل الله الذي يعمل فيه كما قال القديس بولس الرسول "لكن لا أنا، بل نعمة الله التي معي" (1كو10:15) وكما قال أيضًا "لكي أحيا لا أنا، بل المسيح الذي يحيا فيّ" (غل20:2). الخادم الروحي هو شعلة متقدة بالنار هو غيرة ملتهبة لخلاص النفس يقول مع داود النبي "لا أدخل إلى مسكن بيتي، ولا أصعد على سرير فراشي، ولا أعطي لعيني نومًا، ولا لأجفاني نعاسًا إلى أن أجد موضعًا للرب (في قلب كل أحد) (مز131). الخادم الروحي هو رائحة المسيح الذكية (2ك 15:2) يشتم منه الناس رائحة المسيح، لأنه رسالته المقروءة من جميع الناس هو محرقة رائحة سرور للرب (لا1)، تشتعل فيها النار الإلهية، نار تتقد ولا تطفأ، حتى تحولها إلى رماد. صفات الخادم الروحي 1- الخادم الروحي هو حركة دائبة دائمة متجهة نحو الله أو هو حركة داخل قلب الله، بسبب حركة إلهية داخل قلبه إن يتعب دائمًا لأجل راحة الآخرين وراحته الحقيقية في أن يوصل كل إنسان إلى قلب الله هو شمعة تنير لكل من هو في مجال نورها وقد تذوب حرارة وحبًا لكي يستضئ الناس بها، ولكي يتحقق قول الرب "أنتم نور العالم" (مت14:5). 2- الخادم الروحي هو إنسان دائم الصراع مع الله يجاهد مع الثالوث القدوس، من أجل نفسه ومن أجل الناس لكي يأخذ منه وعدًا لأجل المخدومين، حتى تصير أنفسهم ناجحة (3يو2) ومقبولة أمام الله.. 3- الخادم الروحي هو روح، وليس مجرد عقل. ليس مجرد مدرس، ولا مجرد حامل معلومات ينقلها إلى الناس بل هو روح كبيرة اتحدت مع الله، واختبرت الحياة معه، وذاقت ما أطيب الرب وتريد أن تنقل هذه الحياة إلى غيرها تنقلها بالمشاعر، بالمثال الحي، بالقدوة الصالحة، بالصلاة والابتهال لأجل المخدومين إنه لا يلقي دروسًا، بل هو نفسه الدرس إنه العظة قبل أن يكون واعظًا.. إنه يدرك أن تحضير الدرس أو العظة ليس مجرد تحضير المعلومات، إنما هو تحضير ذاته، لتكون صالحة لعمل الروح فيه.. يذكر باستمرار قول الرب "من أجلهم أقدس أنا ذاتي، لكي يكونوا هم أيضًا مقدسين في الحق" (يو19:17) ويضع أمامه العبارة التي قالها القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف "لاحظ نفسك والتعليم، وداوم على ذلك. لأنك إن فعلت ذلك تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضا" (1 تي16:4). 4- الخادم الروحي لا يتحاج تلاميذه إلى افتقاد: لأنهم من تلقاء ذاتهم يشتهون درسه اشتهاء. وعندما يرونه في الكنيسة، يكونون كمن وجد غنائم كثيرة أنهم ينتفعون من منظره ومن معاملاته، كما ينتفعون من كلامه وربما أكثر كما أنه يستطيع أن يربطهم بالحب برباط قوي يجذبهم بشدة إلى الله وإلى الكنيسة. إن درسه شهوة لنفوسهم ولأرواحهم ولقلوبهم ولعقولهم. 5- الخادم الروحي يحب تلاميذه، ويحب خلاص نفوسهم محبته لهم هي جزء من محبته لله وملكوته. وهو يحبهم كما أحب المسيح تلاميذه وقيل عنه إنه "أحب خاصته الذي في العالم. أحب حتى المنتهى" (يو1:13) الخادم الروحي يحب الله من كل قلبه ويريد أن تلاميذه يحبون الله مثله فإن أحبوا الله تزداد محبته لهم إعجابًا بروحهم وإن سقط بعضهم، تزداد محبته لهم إشفاقًا عليهم وسعيًا لإنقاذهم وبهذا الحب كله، يعطيهم صورة مشرقة عن الدين وعن الله. 6- الخادم الروحي، أولاده روحيون مثله: لأنه يربيهم في حياة الروح، فيكونون على شبه ومثاله وعلى نفس القياس: الخادم الاجتماعي أولاده اجتماعيين والخادم العقلاني الذي لا يهتم إلا بالعِلم، يكون أولاده مجرد كتب تحمل معلومات ما أصدق قول الكتاب في قصة الخليقة، إن الله خلق "شجرًا ذا ثمر، يعمل ثمرًا كجنسه شجرًا يعلم ثمرًا، بذره فيه كجنسه" (تك11:1، 12) إن كان الأمر هكذا، فلنحترس نحن كيف نكون.. لأنه على شبهنا ومثالنا سيكون أولادنا. 7- الخادم الروحي يشعر أن أولاده أمانه في عنقه: سيعطي عنهم حسابًا أمام الله في يوم الدين. أنهم أولاد الله وقد تركهم في يديه ليقوم بخدمتهم "ويعطيهم طعامهم في حينه" (لو42:12) لذلك هو يعمل على الدوام بخوف الله، شاعرًا بمسئوليته أريد من كل خادم أن يسأل نفسه عن ثلاثة أمور روحانية خدمته، وروحانية حياته، وروحانية أولاده روحانية حياته من أجل أبديته وخلاص نفسه، وبسبب تأثير حياته على مخدوميه. وروحانية خدمته حتى تكون ذات تأثير مثمر في إيجاد جيل روحاني أما عن روحانية أولاده فتحتاج منه إلى جهد وصبر وطول أناة. 8- الخادم الروحي يطيل باله جدًا، حتى تنبت بذوره وتنمو: وحتى تخضر وتزهر وتثمر ولا يضيق صدره ولا ييأس إن تأخر إنباتها أو إثمارها إنما يجاهد على قدر ما يستطيع، ويشرك الله معه، ويضع أمامه قول الرسول "يجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل ضعفات الضفعاء" (رو1:15) إن بعض النفوس لا تعطي ثمرًا سريعًا وبعضها لا يستطيع أن يتخلص من أخطائه بسرعة وهؤلاء وأولئك يحتاجون إلى من يطيل روحه عليهم حتى يخلصوا كما يطيل الله أناته علينا، ليقتادنا إلى التوبة (رو4:2) قال القديس يوحنا ذهبي الفم إن كان الجنين الجسدي يحتاج إلى شهور طويلة إلى أن يتكامل نموه ويخرج، فلنصبر إذن على الجنين الروحي حتى يكمل نموه. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي
المزيد
28 يونيو 2023

الخادم الروح

هناك سؤال يجول في نفس وفي أعماقي أحقًا نحن خدام؟ سهل أن يرتئي الواحد منا فوق ما ينبغي (رو3:12) ويظن أنه خادم الله!! بينما الخدمة في أعماقها الروحية لها مقاييس عالية، ربما نحن لم نصل إليها أو ربما نكون قد بدأنا كخدام روحيين، ولكننا لم نحتفظ بهذا الطابع طول الطريق فلنبحث إذن معًا من هو الخادم؟ الخادم الروحي هو لحن جميل في سمع الكنيسة، وأيقونة طاهرة يتبارَك بها كل من يراها وهو سلّم يصل إلى السماء دائمًا، يصعد عليه تلاميذه إلى فوق هو جسر ينقل غيره من شاطئ العالميات إلى شاطئ الروحيات، أو ينقلهم من الزمن إلى الأبديةهو صوت الله إلى الناس وليس صوتًا بشريًا، بل هو فم يتكلم منه الله، ينتقل إلى الناس كلمة الله. الخادم الروحي هو نعمة إلهية أرسلت من السماء إلى الأرض هو زيارة من زيارات النعمة، يفتقد بها إلهه بعضًا من شعبه يقدم لهم مذاقة الملكوت وطعم الحياة الحقيقية. الخادم الروحي هو إنجيل متجسد، أو هو كنيسة متحركة هو صورة الله أمام تلاميذه هو نموذج للمثل العليا، وقدوة للعمل الصالح، ووسيلة إيضاح لكل الفضائل. الخادم الروحي يشعر بالدوام أنه في حضرة الله وتكون الخدمة بالنسبة إليه كمذبح مقدس، وعمله فيها رائحة بخور مهمة الخادم الروحي هي إدخال الله في الخدمة وهو يردد في قلبه قول المرتل في المزمور "إن لم يبني الرب البيت، فباطلًا تعب البناءون" (مز1:126) . الخادم الروحي له باستمرار شعور الانسحاق وعدم الاستحقاق يشعر أنه فوق مستواه أن يعمل على إعداد قديسين، وأن يهيئ للرب شعبًا مبررًا (لو7:1)، مدركًا تمامًا أن تخليص النفوس البشرية أمر أعلى منه إنه عمل الله وإن اشتراكه مع الله في العمل، وشركته مع الروح القدس في بناء الملكوت وفي تطهير القلوب، كلها أمور لا يستحقها ولكنه على الرغم من شعوره بعدم الاستحقاق، فلا يهرب من الخدمة، بل يدفعه هذا الشعور إلى مزيد من الصلاة، حيث يقول للرب باستمرار هذه الخدمة يا رب هي عملك وليس عملي وأنت لابد ستعمل بي أو بغيري وأنا مجرد متفرج أتأمل عملك وأفرح وأسر (يو29:3) حقًا "ليس الغارس شيئًا، ولا الساقي شيئًا لكن الله الذي ينمي" (1كو7:3) فأعمل يا رب عملك، وفرّح قلوب أولادك ولا تمنع عنهم نعمة روحك القدوس بسبب أخطائي أو ضعفاتي أو تقصيري وهكذا بلجاجته في الطلب، ينال الخادم نعمة من الله وعندما تنجح الخدمة، يعطي مجدًا للرب الذي عمل العمل كله الخادم الروحي هو باستمرار رجل صلاة بالصلاة يخدم أولاده وبالصلاة يحل مشاكل الخدمة وتكون الصلاة بالنسبة إليه كالنفس الداخل والخارج، كما قال الآباء بعض الخدام يظنون أن غاية الإخلاص للخدمة، هي أن يعملوا أما الخادم الروحي فيرى أن غاية الإتقان هي أن يعمل الله ليس معنى هذا أن يكسل ولا يعمل!! كلا، بل هو يعمل بكل جد وبكل بذل، ولكن ليس هو، بل الله الذي يعمل فيه كما قال القديس بولس الرسول "لكن لا أنا، بل نعمة الله التي معي" (1كو10:15) وكما قال أيضًا "لكي أحيا لا أنا، بل المسيح الذي يحيا فيّ" (غل20:2). الخادم الروحي هو شعلة متقدة بالنار هو غيرة ملتهبة لخلاص النفس يقول مع داود النبي "لا أدخل إلى مسكن بيتي، ولا أصعد على سرير فراشي، ولا أعطي لعيني نومًا، ولا لأجفاني نعاسًا إلى أن أجد موضعًا للرب (في قلب كل أحد) (مز131). الخادم الروحي هو رائحة المسيح الذكية (2ك 15:2) يشتم منه الناس رائحة المسيح، لأنه رسالته المقروءة من جميع الناس هو محرقة رائحة سرور للرب (لا1)، تشتعل فيها النار الإلهية، نار تتقد ولا تطفأ، حتى تحولها إلى رماد. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي
المزيد
21 يونيو 2023

عناصر القوة في الخدمة

أهمية الخدمة هي ما فيها من قوة ومن عمق، وما فيها من حب وبذل ما فيها من تأثير، ومن تغيير للناس وليس الأمر مسألة ضخامة المسئوليات، أو شهرة المكان، أو كثرة المخدومين، أو طول مدة الخدمة، وسائر هذه الأمور الجانبية وسنحاول هنا أن نتناول بالتفصيل بعض نواحي القوة في الخدمة، فنذكر منها:- 1- الكلمة المؤثرة ظهرت هذه في خدمة السيد المسيح له المجد انظروا دعوة متى الإنجيلي مثلًا: يقول الكتاب "وفيما هو مجتاز رأى لاوي بن حلفى جالسًا عند مكان الجباية، فقال له اتبعني. فقام وتبعه" (مر2: 14) (مت9: 9).. إنها مجرد كلمة قالها لإنسان جالسًا في موضع مسئولية مالية. قالها الرب له، فترك مسئوليته، وقام وتبعه، دون أن يسأل إلى أين؟ ونفس قوة الكلمة وتأثيرها في الدعوة.. ظهرت في دعوة الرسل الأربعة الصيادين يسجل ذلك القديس مرقس الإنجيلي فيقول"وفيما هو يمشي عند بحر الجليل، أبصر سمعان وأندراوس أخاه يلقيان شبكة في البحر – فإنهما كانا صيادين – فقال لهما يسوع هلمَّ ورائي فأجعلكما تصيران صيادي الناس. فللوقت تركا شباكهما وتبعاه. ثم اجتاز من هناك قليلًا، فرأى يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه، وهما في السفينة يصلحان الشباك، فدعاهما للوقت، فتركا أباهما زبدي في السفينة مع الأجراء، وذهبا وراءه" (مر1: 16 – 20) بتأثير قوة الدعوة، تركوا كل شيء، وللوقت.. أي بدون تردد، وبدون إبطاء، وبدون جدال، تركوا السفينة والشباك والأب، ومصدر الرزق. بل قال بطرس للرب ملخصًا كل ذلك".. تركنا كل شيء وتبعناك" (مت19: 27).. ذلك لأن كلمة الدعوة كانت لها قوتها، فحدثت الاستجابة لها بسرعة، لأنها اخترقت القلب والفكر والإرادة وكما كانت قوة الكلمة في الدعوة، كانت للسيد أيضًا قوته في الوعظ والتعليم لما أكمل عظته على الجبل، قيل عنه "بُهتت الجموع من تعليمه، لأنه كان يكلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة" (مت7: 28، 29). وقيلت نفس العبارة عن تعليمه في كفر ناحوم "فبهتوا من تعليمه، لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة" (مر1: 22) وكانت له قوة الكلمة في إقناعه من يحاورهم إنه المنطق العجيب والدليل القوي الذي شرح به للكتبة والفريسيين جواز فعل الخير في السبوت (مت12: 1- 12). وكذلك في موضوع القيامة، قيل إنه "أبكم الصدوقيين" (مت22: 34). وبعد ردوده القوية على الناموسيين والفريسيين، قيل "فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة. ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله البتة" (مت22: 46) والكلمة كان لها تأثيرها أيضًا في عاطفيتها وحبها مثل قوله لزكا العشار "أسرع وانزل لأنه ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك" (لو19: 5).. كلمة في عمق محبتها وتواضعها قادت ذلك الرجل الخاطئ إلى التوبة، فقال "ها أنا يا رب أعطي نصف أموالي للمساكين. وإن كنت قد وشيت بأحد، أرد أربعة أضعاف".. وهكذا بكلمة من الرب لها قوتها، حدث خلاص لذلك البيت إن قوة الكلمة المؤثرة نراها أيضًا في خدمة آبائنا الرسل. عظة واحدة ألقاها بطرس الرسول في يوم الخمسين، كانت نتيجتها أن اليهود نُخسوا في قلوبهم، وانضم إلى الإيمان ثلاثة آلاف نفس، واعتمدوا جميعهم (أع2: 37- 41). وقبلوا ذلك بفرح وقوة الكلمة تظهر في خدمة بولس الرسول أيضًا. حتى أنه وهو أسير يُحاكم أمام فيلكس الوالي، "بينما يتكلم عن البر والتعفف والدينونة العتيدة، ارتعب فيلكس الوالي" (أع24: 25). وفي محاكمته أمام أغريباس الملك، قال له ذلك الملك "بقليل تقنعني أن أصير مسيحيًا" (أع26:28). 2- قوة البذل البعض قد يستريح للخدمة السهلة التي لا تعب فيها ولا صعوبة. ولكن قوة الخدمة تظهر في صعوبتها واحتمال هذه الصعوبة، بكل بذل وفرح مثال ذلك خدمة القديس بولس الرسول "تعب وكدّ، في أسهار مرارًا كثيرة، في جوع وعطش.. في برد وعُري بأسفار مرارًا كثيرة، بأخطار سيول، بأخطار لصوص، بأخطار في المدينة، بأخطار في البرية، بأخطار في البحر.." (2كو11: 26، 27) "في صبر كثير، في شدائد في ضرورات في ضيقات، في ضربات في سجون، في اضطرابات في أتعاب، في أسهار في أصوام" (2كو6: 4، 5) ومع ذلك يقول "كحزانَى ونحن دائمًا فرحون" (2كو6: 10) الخدمة الروحية تعب من أجل الرب وملكوته، وهي جهاد وتعب من أجل خلاص النفس. وقيل عنها "كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه" (1كو3: 8). وهكذا كانت خدمة الآباء الرسل. بدأت وسط اضطهادات الرومان، ودسائس اليهود، ومعارضة وشكوك الفلاسفة الوثنيين، وعذابات الاستشهاد، وفي أماكن جديدة، لا مؤمنون فيها ولا كنائس ولا أية إمكانيات.. وبلا كيس ولا مزود وكمثال لذلك خدمة القديس مار مرقس الرسول دخل الإسكندرية، فقيرًا بحذاء ممزق، حيث لا مسيحيون هناك، ولا كنائس، بل توجد ديانات عديدة: منها آلهة الرومان بقيادة جوبتر Jupiter، وآلهة اليونان بقيادة زيوس Zeus، والعبادات الفرعونية بقيادة آمون ورع، وكذلك اليهودية في اثنين من أحياء الإسكندرية ومكتبة الإسكندرية الحافلة بمئات الآلاف من كتب الوثنيين وعدم وجود أية إمكانيات على الإطلاق ولكن مار مرقس صبر وجاهد، حتى حوّل الجميع إلى مسيحيين ماذا نقول أيضًا عن الذين بشروا في بلاد أهلها من أكلة لحوم البشر؟! إن الخدمة التي يبذل فيها الإنسان ويتعب، هي الخدمة الحقيقية ومقياس التعب والبذل، هو مقياس أساسي في الخدمة مثال ذلك خادم يتعب ويحتمل من أجل تهذيب تلميذ مشاكس في فصل، أو أم تتعب في تربية ابن عنيد، أو كاهن يتعب في خدمة أو في رعاية الحالات الصعبة، أو في المشاكل العائلية المعقدة مقياس آخر للخدمة هو عنصر العمق. 3- عنصر العمق أعمال عظيمة قام بها أنبياء ورسل في خدمة. ولكن لا يوجد واحد منها يوازي طاعة أبينا إبراهيم في ذهابه لتقديم ابنه الوحيد محرقة للرب (تك22) هنا عمق معين يعطي لعمله وزنًا خاصًا وقيمة ليست لأي عمل آخر. هنا إيمان وبذل، ومحبة نحو الله أكثر من محبته للابن الوحيد ابن المواعيد وكثيرون قدموا عطايا مالية لبيت الله. ولكن فاقت كل هؤلاء الأرملة التي ألقت الفلسين في الصندوق. وعمق عطائها أنه كان من أعوازها (لو21: 4) وما أكثر الذين حاربوا حروب الرب بقوة وانتصروا. ولكن فاق كل هؤلاء تقدم الصبي داود بحصاة في مقلاعه ليحارب بها جليات الجبار الذي أخاف الجيش كله لقد كان في تقدمه للمحاربة إيمان عميق بأن الحرب للرب، والله هو الذي سيدفع ذلك الجبار إلى يديه (1صم 16) إنك قد تلقي مائة درس في مدارس الأحد ولكن كلها لا تكون عند الله مثل مرة واحدة كنت فيها مريضًا ومرهقًا، ومع ذلك لم تستسلم لهذا العذر، وذهبت إلى الخدمة مفضلًا الخدمة على نفسك أو أنك ذهبت لتخدم في أيام امتحان، وأنت محتاج إلى كل دقيقة من وقتك هنا للخدمة عمق خاص إن الله لا يقيس الخدمة بكثرتها، وإنما بعمقها ونوعيتها هناك مقياس آخر لعمق الخدمة هو الخدمة في الخفاء. 4- الخدمة في الخفاء الخدمة المُخفاة تكون أعمق من الخدمة الظاهرة. الخدمة الظاهرة قد ينال منها الخادم شهرة أو مديحًا. وهكذا لا تكون كلها للمخدومين أو لله كما هو الحال في الخدمة المخفاة. ومع ذلك فالخدمة الخفية قد تكون أقوى إن الناس يعجبون بالبناء الشاهق الجميل في منظره وفي هندسته ولا يتحدثون إطلاقًا عن الأساس القوي المخفي تحت الأرض، الذي يحمل هذا البناء كله، ويعمل عمله في خفاء والناس يعجبون بلمبات الإنارة التي تبهرهم بضوئها. ولا يفكر أحد في المولد الكهربائي الذي يغذي هذه اللمبات بالنور، والذي لولاه ما كانت تضئ ويقينًا هو العنصر الأقوى والأساسي. وبنفس الأسلوب قد يعجب الناس بالسيارة الفخمة في منظرها الخارجي، أما الموتور القوي الذي يحركها فلا يفكر فيه أحد، لكنه يعمل عمله في خفاء وهكذا في الخدمة، قد يعجب الناس بنجاحها وبمجهود الخادم فيها. ولا أحد يفكر في الصلوات التي رُفعت من أجلها، وكانت السبب في نجاحها هذه الصلوات هي الخدمة الخفية القوية كلنا نذكر سفر لعازر الدمشقي للحصول على زوجة مؤمنة لإسحق ابن سيده إبراهيم، وكيف نجح في مهمته، وعاد معه برفقة. ولكن من يذكر صلوات إبراهيم التي رفعت من أجل لعازر الدمشقي، وكانت السبب في نجاحه ولذلك قال ذلك العبد الأمين لأهل رفقة "لا تعوقوني والرب قد أنجح طريقي" (تك24: 56). وكيف أنجح الرب طريقه؟ يرسل ملاكه معك وينجح طريقك" (تك24: 40) حقًا إن الصلاة هي خدمة مخفاة وهكذا قال القديس بولس الرسول لأهل أفسس "مصلين بكل صلاة وطلبة لأجل جميع القديسين ولأجلي، لكي يُعطَى لي كلام عند افتتاح فمي" (أف6: 18، 19) كلام الواعظ هو الخدمة الظاهرة. أما أمثال صلاة أهل أفسس فهي خدمة مخفاة. يضاف إليها في أيامنا، خدمة الافتقاد التي تأتي بسامعين يسمعون العظة.. وكذلك خدمة كل الذين يرتبون للاجتماع وينظمونه الاجتماعات العامة خدمة ظاهرة ولكن تقبل الاعترافات وقيادة الخطاة إلى التوبة هي خدمة مخفاة وقد يوجد في إحدى الكنائس كاهنان أحدهما يعظ ويحضر الكثيرون لسماعه، وخدمته ظاهرة للكل بينما زميله الآخر ليست له اجتماعات للوعظ. ولكنه يقضي الساعات الطويلة يستمع إلى الاعترافات، ويقود المعترفين إلى التوبة، ويرشدهم، ويصلي لأجلهم. وخدمته هذه عميقة الأثر جدًا وهكذا كان القمص ميخائيل إبراهيم وربما من أمثلة الخدمة المُخْفَاة: العمل الفردي. 5- العمل الفردي إن خدمة المجموعات الكبيرة لها صفة العمومية. وقد تحدث تأثيرًا عامًا، لا تتلوه متابعة.. أما الخدمة الفردية، ففيها التخصص، وفيها المتابعة. وهذا أعمق. 6- الخدمة الصامتة وأعني بها خدمة القدوة. وهي خدمة عملية وليس فيه الحديث عن الفضيلة والقداسة، وإنما تقديم النموذج أو المثال العملي لها، بدون شرح أو كلام وهي خدمة أكثر عمقًا، حتى إن كان صاحبها لا يُحسب بين الخدام. إنه ليس واعظًا، ولكنه هو نفسه العظة، يتعلم الناس من حياته لا من كلماته. وإن تكلم يتعلمون منه أسلوب الكلام الروحي يذكرني هذا النوع من الخدمة بأحد الآباء الذي لم يطلب من القديس الأنبا أنطونيوس كلمة منفعة، وإنما قال له "يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي.." ولعله من هذا النوع تنبثق خدمة أخرى هي خدمة البركة. 7- خدمة البركة كما قال الرب لأبينا إبرآم حينما دعاه "أباركك وتكون بركة" (تك12: 2) وهكذا نجد أن يوسف الصديق كان بركة في أرض مصر، وكان بركة من قبل في بيت فوطيفار. وكان إيليا النبي بركة في بيت أرملة صرفة صيدا. وكان أليشع النبي بركة في بيت الشونمية.. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي
المزيد
14 يونيو 2023

تابع مقاييس الخدمة ونجاحها

1- عظمة المكان قد ينسبون أهمية الخادم إلى أهمية وعظمة المكان الذي يخدم فيه، كأنما خدمته تستمد قدر عظمتها من المكان، وليس من الشخص، ولا من عمق ونوعية الخدمة. والواقع غير ذلك ومن أمثلة ذلك القديس غريغوريوس النيازينزي. ينتسب إلى بلدة نيازينزا التي صار أسقفًا لها، وربما لا يعرف أحد تحديد مكانها بالضبط، غير أنها كانت إحدى مدن قيصارية كبادوكية التي تتبع للقديس باسيليوس الكبير غير أن القديس غريغوريوس لم يستمد عظمته وشهرته من عظمة المدينة التي يخدمها، وإنما من شخصيته اللاهوتية ومحاضراته العميقة التي ألقاها عن الثالوث القدوس، حتى أن الكنيسة منحته لقب "الناطق بالإلهيات". إيبارشيته لم تمنحه الشهرة، إنما هو الذي منح الشهرة لبلدة نيازينزا المجهولة بالنسبة إلى الكثيرين. مثله أيضًا القديس أغريغوريوس أسقف نيصص وهو أخو القديس باسيليوس الكبير. وقد رسمه أخوه على نيصص، التي لا يعرف الكثيرون مكانها. ولكنها ضمن إيبارشية قيصارية كبادوكية. هي بلدة غير مشهورة، الذي سجل اسمها في التاريخ هو أسقفها القديس غريغوريوس، الذي كتب كثيرًا ضد الأريوسيين وله تأملات كثيرة، وكتاب عن التطويبات.لا يقل أحد إذن أن خدمتي فقدت قيمتها لأنها في بلدة صغيرة أو في قرية!! ولو إنني خدمت في مدينة كبيرة، لكان لي شأن آخر!! إن السيد المسيح ولد في قرية صغيرة هي بيت لحم "الصغرى في يهوذا" (مت2: 6) وانتسب إلى مدينة الناصرة، التي كان يعجب البعض هل يخرج منها شيء صالح!! (يو1: 46). ولكنه مع ذلك أعطى الناصرة شهرة في التاريخ. وكان يدعى "يسوع الناصري" (مت26: 71). وفي نفس الوقت أيضًا منح شهرة لقرية بيت لحم، فصارت مزارًا مقدسًا خدّام آخرون يقيسون (عظمتهم) في الخدمة بطول مدة هذه الخدمة. ويعتبرون هذا نوط تقدير للخدمة! 1- طول مدة الخدمة البعض يقيس قوة الخادم بطول مدة خدمته. ومن هنا جاء تعبير (الخدام القُدَامَى). وفي الحقيقة ليس هذا مقياسًا سليمًا. فقد يوجد خدّام لهم مدة أقصر من غيرهم، ولكنها أكثر إنتاجًا وأعظم أثرًا. يوحنا المعمدان خدم سنة أو سنتين بالأكثر. ولكنه استطاع خلال تلك الفترة القصيرة أن يهيئ الطريق أمام الرب، ويعدّ له شعبًا مستعدًا ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته (لو1: 17) والسيد المسيح نفسه كانت خدمة تجسده قصيرة! حوالي ثلاث سنوات وثلث، قال عنها للآب: العمل الذي أعطيته قد أكملته (يو17:4). وقال عنها أيضًا "أنا مجدتك على الأرض".. أتم الفداء، والتعليم، وقدم القدوة، وصحح الأخطاء، وأعاد الصورة الإلهية للناس البابا كيرلس الرابع، مدة حبريته أقل من 8 سنوات. ومع ذلك منحته الكنيسة عن هذه الفترة لقب (أبو الإصلاح) من أجل عمق الخدمة التي قدمها ويعوزنا الوقت إن تكلمنا عن بعض الآباء الكهنة القس منسى يوحنا كاهن ملوي مثلًا تنيح وعمره 30 سنة. واستطاع في تلك الفترة أن يقدم آلاف من العظات، وكتاب يسوع المصلوب، وطريق السماء، وتاريخ الكنيسة الذي ألفه وهو شماس. وكان له تأثير روحي واسع النطاق على الرغم من قصر مدة خدمته والقس أنطونيوس باقي خادم كوينز: وهو أول كاهن أرسلته إلى أمريكا سنة 1972. لم يخدم في أمريكا سوى خمسة أشهر. ولكن خدمته توجت بعبارة قالها له الشعب هناك: لقد عرفنا الرب يوم عرفناك الخدمة إذن لا تقاس بطول مدتها، وإنما بعمقها وقد يأتي إنسان إلى كنيسة كضيف ويلقي عظة. وتكون هذه هي كل خدمته في الكنيسة. وتمر سنوات طويلة، والناس لا ينسون تلك العظة وتأثيرها. بينما يخدم غيره في نفس الكنيسة سنوات طويلة يلقون خلالها عظات عديدة، ولكن ليس بنفس التأثير إن يومًا واحدًا يخدمه بولس الرسول، لهو أعظم وأعمق من سنوات طويلة يخدمها آخرون مقياس آخر يقيس به البعض نجاح الخدمة وهو كثرة المخدومين. 2- كثرة المخدومين كما تتميز عظمة قائد في جيش، بأنه قائد مائة أو قائد ألف. وهكذا كلما زاد عدد المخدومين، يعتبرون هذا دليلًا على نجاحها ونموها. وقد يكون الأمر كذلك فعلًا، ولكنه ليس مقياسًا ثابتًا بصفة مطلقة فليس نجاح الخدمة في كثرة عدد المخدومين، وإنما في الذين غيرت الخدمة حياتهم، وأوصلتهم إلى الله السيد المسيح كان يعظ آلاف كما في الخدمة الروحية التي سبقت معجزة الخمس خبزات والسمكتين. وكانت له خدمة أخرى مركزة في الإثني عشر، وكانوا أهم من تلك الآلاف بكثير، بل هم الذين جذبوا إلى الإيمان مدنًا وأقطارًا فيما بعد. وجميل قول الكتاب في نجاح خدمة هؤلاء "وكان الرب في كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون (أع2: 47). إذن ليس نجاح الخدمة في عدد الذين يسمعون، إنما في عدد الذين يقبلون الكلمة بفرح، وتثمر فيهم، وتقودهم إلى التوبة، وإلى حياة القداسة والكمال ومن هنا كنا ننادي بفصول مدارس الأحد المحدودة العدد، التي يستطيع فيها المدرس أن يهتم بكل تلميذ، ويخدمه خدمة حقيقية ناجحة، ويفتقده ويرعاه وبنفس الوضع عملنا على تقسيم الإيبارشيات إلى مناطق محدودة يستطيع الأسقف أن يرعاها ويزورها، ويهتم بكل مدينة فيها وكل قرية، ولا تضيع تلك المدن والقرى وسط المسئوليات الضخمة التي كان يكلف فيها المطران برعاية بضع محافظات!! وقد أرانا الرب بأمثلة عديدة أهمها العناية بالفرد الواحد في الخدمة، كما فعل زكا (لو19) وأيضًا مع نيقوديموس (يو3) ومع المولود أعمى (يو9) وغيرهم البعض يضع مقياسًا آخر لنجاح الخدمة هو كثرة الإنتاج. 3- كثرة الإنتاج كالقيام بعدد كبير من الخدمات، أو إنشاء عدد كبير من فروع الخدمة، أو من الأنشطة وقد يتوه في كل ذلك، ولا يحسن الإشراف على كل تلك الأنشطة، أو يضطر إلى تعيين عدد من الخدام بغير إعداد. وتفقد الخدمة روحياتها بكثرة اتساعها وقلة عمقها إذن ما هي المقاييس السليمة لتقييم الخدمة؟ وما هي عناصر القوة في الخدمة؟ قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي
المزيد
07 يونيو 2023

مقدار المسئولية

مقدار المسئوليات يقيس الناس الخدمة بحجم المسئوليات الملقاة على الخادم، بينما الله له مقياس مختلف. خذوا مثلًا إسطفانوس أول الشمامسة.إنه مجرد شماس، لم ينل رتبة أعلى من ذلك. فهل نقيس خدمته برتبته؟! كلا، بلا شك. فإن الكنيسة المقدسة تضع اسمه في مجمع القديسين قبل جميع البطاركة. وتقاس خدمتها بعمقها. وكيف أنه كان مملوءًا من الروح القدس والحكمة والإيمان (أع6: 3، 5). "وإذ كان مملوءًا إيمانًا وقوة، كان يصنع عجائب وآيات عظيمة في الشعب" (أع8:6). ووقف أمام ثلاثة مجامع وأمام الذين من كيليكيا وآسيا، يحاورونه "ولم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلم به" (أع6: 10). لهذا رأينا أنه بعد وضع اليد عليه كشماس "كانت كلمة الله تنموا، وعدد التلاميذ يتكاثر جدًا في أورشليم، وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان" (أع6: 7). هكذا كانت خدمة هذا الشماس وفاعليتها، حتى أن اليهود لم يحتملوا خدمته، فقبضوا عليه ورجموه. وفي رجمه رأى السموات مفتوحة وابن الإنسان قائمًا عن يمين الله" (أع7: 56). "ورأوا وجهه كأنه وجه ملاك" (أع6:5).إن الإنسان في خدمته أمام الله، يوزن مجردًا من صفاته الخارجية ووظائفه. فيوزن في عمق عمله، وفي عمق قلبه، وفي قيمة خدمته. خذوا مثالًا آخرالقديس مارأفرام السرياني وما قام به من جهد كبير في الخدمة وفي مقاومة الأريوسية وفي دفاعه عن الإيمان، حتى قبل أن يرسم إغنسطسًا (أي قارئًا) من يد القديس باسيليوس الكبير. هذه الرتبة التي يحصل عليها الآن عشرات الآلاف من خدام مدارس الأحد، والتي كان يرى نفسه غير مستحق لها.ولكن الأغنسطس مارأفرام كان له وزنه الجبار في الكنيسة الجامعة، حتى أسموه "قيثارة الروح القدس" وأسموه الملفان أو "المعلم"، في أشعاره وكتاباته الروحية ذات التأثير أو العمق العجيب أترانا نقيس خدمته برتبة أغنسطس؟! أم بأثره البارز في خدمة الإيمان وفي التعليم، ليس في جيله فقط، وإنما في أجيال عديدة وحتى الآن. خذوا مثالًا آخر الشماس أثناسيوس في مجمع نيقية المسكوني المقدس.في ذلك الوقت كان مجرد شماس، في أول مجمع مسكوني يضم 318 من الآباء الكبار، بطاركة وأساقفة، يمثلون كنائس العالم كله. ولكن عمله حينذاك لم يكن يقاس برتبته كشماس، وإنما بوقوفه ضد أريوس الهرطوقي، والرد على كل أدلته، في قوة وفي فهم عميق للكتاب والمعنى السليم لنصوصه ودلالاتها اللاهوتية.. حتى أنه -وهو شماس- قام بصياغة قانون الإيمان المسيحي في مجمع نيقية، القانون الذي تؤمن به كل كنائس العالم.. هنا الخدمة لم تكن تقاس بالرتبة، وإنما بأثرها وفاعليتها. مثال آخر هو القديس سمعان الخرازماذا كانت رتبته؟! لا كاهن، ولا شماس، ولا حتى أغنسطس.. إنما عامل بسيط ربما لا قيمة له في المجمع، ولا وظيفة له في الكنيسة.ولكن قيمة خدمته كانت في عمق عمله، وعمق صلواته، وفي إنقاذه الكنيسة كلها بمعجزة نقل الجبل المقطم أيام البابا إبرام بن زرعة وفي حضوره. هنا نوعية الخدمة، وليس علو الرتبة.. خذوا أيضًا مثال القديس الأنبا رويس لم يكن أسقفًا ولا قسًا ولا شماسًا، ولم تكن له أية وظيفة رسمية في الكنيسة، ولا أية خدمة معينة. ومع ذلك دعته الكنيسة من آبائها. وكانت له خدمات تظهر يد الله فيها بكل وضوح. كذلك يمكن أن نذكر إبراهيم الجوهري.كان علمانيًا، وله وظيفة علمانية في الدولة، أي أنه لم يكن مكرسًا للرب ومع ذلك كانت له محبته العميقة للكنيسة، وخدماته التي لا يمكن أن تنسى التي قام بها من أجل عمارة الأديرة والكنائس، وفي العناية بالفقراء بأسلوب يضعه في مرتبة الخدام، بل أنه يفوق الكثيرين منهم. مثال خارج الكنيسة القبطية هو ميشيل أنجلو كان فنانًا. لكن خدماته في محيط الأيقونات الكنيسة، سجلت له اسمه في التاريخ وبخاصة في كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان. وهنا لا نسأل عن درجته الكنسية أو عن رتبته، إنما عن عمق خدمته. والناس يعرفون ميشيل أنجلو، وربما الملايين لا تعرف اسم البابا الذي عاش أنجلو في أيامه. وإن عرفوا اسمه يقولون إنه البابا المعاصر لميشيل أنجلو..! نقطة أخرى نذكرها في مقاييس البشر الخاطئة بالنسبة إلى الخدمة، وهي شرف وعظمة المكان. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي
المزيد
31 مايو 2023

اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس

سؤال قال الملاك للمريمات بعد قيامة السيد المسيح "أذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس أنه يسبكم إلي الجليل هناك ترونه" (مر 16: 7) فهل يعني ذكر بطرس بالاسم أنه مميز عن باقي التلاميذ؟ جواب لقد قصد الرب فعلًا أن يهتم ببطرس اهتمامًا خاصًا، لأنه كان في حالة قلق علي نفسه ومصيره بعد إنكاره وتجديفه وشتائمه وقول إنه "لا يعرف الرجل" فإن طبق الرب عليه قول "من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضًا " يكون بطرس قد هلك فذكر بطرس بالاسم، كنوع من التعزية له بسبب إنكاره وخطيئته، لأنه ربما كان في خجل من الرب لا يستطيع أن يقابله إلا بدعوة خاصة منه ألا تري معي أن آدم بعد خطيئته اختبأ من وجه الله وخاف أن يقابله، ولما دعاه الله أجاب "سمعت صوتك في الجنة فخشيت" كان بطرس في نفس الوضع، وكان يحتاج إلي دعوة خاصة بالاسم الأمر إذن ليس موضوع رئاسة أو تفضيل، وإنما عزاء لمسكين. حول أحداث القيامة ومدي اتفاقها سؤال هل يوجد تناقض بين أحداث القيامة كما يرويها الإنجيليون الأربعة؟ لأن إنجيلًا يتحدث عن ملاك وآخر عن ملاكين، كذلك الأشخاص الذين زاروا القبر تختلف قصص الأناجيل عنهم. جواب لا يوجد تناقض، إنما كل إنجيل ذكر زيارة معينة في موعد يختلف عن الزيارة التي ذكرها الآخر، وبأشخاص مختلفين أول زيارة ذكرها إنجيل متى، فيها القبر الفارغ وبشارة الملاك، لمريم المجدلية ومريم الأخرى ثم ظهور السيد لتلميذي عمواس، وزيارة النسوة (لو 24). أما زيارة مريم المجدلية، ورؤيتها للمسيح في هيئة بستاني، فقد كانت بعد ذلك (يو 20) زيارات متعددة، بمواعيد متفاوتة لو كان حدث واحد، لتظهر تناقض ولكنها أحداث وظهورات وزيارات. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
24 مايو 2023

ارع غنمي. ارع خرافي

سؤال لماذا ننكر رئاسة بطرس، وقد قال له السيد المسيح بعد القيامة: "ارع غنمي، ارع خرافي "؟ جواب إن السيد المسيح لم يقل له ذلك لكي يقيمه راعيًا للكنيسة الجامعة، وإنما لكي يرده ثانية إلي رتبة الرسولية التي كاد يفقدها بإنكاره. فكان الرب بهذه العبارة قد ساواه بباقي الرسل، بينما كان معرضًا لأن تنفذ فيه الآية التي تقول: "من أنكرني قدام الناس، أنكره قدام ملائكة الله" (لو 12: 9) وواضح أن السيد المسيح قال له: "ارع غنمي" في موقف توبيخ، حيث سأله ثلاث مرات قائلًا: "يا سمعان ابن يونا، أتحبني أكثر من هؤلاء" (يو 21: 15: 17). وفي ذلك أراد أن يذكره بإنكار له ثلاث مرات، كما كان سؤاله يحمل توبيخًا خفيفًا يذكر بطرس بقوله: "لو أنكرك الجميع لا أنكرك أنا" ونلاحظ أيضًا أن السيد المسيح ناداه في ذلك المجال باسمه القديم قبل أن يدعي بطرس وأوضح دليل علي أن ذلك كله قيل في مجال توبيخ أن بطرس بعد أن قال له الرب ارع غنمي ثلاث مرات، حزن لأنه فهم القصد ولو كانت العبارة في مجال تمجيد أو تقليد رئاسة، لكانت سبب بهجة وفرح وفر لا سبب حزن لبطرس والرعاية وظيفة قلدها الرب لكثيرين كما يتضح من نصوص كثيرة في الكتاب المقدس. فكل الرسل رعاة، وكل الأساقفة رعاة. والسيد المسيح هو راعي الرعاة. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
17 مايو 2023

قوة المسيحية وإلغاء المستحيل

من كان يظن ...! كانت القيامة بقوة ، ذكرتنا بقول الكتاب " غير المستطاع عند الناس ، مستطاع عند الله " . هذه القوة أذهلت بولس الرسول ، فقال عن الرب " لأعرفه و قوة قيامته " . و لقد وهبنا الرب قوة قيامته هذه . فأصبح " كل شئ مستطاع للمؤمن " . و في هذا قال بولس الرسول " استطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني " ... صرنا الآن لا نري شيئاً صعباً أو مستحيلاً بعد أن داس الرب الموت ، ووهبنا النصرة عليه ، و فتح لنا باب الفردوس المغلق . و وضع في أفواهنا تلك الأغنية الجميلة " اين شوكتك يا موت ؟! أين غلبتك يا هاوية ؟! قوة القيامة أعطت التلاميذ شجاعة و جرأة في الكرازة . من كان يظن أن هؤلاء الضعفاء المختبئين في العلية ، يستطيعون أن ينادوا بالإنجيل بكل مجاهرة بلا مانع ؟! من كان يظن أن إثني عشر رجلاً ، غالبتهم من الصيادين الجهلة ، يمكنهم أن يوصلوا المسيحية إلي أقطار المسكونة كلها ... و لكن القيامة علمتنا أنه لا يوجد شئ مستحيل ... عند الله ، كل شئ ممكن ... ممكن أن جهال العالم يخزون الحكماء ، و أن ضعفاء العالم يخزون الأقوياء ... كان يبدو من الصعب جداً أن تقف المسيحية ضد الوثنية ، و ضد الديانات القديمة التي ثبتت جذورها في عقائد الناس ، و ضد اليهودية التي حاولت أن تقضي علي المسيحية أو تستوعبها . و ضد الفلسفات التي كانت سائدة في ذلك الزمان ، و ضد الامبراطورية الرومانية بكل طغيانها و قوتها المسلحة . كان يبدو من الصعب أن تقف المسيحية ضد هذه القوي جميعها ، و أن تنتصر عليها ... و لكن القوة التي أخذوها عن قيامة المسيح و انتصاره علي الموت ، أعطتهم طاقة عجيبة ... من كان يظن أن بطرس الصياد الجاهل ، يمكنه بعظة واحدة أن يحول ثلاثة اَلاف يهودي إلي الإيمان المسيحي ؟! بالكاد يتمكن واعظ مشهور أن يحول - بعظة واحدة - بعض خطاة إلي التوبة ، أما أن يغير 3000 شخص دينهم بسماع عظة ، فهذا أمر يبدو كالخيال ... و لكنها القوة التي أخذها الرسل من الروح القدس ، فغيرتهم قبل أن تغير الناس ... و استمرت معهم تعمل بهم الأعاجيب . من كان يظن أن هؤلاء الرسل يذهبون إلي بلاد غريبة عنهم ، لا يوجد فيها مسيحي واحد ، و لا توجد فيها أية إمكانيات للخدمة ، فيبدأون معها من الصفر ، و يحولونها إلي المسيحية ...؟! و لكن قيامة المسيح علمتنا أنه لا يوجد شئ صعب أو مستحيل . فكل شئ مستطاع للمؤمن .... من كان يظن أن شاول الطرسوسي أكبر مضطهد للمسيحية في وقته ن يتحول إلي بولس أكبر رسول بشر بالمسيح ...؟! من كان يظن أن قائد المائة ، رئيس الجند الذي صلبوا المسيح ، يؤمن بالمسيحية و يستشهد بسببها ، و يصير قديساً ؟! من كان يظن أن اللص اليمين يؤمن و هو علي الصليب ؟! و من كان يظن أن إمرأة بيلاطس الوالي تؤمن ، و ترسل إلي زوجها متوسلة من أجل " هذا البار " ؟! و لكن بالنعمة كل شئ يصير ممكناً ، إن الله قادر علي كل شئ . إن الذي انتصر علي أخطر عدو - و هو الموت - لا يصعب عليه شئ . كل شئ سهل أمامه ... من كل يظن أن مريم المجدلية التي كان فيها سبعة شياطين ، تتحول إلي كارزة ، و تبشير الرسل بالقيامة ؟! لكن قوة القيامة ، جعلتنا نوقن أنه لا شي مستحيل ... و كما رأينا هذا في الكرازة ، رأيناه أيضاً في التوبة : إن قوة التوبة التي حولت أعظم الخطاة إلي أعظم القديسين ، و ليس إلي مجرد تائبين ، علمتنا أنه لا شي مستحيل ... أقصي ما كنا ينتظره الناس ، أن يتوب أوغسطينوس الفاجر ، اما أن يتحول إلي قديس تنتفع الأجيال بتأملاته ، فهذا أمر صعب ما كان ينتظره أحد . و نفس الوضع يمكن أن يقال عن تحول موسي الأسود القاتل إلي قديس وديع متواضع إن الله لا يعسر عليه أمر . أ ليس هو القائل : " من أنت ايها الجبل العظيم ؟ أمام زر بابل تصير سهلاً " ( زك 4 : 7 ) ... الله الذي يجعل العاقر أو أولاد فرحة " ... الذي يقول لها " ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد ... أوسعي مكان خيمتك ... لأنك تمتدين إلي اليمين و إلي اليسار ، ويرث نسلك أمماً ، و يعمر مدناً خربة " ( أ ش 54 : 1 - 3 ) . إن ميلاد المسيح ، و كذلك قيامته ، كانا حدثين عجيبين ، يثبتان أنه لا مستحيل ... و هكذا أيضاً كانت معجزاته ... مجرد عملية التجسد ، كانت تبدو مستحيلة في نظر الناس !!! كيف يمكن أن يخلي الله ذاته ، و يأخذ شكل العبد ؟! كيف يمكن أن يحبلي عذراء بغير زرع بشر ، و تلد ؟! كذلك كانت القيامة أمراً مستحيلاً . و من هنا خاف اليهود حدوثها ، و اعتبروها بالنسبة إليهم " اشر من الضلالة الأولي " !! و مع ذلك حدث التجسد ، و الميلاد من عذراء ، و القيامة الذاتية . إن المسيحية ليست ديانة ضعف ، بل هي ديانة قوة . إنها تعطي الإنسان طاقات عجيبة ، و تلغي عبارة " المستحيل " ... المسيحية ديانة قوة : لا صعب في المسيحية ، و لا يأس ، و لا فشل ، بل فيها : " استطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني " ... من الأشياء التي تبدو صعبة في المسيحية : الصليب ، و الباب الضيق ، و مع ذلك حمل المسيحيون الصليب ، و دخلوا من الباب الضيق ، مترنمين بقول الرسول " و وصاياه ليست ثقيلة " ( 1 يو 5 : 3 ) . نعم ما اصعب - في نظر العالم - تحويل الخد الآخر ، و سير الميل الثاني ، و محبة الأعداء ، و بيع كل ما للأنسان ليعطيه للفقراء ... ما اصعب إتباع ديانة تدعو إلي النسك و الزهد ... و لكن هذه الديانة التي تبدو صعبة ، انتشرت في كل مكان ، و دخل الناس في زهدها بكامل إرادتهم ، بل اشتهوا فيها الألم ، و اشتهوا الاستشهاد ، و جعلوا الصليب شعارهم ... إن الوصية الصعبة في المسيحية ، تحمل القوة علي تنفيذها ... لقد قدمت المسيحية للبشرية مثاليات عالية و وصايا سامية ، و لكنها في نفس الوقت قدمت قدرة روحية ، و معونة من النعمة ، للسير في هذه المثاليات ، بسهولة ، و بلذة أيضاً ... قدمت للناس حياة الروح ، و مع هذه الحياة قدمت الروح القدس ليسكن في الإنسان و يمنحه قوة للسلوك بالروح ... إن وصايا المسيحية تبدو صعبة لمن هو في الخارج ، لمن لا يعيش في النعمة ، و لمن لم يدخل بعد في شركة الروح القدس . أما المكؤمن فإن هذه الوصايا الصعبة تصير شهوة له متعة روحية ، و لا يجد فيها صعوبة ... إن المؤمن يلبس " سلاح الله الكامل " ، يقاتل به و يغلب ... المؤمن يوقن تماماً أنه لا يقف وحده في الجهاد الروحي . و يؤمن أن " الحرب للرب ، و الله قادر أن يغلب بالكثير و بالقليل " و يشعر دائماً أن قوة إلهية تلازمه و تعمل معه .... لذلك فإن حياة المؤمن هي نصرة دائمة ، لأن الله " يقوده في موكب نصرته " ... " الرب يقاتل عنكم ، و أنتم تصمتون " .... إن الذي يستشعر الفشل ، لم يجرب النعمة بعد ، و لم يختبر عمل الله فيه ،و لا عمل الله معه ... ما أعجب قول الرب لتلاميذه في حديثه عن المعجزات : " الحق الحق أقول لكم : من يؤمن بي . فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو ايضاً ، و يعمل أعظم منها " ( يو 14 : 12 ) . المسيحية ديانة قوة : بدأت بقوة القيامة ، التي انتصرت علي الموت ، و فتحت أبواب الجحيم ، و سبت سبياً ، و أدخلت الأبرار إلي الفردوس . ثم رأينا قوة الكرازة ، و قوة الإحتمال في الاستشهاد . بقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة ، قوة وقفوا بها أمام الرؤساء و تكلموا بلا مانع . استطفانوس أفحم ثلاثة مجامع " لم يقدروا أن يقاوموا الحكمة و الروح الذي كان يتكلم به " . و هكذا " كانت كلمة الرب تنمو ، و عدد التلاميذ يتكاثر جداً " . بقوة اَيات . و بقوة الكلمة ، و بقوة قلب صمد أمام السيف و النار . قوة قد ألبسوها من الأعالي . و كما قال لهم الرب " ستنالون قوة متي حل الروح القدس عليكم . و حينئذ تكونون لي شهوداً . إنها قوة أعطاهم فيها سلطاناً علي جميع الشياطين ، و علي كل قسوة العدو ، و أعطاهم فيها مفاتيح السموات و الأرض . و كانت لهم قوة في صلواتهم جعلت المكان يتزعزع ، و قوة من الملائكة المحيطين بهم الذين كسروا سلاسلهم ، و أخرجوهم من السجن . و هكذا كانت هناك قوة فيهم ، و قوة أخري محيطة بهم ... إنها قوة جعلت الوثنية تنقرض و تزول ، قوة المسيحية العزلاء التي هزمت امبراطورية مدججة بالسلاح استسلمت و دانت للمسيحية ... قوة الصليب الذي ظنوه دليل ضعف ، و كان مصدر قوة و فخر . إن المسيحي إنسان قوي : في روحه ، و في معنوياته ، لا يخاف شيئاً . قوته لا تستمد من ذاته ، إنما من روح الله . المسيح الأعزل كان يخافه بيلاطس و يشتهي إطلاقه . و بولس السير لما تكلم عن الدينونة إرتعد أمامه فيلكس الوالي . إنها قوة المسيح الذي قال " ثقوا أنا قد غلبت العالم " . و هي قوة القلوب الناسكة الزاهدة ، التي انتصرت علي كل شهوات العالم ، في حياة مقدسة أذهلت الناس و أرعبت الشيطان . إنها القوة التي تظهر في قول أغسطينوس " جلست علي قمة العالم حينما أحسست في نفسي ، أني لا أشتهي شيئاً ، و لا أخاف شيئاً " قوة التجرد و الزهد و التعفف . إن كنا نعيش في أفراح القيامة ، فلنعش في قوتها . و لننتصر علي الموت ، موت الخطية ، حتي نقوم في قيامة الأبرار . قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
10 مايو 2023

المسيح القائم يعمل لأجلنا

قام المسيح، لأنه ما كان ممكنًا للموت أن ينتصر عليه، كان يحمل في ذاته قوة قيامته. لذلك هو الوحيد بين الذين قاموا من الأموات، الذي قام بذاته، ولم يقمه أحد قام، وفي قيامته، أعطى للبشرية نعمة القيامة، حينما يسمع الذين في القبور صوته (يو 5: 29) قام منتصرًا، وداس الموت، ليقودنا أيضًا في موكب نصرته. ولكي يعطينا عدم الخوف من الموت، حتى يقول رسوله فيما بعد "أين شوكتك يا موت؟!" (1 كو 15: 55) إن الله الذي سمح أن يدخل الموت إلي طبيعتنا، سمح أيضًا برحمته أن تدخل القيامة إلي طبيعتنا وكما خلق الإنسان من تراب، وبالخطيئة أعاده إلي التراب، هكذا سمح بالقيامة، أن يحول هذا التراب إلي جسد مرة أخري، ولكن في طبيعة أفضل لقد قال قبل صلبه "أبي يعمل حتى الآن، وأنا أيضًا أعمل". وهوذا بعد القيامة يستمر في عمله، ليس فقط في إراحة النفوس المتعبة، وتقوية الركب المخلعة، وإنما أيضًا في إعداد تلاميذه للخدمة، لتسليم العبء الكبير الذي سيلقي عليهم، ليكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها هكذا كان المسيح يعمل بعد القيامة، لأجل الرعاية وأعطي الرب للتلاميذ بقيامته روح الفرح. وكان قد قال لهم قبل صلبه "أراكم فتفرح قلوبكم، ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحكم منكم". وقد كان، وتخلصوا من الخوف والاضطراب، و"وفرح التلاميذ إذ رأوا الرب" (يو 20: 20) وعملت روح القيامة فيهم، ومنحتهم قوة، فشهدوا لها وكانوا يكرزون بقيامة الرب من الأموات في كل مناسبة وهؤلاء الذين كانوا خائفين ومختبئين في العلية ظهروا في جرأة، وملأوا الدنيا تبشيرًا، ولم يعبأوا بتهديد رؤساء اليهود، بل قالوا لهم "ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس" "وكان الرب كل يوم يضم إلي الكنيسة الذين يخلصون" (أع 2: 47) "وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع. ونعمة عظيمة كانت علي جميعهم" (أع 4: 23) وكما مكث الرب مع موسى علي الجبل أربعين يومًا، ليسلمه الشريعة، ويسلمه مثال خيمة الاجتماع وكل محتوياتها، هكذا مكث الرب مع تلاميذه أربعين يومًا، يتكلم معهم فيها "عن الأمور المختصة بملكوت الله" حقًا للهدوء والتأمل والخلوة وقت، ولخدمة الآخرين وقت لقد مكث السيد المسيح مع الآب أربعين يومًا في خلوة روحية، وأيضًا أربعين يومًا أخري قضاها مع تلاميذه يعلمهم ويثبت إيمانهم. وفي تلك الفترة سلمهم العقيدة وكل تفاصيل الإيمان، وأسرار الكنيسة وكيف يمارسونها، وكل الترتيبات الخاصة بالعبادة.. وأصبحت قيامة الرب مركز فرح التلاميذ وموضوع كرازتهم إنها فترة في التسليم والتعليم والتفهيم وفيما بعد ظهر للقديس بولس أيضًا، الذي قال عن سر الافخارستيا "تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضًا.." (1 كو 11: 23) وهكذا تتابعت عملية التسليم، من الرب لتلاميذه، لتلاميذهم الرب سلم بولس وماذا فعل بولس؟ إنه يقول لتلميذه تيموثاوس "وما سمعته مني بشهود كثيرين، أودعه أناسًا أمناء، يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضًا" (2 تي 2: 2) وهكذا بعد أن علم تلاميذه، قال لهم قبل صعوده "اذهبوا اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها" (مر 16: 15)، "تلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم جميع ما أوصيتكم به" (متى 28: 19، 20) وهكذا كما سلمهم التعليم، سلمهم التعميد أيضًا والتعليم والتعميد، لم يأمر بهما الشعب كله، إنما هو تكليف خاص بتلاميذه فقط، انتقل منهم إلي خلفائهم الأساقفة، الذين سلموه بدورهم إلي أناس أمناء أكفاء، وليس إلي عامة الشعب إنه عمل من أعمال الكهنوت، يقوم به رجال الإكليروس وهكذا قبل أن يسلمهم التعليم والتعميد، سلمهم الكهنوت، ومع الكهنوت سلمهم سلطان مغفرة الخطايا وهكذا يشرح لنا إنجيل يوحنا، كيف أن الرب ظهر لتلاميذه دخل والأبواب مغلقة، وقال لهم "سلام لكم كما أرسلني الآب أرسلكم أنا. ولما قال هذا نفخ (في وجوههم) وقال لهم اقبلوا الروح القدس من غفرتم خطاياه، تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه، أمسكت" (يو 20: 19-23) إن منح الروح القدس لسلطان الكهنوت ومغفرة الخطايا، غير منح الروح القدس في يوم الخمسين، الذي منح التلاميذ موهبة التكلم بألسنة وقوة علي الكرازة والتبشير. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل