المقالات

20 نوفمبر 2024

الانقسام

قال أحد القديسين:لو اجتمع عشرة آلاف من الملائكة، لكان لهم رأى واحد، للأسف حينما يجتمع عدد قليل من البشر، فإنهم يختلفون..! والانقسام قد يكون دليلًا على وجود الذات الذات التي تعمل وحدها، بعيدًا عن روح الله والتي تريد أن تنفذ رأيها، مهما كانت النتيجة والتي لا تبالي بالنتائج الخطيرة التي يسببها الانقسام! وما هي هذه النتائج ؟ قال أحد الأدباء:تنازع نسران على فريسة، كانت من نصيب الثعلب ولهذا قال السيد المسيح "كل بيت منقسم على ذاته يخرب"، إنها عبارة ينساها المنقسمون كثيرًا ما تقوم جماعة بعمل انقسام، تترك الجو خرابًا، ثم تمضى لحالها، وكأنها لم تفعل شيئًا! بينما يطالبها الله بدم ما قد خربته بأفعالها.. الانقسام بين الأخوة يدل على عدم محبة وانقسام الصغير على الكبير يدل على التمرد، وعدم الطاعة، وعدم احترام الرئاسات وكلها خطايا وكما قد يدل الانقسام على كبرياء في النفس، واعتداد بالذات. وغالبًا ما يكون أب الاعتراف خارج الدائرة في كل هذا، لا يستشار في شيء في رسالة بولس الرسول إلى أهل كورنثوس، وبخهم على الانقسام، ووصفهم بأنهم جسديون (1كو3) ذلك لأن المنقسمين بعيدون عن وحدانية الروح إن أعضاء الجسد الواحد تتعاون معًا لخير الذي يتعاون فيه الكل معًا والوحدانية تحتاج إلى احترام الرأي الآخر، وعلى الأقل التدريب على التعامل مع الرأي الآخر، دون ثورة، ودون غضب، ودون تشهير، ودون تحطيم نصيحة نقولها لكل من يسير في طريق الانقسام:حاول أن تكسب غيرك، بدلًا من انقسامك عليه كُن موضوعيًا، وابعد عن المسائل الشخصية دَرِّب نفسك على التعاون وروح الجماعة. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب كلمة منفعة الجزء الثانى
المزيد
06 نوفمبر 2024

في البرية والهدوء

وسط زحمة الحياة ومشاغلها وضوضائها واهتماماتها الكثيرة ما أجمل أن يتفرغ الإنسان ولو قليلًا للجلوس مع الله، في جو التأمل، والصلاة، وانفتاح القلب على الله هنا يلجأ الإنسان إلي السكون والهدوء لأن الحديث مع الله، يليق به الإنفراد بالله من أجل هذا نقل الله أبانا إبراهيم من وطنه، ومن بين أهله وعشيرته، إلى الجبل، إلى حيث ينفرد في خلوة مع الله هناك يبنى المذبح وفى خلوة على الجبل المقدس، قضى موسى أربعين يومًا مع الله، أخذ منه الناموس والوصايا، وأخذ المثال الذي على نسقه بنى خيمة الاجتماع وفى خلوة على الجبل، كان السيد المسيح يلتقي بتلاميذه، وأحيانًا كان يأخذهم إلى موضع خلاء كلمة الله، يليق بها السكون والهدوء وعلى جبل الكرمل، في الهدوء، تدرب إيليا النبي وفي البرية،على مدى ثلاثين عامًا، تربى يوحنا المعمدان وفى الهدوء والسكون أيضًا، تدرب أعضاء مدرسة الأنبياء ولم يصر موسى نبيًا، ولم يختره الرب للقيادة، إلا بعد أن قضى في البرية أربعين سنة، في السكون، بعيدًا عن قصر فرعون وضوضائه وسياساته والسيد المسيح نفسه، على الرغم من السكون غير المحدود الكائن في أعماقه، وعلى الرغم من صلته الأزلية الدائمة بالآب، لكي يعطينا مثالًا، لم يبدأ خدمته العلنية إلا بعد أربعين يومًا قضاها وحده في الجبل، في حياة السكون، مع الآب وكان الجبل، له موقعه وموضعه، في حياة الرب. وما أجمل قول الكتاب في ذلك "مضى كل واحد إلى بيته أما يسوع فمضى إلى جبل الزيتون" (يو 8: 1) وكان بستان جثسيماني مكان هدوء وسكون للمسيح يقضى فيه فترات من الخلوة ما أعمقها وكانت مريم أخت مرثا مثالًا لحياة السكون، في جلستها الهادئة عند قدميّ الرب بقوله "أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة والحاجة إلى واحد" ليتك إذن تبحث عن مركز السكون في حياتك؟ وهل أنت تهتم وتضطرب لأجل أمور كثيرة ومتى تهدأ إلى نفسك..؟ متى؟ قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب كلمة منفعة الجزء الثانى
المزيد
30 أكتوبر 2024

الوقت المناسب

قال الكتاب: "لكل شيء زمان ولكل أمر تحت السماء وقت" (جا3: 1) والعمل الروحي ينبغي أن يعمل في الحين الحسن الرب حينما تجسد، تجسد في "ملء الزمان" في أنسب وقت، بالنسبة إلى إكمال النبوات واستعداد العالم لقبول الكلمة وفهم عمل الفداء وعلمنا بهذا أن نضع الوقت المناسب في اعتبارنا في العمل، في الكلام، في الصمت، في الخدمة، في كل شيء مثل النباتات التي لا تزرع إلا في موسم معين، في الجو المناسب، حرارة وبرودة ورياحا ومن جهة الكلام يقول الكتاب:" للسكوت وقت وللتكلم وقت" (جا3: 7) وقيل أيضًا "تفاحة من ذهب في مصوغ من فضة، كلمة مقولة في وقتها"والإنسان الحكيم لا يتكلم في الوقت الذي يجب فيه الصمت، ولا يصمت في الوقت الذي يجب فيه الكلام إن عاتبت إنسانًا، تخير الوقت المناسب للعتاب، وإلا أتى عتابك بعكس ما تريد انتهز الوقت المناسب الذي يكون فيه غيرك مستعدًا لسماعك ومستعدا لقبول كلامك ولا تطلب من أحد شيئًا في وقت يكون فيه مشغولًا ومتعبًا ومتضايقًا فإن هذا ليس بالوقت المناسب الذي تطلب فيه شيئًا على أنه إن كان لكل شيء وقته المناسب، إلا أن التوبة بالذات يصلح لها كل وقت لا تقل: حينما يأتي زمان التوبة، سأتوب..! حينما أجد فرصة مناسبة سأتوب فالآن وقت مقبول، والآن ساعة خلاص كما يقول الرسول ومع ذلك، فهناك أوقات نعتبرها أكثر مناسبة وأكثر تأثيرًا "إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم"ولهذا هناك أشخاص نهازون للفرصة، لا يتركون الفرصة تفلت من أيديهم حينما تعمل النعمة فيهم إن تأثروا بكلمة سمعوها فهذا وقت مناسب مثلما سمع الأنبا أنطونيوس كلمة فغيرت حياته ورأى أمامه حادثة معينة (موت أبيه) فانتهزها، وأخذ منها كل ما فيها من تأثير جعله يزهد الحياة. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب كلمة منفعة الجزء الاول
المزيد
23 أكتوبر 2024

الحب الحكيم والحب الجاهل

هناك حب حكيم يفيد صاحبه حتى إن سَبَّب له شيئًا من الألم! ولكنه نافع لروحه وأبديته وهناك حب جاهل يضيع صاحبه وإن بَدَت فيه ملامح من الشفقة والحنوقد تحب شخصا فتؤيده في الحق والباطل وربما تشجعه حتى في الخطأ فتهلك نفسه وتهلك نفسك معه ويكون حبك حبًا خاطئًا وقد تحب إنسانًا فتشفق على جسده من التعب ومن الجهاد ومن النسك فتضره وتضيع روحه وعقله ومستقبله! إنه حب جاهل وأم قد تحب طفلها فَتُدَلِّـلَهُ، فتفسده وتحبه في كبره وتود أن يبقى إلى جوارها، فتمنعه عن التكريس وتمنعه عن الرهبنة وعن الكهنوت! ويكون حبها له حبًا أنانيًا ضارًا!! وشخص يحب قريبه المريض فيخفى عنه خطورة مرضه ولا يعطيه فرصة يستعد فيها لأبديته انه أيضًا حب غير روحي وغير حكيم الحب الحقيقي حكيم وروحي ويهدف إلى خلاص النفس، محبة لا تُجامِل على حساب الحق، ولا تشترِك في خطايا الآخرين محبة طاهرة مخلصة كمحبة الله. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب كلمة منفعة الجزء الاول
المزيد
16 أكتوبر 2024

ثلاث فضائل المحبة، التواضع، الحكمة

ثلاث فضائل ينبغي أن تدخل في كل فضيلة لتصبح فضيلة حقيقية: وهي المحبة والتواضع والحكمة كل فضيلة خالية من المحبة، لا تحسب فضيلة وكذلك كل فضيلة خالية من الاتضاع ومن الحكمة فكل عمل بعيد عن الحب، هو بعيد عن الله والله يأخذ من كل فضيلة ما فيها من حب، فإن لم يجد فيها حبًا يبعدها عنه بالجملة كذلك الفضيلة الخالية من الاتضاع هي مرفوضة من الله، وهى طعام للبر الذاتي والمجد الباطل فأكثر شيء يكرهه الله هو الكبرياء وقد قال الكتاب أن الرب يقاوم المستكبرين، أما المتواضعون فيعطيهم نعمة كذلك ينبغي أن تمارس كل فضيلة في حكمة، بفهم وعقل وإفراز ومن غير الحكمة والفهم لا تحسب الفضيلة فضيلة ولهذا كان القديسون يمارسون الفضائل تحت إرشاد آباء عارفين مختبرين لكي يعلموهم الإفراز ويفهموهم كيف تكون الفضيلة ويشرح لنا التاريخ كيف أن الذين سلكوا في الفضيلة بلا معرفة، سقطوا وضاعوا كثيرون سلكوا في الصوم بلا حكمة، فتعبوا جسديًا وروحيًا وكثيرون مارسوا الصمت بغير حكمة، فأوقعوا أنفسهم في مشاكل وأخطاء، ولم يكن الصمت بالنسبة إليهم فضيلة والبعض سلكوا في العطاء بلا معرفة، فأعطوا مال الله للمحتاجين بدلًا من إعطائه للمحتاجين لهذا قال القديس انطونيوس أن الإفراز هو أعظم الفضائل لأنه يحكمها ويدبرها جميعًا والرعاية والخدمة بلا إفراز، قد تعقد الأمور بدلًا من علاجه ولهذا اشترط الآباء الرسل أن يتصف الشمامسة بالحكمة إلى جوار امتلائهم بالروح القدس (أع 6) إن الحكمة تعطى الفضيلة عمقًا وصدقًا والمحبة تعطى عاطفة وشعورًا أما التواضع فيخفى الفضيلة عن حسد الشياطين، وإذ يخفى الفضيلة يعطى صاحبها استحياء، كما يعطيه محبة في قلوب الناس ليتنا نختبر أنفسنا: هل هذه الفضائل في أعماقنا؟ قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب كلمة منفعة الجزء الاول
المزيد
09 أكتوبر 2024

أبديتك

غالبية الناس يفكرون فقط في حياتهم على الأرض، كل رغباتهم مركزة في هذه الحياة الأرضية وكل تعبهم وجهادهم هو من أجله أما أبديتهم لا تخطر لهم على بال إن حياتك كلها على الأرض لا تساوى طرفة عين إذا ما قورنت بالأبدية التي لا نهاية لها وحياتك على الأرض ما هي إلا إعداد وتمهيد لتلك الأبدية، وحياة الخلود ربما تمسك بكرامة أرضية يضيع عليك كل الكرامة التي ينالها القديسون في المجد الأبدي ومع ذلك فأنت ما تزال تتمسك بهذه الكرامة الأرضية. وتضحي في سبيلها بأبديتك وكأنك لا تعي!! وربما تمسكك ببعض الملاذ الأرضية الوقتية والزائلة يفقدك كل النعيم الأبدي وسعادة الخلود عليك إذن أن تقتنع بأهمية الأبدية وتضعها باستمرار أمام عينيك ويصبح كل شيء رخيص إلى جوارها ما أجمل قول القديس بولس الرسول لأهل كورونثوس: "غير ناظرين إلى الأشياء التي ترى بل التي لا ترى لأن التي ترى وقتية أما التي لا تُرى فأبدية" (2كو4: 18) حقًا، في هذه النظرة يتجلى الفارق الأساسي بين الإنسان الحكيم والإنسان الجاهل الجاهل نظرته قصيرة لا تتعدى المرئيات والحياة الأرضية أما الحكيم ينظر إلى بعيد إلى ما بعد الموت ويظل يفكر: ماذا سيكون مصيري بعد أن أخلع هذا الجسد؟ أين سأذهب؟ وماذا سأكون؟ وأنت أيها الأخ، بماذا أنت مشغول..؟ وأين وضعت قلبك؟ هنا أم هناك..؟ لأنه حيث يكون قلبك يكون كنزك أيضًا إن الحكماء يشعرون أنهم غرباء على الأرض، ولا يركزون آمالهم في الأرض بل "ينتظرون المدينة التي لها الأساسات، التي صانعها وبارئها الله" (عب11) والذي يهتم بأبديته يرتفع فوق مستوى الأرض والأرضيات ولا يستهويه شيء مما في هذا العالم العالم كله خلفه، وليس أمامه. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب كلمة منفعة الجزء الاول
المزيد
02 أكتوبر 2024

الحكمة

كل فضيلة تخلو من الحكمة، ليست فضيلة فالمحبة مثلا يجب أن تكون محبة حكيمة، وإلا تنحرف إلى التدليل، والعطف الضار والحديث أيضًا والوعظ، يجب أن تندمج فيه الحكمة، فتعرف ماذا تقول ومتى تقول وكيف والحكمة كانت صفة يجب توافرها في جميع الخدام، وليس فقط في الكبار كالأساقفة بل حتى في الشمامسة، إذ قال الآباء الرسل "اختاروا أنتم أيها الأخوة سبعة رجال منكم مملوءين من الروح القدس والحكمة، فنقيمهم نحن على هذه الحاجة" (اع6: 3). الحكمة تمنح صاحبها بصيرة روحية واستنارة في الفهم تؤدى إلى الإفراز والتمييزوقد سئل القديس الأنبا انطونيوس عن أعظم الفضائل فقال هي الإفراز لان الفضائل بدون الإفراز قد تهلك أصحابها وهناك حكمة نازلة من فوق (يع3)، كإحدى مواهب الروح القدس (1كو12) والذي تعوزه حكمة فيطلبها من عند أبي الأنوار. وليطلبها عند الآباء والشيوخ والمرشدين الروحيين الذين وهبهم الله الحكمة والفهم وقد يحصل الإنسان على الحكمة نتيجة الخبرة، والاستفادة من أخطائه ومن أخطاء غيره. وقد يحصل على هذه الحكمة نتيجة المداومة على القراءة النافعة، ونتيجة معاشرة الحكماء والتلمذة على أساليبهم الحكيمة في الكلام والتصرف إن سليمان لم يطلب من الله غنى وسلطة، وإنما طلبه كان حكمة لتدبير الشعب فطوبه الله ومنحه الحكمة. وما أجمل ما قاله سليمان: "الحكيم عيناه في رأسه، أما الجاهل فيسلك في الظلام" والحكمة تستلزم التروي والتفكير، والنظر إلى الأمر من جميع زواياه واستعراض كل نتائجه قبل فعله. وعدم التصرف في حالة انفعال وغضب لو لمجرد السماع والحكمة تحتاج إلى ذكاء، واتساع في الفكر ولا تتفق مع العناد والغرور والتشبث بالرأي. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب كلمة منفعة الجزء الاول
المزيد
25 سبتمبر 2024

تواضع الله في تمجيده لأولاده

الله لم يشأ أن يكون موجودًا وحده، فأنعم بالوجود على كائنات أخرى صارت موجودة بمشيئته "ومن تواضع الله أنه حينما خلق الإنسان خلقه في مجد"على صورة الله وشبهه ومثاله فكانت صورة الله أول مجد للإنسان وكانت البنوة لله مجدا آخر أعطاه للإنسان ويقول الكتاب"الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم، ليكونوا مشابهين لصورة ابنه والذين سبق فعينهم، فهؤلاء دعاهم أيضًا والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضًا والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضًا" (رو8: 29: 30)"الخليقة نفسها ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله" (رو8: 21) ونقرأ في الكتاب عن إكليل المجد، وعن المجد العتيد أن يستعلن فينا (رو8: 18). وإننا إن كنا نتألم مع الرب فسنتمجد معه (رو8: 17) إنها أمجاد كثيرة تنتظر الإنسان في الأبدية غير الأمجاد التي يمنحها الله له في العالم ويقول في المزمور (91: 14، 15) "لأنه تعلق بي أنجيه أرفعه لأنه عرف اسمي يدعوني فأستجيب له معه أنا في الضيق، أنقذه وأمجده". إن الله يفرح حينما يمنح المجد لأولاده ولكن المجد الذي للناس شيء، والمجد الخاص بالله وحده شيء آخر ذاك هو مجد لاهوته مجد لاهوته لا يعطيه لآخر إنه مجد الله في الأعالي إنه المجد غير المحدود وغير المدرك، الذي نقول له عنه "لك المجد والعزة والسجود" مهما نال الإنسان من مجد، فلن يؤثر هذا على مجد الله. فالنار قد تضيء منها مليون شمعة دون أن تنقص منها شيئًا مبارك الرب الذي مجد أولاده بأنواع وطرق شتى: منها مواهب الروح القدس، واجتراح المعجزات، وما أعطاهم من سلطان على الشياطين وكل قوات العدو وجعلهم هيكلًا لروحه القدوس، ومنحهم التبني والمجد (رو9: 4). قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب كلمة منفعة الجزء الاول
المزيد
18 سبتمبر 2024

أنواع من المحبة

أريد أن أكلكم فى هذه المحاضرة عن أنواع كثيرة من المحبة ما هي المحبة ؟ وما أنواعها ؟ وما هي درجاتها ؟ وما هو المقبول منها الله والمحبة الإلهية : المحبة هي الله الله محبة وكما يقول الكتاب "الله محبة من يثبت في المحبة ، يثبت في الله ، والله فيه" في البدء كانت المحبة ، كان الله منذ الأول ، قبل الكون وبهذا الحب خلق الله الكون خلق الملائكة واحبهم ، وخلق البشر وأحبهم .وكما أحب الله خلائقه ، أحبته خلائقه أيضاً أحب الانسان الله ، ولم يكن له حب غير هذا هذه هي المحبة الالهية آدم قبل خلق حواء ، كانت محبته مركزة في الله وحده . المحبة الروحية : ثم خلق الله حواء، معيناً لآدم ، وعرف آدم في علاقته بها قبل الخطية ، لوناً آخر من المحبة هو المحبة الروحية لم يكن الجسد قد بدأ دوره بعد، وكانت محبة آدم الحواء محبة روحية تشبه محبة الأخ لأخية ، والأب لابنه والصديق لصديقه، ومثل محبة الملائكة للبشر . وبالمحبة الروحية التي كانت بين آدم وحواء قبل الخطية ، بدأ الانسان يحب الانسان الى جوار محبته لله ، دون تعارض ، ودون أن تنقص احدى المحبتين شيئا من الأخرى . ثلاثة أنواع أخرى من المحبة : ثم سقط الإنسان ، وبسقوطه وقع في ثلاثة أنواع أخرى من المحبة ، يمكن أن تبعده عن محبة الله ، ثلاثة أنواع من المحبة لا هي إلهية ،ولا هي روحية ، فماذا كانت ؟ ۱ - محبة الذات ، اذ اشتهى لذاته أن تكبر « وتصير مثل الله » . ۲ - محبة المادة ، اذ اشتهى ثمرة الشجرة ووجدها « بهجة للعيون» . ٣- محبة الجسد ، اذ تفتحت عيناه ، وفقد براءته ، وخضع لشهوة الجسد ،والجنس . وهكذا وقع الانسان فى محبة العالم بكل أعماقها ، كما قال عنها الرسول إنها شهوة الجسد ، وشهوة العين ،وتعظم المعيشة لم تكن عنده هذه الأمور من قبل : لم يكن يحارب قبلا بمحبة الذات في تعظم المعيشة ،لم يكن يشتهى أن يكبر لم يكن أيضاً محارباً بمحبة المادة كان ينظر إلى جميع الأشجار فى بساطة دون أن يجد إحداها "شهية للنظر،وجيدة للأكل ،وبهجة العين" كذلك لم يكن يعرف شهوة الجسد كان عرياناً وينظر إلى رفيقه العريان ، دون خجل أو شهوة ومن ذلك الحين ، والانسان تتنازعه هذه الأنواع الخمس من المحبة المحبة الألهية، والمحبة الروحية، ومحبة الذات، ومحبة الجسد، ومحبة المادة وحياة الانسان الروحية ما هي إلا جهاد متواصل يتنقى فيه من أنواع المحبة الخاطئة ، لكي يثبت في المحبة الإلهية. حدود المحبة البشرية الطاهرة : حتى المحبة البشرية الطاهرة بكل أنواعها ،وضع لها الرب حدوداً، فقال " من أحب أبا أو أما أكثر منى فلا يستحقنى ،ومن أحب إبناً أو إبنة أكثر منى فلا يستحقني" ( متى ۱۰ : ۳۷ ) المحبة الالهية ، هي الأولى والأهم، وتشمل القلب كله وهكذا قال الكتاب " تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك ومن كل قوتك " ( تث ٦ : ٥٠ ) وبعد ذلك تأتى المحبة البشرية الطاهرة، محبة القريب : تحب قريبك كنفسك "ولكن على شرط أن هذه المحبة لا تزيد على محبة الله ، ولا تتعارض مع محبة الله كل محبة طاهرة نحبها للناس ، ينبغى أن تكون داخل محبة الله ليست منفصلة عنها ،وليست الى جوارها ، وانما داخلها بالنسبة إلى أهل العالم كان الشيطان يحاربهم بالجسد أو المادة أو الذات مثلما حارب العالم قبل الطوفان حين « رأى أولاد الله بنات الناس أنهن حسنات"( تك ٢:٦ ) ومثل كل حروب الجسد التي لا تحصى كذلك حروب المادة ، مثل محبة المال ، ومحبة القنية أما أولاد الله ، فعندما يريد الله أن يجربهم انما يمتحنهم في المحبة الطاهرة الروحية ، مثلها اختبر الله ابراهيم في محبته لابنه أراد الله أن يرى هل محبة الأب لابنه ، هذه المحبة الطاهرة ، المحبة الطبيعية ، وليست للابن فقط، وانما بالأكثر للابن الوحيد ، ابن المواعيد ابن الشيخوخة ، الذي انتظره الأب سنوات طويلة ،هل هذه المحبة يمكن أن تفوق محبته لله ، ويمكن أن يعصى الله بسببها إن طلب إليه أن يرفع سكينه على هذا الابن ، ويقدمه محرقة ؟! إن ابراهيم أبا الآباء أثبت أن محبة الله في قلبه تفوق كل محبة أخرى،مهما كانت طاهرة وروحية وطبيعية بهذا الوضع، وبنسبة أقل بكثير ، أخذت حنه ابنها صموئيل ، ابنها الوحيد ، الذي ولدته بعد عقم ، ابن الصلوات والدموع ،وقدمته عارية للرب ، يخدم الرب كل أيامه ،وأثبتت أن محبتها لله أكثر ان محبتنا للناس في الخدمة هي محبة الهية نحن نحب الله ، ونريدهم أن يحبوه كما نحبه واكثر ، نريد أن ندخل الله في قلوبهم، لأننا نحب الله ونحب ملكوته . فلنختبر محبتنا : كثيرا ما تظن أم أنها تحب ابنها محبة حقيقية : ولكن يعوزها أن تعرف : هل هذه محبة روحية كجزء من محبتها لله ؟ أم هي مجرد محبة طبيعية ؟ أم هي محبة لذاتها هي ؟! إنها تحب ابنها : تطعمه وتلبسه وتسمنه و تربيه وتعلمه وتزوجه ولكنها في كل ذلك لم تظهر محبتها الروحية له ، ولم تظهر محبتها لله فيه ،ولم تهتم بروحه وأبديته إنها محبة الدم للدم ، محبة طبيعية ولكنها لم تصل بعد إلى المستوى الروحي ! وقد تختبر محبة لابنها عندما يطلب أن يخصص للرب كاهنا أو راهبا فاذا رفضت أن تعطيه للرب ، ووقفت في طريقه الروحي فماذا نسمى محبتها إذن ؟ ألا تكون مجرد محبة للذات ،الذات التي لا تريد أن تتنازل عن ملكيتها ، حتى لو كان هذا التنازل للرب نفسه !! من أعظم الأمثلة في محبة الأم ،ما عملته أم موسى لابنها في سنوات الطفولة القليلة ثبتت محبة الله في قلبه ، ولقنته معرفة الله بطريقة استطاع بها أن يصمد أمام العبادات المصرية القديمة في قصر فرعون مدى ٤٠ عاماً ... ! ! انها محبة الام التي تكون أشبينة لابنها ، وليست مجرد مربية تدلله لتكسب محبته ، ولو على حساب محبة الله ما أكثر الأمهات اللاتى يفسدن أولادهن تحت اسم الحب والعطف والتدليل وقد يساعدن الأولاد على هذا الفساد بالمال ،وقد يخفين عن الاب حقيقة الابن وطيشه بل قد يكذبن ، وكل ذلك باسم الحب إن رفقة كادت تضيع ابنها يعقوب من فرط محبتها الزائدة له، وأوقعته بمحبتها في خطايا كثيرة لذلك علينا أن نختبر محبتنا ، ما نوعها ؟ في صدق وتدقيق فان كنت حقا تحب الله ، اسأل نفسك : هل تحب الجلوس معه ، والحديث إليه ، والتأمل فيه ؟ هل تشتاق إليه كما تشتاق الأرض العطشانة إلى الماء ؟ هل تفضله على كل محبة أخرى ، وعلى كل لذة أخرى ؟ لذلك كان أعمق الناس محبة لله ،هم الذين سعوا الى محبته واكتفوا بها ،وفضلوها على الكل أولئك الذين من أجل الله تركوا الأهل والأحباب ،وتركوا كل شيء ،ولم يحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم من أجل عظم محبتهم للملك المسيح ومن أمثلة هؤلاء ، الرهبان والمتوحدين والسواح الذين لم يجعلوا في قلوبهم ولا في أفكارهم سوى الله وحده ، الذي صار لهم الكل في الكل ويشبه المتوحدين والسواح في محبتهم لله ، أو يفوقهم ، الشهداء لأنهم لم يتركوا فقط كل شيء من أجل الله ، انما تركوا الحياة أيضا من اجله بكل ما فيها من الذين تملك أيضاً المحبة الإلهية على قلوبهم ، الرعاة والخدام ،الذين يبذلون ذواتهم من أجل بناء ملكوت الله ،يضحون بكل راحتهم ، وكل وقتهم ، وكل جهدهم من أجل أن يدخلوا محبة الله في قلوب الناس المحبة الالهية في عمقها ، هي المحبة الذين تفرغوا لله ، قلبا ووقتا ،وصارت محبة الله هي شغلهم الشاغل يفكرون في الله ، يتحدثون إلى الله ، يستمتعون بالله ، ينفردون بالله ، ينشغلون بالله ليس لهم عمل سوى الله وحده وليست لهم شهوة سوى الله وحده فهل أنت كذلك أم لك شهوات أخرى ورغبات ومشغوليات ردية كانت أم غير ردية ؟! الانسان اذا دخل في عمق الروحيات ، لا تصبح له شهوة ولا رغبة ولا طلبة سوى الله وحده ،الله ساكنا في قلبه وفي قلوب الناس وعمل هذا الانسان هو أن يغربل جميع المحبات التي في قلبه ،ولا يستبقى سوى الله ،وداخل الله يجد كل محبة أخرى يحتاج الأمر منا الى اعادة تقييم الأمور الذي يحب الله ،يعطى كل القيمة لمحبة الله ، وتفقد باقي الأمور قيمتها يقول مع بولس الرسول " خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية ، لكى اربح المسيح" ومثل موسى النبي الذي ، حسب عار المسيح غنى أفضل من كل خزائن فرعون نحتاج أيضا أن نتخلص من محبة الذات ، لأنها كثيرا ما تشغلنا عن محبة الله وان فكرنا فيها ، نهتم كيف تصير ذاتنا صورة الله وهيكلا لله حقاً إننا بعدنا عن الهدف الحقيقي للحياة ، واخترنا لنا أهدافاً أخرى عالمية أصبحنا نهتم بما سنتركه ،ولا نهتم بما سنلقاه العالم كله سنتركه فلماذا ننشغل به ؟! ليتنا نراجع المحبة التي في قلوبنا تنقيها ،ونفرغها لله ،وتنمو فيها يوما بعد يوم وتهتم بالمحبة الالهية أكثر من الكل . قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن مجلة الكرازة العدد الثامن والعشرون عام 1975
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل