المقالات
03 نوفمبر 2021
المعرفة 2: أمور فوق معرفتنا معرفة ضارة، مستويات المعرفة معرفة النفس
تكلمنا في العدد الماضي عن معرفة الله تبارك اسمه مع مقارنة بسيطة بمعرفة الناس. ونود اليوم أن نكمل حديثنا عن معرفة الناس: في الواقع ما أقل ما نعرفه، علي الرغم من انتشار العلم! فنسبة ما نعرفه ضئيلة إذا قورنت بما لا نعرفه..!
ولا شك أن هناك عجائب فوقنا لا ندركها. وقد سمح الله بوجود أمور كثيرة تخفي علينا معرفتها حتى لا يصاب العقل البشري بالغرور في عصر التكنولوجيا الحديثة.ولعل في مقدمة ما نجهله، موضوع المعجزة والمعجزة سميت هكذا، لان العقل البشري يعجز عن تفسيرها.. إنها ليست ضد العقل، ولكنها مستوي فوق العقل، وعلي الرغم من أن العقل لا يدرك كيف تتم، إلا انه يقبلها بالإيمان ولا يهمه أن يعرف كيف تتم والمعجزات أمر يؤمن به كل متدين. ولعل من ابرز المعجزات التي يؤمن بها الكل: الخلق، والقيامة العامة.كلنا نؤمن أن الله خلق الكون، أي أوجده من العدم حيث لم يكن الكون موجودًا، خلق البشر والملائكة والطبيعة. ولكن كيف خلقها؟ بأية قدرة؟ هنا العقل لا يعرف. ولكنه يقبل بالإيمان.ونفس الوضع بالنسبة إلى القيامة العامة 'أو البعث'، كلنا نؤمن بذلك. والعقل يقبله، دون أن يعرف إطلاقًا كيفما يعود الإنسان إلى الحياة بعد الموت! معرفة هذا الأمر هي فوق مستوانا.
كلها أمور تتعلق بقدرة الله غير المحدودة.وعبارة 'غير المحدود' يقف أمامها العقل عاجزا في معرفته.. واستخدام هذه العبارة من جهة الزمن، أمر آخر فوق نطاق معرفة العقل.. فكلمة أزلي، وكلمة ابدي، وكلمة سرمدي.. أي ما لا بداية له ولا نهاية، أمور قد يستخدمها العقل ولكنها فوق معرفته! حقًا ما معني عبارة 'لا بداية له'؟! ما معني الأزلية؟ ومتى قطع نطاق الأزلية في وقت ما ليوجد الكون؟.. إنها أمور لا يفحصها العقل وإنما يقدمها الإيمان ويقبلها الإنسان بالتسليم، كثوابت إيمانية.
أمور أخرى فوق معرفتنا، تتعلق بالعالم الآخر..
متى ستكون بداية العالم الآخر؟ وكيف تكون؟ وأين..؟
إنها أمور ترتبط بالروح والموت وما بعد الموت.. وهي أيضًا فوق نطاق معرفتنا وتتعلق أيضًا بالنفس وكنهها وخواصها، وبالعقل.. ثم أليس عجيبًا أن العقل لا يعرف تماما كيف يعمل العقل!! وما مدي علاقة العقل بالمخ وما فيه من مراكز تعمل؟ وكيف يتوقف بعضها عن العمل، ويعجز العلم البشري والعقل البشري عن إعادة مراكز المخ المتوقفة إلى عملها الطبيعي!
بل في عالمنا الحاضر، العالم المادي، أمور كثيرة لا نعرفها.مثال ذلك ما اقل معرفتنا عن الفلك وما فيه من شموس ونجوم وكواكب، وما فيه من شهب ومجرات.. كل ما نعرفه هو معرفة سطحية لا تدخل في نطاق التفاصيل.. لقد فرحنا ببعض أحجار من القمر، أتى بها رواد الفضاء، ومع ذلك لا يزال القمر لغزًا لا نحيط بكامل المعرفة عنه!
ونفس الوضع نقوله عما نعرفه من جهة أعماق الأرض وأعماق البحار.. هناك معلومات بسيطة يقدمها لنا العلم نتيجة لاكتشاف وحفريات.. وتبقي الحقيقة الكاملة بعيدة عن معرفتها ونفس الكلام نقوله عن محتويات الجبال، وعن بعض الكوارث الطبيعية كالزلازل والأعاصير والسيول والبراكين: ما تبدأ؟ ونطاق عملها وكيف تنتهي. هناك أيضًا أمراض خطيرة، مازال العلم حائرا أمامها، لا يعرف أسبابها، ولا يعرف طريقة القضاء عليها قبل أن تقضي علي المرضي!
وما دامت معرفتنا محدودة نواجه سؤالا وهو: كيف ننمو في المعرفة؟
من جهة المعرفة: الممكنة، هناك وسائل عديدة لنموها: منها العلم، والقراءة، والمشورة، والخبرة، والتوعية. وكما قال الشاعر:-
فاطلب العلم علي أربابه واطلب الحكمة عند الحكماء
وحتى كل هؤلاء يقدمون من العلم علي قدر معرفتهم ولا شك معرفتهم محدودة. وقد تختلف مصادر المعرفة علي حسب قامتها ونوعيتها.. حتى معرفة تفاصيل عن الخير والشر وما يجب وما يجوز وما يليق، قد تختلف فيه الآراء. وقد تختلط المعرفة بالطباع والنزعات والأهواء وأحيانًا يتأثر التوجيه والإرشاد بما ينتشر من الشائعات.
ومما لاشك فيه أن هناك نموا في المعرفة في العالم الأخرفعندما تخرج الروح من الجسد بالموت، تصبح معرفتها أكثر بعد أن تخلصت من ضباب هذا الجسد المادي ومن غرائزه ونزعاته وتأثراته. أما في الأبدية فسوف يتمتع البشر بلون من المعرفة أكثر عمقا عن طريق الكشف الإلهي revelation وعن طريق ما سوف يراه الإنسان من كائنات أخرى كالملائكة مثلًا، وما يختلط به من الأبرار بكل معارفهم.. ومن أمور أخرى جديدة عليه.وعموما فان المعرفة تنمو أيضًا بالموهبة أي بما يهبه الله للإنسان من مواهب منها المعرفة والحكمة واتساع العقل ومقدراته.
وهناك معرفة في العالم الآخر، أعمق من كل هذا واسمي بما لا يقاس. وهي معرفتنا لله جل جلاله.إننا لا نعرف عن الله حاليا إلا ما يكشفه لنا الوحي الإلهي، لكي نؤمن بالله ونطيع وصاياه. ولكن الله غير محدود والعقل البشري مهما سما هو محدود. ولا يستطيع أن يحيط المحدود بغير المحدود لذلك في العالم الآخر سوف يكشف لنا الله عما يوسع معرفتنا به تبارك اسمه وعلي قدر ما يمكن لطبيعتنا البشرية أن تعرفه، شيئًا فشيئًا، وكلما تزداد معرفتنا بالله تزداد سعادتنا في الأبدية وتكون هذه المعرفة هي أشهى ما نتمتع به.
إن المعرفة أفضل من الجهل بقدر ما النور أفضل من الظلام.ولكن ليست كل معرفة نافعة، فهناك معارف تافهة وأيضا هناك معرفة ضارة..!
أما المعرفة التافهة فتختص بأمور لا تنفع شيئًا وللأسف كثيرًا ما يسعي إليها الناس أو ينشغلون بها وهي مضيعة للوقت وتشغل الذهن عن التفكير في ما ينفعه وصدق ذلك الآب الروحي الذي قال: كثيرًا ما نجهد أنفسنا في معرفة أمور لا ندان في اليوم الأخير علي جهلنا إياها!
أما المعرفة الضارة فلها أمثلة عديدة منها:-
معرفة ما يقوله عنك منافسوك وأعداؤك مما يثير قلبك عليهم. ومعرفة الشكوك الخطيرة التي تهز الإيمان في ثوابت تخص العقيدة.. ومعرفة صور من الخطيئة وتفاصيل تشوه نقاوة القلب وتجلب له شهوات تتعبه.. ومعرفة أسرار بعض الناس وأخطائهم مما يغير الإنسان إليهم وتقديره لهم.. ومعرفة أمور أخرى مماثلة يقول عنها القلب في صدق 'ليتني مع عرفت'!
كذلك من الأمور الضارة المعرفة التي تنفخ والتي تصيب النفس بالخيلاء والكبرياء والي التباهي بالمعرفة..!
علي أن من الأمور اللازمة لكل شخص أن يعرف نفسه جيدًا..وصدق ذلك الفيلسوف الذي قال: 'خير الناس من عرف قدر نفسه'. وهكذا لا يقع في الغرور ولا يتجاوز حدوده ولا ينسب إلى نفسه ما ليس فيه.. بل يعرف ويوقن انه مخلوق من تراب الأرض.
وأتذكر إنني قلت مرة في احدي القصائد:-
قل لمن يعتز بالألقاب إن صاح في فخره: من أعظم مني؟!
أنت في الأصل تراب 'تافه' هل سينسي أصله من قال أني؟!
ويهمنا في المعرفة أيضًا: ارتباط المعرفة بالعمل.
فماذا يفيد الإنسان إن عرف كل شيء عن الفضيلة ولم يسلك فيها؟!
لا شك أن الذي يعرف أكثر يُطالَب بأكثر.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
27 أكتوبر 2021
أهمية ردود الفعل
كل عمل يعمله الإنسان له ردود فعل. بل أيضًا كل كلمة يقولها. ذلك لأن من يزرعه الإنسان إياه يحصد. وينطبق هذا على كل ما يصدر عن الإنسان خيرًا كان أو شرًا. فردود الفعل تكون على الأرض وأيضًا في السماء نرى هذا أيضًا في العلاقات بين الناس بعضهم والبعض. فكل شيء له نتائجه المحبة تلد محبة، والعداوة تلد عداوة. واللطف يلد لطفًا. بل أن ابتسامة منك في وجه طفل، تطبع ابتسامة أخرى على شفتيه. والأدب والاحترام في معاملة الناس، يكون من ردود فعله احترامه من جهته. أتذكر زميلًا لنا في الدراسة كان لا يكلم أحدًا إلا باحترام شديد. وكانت النتيجة أن الكل يقابلونه بالمثل. وإن خرج أحد منهم عن اللائق، كان ذلك الزميل يتصرف بأسلوب رصين ورزين يجبر الآخر على تعديل سلوكه والالتزام بالاحترام في معاملته. وأتذكر أيضًا أن ناظر مدرسة كان يعامل المدرسين بجفاء وبأسلوب قانوني بحت، فكان رد الفعل هو كراهية جميع المدرسين له. وقد سأل "لماذا يكرهونني وأنا لم أخرج عن القانون في معاملة أحد منهم؟!" وكان الجواب: "أنت تعاملهم بالقانون وليس بالمحبة. بينما الناس لا يلجأون إلى القانون إلا إذا زالت المحبة من بينهم. ويقول المثل " إذا تراضى الخصمان استراح القاضي".إن الحزم يولد الانضباط، والتسيب يولد الفوضى. ولكن القسوة في الحزم تلد كراهية أو عداوة. لذلك ينبغي أن يكون الإنسان حكيمًا في حزمه، لا يتطرف فيه إلى القسوة أو الشدة الزائدة عن الحد. وقد قلت مرة في تأبين شخص عظيم منذ حوالي ستين عامًا:-
يا قويًا ليس في طبعه عنفُ ووديعًا ليس في ذاته ضعفُ
يا حكيمًا أدب الناس وفى زجره حب وفي صوته عطفُ
لك أسلوب نزيه طاهر ولسان أبيض الألفاظ عفُّ
† ينبغي للإنسان قبل كل كلمة يقولها، أن يفكر في ردود فعلها. ويحسب حسابًا لتأثيرها على من يسمعه ومدى انفعاله بها. ولذلك عليه أن يتحاشى الألفاظ القاسية، وعبارات التهكم، والكلمات التي لها أكثر من معنى، وقد تفهم من البعض على معنى سيئ. لذلك حاول في حياتك الخاصة أن تنتقى ألفاظك، وتكون بميزان دقيق ومع الأطفال بالذات، ينبغي أن يكون المتكلم حريصًا. فالطفل من كلامك قد يأخذ عنك فكرة لا تستطيع نزعها منه. ويجب أن تكون صادقًا فيما تقوله أمامه. وأن توفى بكل وعد تعده به. ولا تهز المثاليات التي في ذهنه بأخطائك في الكلام. واحترص من شدة التوبيخ والانتقاد، فإن لها ردود فعل.
وكن رقيقًا. فالرقة لها رد فعل عميق في من يتعاملون معها. أحيانًا يكون الرجل رقيقًا جدًا في معاملته لخطيبته. وإذا ما تم زواجه بها، يظن للأسف الشديد أن الرقة هو لون من الكلفة، بينما قد زالت الكلفة بينهما بالزواج! وهذا خطأ شديد. لذلك احتفظ باحترامك لزوجتك. واستخدم الرقة واللطف لمعاملتها. بل والاحترام أيضًا. وسيكون رد الفعل لذلك طيبًا جدًا في نفسيتها. أتذكَّر في إحدى المرات وأنا أسقف أنه زارني أستاذ من جامعة كمبريدج University of Cambridge ومعه زوجته. فكان يجعلها تتقدمه باستمرار. وكان يتحدث عنها باحترام. ولا يذكر اسمها مجردًا وإنما معه لقبها. وكانت هي تحترمه بالمِثل. كذلك أذكر صديقًا لنا كان يتخاطب مع أبنائه باحترام، حتى مع الصغار منهم. وكان أطفاله يحبونه، إن أنه كان يُشعرهم بقيمة شخصية كل منهم، وبتوقيره لمواهبهم.
هناك ألفاظ يُقال عن بعضها "مثل رجم الطوب". وتأتي بعكس ما يريد صاحبها. وفي الإنجيل: "بكلامك تتبرر، وبكلامك تُدان". حتى بالنسبة لرئيس العمل في معاملته لمرؤوسيه، يمكنه أن يوجههم ويشرح لهم أخطاءهم. ولكن بأسلوب غير جارح. فكل إنسان له مشاعره التي لا يقبل أن تُهان. ومن جهة ردود الفعل، يقول المَثل السائد: "اللي يشد ذيل القط، يخربشه".
من أجل هذا عليك أن تدرس نفسيات الناس، وتعاملهم بما يناسبهم. فالزوجة أحيانًا تطلب من زوجها طلبًا وتظل تلح عليه إلحاح. وتكرر الإلحاح حتى يسبب له ذلك شيئًا من التَّبرُّم والضجر. ورُبَّما لا يحتمل المزيد من الإلحاح، فيثور أو يرفض، أو يرد بكلمة شديدة. وإن عرفت الزوجة أن هذا هو رد الفعل عند زوجها، عليها أن تحترس من الضغط على أعصابه بالإلحاح. ويمكن أن تُغير الطلب في مناسبة أخرى يكون فيها أكثر هدوءًا وأكثر استجابة.كذلك يحدث أحيانًا أن المرأة في بيتها تهمل ذاتها، ولا تهتم بزينتها أو جمالها. ويكون رد الفعل لذلك عند رجل ضعيف، أن تجذبه إغراءات من الخارج يجد أنها تفوق بيته جمالًا وشكلًا وأناقة. حقًا متى نرى بيوتنا لها الجاذبية التي تغنى الرجال والأبناء والكبار من طلب المتعة خارج البيت؟!
كثيرًا ما نلوم الفتاة التي تفسد أخلاقها، وتستجيب لإغراء أحد الشبان وتخطئ معه. أو لتهرب من بيتها. وقد يكون ما تفعله هذه الفتاة هو رد فعل للمعاملة التي تلاقيها في منزل الأسرة. حيث لا تجد حبًا ولا حنانًا، والقسوة في المعاملة وانتهارها وكلامًا جارحًا. فتلجأ إلى طلب الحنان خارج البيت. وإن وجدته، تُسلم ذاتها وتسقط. ونصيحتنا إلى الآباء والأمهات، أن يشبعوا أبناءهم وبناتهم من الناحية العاطفية، وأن يبتعدوا عن القسوة والتقييدات الكثيرة. حتى لا يصير البيت بمثابة سجن عند الأبناء. ويكون رد الفعل هو الهروب أو الفساد.
يحدث أحيانًا أن بعض رجال الدين لا يهتمون بالناحية الروحية لرعيتهم. ولا يفتقدون شخصًا إذا غاب وكثر ابتعاده عن بيت الله، دون أن يهتموا به أو يفتقدوه. ويكون رد الفعل أن يفتقده الشيطان أو الأصدقاء الأشرار. ويكون قلبه جاهزًا لهم مستعدًا، ويضيع ذلك الشخص. نفس الأمر نقوله عن عدم اهتمام أي إنسان بروحياته فيكون رد الفعل أنه يضعف ويكون رد الفعل في حياته أنه بإهماله الحرص يضعف، ويتعود أمورًا تتحول فيه إلى طبع.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
20 أكتوبر 2021
كيف تحل المشاكل
في حياة كل إنسان قد توجد مشاكل: فكيف يمكن مواجهتها حتى لا تتطور إلى ما هو أصعب: بعض الناس يلجأ إلى حلول خاطئة لا تفيده شيئًا.هناك من يواجه المشكلة بالاضطراب والحزن وأحيانا بكثرة البكاء والانهيار. كما يحدث مع كثير من النساء وينبغي أن نعرف أن البكاء لا يحل المشكلة والحزن لا يحلها وربما في الاضطراب يرتبك في أخطاء أخري يقع فيها فتتعقد معه الأمور.البعض الآخر قد يواجه المشكلة بحيلة خاطئة مثال ذلك الذي يحل مشكلة الفقر بالسرقة أو بوسائل أخري كالاحتيال أو النصب أو الرشوة وبهذا يحاول أن يعالج المشكلة بخطية, والخطية لا تؤدي إلى نتيجة سليمة وأن بدت موصلة إلى الغرض في بادئ الأمر! وما أسهل أن تؤدي إلى نتائج سيئة أو خطيرة فيما بعد كأن توصل إلى السجن أو إلى سوء السمعة علي الأقل.ومن أمثلة معالجة المشكلة بخطية أن فتاة تزني وتحمل -سفاحًا- فتعالج هذه المشكلة بالإجهاض فتضيف إلى خطية الزنى خطية القتل (قتل الجنين) وبهذا تقع في مشاكل أخري اجتماعية ودينية.وأحيانا يحاول شخص أن يحل مشكلته بالغضب, أو بالكذب أو الإنكار, ويقول إنه لم يفعل, أو يحاول إلصاق الخطية بشخص آخر وبهذا يضيف إلى الكذب خطية أخري هي ظلمه للغير.وهناك من يحاول أن يحل مشكلته بالغضب أو النرفزة, مثل أب يلاحظ إهمال ابنه أو تأخره في العودة مساء فيضربه في عنف ويمنعه من الخروج من البيت وتحدث مشاكل جديدة نتيجة لعنف الأب, وطبعا ليس هذا علاجًا علي الإطلاق بل قد تكون له نتائج جانبية رديئة.ومن أمثلة هذا أيضًا الزوج الذي يعامل أخطاء زوجته بعنف بالضرب أو الطرد أو الحبس في البيت: وتكون هذه نقطة البداية في فشل الحياة الزوجية.وهناك أيضا من يحاول أن يحل مشكلته بالعناد, وهذا النوع تكون في نفسيته ألوان من الكبرياء أو الأنانية, وقد يسمي ما بدر منه عزة نفس أو كرامة فيصر علي رأيه أو علي تصرفه مهما قاد ذلك إلى نتائج سيئة ويستمر في تشدده وتتعقد المشكلة أكثر من الأول بكثير ولا ينفعه عناده بشيء ولا يحل المشكلة.
والبعض في حل مشكلته يلجأ أحيانا إلى القهر والعنف, والعنف قد يكون ماديًا أو جسديًا كالضرب أو الإيذاء أو القتل أو يكون عنيفا بالتهديد, وأحيانًا يكون البكاء أو الإضراب عن الطعام لونًا من العنف يلجأ إليهما الذين لهم حيلة للوصول إلى حل.. كل ذلك فيه لون من إرغام الغير علي قبول ما لا يرضاه وحتى ولو استجاب قهرًا لا يكون مقتنعًا من الناحية العقلية, ولا راضيًا في قلبه.وللأسف يحدث أحيانا في الريف أن يلجأ الوالدان إلى طرق من الإرغام الأدبي لكي تتزوج ابنتهما ممن لا ترضاه تحت ضغط مرض مفتعل من الأب أو الأم أو تحت ضغط الإلحاح المستمر أو النرفزة أو البكاء أو التخويف!!
ولكن هناك طرقًا سليمة لمواجهة المشاكل:-
أول طريقة للتخلص من المشاكل هي الوقاية منها فلا تنتظر حتى تأتيك المشكلة ثم تفكر كيف تحلها وإنما الأفضل أن تتجنبها قبل أن تأتي ولذلك ضع أمامك قاعدة هامة وهي (علاج الأسباب قبل علاج النتائج) إذن ابحث أولا عن سبب المشكلة, فإن كانت هناك خصومة بينك وبين إنسان هل يكفي أن تذهب إليه وتطلب منه العفو دون أن تعالج أسباب الخصومة؟! فإن بقيت الأسباب تبقي الخصومة مهما فعلت. ونفس الوضع في العلاقات الزوجية قد تذهب الزوجة إلى بيت أبيها غاضبة (لأسباب معينة) فهل يكفي أن تحل المشكلة بأن نرسل إليها وساطة لترجعها؟! أم الحل الطبيعي هو معالجة الأسباب التي أتت بها إلى الخروج من البيت.
وأحيانا يفكر الناس في أسباب غير حقيقية لمشكلتهم: كفتاة مثلًا كلما يأتيها خطيب لا يرجع إليها مرة أخرى، وبتكرار الأمر تظن أن هناك عملًا قد عُمْلَ لها!! وبهذا يتلقفها من يَدّعون فَكْ العمل!! بينما قد يكون السبب الحقيقي هو مقابلة أسرتها للخطيب بطريقة غير لائقة! أو تعقيد الأمور بمبالغ مالية لا يقدر عليها الخطيب فلا يرجع.. أو أن أسلوبهم في الكلام لا يعجبه ويكون حل المشكلة في تفادي هذه الأسباب.
حل المشاكل يحتاج أيضًا إلى حكمة, فالإنسان الحكيم يمكنه أن يحل مشاكله بعقل رزين وبتفكير هادئ ذلك لأن الإنسان المضطرب لا يستطيع أن يفكر بطريقة متزنة بل أن تفكيره المشوش لا يوصله إلى حل.
ولعلك تقول وإن لم تكن لدي حكمة فماذا أفعل؟
أقول لك عليك حينئذ بالمشورة الصالحة. الجأ إلى إنسان عاقل أو إلى أب روحي حكيم لكي ينصحك بما يحل إشكالك. وفي ذلك قال الشاعر:-
إذا كنت في حاجة مرسلًا فأرسل حكيما ولا توصه
وإن باب أمر عليك التوى فشاور لبيبا ولا تعصه
ولا تعتمد علي نفسك فقط في حل مشاكلك فكثيرا ما تحتاج إلى عقل إلى جوار عقلك لكي يسنده والإنسان الحكيم يفترض حلولًا كثيرة لمشاكله.والإنسان العاقل إن كانت له مشكلة مع شخص يراعي عقلية ذلك الشخص ونوعية نفسيته لكي يعرف أسلوب التعامل معه. فإن تعامل مع امرأة يراعي نفسية المرأة وليس نفسيته هو فقط, فمشكلتك مع شخص ذكي غير مشكلتك مع شخص بسيط، ومشكلتك مع العنيف غير مشكلتك مع الهادئ.والإنسان الحكيم يراعي في حل مشكلته الوقت والظروف ففي بعض الأوقات تكون الظروف مواتية, وفي أوقات أخري تكون الظروف لا تسمح فيحسن تأجيل الموضوع إلى موعد آخر.هناك مشاكل تحتاج في حلها إلى صبر وتحمل وأخرى تحتاج إلى شيء من التواضع والكلمة الطيبة، ومشاكل أخري تحتاج إلى الصلاة والإيمان.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
13 أكتوبر 2021
من الأعواز
يرجع هذا الموضوع إلى قصة أرملة فقيرة وضعت فلسين في صندوق العطاء, أي بضعة ملاليم, بينما كبار رجال القوم وضعوا بالمئات, والسيد المسيح رأي هذه الأرملة الفقيرة في عطائها وقال: الحق أقول لكم: إن هذه الأرملة الفقيرة قد أعطت أكثر من الجميع لأن هؤلاء من فضلتهم. ألقوا في الصندوق, بينما هذه قد أعطت من إعوازها.حقًا إن الله ينظر إلى عمق العطاء وليس إلى مجرد قيمته, والذي يعطي من إعوازه من احتياجاته يدل علي عطاءه فيه الكثير من الحب, ومن تفضيل غيره علي نفسه بعكس الذي يعطي مما فضل عنه.وفي هذا الموضوع أود أن أتأمل معكم شخصية من يعطي من أعوازه, سواء من جهة المال, أو إعوازه من جهة الوقت, أو من جهة الراحة والصحة.هناك مثل عظيم للذي أعطي من أعوازه من جهة الأبناء انه إبراهيم أبو الآباء والأنبياء الذي أعطاه الله أبنًا في شيخوخته ثم أمره أن يقدم هذا الابن محرقة علي الجبل, فأطاع ومضي به ليذبحه حسب أمر الله, لذلك باركه الله بركة عظيمة, وبارك نسله.
مثال آخر هو حنة أم صموئيل النبي وكانت عاقرًا, وصلت ونذرت أن الله إذا أعطاها نسلًا تكرسه لخدمته، وفعلًا عندما منحها الله ابنها صموئيل قدمته لخدمة الرب منذ أن استطاع السير علي قدميه, ويؤسفنا في هذه الأيام أن كثيرًا من النساء يبخلن علي الله في الموافقة علي تقديم الزوج أو الابن لخدمة الرب.
مثل آخر ممن يعطي ممن إعوازه هو مثال من يعطي نفسه لخدمة الرب.. إذ يكون ناجحًا جدًا في خدمة العالم. ولكنه يفضل خدمة الرب وتكريس نفسه لذلك فيعطيه ذاته, التي لا يملك غيرها, ويترك كل شيء من أجله, انه بلا شك أعظم بكثير من الذي يعطي المال من الإعوازلاشك أن الذي عنده مال كثير ويعطي منه لخدمة المحتاجين, ولكن عطاءه لا يكون له عمق مثل الذي يعطي وهو محتاجًا إلى ما يعطيه.كانسان يقول إن مرتبي كله لا يكفيني فكيف أدفع العشور لله؟! حقًا انك ستعطي من إعوازك, لذلك سيبارك لك الله الباقي من مالك, فيكون أكثر من المرتب كاملًا.
هناك وصية أخري من أيام موسى النبي هي وصية البكور, إذ كان الشخص عليه أن يعطي إبكار أو أوائل كل ما يأتيه من الخير سواء من النبات أو الحيوان, فالشجرة حينما تطرح ثمرًا, يعطي أولي ثماره لله, وكذلك إذا بهيمة أو شاه ولدت له, فيعطي أول نسلها لله, حاليا توجد أزمة بطالة للخريجين فإذا حدث ونال أحدهم وظيفة معينة طالما كان ينتظر ولكن حسب وصية البكور, فان أول مرتب يصل إليه من المفروض أن يقدمه للرب لخدمة الفقراء, ويعتبر هذا المرتب هو بكور إيراداته, وفي نفس الوقت عطاء, من الإعواز وبالمثل أول عملية جراحية يقوم بها طبيب, أو أول كشف أو علاج عليه أن يقدمه للرب وبالمثل علي كل مهندس أو مدرس أو محاسب أو محام أو صاحب مهنة, يقدم أول مكسب له لله, انه تنفيذ لوصية البكور, وفي نفس الوقت هو عطاء من الإعواز.
ان الأمر باختصار يدل علي مدي محبة الإنسان للمال, أو ارتفاعه عن مستوي ذلك, بذلك فان مال الفقير الذي يقدمه لله, هو أكثر قيمة من مال الغني الموسر.أتذكر بهذه المناسبة قصة أولوجيوس قاطع الأحجار, الذي يكسب في اليوم درهمًا واحدًا فيمضي في الغروب إلى مدخل المدينة, ليري أي غريب قد جاء إليها, فيستضيفه من درهمه هذا الواحد.وأتذكر بهذه المناسبة قصة كاهن في الإسكندرية كان أقدم خدام الكنيسة الكبرى, وقابله في الطريق إنسان محتاج يطلب منه صدقة, ولم يكن في جيبه أي شيء من المال ليعطيه لهذا المحتاج, فاضطر أن يقترض من صاحب محل قريب, وما اقترضه أعطاه لذلك المحتاج لكي ينفذ وصية: "مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ" (إنجيل متى 5: 42؛ إنجيل لوقا 6: 30).ومن الأمثلة الأخرى الأب الفقير الذي يعلم أولاده من أعوازه, أو ذلك الأب المريض الذي يفضل عدم شراء الدواء اللازم له, ويقدم ثمن ذلك الدواء ليغطي احتياجات أبنائه, فهل يذكر الأبناء عطايا آبائهم, التي أعطوها لهم من احتياجاتهم.
نقطة أخري هي العطاء من إعواز الوقت: أنت ترجع إلى بيتك وأنت في غاية التعب ولسان حالك يقول: ثقل النهار وحرّه لم أحتمل بسبب ضعف بشريتي, وتريد أن تنام وتستريح, ولكن ماذا عن الصلاة؟ تقول ليس لدي أي وقت لها. أو قل بصراحة ليس لدي اهتمام بها أو إنك لا تريد أن تعطي من أعوازك من جهة الراحة.. أعط إذن من إعواز وقتك سواء لعمل الصلاة, أو التأمل أو القراءة الروحية, وأعط من قلبك أيضًا, واعلم أن الله سوف لا ينسي لك تعبك, أنه سيقويك، أقول ذلك أيضًا من جهة الخدمة فلا تحاول أن تعتذر عنها مبررا ذلك بأنه ليس لديك وقت, بل أعط الخدمة من إعوازك في الوقت أيضًا, لا تحاول أن تبرر نفسك; بضيق الوقت مثلا وتذكر تلك العبارة المهمة التي تقول: إن طريق جهنم مفروش بالمبررات.اعرف أن عبارة ليس لدي وقت, ربما يكون تفسيرها: ليس عندي اهتمام بذلك, فلا شك أن الشيء الذي تعطيه اهتمامًا, سوف توجد له وقتًا.أيضا من جهة التربية المنزلية, الأب والأم مسئولان عن تربية ابناهما روحيًا وليس فقط من جهة الصحة والتغذية والملابس والتعليم, فهل يعتبر كل منهما أنه لابد أن يكون لديه وقت يقضيه في جلسة روحية مع أولاده يعلمهم طريق الخير والبر إنني في حضوري العيد الألفي لبناء الكنيسة في روسيا, شكرت الكنيسة علي حفظها للإيمان خلال سبعين سنة من الشيوعية, وشكرت أيضًا الأمهات والجدات اللاتي اهتممن بالأطفال وعلمنهم الإيمان وإعدادهم لذلك.قدموا إذًا وقتًا ولو من إعوازكم لتربية أولادكم.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
06 أكتوبر 2021
فوائد النسيان
كثير من الناس يشكون من أنهم ينسون، ويسألون باستمرار عن علاج للنسيان.. وحقًا إن للنسيان مساوئ كثيرة ومع ذلك فلكي ننصفه، نقول إن هناك ولا شك فوائد للنسيان النسيان على أنواع. هناك نسيان ضار ليس هو الذي نقصده في هذا المقال. فمن الخطأ طبعًا أن ينسى المرء واجباته الدينية أو واجباته العالمية. ومن الخطأ أن ينسى عهوده ووعوده ومواعيده. ومن الخطأ أن ينسى فضل الناس عليه أو ينسى بالأكثر إحسانات الله العديدة.. الخ على أن النسيان ليس كله شرًا، لقد سمح الله به من أجل نفع الإنسان وفائدته، لو أحسن الإنسان استخدامه.. فالإنسان الحكيم يعرف متى ينبغي أن يذكر، ومتى ينبغي أن ينسى. فلا ينسى حيث يجب التذكر، ولا يتذكر حيث يجب النسيان.. وسنحاول في هذا المقال أن نشرح بعض المجالات التي يحسن فيها النسيان..
فمن فوائد النسيان مثلًا أن ننسي إساءات الناس إلينا ننساها لكي نستطيع أن نصفح وأن نغفر. وننساها لكيلا يملك الغضب على قلوبنا من جهتها ننساها لكي نهرب من شيطان الحقد ومن شيطان الكراهية الذي ينسى أخطاء الناس إليه، يمكنه أن يحب الجميع، ويملأ السلام قلبه من جهة الكل. ويستطيع أن يقابل كل أحد ببشاشة، ولا يختزن في قلبه شرًا من جهة أحد لذلك إن أساء إليك أحد، لا تحاول أن تسترجع في ذهنك إساءته إليك. ولا تجلس مع الناس وتحدثهم عما فعله بك هذا المسيء لا تفكر في هذا الموضوع، ولا تتكلم فيه، لئلا يرسخ في ذاكرتك وفي قلبك، ويتعبك ولا تنسى فقط أخطاء الناس، إنما إنس أخطاءهم عمومًا. لو تذكرت على الدوام أخطاء الناس، لاسودت صورتهم في نظرك، ولعجزت عن أن تجد لك في الناس صديقًا كل الناس لهم أخطاء، ولو تذكرنا لكل واحد أخطاءه لما استطعنا أن نتعامل مع أحد وربما يدخل الشك إلى قلوبنا من جهة الناس جميعًا وربما لا نستطيع نتكلم باحترام مع كل أحد إن الله لا يضع أخطاءنا على الدوام أمام عينيه، فلنفعل هكذا مع الناس يقول لنا الإنجيل المقدس: "بالكيل الذي به تكيلون، يكال لكم ويزاد". ليتنا إذن ننسى أخطاء الناس، لكي ينسى الله أخطاءنا. وفي نفس الوقت الذي ننسى فيه أخطاء الناس، ينبغي أن نذكر خطايانا الخاصة، لكي نصل إلى حياة الاتضاع قال القديس الأنبا أنطونيوس (إن ذكرنا خطايانا، ينساها لنا الله، وإن نسينا خطايانا، يذكرها لنا الله) إذن اذكر خطاياك، وانس خطايا غيرك.. فإن هذا يقودك إلى الاتضاع وإلى المحبة أما الإنسان المتكبر أو غير المحب فإنه على العكس: دائمًا ينسى نقائصه الخاصة، ودائمًا يذكر أخطاء غيره. وقد يتحدث عن خطايا الناس، ويتضايق إن تحدث الناس عن خطاياه.
كذلك من النسيان النافع، أن تنسى فضائلك، أو تنسى الأعمال الحسنة التي شاءت نعمة الله أن تعملها على يدك.. إن عملت خيرًا أو إن عمل الله خيرًا بواسطتك، فالواجب عليك أن تنسى ما عملته. لا تذكره، ولا تتذكره. لئلا يوقعك في هذا الأمر في الإعجاب بالنفس أو في الكبرياء، وأيضًا لكيلا تجلب لنفسك مديحًا من الناس يضيع معه أجرك في السماء إذ تكون – حسبما يقول الإنجيل – " قد استوفيت خيراتك على الأرض" الذي يعمل خيرًا، عليه أن يخفى الأمر، ليس عن الناس فقط، إنما حتى عن نفسه هو، بالنسيان. وفى هذا يقول السيد المسيح: "وأما أنت فمتى صنعت صدقة، فلا تعرف شمالك ما تفعله يمينك. لكي تكون صدقتك في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء، هو يجازيك علانية".. حقًا إن الذي يذكر فضائله، أو يظهر فضائله، إنما يقع في الغرور ويفقد ثوابه.. لذلك إنس الخير الذي تعمله، وإن ألح عليك الفكر في تذكره، أو أن تكلم الناس عنك فانسب ذلك إلى نعمة الله وعمله لا إلى نفسك.
ومن فوائد النسيان، أن تنسى المتاعب والضيقات..
أحيانًا يكون التفكير في الضيقة أشد إيلامًا وضررًا من الضيقة ذاتها.. اجعل الضيقات خارجك لا داخلك. لا تسمح بدخول الضيقات في فكرك أو في قلبك لئلا تتعبك. حاول أن تنساها. وإن ألح عليك الفكر ولم تستطع أن تنسى، حاول أن تنشغل بالقراءة أو بالعمل أو بالحديث مع الناس، لكي تنسى وعندما تنسى ضيقاتك ومتاعبك وآلامك، ستدرك أن النسيان نعمة وهبها لنا الله. وستشكر الله الذي جعلك تنسى.. أليس أن الأطباء يقدمون للمرضى المتعبين بأفكارهم ومشاكلهم النفسية، أدوية لكي تشتت تركيز أفكارهم فينسون.. وهكذا يحاول الإنسان أن يشترى النسيان بالطب والدواء والمال. مبارك هو الله الذي يهب النسيان مجانًا، لمحبيه إنس المتاعب إذن والهموم، لأن تذكرها يجلب الأمراض النفسية والعصبية، وأمراضًا أخرى باطنية كثيرة.
من فوائد النسيان أيضًا أن ينسى الإنسان المعثرات التي تجلب له الخطية. فقد يقرأ شاب قصة بذيئة، أو يرى منظرًا خليعًا، أو يسمع كلامًا مثيرًا.. وإن لم ينسى كل هذا، تظل هذه الأمور حربًا على فكره تضيع نقاوة قلبه. ومن الخير له أن ينسى و قد يقع شاب في مشكلة عاطفية، ويحاول من أجل راحة قلبه أن ينسى وإن استطاع يعترف أن النسيان نعمة عظيمة لذلك حاول أن تنسى كل ما يعكر نقاوة قلبك لا تجلس وتفكر في أي أمر ينجس ذهنك أو مشاعرك إنما إن عبر شيء من هذه الأمور عليك لا تستبقيه ولا تعاود التفكير فيه لكي تنساه.
ومن فوائد النسيان أيضًا أن تنسى التافهات لكي تبقى في ذهنك الأمور الهامة النافعة لك ولغيرك تصوروا مثلًا لو أن إنسانًا تذكر كل ما يمر عليه طوال يومه أو طوال أسبوع أو شهر من كل الأمور التافهة التي تختص بالأكل والشرب وأحاديث الناس ومناظر الطريق وأيضًا كل القراءات وكل الإحداث، مثل هذا الشخص لا تحتمل طاقة فكره أن تخزن المعلومات اللازمة له والأساسية.. لذلك يسمح الله أن ننسى التافهات لكي تبقى في ذهننا الأمور الهامة فقط تصور مثلًا إذا أردت أن تصلى، وجاءت إلى ذاكرتك كل الأخبار والأحاديث التي عبرت عليك في يومك!! هل تستطيع حينئذ أن تركز فكرك في الصلاة. كذلك إن أراد أحد أن يذاكر درسًا، أو أن يكتب بحثًا، أو أن يناقش موضوعًا هامًا، أتراه يستطيع ذلك وفي ذهنه كل التفاهات التي عبرت عليه في يومه أليس من صالحه أن ينساها؟! ولو إلى حين إن النسيان إذن عملية غربلة حيوية تغربل في الذهن وفي الذاكرة جميع المعارف والمعلومات والمناظر والسماعات والأخبار، فتستبقى منها النافع، وتترك ما لا يفيد حاولوا إذن أن تتحكموا في ميزان ذاكرتكم، ولا تستبقوا فيها إلا كل ما يفيدكم أما الباقي فانسوه فلمثل هذا أوجد الله النسيان..
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
27 سبتمبر 2021
الصليب في حياتنا
الصليب في حياتنا بمناسبة عيد الصليب، نذكر الكلمات الآتية:أول علاقة لنا بالصليب هي في المعمودية، حيث صُلِب إنساننا العتيق حتى لا نُستَعبَد بعد للخطية..والصليب قد حملته الكنيسة في حركة الاستشهاد وفي كل الاضطهادات التي لحقت بها على مر العصور.. والجميل في هذا الصليب أن الكنيسة قد حملته بفرح وصبر دون أن تشكو منه أو تتذمر.. تحول الصليب في حياة الكنيسة إلى شهوة تشتهيها وتسعى إليها. وكان إقبال المسيحيين على الموت يذهل الوثنيين، وكانوا يرون فيه الإيمان بالأبدية السعيدة، واحتقار الدنيا وكل ما فيها من ملاذ ومتع.. تحولت السجون إلى معابد، وكانت ترن فيها الألحان والتسابيح والصلوات من مسيحيين فرحين بالموت..وثالث مجال نحمل فيه الصليب هو الباب الضيق..فيه يضيّق الإنسان على نفسه من أجل الرب. يبعد عن العالم وكل شهواته. ومن أجل الله يزدرى بكل شيء. في سهر، في أصوام، في نسك، في ضبط النفس، في احتمالات لإساءات الآخرين.ويمكن أن يدخل في هذا المجال صليب التعب.. فيتعب الإنسان في الخدمة من أجل الرب. ويتعب في «صلب الجسد مع الأهواء» كما يقول الرسول: «ولكن الّذينَ هُم للمَسيحِ قد صَلَبوا الجَسَدَ مع الأهواءِ والشَّهَواتِ» (غلاطية 5: 24)، ويتعب في الجهاد وصلب الفكر، والانتصار على النفس، ويعلم في كل ذلك أنه ينال أجرته بحسب تعبه حسبما قال بولس الرسول (كورنثوس الأولى 3: 8).والمسيحية لا يمكن أن نفصلها إطلاقًا عن الصليب.. والسيد المسيح صارحنا بهذا الأمر، فقال: «في العالَمِ سيكونُ لكُمْ ضيقٌ» (يوحنا 16: 33)، وقال أيضًا: «وتكونونَ مُبغَضينَ مِنَ الجميعِ مِنْ أجلِ اسمي» (لوقا 21: 17).ونحن نفرح بالصليب ونرحب به، ونرى فيه قوتنا كما قال الرسول: «كلِمَةَ الصَّليبِ عِندَ الهالِكينَ جَهالَةٌ، وأمّا عِندَنا نَحنُ المُخَلَّصينَ فهي قوَّةُ اللهِ» (كورنثوس الأولى 1: 18).المسيحية بدون صليب، لا تكون مسيحية..وقد قال الرب: «إنْ أرادَ أحَدٌ أنْ يأتيَ ورائي فليُنكِرْ نَفسَهُ ويَحمِلْ صَليبَهُ ويتبَعني» (متى 16: 24)، بل قال أكثر من هذا: «ومَنْ لا يأخُذُ صَليبَهُ ويتبَعُني فلا يَستَحِقُّني. مَنْ وجَدَ حَياتَهُ يُضيعُها، ومَنْ أضاعَ حَياتَهُ مِنْ أجلي يَجِدُها» (متى 10: 38، 39).والصليب قد يكون من الداخل ومن الخارج..من الداخل كما يقول الرسول: «مع المَسيحِ صُلِبتُ، فأحيا لا أنا، بل المَسيحُ يَحيا فيَّ» (غلاطية 2: 20). إنكار الذات إذًا (لا أنا)، هو صليب، وقليلون هم الذين ينجحون في حمل هذا الصليب..أما الصليب الخارجي، فهو كل ضيقة يتحمّلها المؤمن من أجل الرب، سواء بإرادته أو على الرغم منه. وعن هذا قال السيد الرب «في العالَمِ سيكونُ لكُمْ ضيقٌ» (يوحنا 16: 33)، وقيل أيضًا: «كثيرة هي أحزان الصديقين» (مزمور 34: 19)، وقيل كذلك: «بضيقاتٍ كثيرَةٍ يَنبَغي أنْ نَدخُلَ ملكوتَ اللهِ» (أعمال 14: 22).ولكن هذا الصليب – في كل أحزانه وضيقاته – هو موضع افتخارنا وأيضًا موضع فرحنا. وفي هذا يقول الرسول: «وأمّا مِنْ جِهَتي، فحاشا لي أنْ أفتخِرَ إلّا بصَليبِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ، الّذي بهِ قد صُلِبَ العالَمُ لي وأنا للعالَمِ» (غلاطية 6: 14)، كما يقول أيضًا: «لذلكَ أُسَرُّ بالضَّعَفاتِ والشَّتائمِ والضَّروراتِ والِاضطِهاداتِ والضّيقاتِ لأجلِ المَسيحِ. لأنّي حينَما أنا ضَعيفٌ فحينَئذٍ أنا قَويٌّ» (كورنثوس الثانية 12: 10). كما ينصحنا معلمنا يعقوب الرسول قائلا «اِحسِبوهُ كُلَّ فرَحٍ يا إخوَتي حينَما تقَعونَ في تجارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عالِمينَ أنَّ امتِحانَ إيمانِكُمْ يُنشِئُ صَبرًا» (يعقوب 1: 2، 3).من محبة الكنيسة للصليب جعلته شعارًا لها..وكانت الكنيسة تعلم أولادها محبة الألم من أجل الرب، وتغرس في فكرهم قول الكتاب «إنْ تألَّمتُمْ مِنْ أجلِ البِرِّ، فطوباكُمْ» (بطرس الأولى 3: 14)، بل أن الألم اعتبرته المسيحية هبة من الله، وفي ذلك قال الكتاب: «لأنَّهُ قد وُهِبَ لكُمْ لأجلِ المَسيحِ لا أنْ تؤمِنوا بهِ فقط، بل أيضًا أنْ تتألَّموا لأجلِهِ» (فيلبي 1: 29).وفى الألم، وفى حمل الصليب، لا يترك الله أولاده، فإن قال المزمور: «كثيرة هي أحزان الصديقين»، إنما يقول بعدها: «ومن جميعها ينجيهم الرب» (مزمور 34: 19)، كما يقول أيضًا: «الرب لا يترك عصا الخطاة تستقر على نصيب الصديقين» (مزمور 125: 3).احمل صليبك.. كن مصلوبًا لا صالِبًاإن كنتَ مصلوبًا، فاضمن أن الله سيكون معك ويرد لك حقك كاملًا، إن لم يكن هنا ففي السماء. أمّا إن كنتَ صالبًا لغيرك، فثق أن الله سيقف ضدك حتى يأخذ حق غيرك منك ويعاقبك.إن كنت صالِبًا لغيرك، اعرف أن فيك عنصر الشر والاعتداء والعنف، وكلها أنواع من الظلم لا تتفق مع البر الواجب عليك، ولا حتى مع المثالية الإنسانية التي يتطلبها العلمانيون..أمّا إن كنتَ مصلوبًا وبخاصة من أجل الحق ومن أجل الإيمان، فاعرف أن كل ألم تقاسيه هو محسوب عند الله، له إكليله في السماء وبركته على الأرض.وثق أن السماء كلها معك: الله والملائكة والقديسون..إن كل الذين تبعوا الحق، تحمّلوا من أجله. وكل الذين تمسكوا بالإيمان، دفعوا ثمن إيمانهم..إن العنف يستطيعه أي أحد ولكنه لا يدلّ على مثالية، والظلم سهل بإمكان أي أحد، ولكن لا يوجد دين يوافق عليه..لذلك احتفظ بمثالياتك وخلقك واحمل صليبك، والباطل الذي يحاربك لن يدوم إلى الأبد..إن السيد المسيح الذي ذاق مرارة الألم واحتمل الصلب، قادر أن يعين المتألمين والمصلوبين في كل زمان وفي كل موضع. لذلك ضع أمامك صورة المسيح المصلوب تجد تعزية، وثق أن بعد الجلجثة توجد أمجاد القيامة...
مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث
المزيد
22 سبتمبر 2021
العالم محتاج السلام
علي الرغم من كل ما في العالم من كنوز, ومن خيرات لا تحصي, ومن نتائج كثيرة لنمو العلم و المخترعات, ومن نتائج عجيبة للمدنية والحضارة والعلم.. ومع ذلك فإنه محتاج ولعلنا نسأل إلي أي شيء هو محتاج؟! العالم محتاج إلي السلام وإلي الهدوء, فإلي أي مكان نذهب إليه نجد احتياج العالم إلي السلام, في هذا الجو المضطرب, والذي يموج بالاختلافات في كل بلد وفي كل مكان.. حتى إنك لا تتصفح الجرائد في أي يوم, إلا وتجد أخبار الصحف الرئيسية عن مشاكل العالم جملة, وعن المشاكل المحلية في كل بلد. تجد هذا في العناوين الرئيسية.. فإن دخلت إلي التفاصيل تجد ما هو أبشع.. نعم هذا هو العالم الذي خلقه الله في سلام.. وفيه كان يعيش أبونا آدم في سلام حتى مع الوحوش.. كانت في سلام معه, ويعيش هو في سلام معها, وتأتي إليه ويسميها بأسماء.. وبنفس الوضع كان يعيش أبونا نوح مع الوحوش في الفلك ويهتم بها ويغذيها, ويتعهدها بالرعاية.وإن كان السلام هكذا, فإن الله قد أوصانا قائلًا: وأي بيت دخلتموه, فقولوا سلام لأهل هذا البيت، ونص الآية هو: "وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلًا: سَلاَمٌ لِهذَا الْبَيْتِ." (إنجيل لوقا 10: 5). وهكذا عندما كنت أزور أي بيت من بيوت أولادنا في المهجر, كانت أول عبارة أقولها عندما تخطو قدماي باب بيتهم, كنت أقول: قال الرب: وأي بيت دخلتموه فقولوا سلام لأهل هذا البيت.والسلام معروف في كل تحياتنا مع بعضنا البعض.. فإن حضر أحد من سفر نقول له: حمدا لله علي السلامة. وإن سافر, نقول له: مع السلامة, وإن وقع علي الأرض, نقول له: سلامتك. وأي اجتماع رسمي, نبدأه بالسلام الجمهوري.والسلام علي أنواع ثلاثة: سلام مع الله, وسلام مع الناس, وسلام داخل النفس, في الفكر وفي القلب, ما بين الإنسان وبين نفسه, ولذلك فالإنسان البار هو في سلام مع الله.أما إذا بدأ بالخطية يبتعد عن الله, حينئذ يفقد سلامه الداخلي, ويحتاج أن يصطلح مع الله بالرجوع إليه. غير المؤمن يصطلح مع الله بالإيمان وحياة البر.
أما المؤمن الخاطئ, فيصطلح مع الله بالإيمان وحياة البر. وإلهنا المحب الغفور يكون مستعدًا لقبول ذلك الصلح, إذ يقول: ارجعوا إلي أرجع إليكم.ويأتي هذا السلام أيضا بحفظ الله للإنسان: كما يقول: "وَهَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ" (سفر التكوين 28: 15).. أحفظك من حروب الشياطين, ومن الناس الأشرار.. وأحفظك من حروبك الداخلية, وأحفظ دخولك وخروجك.. وينضم إلي هذا المزمور وعود الله الكثيرة, كقوله: "هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ." (إنجيل متى 28: 20) وقوله عن الكنيسة: إن "أَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا." (إنجيل متى 16: 18).
نقطة ثانية وهي سلام مع الناس, فيها يسلم الناس علي بعضهم البعض ليس فقط بالأيدي وإنما بالقلب والشعور أيضًا.. وإن كانت بينهم خصومة من قبل فإنهم يتصالحون. ولأنه قد يبدو من الصعب أن تصطلح النفس مع كثير من الأعداء والمقاومين, فإن الكتاب يقول: إن كان ممكنا, فعلي قدر طاقتكم سالموا جميع الناس, وقيل علي قدر طاقتكم فإن هناك أشخاصا تحاول أن تسالمهم وهم لا يريدون إما بسبب طباعهم, أو بسبب سلوكك الطيب يكشف سلوكهم الرديء, أو لأنهم يحسدونك بسبب نجاحك, أو بسبب تدبير أو بسبب تدابير معينة يدبرونها, أو لأي سبب آخر.. فهؤلاء أيضًا سالمهم حسب طاقتك.. وإن وجد خلاف فلا يكن بسببك أنت.. قد يعاكسك الغير.. ولكن لا تبدأ أنت بالخصومة،ولا تكن حساسًا جدًا من جهة احتمال أخطاء الغير, كن واسع الصدر حليمًا وتذكر أنه قيل عن موسي النبي: "وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ." (سفر العدد 12: 3)إن بدأ الغير بالخصومة فاحتمل, فقد قيل في الكتاب: "لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ" (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 12: 19).. "لاَ تُجَازُوا أَحَدًا عَنْ شَرّ بِشَرّ" (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 12: 17). لذلك ابعد عن الغضب. ولا تعط فرصة لأحد أن يستثيرك فتخطئ واسمع هذه النصيحة الغالية: "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ." (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 12: 21).. واعرف أن الذي يحتمل هو الأقوى.. أما الذي لا يستطيع أن يحتمل فهو الضعيف. لأنه لم يقدر علي ضبط نفسه.لا تطالب الناس بمثاليات لكي تستطيع التعامل معهم. نعم, بل تعامل معهم كما هم, وليس كما ينبغي أن يكونوا, وإلا فربما يأتي عليك وقت تختلف مع الجميع, إننا نقبل الطبيعة كما هي: الفصل المُمْطِر, والفصل العاصِف, والفصل الحار.. دون أن نطلب من الطبيعة أن تتغير لترضينا.. فلتكن هذه معاملتنا لمن نقابلهم من الناس, إنهم ليسوا كلهم أبرارًا أو طيبين. كثير منهم لهم ضعفات, ولهم طباع تسيطر عليهم, إنهم عينات مختلفة, وبعضها مثيرة, فلتأخذ منهم بقدر الإمكان موقف المتفرج وليس موقف المنفعل, وعاملهم حسب طبيعتهم بحكمة, ولكن احترس من معاشرة الأشرار الذين قد يجذبونك إلي الخطيئة معهم, "إِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 15: 33).
النقطة الأخيرة هي السلام داخل النفس, أي السلام داخل القلب والفكر, والذي عنده مثل هذا السلام, يظهر أيضا هذا السلام في ملامح وجهه. فنجد أن ملامحه مملوءة سلامًا, ويستطيع أن يشيع السلام في نفوس الآخرين, وفي وجوده, يكون الجو مملوءًا سلامًا, ويكون مملوءا أيضا اطمئنانًا وذلك بسبب عمل الله معه, وعمل الله فيه.أما الذي يفقد سلامه الداخلي, فإنه يقع في الاضطراب والخوف والقلق والشك.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
15 سبتمبر 2021
الله غير المحدود
إن الله تبارك اسمه له صفات كثيرة, ولكنه في بعض هذه الصفات ينفرد بها وحده, فمثلًا صفة الله كخالق. فهو وحده الخالق ولا يوجد خالق سواه, ومن صفاته التي ينفرد بها وحده أنه غير محدود. وقد يوجد إنسان يتصف بالحكمة والمعرفة. ولكن الحكمة عند الله غير محدودة والمعرفة غير محدودة. نستطيع بعد هذه المقدمة أن نضع هذه القاعدة, وهي أنه من صفات الله الخاصة به وحده أنه غير محدود, وهو غير محدود في المكان والزمان وفي القدرة وفي العلم وفي المعرفة وفي كل شيء.
الله غير محدود من جهة المكان والزمان, فهو موجود في كل مكان, ولا يحده مكان, ولا يسعه مكان. هو في الكون كله: هو في السماء وعلي الأرض وما بينهما. هو في الجو وفي أعماق البحر, السماء هي كرسي الله, والأرض هي موطئ قدميه. هو في كل مكان, حيث يري ما يفعل الناس, ويسمع ما يقولونه. كل إنسان مضبوط أمامه. لا يستطيع أن يختفي. كما يقف البشر أمام الله علي الأرض, هكذا أيضا يقف الملائكة أمامه في السماء, أمامه القديسون يسبحون بطهارة قلوبهم, وأمامه أيضا الأشرار في أماكن شرهم. إن أشعة الشمس تدخل في الأماكن الطاهرة كما تدخل أيضا في الأماكن القذرة لكي تطهرها وتقتل جراثيمها ولا تؤثر عليها قذارتها ولا تتأثر بها.ولأن الله في كل مكان لا نقول إنه يصعد أو يهبط, ولا نقول إنه يمشي أو يتحرك. فإن صعد, إلي أين يصعد؟ وهو موجود من قبل في المكان الذي يصعد إليه! وإن قلنا إنه ينزل إلي مكان ما, فهو بلا شك موجود من قبل في ذلك المكان الذي سوف ينزل إليه, وهو لا يمشي ولا يتحرك. لأنه في كل مكان, لا يفارق موضعا إلي موضع آخر. إنه مالئ الكل, وإن وجدت آيات في الكتاب المقدس تحمل مثل هذا التعبير, فإنها لكي تقرب المعني إلي عقولنا البشرية. أو تعني ظهوره في المكان الذي يقال أنه نزل إليه أو ظهر فيه أو عمل فيه عملا فهو لا يأتي إلي مكان, ولا يفارق مكانا, ولا ينتقل من مكان إلي مكان, لأنه موجود في كل مكان, وفي كل وقت, وهو لا يأتي إلي مكان لأنه موجود في المكان الذي يقال إنه أتي إليه. إنما يظهر فيه, أو يعلن وجوده فيه, فيقال أنه أتي إليه عندما سلم الله وحي الشريعة لموسي علي الجبل, كان في نفس الوقت في السماء وعلي الأرض, وأيضا عندما كل أبانا إبراهيم ودعاه... ويسري هذا المنطق علي كل لقاءات الله مع البشر منذ أيام أبينا آدم وعلي مر الأجيال كلها. إنه غير محدود من جهة المكان.كذلك الله أيضا غير محدود من جهة الزمان. إنه أزلي أي لا بداية له. والأزلية هي من صفات الله وحده لا يشاركه فيها أحد. لأن كل الكائنات الأخرى هي مخلوقات. وكل مخلوق له بداية وقبل تلك البداية لم يكن له وجود.ولأن الله أزلي, فهو واجب الوجود, وهو موجود بالضرورة. فوجوده ضرورة تفسر وجود باقي الكائنات.وكما أن الله أزلي, فهو أيضا أبدي. فهو غير محدود من جهة الزمن, بلا بداية ولانهاية, ولذلك يوصف أيضا بأنه سرمدي. أنه لا يدخل في نطاق الزمن ولا مقاييسه. لأنه فوق الزمان. بل هو خالق الزمن. ونفس هذا الكلام يقال عن عقل الله وروحه. نعم يقال عن عقل الله الذي كل شيء به كان, وبغيره لم يكن شيء مما كان.وكما أن الله غير محدود من جهة المكان والزمان, كذلك هو غير محدود من جهة القدرة.فمن جهة القدرة نقول: إن الله كلي القدرة, أو أنه قادر علي كل شيء ولهذا نقول: إن كل شيء مستطاع عنده, وأن غير المستطاع عند الناس هو مستطاع عند الله.ومن هنا نؤمن بالمعجزات. وقد سميت المعجزات بهذا الاسم لأن العقل البشري يعجز عن تفسيرها. إنها ليست شيئا ضد العقل, إنما هي فوق مستوي العقل تدخل في قدرة الله غير المحدود.ومن قدرات الله غير المحدودة قدرته علي إقامة الموتى. ليس فقط في إقامة أشخاص معينين من الموت. بل بالأكثر القيامة العامة في أخر الزمان. إقامة كل البشر منذ أبوينا آدم وحواء. بل كل الذين تحولوا إلي تراب, والذين تحللت أجسادهم وامتصتها الأرض. كلهم سيقومون جميعا, ويقفون أمام الله يوم الحساب بأرواحهم وأجسادهم... إنها قدرة غير محدودة يقف أمامها العقل البشري مبهوتًا ومذهولًا.إن الله ليس فقط قادرا علي كل شيء, بل هو أيضا مصدر كل قوة. هو الذي يهب القدرة للملائكة, الذين يستطيعون أن ينتقلوا من السماء إلي الأرض في لمح البصر, والله هو أيضا الذي وهب قديسيه قوة لصنع المعجزات كالقوة التي وهبها لموسي النبي حينما ضرب البحر بعصاه. وكالقوة التي أقام بها إيليا أبن أرملة صرفة صيدا من الموت. إنها معجزات ليست بقوتهم البشرية إنما بقوة الله إن الله القادر علي كل شيء, هو الذي وهب العقل البشري قدرات عجيبة. والله الذي يهب القدرة, هو قادر أيضًا أن يسحبها متى شاء. هو الذي وهب شمشون الجبار قوة جسدية فائقة للوصف. وعندما كسر شمشون نذره بعد أن باح به لدليلة, سحب الله منه تلك القوة. فأذله أعداؤه.الله أعطي القوة للنار أن تحرق. ولكنه في قصة الثلاثة فتية القديسين الذين ألقاهم الفرس في النار, لم يسمح الله للنار أن تؤذيهم, وشعرة واحدة من رؤوسهم لم تحترق.نقول أخيرًا إن الله سمح أن يكون للشيطان قوة. ولكن الله وضع حدودا معينة لقوة الشيطان, كما يظهر ذلك في قصة أيوب البار. وأيضا في التجربة علي الجبل قال الرب أخيرًا للشيطان: أذهب يا شيطان. فذهب ولم يستطع أن يخالف. ولا ننسي المعجزات الكثيرة الخاصة بإخراج الشياطين, ولعل من بينها قصة لجئون. علي أن مصير الشيطان واضح أنه في يد الله الكلي القدرة الذي سيلقيه أخيرا في بحيرة النار والكبريت.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
11 سبتمبر 2021
عيد النيروز... عيد الشهَداء
بدأ الاستشهاد ببدء المسيحية. وكان أول شهيد هو القديس اسطفانوس أحد الشمامسة السبعة والذي تضعه الكنيسة في مجمع القديسين قبل كل الآباء البطاركة.وتوالى الاستشهاد حتى شمل جميع الآباء الرسل ما عدا القديس يوحنا الحبيب الذي نالته عذابات كثيرة ولكنه لم يمت شهيدًا.أما عن الاستشهاد في مصر، فقد كان أول شهيد هو القديس مارمرقس الرسول، ثم كثر عدد الشهداء جدًا، وشمل أيضًا النساء والأطفال. ونذكر من بين هؤلاء القديسة الأم دولاجي وأبناءها الذين ذُبِحوا على حجرها وهي تشجعهم. ونذكر أيضًا القديسة يوليطة وابنها قرياقوص. ونذكر أيضًا الطفل أبانوب.ولكن الاستشهاد بلغ ذروته في عهد الإمبراطور دقلديانوس الذي حكم من سنة 284م. وكان الاستشهاد يشمل أحيانًا مدنًا بأسرها ولذلك جعلت الكنيسة القبطية تقويمها (تقويم الشهداء) يبدأ من سنة 284م على الرغم من أن الاستشهاد بدأ من القرن الأول. وذلك لأنه من ذلك التاريخ بدأ الاستشهاد الجماعي. سواء من قسوة وعنف الحكام، أو من رغبة الكثيرين في أن ينالوا إكليل الشهادة.ونذكر بهذه المناسبة 30000 شخصًا خرجوا للاستشهاد وهم يرتلون فرحين في الطريق من دمنهور إلى الإسكندرية لكي ينالوا بركة الاستشهاد.ومن محبة الناس للاستشهاد، ما أكثر الكتب التي صدرت تحت عنوان (حثّ على الاستشهاد). وأصبح الاستشهاد في المسيحية عبارة عن شهوة، شهوة الموت من أجل الرب ومن أجل الإيمان. وهنا نذكر قول بولس الرسول «لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا» (في1: 23).كان الناس يستهينون بالألم، ويرون أن الموت بالاستشهاد هو أقصر طريق يوصّل إلى الفردوس، وإلى اللقاء مع الرب. لذلك كانوا فرحين بالموت. ولا يخافون إطلاقًا من عذاب الاستشهاد. بل يرونه بركة أكبر.ونحن إن كنا نحتفل بعيد الاستشهاد يوم عيد النيروز، فإننا لا ننكر أبدًا أننا نحتفل بذكرى الشهداء كل يوم. وفي هذا المجال نشكر كل الشكر القديس يوليوس الأقفهصي الذي كتب لنا سير الشهداء. حيث كان يجمع أجسادهم المقدسة ويكتب سيرة كل منهم على قدر ما أمكنه ذلك.+ ووراء الاستشهاد توجد دوافع روحية كثيرة: منها الإيمان العميق بالسيد المسيح، وأيضًا الإيمان بالحياة الأخرى أي الحياة بعد الموت. هذه الحياة التي كان يرقبها الشهداء بكل قلوبهم وبفرح لا يُعبر عنه.وطبعًا كان يدفعهم إلى الاستشهاد محبة الرب الذي قال «لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ..» (يو15: 13)، فكم بالأولى إن كان يضع نفسه من أجل الله.وحلقة الاستشهاد كان يمتزج بها كذلك الزهد في العالم الحاضر وكل ما فيه. بل سادت أيضًا حركة من البتولية التي قال فيها القديس بولس الرسول: «فَأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا بِلاَ هَمٍّ» (1كو7: 32)، يقصد أنه -والاستشهاد قادم بسبب أعداء الإيمان- لا يكون للإنسان وقت ذلك في هَمٍّ من جهة أسرته وأولاده وبيته.ومما شجَع أولئك القديسين على الرغبة في الموت، نعمة كبيرة كانت تحيط بهم وتقوّيهم وتعطيهم قدرة على الاحتمال. وتعطيهم شجاعة كبيرة في التقدم إلى الاستشهاد. كذلك ما حدث من معجزات كثيرة تقوّي الإيمان.والكنيسة في تلك الأيام أعدت أولادها للاستشهاد بما عمّقته في قلوبهم من محبة الإيمان ومن شهوة الحياة الأخرى. وكذلك اهتمت الكنيسة برعاية أسر الشهداء حتى لا يحاربهم القلق من هذه الناحية.إننا نذكر من بين الشهداء لونجينوس القائد الذي طعن المسيح بالحربة، وآمن واُستُشهد. ونذكر أيضًا أريانوس والي أنصنا الذي كان من أقسى الولاة وآمن واستشهد.
مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث
المزيد