المقالات

28 يناير 2026

الصلاة

الصلاة في معناها البسيط حديث مع الله وفى معناها الأعمق صلة بالله صلة حب صلة عاطفة قبل أن تكون كلامًا والكلام بدون حب لا معنى له ولهذا يقول الرب معاتبًا "لأن هذا الشعب قد اقترب إلى بفمه وأكرمني بشفتيه وأما قلبه فأبعده عنى" (أش 29: 13) ولهذا كانت صلاة الأشرار غير مقبولة أمام الله، بل ومكرهة للرب لأنها لا تصدر عن حب إلا إن كان شريرًا منسحقًا يطلب التوبة كالعشار وقد قال الرب يصلون بغير نقاوة قلب "فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم وإن كثرتم الصلاة لا أسمع أيديكم ملآنة دمًا اغتسلوا تنقوا أعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني كفوا عن فعل الشر" (أش 1: 15-16). الصلاة هي جسر يوصل بين الأرض والسماء شبهوها بسلم يعقوب الواصلة بين السماء والأرض والصلاة هي مفتاح السماء وهى لغة الملائكة وهى عملها وهى حياة الروحيين. والصلاة هي اشتياق النفس للوجود مع الله هي اشتياق المحدود إلى غير المحدود واشتياق المخلوق إلى خالقه اشتياق الروح إلى مصدرها وإلى شبعها في الصلاة يرتفع الإنسان عن مستوى المادة لكي يلتقي مع الله. مقياس نجاح الصلاة أنه كلما تود أن تترك وتنتهي لا تستطيع بعكس الإنسان الذي يفرح أنه ختم الصلاة وقال آمين الإنسان الناجح في صلاته لا يستطيع أن يتركها بل ينشد أمام الملائكة أغنيته المحبوبة "أمسكته ولم أرخه" (نش 3: 4) مَنْ ينجح في الصلاة لا يفضل عليها عملًا آخر أيًا كان من أجلها هرب القديسون من العالم والأشياء التي في العالم وبحثوا عن الهدوء والسكون وأحبوه بكل قلوبهم ينفردوا بالله والصلاة هي مذاقة الملكوت تبدأ هنا وتكمل هناك وإذا تعلق بها الإنسان تصير الصلاة له حياة وتصير حياته صلاة هناك قديس نكتب سيرته الكاملة (سيرة حياته) في كلمة واحدة ونقول "كانت حياته صلاة" صلاة دائمة غير منقطعة صلاة لم يمر وقت تنقطع فيه ولو لحظة يقول فيها العازف سلاه حتى في نومه لا ينقطع حديثه مع الله بالعقل الباطن وفي اللاوعي أترى هذا تفسير العبارة "كنت أذكرك على فراشي"..؟ قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب كلمة منفعة الجزء الثانى
المزيد
21 يناير 2026

تأملات في الغطاس

آدم أخطأ، ولم يطلب التوبة، ولا سعى إليها وإذا بالسيد المسيح، القدوس الذي هو وحده بلا خطية، يقف أمام المعمدان، كتائب، نائبًا عن آدم وذريته، مقدمًا عنهم جميعًا معمودية توبة في أسمى صوره.حمل خطاياهم، ليس فقط أثناء صلبه، وإنما في حياته أيضًا كابن للبشر. ولذلك سر الآب به وقال: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" إن الله لا يسر بتدبير الإنسان لذاته، وبأن يلتمس لنفسه الأعذار كما فعل آدم وحواء، اللذين بدلًا من أن يدينا نفسيهما أمام الله، أخذ كل منهما يلقى بالذنب على غيره أما السيد المسيح، فلم يلق ذنبًا على غيره، وإنما أخذ ذنب الغير، وحمله نيابة عنه، وقدم عنه معمودية توبة، وأفرح بكل هذا قلب الآب، فقال: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" الذي بلا خطية، صار حامل خطية، من أجلنا لم يخجل من أن يتقدم وسط صفوف الخطاة، ليطلب العماد من يد عبده يوحنا. ولما استحى منه هذا النبي العظيم، أجابه في وداعة "اسمح الآن، لأنه يليق بنا أن نكمل كل بر" وأعطانًا بهذا درسًا عمليًا في حياتنا وأعطانًا درسًا أن نحمل خطايا الغير وأن ندفع الثمن نيابة عنهم، بكل رضى وأن لا نقف مبررين لذواتنا، مهما كنا أبرياء وأننا بهذا نكمل كل برأتراك تستطيع أن تدرب نفسك على هذه الفضيلة؟ إن القديس يوحنا ذهبي الفم يقول إن لم تستطع أن تحمل خطايا غيرك وتنسبها إلى نفسك، فعلى الأقل لا تجلس وتدين غيرك وتحمله خطاياك إن لم نستطع أن نحمل خطايا الناس، فعلى الأقل فلنحتمل خطايا الناس من نحونا، ولنغفر لهم بهذا نشبه المسيح، بهذا نستحق أن ندعى أولاد الله. وبالحنان الذي نعامل الناس، يعاملنا الله. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
14 يناير 2026

نزوله من السماء يثبت لاهوته

قال السید المسیح في حدیثه مع الیھود: "أَنَا ھُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ" (یو٦: 41) وقال إنه بھذا معطي الحیاة "لأَنَّ خُبْزَ للهِ ھُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاھِبُ حَیَاةً لِلْعَالَمِ" (یو33:6) وكرر عبارة "نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ" (یو 6: 38) وفسر نزوله من السماء بقوله: "خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَیْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَیْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْھَبُ إِلَى الآبِ" (یو ۱٦: 28) وركز على عبارة خروجه من عند الآب بقوله لتلامیذه "الآبَ نَفْسَه یُحِبُّكُمْ، لأَنَّكُمْ قَدْ أَحْبَبْتُمُونِي،وَآمَنْتُمْ أَنِّي مِنْ عِنْدِ للهِ خَرَجْتُ" (یو ۱٦: 27) وكرر ھذا المعنى أیضًا في حدیثه مع الیھود (یو ۸: 42) إذن ھو لیس من الأرض بل من السماء وقد خرج من عند الآب ھذا ھو موطنه الأصلي أما وجوده بین الناس على الأرض بالجسد، فذلك لأنه "أَخْلَى نَفْسَه، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ" (في ۲: 7) ولكنه لابُد أن یصعد إلى السماء التي نزل منھا أما عن ھذه الأرض فھو كائن قبلھا بل ھو الذي أوجدھا لأن "كُلُّ شَيْءٍ به كَانَ وَبغِیْرِهِ لمَ یَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (یو ۱: 3) أما ھو فقد كان في الآب منذ الأزل وھذا ھو مكانه الطبیعي بل ھذه مكانته. ونزوله من السماء وصعوده إلیھا أمر شرحه لنیقودیموس فقال "لَیْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي ھُوَ فِي السَّمَاءِ" (یو ۳: 13) والمقصود بالسماء ھنا سماء السماوات التي لم یصعد إلیھا أحد ولم ینزل منھا أحد إلا المسیح باعتباره أقنوم الابن "الَّذِي ھُوَ فِي حِضْنِ الآبِ" (یو ۱: 18) في سماء السماوات حیث عرش الله كما قال في العظة على الجبل إن السماء ھي كرسي الله (متى ٥: 34) أي عرشه. وقوله "ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي ھُوَ فِي السَّمَاءِ" معناھا أنه كائن في السماء بینما ھو على الأرض یتكلم ومعجزة صعوده إلى السماء (أع ۱: 9) ھي تأكید لقوله لتلامیذه "وَأَیْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْھَبُ إِلَى الآبِ" (یو ۱٦: 28) وھو لیس في السماء كمجرد مقیم إنما له فیھا سلطان: فقد قبل إلیه روح القدیس إسطفانوس الذي قال في ساعة رجمه "أَیُّھَا الرَّبُّ یَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي" (أع ۷: 59) وھو الذي أدخل اللص إلى الفردوس (لو43:23) وھو الذي أعطى الرسل مفاتیح السماء (مت ۱٦: 19) وقال "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَه عَلَى الأَرْضِ یَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَه عَلَى الأَرْضِ یَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ" (مت ۱۸: 18) والمسیح تسجد له كل القوات السمائیة: "لكِيْ تَجْثوُ باِسْمِ یَسُوعَ كُل رُكْبَة مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ وَیَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ یَسُوعَ الْمَسِیحَ ھُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ" (في ۲: 9) وقد قال عنه الرسول أیضًا "إِذْ ھُوَ حَيٌّ فيِ كُلِّ حیِنٍ لیِشْفعَ فیِھِمْ، لأنَّه كَانَ یَلیِقُ بنِا رَئیِسُ كَھَنَة مِثْل ھذَا قدُّوسٌ بلِا شَرّ وَلاَ دَنَسٍ قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب ۷: 25 , 26) إذن من علاقة المسیح بالسماء، یمكن إثبات لاھوته بدلائل كثیرة. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
07 يناير 2026

ملء الزمان

يقول الكتاب في قصة الميلاد ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة تحت الناموس (غل ٤ : ٤ ) ولا شك أن انتظار ( ملء الزمان ) هو درس روحى عميق نستفيده في حياتنا عندما نتأمل قصة التجسد وكيف حدد الله ميعادها عندما أخطأ آدم وحواء وعدهما الله بالخلاص قائلا لهما إن نسل المرأة سيسحق رأس الحية وأنجبت المرأة قايين وهابيل وشيث ولم يحدث أن أحداً منهم سحق رأس الحية بل ظلت الحية رافعة رأسها في خطر حتى كادت تهلك العالم كله في أيام نوح فإلى متى يا رب ننتظر ؟ ومتى تحقق وعدك بالخلاص ؟ متى نفذ الرب وعده بالخلاص ؟ نفذه بعد آلاف السنين والحكمة فى ذلك سنوضحها فيما بعد ولكننا نقول الآن و إن يوما عند الله كألف سنة وألف سنة عنده كيوم واحد (۲بط ۳ : ۸) كل تلك الآلاف عند الله كأنها لحظة أو طرفة عين أما البشرية فانها شغوفة بان تنهى كل شيء بسرعة حمى الإسراع هى حمى تنتاب البشر جميعاً تريد التعجل في كل شيء ولا تستطيع صبرا على شيء والناس يجرون وراء حاجاتهم جريا بدون تفكير فى غالبية الأوقات . محبة العجلة والإسراع :- وعد الرب أبانا إبراهيم بأن يكون له نسل مثل نجوم السماء ورمل البحر وانتظر ابراهيم طويلا ولم يعط نسلا كنجوم السماء ولا حتى ابناً واحداً ماذا يارب هل نسيت مواعيدك ؟ كلا انني لم انس ولكنك انت الذى تريد ان تتعجل الأمور قبل مواعيدها" تقو وليتشدد قلبك وانتظر الرب"وعاد إبراهيم فانتظر مدة أطول ولكن النسل لم يعط له فبدأ اليأس يتطرق إلى قلبه ودفعه اليأس إلى أن يدخل على جاريته هاجر وينجب منها إبناً ولكن مشيئة الله ظلت كما هي و بسارة يدعى لك نسل ( تك ۱۷ : ۹ ) وعاد إبراهيم فانتظر سنوات أخرى وحتى بعد ولادة اسحق مرت عليه عشرات السنوات وما زال الوعد الخاص بنجوم السماء ورمل البحر ينتظر التحقيق وعاد إبراهيم فاتخذ قطورة زوجة له فولدت له زمران ويقشان ومدان ومديان ويشباق وشوحا (تك١:٢٥-٢) لم تكن مشيئة الرب فى كل هؤلاء فأعطاهم إبراهيم عطايا وصرفهم عن اسحق ابنه وانتظر حتى يحقق الرب وعده في ملء الزمان بطريقته الهادئة التي لا تعجل فيها ان اليأس من وعود الله ومواعيده يدعو الى التعجل والعجلة تدعو الى استخدام الطرق البشرية والطرق البشرية تتنافى مع طرق الله الصالحة وسنأخذ مثلا لذلك رفقة زوجة اسحق : قال الرب لرفقة وهى بعد حبلى « فى بطنك أمتان ومن أحشائك يفترق شعبان : شعب يقوى على شعب وكبير يستعبد لصغير ( تك ۲٥ : ۲۳ ) . والكبير هو عيســـــو يستعبد للصغير الذي هو يعقوب . كيف هذا يارب ؟ كيف يستعبد الكبير للصغير ؟ طالما هو البكر فهو السيد ؟ فهل سيفقد البكورية ؟ وكيف يكون ذلك ؟ يجيب الرب : اتركوا هذه الأمور لى سأعالجها بطريقتي الخاصة الهادئة الصالحة ومرت الأيام والسنون أين يارب وعدك ؟ يجيب : انتظروا سيتم كل شيء في حينه في ملء الزمان ثم أتى اليوم الذي طلب فيه اسحق صيدا من ابنه عيسو لكي يباركه وهنا لم تستطع رفقة أن تحتمل فقدمت حيلة بشرية لابنها يعقوب ليأخذ بها البركة عن طريق خداعه لأبيه لماذا اسرعت رفقة ؟ ولماذا لم تنتظر الرب ؟ ولماذا لجأت الى الطرق البشرية الخاطئة التى لا تتفق مع مشيئة الله الصالحة ؟ انها حمى الاسراع وعدم انتظار ملء الزمان وماذا كانت النتيجة ؟ كانت سنوات طويلة من المتاعب والآلام قضاها يعقوب شريداً هارباً وخائفاً من أخيه ومتعباً من معاملة لابان السيئة وخداعه له وقد سجل يعقوب ملخص حياته هذه بقوله " أيام سنى غربتى قليلة وردية " ( تك ٤٧ : ٩ ) حنة ايضا كانت تطلب ابنا من الرب وكانت ضرتها تغيظها غيظا وبدا كما لو أن الرب كان يسمع ويظل ساكتا !ومرت الأيام وحنه ما تزال عاقراً وهكذا صار سنة بعد سنة كلما صعدت إلى بيت الرب أن ( ضرتها فننة) كانت تغيظها فبكت ولم تأكل( اصم ٧:١) والرب يسمع ويرى ومع ذلك يبدو ساكتا لا يعمل شيئاً إلى متى يارب لا تستجيب ؟ إلى متى تحتمل بكاء حنه من أغاظة ضرتها ؟ يجيب الرب : انتظروا ملء الزمان لا يتعبكم طول أناتي بل الذي يتعبكم هو حمى الإسراع انتظروا فللانتظار فائدته وكان من فائدة الانتظار ان حنه نذرت نذرا أن تعطى ابنها للرب كل ايام حياته وقد كان وولد لها صموئيل ولد صموئيل فى ملء الزمان متأخراً جداً ولكنه كان أفضل من جميع أولاد فننة ضرة أمه التي كانت تغيظها من هم أولاد فننة؟ أننا لا نعرف شيئاً عنهم ولا حتى عن أسمائهم أما صموئيل فيعرفه الجميع ليتنا اذن في معاملاتنا للرب نصبر وننتظر ملء الزمان إن الضيقات تحتاج إلى طول أناة حتى يرفعها الرب عنا في الحين الحسن في ملء الزمان بعد أن نكون قد أخذنا بركتها ولكننا لا تفعل هكذا بل نضيق بسرعة ونصرخ و لماذا يارب تركتنا ؟ لماذا لم تسمع الصلاة ؟ قد يكون لك مريض تطلب شفاءه وتلح في ذلك وقد يبطى الرب في الاستجابة حتى يأتى ملء الزمان الذي يحدده للمريض حسب حكمته في اختيار الأوقات أما أنت فتضجر وتصيح في ضجرك و لماذا يا رب لا تسمع ؟ إذن ما فائدة الصلاة ؟ وما فائدة سر مسحة المرضى !! وتتشاجر مع الله ليس لأن الله قد أخطأ في حقك وإنما بسبب محبتك للاسراع وعدم انتظارك ملء الزمان . ملء الزمان هو الوقت المناسب : بنفس حكمة ملء الزمان انتظر الرب حتى بعد كل شيء لتجسده ثم بعد ذلك نزل الينا في الوقت المناسب لم يكن هناك وقت مناسب أكثر من موعد مجيئه بالذات كان كل شيء عهداً وكل شيء معداً لذلك كان عمل مجيئه قوياً وكان تقبل الناس له سريعاً كانت النبوءات قد اكتملت وكذلك الرموز وأعد الرب فهم الناس لها خلال مدى طويل حتى يستطيعوا أن يستوعبوها عندما يتم المكتوب ويتحقق الرمز خذوا لذلك مثالا هو فكرة الذبيحة وفكرة الفداء كيف تدرج الله بهم من الذبيحة التي غطى آدم وحواء عريهما بجلدها إلى ذبيحة هابيل التى من أبكار غنمه ومن سمانها إلى فكرة ذبيحة الابن الوحيد التي تمثلت في اسحق إلى شروط الذبيحة التي بلا عيب التي تحمل خطية غيرها وتموت عنه وتركهم آلافاً من السنين حتى احتضنوا الفكرة واستوعبوها وصارت من بديهياتهم إن الله طريقته هادئة وطويلة المدى ولكنها منتجة ونافعة صدقوني لو أن الله صبر كل تلك الآلاف من السنين حتى يجد العذراء الطاهرة التى تستحق ان يولد منها الرب والتي تحتمل الله يولد منها الرب لكان هذا وحده سببا كافيا وكان ينبغي أن ينتظر حتى يوجد الرجل البار الذي تعيش تلك العذراء في كنفه ويحفظها فى عفتها ويحتمل أن تحبل من الروح القدس ويقبل الفكرة ويحمى الفتاة ويعيش كأنه أب لابنها في نظر المجتمع وكان ينبغي الانتظار حتى يولد الملاك الذى يعد الطريق قدام ملك الملوك أعنى يوحنا المعمدان ذا الشخصية الجبارة والتأثير العميق الذي يستطيع ان يقول « فى وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه هو الذي يأتى بعدى الذي صار قدامى الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه ( يو ۱ : ۲۷) و ينبغى أن ذاك يزيد وإنى أنا أنقص الذي يأتى من فوق هو فوق الجميع الذي يأتى من السماء هو فوق الجميع ( يو ۳ : ۳۱،۲۰ ) لعل أحدا يسأل : ولماذا لم يوجد الله كل هؤلاء منذ زمن ؟ نجيب بأن الله لا يرغم البشر على البر والقداسة أنه ينتظر حتى توجد الآنية المستعدة بكامل ارادتها هناك أسباب عديدة جداً توضح شيئاً من حكمة الرب في الانتظار حتى يأتى ملء الزمان أوضحها هو إعداد العالم كله وتهيئته لقبول فكرة التجسد وفكرة الفداء وأخيراً عندما كمل كل شيء ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة تحت الناموس ليفتدى الذين تحت الناموس لتنال التبني ( غل ٤ :٤-٥) . مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث مجلة الكرازة العدد الثانى عام 1977
المزيد
01 يناير 2026

كما تبدأ يجب أن تستمر

غالبية الناس - في بداية العام الجديد - يبدأون بداية طيبة، ولكن المهم أن يستمر الناس في الوضع الطيب الذي بدأوا به فهل أنت كذلك ؟ أم هي بداية وتنتهي . كما تبدأ يجب أن تستمر كل انسان يمكنه أن يبدأ حياة روحية ولكن المهم هو الاستمرار ما أكثر البدايات الطيبة التي تحدث في يوم الاعتراف أو يوم التناول أو يوم رأس السنة أو يوم روحي ولكن المهم هو الاستمرار والمداومة يمكنك أن تأخذ صورة قديس مدى يوم ولكن هل تستطيع هذا مدى الحياة ؟ يمكن أن تنفذ تدريب صمت يوما أو يومين ولكن هل تستطيع الصمت بصفة دائمة في حياتك ؟؟ هنا مشكلة الاستمرار التي أود أن نطرقها الليلة معا والتي يقول عنها الرسول "كونوا راسخین غير متزعزعين. انظروا إلى قصص التوبة التي عاشها أغسطينوس وموسى الأسود ومريم القبطية وبيلاجية إن أهميتها لم تكن بالدرجة الأولى في أن كل هؤلاء تابوا وتغيرت حياتهم تماماً إن المهم هو أنهم لما تابوا استمروا، ولم يرجعوا اطلاقا إلى حياتهم السابقة التي عاشوها في الخطية لأجل هذا نحن نذكر فى ( المجمع ) في القداس " الذين كملوا في الايمان" ولهذا أيضاً بالنسبة إلى القديسين نذكر" نهاية سيرتهم " وأنهم استمروا في حياة الايمان حتى نهاية سيرتهم كان ديماس عموداً من أعمدة الكنيسة، يذكره بولس الرسول مع لوقا ومرقس واسترخس ، ولكنه لم يستمر، وعاد وأحب العالم الخاطر، ويقول بولس عن أمثال ديماس " كثيرون من الذين كنت اذكرهم لكم أذ كرهم الآن وأنا باك، وقد صاروا أعداء صليب المسيح" ويقول عن أهل غلاطية إنهم بدأوا بالروح وكملوا بالجسد بداية طيبة ولكن لم يستمروا مثل أنسان حينما يخطو أول خطوة في الطريق ، يقول "قد خلصت" دون أن يعرف هل سيستمر ويكمل في الايمان أم لا بينما الرسول يهتم بنقطة الاستمرار هذه فيقول" تمموا خلاصكم بخوف ورعدة" ولماذا بخوف ورعدة ، ذلك لان " عدوكم مثل اسد يزأر" ولان الخطية" طرحت كثيرين جرحي ، وكل قتلاها أقوياء" ان البداية الطيبة وحدها لا تكفى فالله احيانا لا يسمح بالحرب الشديدة على المبتدئين لئلا ييأسوا في أول الطريق ولكن الشيطان بعد حين سيحاول أن يغربلكم وهنا يبدو مدى ثباتكم في الرب ومدى استمراركم في حياة الايمان قيل في مثل الزارع عن نبات انه نما قليلا، ولكن – إذ لم يكن له اصل جف فما هو هذا النوع ؟ قد يقدم إنسان إلى الحياة الروحية نتيجة انفعال أو تأثرة بعظة بكتاب ، بحادثة مرت عليه، مرض، وفاة ، مشكلة وقع فيها فيقول ، أنذرلك يارب حياتي ويبدا ، ولكن ، إذ ليس له أصل ، سرعان ما يجف أما النبات الذي له أصل ثابت في الأرض فقد قال عنه الكتاب الصديق كالنخلة يزهو كالارز في لبنان يعلو ما هو إذن الأصل بالنسبة إلى النبات ؟ الأصل هو حياة الايمان العميقة هو حياة الحب الحقيقية هو العلاقة الشخصية مع الله معرفته ومعاشرته هناك انسان حياته كلها ممارسات ولكن ليس له أصل انما هي مجرد ممارسات بلا ایمان بلا حب بلا عشرة لذلك لا يستمر سرعان ما يجف تتزعزع منارته من مكانها إن أردت أذن أن تستمر في علاقتك مع الله أبن حياتك على أصول عميقة فليست الحشمة في أولا استحياء القلب من الداخل هي النقاوة القلبية التى يكون المظهر الخارجي مجرد تعبير عنها وما أجمل قول المزمور گل مجد ابنه الملك من داخل وهكذا الشاب ليس المهم أن نكلمه عن تربية شعره ونوع ملایسه أنا ألمهم هو علاقته الداخلية مع الله وعندئذ سيتغير تبعا لها كل المظهر الخارجي الخاطئ اذن اسلوب تربيتنا لأولادنا يجب ان بيني على اساسي فلا نهتم فقط بالانسان الخارجي ان نبنى الداخل بالأكثر فلا يكون كل اهتمامنا بالمارسات الخارجية بالمظهر الخارجي بصورة التقوى وإنما بالإنسان الجوانى قبل كل شيء هذا هو البناء على الصخر الذي قال عنه الرب وهذا ما أريد أن انبه اليه في بداية العام الجديد لا تركزوا على مجرد ممارسات خارجية أنما اسكبوا نفوسكم أمام الله واطلبوا اليه أن يعطيكم محبته ومذاقته وعشرته ويعطيكم حياة الإيمان الحقيقي العملى ويعطيكم محبة الخير لذاته يصلح قلوبكم من الداخل ينقيها ويثبتها فيه لقد قال الرب لبطرس الق شباكك إلى العمق فليكن هذا العمق هو مقصدكم في بداية العام الجديد انسان واقع في خطية الغضب ليس المهم أن يبطل النرفزة أو الصوت العالى أنما الغضب أسباب كثيرة داخل القلب عليه أن ييحددها ويتخلص منها ، حينئذ سوف لا يلعب ربما داخل القلب كبرياء ربما محبة الذات ربما توجد كراهية أو إدانة أو سخط كل ذلك يحتاج إلى تنقية وأنت أيضاً أنظر إلى داخلك وأعرف ماذا يسبب لك الخطية وكما قال الرب أذكر من أين سقطت وتب إنسان حرارتة مرتفعة لا نستطيع أن نقول له خذ قرص اسبرين إنما يجب أن نبحث عن السبب الذي رفع درجة حرارته ربما هناك خراج في الداخل يحتاج إلى تنظيف ربما حمي تحتاج إلى علاج ربما سبب آخر أخطر إذن ابحثوا في حياتكم من الداخل،وأعرفوها لكي تبنوا علاقتكم مع الله على أسس ثابتة تساعدكم على الاستمرار والاستمرار في الخلط الروحي لابد يحتاج إلى عمق إن أردت أن تستمر في الصلاة وليست فيك محبة لله فلن تستمر سيدركك السأم بعد حين ،تترك الصلاة أو يشرد ذهنك فيها وإذ ليس له أصل سيجف وهكذا في القراءة وكل ممارسة روحية لا بد من العمق وكل علاقة مع الله لا عمق لها لابد ان تضعف أو تفتر أو تنتهي أما الذي له عمق فمهما الخطا الى الله لابد سيعود اليه لان الحب هو الأصل والخطا طارئ مهما أخطأ الصديق، فإنه يقول مع النبي " لا تشمتى بي يا عدوتى فإنى أن سقطت أقوم بل قيل أيضاً إن الصديق يسقط سبع مرات ويقوم أن القيام هو القاعدة الأصلية في حياته، والسقوط طارئ ويزول لقد أنكر بطرس ثلاث مرات، ولكن الحب كان أصيلا في قلبه ، لذلك بكي بكاء مرأ على سقوطه، وقام بالحب القديم أو الحب الأصيل، وكذلك داود الذي أخطأ خطابا كثيرة ، ولكن الله قال عنه وجدت قلب داود حسب قلي لذلك سرعان ما قام، لكى يسبح الرب تسبيحة جديدة الصديق ، أي المؤمن الذي له في العلاقة مع الله أصل وعمق ، هذا مهما اخطأ، يحدد الله مثل النسر شبابه يجددون قوة، يرفعون أجنحة كالنسور ، يركضون ولا يتعبون يمشون ولا يعبون ، ( اش٤٠ : ٣١) قبل أنت كذلك ؟ هناك فرق كبير بين سقطة المؤمن التي يقوم منها بسرعة ، إذ له أصل، وسقطة غيره الذى تحلو له الخطية فلا يقوم لذلك ، عمقوا جذوركم في الحياة مع الله مدوا الجزور إلى أسفل قبل الله ترفعوا الجذع والفروع إلى أعلى ان ارتفاعا بلا عمق ، لا يستمر ، بل يرتفع كالدخان ويتبدد .... وإن بقي وقتاً ، فإنما يكون طعاماً للمجد الباطل. مثال ذلك راهباً ، يركز في بداية حياته الرهبانية، لا على نقاوة القلب ، انما على كثرة المطالبات ، وكثرة الصوم ، وعلى الحبس في القلاية، والصمت، وقد يثير خلافات من أجل هذا كله ! هذا انما يحيا بلا عمق ، وسرعان ما يجف ، إذ ليس له أصل في الروحيات .. لهذا اهتم الآباء بنقاوة الانسان الجواني ..... لذلك نريد في بداية العام الجديد، أن نهتم يعمق العلاقة مع الله ولا نفكر في روحياتنا بطريقة سطحية. ونبتي حياتنا، بتصحيح الدوافع، وليس بمجرد تغيير المظاهر . هناك من يبنون حياتهم الروحية بالتعصب، وحسنا أن تجبر أرادتك على الطاعة، ولكن التعصب ليس اسلوب استمرار ، لأنه دليل على ان الحب الالهي لم يملك بعد على القلب والإرادة ...... إنه كعربة لا تتحرك من ذاتها ، فيدفعونها بالايدي لتمشى : أن القلب اذا تغير من الداخل، واتجه نحو الله ، فإن الحياة الخارجية تتغير تلقائياً ، بالحب والإيمان، لا بالتعصب يلزمك أيضا للاستمرار، ان تضع الرب أمامك كن حين ، وتتذكر ولا يكون الله بالنسبة اليك ، اله مناسبات .. لا تكن حياتك الروحية قوية فقط في رأس السنة، وفي ايام الاعتراف والتناول والنهضات الروحية ، فإن بعدت عنك هذه المناسبات تفتر وتجف ، انما ليكن الله أمامك باستمرار، امسكه ، ولا ترخه واطلب منه النعمة التي تنمى قلبك .اذن لكي تستمر أدخل إلى العمق وضع الرب أمامك كل حين وابعد عن الأشواك التي تخنق روحياتك وأيضاً لا تترك سلاحك ابداً مبما بدا لك أنك في سلام . مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث مجلة الكرازة العدد الاول عام 1980
المزيد
30 ديسمبر 2025

سقوط وقيام كثيرين

في متابعة محاضراتنا الخاصة بالميلاد تتناول عبارة قالها سمعان الشيخ عن السيد المسيح "ها إن هذا وضع لسقوط وقيام كثيرين ولعلامة تقاوم "( لو ٢ : ٣٤ ) . سقوط وقيام كثيرين : عجيب أن يكون الرب سبب فرح للبعض وحزن للبعض الآخر فرح المجوس فرحاً عظيماً لما رأوا النجم ( متى ١ : ١٠ ) وسألوا عن مكان المسيح وقدموا له هداياهم وسجدوا له وآمنوا وبينما هم يفرحون به قيل عن هيرودس الملك انه لما سمع" اضطرب وجميع أورشليم معه" ( متى ٣:١ ) ميلاد المسيح كان سبب فرح المجوس وسبب اضطراب هيرودس في القيامة العامة سيفرح المؤمنون الحقيقيون بمقابلة الرب إذ يأخذهم معه على السحاب في المجد ويكونون مع الرب كل حين ومع ذلك فإن آخرين سيقولون للجبال غطينا ، وللتلال أسقطى علينا ( رؤ ٦ : ١٦ ) وذلك من شدة خوفهم كما يقول الكتاب "مخيف هو الوقوع في يدى الله الحي " ( عب ۱۰ : ۳۱ ) . مجيء المسيح الثاني سيكون سبب فرح للبعض وخوف لغيرهم و في ذلك قال الرائى وستنظره كل عين والذين طعنوه وتنوح عليه جميع قبائل الأرض ( رؤ ۱ : ۷ ) . ان القيامة اذن " سبب سقوط وقيام كثيرين " فيها يتقرر مصير البعض للسقوط والبعض للقيام كذلك كان عبور البحر الأحمر سبب سقوط وقيام كثيرين كان سبب خلاص أولاد الله وفى نفس الوقت كان سبب هلاك فرعون وكل جنوده ومن جهة مجيء السيد المسيح من الذين سقطوا ومن الذين قاموا بمجيئه ؟ وكيف كان مجيئه سبب بركة وخوف ؟ اول عدو سقط بمجيء السيد المسيح هو الشيطان لقد قال الرب عنه و أبصرت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء ( لو ۱۰ : ۱۸) نعم كل ما فعله الشيطان في آلاف السنين ضيعه السيد المسيح حينما قال على الصليب و قد اكمل فصار تعب الشيطان كله باطلا بما في ذلك ما سيجد من عمله بالنسبة إلى المفديين .كان مجيء المسيح خوفاً للشيطان الذي قال عنه الرب" رئيس هذا العالم قد دين " (يو ١٦: ۱۱) لذلك كان الشياطين يصرخون قائلين له " أجئت قبل الوقت لتعذبنا "( مت ۸ : ٢٩) وعبارة سقوط كثيرين لا تعنى الشيطان فقط بل كل جنده أيضاً كما قيل في سفر الرؤيا "حدثت حرب في السماء ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وملائكته فطرح التنين العظيم الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان الذي كان يضل العالم كله طرح إلى الأرض وطرحت معه ملائكته "( رو ۱۲ : ۷ - ۹ ) و آخر عدو سيسقط بتجسد المسيح وفدائه هو الموت وفي ذلك قال معلمنا بولس الرسول "متى سلم الملك لله الآب متى أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة آخر عدو يبطل هو الموت " ( ١ کو ٢٦،٢٤:١٥ ) من الأعداء الكثيرين الذين يسقطون الانسان العتيق إن الرب بتجسده وفدائه منح نعمة للمؤمنين ينالونها في المعمودية إذ يسقط الانسان العتيق يموت ويدفن ( رو ٦ ) ويقوم إنسان آخر في جدية الحياة على صورة الرب هو الذي قيل عنه "لأنكم جميعاً الذين اعتمدتم للمسيح قد لبستم المسيح" ( غل ۳ : ۲۷ ) حقاً اننا نرى في المعمودية سقوط وقيام كثيرين من الامثلة الجميلة للسقوط والقيام قصة شاول الطرسوسي شاول الطرسوسي بكل جبروته الذي كان يأتي برسائل من رؤساء الكهنة ويجر رجالا ونساء إلى السجن شاول هذا لم يستطع أن يرفس مناخس وسقط لكى يقوم مكانه بولس الرسول الذي يتعب أكثر من جميع الرسل ويتكلم بلسان أكثر من جميعهم ويصنع المعجزات ويكرز ويؤسس الكنائس وينال إكليل الشهادة لقد سقط أيضا المعلمون الكذبة الكتبة والفريسيون والصدوقيون وأمثالهم من كهنة اليهود ورؤساء الكهنة.سقطت هيبتهم في أعين الناس وسقط تعليمهم وسقطت كبرياؤهم وأفحمهم السيد المسيح فى أكثر من مناقشة وأثبت للكل فساد ما يعلمون به ورأى الناس معلماً آخر عظيماً و بهتوا من تعليمه وكان يعلمهم بسلطان وليس كالكتبة وسار الكل وراءه وتركوا كل شيء وتبعوه وأخيراً تحطم الكتيبة والفريسيون بقول السيد المسيح لهم في ( متی ۲۳ ) ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون وشرح في تفصيل شديد كل اخطائهم وانتهوا من تاريخ اليهود ومحيط العمل الديني ليقوم مكانهم معلمون آخرون عينهم الرب وسقط الكهنوت الهاروني ليقوم كهنوت على طقس ملكي صادق وقال السيد المسيح فى تغيير هؤلاء الوكلاء" إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لامة تصنع ثماره" ( متى ٢١ : ٤٣ ) وبالمثل فعل مع الناموسيين والصدوقيين وشهد العالم سقوط كثيرين وفي سقوط كثيرين نضع أيضا الوثنية بكل رجالها كل فلسفاتها وفلاسفتها سقطوا سواء مدرسة الاسكندرية الوثنية التي سقطت أمام المدرسة اللاهوتية بالاسكندرية أو مثلما حدث في قصة اسطفانوس الشماس الأول الذي قيل عنه أن ثلاثة مجامع وقفت ضده الليبرتينيين والقيروانيين والاسكندريين مع الذين من كيليكيا وآسيا " لم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلم به "( أع ٦ : ٩ ، ١٠ ) ووقفت المسيحية في نشأتها في صراع مع الاديان الأخرى كما قال السيد المسيح و ما جئت لالتقى سلاماً على الأرض بل سيفاً أي الصراع الذي يقوم بين الإيمان وكل معارضيه وشهد العالم فترة من الكرازة ومن الاستشهاد ظهر فيها سقوط وقيام كثيرين أما ما سقط فهو الأديان الأخرى مع الدولة الرومانية التي استسلمت لتأثير المسيحية بعد كل اضطهادها لهاوسقطت مع الوثنية كل فلسفتها وكل حكمتها وتحقق قول الرسول "اختار الله جهال العالم ليخزى بهم الحكماء وضعفاء العالم ليخزى بهم الأقوياء واختار المزدرى وغير الموجود ليبطل ما كان موجوداً " وإذا بالصياد الأمى يقف أمام أساطين مجمع السنهدريم ليقول لهم في شجاعة ينبغى أن يطاع الله أكثر من الناس ويقف السيد المسيح ليقول "أحمدك أيها الاب لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء واعلنتها للأطفال" وشهد التاريخ في انتشار المسيحية سقوط وقيام كثيرين ومن الذين قاموا ؟أولا أقام الرب المتواضعين . لقد تحققت تسبحة السيدة العذراء التي قالت فيها " أنزل الاعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين "( لو ١ : ٥٢ ) هذه العذراء المسكينة اليتيمة التي سلموها لنجار يرعاها أصبحت جميع الأجيال تطوبها والمقيمون فى مزود البقر صاروا مقصد العالم كله والمزود صار مزاراً مقدساً تنحنى أمامه تيجان الأباطرة والملوك تطلب بركة ترابه والصيادون الفقراء صاروا قادة العالم و كهنته ورعاته ومعلميه الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديداً بل انه من الكثيرين الذين سقطوا مفاهيم كثيرة كل مفاهيم الناس عن العظمة والقوة والحرية وما أشبه تغيرت إلى العكس ووضع السيد المسيح مفاهيم جديدة أقامها مكانها فلم يعد القوى هو الذي يضرب غيره على الخد الأول والخد الآخر إنما القوى هو الذي يحتمل كما قال الرسول "أطلب إليكم أيها الأقوياء أن تحتملوا ضعف الضعفاء" وأصبحت الحرية هي حرية الإنسان من الداخل وليست حريته من الخارج فى فعل ما يشاء وكما قال الرب" إن حرركم الإبن في الحقيقة أنتم أحرار" والعظمة صارت في الاتضاع وليس في الكبرياء ووضع الرب ذلك المبدأ الجميل "من رفع نفسه يتضع ومن وضع نفسه يرتفع من وجد نفسه يضيعها ومن أضاع نفسه من أجلى ومن أجل الانجيل فانه يجدها" كان المسيح نوراً جاء إلى العالم فانقشعت أمامه كل قوى الظلمة سقطت أمامه ولكنها قاومت كثيراً في باديء الأمر وبالأكثر قاومت علامته التي هي الصليب التي قال عنها سمعان الشيخ " وعلامة تقاوم " أننا على ابوب عام جديد ونريد أن تنطبق علينا عبارة قيام كثيرين فيقيمنا الرب بنعمته وبروحه القدوس وبعمله الدائم فينا يقيمنا عن يمينه ويقول لنا : " تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم منذ إنشاء العالم " إنه أقام كثيرين بل لا تستطيع أن نحصى عدد من أقامهم ربوات ربوات وألوف أولئك الذين ينشدون الرب أغنية جديدة في ملكوته فلتكن نحن من هؤلاء الكثيرين الذين قال عنهم و في بيت أبي منازل كثيرة وأنا إن ارتفت أجذب إلى الجميع بقى ان نقول ان السقوط والقيام هنا على الأرض بصفة مؤقته يمكن أن تتغير بعد حين لتعد لسقوط وقيام أبديين وليت الجميع يهتمون بأبديتهم منذ الآن التناول أيضا لسقوط وقيام كثيرين لقيامهم في حالة الاستحقاق ولسقوطهم في حالة عدم الاستحقاق إذ يتناولون دينونة لانفسهم . قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عظة البابا يوم 19/12/1980
المزيد
24 ديسمبر 2025

ليكن لى كقولك

بمناسبة تذكارنا للعذراء في صوم الميلاد المجيد وفي ليالى كيهك المباركة نود أن نتأمل في عبارة قالتها العذراء للملاك المبشر هوذا أنا أمة الرب ليكن لى كقولك ( لو ۱ : ۳۸ ) . ليكن لى كقولك لا شك أن العذراء ما كانت تفكر مطلقاً انها ستحبل وتلد ولكن لما جاءتها المشيئة الإلهية تركت مشيئتها الخاصة وفي ملء التسليم للرب قالت "ليكن لى كقولك" ومع أنه بشرها بمخلص يخلص شعبه جاءها الأمر أن تهرب بهذا المخلص إلى أرض مصر إلى بلاد غريبة عنها موضعاً وديانة إلا أنها قالت" ليكن لى كقولك "وكان مجيئها مع الرب سبب بركة لكل أرض مصر حتى الآن لا شك إنها كانت تحب البقاء في الهيكل في حياة الصلاة والتأمل والعبادة ولكن الرب نقلها إلى أماكن متعددة من الهيكل إلى بيت يوسف إلى بيت لحم إلى مصر إلى الناصرة وهي لا تقول سوی "ليكن لي كقولك "مثال آخر : قديس متوحد في جبل الكرمل هو إيليا نقله الرب من حياة العبادة والنسك فى الجبل إلى صميم مشاكل المجتمع مرة يرسله إلى صرفة صيدا حيث تعوله امرأة ومرة يرسله إلى آخاب الملك الذي يزمع قتله ومرة يرسله إلى حيث يقتل كل الانبياء الكذبة وهو في كل ذلك لا يقول سوى" لكن لى كقولك" ليست الوحدة في الكرمل هي هدفى انما هدفى مشيئتك أنا معك ومع مشيئتك حيثما أردتني أن أكون على الجبل معك وفي المدينة معك في التأمل معك وفي الخدمة معك ليس لي أن أقر أنت الذي تقرر وأنا أنفذ . مثال آخر أرمياء الرقيق الهادي الصغير الذي لا يحتمل المشاكل الذي دموعه في عينيه باستمرار يرسله الرب ليدخل في عمق المشاكل ليوبخ ملوك يهوذا ورؤسائها وكهنتها وشعب الأرض ويحاربونه والكل يخاصمه وهو يكشف خطاياهم ويتنبأ لهم ينبوءات لا تريحهم ليس له أن يقول إلا " ليكن لى كقولك "وإن قال و لا أعرف أن أتكلم لأنى ولد يقول الرب " إلى كل من أرسلك إليه تذهب و تتكلم بكل ما آمرك به "( أر ١) ومع أن الله وعده أن يجعله مدينة حصينه وعمود حديد وأسوار نحاس إلا انهم القوه في الوحل وهو يغنى بانشودته الجميلة "ليكن لى كقولك " وأخيراً لخص أرمياء النبى اختباراته الروحية في تلك العبارة الخالدة "عرفت يارب أنه ليس للإنسان طريقة ليس لانسان يمشى أن يهدى خطواته " ( ار ۲۳:۱۰ ) يحدث كثيراً أن يحب أحد الرهبان حياة الوحدة والتأمل ثم يدعوه الله إلى خدمة فهل يحتج على الرب ويرفض أم يقول له في استسلام كما قالت مريم" ليكن لى كقولك " سهل علينا أن نطيع الله فيما يوافق هوانا ولكننا في هذه الحالة نكون قد اطعنا هوانا وليس الله أما عبارة" ليكن لى كقولك " فتنطبق حينما نقول معها " لتكن لا مشيئتي بل مشيئتك " نقولها بلا تذمر بل بملء الثقة مؤمنين بمحبة الله ومؤمنين بحكمته وحسن تدبيره غير مخضعين الأمور لافكارنا الخاصة ودون أن ندخل في جدل مع الله انظروا الى يوسف الصديق وكم عاش في هذا المبدأ اظهر له الله رؤى واحلاماً مؤداها أن أباه وأمه واخوته سيأتون ويسجدون له وإذا الواقع أن اخوته يحسدونه ويلقون به في بئر ثم يبيعونه كعبد وينتهى به الأمر إلى بيت فوطيفار ثم تلفق ضده وضد امانته تهمة رديئة ويلقى في السجن ظلماً ! ! وهو في كل هذا لا يحتج وليس أمامه سوى عبارة" ليكن لى كقولك " لم يقل للرب أين وعودك ؟ وأن الاحلام والرؤى ؟ وأين العدل فيما لاقيته من ظلم ؟ وإنما قال" ليكن لى كقولك" و نفذ الله وعوده له ، ولكن فى الوقت المناسب حسب حكمة الله و حسن تدبيره اننا لا نقول عبارة « ليكن لى كقولك » لاننا نريد أن نخطط لانفسنا ويكون الله بالنسبة الينا جهاز تنفيذ ! ! نحن ندبر وهو ينفذ 11 واثقين بافكارنا وعقولنا وكل تدابير الله معنا نريد أن نراجعها حسب مقاييسنا الخاصة التي كثيراً ما تكون خاطئة وكثيراً ما تخفى عليها عوامل متعددة ... ! قصة ابراهيم أب الآباء مثال رائع لهذا المبدأ الروحي في يوم من الأيام قال له الرب "خذ ابنك وحيدك الذى تحبه اسحق وقدمه لى محرقة على الجبل الذي أريك إياه " أمر يبدو وكأنه ضد الطبيعة البشرية ! كيف يقدم إبنه محرقة ؟ ! أما أبونا ابراهيم فلم يكن فى قلبه ولا فى فكرة سوى عبارة" ليكن لى كقولك" سهل جدا أن نرتل في الكنيسة ترتيلة "حيث قادني اسير "ولكن نحن نسير وفق كلمات الترتيلة ؟ ! أم نحن نسير فى كل ما يحيط بنا لا تقبل إلا ما يوافقنا ، ولا نسير بسهولة فيما يريده الله لنا كلام التسليم لله موجود فقط في الترتيلة وليس في واقع الحياة يعقوب أبو الآباء خطب راحيل لتكون زوجة له وفي يوم الزواج أعطوه ليئه فقبلها لتكون له إلى جوار راحيل قائلا في قلبه" ليكن لي كقولك "وما أعجب حكمة الرب أنه من ليئه هذه التي فرضت على يعقوب ولد المسيح ولما ظهر الرب ليعقوب وباركه في نفس وقت البركة ضربه الرب على حق فخذه فظل يخمع عليه طول حياته وقبل يعقوب هذه الضربة وفي قلبه" ليكن لى كقولك " كل شيء من الله هو نافع ومفيد حتى لو كان لا يبدو لنظرنا كذلك ."كل الاشياء تعمل معا للخير " ان حكمتنا قاصرة وتدبير الله هو فوق فهمنا نتقبله من الله في فرح والقلب يغنى" ليكن لى كقولك " فهمت أنا أو لم أفهم ليس هذا هو المقياس الحقيقي انما المقياس هو محبتك للبشر وحكمتك التي لا تحد وهكذا في نفس قصة داود النبي وعلاقته بالملك مسحه صموئيل النبى ملكاً ثم تركه دون أن يسلمه من الملك شيئاً وإذا به يخدم شاول الملك المرفوض من الله ويذوق منه الأمرين مطارداً من برية إلى أخرى والموت يتهدده فلم يحتج ولم يقل أين الملك والمسحة بل تقبل الأمر في هدوء قائلا في قلبه " ليكن لى كقولك " ان الله يحب الذين يتقبلون تدبيره في وداعة وثقة لا يناقشون الله في شك أو في تذمر لذلك كان البسطاء الودعاء هم المختارون من الله الذي يكشف لهم قلبه ويعلن لهم ذاته ويختارهم لتنفيذ مشيئته لقد اختار الصيادين البسطاء وليس الحكماء والفلاسفة ليكونوا رسله لأنهم هم الذين يقولون في صدق "ليكن لى كقولك" ان الانسان الذي يحيا حياة التسليم له صفات : لا يمكن أن يسلم إرادته لله ما لم يثق به كل الثقة ،ولا يثق به إن لم يعرفه ويختبره ويحبه ويوقن تماماً أن الله صانع الخيرات وأن كل ما يعمله هو للخير والذي يحيا حياة التسليم يحيا في الفرح الدائم أما الذي يناقش ويحتج ويتذمر ويراجع كل أعمال الله فإنه يحيا باستمرار فى قلق واضطراب وتعب لا يتمتع بسلام القلب ولا بالفرح الحقيقي يونان النبي اعتمد على فكره أكثر من حكمة الله أمره الله أن يذهب إلى نينوى وينادى عليها فرفض أن يذهب رفض أن يقول "ليكن لى كقولك " وأخذ سفينة وهرب بها إلى ترشيش فماذا كانت النتيجة ؟ هاج البحر واضطربت السفينة والقي يونان في البحر وأعد الله حوتاً عظما فابتلع يونان ولما عاد يونان واستسلم لمشيئة الله قذفه الحوت الى الخارج لينفذ أمر الرب ويسير حسب قوله وكل قصة التمرد التي عاشها لم يستفد منها شيئاً . تدرب على حياة الطاعة ... طاعة بحب وثقة . تقول للرب إن أردتني أن أمشى معك على الماء سأمشى ولا شك وإن أردتنى أن أتمشى معك في أتون النار سأسير فيها بفرح الكلمة التي تضعها فى فمى سأنطق بها والكلمة التي تضعها في أذني سأعمل بها أن تكون لى إرادة غير إرادتك لن أدبر حیاتی بفکری بل "ليكن لي كقولك " ما أجمل حياة أيوب الصديق حينما كان في حياة التسليم وأحاطت به الضيقات من كل جانب واحتجت امرأته فقال لها" تتكلمين كلاماً كأحدى الجاهلات الخير من الله نقبل والشر لا تقبل ؟! " ( أى ١٠:٢ ) إن الخير يتوقف على صلاح الله وحكمته ومحبته ولا تحكمه ظواهر الأمور ولا فهمنا القاصر. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عظة البابا يوم 12/12/1980
المزيد
22 ديسمبر 2025

كيف تعترف

استعدادا للعام الجديد : 1 - لا بد أولا أن تقتنع بأنك مخطئ لكى تعترف بذلك أمام الله وأمام الأب الكاهن أما الذي يبرر ذاته أو يرى أنه على حق في تصرفاته فطبيعي أنه سوف لا يعترف. 2- في الاعتراف تعترف بخطاياك أنت وليس بخطايا غيرك ولا تلق التهمة على غيرك كما فعل آدم وحواء . 3- اجلس أولا وحاسب نفسك حتى لا تنسى. 4- كن مركزا في كلامك حتى لا تضيع وقت أب الاعتراف ووقت باقي المعترفين المنتظرين. 5- الاعتراف ليس هو في سرد حكايات إنما في ما تحكيه أذكر أين أخطأت لأن الاعتراف هو أن تدين ذاتك أمام الله في سمع الكاهن . 6- أذكر خطايا العمل وخطايا الفكر والقلب واللسان والحواس والنية بنوعيات وليس حكايات . 7- أذكر أيضاً أخطاءك بالنسبة إلى العبادة وكل وسائط النعمة كالصلاة والقراءة والصوم والاجتماعات الروحية .. الخ 8- الذكر اخطاءك بالنسبة إلى الفضائل الرئيسية کالایمان والتواضع والمحبة والوداعة وباقي ثمار الروح( غل ٢٢:٥ ) . 9- لا مانع من ذكر مقارنة بما قبل، وهل أتت في نمو روحي أم تأخر أم توقف أم فتور . ١٠- تقدم إلى الاعتراف بروح التوبة والخشوع مصمما من كل قلبيك على عدم الرجوع، مبتدأ من أسباب الخطية. ١١- ليكن يوم الاعتراف يوماً مثالياً له طابع خاص سواء في الاستعداد له أو في ما بعد الاعتراف بحيث لا تصرف تصرفاً يفقدك حرارتك الروحية. ۱۲- في عزيمتك على التوبة احترس من الاعتماد على ذاتك ، وإنما صل باستمرار أن يتحك الرب قوة . ١٣ - قد يحاربك الشيطان بعد الاعتراف ليسقطك ويوقعك في اليأس، وتتشوه البداية الجديدة التي بدأت بها فاحترس جداً وتنبه لكل محاربة وإن سقطت لا تقل لا فائدة وإنما قم بقوة أوفر وعزيمة أصدق . ١٤ - اعط أهمية كبيرة لمقاومة الخطايا المتكررة . قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
17 ديسمبر 2025

أعظم من ولدته النساء

أود أن أحدثكم اليوم عن رجل وصفه الرب بأنه أعظم من ولدته النساء ، وأنه أفضل من نبي وسنحاول أن تتأمل في بعض جوانب من حياته يوحنا المعمدان شخصية تقف فى مفترق عهدين يمكن اعتباره آخر أنبياء العهد القديم ويمكن اعتباره من رجال العهد الجديد الملاك الذي أعد الطريق أمام السيد المسيح . عظمة يوحنا : وكان يوحنا إنساناً عظيماً ، وفى عظمتة تذكر ثلاث ملاحظات : أولا : انه كان عظيما بشهادة السماء نفسها كثيرون شهد لهم الناس بالعظمة وكانت شهادات خاطئة أو زائفة أو متعلقة أو عن جهل أما يوحنا المعمدان فكانت عظمته حقيقية ويقينية شهد بها ملاك الرب الذي بشر بميلاده ( لو ١٥:١ ) بل شهد بها الرب نفسه ( متى ۱۱ : ۱۱ ) . وهكذا لصقت العظمة بيوحنا حتى قبل أن يولد. ثانيا : لم يكن عظيما فقط وانما أعظم من كل البشر وفي هذا قال عنه السيد المسيح نفسه للجموع ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا ؟ أنبياً ؟ نعم أقول لكم وأفضل من نبي فان هذا هو الذى كتب عنه ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ. طريقك قدامك الحق أقول لكم إنه لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان ( متی ۱۱ : ۷ - ۱۱ ) . ثالثا : كانت عظمة يوحنا عظمة امام الرب : قال الملاك الذي بشر بميلاده لأنه يكون عظيماً أمام الرب (لو 1 : ١٥ ) حقاً اننا نقف مذهولين أمام عبارة عظيماً أمام الرب فأمام الرب كلنا لا شيء تراب ورماد تختفى كل عظمة ويستد كل فم أما أن يكون إنسان ما عظيماً أمام الرب فهذا شيء عجيب وعجيب جداً يدل على تواضع الرب وتشجيعه الخليقته ويدل أيضاً على قيمة هذا الانسان في قلب الله فما هو السر في عظمة يوحنا هذه العظمة العجيبة ؟ أعمال عظيمة قد قيلت عنه : منها أنه و يرد كثيرين إلى الرب إلههم. يرد العصاة إلى فكر الأبرار ،و يهيىء للرب شعباً مستعداً و يهيىء الطريق قدام الرب ،و يتقدم أمامه بروح إيليا وقوته وفي كل ذلك نسأل الملاك الذي بشر بميلاده عن سر هذه العظمة العجيبة فيجيبنا بقوله إنه "من بطن أمه يمتلى بالروح القدس" ( لو ١ : ١٥ ) حقاً هذه هي سر عظمة يوحنا سمعنا في الكتاب المقدس أن الروح القدس حل على كثيرين في العهد القديم : حل روح الرب على شمشون وعلى شاول وعلى داود وعلى كثير من الأنبياء ولكن لم نسمع مطلقاً عن أحد من هؤلاء أنه" من بطن أمه "قد امتلأ بالروح القدس هذا الأمر قد اختص به يوحنا المعمدان ، لم يسبقه اليه أحد ومن نتائج هذا الامتلاء انه ارتكض بابتهاج في بطن أمه تحية للجنين الالهى وهو في بطن العذراء لقد أوتى المعرفة التي يميز بها الرب وهو ما يزال جنيناً في الشهر السادس في بطن القديسة اليصابات بل أنه أيضاً أوتى روح العبادة وهو في بطن أمه أمر لم نسمعه عن أحد من الأنبياء أو القديسين من قبل لقد عرف المسيح وآمن به وسجد له في البطن قبل أن يولد المسيح قالت عنه أمه اليصابات و ارتكض الجنين بابتهاج في بطني لقد ابتهج بالرب فرح به فرح بالخلاص الذي كان مزمعاً أن يأتي إلى العالم من بطن العذراء ! . عجیب مثل هذا الابتهاج من جنين لا يدرك ولا يعى : ولكن يزول العجب إذ كان هذا الجنين ممتلئاً من الروح القدس والروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله ، ( ۱ کو ۱۰:۲ ) . نذير الرب : كان يوحنا المعمدان مفرزاً للرب قبل أن يولد الله العارف بالمستقبل الفاحص القلوب والمدرك الخفيات كان يعرف من سيكون هذا الانسان يوحنا لذلك اختاره الرب لنفسه . وكما يقول الرسول عن الرب ومختاريه "الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم "هؤلاء مجدهم أيضا ( رو ۸ : ۳۰ ) الله نظر إلى المستقبل فرأى قلب هذا الملاك يوحنا ورأى ماذا يمكن أن يفعل فاختاره لنفسه ودعاه وصار نذيرا للرب قبل أن يولد وخمراً ومسكراً لا يشرب وأعد له الرب نوع خدمته قبل أن يولد إنه يذكرنا بقول الرب لأرمياء النبي "قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك جعلتك نبيا للشعوب ، ( ار ١ : ٥ ) "عرفتك " نعم هذه المعرفة السابقة هي سر الاختيار تماماً كما حدث في اختيار الرب ليعقوب دون أخيه عيسو وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيراً أو شراء ولكن الله كان يعرف خاصته يعرف ماذا سيكون يعقوب وماذا سيكون عيسو لذلك قال لأمهما رفقه و في بطنك امتان ومن أحشائك يفترق شعبان وكبير يستعبد لصغير . ( تك ٢٥ : ٢٣ ) ولعل أعظم ما في حياة يوحنا أنه عمد المسيح له المجد أتى إليه السيد المسيح ليعتمد منه كباقى الناس ومن أجل الطاعة قام يوحنا بعماد المسيح واستحق لذلك أن يرى الروح القدس هيئة حمامة وأن يسمع صوت الاب قائلا " هذا هو إبنى الحبيب الذي به سررت " ( متی ٣: ١٦ -١٧ ) وهكذا تمتع بالثالوث الأقدس ، روحاً وحساً. وتظهر عظمة يوحنا المعمدان فى أنه تم عمله العظيم في مدة قصيرة لعلها ستة أشهر او أزيد قليلا هذه الستة أشهر هي الفرق بين عمره وعمر المسيح وكل منهما بدأ عمله في نحو الثلاثين من عمره وخدم يوحنا هذه الستة أشهر ولما ظهر المسيح بدأ يختفى هو وفى هذه المدة الوجيزة استطاع يوحنا أن يهدى كثيرين إلى التوبة وأن يشهد شهادة قوية للرب وأن يمهد الطريق أمام المسيح وأقنع العالم كله بأن قوة الخدمة ليست في طولها وإنما في عمقها في مدى فاعليتها وتأثيرها أليس عجيباً أن كثير من الخدام النافعين لا يتركهم الرب يخدمون طويلا يكفى أنهم قدموا عينة للخدمة وعينة للبر قدموا شهادة للرب وقدموا مثالا يحتذى واكتفى الله بما فعلوه وأطلقهم بسلام وتبرز عظمة يوحنا في أنه عاش بكماله على الرغم من أن عصره كان مظلما كان عصراً شريراً وكان أشر ما فيه قادته الروحيون من أمثال الكهنة والشيوخ والكتبة والفريسين والصدوقيين وقد قام فيه من قبل بعض المعلمين الكذبة مثل ثوداس ويهوذا الجليلي اللذين تكلم عنهما عمالائيل ( أع ه ) وقد أزاغا كثيرين وكان عصراً يمتاز بالحرفية والبعد عن الروح ويتميز رجال الدين فيه بالرياء والكبرياء وعلى الرغم من وجود أضواء بسيطة مثل حنة النبية وسمعان الشيخ وزكريا الكاهن وأمثالهم إلا أن العصر في مجموعه كان فاسداً يكفى أن الرب وصفه بأنه "جيل فاسق وشرير ' ( متی ۱۲ : ۳۹ ) ولكن يوحنا لم يتلذ من فساد جيله بل على العكس كان بركة لجيله وسبب هداية وتوبة ومن عظمة يوحنا انه كان ابن الجبال كان رجل برية ورجل زهد ونسك وكل ذلك ترك اثره في حياته وفي صفاته طارده الموت من صغره عندما قتل هيرودس الأطفال فأخذوه إلى البرية وعاش في البرارى طوال عمره " ينمو ويتقوى بالروح " ( ۱ : ۸۰) . عاش ناسكاً "و خمراً ومسكراً لا يشرب ."( لو ١٥:١ ) " يلبس وبر الابل ومنطقة من جلد على حقويه ويأكل جراداً وعسلا برياً "( مر ٦:١ ) هكذا تدرب في البرية على حياة الزهد وصدق مار اسحق حينما قال ان مجرد نظر القفر يميت من القلب الحركات العالمية وفي البرية تعلم الصلاة والتامل وتعلم الشجاعة والصلابة وتعلم الايمان أيضا أعده الله في مدرسة البرية كما أعد العذراء في الهيكل فنشأ شجاعاً لا يهاب إنساناً، يصلح أن يكون صاحب رسالة وكانت رسالته هي اعداد الناس للتوبة ومن عظمة يوحنا يوحنا المعمدان انه كان شجاعا جريئا يقول الحق بكل قوة مهما كانت النتائج حقا ان الزاهد لا يخاف أخطأ هيرودس الملك فمن كان يجرؤ أن يوبخه أو يواجهه بكلمة الحق ؟ من الذى يعلق الجرس في عنق القط ؟ ! ليس غير يوحنا المعمدان هو الوحيد الذي استطاع أن يقول لهيرودس "لا يحل لك" القاء هيرودس في السجن فلم يهتم انما يخاف السجن انسان يحب متع العالم وملاذه ويخشى ان يحرمه السجن منها أما إنسان ناسك كيوحنا زهد كل ملاذ العالم وتركها بارادته ففي أي شيء يتعبه السجن ؟ ! ربما يقال له : ستتعطل خدمتك بالسجن ولا ترشد ولا تعمد ولا تهدى الناس إلى التوبة أما يوحنا فلا يهتم ولا يقول : أن كان هذا الباب مفتوحاً من الله فلا يستطيع أحد أن يغلقه . ان كان الله يريد يوحنا أن يبشر فسيبشر ولا يستطيع أحد في الوجود أن يمنعه وان كان الله لا يريد فلتكن مشيئته بهذا المنطق كان يوحنا يشهد للحق وليحدث بعد ذلك ما يكون وكان ما كان وقطعت رأس يوحنا ولكن هذا الصوت الصارخ في البرية ظل يدوى في أذن هيرودس يزعج ضميره وأفكاره و نومه و صحوه ويقول له فى كل وقت " لا يحل لك " ان صوت يوحنا لم يمت بموت يوحنا بل ظل مدويا ضد أعداء الحق وظل هيرودس يخاف يوحنا حتى بعد موته فعندما أحس هيرودس بكرازة المسيح القوية وبمعجزاته قال لغلمانه « هذا هو يوحنا المعمدان قد قام من الأموات ولذلك تعمل به القوات " !! ( متى ١٤ : ٢ ) . إن يوحنا قد عامل هيرودس الملك كما عامل باقى الناس كان يدعو الكل إلى التوبة سواء في ذلك الملك أم الجند أم القادة أم أفراد الشعب الكل سواء أمام شريعة الله الكل في حاجة إلى التوبة الملك محتاج إلى من يوبخه على خطيته كما يحتاج الفرد العادى لكي يتوب وإن لم يتب الملك فيكفي يوحنا أنه شهد للحق وأنه نادى بالتوبة كانت معموديته هي معمودية التوبة ورسالته هي دعوة للتوبة ينادي في الناس "توبوا فقد اقترب ملكوت السموات " (متى ٢:٣) وكان شديداً في دعوته يوبخ وينتهر ويبكت وكان الناس يقبلون تبكيته بقلب مفتوح ونجح يوحنا في خدمته " خرج اليه أورشليم وكل اليهودية وجميع الكورة المحيطة بالأردن واعتمدوا منه في الأردن معترفين بخطاياهم " ( متى ٦:٣ ) ولما رأى الجموع قد كثرت حوله حول انظارهم منه الى المسيح بذل كل جهده لكي يختفى هو ويظهر المسيح ولعل هذه هي أبرز فضائل يوحنا واقدس أعماله كان يقول لهم " أنا أعمدكم بماء للتوبة ولكن الذي يأتى بعدى سيعمدكم بالروح القدس و نار "( متی ۱۱:۳ ) "أنا عمدتكم بالماء وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس "( مر ٨:١ ) وكما كان يجذبهم إلى معمودية أخرى أفضل من معموديته كان يجذبهم بالأكثر إلى صاحب تلك المعمودية الذي هو أقوى منه وأعلى وأقدم كان ينادى فى الناس "يأتى بعدى من هو أقوى منى الذي لست أنا أهلا أن أنحنى وأحل سيور حذائه" ( مر ٧:١ ) " يأتي بعدی رجل صار قدامي لأنه كان قبلى " ( يو ١ : ٣٠ ) "لست أنا المسيح بل اني مرسل أمامه "( يو ٢٨:٣ ) لم يكن تفكير يوحنا منحصرا في ذاته وانما في المسيح لم يكن يبحث عن مجد ذاته وانما عن ملكوت المسيح كان يدرك تماماً أنه ليس هو النور وانما ليشهد للنور (يو ٨:١) إذن فهو مجرد إنسان جاء للشهادة ليشهد للنور ليؤمن الكل بواسطته كان يعرف أنه مجرد سابق أمام موكب الملك الآتى كل عمله أن يعد الطريق الملك واستطاع يوحنا أن يحفظ طقسه ولا يتجاوز حدوده كانت الذاتية ميتةعند يوحنا لم يكن لذاته وجود في خدمته كان المسيح بالنسبه اليه هو الكل في الكل ليته يكون درسا للخدام الذين يبنون ذواتهم على حساب الخدمة أو يتخذون الخدمة مجرد مجال لاظهار ذواتهم !! أروع كلمة تعبر عن خدمة يوحنا هي قوله عن المسيح " ينبغى أن ذلك يزيد وأنى أنا أنقص "( يو ٣٠:٣ ) هذه العبارة هي سر نجاح خدمته وهي المبدأ الذي صار عليه في كل خدمته لذلك عندما بدأت كرازة المسيح وأخذت تكتسح خدمة يوحنا ابتهج يوحنا وفرح وقال "اذن فرحى هذا قد كمل و من له العروس فهو الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية والذي لا يؤمن بالإبن ان يرى حياة بل يمكث العريس عليه غضب الله" ( يو ٣ : ٣٦:٢٦ ) حالما تقابل يوحنا مع المسيح قال له « تفضل هذه العروس انها لك اذا تسلمتها لمجرد ان أوصلها لك حقاً انه من واجبي أن أوصلها لك نظيفة ومزينة وأنادى لها أولا بالتوبة وأقول لها أيتها العروس هوذا العريس مقبل فاستعدى للقائه" على أن اعظم ما في حياة يوحنا كان هو عماده للمسيح وفي العماد ترى موقفين عظيمين فى الاتضاع للرب ويوحنا يوحنا يقول اللرب و أنا محتاج أن أعتمد منك أنا أيضاً خاطي أحتاج إلى معمودية التوبة معترفاً بخطاياي كهؤلاء الباقين وأنا محتاج أن أعتمد منك أنت أنني أمام هؤلاء الناس معلم أما أمامك أنت فأنا تلميذ بسيط امام الناس أنا نبى وملاك ولكن أمامك انا عبد وتراب هم يعتمدون منى وأنا أعتمد منك حقاً انني من سبط لاوى ومن بنی هارون كاهن ابن كاهن وأنت حسب الجسد من سبط يهوذا وليس من سبط الكهنوت ولكننى لا أنى أنك مصدر كل سلطة كهنوتية أنت معطى الكهنوت ومنشؤه أنت كاهن إلى الأبد على طقس ملكى صادق كما تنبأ داود في المزمور ( مز ١١٠ : ٤ ) لذلك أنا محتاج أن أعتمد منك ان كل العظمة التي كانت تحيط به لم تنسه ضالة ذاته التي شعر بها أمام المسيح وكأنه يقول " من أنا حتى أعمد المسيح ؟ ! كما قالت أمه من أين لى هذا أن تأتى أم ربي إلى " أنا مجرد تراب ورماد كيف أضع يدى على رأس الرب خالق هذه اليد ؟ ! ان كل الآلاف الذين يأتون اليه لم ينسوه حقيقة نفسه وكل التوبيخات التي يوبخ بها الناس الخطاة لم تنسه توبيخاً يوجه إلى ذاته كشخص - أمام الله - يشعر أنه خاطى وهكذا قال للرب "أنا محتاج أن أعتمد منك " وكانت هذه العبارة تحمل اعترافاً ضمنياً نلاحظ أن الرب لم يقل له "كلا " انك غير محتاج للعماد بل قال له " اسمح الآن لانه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر "( متى ٣ : ١٥ ) ." حينئذ سمح له "! ! ونحن نقف منذهلين أمام عبارة " اسمح الآن " وهي تخرج من فم الرب موجهة إلى واحد من عبيده انه تعبير مؤدب ولطيف ليتنا نأخذه تدريباً روحياً لنا يقول لعبده " اسمح الآن " أنا احتاج الى سماح منك أطلب موافقتك است آمرك وانما اسمح ويقول وحينئذ سمح له ما أعجب هذا أى شرح لى سيفقد هذا الموقف قوته لذلك سأصمت عنه انه درس في الاتضاع وآداب الحديث يقدمه لنا عماد المسيح لنتعلم وتتدرب قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عظة البابا يوم 5/12/1980
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل