جذور الرحمة

بسم الآب والابن والروح القدس إله واحد آمين تحل علينا نعمته ورحمته وبركته الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور كلها آمين .
تقرأ علينا الكنيسة يا أحبائي في هذا الصباح المبارك فصل من بشارة معلمنا متى الإصحاح (25) يقول "متى جاء ابن الانسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه"عندما يكون هناك مشهد للدينونة لليوم الأخير"فحينئذ يجلس على عرش مجده وتجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره" فعلى أي أساس يميز من يجلس عن يمينه ومن يجلس عن يساره؟ وبالطبع اليمين هم المقبولين واليسار هم المرفوضين فحينئذ يقول الملك للذين عن يمينه "تعالوا إلي يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم منذ تأسيس العالم" لماذا؟ من أجل الوصايا التي نحفظها جميعاً وهي "لأني جعت فأطعمتموني عطشت فسقيتموني كنت غريباً فآويتموني عريانا فكسيتموني مريضاً فزرتموني محبوسا فأتيتم إلي"وكأن ربنا يسوع يعلمنا إن الإنسان عندما يفعل رحمة فقد تكون أكبر شفيع له أن يدخل السماء لكن الأمر ليس كما هو ظاهر أنه شيء بسيط ليس مجرد شخص أعطى لشخص لقمة خبز أو أعطى شخص بعض النقود لا فالأمر أكبر من ذلك بكثير لا أحد يستطيع أن يعيش فضيلة العطاء إلا عندما يكون في داخله رحمة الرحمة هي الفضيلة الأساسية تظهر في شكل عطاء الفضائل فيها جزء من الداخل وجزء من الخارج فعلى سبيل المثال التواضع هذا من الداخل يظهر من الخارج في شكل وداعة الرحمة هذه من الداخل تظهر في الخارج في شكل عطاء فالعطاء جذره الرحمة بينما الرحمة تولد في داخل الإنسان من أين؟ والتواضع يولد في داخل الإنسان من أين؟ لا فهو عمل نعمة كبير الرحمة لكي تتولد داخل الإنسان تريد أن يكون الإنسان ممتلئ جداً بربنا مشبع جداً بربنا.
أقول لكم ثلاثة كلمات:
١- لابد أن يكون غالب نفسه.
٢ـ لابد أن يكون غالب العالم.
٣ـ لابد أن يكون لديه إيمان بالأبدية.
أولا: غالب نفسه:-
لابد أن يكون غالب نفسه لا يكون مثل الذي يعطي أحد شيء يقول لك ولكن أنا أحتاجها يقول لك فهل الذي معي يكفيني من الأساس ثم أنا أريد وأريد إلخ،أنا أريد أن أشتري وأشتري نريد أن نتنزه ونذهب ونشتري فهو يكون مغلوب من نفسه وعبد لنفسه فالمغلوب من نفسه لا يستطيع أبدا أن يعطي لأنه يبحث عن كيف يأخذ ليس كيف يعطي فأول شيء لكي يكون الشخص لديه رحمة لابد أن يكون غالب لنفسه لابد أن يقول مع معلمنا بولس الرسول "أحيا لا أنا بل المسيح يحيا في" من أكثر الأشياء المؤذية للإنسان أنه يعيش لنفسه أن أهم شيء لديه هو أنا وطلباتي ورغباتي واحتياجاتي أنا ثم أنا ثم أنا الأنا يا أحبائي تميت الإنسان لذلك القديس يوحنا ذهبي الفم ذات مرة كتب مقالة لأحد أولاده من تلاميذه ليشكو له من الحياة وما فيها والظروف فقال له لا يستطيع أحد أن يؤذيك ما لم تؤذي أنت نفسك، بأي شيء أؤذي نفسي؟! أني أكون عبد لنفسي أني أريد وأريد ثم أريد وهكذا وبالطبع هذه الحياة تجعل الإنسان يعيش في ضيق يعيش رافض لظروف الحياة يعيش متألم يعيش ينظر لغيره يعيش ويظل يحقد ويحسد ويظل يرى الناس التي تشتري وتذهب وتأتي وهو يظل يتألم لأنه مغلوب من نفسه معلمنا بولس تقرأ عنه في سفر الأعمال الإصحاح (٢٠) يقول كلمة جميلة كانوايقولوا له لا تذهب لأورشليم لأنهم سوف يقتلوك هناك فقال لهم "أني لست أحتسب لشيء ولا نفسي ثمينة عندي" تريد أن تبدأ الحياة مع الله بطريقة صحيحة ضع الله قبل منك لا تجعل ذاتك هي الإله لا تجعل ذاتك هي المركز هي المحور لا تجعل حتى الله تريده أن يكون خدام لذاتك كثيراً يا أحبائي تكون فكرتنا عن الله أنه يلبي طلباتنا أي أنه حتى الله أخضعناه لأهوائنا فهل من المفترض من يكون من أجل من؟ أنا من أجل الله أنا عبد عنده أنا أسجد له أنا أباركه أنا أخضع له أنا أسجد له أحياناً نحن نريد أن الله هو الذي يخضع لنا نقول له افعل وافعل ثم افعل وهكذا لذلك يا أحبائي أول شيء اغلب ذاتك معلمنا بطرس يقول "لأن ما انغلب منه أحد فهو له مستعبدا"، الأشياء التي نغلب لها نكون لها عبيد ومعلمنا بولس يقول "أنتم عبيد لما تطيعونه" بمعنى أن الشيء الذي تطيعه فأنت عبد له فإذا كنت دائمًا تطيع الجسد وتسمع كلامه وتلبي كل طلباته فأنت عبد لمن؟ للجسد أيضاً المال إذا كنت دائمًا تسمع كلامه ودائماً تخضع للمال فأنت دائمًا عبد للمال، إذن صار هو إلهك وليس الله، أنت بذلك إلهك هو المال أنت بذلك إلهك ذاتك أنت بذلك إلهك جسدك ألهذه الدرجة قد يكون الإنسان عايش وهو تائه؟! قال لك نعم لذلك الإنسان لا يوجد طعم لحياته لذلك الكآبة تغلب الإنسان والحزن والظروف والقلق والخوف والتردد والأخبار والأمور المؤلمة لأنني قلق على نفسي فالإنسان الذي يعيش العطايا يعيش الرحمة منذ وقت قريب كنا نحتفل بعيد الأنبا ابرآم وهو رجل ليس مغلوب من نفسه في شيء عندما يقول الكلمة المشهورة له التي جميعنا نحفظها جيداً وهي"لا حوزنا ولا عوزنا" لا حوزنا أي ليس نحوذ على شيء لم نستحوذ على شيء لم نمتلك شيء الإنسان الحر من نفسه إنسان من داخله آخذ حرية مجد أولاد الله.
ثانياً: أغلب العالم:-
ما هو العالم؟ الذي يغلب نفسه يستطيع أن يغلب العالم الذي غلب نفسه من الداخل يستطيع أن يغلب نفسه من الخارج ما هو العالم؟ الطلبات المغريات الأمور المستحدثة كل فترة أشياء جديدة وبالطبع العالم يتاجر برغبات الإنسان ويجعله دائمًا يعيش وهو رافض واقعه ودائماً ناقم على الأشياء التي لديه ويريد أن يغيرها و يريد المزيد والمزيد هذا هو العالم لذلك معلمنا بولس الرسول قال العالم بالنسبة لي مصلوب تعرف ما معنى مصلوب؟ أي به مسامير أي ليس جذاب لا يلفت أنظاري وبعدما قال العالم مصلوب لي قال أنا أيضاً مصلوب للعالم فنحن اثنين مصلوبين أي لسنا منجذبين لبعض هو لا يجذبني ولا أنا منجذب له ما هذا؟ غلب العالم قال "لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم" كل يوم نقول هذا الكلام لكي أعيش الرحمة ولكي أعيش العطاء التي تقول لي الكنيسة اليوم هل أنت خدمتني؟! أنت حقاً عندما وجدتني جائع وعندما وجدتني عطشان عندما وجدتني محبوسا وعندما وجدتني مريضاً وعندما وجدتني غريب أنت بالفعل أشفقت علي أم أنك قلت ليس لي علاقة أم أنك قلت دعني في نفسي وكفاني، لذلك جعل هؤلاء عن اليمين وهؤلاء عن اليسار لذلك قالوا له متى رأيناك جوعانا أوعطشانا أو محبوسا أو مريضاً أو غريباً متي رأيناك؟ قال لهم لا فأنتم بذلك غير فاهمين أنه بما أنكم فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر فأنتم عندما فعلتم بأحد فأنتم فعلتم بي أنا الله كأنه يقول لنا أنا أترك لكم مرضى كثيرين وعطاش كثيراً وغرباء كثيرين وأيتام كثيرين ومحبوسين كثيرين ومحتاجين كثيرين أنا أقول لكم هؤلاء بالنسبة لكم فرصة ذات مرة أحد القديسين يقول ذلك نحن نتصارع على الفقراء كما يتصارع الأطفال على قطع الحلوى بمعنى نتسابق في خدمتهم نتسابق في تقديم احتياجاتهم تخيل عندما يغير الله فينا ويجعل قلبنا كذلك فتجد الفرد يقول ما كل كمية الملابس هذه التي لدي ما كل كمية الطعام التي أريد أن أكله فأنا أريد وأريد وأريد فنحن يمكننا بأقل من ذلك بكثير أن نكون راضيين وشاكرين وعندما يشعر الإنسان بغيره فهو يشعر بفرحة وسعادة لأن أكثر شيء يؤذي الإنسان هي مركزيته لنفسه والنفس لا تشبع أبدا القديسين قالوا هذا أن النفس هي بئر من الرغبات لذلك عندما أغلب نفسي لابد أن أعرف أغلب العالم لا أكون منجذب للعالم ليس كلما يتم إنتاج شيء أنا أتهافت عليه لا أبدا بل أشكر الله على ما عندي والقليل الذي لدي فيه بركة وأشكر الله عليه جداً وأنا راض وقانع أقرأ في رسالة معلمنا بولس الرسول لأهل فليبي يقول لهم "أنا تدربت أن أجوع وتدربت أن أشبع تدربت أن أنقص وتدربت أن أستفيض" مرة يكون معي كثيراً ومرة يكون معي قليل ولكن في النهاية يقول أجمل كلمة"وتدربت أن أكون مكتفيا بما عندي" ما الذي عندك يا بولس؟ فيوم أن كان داخل عليك شتاء قلت لتلميذك "العباءة التي تركتها في ترواس أحضرها معك" أي أنه يريد أن يرتدي شيء ليدفئه لأن الجو بارد وهو ليس لديه غير عباءة واحدة فيحضرها له من سفر فهو إذا كان معه عباءة أخرى لم يكن يطلبها تخيل أنت قصة اليوم عن القديس الذي كان جميل المنظر ثم أن العالم جذبه فبدأ يحب المظاهر فاشترى آواني فضية فآتى له صديقه كضيف وهو القديس أبيفانيوس فقال لأضع له في الأواني الفضية لكي يعرف إلى أي درجة نحن أشخاص أغنياء نحن لسنا بقليلون فوضع له في هذه الأواني الفضية فحزن صديقه عليه وشعر من تصرفاته أن العالم قد غلبه وأن المادة سيطرت عليه فصلى لكي يرشده الله ماذا يفعل؟ فبعدما ذهب من عنده قال له أنا في الدير وسوف يأتي لي ضيوف وأنا قد أعجبتني الأواني الفضية التي لديك فأرسلها لي لكي أرحب بها لهؤلاء الضيوف فقال له نعم بالطبع فأرسلها له فبعد عدة أيام لم يردها له مرة أخرى فطلبها منه فقال له أنا قد بيعتها وأعطيت ثمنها للفقراء فحزن وذهب ليجلسوا مع بعضهما قال له ما الذي حدث لك هذا؟ قال له أنا لا أعرف ماذا حدث لي يقول لك أن الله أرسل له تجربة صعبة جدًا وهي أنه جعله لا يرى أي ضربه بالعمى فذهب له القديس أبيفانيوس وصلى له فكان من المفترض أن تنفتح عيناه لكن الله فتح له عين واحدة فقط قال له لكي تظل متذكر الضعف الذي كنت فيه وهذه الله تركها لك مجرد تذكرة يقول لك بعد ذلك أصبح ليس لديه أواني فضية لكن أصبح يبيع ما لديه ويعطيه للفقراء نحن يا أحبائي لا نقول نبيع ما لدينا ونعطي الفقراء لكن أتمنى أن نكون مكتفين بما لدينا وأتمنى أن نشعر باحتياجات البعض وأتمنى أن الإنسان يعيش الشكر والرضا.
ثالثا لديه إيمان بالأبدية:-
يفهم جيداً جداً أنه ليس يعيش هنا فقط ليست عدة سنوات سوف نعيشها ونريد أن نعيش في تنعم ونأكل ونشرب ونستريح ونفعل ونملك. إلخ لا أبدا فهناك أبدية والأبدية يكون معيارها من يجلس عن اليمين ومن يجلس عن اليسار الذي يجلس عن اليمين الذي قال عنهم كنت جائع فأطعمتموني وكنت عطشان فسقيتموني.. إلخ، الذي يجلس عن اليمين الذي أكرمه وهو على الأرض لذلك هناك آية صعبة قليلاً تقول "ليست رحمة لمن لا يستعمل الرحمة" أي أن الذي لا يعيش الرحمة الآن لا يرحم تقول له ارحمني يقول لك وهل أنت رحمت؟! أنت لم تستعمل الرحمة فليست رحمة لمن لا يستعمل الرحمة لذلك يا أحبائي نحن نقول يارب اعطينا في فرصة الحياة التي نعيشها الآن وفي أيام غربتنا أعطينا فرصة أننا نربح الملكوت نغلب ذواتنا نغلب العالم ونؤمن بالأبدية نعطي أخوتنا ونرحم بعضنا البعض ربنا يكمل نقائصنا ويسند كل ضعف فينا بنعمته لإلهنا المجد دائمًا أبديا آمين.