صعود السید المسیح لم یكن مجرد رجوع الابن إلى السماء بعد انتھاء رسالته الخلاصیة على الأرض ولكن صعوده كان حلقة ھامة ومتممة للفداء ففي العھد القدیم كان لابد أن یدخل رئیس الكھنة بدم الذبائح إلى داخل قدس الأقداس مرة واحدة في السنة في یوم الكفارة العظیم لیكفر عن الشعب وھنا یقول معلمنا بولس الرسول "وَأَمَّا الْمَسِیحُ وَھُوَ قَدْ جَاءَ رَئِیسَ كَھَنَةٍ لِلْخَیْرَاتِ الْعَتِیدَةِ فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ غَیْرِ الْمَصْنُوعِ بِیَدٍ أَيِ الَّذِي لَیْسَ مِنْ ھذِهِ الْخَلِیقَةِ وَلَیْسَ بِدَمِ تُیُوسٍ وَعُجُول بَلْ بِدَمِ
نَفْسِه دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِیًّا" (عب ۹: 11, 12) فبصعود السید المسیح صار لنا فداءً وقبولاً في المقادس العلویة "فَكَانَ یَلْزَمُ أَنَّ أَمْثِلَةَ الأَشْیَاءِ الَّتِي فِي السَّمَاوَاتِ تُطَھَّرُ بِھذِهِ وَأَمَّا السَّمَاوِیَّاتُ عَیْنُھَا فَبِذَبَائِحَ أفَضَلَ مِنْ ھذِهِ لأنَّ الْمَسِیحَ لَمْ یَدْخُلْ إلِى أقَدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِیَدٍ أَشْبَاهِ الْحَقِیقِیَّةِ بَلْ إِلَى السَّمَاءِ عَیْنِھَا لِیَظْھَرَ الآنَ أَمَامَ وَجْه اللهِ لأَجْلِنَا"(عب ۹: 23 , ۲٤ ) فكما كان رئیس الكھنة الیھودي یظھر أمام الله أمام التابوت وھو یحمل أسماء الأسباط الاثني عشر ھكذا في المقابل حملنا المسیح رئیس كھنتنا الأعظم فیه ودخل للسماء لنستطیع نحن أن نوجد في حضرة الله.
ونصلي في قسمة سبت الفرح أن السید المسیح "دخل داخل الحجاب موضع قدس الأقداس الموضع الذي لا یدخل إلیه ذو طبیعة بشریة" لذا تجسد الابن واتحد ببشریتنا ودخل بھا إلى ما وراء الحجاب لكي نستطیع أن ندخل فیه وبه ومعه إلى السماویات كما قال السید المسیح "أَنَا ھُوَ الطَّرِیقُ وَالْحَقُّ وَالْحَیَاةُ لَیْسَ أَحَدٌ یَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي" (یو ۱٤: 6) لذلك فھم المعنى الحقیقي للصعود وھو الثقة للدخول إلى الأقداس بدم یسوع ینعكس على سلوكنا وحیاتنا "فَإِذْ لَنَا أَیُّھَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى
« الأَقْدَاسِ » بِدَمِ یَسُوعَ طَرِیقًا كَرَّسَه لَنَا حَدِیثًا حَیًّا بِالْحِجَابِ أَيْ جَسَدِهِ وَكَاھِنٌ عَظِیمٌ عَلَى بَیْتِ اللهِ لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي یَقِینِ الإِیمَانِ مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِیرٍ شِرِّیرٍ وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ لِنَتَمَسَّكْ بِإِقْرَارِ الرَّجَاءِ رَاسِخًا لأَنَّ الَّذِي وَعَدَ ھُوَ أَمِینٌ وَلْنُلاَحِظْ بَعْضُنَا بَعْضًا لِلتَّحْرِیضِ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ غَیْرَ تَارِكِینَ اجْتِمَاعَنَا كَمَا لِقَوْمٍ عَادَةٌ بَلْ وَاعِظِینَ بَعْضُنَا بَعْضًا وَبِالأَكْثَرِ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَوْنَ الْیَوْمَ یَقْرُبُ" (عب ۱۰: 19- 2٥).
أیضًا الاستھانة بعمل السید المسیح الخلاصي یعرض الإنسان لعقوبة شدیدة "فَإِنَّه إِنْ أَخْطَأْنَا بِاخْتِیَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ الْحَقِّ لاَ تَبْقَى بَعْدُ ذَبِیحَةٌ عَنِ الْخَطَایَا بَلْ قُبُولُ دَیْنُونَةٍ مُخِیفٌ وَغَیْرَةُ نَارٍ عَتِیدَةٍ أَنْ تَأْكُلَ الْمُضَادِّینَ مَنْ خَالَفَ نَامُوسَ مُوسَى فَعَلَى شَاھِدَیْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُھُودٍ یَمُوتُ بِدُونِ رَأْفَةٍ فَكَمْ عِقَابًا أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّه یُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ وَحَسِبَ دَمَ الْعَھْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِه دَنِسًا وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَةِ؟ فَإِنَّنَا نَعْرِفُ الَّذِي قَالَ « لِيَ الانْتِقَامُ أَنَا أُجَازِي یَقُولُ الرَّبُّ » وَأَیْضًا «الرَّبُّ یَدِینُ شَعْبَه » مُخِیفٌ ھُوَ الْوُقُوعُ فِي یَدَيِ اللهِ الْحَيِّ! (عب ۱۰: 26- 31).
وھنا نفھم قول السید المسیح لتلامیذه "لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ إِنَّه خَیْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ لأَنَّه إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ یَأْتِیكُمُ الْمُعَزِّي وَلكِنْ إِنْ ذَھَبْتُ أُرْسِلُه إِلَیْكُمْ" (یو ۱٦: ۷) إن الصعود ھو خیر لنا لأنه أجلسنا معه في السماویات ودخل بنا إلى ما وراء الحجاب وھكذا أصبح من الممكن إرسال الروح القدس لیسكن فینا ولیختمنا بالختم السمائي ولیشھد أننا أبناء الله وورثة ﻟﻠﮫ الآب ووارثون مع المسیح.
نيافة الحبر الجليل الأنبا يوسف مطران جنوبى الولايات المتحدة الأمريكية
المزيد