المقالات
05 مايو 2021
القيامة تعزية ورمز
أهنئكم بعيد القيامة المجيد ، راجياً فيه لكم جميعاً مباركة سعيدة وراجياً لبلادنا كل خير وسلام 0
تكلمنا فى كل عام من الأعوام السابقة عن جانب معين من جوانب القيامة وفاعليتها فى حياتنا 0 ونتابع اليوم تأملاتنا فنقول :
1-إن كلمة القيامة كلمة جميلة ، فيها تعزية للقلوب 0
ولا شك أن قيامة المسيح كانت معزية لتلاميذه ، وكانت لازمة لهم ، لتثبيت إيمانهم 0ولبناء الكنيسة 0 0 وأتذكر إننى فى هذا المعنى ، كنت منذ أكثر من أربعين سنة ، قد كتبت قصيدة قلت فى مطلعها :
قد حطـم الشيطان لا تبق لدولته بقيـــة
قد نفذ الأرواح مــن قبر الضلالة والخطـية
قـــم روع الحــــراس وابهـــرهم بطــلعتك البــهــــية
قم قو إيمان الرعــاة ولم اشتات الرعـية
واكشف جراحك مقنعاً توما فريبته قويـــة
واغفر لبطرس ضعفه وامسح دموع المجدلية
وقد كان هذا ، وفى قيامة السيد المسيح ، عزى تلاميذه ، وفرحوا بقيامته ، وآمنوا بالقيامة ، وبأنها ممكنة ، وآمنوا أنهم أيضاً سيقومون بعد الموت ، فمنحهم كل هذا عزاء فى حياتهم وعدم خوف من الموت على أنى أريد اليوم أن أطرق موضوع القيامة من ناحية أخرى ، وهى :
القيامة كرمز
2- القيامة هى رمز للتوبة :
أو أن التوبة تشبه بالقيامة :
فنحن نعتبر أن الخطية هى حالة من الموت ، وأقصد الموت الروحي 0 وقال القديس أو غسطينوس " إن موت الجسد ، هو انفصال الجسد عن الروح ، أما موت الروح ، فهو انفصال الروح عن الله " فالله هو ينبوع الحياة ، أو هو الحياة الكلية 0 كما قال فى الإنجيل " أنا هو الطريق والحق والحياة " ( يو 14 : 6 ) 0 " أنا هو القيامة والحياة " ( يو 11 : 25 ) من يثبت فى الله ، يكون بالحقيقة حياً 0 ومن ينفصل عن الله يعتبر ميتاً والخطيئة هى انفصال عن الله ، لأنه لا شركة بين النور والظلمة " ( 2 كو 6 : 14 ) فالخاطئ إذن هو ميت روحياً ، مهما كانت له أنفاس تتحرك وقلب ينبض 00 قد يكون جسده حياً 0 ولكن روحه ميته ميته 00 وهكذا فى مثل الأبن الضال ، الذى شرد بعيداً عن أبيه ثم عاد إليه ، وقال عنه أبوه فى هذه التوبة ابنى هذا كان ميتاً فعاش 0 وكان ضالاً فوجد ( لو 15 : 24 ) وقيل فى الكتاب عن الأرملة المتنعمة إنها ماتت وهى حية " ( 1 تى 5 : 6 ) 0 وقال القديس بولس الرسول لأهل أفسس " إذ كنتم أمواتاً بالذنوب والخطايا التى سلكتم فيها قبلاً 00 ( اف 2 : 1 ) وقال أيضاً " ونحن أموات بالخطايا ، أحيانا مع المسيح 00 وأقامنا معه ، وأجلسنا معه فى السماويات " ( أف 2 : 5 ) 0 وقال السيد المسيح موبخاً راعى كنيسة ساردس " إن لك إسماً إنك حى ، وأنت ميت " ( رؤ 3 : 1 ) 0فحياته الظاهرية حياة حقيقية ، لأن الحياة الحقيقية هى الحياة مع الله ، أو الحياة فى الله ، هى الحياة فى الحق ، وفى النور والبر 0 أما ذلك الخاطئ ، فإن له اسماً أنه حى ، وهو ميت لذلك كنت أقول فى معنى الحياة الحقيقية " أحقاً نحن أحياء 00 ؟ " إن الحياة لا تقاس بالسنين والأيام ، وإنما بالفترات الروحية الحلوة التى نقضيها مع الله 00 هى وحدها التى تحسب لنا ، والتى يقاس بها عمرنا الروحى ، وبها يكون تقرير مصيرنا فى القيامة 0 لذلك أيها الأخ بماذا تجيب حينما يسألك الملائكة كم هى أيام عمرك على الأرض ؟ هل ستحسبها بالجسد أم بالروح ؟ ومع ذلك ، فإن الخاطئ المعتبر ميتاً : إذا تاب تعتبر قيامة وعن هذا المعنى يقول القديس بولس الرسول للخاطئ الغافل عن نفس " استيقظ أيها النائم ، وقم من الأموات ، فيضئ لك المسيح " ( أف 5 : 14 ) 0 مشبهاً التوبة هنا ، بأنها يقظة روحية ، وأنها قيامة من الأموات وقد ذكر الإنجيل للسيد المسيح ثلاث معجزات أقام فيها أمواتاً 0 ويمكن اعتبار كل منها رمزاً لحالة من التوبة أقام ابنه يايرس وهى ميتة فى بيت أبيها ( مر 5 ) 0 وأقام ابن أرملة ناين من نعشه فى الطريق ( لو 7 ) وأقام لعازر وهو مدفون فى القبر من أربعة أيام 00 وكانت كل إقامة هذه الأداث الثلاثة تحمل رمزاً خاصاً فى حالات التوبة 0
أ- ابنه يايرس وهى فى البيت ، ترمز إلأى الذى يخطئ وهو لا يزال فى بيت الله ، فى الكنيسة ، لم يخرج منها ولم يخرج عنها 0 ولذلك قال السيدعن ابنة يايرس " إنها لم تمت ، ولكنها نائمة ( مر 5 : 39 ) 0 ولما أقامها أوصاهم أن يعطوها لتأكل ( مر 5 : 43 ) 0 لأن هذه النفس تحتاج إلى غذاء روح يقويها ، حتى لا تعود فتنام مرة أخرى 0
ب – أما ابن أرملة نايين وهو ميت محمول فى نعش 00 فهذا ميت خرج من البيت ترك بيت الله ، وأمه تبكى عليه ، أى تبكى عليه الكنيسة أو جماعة المؤمنين 0 هذا أقامه المسيح ، ثم " دفعه إلى أمه " ( لو 7 : 15 ) 0 أرجعه إلى جماعة المؤمنين مرة أخرى 000
ج – لعازر المدفون فى القبر ، يرمز إلى الحالات الميئوس منها :
حتى أن أخته مرثا لم تكن تتخيل مطلقاً أنه سيقوم 0 وقالت للسيد أنتن ، لأنه له أربعة أيام "
( يو 11 : 39 ) 0 إنه يرمز للذين ماتوا بالخطية وتركوا بيت الله ، بل تركوا الطريق كله ، ومرت عليهم مدة طويلة فى الضياع ، ويئس من رجوعهم حتى أقرب الناس إليهم 0 ومع ذلك أقامه المسيح ، وأمر أن يحلوه من الرباطات التى حوله ( يو 11 : 44 ) فمثل هذا الإنسان يحتاج أن يتخلص من رباطاته التى كانت له فى القبر كل هذه أمثلة تدعونا إلى عدم اليأس من عودة الخاطئ ، فلابد أن له قيامة إننى فى مناسبة قيامة السيد المسيح ، أقول لكل خاطئ يسعى إلى التوبة :
قام المسيح الحى هل مثل المسيح تراك قمت
أم لا تزال موسداً فى القبر ترقد حيث أنت
والحديث عن القيامة من الخطية ، هو نفس الحديث عن القيامة من أية سقطة وقد يحتاج الأمر إلى دعوة للقيامة ، أى إلى حافز خارجىمثال ذلك كرة تدحرجت من على جبل 0 تظل هذه الكرة تهوى من أسفل إلى أسفل ، دون أن تملك ذاتها ، أو تفكر فى مصيرها 0 وتظل تهوى وتهوى تباعاً ، إلى ان يعترض طريقها حجر كبير ،فيوقفها ، وكأنه يقول لها " إلى أين أنت تتدحرجين ؟! وماذا بعد ؟! " فتقف 0 إنها يقظة أو صحوة ، بعد موت وضياع 00 تشبه بالقيامة أو مثال ذلك أيضاً فكر يسرح فيما لا يليق كإنسان يسرح فى فكر غضب أو انتقام ، أو فى خطة يدبرها ، أو فى شهوة يريد تحقيقها ، أو فى حلم من أحلام اليقظة 0 ويظل ساهماً فى سرحانه ، إلى أن يوقفه غيره ، فيستيقظ إلى نفسه ، ويتوقف عن الفكر 0 إنها يقظة أو صحوة ، أو قيامة من سقطة 0
3 – هناك أيضاً القيامة من ورطة ، أو من ضيقة 0
قد يقع الإنسان فى مشكلة عائلية أو اجتماعية يرزخ تحتها زمناً ، أو فى مشكلة مالية أو أقتصادية لا يجد لها حلاً 0 أو تضغط عليه عادة معينة لا يملك الفكاك من سيطرتها 0 أو تملك عليه جماعة معينة أو ضغوط خارجية ، لا يشعر معها بحريته ولا بشخصيته ، ولا بأنه يملك إرادة أو راياً 000
وفى كل تلك الحالات يشعر بالضياع ، وكأنه فى موت ، يريد أن يلتقط أنفاسه ولا يستطيع 000 إلى أن فتقده عناية الله وترسل له من ينقذه ، فيتخلص من الضيقة التى كان فيها 0 ولسان حاله يقول :
" كأنه قد كتب لى عمر جديد " 0 أليست هذه قيامة ؟ إنها حقاً كذلك 0
4 – القيامة هى حياة من جديد 0 ما يسمونه بالإنجليزية Revival 0
حياة جديدة يحياها إنسان ، أو تحياها أمة أو دولة ، أو أية هيئة من الهيئات 00 أو يحياها شعب بعد ثورة من الثورات التى تغير مصيره إلى أفضل ، وتحوله إلى حياة ثانية ، حياة من نوع جديد 0 فيشعر أن حياته السابقة كانت موتاً ، وأنه عاد يبدأ الحياة من جديد ويود أن حياته السابقة لا تحسب عليه 0 إنما تحسب حياته من الآن هذه القيامة رأيناها فى حياة الأفراد ، ورأيناها فىحياة الأمم : رأيناها فى أوروبا بعد عصر النهضة والانقلاب الصناعى ، ورأيناها فى فرنسا بعد الثورة الفرنسية المعروفة 0 ورأيناها فى روسيا بع إللان البروستوكيا 0 ورأيناها أيضاً فى الهند على يد غاندى ، وأيضاً فى كل دولة تخلصت من الاستعمار أو الاختلال أو الانتداب ورأيناها فى مصر ، مرة بعد التخلص من حكم المماليك ، ومرة أخرى بعد ثورة سنة 1919 ، ومرة ثالثة بعد ثورة سنة 1952 . كما رأيناها كذلك فى الثورة الإقتصادية أو فى النهضة الإقتصادية التى قادها طلعت حرب إن القيامة يا أخوتى ، ليست هى مجرد قيامة الجسد 0 إنما هناك حالات أخرى كثيرة توحى بها القيامة ، أو تكون القيامة رمزاً لها 00 وتبدو فيها سمات حياة أخرى 0
5 – ونحن نرجو من الله أن يجعل سمات القيامة فى حياتنا باستمرار 0
عمليات تجديد وحياة أخرى ، تسرى فى دمائنا أفراداً وهيئات 00 كما قال الكتاب عن عمل الله فى الإنسان إنه " يجدد مثل النسر شبابه " ( مز 103 ) 0 وأيضاً كما قيل فى نبوة اشعياء " وأما منتظرو الرب ، فيجددون قوة 0 يرفعون أجنحة كالنسور 0 يركضون ولا يتعبون 0 يمشون ولا يعيون " ( أش 40 :31 ) إلهنا الصالح ، نسأله فى روح القيامة ، أن يهبكم جميعاً قوة فى حياتكم ، ونسأله أن تحيا بلادنا حياة متجددة باستمرار ، فيها الصحوة وفيها النهضة وفيها روح القيامة ، فى عزة وفى مجد وفى قوة وأمنياتى لكم جميعاً بالسعادة والبركة وكل عام وجميعكم بخير 0
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
01 مايو 2021
متعة الروح في القيامة وهي في السماء
فيما نحن نحتفل بعيد القيامة، يسرني أن أحدثكم عن متعة الروح بعد القيامة وهي في السماء.
متعة الانطلاق
الروح الآن حبيسة في الجسد، في هذا القفص المادي. وبينما الروح كيان خفيف يتميز بالشفافية، فإن الجسد مادي يتصف بالثقل. والجسد يحاول أن يسيطر على الروح ليجذبها إلى ماديته، والروح تقاوم. فبينهما صراع. إن انتصرت الروح، ترتفع بالجسد إلى فوق. وإن انتصر الجسد، يهبط بالروح إلى لذة المادة وانفعالاتها.حتى في المعرفة، الجسد يمثل ضبابًا يمنع الرؤية الحقيقية عن الروح. فالروح حاليًا لا ترى إلا بعين الجسد، ولا تسمع إلا بأذن الجسد. وكل أنواع معرفتها تكون عن طريق حواس الجسد.
أما في انطلاق الروح، فتكون لها معرفة أوسع لا تستمدها من الحواس الجسدية، بل يكون لها الحس الروحي. ولا تتحرك بأرجل الجسد، بل تتحرك وهي خفيفة : تصعد وتهبط وتجتاز مسافات دون أن تعبر وَسَطًا، مثل الملائكة أو كالفكر الذي يتحرك إلى قارة أخرى دون أن يعبر الوسط الذي بينها.وتتلاقى الأرواح وتتعارف وتتحدث بدون ترجمة من لغة إلى أخرى. بل تتفاهم بحسّ روحي ليس حبيسًا في نطاق اللغات. حقًا بأية لغة قد تفاهم أبونا آدم، وأبونا نوح، وموسى النبي، وأيوب البار، حينما التقوا معًا في العالم الآخر؟ أم أن هؤلاء وكل الأبرار كانوا يتفاهمون بغير لسان من ألسنتنا؟ أو بغير أصوات! وبأية لغة كانوا يتحدثون مع الملائكة؟ أم أنهم يتخاطبون معهم بغير لغة بشرية! أي بلغة الروح!
وفي غير الحواس البشرية، ماذا ستكون الرؤية الروحية؟
ننتقل إلى نقطة أخرى من متعة الروح في السماء وهى متعة التحرر.
متعة التحرر.
الأرواح حاليًا وهى متحدة بالأجساد – ليست حرة فيما تريد ... هناك ضغوط كثيرة عليها من الخارج، ومن الجسد بالذات ... ولكنها عندما تنطلق من الجسد، سوف تحرر من كل قيوده.سوف تحرر من غرائز الجسد ومن كل انفعالاته. وسوف تتحرر من أمراض النفس مثل القلق والاضطراب والشك. وسوف تتحرر من الضعف والعجز، ومن التعب والإعياء ومن عديد من الأمراض التي يتعرض لها الجسد ويلقي بنتائجها على الروح.وسوف تتحرر من مؤامرات الناس الأشرار، وما يلقونه على الروح من خوف ورعب. وما تحاول من وسائل للبعد وللوقاية من الضرر.وسوف تتحرر من خوف الموت، لأن الموت يكون قد تم ووقع على الجسد ولم يعد هناك مجال لتكراره.
متعة البِرّ
في العالم الآخر سوف تتحرر الروح من الخطية. فلا مجال للخطايا التي تنتج عن شهوات الجسد وغرائزه، إذ قد خلعت الجسد وانفصلت عنه. كذلك لا مجال للخطايا التي تأتي نتيجة لإغراءات خارجية. ففي العالم الآخر لا إغراءات ولا حروب شياطين. فالشيطان لن يدخل مواضع الأبرار في السماء. ولا توجد خطايا تقع فيها الروح من احتكاك البشر. فالأرواح البارة سوف تسكن في العالم الآخر مع أرواح بارة من نفس النوع، وأحيانًا من نفس الدرجة. ولا مجال للصراعات والانقسامات وسوف ينزع الله من أرواح ساكني السماء معرفة الخطية وتذكاراتها وقصصها وصورها التي كانت على الأرض. ويمنح هذه الأرواح إكليل البر، فلا تعود هناك إمكانية للخطية ولا رغبة فيها.حقًا ما أعظمها متعة وما أعمقها، أن تعيش الروح هناك في عالمٍ جديد كله برّ، لا عثرة فيه ولا شر ولا شبه شر. عالم أجمل بكثير من الجنة التي عاش فيها أبوانا آدم وحواء قبل الخطية، حيث كانا يعيشان في براءة وبساطة، ولكن في طبيعة قابلة للسقوط، وقد سقطا، أما في العالم الآخر، فلا توجد إمكانية للسقوط.
متعة الشفافية
في العالم الآخر سوف تتمتع الروح بالشفافية التي لم يعد يحجبها ضباب الجسد. شفافية في المعرفة والإدراك تكاد تدرك شفافية الملائكة. فيها يُنزع القناع عنها، فترى غير المرئيات، وتعرف أسرارًا عن العالم الآخر ما كان يمكنها معرفتها على الأرض. وتظل تنمو في المعرفة ويوّسع الله مداركها لتعرف أكثر، بلون جديد من الإدراك فوق مستوى الحواس. وتكون معرفتها عن طريقين : أحدهما تجلي الروح في طبيعتها. وثانيهما هو الكشف الإلهي، إذ يكشف الله لها ما لا يمكن أن تدركه طبيعتها الحالية.
متعة الفرح
إنه فرح لا ينطق به يختلف عما في عالمنا من مباهج. هو فرح روحي. ثم هو فرح بأمور جديدة على الإنسان يختبرها لأول مرة. كذلك هو فرح دائم لا يتوقف ولا ينقطع، بل يكون دائم النمو والتجدد. وأيضًا هو فرح بالغلبة والانتصار، والتمتع بوعود الرب للغالبين ثم تفرح الروح بالعشرة المثالية التي في السماء، عشرة الأبرار والقديسين، بل وعشرة الملائكة، ورؤساء الملائكة، وعشرة مَنْ كنّا نقرأ عنهم في التاريخ ونشتهي مجرد معرفتهم.وأكثر من كل هذا عشرة الله نفسه -تبارك اسمه- لأن كل أفراح السماء بدون الله لا تكون أفراحًا حقيقية.إن كان الأمر كذلك، فلنستعد من الآن -في حياتنا الأرضية الحالية- حتى نكون مستعدين لكل تلك المتع السمائية التي أعدها الله لمن يحيون في طاعته. ليس لكل الأرواح، بل للأرواح الطاهرة الغالبة التي جاهدت وانتصرت واستحقت أن يكافئها الله بملكوته الأبدي.
ختامًا أهنئكم يا أخوتي بنعمة القيامة التي وهبها لنا الله في الحياة الأخرى. ونصلي جميعًا من أجل سلام العالم كله الذي انتشرت فيه الحروب والنزاعات، مع صلاة خاصة لأجل بلادنا مصروكل عام وجميعكم بخير.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
21 أبريل 2021
كل حق يقابله واجب
كثيرون يتحدثون عن حقوقهم ويطالبون بها، أو يطالبون بما يظنونه حقوقًا، وقد لا يكون كذلك. فما أسهل أن يدعي شخص حقا له، بغير حق! وقليلون هم الذين ينشغلون بالواجبات التي ترتبط بتلك الحقوق. لأن كل حق يقابله واجب أو تقابله عدة واجبات.. فكل حق لنا عند الناس، تقابله واجبات علينا من نحوهم.
الحق والنعمة:
في علاقتنا مع البشر قد نطالب بحقوق. أما مع الله فلا نطلب حقوقا. كل ما نطلبه هو عطايا أو نِعَم. وكل ما نحصل عليه هو نعمة من عنده.. فنحن نتمتع بالوجود. ولكنه لم يكن لنا حق الوجود. إنما نلنا هذا الوجود كنعمة من عند الله، ونحن نخاطب الله في الصلاة، وليس لنا من حق التحدث إليه، إنما وهبنا الله الصلاة كنعمة. كذلك من جهة الحياة: أين الحق وأين النعمة؟ من جهة الله، قد وهبنا نعمة الحياة. ومن جهة الناس، لنا عليهم كما لنا علي أنفسنا حق المحافظة علي هذه الحياة.أما عن الرعاية، فهي من جهة الله نعمة نطلبها، أن يرعانا.. وأما من جهة الناس، فهي حقوق نتبادلها: نحن نرعى غيرنا ممن هم في حدود واجباتنا. ويرعانا غيرنا ممن هم مكلفون بذلك..
الحياة:
مادام الله قد وهبنا نعمة الحياة، فقد أصبح من حقنا علي المجتمع أن نحيا.. ولكن هذا الحق تقابله واجبات عدة فواجبنا أن نستخدم حياتنا في الخيروأن نحافظ علي هذه الحياة، لتكون نافعة لنا ولغيرنا. كما من واجبنا المحافظة علي حياة غيرنا. وإن أفقدنا أحدا حياته، لا نكون مستحقين لنعمة الحياة. فتؤخذ حياتنا منا، نفس تكون عوضا عن نفس. وبهذا يحكم المجتمع وينفذ حياتنا وديعة أودعنا الله إياها. ومن واجبنا أن نستثمرها، ولا تكون عبئا علي المجتمع، بل مصدر نفع له. وحياتنا جزء من حياة المجتمع، له فيها نصيب، ومن واجبنا أن نمنحه هذا النصيب، فلا نعيش لأنفسنا فقط، إنما نعيش للغير علي قدر ما نستطيع.. وأحيانا نري من واجبنا أن نبذل حياتنا، لأجل الغير في حب.. وهنا يكون الاستشهاد، وتكون التضحية والذين سجل التاريخ أسماءهم، هم الذين عاشوا حياتهم لأجل غيرهم، فأدوا واجبهم نحو أوطانهم ونحو شعوبهم.
الوجود:
لقد وهبنا الله نعمة الوجود. وهذه النعمة تقابلها واجبات.. ومن العجب أن إنسانًا قد يظن انه موجود، بينما لا يشعر العالم بوجوده، لأنه لم يقم بواجب أو بعمل يشعر العالم به..!
فهل من حق الإنسان في الوجود، أن يكون فراغا لا يمتلئ المجتمع بشيء منه؟! أم واجبه في الوجود، أن يكون له وجود فعال، وفعال في الخير هناك أشخاص امتدت فاعليتهم حتى بعد وفاتهم.. ظلوا موجودين فيما تركوه من أثر باق يظن البعض انه يظل موجودا في أولاده، في أسمائهم وفي عملهم.. ولكن ماذا عن شخصه؟ هذا ما لم يفكر فيه! إن الوجود ليس مجرد أنفاس تتردد، بل هو حياة تبقي وتستمر فاعليتها.
ما أعجب مذهب 'الوجوديين'، الذين يرون أن وجودهم هو شعورهم بالوجود في اللذة، حتى لو كانت حياتهم فارغة! بل أنهم أكثر من هذا، يهاجمون الله تبارك اسمه بحجة انه يحرمهم من ملاذهم الخاطئة، بوصاياه الإلهية السامية! لذلك يقول الواحد منهم: 'من الخير أن الله لا يوجد، لكي أوجد أنا!!'.
حق العمل:
كل إنسان يطالب بحقه في أن يعمل، ويذكر في ذلك أن للبطالة خطرها علي المجتمع وعلي الفرد. وهذه حقيقة. غير أننا نسأل هل العمل هو منحة يقدمها لك المجتمع، أي فرصة للعمل؟ أم العمل هو طاقة كامنة فيك قادرة علي العمل؟ وهل طاقاتك هذه يلزمها دافع خارجي؟ أم هي طاقات خلاقة creative حيثما توجد أنت، ينبثق منك عمل؟
هل بذاتك تعمل، أم أنت أداة يأخذها غيرك ويعمل بها، ويوظفها حسبما يريد، فتصبح أنت موظفًا، ويكون من حقك أجر علي عملك، مرتب لك؟
لقد أعطانا الله أمثلة، في الكواكب التي تعمل من ذاتها، وفي أجهزة جسم الإنسان، وفي عوامل كثيرة من طبيعة الكون... حقًا، ما أجمل أن يكون العمل غريزة، وأن يكون طبعًا ومعروف أن الذي يحب العمل، ويؤدي عمله بلذة، لابد أن ينجح فيه، ولا يشعر بتعب مهما عمل، بعكس الذي يعمل وهو متبرم ومتضايق...علي أن هناك أشخاصا يمكنهم أن يبتكروا أعمالا لهم ولغيرهم أيضًا. أولئك لهم عقول مفكرة، تستطيع أن توجد الأيدي العاملة. وهناك من لهم مواهب ومقدرات، يطلبهم الآخرون للعمل، دون أن يطلبوا هم عملا أخيرا، إن كان من حقك أن تعمل، فواجبك الأمانة في العمل، والإنتاج والإتقان، وحسن التعامل، وتأدية واجبك بدون تراخ، وتنمية مقدراتك..
حقوق اجتماعية:
من حق الإنسان الناضج أن يتزوج، وأن تكون له أسرة ومن واجبه حسن المعاشرة، حتى لا يؤول الزواج إلي طلاق.. ومن حق الأبناء في الأسرة أن ينالوا الرعاية الكاملة من الآباء والأمهات. ومن واجبهم إكرام الوالدين، وطاعتهما في داخل محبة الله.من حق الوالدين أن يكون لهما أبناء. ومن واجبهما مراعاة تنظيم الأسرة، فلا ينجبان بأسلوب يؤدي إلي التضخم السكاني، وما يتبعه من مشاكل اقتصادية.من حق الإنسان أن يتمتع بالحب: يحب، ويحب.ومن واجبه أن يكون نزيهًا طاهرًا في محبته لغيره، وبخاصة مع الجنس الآخر. فلا يتحول حبه إلي مجرد شهوة جسدية تؤول إلي نجاسة! ومن واجب الإنسان أن يبعد عن الأنانية في محبته. بل يحب الآخرين ويبذل من أجلهم، ويحتمل. ويجعل محبته مشاعا للكل بلا تحيز.من حق الإنسان أن يكون له سكن يأوي إليه ومن واجبه أن يحرص علي حسن الجوار، فلا يؤذي جاره ولا يضايقه. كما يجب عليه الحرص علي جمال ونظافة البيئة التي يعيش فيها.من حق الإنسان أن يمتلك، وأن يقتني، وأن يربح.ومن واجبه أن يكون ذلك في حدود المعقول، وفي نطاق الربح الحلال، بعيدًا عن الجشع والاحتكار. فله أن يملك المال، ولكن لا يسمح للمال أن يملكه، ويصبح هدفه في الحياة! كما من واجبه أيضًا أن يستخدم ماله في الخير، وأن يعطي منه للمحتاجين والمعوزين. ويحتفظ في حياته بموازنة سليمة بين الأخذ والعطاء، بل يعطي أكثر مما يأخذ.من حق الإنسان أن يتمتع بالراحة ومن واجبه انه لا يبني راحته علي تعب الآخرين، وألا تتحول راحته إلي لون من الكسل أو التراخي. كما لا يطلب الراحة علي حساب عمله والإخلاص لواجباته. وتكون الراحة في الوقت المناسب وبالقدر المناسب.
حقوق سياسية
أول حق سياسي للإنسان هو حق المواطنة. وواجبه هو الولاء لهذا الوطن، واحترام الدولة ومؤسساتها وقوانينها.ومن حقوقه السياسية حق الانتخاب في حدود النظام العام. ومن واجبه الذهاب إلي مكان الانتخاب، والإدلاء بصوته حسب ضميره. ومن حقوقه المساواة، في نطاق المؤهلات والكفاءة والمقدرة.
من حقه أيضا الدفاع عن النفس، ومن واجبه أن يكون صادقًا وعادلًا في دفاعه عن نفسه. ولا يظلم غيره ويلقي عليه التبعة دون وجه حقومن حق الإنسان الحرية في حدود القانون. ومن واجبه أن يستخدم حريته، بحيث لا يعتدي علي حريات الآخرين وحقوقهم ومن حقه إبداء رأيه ونشره، واستخدام حرية الصحافة. ولكن هذا كله يقابله واجب الحفاظ علي سمعة الآخرين وعدم التشهير بهم. وأن يحتفظ بأدب الحوار. له أن يتكلم، وواجبه أن يتكلم حسنًا أخيرا، ما أطول موضوع الحقوق والواجبات، وكل ما ذكرناه هو مجرد مثال.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
14 أبريل 2021
الحرية أهميتها، أنواعها، ضوابطها
لقد خلق الله الإنسان حرًا. وبالحرية ميزه عن مخلوقات أخري كثيرة. وقد تغني الناس بالحرية. فقال أحد أدباء الغرب: 'لو انك فقدت كل شيء، ما عدا الحرية، فأنت لا تزال غنيًا'. وتجاه الحرية، يقف ذلك السؤال الشهير:'هل الإنسان مسير أم مخير؟' وواضح أن الإنسان مخير في كل ما يفعله. ولكي لا ينحرف بحريته فيخطئ، زوده الله بالعقل الذي ينير أمامه الطريق، وأيضًا بالضمير لكي يميز بين الخير والشر. كما زوده كذلك بالوصية الإلهية لكي يلتزم بها في كل تصرفات حياته.والدليل علي حرية الإنسان، إن الحرية ترتبط دائما بالمسئولية، فإن لم يكن الشخص حر الإرادة، فلا مسئولية عليه، وان لم يكن حرا، فكيف يلتزم بوصايا الله؟! وما لزوم أمور عديدة ينهاه الله عنها، إن لم تكن له حرية إرادة؟ وإلا انطبق عليه قول الشاعر:
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
كذلك فإن ارتكاب الخطيئة دليل علي أن الإنسان مخير.. لأن الله لا يسير أحدا في طريق خاطئ.. إنما المخطئ يرتكب الخطأ عن طريق اختياره له وأيضًا أن لم تكن هناك حرية، فلا حساب إذن ولا دينونة في الآخرة ولا ثواب ولا عقاب.
الإنسان إذن مخير لا مسير.. فهل هو مخير في كل شيء؟
طبعا لم يكن أي شخص مخيرًا من جهة البلد الذي ولد فيه، ولا من جهة الجنس الذي ينتمي إليه. ولم يكن مخيرًا في نوع شكله وملامحه، وفي فصيلة دمه، وفي كثير من المواهب التي أعطيت له، أو التي حرم منها.. لم يكن مخيرا في نشأته، ولا في اختيار أسرته، ولا فيما ورثه عن تلك الأسرة من دم ومن عقل، وأمور اجتماعية ولكنه علي الرغم من كل هذا هو مخير في تصرفاته، ومخير في أن يصلح بقدر الإمكان من مستوي نشأته، كما في تغيير مستواه في أمور عديدة.
هنا ونسأل: هل الإنسان حر في أحلامه؟
وللإجابة علي هذا السؤال، نقول أن هناك أنواعًا من الأحلام فقد توجد أحلام عبارة عن إعلان من الله، مثل الأحلام التي فسرها يوسف الصديق لفرعون. وهناك أحلام أخرى عبارة عن حروب من الشياطين. وهذان النوعان لا إرادة للإنسان فيهما ولا حرية، وبالتالي لا مسئولية. غير أن هناك أحلامًا ناتجة عما يخزنه كل شخص في عقله الباطن من شهوات أو رغبات أو أفكار أو مخاوف.. وما تجمعه الحواس من نظر وسمع.. وهذه قد تظهر له بصورة أحلام. ويبدو أنه لا حرية للإنسان فيها. ولكنها ناتجة عن حرية سابقة، فيما خزنه لنفسه.. وهي لا تدخل في نطاق الأمور الإرادية، إنما في شبه الإرادية أو نصف الإرادية. وعليه مسئولية تجاهها، علي الأقل من جهة الأسباب التي أوصلتها إليه.ولهذا، فإن كان الإنسان أمينا علي نفسه وروحياته أثناء الصحو، ستكون أحلامه أمينة له أثناء نومه.
ضوابط الحرية وحدودها:
إن الإنسان فيما هو مخير فيما يفعل، لكنه ليس مخيرا بطريقة مطلقة، إنما تحد من حريته أمور مهمة تنطبق علي الكل.فله أن يستخدم حريته، بحيث لا يعتدي علي حريات الآخرين وحقوقهم، فلا تستخدم الحرية في إهانة الغير، ولا في السب والقذف، ولا أن تبني راحته علي تعب الآخرين. وليس هو حرًا في استخدام العنف ضد غيره.وهو أيضا حر في حدود الالتزام بالنظام العام، والالتزام بالآداب العامة، وبقوانين البلد الذي يعيش. مثال ذلك فإنه في أكثر البلاد تمسكًا بالحرية، لا يستطيع أحد أن يكسر قواعد المرور وإشاراته، ويقول: أنا حر أفعل ما أشاء!
هو أيضا حر في حدود وصايا الله، فلا يعصاها ويسلك حسب هواه. وهكذا فإن المؤمنين بالحرية، ينادون بالحرية المنضبطة، وليس بالحرية المطلقة.ولهذا، فإن الذي يتجاوز حدود حريته، ولا يلتزم بالوضع السليم، فإن القانون يلزمه بذلك، والعقوبة تردعه.. بل أن حرية الإنسان ينبغي ضبطها منذ الصغر. وهنا يبرز لزوم التربية والتعليم. ويقوم واجب الأسرة في ضبط حرية الطفل، بحكمة، حتى لا ينحرف. ثم واجب المدرسة أيضا في تعليم الطلبة قواعد الحرية وحدودها وضوابطها.
كذلك ليس الإنسان حرًا في إيذاء نفسه:
فلا يقع الإنسان في إدمان الخمر أو المخدرات أو التدخين، ويتلف صحته وإرادته، ويضيع ماله فيما يضره. ويقول أنا حر!.. كلا، ليس هو حرا فيما يجلب له الأذى. فصحته وديعة في يديه، لا يملكها وحده، بل يملكها أيضا المجتمع الذي رباه ورعاه، والذي هو مكلف بخدمته وأداء واجبه نحوه.. كذلك ليس الإنسان حرًا في أن يقتل نفسه، أي ينتحر بطريقة ما. فحياته ليست ملكا له وحده. كما انه ليس حرا في كسر وصية الله القائلة 'لا تقتل'. والتي تنطبق أيضا عليه من جهة نفسه كما من جهة غيره.
أنواع الحرية:
في نطاق الحرية المنضبطة، توجد أنواع من الحرية، منها الحرية الشخصية، حرية الإرادة، وحرية الفكر، وحرية إبداء الرأي، وحرية الاجتماع، وحرية العقيدة، والحرية السياسية. فالإنسان من حقه أن يفكر بحرية كما يشاء. ولكن بضوابط: فليس من حريته أن يسرح في أفكار ظالمة، أو في أفكار نجسة، وان كانت قوانين الدولة لا تردعه من جهة هذا الفكر، فإن الضمير يوبخه، ويأمره أن يضبط فكره حتى لا يدنس نفسه.. ثم هل في حريته أن يعتنق فكرا هداما؟! وان اختار بحريته هذا الفكر، فليس من حقه أن ينشره. وإلا فإنه يؤذي المجتمع الذي يعيش فيه. وهنا من حق الدولة أن تضبط الأفكار الهدامة التي تبلبل أذهان الناس وتقود تصرفاتهم في اتجاه ضار.الإنسان له حرية العقيدة، من جهة الدين والتدين، وما يتبع ذلك من حرية العبادة.وقد تمادي البعض في هذه الحرية، حتى وصلوا في بعض البلاد إلي الإلحاد. كما وصلوا إلى كثير من الانحرافات العقيدية وإلي تشويش أذهان الآخرين، ونشر الشكوك في الثوابت من الأمور الإيمانية. وتجرأ بعضهم في بلاد الغرب إلي مطالبتهم بعدم تدريس الدين، لأنه لا يوافق معتقداتهم. كذلك وصل بهم الأمر إلي الشذوذ الجنسي والمطالبة باعتماد قانون من الدولة. وبعض الدول سمحت لهم بهذا كما في كندا. كما ضغطوا علي بعض الهيئات الدينية لاعتماد الشذوذ. وطالبوا لأنفسهم بحقوق كشواذ أما عن الحرية السياسية فللإنسان الحق في اختيار النهج السياسي الذي يوافقه، والحزب السياسي الذي يستريح لمبادئه.كما أن له حق الانتخاب وحق الترشيح في حدود القانون. ولكن الحرية السياسية ينبغي أن تكون منضبطة أيضًا. فلا ينضم أحد إلي نهج سياسي مدمر، ولا ينضم إلي حزب متمرد علي النظام، يثير الشقاق ويدعو إلي التخريب وإلي محاولة قلب نظام الحكم.وفي نطاق الحرية السياسية، تدخل حرية الصحافة وحرية النشر والمفروض في هذه الحرية أن تكون منضبطة أيضًا، بحيث لا تكون أداة تشهير بالناس، وسب البعض وقذفهم بحجة حرية الرأي. ولا يجوز للصحافة أن تخرج من الناحية الموضوعية إلي النواحي الشخصية، التي تمس أعراض الناس وسمعتهم وأمورهم الشخصية إن الحرية سلاح ذو حدين، فهي نافعة ولازمة أن سارت في طريق سليم. وإلا إذا انحرفت فإنها تضر الإنسان ومن حوله.
الحرية الحقيقية:
ختاما ما هي الحرية الحقيقية؟ ذلك لأن هناك بعض الناس يسمون أنفسهم أي متحررين، وهم يسيرون حسب هواهم في طريق خاطئ، يتحررون فيه من القيم والثوابت..! أما الحرية الحقيقية، فهي أن يتحرر الإنسان من كل فكر خاطئ، ومن كل طبع رديء، ومن كل شهوة منحرفة، ومن كل خطيئة مثل هذا الإنسان إذا منح الحرية فإنه سيسلك فيها بأسلوب سليم نافع له ولغيره لذلك علي طالب الحرية، أن يتحرر أولا من الداخل.. وبهذا يمكنه أن يستخدم الحرية للخير.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
07 أبريل 2021
العمل الإيجابي البناء
ما أجمل وأعمق ذلك المثل الصيني الذي يقول:'بدلًا من أن تلعنوا الظلام، أضيئوا شمعة'.حقًا، إن مجرد لعن الظلام لا ينقذ أحدًا من ظلمته. ولكن الظلام ينقشع من تلقاء ذاته، بعمل ايجابي هو نشر النور، ولو علي الأقل بإضاءة شمعة وهكذا في أي مجتمع قد توجد أخطاء أو نقائص أو مشاكل. وإذا بمحبي الإصلاح يتجهون إلي اتجاهين: احدهما يضج ويصيح لكي يفضح هذه الأخطاء، أو انه يبكي بسببها وينوح وينعي الخير الذي ضاع أما الاتجاه الآخر، فهو العمل الايجابي الذي يكتب صفحة جديدة ناصعة في تاريخ المجتمع، في هدوء وفي قوة.. وهذا هو الأكثر ثباتًا وتفهمًا.اثنان ينظران نارا تشتعل في مبني.. فيقيم احدهما ضجة بسبب هذا الحريق.. أما الآخر ففي ايجابية يبذل كل الجهد في إطفاء النار اثنان يمران بشاطئ البحر.. وإذا بشخص في خطر يكاد يشرف علي الغرق.. فيظل احدهما يوبخه: كيف ينزل إلي البحر وهو لا يجيد السباحة؟! أما الآخر فينزل بسرعة لكي ينقذ ذلك الإنسان من الغرق.. وفي كل ذلك يبدو الفرق بين المنشغل بالسلبيات وبين العمل الايجابي البناء غالبية الناس يركزون جهدهم الإصلاحي في أن يلعنوا الفساد.. و هذا أمر سهل يقدر عليه كل احد. ولكن من بين كل هؤلاء من يهتم بشرح الأسلوب العملي الايجابي للقضاء علي الفساد. سهل جدًا أن توبخ فكرة خاطئة. ولكن الأصلح ايجابيًا أن تقدم الفكرة الصائبة، وتشرح أسلوب تنفيذها أتذكر وأنا شاب صغير أنه كان لي زميل في الدراسة يسرف في التدخين.. فأخذت أنصحه كثيرًا، وأحدثه عن مضار التدخين الذي فيه يفقد صحته وإرادته وماله.. وإذا بهذا الزميل يقول لي 'لا تتعب نفسك كثيرًا في الشرح.. فأنا بالخبرة أعرف أضرار التدخين أكثر منك ولكن المشكلة هي كيف يمكنني أن أتخلص عمليا من هذه العادة؟!نعم، إن الحديث عن الأخطاء سهل. أما العمل علي علاج تلك الأخطاء، فهو العمل الايجابي البناء.. والكلام الموجع ليس هو الذي يصلح الأخطاء.. إنما تصلحها الخطة الايجابية العملية الممكنة التنفيذ.كذلك هناك فرق بين شرح الخطأ للوقاية منه، وبين الحديث عن الأخطاء للتشهير بالمخطئين بأسلوب لا يصلحهم بل يثيرهم.هناك فرق جوهري بين الفأس التي تقلب الأرض لزراعتها، و الفأس التي تضرب في البناء لتهدمه..!
ما أسهل الإدانة والشجب بإمكان كل شخص أن يدين وأن يشجب.. أما المساهمة الإيجابية في الإصلاح، فهي العمل النافع.. النقد سهل.. وقد يكون النقض أيضًا سهلًا إن كاتبا بسيطا يمكنه أن ينقد قصيدة لشاعر مشهور.. ولكن هذا الناقد ربما لا يستطيع أن يكتب بيتًا واحدًا من الشعر!
وكثيرون من الذين يستهزئون بعمل غيرهم، هم أنفسهم لا يعملون!
قد يدعي القدرة علي العوم أولئك الذين يقفون علي الشاطئ..فإن نزلوا إلي البحر وسط أمواجه حينئذ يختبر ادعاؤهم. إن السلبيات قد تهدم.. أما الايجابيات فهي التي تبني.. والهدم عمل سهل.. أما البناء فيحتاج إلي مهارة ووقت.. يستطيع شخص بقنبلة أن يهدم في لحظات عمارة شاهقة.. ولكن بناء أية عمارة يحتاج إلي هندسة وفن ومدي زمني.. وهذا البناء عمل انفع وابقي.وكما أن نقد الأخطاء لا يصححها، ولا التشهير بها يصلحها.. كذلك الحزن علي المشاكل لا يحلها.. بل يحلها العمل الايجابي.إن الحزن علي المريض لا يشفيه من مرضه.. إنما يكون الشفاء عن طريق وصف العلاج وتقديم الدواء.والحزن بسبب انتشار الجهل أو الأمية لا يفيد شيئًا، بل النافع هو نشر التعليم ومحو الأمية.ويوسف الصديق لم يحزن من فرعون علي سنوات الجوع القادمة. إنما قدم الحل الايجابي وهو تخزين القمح ليكون تموينا لسد احتياجات تلك السنوات. وكان هذا هو النافع عمليا.والمعروف أن كثيرين قد بكوا وحزنوا بسبب تجريف بعض الأراضي الزراعية واستخدامها في إقامة المباني. ولكن الحزن لم يحل تلك المشكلة.. إنما كان حلها بالعمل الايجابي الفعال، الذي تمثل في مشروع تعمير الصحاري واستصلاح الأراضي وحفر الآبار، وما نتج عنه من إضافة مئات الآلاف من الأفدنة إلي الرقعة الزراعية في بلادنا، مع ما صاحب ذلك من أعمال التنمية.كذلك إن كنا ذاهبين إلي مكان ما، ووجدنا قناة أو مجري من الماء يعوقنا عن الوصول: هل الحزن في هذه الحالة ينفعنا؟! أم أن الذي ينفعنا هو إقامة جسر نصل به إلي المكان الذي نريده؟هذا هو العمل الايجابي الذي يلزمنا في كل أمور حياتنا، أكثر من الضجيج والنقد والشجب والسخرية.والذين سجلت أسماؤهم في التاريخ، هم الذين انشغلوا بالعمل الايجابي البناء ، قد نجحوا فيه.ولعل أولهم في تاريخ مصر هو الملك مينا الذي وحد القطرين وانشأ أول مملكة مصرية في عهد الفراعنة.ونحن نذكر بالخير كل الذين ساهموا في العمل البناء في تاريخ مصر الحديث. ومن بينهم طلعت حرب الذي ساهم في بناء اقتصاد مصر، وأسس البنوك والشركات. وسعد زغلول الذي جاهد حتى صدر دستور سنة 1923 وقاسم أمين الذي جاهد لتحرير المرأة.. وأحمد لطفي السيد الذي عمل لإنشاء الجامعة، وغيرهم من البنائين المهرة.إن العمل الايجابي هو دائما العمل المفيد، وهو المقبول من الجميع، ولا يعترض عليه احد.هناك مؤرخون كتبوا التاريخ.. ولكن أعظم منهم من صنع التاريخ.. صناع التاريخ لا يمكن نسيانهم، سواء في مجال السياسة أو العلم.. قد يكتب المؤرخون عن استقلال الهند بعد خضوعها فترة للاحتلال البريطاني.. أما صانع هذا التاريخ فهو المهاتما غاندي الزعيم الروحي للهند، الذي لم يقم إطلاقًا بإيذاء احد. إنما بالعمل الايجابي البناء، أوصل الهند إلي الاستقلال، وصارت لها حكومة وطنية وبرلمان.كذلك لا يستطيع التاريخ أن ينسي برايل، الذي استطاع أن يخترع طريقة الكتابة علي البارز، للمكفوفين يستطيعون بها القراءة والكتابة.. وأيضًا كل الذين قاموا بعمل ايجابي بناء في مجال الطب والدواء لا يمكن أن ينساهم التاريخ.ونحن نري في مجتمعنا بعض مشاكل لا يمكن أن يحلها الصياح ولا الضجيج ولا التشهير.. إنما تحتاج إلي عمل ايجابي بناء هناك مشاكل اقتصادية. مشاكل تختص بالبطالة وبارتفاع الأسعار. كذلك مشكلة التضخم السكاني، ومشكلة الدروس الخصوصية ومشكلة الإثارة ومشكلة الجمع بين الانضباط والحريات ومشاكل أخرى اجتماعية وسياسية وفكرية كيف يمكن حلها جميعًا بطريقة عملية وحضارية في نفس الوقت؟بحيث نتعاون جميعا في الحل، بغير صراع واصطدام إن مشكلة البطالة مثلًا: لا يمكن أن تحلها مهاجمة المسئولين في الحكومات المتتابعة. فكيف تحل؟لو كنت أنت أيها القارئ رئيسًا للدولة أو رئيسًا للحكومة، فماذا كنت ستفعل عمليا؟ ماذا تقترح للحل؟علي أن يكون الحل يمكن تنفيذه، ومضمونة نتائجه عمليًا وعلميًا.. هل نطرح السؤال، ونتلقى الإجابات ونصنفها ونحللها؟هل نقيم ندوات لبحث موضوع البطالة من ندوات أخرى لبحث باقي المشكلات؟ نعم، ما الحل الايجابي العملي البناء؟
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
31 مارس 2021
تداريب أثناء الصوم 2
تداريب الحفظ:-
يمكن أن تتخذ فترة الصوم مجالاً أيضاً للحفظ : حفظ آيات ، وحفظ مزامير وحفظ فصول من الإنجيل ، وحفظ ألحان وتراتيل
أ- خذ مثلاً تدريباً لحفظ العظة علي الجبل . وتشمل 111 آية . لو انك حفظت كل يوم 3 آيات ، تنتهي منها في 37 يوماً .
ب- أحفظ مثلاً قطع الأجبية ، وتشمل 36 قطعة ( غير الستار ) ، فلو حفظت كل يوم قطعة ، يمكنك الانتهاء منها في 36 يوماً .
ج- أحفظ تحاليل الساعات ، وتشمل 8 تحاليل . ويمكن أيضاً القطع المشتركة في كل الصلوات مثل الثلاثة فكقديسات ، وصلاة الشكر ، والمزمور الخمسين وختام كل صلاة ، مع بعض القطع التي تنفرد بها صلاة باكر أو صلاة النوم .
د- ‘حفظ ما يمكنك من مزامير الساعات ، ويمكن البدء بمزامير قصيرة
هـ - أحفظ آيات مختارة من الكتاب ، وحبذا لو كانت بشواهدها . فلو أنك حفظت كل يوم ثلاث آيات ، لأمكنك أن تحفظ في الصوم الكبير وحده 150 آية في كل عام …
و- تحفظ آيات تشمل معاني معينة ، او آيات علي كل سر من أسرار الكنيسة ، أو آياتخاصة بعقائد ، أو خاصة بكل فضيلة من الفضائل .
ز- يمكن أن تحفظ خلال الصوم فصولاً مشهورة في الكتاب المقدس ، مثل ( 1كو 13) الخاص بالمحبة ، أو ( رو12) وهو مجموعة آيات ذهبية خاصة بفضائل عديدة ، وكذلك ( 1 تس 5:12-23) ، ( أف 6: 10-18) الخاص بالحروب الروحية ، و ( في 3: 7-14) … وما يشبه ذلك من الفصول المختارة في الكتاب .
ح- ما تحفظة من آيات أتخذه مجالاً للتأمل الروحي ، غذاء لنفسك خلال الصوم . ويمكن أن تتخذه مجالاً للتطبيق العملي .
أثناء
ط- ما تحفظه من صلوات ومزامير ، ردده باستمرار ، لكي تضيفا إلي صلواتك اليومية .
ي- كذلك ضع لك برنامجاًً في حفظ الألحان و التسابيح . وهكذا تجد أمامك جدولا روحيا ، تشعر فيه بقيمة وقتك وأهميته ، فتحرص عليه لكي تستخدمه فيما ينفعك .
تداريب الصلاة:-
أهتم في أيام الصوم أن تزيد برنامج صلواتك . فلا تقتصر علي صلوات الجبية أو الوضح العادي لك في الصلاة . وإنما نضع أمامك التداريب الآتية ، لتستخدمها حسب إمكانياتك :
1- تدريب الصلاة في الطريق :
يمكن أن تكون سائراً في الطريق ، وقلبك منشغل مع الله ، إما بمزمور ، أو بصلاة خاصة ، أو بصلوات قصيرة ترفع بها قلبك إلي الله ، كأن تقول له : يارب أغفر لي ، لا تحسب علي آثامي . ارحمني يارب كعظيم رحمتك . نجني يارب من ضعفاتي ، أعطني قوة . أجعلها يارب أيام مباركة ، بارك أيام هذا الصوم أعطني يارب فترة أقضيها معك . أربط يارب قلبي بك . إملأني يارب من محبتك أعطني يارب نعمة ، أعطني معونة ، أعطني يارب حياة مقدسة ،أعطني قلباً نقياً. إغسلني يارب فأبيض أكثر من الثلج . يارب نقني . يارب نجني . أحفظني من كل شر . أشترك في العمل معي . كرحمتك يارب ولا كخطاياي … درب نفسك علي أمثال هذه الصلوات ، وانت في الطريق ، أو وانت في طرق المواصلات . المهم أن تشغل قلبك بالله … وهناك أيضا :
2- تدريب الصلاة وسط الناس :
سواء كنت في اجتماع ، أو مع أصدقائك أو مع أفراد الأسرة ، أو وسط الناس في أي مكان ، أرفع قلبك إلي الله بأية عبارة . وهكذا تكون ساكتاً . وقلبك يشتغل من الداخل ، في شركة مع الروح القدس . لأن الإنسان الصامت يمكن أن يكون مخزناً لأسرار الله . وكما يقول الشيخ الروحاني " سكت لسانك ، لكي يتكلم قلبك …"
3- تدريب الصلاة أثناء العمل :
العمل اليدوي يساعد كثيراً علي امتزاجه بالصلاة ، كما كان آباؤنا في عمل أيديهم . وهكذا يختلف عن الأعمال اليدوية التي يقوم بها أهل العالم . وحتى لو كان عملك فكرياً بحتاً ، بين الحين والآخر أرفع قلبك إلي الله ولو بصلاة قصيرة جداً كأن تقول : اشتقت إليك يارب . لا أريد أن أتغرب كثيراً عنك . إجعلني أعمل من أجلك . بارك كل ما أعمله . أحبك يارب من قلبي وأشتاق إليك . أسبح أسمك القدوس أثناء عملي . حلو أسمك ومبارك ، في أفواه قديسيك . أشكرك يارب من كل قلبي . كن معي . أشترك في العمل معي … لا تجعل العمل يفصلني عن الصلة الدائمة بك . لا شئ يفصلني عن محبة المسيح …
4- تدريب التأمل في الصلوات :
خذ صلوات المزامير مثلاً ، وباقي صلوات الأجبية ، مجالاً لتأملك الروحي وهكذا عندما تصليها يكون ذلك بعمق . وكذلك صلوات القداس و التسبحة حتى يكون لها تأثيرها في قلبك عندما تسمعها .
5- تدريب الاستمرار في الصلاة :
درب نفسك علي انه كلما تجد صلاتك قاربت علي الانتهاء ، حاول أن تطليها بعض الوقت ، ولو دقيقتين . المهم أنك لا تسرع بالانتهاء من الصلاة والانصراف من حضرة الله . قاوم نفسك واستمر ولو قليلاً جداً . ثم استأذن الرب واختم صلاتك .
6- تداريب نقاوة الصلاة وروحانيتها :
وهي تداريب كثيرة جداً . منها الصلاة بفهم ، وبعمق ، وبحرارة ورغبة والصلاة باتضاع وانسحاق . والصلاة بلا طياشة بلا سرحان . وان لم تستطيع ذلك أدخل في التدريب التالي وهو:
7- تدريب الصلاة لأجل الصلاة :
قيل لمار أسحق " كيف نتعلم الصلاة ؟" فقال " بالصلاة " … ولا شك أن الصلاة - كأي عمل روحي - هي عطية صالحة نازلة من فوق من عند أبي الأنوار "( يع 1: 17) . فاطلبها التلاميذ قائلين " علمنا يارب ان نصلي " ( لو 11:1) . قل له : أعطني يارب أن أصلي . أعطني خلوة حلوه معك . أعطني الحب الذي أحبك به فأصلي . أعطني الحرارة التي في الصلاة . وأعطني الدموع و الخشوع . أنا يارب لا اعلم كيف أصلي فعلمني . وأمنحني المشاعر اللائقة بالصلاة . وتحدث أنت معي يارب فأحدثك …
8- تدريب الصلاة لأجل الآخرين :
لا تكن صلاتك في الصوم من اجل نفسك فقط . إنما تدرب أيضاً علي الصلاة من أجل الآخرين . كم من أناس طلبوا إليك أن تصلي لأجلهم ، ولم تفعل . تذكر ذلك في الصوم . كم من أشخاص تشعر بحاجتهم تشعر بحاجتهم إلي الصلاة ، لأنهم في مشكلة ، أو في ضيقة ، أو مرض ، أوهم محتاجون من أجل حياتهم الروحية . صل من أجل هؤلاء ، ومن أجل الذين رقدوا … صل من أجل الكنيسة ،، ومن أجل سلامه البلد ، ومن أجل الخير العام ، ومن أجل الذين لا يعرفون الله ، من أجل الملحدين والمستهترين وغير المؤمنين . صل لأجل ملكوت الله علي الأرض . إنه تدريب جميل ان تصلي لأجل غيرك . وبوجه خاص :
9-تدريب الصلاة لأجل المسيئين :
إنه آمر إلهي أكثر من كونه تدريباً ، إذ يقول الرب " صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم "( مت 5:44) . إنها فرصة أن تدرب نفسك علي تنفيذ هذه الوصية أثناء الصوم . صل ان يغفر الله لهؤلاء المسيئين ، وأن ينقذهم مما هم فيه . وصل من أجل محبتهم لك ومحبتك لهم ، حتى لا يتغير قلبك من جهتهم بسبب إساءتهم لك . أطلب لهم الخير . وصل ان ينقذك الرب من إدانتهم في فكرك أو أمام الناس . طبيعي أنك تصلي لأجل أحبائك . والأجمل ان تصلي لأجل هؤلاء . قل له : أحفظهم يارب . خلصهم . أغفر لهم . أعطني نعمة في أعينهم واعطني ان أحبهم كسائر أحبائي . أجعل قلبي من جهتهم قلبي نقياً من جهتهم . 10-تداريب أخري للصلاة :
أ- درب نفسك علي التبكير في الصلاة ، وان يكون الله هو أول من تكلمه في يومك ، ولو بعبارة قصيرة . أشكرك يارب . أجعله يارب يوماً مباركاً . أعطني يوماً مقدساً أرضيك فيه …
ب- درب نفسك علي ترديد صلوات القديسين . أبحث عنها وصل بها ( صلوات الأنبياء موجودة في الكتاب وفي طقس سبت النور )
ج- أقرأ الكتب التي تعطيك حرارة روحية وتجعلك بحرارة .
د- صل قبل كل عمل ، وقبل كل زيارة ومقابلة .
تداريب وسائط روحية أخرى:-
1- درب نفسك علي القراءات الروحية :
القراءات الدينية كثيرة ، ولا تدخل تحت حصر . ولكن أيام الصوم المقدسة - كفترة عبادة - لا يكون التركيز فيها علي الكتب التي تزيد معلوماتك ومعارفك ، إنما اهتم بالكتب الروحية التي تلهب قلبك بمحبة الله ، وتشغلك بحرارة تقودك إلي الصلاة ، وتحثك حثاً علي التوبة ونقاوة الحياة . بمثل هذه الكتب تهتم . وأنت ادري بالقراءات التي تؤثر فيك روحياً … اما باقي الدينية ، فلست أمنعك عنها ولكنها في الصوم لها الدرجة الثانية . اما الأولوية فللكتب الروحية وسير القديسين .
2- درب نفسك أيضاً علي التراتيل والألحان .
وبخاصة التراتيل والألحان التي لها روح الصلاة ، وتشعر فيها انك تخاطب الله والتي ترتلها من قلبك وروحك ، وقد مست مشاعرك وأثرت في قلبك . ويمكن أن تحفظ هذه الترانيم التي تؤثر فيك وترددها في أي وقت
3- درب نفسك أيضاً علي المطانيات .
أن أهملتها في أوقات أخري ، أحرص أن تمارسها أثناء الصوم ,.
تداريب على فضائل معينة:-
يمكن الاستفادة من المشاعر الروحية العميقة خلال فترة الصوم ، ليتدرب الصائم خلالها علي أية فضيله يشتاق إليها قلبه كان يدرب نفسه علي التسامح ، او الاحتمال ، او الهدوء ، أو الأمانة في العمل ، أو الدقة في كل شئ ، أو النظام الخ ولو أنك خرجت من كل صوم ، وقد أتقنت إحدى الفضائل ، فإن هذا لا شك ربح روحي كبير ,
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
عن كتاب روحانية الصوم
المزيد
24 مارس 2021
تداريب أثناء الصوم
ما هي تداريب الصوم؟
مادام الصوم فترة روحية مقدسة ، يهدف فيه الصائم إلي نموه لالروحي ، أذن يليق أن يضع أمامه بعض التداريب روحية ، لكي يحول بها هذه الرغبات الروحية إلي حياة عملية . فما هي هذه التداريب ؟
تختلف التداريب الروحية من شخص إلي أخر .
وذلك بحسب احتياج كل إنسان . سواء كانت هذه التداريب تشمل مقاومة نقط ضعف معينه في حياة الصائم ، أو تشمل فضائل معينة تنقصه ، أو اشتياقات روحية تجول في قلبه .
وهكذا تختلف في الشخص الواحد حسب احتياجه .
فما يحتاج إليه إنسان في وقت ، غير ما يحتاجه في وقت آخر . وذلك حسب حروبه من جهة ، وحسب درجة نموه من جهة أخري . المهم أن توجد التداريب ، حتى يشعر الصائم أنه يضع هدفا خاصاً أمامه أثناء الصوم يحاسب نفسه عليه ، ويتابع تنفيذه ، وحتي بنتيجة واضحة من صومه بالإضافة إلي الفضائل العامة للصوم .
وما سنتحدث عنه الآن ، هو مجرد أمثلة .
وليضع كل إنسان ما يناسبه من تداريب أثناء صومه . وليكن ذلك تحت إشراف أب اعترافه بقدر الإمكان .
تداريب خاصة بالصوم:-
والغرض منها ان يكون الصوم سليماً ، نامياً في نوعيته .
ومنها تداريب خاصة بضبط النفس :
وقد تشمل منع الصائم لنفسه من أكل أصناف معينة يشتهيها . سواء كلن ذلك منعاً كلياً طوال فترة الصوم ، أو منعاً جزئياً خلال فترة محددة أو يوم معين . أو كان ذلك المنع عن طريق الإقلاقل من الكمية ، أو عدم طلب صنف معين بالذات . وقد تشمل تداريب ضبط النفس : فترة الإنقطاع وتحديدها و النمو فيها . والبعض يلجأ إلي نظام التدريج حتى خلال الصوم الواحد . فالصوم الكبير يشمل ثمانية أسابيع ، قد يتدرج الصائم أثناءها في درجة نسكه وانقطاعه عن الطعام . ويشمل ضبط النفس يوم الرفاع ، يوم العيد أيضاً ، فلا يكون الأكل فيهما علي مستوي التسيب بلا ضابط . كذلك ضبط النفس يشمل أيضاً عنصر الجوع .
وقد يكون التداريب خاصة بالفضائل المصاحبة للصوم .
وبهذا تشمل النواحي الروحية في الصوم كضبط النفس عموماً خارج نطاق الأكل ، والسيطرة علي الجسد عموماً ، والامتناع عن كل شهواته الجسدية ، وكل الترفيهات الخاصة بالحواس . وتداريب السهر ، وتدريب البعد عن الكماليات . وكذلك التداريب الخاصة بما في الصوم تذلل وانسحاق أمام الله ، وما فيه أيضاً من زهد ، يتسع نطاقه بالتدريج .
تداريب خاصة بالتوبة:-
لأن الصوم هو بلا شك فترة توبة . وتداريب التوبة كثيرة نذكر منها :
التركيز علي نقطة الضعيف أو الخطية المحبوبة .
وكل إنسان يعرف تماماً ما هي الخطية التي يضعف أمامها ، ويتكرر سقوطه فيها ، وتتكرر في غالبية اعترافاته . فليتخذ هذه الخطايا مجالاً للتداريب علي تركها أثناء الصوم . وهكذا يكون صوماً مقدساً حقاً .
وقد يتدرب الصائم علي ترك عادة ما .
مثل مدمن التدخين الذي يتدرب في الصوم علي ترك التدخين . أو المدمن مشروباً معيناً ، أصبح عادة مسيطرة لا يستطيع تركها ، كمن يدمن شرب الشاي و القهوة مثلاً . أو الذي يصبح التفرج علي التلفزيون عادة عنده تضيع وقته وتؤثر علي قيامه بمسؤلياته . كل ذلك وأمثاله تكون فترة الصوم تدريباً علي تركه .
وقد يتدرب علي تركه خطية كالغضب أو الإدانة .
وهي من الخطايا المشهورة التي يقع فيها كثيرون . وربما تشمل التداريب مجموعة من خطايا اللسان تعود الإنسان السقوط فيها ، فيدرب نفسه في الصوم علي التخلص منها واحدة فواحدة .
وما أسهل أن يضع أمامه آيات خاصة بالخطية .
فمثلاً يذكر نفسه كلما وقع في خطية النرفزة يقول الكتاب " لأن غضب الإنسان لا يصنع بر الله "( يع 1:2) . ويكرر هذه الآية بكثرة كل يوم ، وبخاصة في المواقف التي يحاربه الغضب فيها . ويبكت نفسه قائلاً ماذا أستفيد من صومي ، إن أن كنت فيه أغضب ولا أصنع بر الله ؟! أو أن كان واقعاً في أية خطية من خطايا اللسان ، يضع أمامه قول الكتاب " كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس ، سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين " ( مت 12: 36) . ويقول لنفسه في عتاب : ماذا أستفيد إن صمت صوماً فيه كل ضبط النفس ، ثم لم أضبط لساني وقلت لأخي يا أحمق ، وأصبحت بذلك مستحقاً لنار جهنم ( مت 5: 22) .
وكلما تجوع وتشتهي الأكل ، بكت نفسك .
وقل لها : حينما تتركن هذه الخطية ، سوف أسمح لك بالأكل . هوذا الكتاب يقول " إن الذي لا يعمل لا يأكل " ( 2تس 3:10) . وأنت لم تعملي عمل التوبة اللائق بالصوم ، أو اللائق بقلب هو مسكن الله . وبخ نفسك وقل لها : ما فائدة امتناعي عن الأكل ، أن كنت لم أمتنع بعد عن هذه الخطية التي تفصلني عن الله ، ولا تنفعني صومي كله .
خذ نقطة الضعف التي فيك ، واجعلها موضوع صلواتك وجهادك خلال هذا الصوم .
ركز عليها التركيز كله ، من جهة الحرص و التدقيق ، ومن جهة مقاومة هذه الخطية . واسكب نفسك أمام الله ، وقل له : نجني يارب من هذه الخطية . أنا معترف بأنني ضعيف في هذه النقطة بالذات ، ولن أنتصر عليها بدون معونة منك أنت . إرحم يارب ضعفي وعجزي . لأ أريد أن أنتهي من هذا الصوم ، قبل أنت تنتهي هذه الخطية من حياتي . أجمع آيات الكتاب الخاصة وضعها أمامك ، لتتلوها باستمرار . لتكن فترة الصوم هذه هي فترة صراع لك مع الله ، لتنال منه قوة تنتصر بها علي خطاياك . درب نفسك خلال الصوم علي هذا الصراع . وقل : مادام الصوم يخرج الشياطين حسب قول الرب ، فليته يخرج مني خطاياي مادام هو مع الصلاة يخرج الشياطين .
تداريب الاعتكاف و الصمت:-
يقول الكتاب " قدسوا صوماً ، نادوا باعتكاف "( يوئيل 1:14) . ضع هذه الآية أمامك ودرب نفسك علي الاعتكاف .
والمقصود بالاعتكاف ، أنه اعتكاف مع الله .
لأن هناك من يعتكفون في بيوتهم ، دون أي عمل روحي ، بل قد يعتكفون مع الراديو أو التلفزيون أو المجلات ، أو في أحاديث مع اهل البيت …! أو يعتكفون مع الأفكار الخاطئة ، ليس هذه هو الاعتكاف . إنما الاعتكاف يكون من أجل عمل روحي تعمله في مخدعك عليك مع الله . تعتكف مع الكتاب ، مع سير القديسين ، مع المطانيات ، مع الصلاة .
إن كان لك برنامج روحي ، ستحب الاعتكاف .
وإن استفدت فائدة روحية من اعتكافك ، ستستمر في هذا الاعتكاف ، وتشعر أنه بركة لك من الله . لذلك اجلس إلي نفسك . وضع هذا البرنامج ، واعتكف لأجل تنفيذه . وحاول أن تستغني عن صداقاتك وترفيهاتك خلال هذه الفترة ، التي سيكون فيها الله هو صديقك الحقيقي . درب نفسك أنك تستغني عن الحكايات و الدردشة والكلام الذي لا يفيد ، وحينئذ ستقدر أن تعتكف وتعمل مع الله . وإن لم تستطيع أن تعتكف طول الصوم ، فهناك حلول أسهل :
أستخدم تدريب " بعض الأيام المغلقة ".
أي حدد لنفسك أياما معينة لا تخرج فيها من بيتك ، وتكون قد نظمت مشغولياتك وزياراتك ، بحيث تعتكف في هذه الأيام المغلقة . ويمكن ان تبدأ بيوم واحد مغلق في الأسبوع ، ثم يومين ، ثم تنمو أكثر … ولكن ماذا تفعل إن لم تستطيع أن تغلق علي نفسك مع الله ؟
إن لم تستطيعوا أن تغلقوا أبوابكم خلال الصوم ، فعلي الأقل إغلقوا أفواهكم عن الكلام الباطل .
فحديثنا مع الناس ، ما أسهل ان يعطل حديثنا مع الله . وكما قال أحد الآباء " الإنسان الكثير الكلام ، إعلم أنه فارغ من الداخل "… أي فارغ من العمل الروحي داخل القلب ، فلا صلاة ولا تأمل ولا تلاوات روحية … إن تدريب الخلوة والإعتكاف ، سيساعدكم علي الصمت . والصمت سيخلصكم من أخطاء السان ، كما أنه يعطيكم فرصة للعمل الداخلي ، عمل الروح … ولكن ماذا إذن ، أن كان الصائم لا يستطيع الاعتكاف الكامل ، ولا الأيام المغلقة ، ماذا يفعل ؟ هناك تدريب آخر هو :
تدريب مقاومة الوقت الضائع :
هناك إنسان مشكلته الأولي ضياع وقته . وقته تافه في عينيه . يضيع أوقاته دون أن يستفيد . هذه هي خطيته الأولي . ونتيجة لإضاعة الوقت ، لا صلاة ، ولا قراءة ،ولا أي فكر روحي . ونتيجة لهذا أيضاً : الفتور الروحي ، وربما الوقوع في الخطية . هذا يقول لنفسه : أريد خلال الصوم أن أدرب نفسي علي مقاومة الوقت الضائع ، وعلي الاستفادة من وقتي . وكيف ذلك ؟ توفر الوقت الضائع في الكلام مع الناس ، والوقت الضائع في المقابلات والزيارات ، وفي المناقشات التي لا تفيد ، والوقت الضائع في قراءة الجرائد والمجلات و التعليق علي ما فيها . وكذلك الضائع في الاستماع إلي الراديو و التلفزيون ، وفي سائر الترفيهات التي يمكن الاستغناء عنها ، وتحويل وقتها إلي عمل روحي مع الله كل إنسان يعرف أين يضيع وقته . ويعرف بالتالي كيف يمكن أن ينقذ هذا الوقت كجزء من حياته ، ويستفيد به . ليكن هذا تدريباً لنا خلال الصوم بإذن الله … وهذا التدريب يساعدنا علي تدريب آخر هو :
صوم اللسان :-
قال مار اسحق " صوم اللسان خير من صوم الفم " . إن عرفت هذا درب نفسك علي الصمت علي قدر إمكانك . وإن لم تستطيع ، استخدم هذه التداريب الثلاثة :
I- عدم البدء بالحديث إلا لضرورة .
II- الإجابة المختصرة .
ج- إشغل فكرك بعمل روحي ، يساعدك علي الصمت .
تداريب التذلل و الانسحاق:-
أيام الصوم هي أيام انسحاق وتذلل أمام الله ، لذلك درب نفسك علي ذلك حتي تصل نفسك إلي التراب والرماد . وذلك عن طريق التداريب الآتية :
I- أبعد عن محبة المديح ، وعن كلام الافتخار ومديح النفس .
II- أستخدم كلام الانسحاق في صلواتك ، مثل ترديدك لمزمور " يارب لا تبكتني بغضبك ، ولا تؤذبني بسخطك "( مز 6) .
ج- إذا جعت ، أو جلست لتأكل ، قبل لنفسك " أنا لا أستحق الطعام بسبب خطاياي ، لأني فعلت كذا كذا … أنا لست أصوم عن قداسة ، وإنما عن مذلة داخل نفسي ". حاق ، مهما وضعوا أمامه من مشتهيات ، لا يجد رغبة في الأكل . وأن ضغط عليه الجوع ، يقول لنفسه : تب أولاً ، حينئذ يمكنك أن تأكل … وان وجد نفسه ما يزال في خطأ ، يبكت ذاته قائلاً : هل هذا هو الصوم مقبول أمام الله ؟! هل هذا تقديس للصوم ؟!
د- أيام الصوم فرصة صالحة للأعتراف وتبكيت الذات أمام الله ، وأمام أب الاعتراف . وداخل نفسك .
إنها فترة صراحة مع النفس ، ومحاسبة للنفس ، وتوبيخ وتأديب لها . أحرص فيها أن تجلب اللوم علي ذاتك . وأهرب من كل تبرير للنفس في أية خطية ، مهما سهلت التبريرات .
هـ - أدخل في تداريب الإتضاع ، وهي كثيرة جداً . ونود أن نقدم لك في ذلك كتابا؟ً خاصاً إن شاء الله .
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
عن كتاب روحانية الصوم
وللحديث بقية
المزيد
17 مارس 2021
فضائل ومشاعر مصاحبة للصوم 2
الصوم يصحبه ضبط النفس:-
جميل أن تضبط نفسك ضد كل رغبة خاطئة، سواء أتتك من داخلك أو من حروب الشياطين. فالذي يملك روحه خير ممن يملك مدينة) (أم 16: 32).أمسك إذن زمام إرادتك في يدك.في صوم الجسد تشمل كل فكر، وكل رغبة بطالة، وكل تصرف خاطئ، وكل شهوة للجسد. أما الذي يملك إرادتك في الطعام فقط، وينغلب من باقي شهواته، فصومه جسداني. والذي لا يستطيع أن يضبط نفسه في صوم الجسد، فبالتالي سوف لا يستطيع أن يضبط نفسه في الأفكار والشهوات والتصرفات.أما ضبطك لشهواتك فدليل علي الزهد ومحبة الله.
الصوم يصحبه قهر الجسد:-
تقول للجسد في الصوم: أرفع يدك عن الروح، وأطلقها من روابطك، لتتمتع بالله. وأنت تصوم لكي تنفك من رباطات الجسد. وشهوة الأكل هي إحدى هذه الرباطات. وهناك رباطات أخري كالشهوات الجسدية. وهكذا في الصوم، يكون قهر الجسد أيضا بالبعد عن العلاقات الزوجية، ولكن يكون ذلك باتفاق (1كو 7:5). وكما يقول يوئيل النبي في الصوم "ليخرج العريس من خدره، والعرس من حجلتها" (يوئيل 2: 16). وكما قيل عن داريوس الملك، لما ألقي دانيال في الجب إنه "بات صائمًا، ولم يؤت قدامه بسراريه" (دا 6: 18). حتى مجرد زينة الجسد.. قال دانيال النبي في صومه " ولم أدهن "(دا 10: 3). وقال عن شهوة الطعام "ولم آكل طعامًا شهيًا".قهر الجسد ليس هدفًا في ذاته، بل وسيلة للروح.إن ضبط الجسد لازم حتى لا ينحرف فيهلك الروح معه وفي ذلك ما أخطر قول الرسول "أقمع جسدي وأستعبده. حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1كو 9:27). فحينما يكون الجسد مقهورًا، تمسك الروح بدفة الموقف وتدبير العمل. والجسد حينئذ لا يقاومها، بل يشترك معها ويخضع لقيادتها. أضبط إذن جسدك، وأبعده عن كل المتع والترفيهات والشهوات، بحكمة.ولا يكفي فقط أن تصوم، بل تنتصر علي شهوة الأكل.وهذا يقودنا في الصوم إلي فضيلة أخري هي الزهد.
الصوم يصحبه الزهد:-
قد يمتنع الإنسان عن الطعام، ولكنه يشتهيه. لذلك فليس السمو في الامتناع عن الطعام، إنما في الزُّهد فيه. الارتفاع عن مستوي الأكل، يوصل إلي الزهد فيه، وإلي النسك فيه، وبالتالي إلي فضيلة التجرد. ولكن ماذا إن لم يستطع أن يصل إلي الزهد والتجرد؟
إن لم يمكنك التجرد و الزهد، فعلي الأقل أترك من أجل الله شيئًا.كان المطلوب من آدم وحواء، أن يتركا من أجل الله ثمرة واحدة من الثمار. والمعروف أن تَرْك الطعام أو نوع منه، ليس إلا تدريبًا لِتَرْك كل شيء لأجل الله.. وأنت ماذا تريد في الصوم أن تترك لجل الله، لأجل محبته وحفظ وصاياه؟ أن الله ليس محتاجًا إلي تركك شيئًا. ولكنك بهذا تدل علي أن محبتك لله قد صارت أعمق، وقد عملية. ومن أجل محبته أصبحت تضحي برغباتك.
الصوم تصحبه الصدقة:-
فالذي يشعر في الصوم بالجوع، يشفق علي الجوعانين. وبهذه الرحمة يقبل الله صومه، وكما قال "طوبي للرحماء فإنهم يرحمون" (مت 5: 7). والكنيسة من اهتمامها بالصدقة، ترتل في الصوم الكبير ترنيمة "طوبى للرحماء علي المساكين".ومن اهتمام الرب بالصدقة، قال في نبوة إشعياء."أليس هذا صومًا أختاره: حل قيود الشر.. إطلاق المسحوقين أحرارًا.. أليس أن تكسر للجائع خبزك، وأن تدخل المساكين التائهين إلي بيتك. إذا رأيت عريانًا أن تكسوه، وأن لا تتغاضي عن لحمك" (أش 58: 7).وفي عصر الشهداء و المعترفين، كانت الكنيسة تقول هذا التعليم أن لم تجد ما تعطيه لهؤلاء، فصم وقدم لهم طعامك.
أي أنك لا تصوم، وتوفر الطعام لك. وإنما تصوم وتقدم للمساكين الطعام الذي وفرته. ولهذا اعتادت كثير من الكنائس في أيام الصوم، أن تقيم موائد للفقراء تسميها أغابي `agapy. ولكي لا يحرج الفقراء إن أكلوا وحدهم، يأكل الشعب كله معًا.
الصوم تصحبه الميطانيات:-
المطانيات metanoia هي السجود المتوالي، مصحوبًا بصلوات قصيرة.والكنيسة تربط المطانيات بالصوم الانقطاعي. فالأيام التي لا يجوز فيها الصوم الانقطاعي. مثل الأعياد والسبوت والآحاد والخماسين - لا تجوز فيها أيضًا المطانيات، سواء من الناحية الروحية أو الجسدية. لذلك يحسن أن تكون المطانيات في الصباح المبكر، أو في أي موعد أثناء الانقطاع قبل تناول الطعام.يمكن أن تكون المطانيات تذللًا أمام الله.أي أنه مع كل مطانية metanoia، يبكت الإنسان نفسه أمام الله علي خطية ما، ويطلب مغفرتها: أنا يا رب أخطأت في كذا، فاغفر لي. أنال نجست هيكلك فاغفر لي. أغفر لي أنا الكسلان، أنا المتهاون، أنا الذي.. ويمكن أن تكون المطانيات مصحوبة بصلوات شكر أو تسبيح.ويمكن القيام بتمهيد روحي قبل المطانيات.كمحاسبة للنفس، أو أية قراءة روحية تشعل الحرارة في القلب.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
عن كتاب روحانية الصوم
المزيد
10 مارس 2021
فضائل ومشاعر مصاحبة للصوم
الصوم مصحوب بفضائل
إن الذين يصومون ولا يستفيدون من صومهم، لابد أنهم صاموا بطريقة خاطئة، فالعيب لم يكن في الصوم، وإنما كان في الطريقة.وهؤلاء إما أنهم صاموا بطريقة جسدانية، ولم يهتموا بالفضائل المصاحبة للصوم أو أنهم اتخذوا الصوم غاية في ذاتها، بينما هو مجرد وسيلة توصل إلي غاية. والغاية هي إعطاء الفرصة للروح. إن الصوم هو فترة روحيات مركزة.فترة حب لله، والتصاق به. وبسبب هذا الحب ارتفع الصائم عن مستوي الجسد الجسدانيات.هو ارتفاع عن الأرضيات ليتذوق الإنسان السمائيات. إنه فتره مشاعر مقدسة نحو الله. علي الأقل فيها الشعور بالوجود مع الله والدالة بالوجود مع الله والدالة معه. وهو فترة جهاد روحي: جهاد مع النفس، ومع الله، وجهاد ضد الشيطان.أيام الصوم هي أيام للطاقة الروحية وفترة تخزين. فمن عُمْق الروحيات التي يحصل عليها في الصوم، يأخذ الصائم طاقة روحية تسنده في أيام الإفطار. فالذي يكون أمينًا لروحياته في الصوم الكبير مثلًا، يحصل علي خزين روحي يقويه أيام الخمسين حيث لا صوم ولا مطانيات metanoia.. ولكي يكون صوم الإنسان روحيًا، عليه بالملاحظات الآتية-:
1- يكون الصوم روحانيًا في هدفه ودوافعه:
لا يكون اضطرارًا، أو لكسب المديح، أو بسبب عادة. إنما يصوم لأجل محبة الله، ارتفاعًا عن الماديات والجسدانيات لتأخذ الروح فرصتها.
2- يكون الصوم فترة للتوبة ونقاوة القلب:
يحرص فيه الصائم علي حياة مقدسة مقبولة أمام الله. فيها الاعتراف وتبكيت النفس، وفيها التناول من الأسرار المقدسة..
3- يكون الصوم فترة غذاء روحي ببرنامج روحي قوي:
ويهتم فيه بكل الوسائط الروحية. ولا يركز حول أمور الجسد في الصوم، أنما علي أمور الروح. واضعًا أمامه باستمرار ليس مجرد نوعية الطعام الصيامي، وإنما علي أمور الروح. واضعًا أمامه باستمرار ليس مجرد نوعية الصيامي، وإنما قدسية أيام الصوم وما يليق بها، لكي تقوي روحه فيها (اقرأ مقالًا آخرًا عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في قسم الأسئلة والمقالات).. الصوم يوصل إلي قوة الروح. وقوة الروح تساعد علي الصوم.
وفي الصوم فضائل يرتبط بعضها بالبعض الآخر.الصوم يساعد علي السهر لخفة الجسد. والسهر يساعد علي القراءة والصلاة. والقراءة الروحية أيضًا تساعد علي الصلاة. والعمل الروحي في مجموعة يحفظ الإنسان الروحي ساهرًا. القراءة مصدر للتأمل، والتأمل يقوي الصلاة. والصلاة أيضًا مصدر للتأمل. والصوم يرتبط بالميطانيات metanoia. والمطانيات تساعد علي التواضع وانسحاق علي الواضع وانسحاق القلب كما أن انسحاق الجسد بالصوم يوصل إلي انسحاق الروح.
كما يرتبط الصوم بفضائل تتعلق بغرض الصوم.فهناك صوم غرضه الاستعداد للخدمة، كصوم الرسل. وصوم غرضه التوبة كصوم نينوى. وصوم غرضه إنقاذ الشعب، كصوم أستير.. وهناك من يصوم لأجل غيره، وفي ذلك حب وبذل ومشاركة. وكلها أصوام ممزوجة بفضائل خاصة. ليتنا نتذكر في صومنا أن السيد المسيح صام وهو ممتلئ بالروح. أما نحن فعلي الأقل فلنصم لكي نمتلئ بالروح.
الصوم تصحبه التوبة:-
الصوم أيام مقدسة، يحياها الإنسان في قداسة لابد أن يكون فيها الفكر مقدسًا. والقلب مقدسًا، والجسد أيضًا مقدسًا. الصوم فترة تريد فيها أن تقترب إلي الله، بينما الخطية تبعدك عنه. لذلك يجب أن تبتعد عن الخطية بالتوبة، لتستطيع الالتصاق بالله. في الصوم، يصوم الجسد عن الطعام، وتصوم الروح عن كل شهوة أرضية، وكل رغبة عالمية، وتصوم عن الملاذ الخاصة بالجسد. وهكذا تقترب إلي الله بالتوبة. فاسأل نفسك: هل أنت كذلك؟
بدون التوبة يرفض الله صومك ولا يقبله. وبهذا تكون لا ربحت سماءًا ولا أرضًا. وتكون قد عذبت نفسك بلا فائدة.. فإن أردت أن يقبل الله صومك، راجع نفسك في كل خطاياك، وأرجع عنها.. لقد أعطانا الله درسًا، حينما تقدم التوبة قبل صومه. وكان ذلك رمزًا.خذ مثالًا واضحًا من صوم نينوى.قال عنها الكتاب في صومهم إنهم رجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذي في أيديهم (يون3: 8).ولهذا السبب لم يشأ الرب أن يهلكهم "لما رأي أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة" (يون 3:10). ولم يقل لما رأي مسوحهم وصومهم، بل رأي توبتهم هذه التي كانت هي العنصر الأساسي في صومهم وفي سفر يوئيل نري مثالًا للتوبة المصاحبة للصوم.حيث قال الرب للشعب علي لسان نبيه "أرجعوا إلي بكل قلوبكم وبالصوم والبكاء والنوح.. مزقوا قلوبكم لا ثيابكم، وأرجعوا إلي الرب إلهكم لأنه رؤوف.." (يوئيل 2: 12، 13). واضح هنا أن الصوم مصحوب بالتوبة و البكاء. إذن ليس هو مجرد امتناع عن العام إنه مشاعر قلب من الداخل نحو الله.وفي صوم دانيال النبي، قدم توبة الشعب كله.لقد صام، واعترف للرب قائلًا "أخطأنا وأثمنا، وعلمنا الشر وحدنا عن وصاياك.. لك يا سيد البر، أما لنا فخزي الوجوه.. يا سيد لنا خزي الوجوه، لملوكنا ولرؤوسنا ولآبائنا أخطأنا إليك" (دا 9: 5-8(إذن اصطلح مع الله في صومك لا تقل "إلي متى يا رب تنساني؟ إلي الانقضاء؟ حتى متى أحجب وجهي عنك" طهروا إذن نفوسكم وقدسوها، واستعدوا للقاء هذه الأيام، استعدوا بإسكان الله في قلوبكم، وليس بمجرد الامتناع عن الطعام.إن كنت في خطية، اصطلح مع الله. وان كنت مُصْطَلِحًا معه، عَمِّق محبتك له.وأن أبطلت الخطية في الصوم، استمر في إبطالها بعده.فليست التوبة قاصرة علي الصوم فقط، وإنما هي تليق بالصوم ويتدرب الإنسان عليها، فيتنقى قلبه، يحفظ بهذا النقاء كمنهج حياة.
وفي ذلك كله، أعدد نفسك للجهاد ضد الشيطان.
قال يشوع بن سيراخ "يا بني أن أقبلت لخدمة الرب الإله فاثبت على البر والتقوى واعدد نفسك للتجربة".. (سفر يشوع بن سيراخ 2: 1)إن الشيطان إذ يري صومك وتوبتك، يحسد عملك الروحي، فيحاربك ليفقدك ثمرة عملك، ويلتمس الحيل إسقاطك لك "لن أتركك حتى تكمل كل بر".. تذكر إذن قول القديس بطرس الرسول "قاوموه راسخين في الإيمان" (2بط 5: 9(الصوم إذن فترة حروب روحية كما حدث للسيد له المجد (مت 4). وهي أيضًا فترة انتصار لمن يشترك مع المسيح في صومه.
الصوم تصحبه الصلاة والعبادة:-
الصوم بدون صلاة يكون مجرد عمل جسداني.وهكذا يفقد طابعة الروحي ويفقد فائدته الروحية وليس الصوم هو الاكتفاء بمنع الجسد عن الطعام، فهذه ناحية سلبيه. أما الناحية الإيجابية فتظهر في إعطاء الروح غذاءها الذين يصمون، وليس في أصوامهم أي عمل روحي، لا صلاة، ولا تأمل، ولا قراءات روحية، ولا ألحان ولا تراتيل، ولا مطانيات metanoia، هؤلاء تكون أصوامهم ثقلًا عليهم، وبلا فائدة. ما الفرق بين هؤلاء وأصوام البوذيين و الهندوس. وأين شركة الروح القدس في الصوم؟! الصوم فرصة للصلاة، لأن صلاة واحدة تصليها في صومك، هي أعمق من مائة صلاة وأنت ممتلئ بالطعام وصوتك يهز الجبل!
الكنيسة تعلمنا باستمرار ارتباط الصلاة بالصوم.وفي قسمة الصوم الكبير في القداس الإلهي تتكرر عبارة "بالصلاة و الصوم". والسيد المسيح لما تكلم عن إخراج الشياطين، قال "هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة و الصوم" وهكذا قرن الصوم بالصلاة.والأصوام المشهورة في الكتاب، مرتبطة أيضًا بالصلاة.ففي صوم نحميا يقول "فلما سمعت هذا الكلام، جلست وبكيت، ونحت أيامًا، وصمت وصليت.. وقل "أيها الرب إله السماء.. لتكن أذنك مصغية وعيناك مفتوحتين، لتسمع صلاة عبدك الذي يصلي إليك الآن نهارا وليلًا.." (نح 1: 4-6) وبدأ يعترف بخطايا الشعب، طالبًا الرحمة وتَدَخُّل الرب.. وصوم عزرا أيضًا كان مصحوبًا بالصلاة والصراع مع الله، بقوله: "أمل أذنك يا إلهي واسمع. أفتح عينيك وانظر خرابنا و المدينة التي دعي أسمك عليها لأنه ليس لأجل برنا نطرح تضرعاتنا أمام وجهك، بل لأجل نفسك يا إلهي، لأن أسمك دعي علي مدينتك وعلي شعبك "(دا 9: 18،19). وصوم نينوى كانوا فيه "يصرخون إلي الله بشدة" (يون 3:8(فاصرخوا إلي الرب خلال صومكم، وارفعوا إليه قلوبًا منسحقة.وثقوا أن الله يستجيب لصومك وصراخكم، وينتهر الرياح والأمواج، فيهدأ البحر. حقًا ما أعمق الصلوات، إن كانت في أيام مقدسة، ومن قلوب متذللة أمام الله بالصوم، ومتنقية بالتوبة، وكم يكون عمقها إن كانت مصحوبة أيضًا بقداسات وتناول درب نفسك في الصوم علي محبة الصلاة والصراع مع الله.والمهم في صلاتك أن تعطي الله قلبك وفكرك.
ولا تحاول أن تريح ضميرك بشكليات، بمجموعة من التلاوات لا عمق فيها وليست حاجة من القلب، ثم تقول "أنا صمت وصليت"! فالرب يعاتب قائلًا "هذا الشعب يكرمني بشفتيه، أما قلبه فمبتعد عني بعيدًا" (مر 7: 6). إن الصلاة صلة، فاشعر أثناء صلاتك وصومك، أنك في صله مع الله. وغن كان تقديس الصوم معناه تخصيصه للرب فهل فترة صومك خصصتها للصلاة وللعمل الروحي؟
هل هي فترة صلاة وتأملات وقراءات روحية، وتخزين روحي، وتفرغ لله وعشرته؟ وهل صلواتك فيها أضعاف صلواتك في الأيام العادية. وأن لم تخصص فيها أكبر وقت لله، فهل خصصت له مشاعرك وعواطفك؟
إن الصوم المصحوب بعشرة الله، يتحول إلي متعة روحية.وفي هذه المتعة، يحاول الصائم أن يكثر من صومه، ويصبح الطعام ثقلًا عليه، لأنه يرجعه إلي استعمال الجسد الذي استراح منه إلي حين طوال ساعات انقطاعه.
الصوم مصحوب بالتذلُّل والبكاء:-
الصوم فترة تنسحق فيها الروح أمام الله، بالتوبة والدموع وانكسار القلب واتضاعه، فتعرف الذات ضعفها، أنها تراب ورماد، وتلجأ إلي القوة العليا.حينما ينسحق الجسد بالجوع، تنسحق الروح أيضًا وفي انسحاقها، وتنحني النفس أمام الله خاشعة ذليلة معترفة بخطاياها وتذلل النفس يحنن قلب الله وقلوب السمائيين جميعًا. والإنسان في اتضاعه وشعوره بضعفه، يشعر أيضًا بزهد في كل شيء، ولا يتعلق قلبه بأيَّة شهوة فيكلم الله بعمق.والكتاب المقدس يقدم أمثلة عديدة عن التذلل في الصوم لأن الله لا يحتمل أن يري مذله أبنائه أمامه. وأكثر الأمثلة في سفر القضاة التي رأي فيها الله مذله شعبة فنزل وخلصهم (قض 2)، "في كل ضيقهم تضايق، وملاك حضرته خلصهم" (أش 63:9). بتذللهم وانسحاقهم يتضرعون. وقريب هو الرب من المتضعين، ومنسحقو القلوب هو يخلصهم..
الصوم الذي آمر به يوئيل النبي، مثال واضح.قال: "تنطقوا ونوحوا أيها الكهنة.. أدخلوا، بيتوا بالمسوح يا خدام إلهي... قدسوا صوما، نادوا باعتكاف" (يوئيل 1: 13، 14). "الآن -يقول الرب- أرجعوا إلي الرب إلهكم.. قدسوا صومًا نادوا باعتكاف.. ليخرج العريس من مخدعه و العروس من حجلتها. ليبك الكهنة خدام الرب بين الرواق و المذبح ويقولوا: أشفق يا رب علي شعبك، ولا تسلم ميراثك للعار، حتى تجعلهم الأمم مثلًا. لماذا يقولون بين الشعوب: أين إلههم؟" (يوئيل 2: 12-17)إننا نري هنا صورة تفصيلية للصوم المتكامل.الصوم، ومعه التوبة (الرجوع إلي الله)، ومعه الصلاة، والتذلل والبكاء و النوح والبعد عن الجسدانيات، ومعه أيضا الاعتكاف والمسوح... هذا هو الصوم في كل عناصره، وليس مجرد الامتناع عن الطعام.
مثال آخر، هو صوم أهل نينوى.صاموا، حتى الأطفال و الرضع، لم يذوقوا ولم يأكلوا شيئًا ولكنهم لم يكتفوا بهذا، بل تذللوا أمام الله في المسوح والرماد. حتى الملك نفسه، خلع تاجه وملابسه الملكية. ولم يجلس علي عرشه، بل جلس معهم علي المسوح والرماد.. وصرخ الكل إلي الله بشدة (يون 3(.
كذلك أيضًا صوم نحميا، وصوم عزرا.قال عزرا الكاتب والكاهن "ناديت هناك بصوم علي نهر أهوا، لكي نتذلل أمام إلهنا، لنطلب منه طريقًا مستقيمة لنا ولأطفالنا.. فصمنا وطلبنا ذلك من الله فاستجاب (عز 8: 21،23). وكذلك نحميا أيضًا يقول:" بكيت ونحت أيامًا، وصمت وصليت "(نح 1:4). هذا عن نفسه، أما عن الشعب، فيقول إنهم: اجتمعوا بالصوم، وعليهم مسوح وتراب، وانفصلوا عن الزيجات الخاطئة، ووقفوا واعترفوا بخطاياهم وذنوب آبائهم. وأقاموا في مكانهم، وقرأوا في شريعة الرب إلههم (نح 9:1-3). أليس هذا أيضًا صومًا متكاملًا: بالصلاة، والبكاء والنوح، وقراءة الكتاب، والتوبة والاعتراف في المسوح و التراب.. إذن ليس هو مجرد امتناع عن الطعام..
وبنفس الوضع كان أيضًا صوم دانيال النبي. يقول "فوجهت وجهي إلي الله السيد، طالبًا بالصلاة و التضرعات، بالصوم و المسح والرماد. وصليت إلي الرب إلهي واعترفت.. أخطأنا وأثمنا وعلمنا ¸الشر وتمردنا وحدنا عن وصاياك.." (دا9:3-5). وفي صوم آخر يقول "أنا دانيال. كنت نائحًا ثلاثة أسابيع أيام. لم آكل طعامًا شهيًا، ولم يدخل في فمي لحم ولا خمر، ولم أدهن.." (دا 10: 2، 3). إنها نفس عناصر الصوم التي وردت في الأصوام السابقة.. حقًا، هذا هو الصوم الذي قال عنه داود النبي "كان لباسي مسحًا. أذللت بالصوم نفسي" (مز 35:17) ولا شك أن النوح يوقف كل شهوة للجسد، ويبعد كل رغبة في الطعام. كما أنه بالاتضاع تفتح أبواب السماء.
الصوم يصحبه الاعتكاف والصمت:-
لقد تكررت هذه العبارة مرتين في سفر يوئيل النبي "قدسوا صومًا، نادوا باعتكاف" (يوئيل 1: 14؛ 2: 15)نادوا باعتكاف، لكي تجدوا وقتًا للعمل الروحي.في الاعتكاف تصمت، ولا تجد من تكلمه، فتكلم الله. ولكن لا تعتكف مع الخطية، أو مع طياشة الأفكار.. وتعتكف أيضًا حتى لا يظهر صومك للناس بل لأبيك الذي يري في الخفاء. والمعروف أن الصائم في نسكه وجوعه، قد يكون في حالة من الضعف، لا تساعده علي بذل مجهود، فالاعتكاف بالنسبة إليه أليق. في صومه، روحه مشغولة بالعمل الجواني مع الله، لذلك فالكلام يعطله عن الصلاة والهذيذ والتأمل، والمقابلات والزيارات تمنع تفرغه لله، وربما توقعه في أخطاء.
السيد المسيح في صومه، كان معتكفًا علي الجبل.في خلوة مع الله الآب، وتفرغ للتأمل وهكذا أيضًا كانت أصوام آبائنا في البرية.. أما أنت، فعلي قدر إمكانياتك أعتكف.. وإذا اضطررت لخلطة، ليكن ذلك في حدود الضرورة، وتخلص من الوقت الضائع، ومن كل كلمة زائدة. وهذا يذكرنا بصوم آخر هو: صوم اللسان والفكر والقلب.
صوم اللسان والفكر والقلب:-
قال مار اسحق: "صوم اللسان خير من صوم الفم. وصوم القلب عن الشهوات خير من صوم الاثنين"، أي خير من صوم اللسان ومن صوم الفم كليهما. كثيرون يهتمون فقط بصوم الفم عن الطعام. وهؤلاء وبخهم الرب بقوله "ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان" (مت 15: 11). وهكذا أرانا أن الكلام الخاطئ نجاسة. وأيضًا قال معلمنا يعقوب الرسول عن اللسان إنه "يدنس الجسد كله" (يع3:6). فهل لسانك صائم مع صوم جسدك؟ وهل قلبك صائم عن الشهوات إن القلب الصائم يستطيع أن يصوم اللسان معه.لأنه "من فيض القلب يتكلم الفم" (مت 12: 34) وكما قال الرب أيضًا "وأما ما يخرج من الفم، فمن القلب يصدر" (مت 15: 18). وكذلك لأن "الرجل الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح. والرجل الشرير من كنز قلبه الشرير تخرج الشرور" (مت 12: 35). لذلك إن كان قلبك صائمًا عن الخطية، فسيكون لسانك صائمًا عن كل كلمة بطالة.والذي يصوم قلبه، يمكنه أن جسده أيضًا.أذن المهم هو صوم القلب والفكر عن كل رغبة خاطئة. أما صوم الجسد فهو أقل شيء. وأحرص إذن في صومك أن تضبط لسانك، وكما تمنع فمك عن الطعام، امنعه عن الكلام الرديء. وسيطر علي أفكارك، واضبط نفسك.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
عن كتاب روحانية الصوم
المزيد