المتنيح البابا شنوده الثالث

Large image

البابا شنودة الثالث (وُلِد باسم نظير جيد روفائيل) (3 أغسطس 1923 - 17 مارس 2012)[1]، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وسائر بلاد المهجر، وهو البابا رقم 117. كان أول أسقف للتعليم المسيحي قبل أن يصبح البابا، وهو رابع أسقف أو مطران يصبح البابا بعد البابا يوحنا التاسع عشر (1928 - 1942) ومكاريوس الثالث (1942 - 1944) ويوساب الثاني (1946 - 1956).[2]. وهو من الكتاب أيضا إلى جانب الوظيفة الدينية العظمى التي يشغلها، وهو ينشر في جريدة الأهرام الحكومية المصرية بصورة منتظمة.

دراسته
التحق بجامعة فؤاد الأول، في قسم التاريخ، وبدأ بدراسة التاريخ الفرعوني والإسلامي والتاريخ الحديث، وحصل على الليسانس بتقدير (ممتاز) عام 1947. وفي السنة النهائية بكلية الآداب التحق بالكلية الإكليركية. وبعد حصوله على الليسانس بثلاث سنوات تخرج من الكلية الإكليركية عمل مدرساً للتاريخ. حضر فصولا مسائية في كلية اللاهوت القبطي وكان تلميذاً واستاذاُ في نفس الكلية في نفس الوقت.

كان يحب الكتابة وخاصة كتابة القصائد الشعرية ولقد كان ولعدة سنوات محررا ثم رئيسا للتحرير في مجلة مدارس الآحد وفي الوقت نفسه كان يتابع دراساته العليا في علم الآثار القديمة. كان من الأشخاص النشيطين في الكنيسة وكان خادما في مدارس الآحد. ثم ضباطاً برتبة ملازم بالجيش. [بحاجة لمصدر]

انخراطه في العمل الديني
كان نظير جيد (اسمه الحقيقى) كان خادما بجمعية النهضة الروحية التابعة لكنيسة العذراء مريم بمسرة وطالباً بمدارس الأحد ثم خادماً بكنيسة الانبا انطونيوس بشبرا في منتصف الأربعينات.[3]

رسم راهباً باسم (انطونيوس السرياني) في يوم السبت 18 يوليو 1954، وقد قال أنه وجد في الرهبنة حياة مليئة بالحرية والنقاء. ومن عام 1956 إلى عام 1962 عاش حياة الوحدة في مغارة تبعد حوالي 7 أميال عن مبنى الدير مكرسا فيها كل وقته للتأمل والصلاة.

وبعد سنة من رهبنته تمت سيامته قساً. أمضى 10 سنوات في الدير دون أن يغادره. عمل سكرتيراً خاصاً للبابا كيرلس السادس في عام 1959. رُسِمَ أسقفاً للمعاهد الدينية والتربية الكنسية، وكان أول أسقف للتعليم المسيحي وعميد الكلية الاكليريكية، وذلك في 30 سبتمبر 1962.

باباويته
وعندما مات البابا كيرلس في الثلاثاء 9 مارس 1971 أجريت انتخابات البابا الجديد في الأربعاء 13 أكتوبر. ثم جاء حفل تتويج البابا (شنودة) للجلوس على كرسي البابوية في الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالقاهرة في 14 نوفمبر 1971 وبذلك أصبح البابا رقم (117) في تاريخ البطاركة.

في عهده تمت سيامة أكثر من 100 أسقف وأسقف عام؛ بما في ذلك أول أسقف للشباب، أكثر من 400 كاهن وعدد غير محدود من الشمامسة في القاهرة والإسكندرية وكنائس المهجر. أولى اهتماما خاصا لخدمة المرأة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. يحاول دائما قضاء ثلاثة أيام أسبوعيا في الدير، وحبه لحياة الرهبنة أدى إلى انتعاشها في الكنيسة القبطية حيث تم في عهده سيامة المئات من الرهبان والراهبات. وكان أول بطريرك يقوم بإنشاء العديد من الأديرة القبطية خارج جمهورية مصر العربية وأعاد تعمير عدد كبير من الأديرة التي اندثرت.

في عهده زادت الابارشيات كما تم إنشاء عدد كبير من الكنائس سواء داخل أو خارج جمهورية مصر. في عهده تمت سيامة أكثر من 100 أسقفاً؛ بما في ذلك أول أسقف للشباب، ومئات من الكهنة وعدد غير محدود من الشمامسة في القاهرة والإسكندرية وكنائس المهجر. في عهده زادت إلايبارشيات كما تم إنشاء عدد كبير من الكنائس سواء داخل أو خارج جمهورية مصر العربية.

المقالات (169)

12 يناير 2022

الهدوء

الهدوء صفة جميلة يتصف بها الإنسان الروحي، ومنها هدوء القلب، وهدوء الأعصاب، وهدوء الفكر، وهدوء الحواس، وهدوء التصرف، وهدوء الجسد.الإنسان الهادئ لا يضطرب قلبه لأي سبب، ولا يفقد هدوءه مهما ثارت المشاكِل. وكما قال داود النبي "إن يحاربني جيش فلن يخاف قلبي، وإن قام عليَّ قتال ففي هذا أنا مطمئن". لأنه هدوء مصدره الإيمان إن فقد الإنسان هدوءه من الداخل، يبدو أمامه كل شيء مضطربا، وكل شيء بسيط يبدو معقدًا إن التعقيد ليس في الخارج، وإنما في داخله وإن هدأ القلب يمكن أن تهدأ الأعصاب أيضًا، فلا يثور الشخص، وإنما يحل الإشكال في هدوء إن العقل إن عجز على حل أمر ما تتدخل الأعصاب لحله، وقد تعلن الأعصاب الثائرة عن قلة الحيلة وفقدان الوسيلة، وكلما تعبت الأعصاب تزداد ثورتها والشخص الهادئ قلبًا وأعصابًا، يمكنه أن يكتسب الهدوء في التفكير وفي التصرف، فيفكر تفكيرًا متزنًا مرتبًا بغير تشويش ويتصرف في اتزان وهدوء، ليس في صخب الانفعال ولا في اضطراب الأعصاب ومما يساعد على الهدوء الداخلي، الهدوء الخارجي: هدوء المكان، وهدوء البيئة، والبعد عن المؤثرات المثيرة لذلك فان الرهبان الذين يعيشون في هدوء البرية، بعيدًا عن الضوضاء، وعن صياح الناس، وعن إثارة الأخبار والأحداث هؤلاء يكون تفكيرهم أكثر هدوءًا وتكون قلوبهم وأعصابهم هادئة، ويكونون في الغالب قد اعتادوا الهدوء وحياة الوحدة والانفراد تجلب الهدوء عموما بسبب هدوء الحواس لأن الحواس هي أبواب للفكر كما يقول القديسون فما تراه وما تسمعه وما تلمسه يجلب لك فكرًا، فإن استراحت حواسك من جميع الأخبار، استراحت نفسك من الأفكار والمكان الهادئ يساعد على هدوء الحواس وبالتالي هدوء الفكر وهدوء القلب وهدوء الأعصاب. لذلك فان كثيرين يبعدون عن الأماكن الصاخبة التماسًا للهدوء إن محبي الهدوء يبحثون عنه بكل قلوبهم، ولكن البعض -للأسف- يحبون الصخب ولا يعيشون إلا فيه ويسأمون من الهدوء! قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب كلمة منفعة الجزءالاول
المزيد
05 يناير 2022

كان يجول يصنع خيرًا

أما عن ميلاد السيد المسيح له المجد, فقد وردت عنه في الكتاب المقدس أنه 'كان يجول يصنع خيرًا, ويشفي كل مرض وضعف في الشعب...' (سفر أعمال الرسل 10: 38؛ إنجيل متى 4: 23؛ إنجيل متى 9: 35). نعم, لقد كان هذا هو أسلوب السيد المسيح في العمل, طوال مدة رعايته للكل علي الأرض, وبخاصة للمحتاجين والفقراء والمساكين والذين ليس لهم أحد يذكرهم نعم, كان يجول يشبع الكل من رضاه. يهتم بالكل. وهو معين من ليس له معين, ورجاء من ليس له رجاء كان يهتم جدا بالفقراء والمحتاجين. بالجياع والعطاش والعراة والمسجونين وأمثالهم. ويعتبر اهتمام الشعب بهؤلاء كأنه موجه له شخصيًا. فإن سألوه ـ كما ورد في مت25 ـ' متى رأيناك يا رب جائعا أو عطشانا أو عريانا, أو سجينا أو ما أشبه...'. فيجيبهم قائلا:' الحق أقول لكم: مهما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر, فبي قد فعلتم'، ونص الآيات هو: "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟ فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ" (إنجيل متى 25: 34-40). وهكذا شجع الجميع بالعناية بالفقراء والمحتاجين الذين اعتبرهم إخوته مهما كانوا من الأصاغر في نظرنا وكان يهتم أيضا بالضعفاء والمساكين روحيًا, أعني بالخطاة وبالعشارين أيضًا. كان أسلوبه الروحي في معاملة هؤلاء: ليس الانتقام منهم أو عقوبتهم بسبب ارتكابهم للخطايا, بل بالحري إنقاذهم من تلك الخطايا... وهكذا حينما لاموه علي جلوسه مع العشارين والخطاة, أجابهم بعبارته الشهيرة المملوءة عمقا وحبا: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى" (إنجيل متى 9: 12؛ إنجيل مرقس 2: 17؛ إنجيل لوقا 5: 31)'. إذن هؤلاء الخطاة, هم مرضي, ويحتاجون إلي طبيب, لكي يعالجهم, وليس ليعاقبهم. وهنا يسأل البعض: هل السيد المسيح لم يعاقب أبدًا؟ نقول كلا بل عاقَب ولكن بطريقة لطيفة، رقيقة، يكسب بها الخاطئ وليس أن ينتقم منه. ولذلك في قصة طرده الباعة من الهيكل الذين أتوا ببضائعهم. ووبخهم قائلا: 'بيت أبي بيت الصلاة يدعي, وأنتم جعلتموه مغارة لصوص' (سفر إشعياء 56: 7؛ إنجيل متى 21: 13). وفي هذا قلت: يا قويًا ممسكًا بالسوط في كفه والحب يدمي مدمعك نعم, كان الحب هو أسلوب السيد المسيح, حتى في معاملة الخطاة. وهنا أذكر قول أحمد شوقي أمير الشعراء: ولد الحب يوم مولد عيسي وهنا أيضا أذكر تعامله في قصة المرأة الخاطئة التي ضبطت في ذات الفعل. وكيف أتي بها الكتبة والفريسيون الذي اعتبروا أنفسهم أمناء علي تطبيق الشريعة وأذلوها. وسألوه:' بماذا تحكم علي هذه المرأة التي تأمر شريعة موسي برجمها؟'. وهنا قال لهم في عمق:' من كان منكم بلا خطية, فليرمها بأول حجر'، ونص الآية هو: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!" (إنجيل يوحنا 8: 7). وفي نفس الوقت, بدأ بطريقة ما يظهر لكل منهم خطاياه. فهربوا جميعًا. فقال السيد المسيح للمرأة:' أين الذين أدانوك؟ هل لم يبق منهم أحد؟! وأنا أيضا لا أدينك. اذهبي ولا تعودي تخطئي أيضًا'. وهكذا أنقذ المرأة من الرجم ومن المذلة وبنفس أسلوب المحبة تعامل مع زكا رئيس العشارين وقتذاك. الذي كان قصيرًا وتسلق شجرة وقتذاك. فقال له السيد المسيح: 'يا زكا أسرع وانزل. اليوم سأتعشى في بيتك'، ونص الآية هو: "يَا زَكَّا، أَسْرِعْ وَانْزِلْ، لأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَمْكُثَ الْيَوْمَ فِي بَيْتِكَ" (إنجيل لوقا 19: 5). فلما لامه الكتبة والفريسيون: كيف يدخل في بيت رجل خاطئ؟! أجابهم قائلا:' إن ابن الإنسان جاء يطلب ويخلص ما قد هلك'، ونص الآيات هو: "فَلَمَّا رَأَى الْجَمِيعُ ذلِكَ تَذَمَّرُوا قَائِلِينَ: «إِنَّهُ دَخَلَ لِيَبِيتَ عِنْدَ رَجُل خَاطِئٍ».. لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (إنجيل لوقا 19: 7، 10). بهذا الحب أنقذ زكا العشار الذي قال تبعا لذلك: 'ها أنا تركت نصف أموالي للفقراء. وإن كنت قد وشيت بأحد, أرد أربعة أضعاف'، ونص الآيات هو: "هَا أَنَا يَا رَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ" (إنجيل لوقا 19: 8). وبهذا الأسلوب تاب زكا. وبمثل هذا الأسلوب الرقيق الهادئ تابت المرأة السامرية وآمنت, وكانت سببا في إيمان بلدتها... هذه الخاطئة التي قال السيد المسيح لها في رقة دون أن يجرحها:' حسنا قلت إنه ليس لك زوج, لأنه كان لك خمسة أزواج, والذي معك الآن ليس هو لك'، ونص الآيات هو: "حَسَنًا قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ، لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ، وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ" (إنجيل يوحنا 4: 17، 18). وطبعا كلمة (أزواج) هنا هي عبارة رقيقة. فهم لم يكونوا أزواجًا. ولكن السيد المسيح لم يستخدم معها العبارة الدقيقة المحرجة, حرصا علي مشاعرها رغم خطيئتها!! السيد المسيح كان أيضًا رجلًا شعبيًا. يعيش باستمرار مع الشعب. كان معلما يعمل كثيرًا في التعليم. وغالبا ما كانوا يدعونه 'يَا مُعَلِّمُ' (إنجيل متى 8: 19؛ 12: 38؛ 22: 16، 24, 36؛ إنجيل مرقس 4: 38؛ 9: 17، 38؛ 10: 20، 35؛ 12: 14...) 'أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ' (إنجيل متى 19: 16؛ إنجيل مرقس 10: 17؛ إنجيل لوقا 18: 18). ومع ذلك لم يكن له مكان للتعليم. بل كان يعلم أحيانا وهو جالس علي الجبل, أو وهو سائر في الحقول, أو علي شاطئ البحيرة. وعموما لم يكن له بيت يقيم فيه. وقيل عنه' لم يكن له أين يسند رأسه'، ونص الآية هو: "ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" (إنجيل متى 8: 20؛ إنجيل لوقا 9: 58) والذين كانوا يتبعونه من تلاميذه الصيادين الفقراء, كانوا يسيرون وراءه, وهم لا يعلمون إلي أين يمضون!! كان بين الناس يسلك بالتواضع والبساطة. وكان يعاشر فقراء الناس, وليس كبار القوم منهم. وقد نشأ في بلدة فقيرة هي بيت لحم, من أم فقيرة هي القديسة العذراء مريم, التي كانت تحيا في بيت نجار. ولعل السيد المسيح قد تعلم هذه الصناعة منه في شبابه المبكركان السيد المسيح يتعامل مع الناس بكل بساطة وشعبية يتعامل مع الكل. حتى مع الأطفال الذين كانوا يحيطون به, متمتعين بمحبته. والذين قال عنهم لتلاميذه 'إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال, فلن تدخلوا ملكوت الله'، ونص الآية هو: "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (إنجيل متى 18: 3). يقصد مثل الأطفال في براءتهم وبساطتهم وصدقهم, وليس في عقليتهم طبعًا المسيح أيضا في تواضعه وبساطته, لم يجعل الكنائس تبني باسمه, ولا حتى الأناجيل تحمل اسمه. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
08 ديسمبر 2021

الحكمة ج2

الحكمة والدهاء، مجالات الحكمة: ردود الفعل، بُعد النظر تكلمنا في مقالنا السابق عن الحكمة. ونتابع اليوم كلامنا في هذا الموضوع الواسع.. ونبدأ الحديث عن نقاوة الحكمة.فالحكمة قد يستخدمها الخيرون كما يستخدمها الأشرار أيضًا!! وعند الأشرار تتحول الحكمة إلى ألوان من الدهاء والمكر والخبث فالأشرار -بكل حكمة أو دهاء- ينجحون في الإيذاء، وفي تدبير المؤامرات، وحبك المشاكل وإلحاق الضرر بالآخرين.. بكل ذكاء وبطرق قد لا تبدو مكشوفة بحيث يتم لهم ما يريدون دون أن يقعوا في مسئولية أو تحت إدانة القانون! وقد يريد أحدهم الشر بغيره، ولكنه لا يفعل ذلك بنفسه، وإنما عن طريق آخرين من معاونيه أو أصدقائه أو المشتركين في نفس الهدف.. ويعتبر هذه حكمة منه: أن يختفي ويكون خارج الصورة ويبدو بريئًا براءة الذئب من دم ابن يعقوب! ذلك أن ما في قلبه لا يعرفه أحد وكل إجراءاته واتصالاته هي في طيّ الكِتمان وقد تلبس هذه "الحكمة" الخاطئة ثوب الرياء، فينطق الشخص بعكس ما يقصده، ويتظاهر بغير ما ينوى ويسير في طريقين احدهما ضد الآخر. والمهم انه يعمل إلى غايته بجميع الوسائل.هدفه هو الوصول إلى غاية معينة بريئة كانت أم معيبة والحكمة عنده هي الوسيلة الناجحة التي توصله بغض النظر صالحة هي أم شريرة..! الخير له طريق واحد مستقيم.. والشر له طرق كثيرة بعضها ملتوية.. لذلك كثيرًا ما ينجح الشر. لان الطريق أمامه سهل ومتشعب! من اجل هذا قد يحتج البعض قائلًا: لماذا ينجح طريق الأشرار؟! اطمئن كل الغادرين غدرًا!! ولكنه نجاح إلى حين، ولا يستمر.. كما أن النجاح الحقيقي هو في انتشار الخير وباستخدام الحكمة بطريقة بارة تريح الضمير وترضى الله القدوس.الحكمة الحقيقية هي في عمل الخير والخير أمامه أربع أنواع: عمل هو خير واضح وعمل هو شر واضح. والاختيار بينهما لا يحتاج إلى حكمة لسهولة التمييز. أما النوع الثالث فهو الذي يحتار أمامه الفكر: أهو خطأ أم صواب؟ أو يحتار أمام نتيجته أو وسيلته! وهذا النوع بلا شك يحتاج إلى حكمة وتمييز أو على الأقل يحتاج إلى مشورة صالحة والى كلمة منفعة تنير الطريق أمامه، وهنا تقتضى الحكمة الاعتماد على الآباء الروحيين وعلى المرشدين والحكماء. والنوع الرابع الذي يحتاج إلى حكمة وتمييز فهو التفضيل بين طريقين سليمين لا يدرى الضمير أيهما أصلح؟ كل من الأمرين خير في ذاته ولكن أيهما أكثر خيرًا؟ أو أيهما أكثر مناسبة لهذا الشخص بالذات؟ وكثيرًا ما يحدث هذا في اختيار شريك الحياة "في الزواج" أو اختيار نوع التعليم أو نوع الوظيفة أو التفضيل بين العمل الحر أو التوظيف.. وما أشبه ذلك. أي الأمور هو الأفضل والإنسان في مفترق الطرق؟ الأمر يحتاج إلى حكمة والى تباطؤ ريثما تتضح الأمور، ويفحص الشخص ذاته وريثما يسمع صوت الله في قلبه أو صوت الله على أفواه مرشديه، يحتاج الأمر إلى حكمة الشخص نفسه، أو حكمة من ينصحه. الإنسان يحتاج أيضًا إلى الحكمة في كل تصرف وفي كل قرار يصدر منه. والإنسان الحكيم يلزمه أن يضع أمامه ردود الفعل لكل ما ينوى عمله: فقبل أن ينطق بكلمة يعمل حساب وقعها على من يسمعها، وفي كل تصرف له يحسب ردود فعله عند الآخرين: كيف سيفهمونه؟ وماذا يكون موقفهم إزاءه؟ ولا يقل عن تصرف خاطئ ارتكبه. "قد فعلت ذلك بحسن نية"! فليس كل الناس يعذرون بل يكون في كل أقواله وأفعاله مثل لاعب الشطرنج، الذي قبل أن يحرك قطعة من اللعب مما أمامه، يفكر جيدا ماذا سيفعل زميله في اللعب؟ وما هي احتمالات تحركاته؟ وبماذا يرد عليه في أي احتمال؟ وماذا سيكون رد ذاك على رده؟ وبماذا يقابل ذلك؟ وهكذا يسبق التفكير الدقيق كل تحرك من الجانبين إن التصرفات العشوائية لا تليق بالحكماء بل كل ما يفعلونه إنما يحسبون حساب نتائجه قبل أن يفعلوه.والإنسان الحكيم لا ينظر إلى الأمور من زاوية واحدة بل تكون له النظرة الشاملة التي تحيط بكل الزوايا. كما انه ينظر أيضًا إلى قدام بشيء من بعد نظر.لا ينظر إلى الأمور من جهة نفسه فقط، إنما من جهة غيره أيضًا سواء كان هذا الغير من الأصدقاء أو من الأعداء أو من عموم الناس. وهو يحسب حساب المستقبل وكيف تتطور الأمور إلى ما هو أفضل أو أسوأ.وكمثال: فان كثيرين من رجال الأعمال كان من أسباب ثرواتهم أنهم كانوا بعيدي النظر، يحسبون ما يطرأ على السوق في المستقبل. ومنهم من اشترى بعض الأراضي بثمن بخس وانتظر حتى صار سعرها بالملايين! والحكمة لازمة أيضًا في أمور معينة تبدو حساسة أو مصيرية.. فقد يتصرف الإنسان بجهل تصرفًا يندم عليه كل أيام حياته.. وربما يرتكب غلطة تكون غلطة العمر كله ويندم بسببها أو يبكى طول حياته، دون أن ينفعه الندم أو البكاء! كل ذلك لأنه لم يتصرف بحكمة وحرص.وأحيانًا يتحمس شخص لتصرف معين حماسا يملك كل عواطفه بينما هذا الحماس لا يكون في صالحه وقد يندم عليه وقد يقول بعد فوات الفرصة: ليتني ما فعلت، ليتني تباطأت واسترشدت لذلك فالمشورة تقدم وجهات النظر الأخرى وتعطى رؤية من زوايا غير واضحة أو تقدم تبصره بنتائج لم يعمل لها حساب.غير أن البعض قد تمنعه من المشورة ثقته الزائدة بنفسه وظنه انه على دراية بكل شيء ونتائجه. وقد يكون مبالغا جدا في ثقته بنفسه! الحكمة أيضًا لازمة في معرفة الفضيلة وفي ممارستها وسنضرب هنا مثلا بموضوع الصمت والكلام؟ فالحكيم لا يصمت حين يجب الكلام. ولا يتكلم حين يحسن الصمت.. وبالحكمة يعرف متى يتكلم؟ وكيف؟ وإذا تكلم ماذا يكون قدر كلامه؟ وبأي أسلوب يتحدث؟ وهكذا يتكلم بميزان وبروية وحكمة وبفائدة ولا يندم على كلمة يقولها بل يمتدح الناس ما يقول.والصمت قد يكون في بعض الأوقات رزانة ورصانة وقد يكون حكمة وتفاديا لأخطاء اللسان.. بينما في حالات أخرى قد يكون الصمت عن جهل أو خوف. وأحيانًا لا يستطيع الإنسان أن يصمت إن كانت كلمة منه تحل مشكلة, أو إن كان صمته يفهم على غير ما يقصده تلزم الحكمة أيضًا لمعرفة متى يكون الحزم ومتى يكون العطف وهذا الموضوع مهم في محيط التربية وأيضًا في مجال الإدارة وكذلك في التعامل. ففي التربية: نرى أن الابن الذي لا يخاف والديه قد يسلك باستهتار دون رادع وربما يصير مرارة نفس لوالديه. كذلك التلميذ الذي لا يخاف أساتذته، ما أسهل أن يتحول إلى طالب مشاغب، لضيع وقت زملائه ويتلف أعصاب أستاذه على أن المخافة هي مجرد مرحلة في التربية، تتحول إلى مهابة واحترام مع بقاء الحب نحو الوالدين والأساتذة.. وهؤلاء أيضًا عليهم باستمرار أن يخلطوا حزمهم بالحب، ولا تكون معاملتهم حزمًا صرفًا ولا عطفًا صرفًا.. فيعرف الشخص متى يشتد ومتى يحنو؟ متى يوبخ أو يؤدب؟ ومتى يكتفي بمجرد النصح والتوجيه. وهذا حسب نوعية الخطأ ومقداره وأيضًا حسب نفسية المخطئ ومدى استجابته.مثل الطبيب الذي يستخدم أحيانًا العلاج بالأدوية وأحيانًا تلزم الجراحة. وهكذا كانوا يسمون الطبيب حكيمًا، لأنه في حكمة يعرف نوع المرض، ونوع العلاج النافع. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
15 ديسمبر 2021

كيف؟!

نحن غالبًا ما نتفق في الأهداف، ولكننا نختلف في الوسائل! نتفق مثلا في لزوم الإصلاح، والتغيير إلى أفضل.. ولكننا نختلف في كيف نصل إلى هذا الإصلاح، وكيف يكون التغيير إلى أفضل!!؟ وكل نزاعنا وصراعنا يدور حول كلمة 'كيف'؟! وجوب حل المشاكل القائمة أمر يسعي إليه الكل. ولكن المشكلة الأهم هي كيف تحل هذه المشاكل؟! وهنا تتعدد وتتباين الآراء من المفكرين والسياسيين، ورجال الاجتماع والعلم.. والكل في حيرة وخلاف حول كلمة 'كيف؟' ليس عند الكل حل.. ثابت شاف يليق فحلول لفريق.. غير أخرى لفريق هناك أمور صعبة، لا نعرف كيف نصل إلى إجابة سؤال عنها. مثل مشكلة النسيان، وكيف نصل إلى نسيان أمور متعبة؟ وهنا اذكر قصيدة كتبتها منذ 54 عامًا عنوانها 'كيف أنسي' كانت بدايتها هكذا: سوف انسي اليوم والأمس وقد انسي غدًا وسأنسي فترة 'في العمر قد ضاعت' سدي غير أني سوف لا انسي سؤالًا واحد حين قال القلب يومًا في ارتباك كيف انسي؟ نعم، كيف ينسي الإنسان أمورًا دخلت إلى عمق أعماق تفكيره، ورسمت في ذاكرته وفي عقله الباطن وفي اللاشعور؟ كيف ينسي؟! أيضًا تدخل عبارة كيف؟ في التعامل مع الأمور المضادة كيف تتعامل أحيانًا مع أمرين أحلاهما مر؟! فتاة مثلا قد حملت سفاحًا، ولجأت إلى طبيب لإجهاضها. ويقف الطبيب أمام تحريم الإجهاض كجريمة قتل جنين وحرمان نفس من الحياة.. وبين ما تقابله هذه الفتاة من عار وفضيحة، وربما يلجأ أهلها إلى قتلها بحجة تلويثها لشرف الأسرة وهنا يقف الطبيب الذي لجأت إليه هذه الفتاة الخاطئة أمام سؤال صعب كيف يتصرف؟! ومن دخول كلمة 'كيف' في الأمور الصعبة: قصة القط والفئران زعموا أن قطًا متوحشًا كان يهجم علي مكان الفئران، فيفترس منها ما يشاء فاجتمع الفئران في مؤتمر لبحث مشكلتهم والوصول إلى حل لها. وهنا وقف فأر متحمس، وقال: أفضل الحلول هو أن نعلق جرسًا في رقبة القط. فإذا جاء إلينا يرن الجرس الذي في رقبته، فنحترس منه ونهرب.. وصفق الفئران الصغار فرحين بذكاء زميلهم علي أن فأرًا كبير السن مختبرًا وقف وقال: ما اذكي هذا الاقتراح المقدم لنا، ولكن كيف يمكننا أن نعلق الجرس في رقبة القط؟! واحتار الجميع في كيف يمكن الجمع بين الذكاء النظري والاستحالة العملية؟! وكثيرا ما تبرز كلمة 'كيف' في أمور أخرى تبدو مضادة..! كيف يمكن الجمع بين القوة والوداعة؟ وكيف الجمع بين الحزم والعطف هنا نذكر بيتين في مدح احد الحكماء: يا قويا ليس في طبعه عنف ووديعا ليس في ذاته ضعف يا حكيما أدب الناس وفي زجره حب وفي صوته عطف وأيضًا يقف أمامنا السؤال: كيف الجمع بين البساطة والحكمة؟ لاشك أن الأمر يبدو صعبًا ويعاود الناس السؤال كيف الجمع بينهما إذن؟ ولعل هذا الجمع يكون ممكنًا إذا كان معني البساطة هو عدم التعقيد، وليس معناها السذاجة. فيمكن الجمع بين الحكمة وعدم التعقيد. سؤال آخر هو كيف الجمع بين الصراحة والمجاملة؟ الأمر يحتاج إلى قوة في الشخصية، مع البراعة في الأسلوب ليكون مقبولا ويحكي في ذلك أن هارون الرشيد كان في ليلة من الترف، وحوله جماعة من الشعراء سألهم أن يصفوا جمال تلك الليلة، فتباروا في مدحها وكان بينهم أبو العتاهية وهو من الشعراء الزاهدين وقد جلس صامتا فسأله الرشيد رأيه فأجابه بصراحة شجاعة: عش ما بدا لك هانئا في ظل شاهقة القصور فإذا النفوس تحشرجت ما بين خافقة الصدور فهناك تعلم موقفا ما كنت إلا في غرور وتقول القصة: فبكي الرشيد حتى ابتلت لحيته، وأجاب 'صدقت يا أبا العتاهية'.. سؤال آخر حول كلمة 'كيف'، وهو: كيف سلك البعض في مجال المال والكرامة والسلطة؟ وتتعدد أنواع الناس. فيقول إيليا أبو ماضي من جهة المال: لما صديقي صار من أهل الغني أيقنت إني قد فقدت صديقي ويقول الأستاذ مكرم عبيد 'باشا' عن عكس ذلك 'الرجل الحق هو الذي يتطور دون أن يتغير ويكبر دون أن يتكبر ويحتفظ بثباته في وثباته'.ويقول القديس الأنبا انطونيوس: قد يوجد إنسان يمكنه أن يحتمل الإهانة ولا يقدر أن يتحمل الكرامة لان احتمال الكرامة أصعب من احتمال الإهانة. سؤال آخر من أسئلة كيف. وهو كيف يمكن الإجابة علي أسئلة حرجة؟ نقول بالذكاء والحكمة فيتكرر السؤال: وكيف؟ نضرب لذلك مثالين قيل انه في احدي المرات، قام أمير البلاد بزيارة احد كبار موظفيه المقربين إليه وفيما هو في بيت هذا الموظف سأل ابنًا ذكيًا له ليختبر ذكاءه. فقال له: بيت أبيك أعظم أم بيت الأمير؟! وكانت الإجابة محيرة: كيف يجمع بين إكرامه لأبيه وولائه للأمير! ولكن هذا الطفل أجاب بذكاء وقال 'مادام الأمير في بيتنا، يكون بيت أبي أعظم من بيت الأمير' وهكذا فيما يمتدح عظمة بيت أبيه، ارجع سبب عظمته إلى وجود الأمير فيه.وفي احدي المرات سألوا احد الوزراء وكان كبيرًا في السن وأشيب الشعر: هل أنت اكبر أم السلطان؟ فأجاب علي هذا السؤال المحرج في ذكاء وقال 'فخامة السلطان هو اكبر مني ولكنني ولدت قبلًا منه'.يسألون أيضًا من جهة كلمة 'كيف': كيف يمكن التعامل مع المتصفين بالعناد ومع غير الطبيعيين في عقلياتهم وطباعهم وأعصابهم؟ ونجيب بأن الأشخاص العاديين قد يرون كيفية التعامل مع هؤلاء صعبة ولكنها بلا شك ليست صعبة مع الخبيرين بالنفوس والذين لهم طول البال والحكمة ويستطيعون أن يصلوا إلى المفاتيح التي يفتحون بها عقول غير الطبيعيين وطباعهم... أما كيف يمكنهم معرفة تلك المفاتيح فهذا سؤال يحتاج إلى إجابة طويلة، ليس الآن مجالها ولكنها ممكنة ومغلفة بكلمة 'كيف'. أمامنا أسئلة أخرى صعبة، نضع أمامها كلمة 'كيف؟' كيف يواجه الناس الموت وبخاصة بعد بعض أمراض عديمة الشفاء؟ لاشك أن الناس يختلفون في ملاقاة الموت: ما بين مؤمن عاش حياة صالحة وهو مستعد للموت، وله رجاء في الحياة الأبدية السعيدة وهذا يختلف عن خاطئ يرتعب من الموت، وأمامه كل خطاياه بدون أن يقدم عنها توبة وثالث يفاجأ بالموت وقد خدعوه بان شفاءه قريب وانه سوف لا يموت .. مع حالات أخرى لا نعرف نفسياتها.. و مع نوع رابع يتشبث بالحياة وأمامه آمال لم يحققها بعد.. وخامس يكون عمق تفكيره فيمن سيخلفهم بعد موته من أبنائه وباقي أسرته. وسادس للأسف يكون تفكيره قبل موته في أمواله وممتلكاته التي سيتركها بعد أن تعب كثيرًا في تكوينها وجمعها. أمور أخرى صعبة تكتنفها كلمة 'كيف؟': كيف يمكن أن يعيش المشوه والمعوق؟ بأية نفسية؟ كيف يعيش اليائس الذي لا أمل أمامه. وكل بارقة أمل تعرض عليه يشعر باستحالتها عمليا وإنها مجرد تشجيع وهمي! كيف يمكن تعزية قلب فقد اعز الناس إليه؟ وكل كلمات التعزية لن تعوضه عما فقده وقلبه يرفض العزاء!! كيف يحيا من قال عنه سليمان الحكيم 'إن جريت مع المشاة فأتعبوك، فكيف تباري الخيل؟! أسئلة أخرى كثيرة تبدأ بكلمة 'كيف؟' أرى أن هذه الصفحة قد ضاقت عن استيعابها. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
22 ديسمبر 2021

التمركز حول الذات‏...‏ وإنكار الذات

لا تظنوا أيها الأخوة الأحباء أن عبادة الأصنام قد تلاشت من الأرض‏.‏ فهناك صنم كبير يكاد يعبده الكل‏,‏ وهو الذات‏. فكل إنسان مشغول بذاته, معجب بذاته. يضع ذاته في المرتبة الأولي من الأهمية.أو في المرتبة الوحيدة من الأهمية. يفكر في ذاته. ويعمل من أجل ذاته. ويهمه أن تكبر هذه الذات, بل تصير أكبر من الكل. ويهمه أن تتمتع هذه الذات بكل اللذات, بأي ثمن أو بأي شكل.هذا هو التمركز حول الذات وفيه يختفي الكل وتبقي الذات.وحدها. فيه ينسي الإنسان غيره من الناس, أو يتجاهلهم, لكي تبقي الذات وحدها في الصورة... ويكون إذا فكر هذا الشخص في غيره من الناس يكون تفكيره فيهم ثانويًا, في المرحلة التالية لذاته. أو قد يكون تفكيرًا سطحيًا, أو تفكيرًا عابرًا.و هذا الشخص المتمركز حول ذاته: إذا ما أحب أحدًا آخر, فإنه يحبه من أجل ذاته: ويكون من أحبه مجرد خادم لذاته, أو من يشبع ذاته في ناحية ما... يحب مثلا من يمدحه, أو من يقضي له حاجة ما, أو من يشبع له شهواته, أو من يحقق له رغبة ما. فهو في الحقيقة يحب ذاته لا غيره. وما حبه لغيره سوي وسيلة يحقق بها محبته لذاته. لذلك لا مانع عند هذا الشخص, أن يفخر بمثل هذا الحب إذا اصطدم بذاته ورغباته! ولعل هذا يفسر لنا الصداقات التي تنحل بسرعة, إذا ما اصطدمت بكرامة ذاتية أو غرض ذاتي... ولعل هذا يفسر لنا أيضًا الزيجات التي تنتهي بالطلاق, أو إلي الانفصال... بينما يظن البعض أنها قد بدأت بحب, أو بحب عميق أو عنيف!! قطعا إن ذلك لم يكن حبًا بمعناه الحقيقي. لأن الحب الحقيقي فيه تضحية واحتمال وبذل وعذر للآخرين. والمحبة الحقيقية تحتمل كل شيء.إن مثل هؤلاء الأشخاص كانوا يحبون ذواتهم فيما هم يتغنون بمحبتهم لغيرهم! كان في محبتهم عنصر الذاتية. لذلك ضحوا بهذه المحبة علي مذبح الذاتية أيضًا. إنما المحبة تصل إلي أعماقها حينما تتكلل بالبذل... أي أن المحب الحقيقي هو الذي يضحي من أجل أحبائه بكل شيء, ولو أدي الأمر إلي أن يضحي بذاته. وكما قال الإنجيل: ليس حب أعظم من هذا, أن يضحي أحد بنفسه عن أحبائه، ونص الآية هو: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (إنجيل يوحنا 15: 13). أما المحبة التي تأخذ أكثر مما تعطي, فهي ليست محبة حقيقية, إنما هي محبة للذات وهي أيضا تحب ما تأخذه, ولا تحب من تأخذ منه... لذلك فإن محبة الله لنا هي المحبة المثالية لأنها باستمرار يعطي دون أن تأخذ ولهذا أيضًا فأن محبة الأم لطفلها هي محبة حقيقية, لأنها باستمرار تعطي, وباستمرار تبذل ولكن لعل إنسانا يسأل: ولماذا لا نحب ذواتنا؟ وأية خطيئة في ذلك؟! ومن من الناس لا يحب ذاته ؟! إنها غريزة في النفس. نعم, جميل منك أن تحب نفسك. علي أن تحبها محبة روحية, تحب ذاتك من حيث أن تهتم بنقاء هذه اللذات وقداستها وحفظها بلا لوم أمام الله والناس. وتحب ذاتك من حيث اهتمامك بمصيرها الأبدي, ونجاتها من الدينونة الأخيرة حينما تقف أمام منبر الله العادل, لتعطي حسابا عن أعمالها وعن أفكارها ونياتها ومشاعرها. هذا هو الحب الحقيقي للذات. الحب الذي يطهر الذات من أخطائها ومن نقائصها, ويلبسها ثوبًا من السمو والكمال. وهناك شرط آخر للمحبة الحقيقية للذات, وهو أن الإنسان في محبته لذاته يحب جميع الناس أيضًا, ويكون مستعدا أن يضحي من أجلهم بكل ما يملك, ولو ضحي بذاته أيضًا فلا يجوز لك أن ترتفع علي جماجم الآخرين, ولا أن تبني سعادتك علي شقائهم, أو تبني راحتك علي تعبهم! لذلك ضع مصلحة الآخرين قبل مصلحتك, وفضل خيرهم علي خيرك. وعليك أن تضحي من أجل الناس, سواء شعروا بهذه التضحية أو لم يشعروا, وسواء شكروا عليها أو لم يشكروا. لذلك هناك فضيلة عظمي وهي إنكار الذات. فالإنسان النبيل لا يزاحم الناس في طريق الحياة. بل يفسح لهم مجالًا لكي يعبروا, ولو سبقوه! إنه يختفي لكي يظهر غيره, ويصمت لكي يتكلم غيره. ويمدح غيره أكثر مما يمدح نفسه. ويعطي مكانه ومكانته لغيره. وبذلك كما يسعد غيره, يسعد نفسه أيضًا... إنه دائم التفكير في غيره, ومحبة غيره وصالح غيره, وأبدية غيره وقداسة غيره... أما ذاته فيضعها آخر الكل, أو خادمة للكل. إنه يفرح لأفراح الناس, ولو كانت الآلام تحيط به من كل ناحية،وإن أصابهم ألم لا يستريح هو, وإن كانت وسائل الراحة تحت قدميه... إنه شمعة تذوب لكي تضيء للآخرين... وفي إنارتها للناس, لا تفرح بأنها صارت نور. إنما تفرح لأن الآخرين قد استناروا. ذاتها لا وجود لها في أهدافها. إن أنجح الإداريين في العالم هم المنكرون لذواتهم. وأكثرهم فشلا هم الأنانيون. إن أنجح إداري هو الذي يعطي فرصة لكل إنسان أن يعمل, ويشرف علي الكل في عملهم. ويبدو كما لو كان هو لا يعمل شيئًا, بينما يكون هو مركز العمل كله, ويكون محبوبًا في العمل. لأنه كلما نجح العمل, يتحدث عن مجهود فلان وفلان, وينسب النجاح إلي كثيرين غيره وينكر ذاته... إن المنكر لذاته يهمه أن ينجح العمل أيا كانت اليد التي تعمله. أما المتمركز حول ذاته فلا يهمه إلا أن يتم النجاح علي يديه, ولو أدي الأمر إلي تعطيل العمل كله!! قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
29 ديسمبر 2021

الجدية والتدقيق

الجدية هي الميزة الأولى التي تميز الناجحين والمتفوقين عن غيرهم فعظماء الرجال الذين سجل التاريخ أسماءهم، هم أولئك الذين كان لهم خط واضح رسموه لحياتهم، وساروا فيه بقلب ثابت لا يتزعزع، ولم ينحرفوا عنه يمينًا ولا يسارًا، وكانت لهم مبادئ ثابتة لا يحيدون عنها. كما أنهم لم يسمحوا مطلقا لأية ظروف أن تعوقهم.وأيضًا طلاب العلم الذين نبغوا، وكانوا الأوائل بين زملائهم، هم الذين عكفوا على دراساتهم بكل جدية. وأيضًا العامل الناجح هو الذي يؤدى عمله بجدية. بل حتى اللاعب الناجح هو اللاعب الذي يكون جادًا في لعبه، لا يتهاون أو يتكاسل فيه والإنسان الجاد هو جاد في كل شيء هو جاد في وعوده، وفي مواعيده. لا يعد أحدا بوعد ويرجع فيه مهما كانت الأسباب. ولا يحدد لأحد ميعادا ويغيب أو يتأخر عنه ملتمسًا لنفسه الأعذار! والإنسان الجاد إذا نذر نذرًا، لا يعاود التفكير فيه أو المساومة ولا يؤجل الوفاء بنذره، ولا يحاول استبداله بغيره، ولا يماطل. إنما بكل سرعة، وبكل جدية، ينفذ نذره كما هو. واضعًا أمامه القاعدة الذهبية التي تقول "خير لك أن لا تنذر، من أن تنذر ولا تفي" لهذا فكل وعوده ونذوره، تكون موضع ثقة. والإنسان الجاد يهدف إلى الكمال. لذلك فهو ينمو باستمرارالجدية تمنحه حرارة روحية. والحرارة تدفعه كل حين إلى قدام وإذ يتمسك -في كل ما يعمل- بأعلى درجة يمكنه الوصول إليها، لهذا فإنه بكل مثابرة واجتهاد، يمنح مسئولياته كل قوته وكل إمكانياته، وكل إرادته وكل قلبه.. ويعمل بكل النعمة المعطاة له، ولا يقصر في شيء إنما يبذل كل طاقاته.. ولذلك فهو لا يحتاج كثيرا إلى من يدفعه في الطريق، فالدفع المستمر يأتيه من الداخل والإنسان الجاد لا يدلل نفسه ولا يحابيها. ولا يعذرها في أي تقصير وإن توانت نفسه يومًا، يغصبها على العمل وعلى التقدم، حتى تتعود ذلك وتؤديه في تلقائية والإنسان الجاد، إذا صادفته صعاب، ينتصر عليها، ولا يعتذر بها إنه لا يستسلم لعقبة، بل يكافح ساعيًا إلى المثاليات، مُصِرًا على النجاح في طريقه مهما كانت العقبات أمامه. وهو ينجح في كفاحه، طالما كان حارا في الروح، لا يفتر ولا يضعف ومادامت المثاليات أمامه، فإنه لا يرضى بأنصاف الحلول، ولا باجتياز مرحلة في الطريق والاكتفاء بها! بل يسعى بكل نشاط، حتى يصل إلى الغاية والى النهاية. لذلك فهو في صعود مستمر نحو الهدف.وهذا الجاد الذي يتقدم باستمرار، لا يخشى عليه من النكسات أو من الرجوع إلى الوراء إن الجدية في الحياة، دليل على الرجولة وقوة الشخصية والإنسان الجاد في حياته، هو إنسان يحترم نفسه، ويحترم مبادئه، ويحترم الكلمة التي تخرج من فمه، ويحترم الطريق السليم الذي يسلكه. فهو -لهذا كله- يتميز بالثبات وعدم الزعزعة. انه كسفينة ضخمة تشق طريقها في بحر الحياة بقوة متجهة نحو غايتها وليست كقارب تعصف به الأمواج في أي اتجاه إن الإنسان غير الجاد، يتأرجح في حياته دائمًا بين الصعود والهبوط ومسيرته غير ثابتة، سواء في أمور عمله، أو في حياته الروحية فهو يسقط ويقوم، ويداوم القيام والسقوط ، في غير استقرار!! أحيانًا يكون حارًا، وأحيانًا يكون فاترًا،أو باردًا. في فترة يكون مهتمًا، وفي أخرى يقابل الأمور بلا مبالاة!! الإنسان الجاد، تظهر جديته في سلوكه الروحي وعلاقته مع الله فالجدية في السلوك الروحي، لا تقبل الإهمال والتراخي ولا التردد، ولا الرجوع أحيانًا إلى الوراء. ولا تقبل التأرجح بين طريقين: حياة الفضيلة وشهوة الخطية! أو ساعة للقلب، وساعة للرب!! كما لو كان القلب والرب في طريقين متناقضين!! الإنسان الجاد لا يتساهل في حقوق الله مطلقا. انه يأخذ حق الله من نفسه هو أولا، قبل أن يسعى لأخذ حق الله من الآخرين وهو يسلك في وصية الله بكل حزم وبكل دقة وبكل عمق.. وطاعته لله -تبارك اسمه- تكون بغير مناقشة وبغير مساومة والجدية في الحياة الروحية لا تعنى التزمت إطلاقًا! فمن الممكن أن يسلك الإنسان بطريقة روحية في حياة الفضيلة، وفي نفس الوقت يكون بشوشًا، ومرحًا في وقارأما التزمت فهو لون من التطرف. والتطرف ضد الروحانية والجدية والإنسان الجاد الروحي، لا يقدم تبريرات للسقوط في الخطية!! فالفضيلة واجبة، مهما كانت الظروف الخارجية ضاغطة.. ومثال ذلك يوسف الصديق العفيف: كانت الظروف من الخارج تضغط عليه، ولكنه لم يخضع لها، ولم يتساهل مع الخطيئة، بحجة أنه وقتذاك كان عبدا، وتحت سلطان غيره، وبإمكان سيدته أن تؤذيه ولكن الخير الذي كان في قلبه، كان أقوى من الخطيئة التي تغريه، وكان أقوى من الضغوط الخارجية. وكان يوسف جادا في حفظ نفسه طاهرًا إذن يجب أن يكون الإنسان جادا في حياة التوبة فيقاوم الخطيئة بكل جدية، إذا ما حورب بها وان سقط ، يكون جادًا في توبته ولا يؤجلها. وان تاب وترك الخطيئة، يتركها بجدية، ولا يعود إليها مرة أخرى. وليضع أمامه قول ذلك الأب الروحي: "لا أتذكر أن الشياطين قد أطغوني مرتين في خطية واحدة" فقد يكون السقوط عن جهل أو ضعف. ولكن متى أدرك التائب الجاد ذلك، يحرص إلا يقع في نفس الخطأ مرة أخرى. بل تكون التوبة نقطة تحول كامل في سلوكه بغير عودة فهو يغلق أبواب فكره وقلبه أمام الخطية غلقًا تامًا، بعزيمة قوية وإصرار شديد على حياة البر، ويكون جادا في تداريبه الروحية لا يكسرها مهما كانت الأسباب، ويحفظ تعهداته أمام الله في جدية على أن الشيطان أو أعوانه، الذين يحاربون الإنسان في جدية الحياة الروحية، قد يغرونه بما يسمونه المرونة في سلوكه!! لكن المرونة لا تكون أبدًا بالخروج عن القيم الروحية. إنما المرونة بمعناها الحقيقي تكون في داخل القيم وليس خارجها وليست المرونة مطلقا في عدم الالتزام، بل يكون الإنسان مرنا مع الالتزام بحياة الفضيلة والبروالجدية تلزم الإنسان أيضًا على حياة التدقيق من مظاهر الجدية, التدقيق في كل شيء.والإنسان الجاد في حياته، يحرص أن يكون مدققا في كل تصرفاته، وفي كل كلمة يقولها، وكل فكر. ويكون مدققا من جهة حواسه ومشاعره، ومن جهة مواعيده ووقته. وبالاختصار في كل علاقاته مع الله والناس، ومع نفسه. ويتدرب على ذلك، حتى يصبح التدقيق جزءًا من طبعه.. وبعد يا قارئي العزيز، ألست ترى أن موضوع التدقيق يلزم له مقال خاص؟ إني أرى ذلك أيضًا. فإلى اللقاء. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل