المقالات
31 يوليو 2018
بين تجاوز المخدوم وسعة صدر الخادم
الإنسان هو موضوع حب الله، ومع أن الله يحب كل خليقته إلا أن الإنسان هو المخلوق المدلل لديه، ويجب على الخادم وهو وكيل الله والمتشبه به أن يحب أولاده ويتخذ صفات الراعى الصالح من حيث بذل نفسه عن المخدوم وإطالة أناته عليه واحتوائه متى أخطأ فمن المتوقع أن يخطىء المخدوم .. وأن يتذمر وأن يسأل .. وأن يصدر عنه ما لا يعجب الخادم، فى حين يتوجب على الخادم (والذى قيل له ذلك كثيراً عندما كان يُعد خادماً) أن يطيل أناته على المخدوم ويحتمله ولا يضيق به ولا ينزل إلى مستوى الإحتكاك به والخصومة معه.
وإذا كان على المستوى العادى نطلب من الآخرين الإحتمال والعودة بالملامة على النفس، فكم وكم يكون الخادم الذى يمتلك أحشاء رأفة وقلب حان ومشاعر رقيقة.. ألم ’يكتب أنه " يجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل اضعاف الضعفاء ولا نرضى أنفسنا " (رومية 15: 1) فإذا وصل الحديث بين الأب وأبنه إلى الصدام فقد أخطأ الأب لا الإبن وكذلك المدرس والتلميذ والمدير والموظف ..الخ، وفى حالة الصدام فإن الذى يخسر هو الكبير أكثر بكثير من خسارة الصغير والذى قد لا يدرك ما يحدث لهذا كتب القديس امبروسيوس مقالته الرائعة " ترفقوا بالخطاة ..." أضعف الإيمان أن نسامح من يخطىء ولكن كأناس روحيين علينا أن نلتمس العذر لهم ونلوم أنفسنا .. ولاشك أن وداعة الخادم ولطفه.. وصبره مثل الأم الحنون " بل كنا مترفقين في وسطكم كما تربي المرضعة اولادها" (1 تس 2: 7). كل هذا يجعله يقتنى المخدوم ويربحه للمسيح ويعطيه فرصة لأن يعتذر أما من جهة التأديب المطلوب من الراعى أو الخادم فليكن بحب خالص وليس كمن ينتقم لنفسه ويثأر لكرامته، فالغرض من المحاكمة هو الوصول للحق وبالتالي فإن الهدف من العقوبة هو الإصلاح، إذ يجوز العقاب برفق، لأن الراعى هو طبيب لا قاضى، وعندما تحاكم الكنيسة شخص ما فإنها تهب كلها للصلاة لأجله حتى لا يفنى إيمانه.
نيافة الحبر الحليل الأنبا مكاريوس أسقف عام المنيا وأبو قرقاص
المزيد
24 يوليو 2018
الخادم والمخدوم
بعض الخدام يقتطعون لأنفسهم الصلاحيات والسلطات, على حساب المخدومين المساكين بالطبع.. ويصبح لهم بسبب المخدومين مكانة ومكان.. ومع الوقت تصير مسئولية الخدمة هى أهم المسئوليات قاطبة فى حياتهم, ولكن ليس على أساس البذل والتفاني وإنما على أساس البحث عن الذات وارضاؤها.. أولئك الخدام ينسون أن المخدومين هم الذين أعطوهم هذه الكرامة .. وأنه بدونهم لن يحصلوا عليها, ومع ذلك قد يسيئون معاملة المخدومين ويتحكمون فيهم تحت ستار محبتهم لهم والخوف عليهم، كما يستخدمون - بشكل فيه مغالطة – الآية: "أمينة هى جروح المحب وغاشة هى قبلات العدو", ودليل عدم الصدق مع النفس فى هذا الاستخدام: أنهم هم أنفسهم لا يتقبلون ذلك من المسئولين عنهم من أمناء الخدمة أو الكهنة..
المخدوم يأتى ترتيبه فى الأهمية "الأول" فلأجله ُاقيم الأساقفة والكهنة وتعين الخدام والخادمات.. وكل هذه المنظومة تعمل معأ لأجل المخدوم, الكل فى خدمته. ومن الطبيعى أن يخطيء المخدوم فى حين أنه من الضرورى أن يحتمله الخادم ويستوعبه ويشفق عليه, لا أن يعاقبه ثأرًَا للنفس ولكرامته الشخصية..
هذا النوع من الخدام إذا أُعفى من الخدمة – ولو لبعض الوقت – ريثما يختلى بنفسه ويراجعها– قد يعتبر ذلك نوعاً من العقاب فتصغر نفسه ويحزن لأنه قد قطعت عنه مصادر الكرامة.. فالكرامة التى تأتيه من العمل أو الاصدقاء لا تساوى شيئاً أمام تلك التى اقتنصها لنفسه من تواجده فى الكنيسة..
يحتاج الخادم بين الحين والحين إلى مراجعة نفسه ليعرف ما إذا كان باذلاً منسحقاً فى الخدمة, يطلب مجد الله لا مجد نفسه.. فقد تقدم للخدمة وهو مستعد ليضع ذاته تحت اقدام الكل..
نيافة الحبر الجليل الأنبا مكاريوس أسقف عام المنيا وأبو قرقاص
المزيد
17 يوليو 2018
الرعاية
انا هو الراعي الصالح و الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف" (يوحنا 10: 11)"
من أجمل الصور التي استخدمها الله ليصف بها علاقته بشعبه، صورة الراعي والحملان، ليس فقط لأن منطقة اليهودية كانت منطقة رعي أكثر من كونها منطقة زراعة، بل لأن ما ينطبق على الراعي الصالح ينطبق على صفات السيد المسيح بخصوص عنايته بنا. فالراعي الصالح باذل ومحب وساهر على رعيته ويقدم ذاته عنها، والخراف مطيعة .. واثقة .. بسيطة مرتبطة براعيها أكثر من تعلقها بالطعام، فإذا تحرك الراعي تبعته على الفور وهو في الوقت ذاته لا يتحرك من الموضع إلاّ إذا شبعت خرافه. وفي هذا الإطار هناك مستويات أربعة للمسئول:
1- راعي صالح (يبذل نفسه عن الخراف).
2- أجير (لا يبالي بالخراف).
3- سارق (يذبح ويهلك).
4- ذئب (شيطان).
الذئب هو الشيطان الذي يوعز إلى السارق ويحركه لكي يذبح ويهلك، أما السارق فهو الذي وقع تحت تأثير الشيطان (الذئب) وأصبح وجوده خطراً على الخراف (الرعية) وأما الأجير فهو لا يهتم إلا بأجره وفي سبيل الحصول على الأجر قد يهمل الرعية و قد يُسئ إليها، أما الراعي الصالح فهو الذي يبذل نفسه عن الخراف، وقد يصل به البذل إلى حد الموت عنها، يتصدى لأعدائها ويتلقى الضربات عنها. وقديماً كان وصف "الراعي الصالح" يُطلق على الراعي الذي لم تُفقد له غنمة ولم يتعدى على أرض راعٍ آخر.
هذه الشرائح الأربع نجدها في البيوت وفي الوظائف وفي دور التعليم والخدمة ، فهناك أب مصدر خطر على أولاده أو أجير يهتم بأولاده لكي يُنسب نجاحهم إليه، أو ذاك الذي يُنجب كثيراً ليتحول أولاده إلى قوة عاملة. وفي الوظيفة قد يسرق أو يختلس أو يُضر بمصالح الجمهور فهو "سارق ولص" وقد يكون أجيراً لا يهمه أكثر من التواجد المستمر للحصول على راتبه كاملاً مقابل مجهود لا يُذكر وهو في هذه الحالة لا يعنيه في شئ أن يحصل المواطنون على احتياجاتهم أم لا. والأصعب من ذلك أن يكون ذئباً يُحيك المؤامرات ويدفع الآخرين إلى الشر والفساد. أما إن كان راع صالح فهو ُيؤثر راحة زُملاؤه على راحته ومصالح الجمهور على مصالحه هو، وأن تنجح المؤسسة وله في ذلك الفخر.
وفي الخدمة قد يتسبب خادم في عثرة الآخرين وقد يحمل البعض على ترك الكنيسة وهو بذلك ذئب وقد يكون أجيراً يأخذ من الخدمه كرامهً وتتضخم ذاته بسببها، وقد يكون سارقاً يسرق مجد الله ويبحث عن مجده هو وكرامته هو. وقد يكون راعٍ صالح يسكب ذاته سكيباً من أجل المخدومين.
نيافة الحبر الجليل الأنبا مكاريوس أسقف عام المنيا وأبو قرقاص
المزيد
10 يوليو 2018
بولس الرسول الخادم
عندما وقف ليحاكم أمام فيلكس الوالي رفع يده محتجاً: "إلى قيصر أنا رافع دعواي" (اعمال 25 : 11) وهنا لم يجد الوالي مفراً من إرساله إلى روما ليحاكم هناك أمام القيصر، إذ كان من حق أي مواطن روماني أن يطلب محاكمته أمام القيصر ذاته والذي كان يسره ذلك بالطبع إذ يشعره بثقة الشعب فيه وعدله، غير أن القيصر لم يكن مستعداً دائما للجلوس لينظر قضايا الشعب ومن ثمّ تتراكم القضايا ليصبح العدد ضخما ينظره على فترات متباعدة. ولذلك فقد سمح للقديس بولس أن يستأجر له بيتاً يعيش فيه ريثما يأتي الوقت الذي يجلس فيه القيصر للقضاء وينظر فيه مظلمته. غير أن بقائه في بيت استأجره (فيما يشبه الآن السجون المفتوحة) كان يستلزم وجود حارس روماني يلازمه عن طريق قيد يربط بين اليد اليمين للأسير واليد الشمال للجندي في ورديات تتغير كل ثماني ساعات كان الجندي بطبيعة الحال ملتصقا بالقديس بولس فيسمع صلاته وتسبيحه وقراءاته في الكتب المقدسة، ويسمع كذلك العظات التي يلقيها على ضيوفه وردوده على أسئلتهم، ويسمع كذلك ما يمليه القديس من رسائل يرسلها إلى الكنائس، فتكون النتيجة أن يتعلّق الجندي بلمسيح ويصبح مسيحياً أفما يكفيه من القديس بولس ثماني ساعات كاملة لصيقاً به معايشاً له مقدماً له قدوة في القول والفعل ؟!. إذا لقد كان القديس يقدم للكنيسة ثلاثمسيحيين في اليوم الواحد (هم جنود الورديات الثلاث) فإذا كان قد مكث في ذلك السجن سنتين فقد قدم ألفي مسيحي وهو مسجون !!. أمّا أولئك الجنود فقد كانوا من الحرس الإمبراطوري، وهو الكتيبة التي تحتل ثكنة عسكرية بجوار القصر الإمبراطوري، والمنوطة بحراسة القصر ومدينة روما. وكان كل جندي بطبيعة الحال يتحدث مع من حوله عن خبرته الجديدة مما أسهم في نشر المسيحية في روما. وهناك إشارات إلى مثل ذلك في بعض رسائل القديس بولس "يسلم عليكم جميع القديسين ولا سيما الذين من بيت قيصر (فيلبي4 : 22).
نيافة الحبر الجليل الأنبا مكاريوس أسقف عام المنيا وأبو قرقاص
المزيد
03 يوليو 2018
الخادم انجيل مُعاش
" فقط عيشوا كما يحق لانجيل المسيح " (فيليبي 27:1)
المسيحية تلمذة، والسيد المسيح لم يسلم تلاميذه كتاباً، ولكنهم تتلمذوا عليه وتلامسوا معه " الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه و لمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة" (1يو 1:1) وبعد أن تلمذهم أرسلهم ليتلمذوا الآخرين بدورهم "فاذهبوا وتلمذوا جميع الامم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس " (متى 19:28). كان سلوك السيد المسيح بينهم هو أقوى شرح للتعليم عن الفضيلة، ولذلك فإن سلوك الخادم سيكون له التأثير الأول على من يخدمهم، اكثر من الكلام وحلاوة التعبير والذى يمكن أن يتحول عند شخص ما إلى ما يقرب من المهنة .. أو الصناعة (حسن الكلام أو مهنة الكلام). الخادم يجب أن يكون إنجيلي من جهة القلب والقالب، فهو مطلع بشكل جيد على الكتاب المقدس، ويحفظ منه الكثير ويعضّد تعليمه وإرشاده بالآيات، وُيحسن استخدام الآيات فى تقنين الأفكار والمبادئ التى يسلمها لمخدوميه, وفى الوقت ذاته يتحول فيه الإنجيل إلى حياة، فتأتى حياته وسلوكه كثمرة تفاعل شخصه مع الوصية، أو هو كما يقول قداسة البابا شنودة أنه على الخادم أن يكون وسيلة إيضاح للفضائل، وكذلك إنجيلا مشروحاً للمخدومين إن الخادم ليس شخصاً عارضاً لبضاعة أو "ريكوردار" وليس خزانة معلومات وليس "بياع كلام" ولكنه شخص تحول بالوصية من الخبر إلى الخبرة ومن التعليم إلى التسليم. وفى الأدب الرهبانى نقرأ عن شخص زار أب كبير لسمع منه كلمة منفعة، ولكن الأب أمسك عن الحديث معه .. فلما سأله البعض، قال: " يعلم الله إنى لم ُأمسك نفسى عنه إلاّ لكونه بياع كلام ُيؤثر أن يتمجد بأقوال الآخرين !!" وفى انشودة المحبة التى كتبها القديس بولس يقول أن المحبة تتأنى وترفق المحبة لا تحسد المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ .. الخ .. (1كو 13: 4) ولعله كان من المنطقى أن يقول أن المُحبّ يتأنى ويرفق .. الخ ولكنه تكلم عن المحب باعتباره محبة !!.. أليس حسنا أن يدعى الله نفسه محبة " ونحن قد عرفنا و صدقنا المحبة التي لله فينا الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه" (1يو16:4 ) محبة تجسدت فى تجسده وفداءه. هكذا الخادم إذا تكلم عن الاتضاع فهو متضع .. وإذا تكلم عن المحبة فهو مُحبّ ..إنه ليس واعظاً بقدر ماهو عظة .. وليس صاحب رسالة بقدر ماهو رسالة مقرؤة من الآخرين، وهو أيضا إنجيل معاش وبشارة مفرحة. هناك شخصيات في حياتنا ُتمثل لنا المسيحية المفرحة والعبادة المبهجة، والمسيح المعزيّ، ويكفى أن ترى شخصاً من هذا النوع. ويكفى أن يقول أى شئ .. يكفى أن فلان الذى قاله .. فكم وكم إذا كان شخصاً كتابياً، وإذا تكلم فلن يقول أى شئ بل "قاعدة الكلام كتابية والكلمة مشروحة فيه هو". لذلك فإن من عمل وعلم فهذا يدعى عظيماً (متى 19:5)، وقديماً كانوا يكتبون فى تقريظ الكتب ُمقدمين الكاتب بقولهم " الأب العامل العالم ". وهذا هو الفرق بين الفلاسفة والسيد المسيح .. فكثير منهم رغم ماقدموه من نظريات وأفكار عاشوا تعساء وأنهى بعضهم حياته بطريقة مأساوية إن الخادم هو شخص كاشف ومعلم صادق لكلمة الله وقوتها وفاعليتها من خلال حياته بكلمة الله .. كلام الله يؤيد كلامه، وكلامه وسلوكه يؤكدان أن الوصية حق وحيّة ويمكن الحياة بها فى كل الظروف إن الخادم هو انجيل مسموع .. وإنجيل مقروء وانجيل معاش. " فقط عيشوا كما يحق لانجيل المسيح " ( فى 27:1).
المزيد