المقالات
17 يونيو 2026
قوة الخدمة
إن قوة الخدمة تكمن في عمق تأثيرها و ليس في كثرة المخدومين ليس المهم عدد السامعين بل عدد التائبين منهم نعم قوة الخدمة ليست في عدد التلاميذ إنما في عمق الإيمان الذي فيهم إن العظة قد يسمعها عدد كبير من الناس و لكننا لا ندري كم هم الذين تأثروا بها و كم هم الذين حولوا هذا التأثير إلي حياة و تحسب قوة العظة بمقدار الذين حولتهم إلي الحياة مع الله و اجتماع الخدام لا تحسب قوته بعدد المحاضرات أو الخدام الحاضرين .
إنما قوة إجتماع الخدام هي في عدد ما ينتجه من المكرسين والكنيسة التي لا تقدم مكرسين للخدمة أو للكهنوت أو للرهبنة بلا شك خدمتها ضعيفة لأن الخدمة القوية هي خدمة ولود و هناك ملاحظة و هي أن الخدمة قد لا تاتي بنتيجة سريعة!
و لكنها لابد أن تأتي بنتيجة و لو بعد حين القديس بولس الرسول بكل عظمته الروحية و بكل قوته في الخدمة لما تكلم في اثينا عاصمة اليونان استهزأوا به و تهكموا عليه قائلين " ماذا يريد هذا المهزار أن يقول ؟!(أع 17 : 18 ) و لم يخرج بنتيجة إلا بشخص واحد هو ديونسيوس الأريوباغي الذي صار اسقفاً لأثينا فيما بعد و لكن ما لبثت أثينا أن صارت كلها مسيحية بعد حين السيد المسيح كانت له خدمة عامة وسط الجموع و الآلاف و كانت له ايضاً خدمة وسط سبعين رسولاً و لكن كانت هناك خدمة مركزة وسط الأثني عشر و هذه ظهرت قوتها العظيمة في نشر الإيمان هؤلاء الذين لا قول لهم و لا كلام علي أقصي المسكونة بلغت اقوالهم ( مز 19 ) و علي ايديهم كان ملكوت الله قد اتي بقوة و معهم أيضاً كانت القوة التي عمل بها القديس بولس بحسب النعمة الممنوحة له هذا الذي قال " قد تعبت أكثر من جميعهم و لكن ليس أنا بل نعمة الله العاملة معي " ( 1 كو 15 : 10 ) أتذكر إنني حينما كنت طالباً في الكلية الإكليريكية و كانت دفعتنا خمسة طلبة أن وقف أحد الأساتذة في حفل التخرج و قال نحن لا ندرس خمسة طلبة في الكلية و إنما خمس مدن كان يعتبر كل طالب منا مدينة اي أنه بعد التخرج سيتكرس خادماً للرب يتولي رعاية إحدي المدن و للأسف لم يتكرس من دفعتنا سوي طالب واحد نعود إلي خدمة الآباء الرسل فنقول إن خدمتهم لم تكن تقاس بعدد الذين يسمعونهم وإنما يقول الكتاب في ذلك "وكان الرب في كل يوم يضم للكنيسة الذين يخلصون "(أع 2 : 47 ) نعم الذين يخلصون و ليس كل الذين يسمعون هنا قوة الكلمة التي تفتح الطريق إلي الخلاص و هكذا عندما توليت مسئوليتي الحاضرة بدأت بتقسيم الإيبارشيات لكي يكون كل أسقف مسئولً عن منطقة محددة يستطيع فيها أن يخدم منطقة مركزة تكون خدمته فيها قوية و مثمرة و قد كان في القديم كان المطارنة مسئولين عن إيبارشيات واسعة جداً لا يقوي المطران علي رعايتها كلها أما الآن فكل أسقف يستطيع أن يزور كل مدينة و كل قرية في إيبارشيته و يرعي الجميع و نفس الوضع نقوله بالنسبة إلى كل كاهن فى كنيسته لم يكن صالحاً أن يكون أب كاهن وحده فى كنيسته يقوم برعاية عدة ألاف يبلغون فى بضع الكنائس خمسة عشر ألفاً أو أكثر فكان لابد من سيامة كهنة جدد فى الكنائس تتوزع عليهم الخدمة فيقومون بها بجدية يهتمون بكل فرد ويقودونه إلى حياة التوبة والنقاوة فليست قوة الخدمة فى عدد التابعين لك وإنما فى عدد الذين توصلهم إلى معرفة الله ومحبته
بعض الطوائف قد يكثر عدد الحاضرين فى اجتماعاتها بسبب المعونات المادية التى تقدم لهم بينما لا يكون الإيمان ثابتاً فى قلوبهم فإن توقفت المعونات توقف الحضور إلى الكنيسة !! فهل ندعو هذه خدمة ؟!.
وهناك كنائس تهتم بالأنشطة وليس بالروحيات !!
فتجد فى الكنيسة المشغل والمعرض لعمل السيدات وتجد النادى للشباب وبيتاً للمغتربين وكذلك تجد بيتاً للمسنين مع عدد آخر من المشروعات دون الاهتمام بالحياة الروحية ولكن حسناً قال الرب " وكان ينبغى أن تفعلوا هذه ولا تتركوا تلك " ( مت 23 : 23 ) .
أما الخدمة الروحية فهى الخدمة القوية فى تأثيرها بطرس الرسول بعظة واحدة فى يوم الخمسين قد جذب إلى الإيمان ثلاثة آلاف نفس ( أع 2 ) وهذه القوة التى تميزت بها العظة كان سببها أن قائلها كان ممتلئاً بالروح القدس لم يقل الكتاب أن الناس تابوا نتيجة لعظته وإنما نخسوا فى قلوبهم وقبلوا الإيمان واعتمدوا بينما وعاظ كثيرين يلقون آلاف العظات ولا يدخل فى الإيمان شخص واحد بولس الرسول وهو أسير حينما كان يتكلم عن الابر والدينونة والتعفف ارتعب فيلكس الوالى (أع 24 : 25 ) السيد المسيح قال كلمة واحدة جعلت سامعها يترك كل شئ ويتبعه كان متى جالساً فى مكان الجباية فقال له السيد " اتبعنى " فترك مكان الجباية وتبعه ولم يقل له محاضرة فى التكريس وإنما كلمة واحدة ولكنها قوية فى تأثيرها وفى روحها جعلته يترك كل شئ ويتبعه وهكذا حينما قال لسمعان بطرس وإندراوس أخيه " هلما ورائى فأجعلكما صيادى الناس "المهم هو عمق الكلمة وقوة تأثيرها وليس عدد العظات أو عدد المؤلفات أو كثرة الأنشطة أو كثرة المؤسسات هذه هى الخدمة التى نريدها أشخاص لهم قوة الروح يكرزون كرازة لها قوة التأثير وكلمتهم لا ترجع إليهم فارغة بل تأتى بثمر وثمر كثير.
ما هى إذن عناصر القوة فى الخدمة ؟.
هى مقدار ما فى الخدمة من عمق ومن حب وبذل وأيضاً ما فيها من تأثير ومن قدرة على تغيير النفوس إلى أفضل ومن الأمثلة على القوة فى العمل ذهاب أبينا إبراهيم ليقدم إبنه الوحيد اسحق محرقة حسب أمر الرب له لاشك أن أبانا إبراهيم قدم ذبائح لا نستطيع أن نحصيها فى كل مكان يذهب إليه ولكن هذه الوحيدة هى التى لا يمكن أن تنسى وسط جميع ذبائحه مع أنه كانت بمجرد النية و لم تتم !!
كانت هذه الذبيحة ( بالنية ) أعظم من جميع ذبائحه التي تمت فعلاً بل كانت أعظم من جميع الذبائح التي قدمها الناي طوال عصور التاريخ و قد سجلها الكتاب كدرس للأجيال لأنها تحمل قوة لا يعبر عنها في الحب و البذل و في الطاعة و الإيمان و في ضبط النفس عمل اَخر له قوته هو تقديم الأرملة للفلسين إنه مبلغ بسيط و لكنه كان من أعوازها لذلك امتدحها الرب و اعتبر إنها قد أعطت أكثر من الجميع القوة هنا هي نوعية العمل و ليس في كميته لأنها أعطت من أعوازها و هي محتاجة و فقيرة و أرملة و يمكن أن توجد للأرملة التي أعطت الفلسين أمثلة في الخدمة .
منها ذلك الخادم الذي لا يمكن أن يعتذر عن الخدمة و هو في أيام الامتحانات مع احتياجه لكل دقيقة للمذاكرة و المراجعة و الأستعداد للامتحانات و لكنه يذهب إلي الخدمة و لا ينسي له الله ذلك ابداً لأن الوقت الذي أعطاه للخدمة قد أعطاه من أعوازه و مثله الذي يذهب إلي الخدمة و هو مريض ومحتاج إلي الراحة و لكنه يبذل من هذه الراحة التي هي من أعوازه و يقدمها للخدمة و بالمثل الموظف الفقير المحتاج الذي كل مرتبه لا يكفيه و مع ذلك يقدم العشور و ربما يكون مديوناً وقتذاك .
إن العطاء من الأعواز يدل علي حب و إيمان حب للذين يعطيهم و الله الذي أعطي الوصية و إيمان بأن الله لابد أن يعوض و يبارك القليل كما يدل هذا العطاء أيضاً علي اإهتمام بالغير أكثر من الذات ففيه إذن إنكار للذات و هكذا فعلت أرمله صرفة صيدا حينما قدمت قليل الدقيق و الزيت الذي عندها لإيليا النبي أثناء المجاعة.
قوة العمل تظهر ايضاً في قصة داود أمام جليات إن حروباً كثيرة عرفها العالم و سجلها التاريخ و لكن لا يوجد فيها كلها ما يماثل جرب داود مع جليات كان داود طفلاً بالقياس لذلك الجبار لم تكن له قوته و لا اسلحته و لا خبرته في الحروب ذلك الذي خاف منه كل الجيش.
و لكن قوة داود كانت في غيرته و في إيمانه غيرته في قوله " من هو هذا الأغلف حتي يعير شعب الله ؟! " و أيضاً في قوله " أنا أذهب و أحاربه " أما إيمانه ففي قوله لذلك الجبار " اليوم يحبسك الرب في يدي " " أنت تأتيني بسيف و رمح ،و أنا اَتيك باسم رب الجنود "من أجل قوة داود في غيرته و إيمانه هتفت النسوة قائلات "ضرب شاول ألوفه و داود ربواته " فما هي تلك الربوات ؟
كانت هذه المرة الوحيدة في حروب داود تساوي ربوات كم من حرب خاضها داود و كم كانت له من انتصارات فيما بعد وهو قائد عظيم و لكنها كلها لا تقاس بتلك الحصاة الملساء التي إرتكزت بإيمانه في رأس جليات كانت تساوي ربوات كان لها عمق معين في غيرته التي لم تقبل تعييرات ذلك الجبار كذلك كان هناك عمق اَخر في عدم خوفه و عدم رهبته للموقف بل تقدمه للصفوف بمقلاعه وحصوته بكل إيمان أن الله سيدفع الجبار إلي يده إلي يده الصغيرة الملساء مثل حصاته ! حقاً هذه قوة ليست مجرد العمل بل القوة التي فيه الإيمان الذي فيه.
قوة الخدمة قد تظهر أيضاً في نتائجها مثل قوة القديس أثناسيوس الرسولي في الدفاع عن الإيمان و كيف أنه استطاع أن يحول دفة الموقف كله و كما قال عنه القديس جيروم " مر وقت كاد فيه العالم كله أن يصبح أريوسياً لولا أثناسيوس و بالمثل نقول عن قوة حياة القديس أنطونيوس الكبير التي جذبت بتأثيرها الكثيرين حتي إنتشرت تلك الحياة الملائكة في العالم أجمع.
هناك خدمة قوية و لا يلاحظها الناس لأنها في الخفاء قد يكون هناك اجتماع ناجح و تلقي فيه عظة قوية لها تأثير عميق و ربما يكون سبب هذا النجاح كله اجتماع صلاة من اجل الاجتماع ركب منحنية أمام الله تصلي من أجل أن يمنح الله كلمة للواعظ و استجابة من المستمعين هؤلاء المصلون لا يراهم أحد و لكنهم يمثلون قوة في الخفاء الناس يعجبون بالنجف الساطع الضياء و لا يرون الموتور المولد للكهرباء !
و يمتدحون الضياء الذي يرونه و لا يذكرون إطلاقاً المولد الكهربائي الذي هو سبب القوة لكنه يعمل في الخفاء إنها خدمة الأساس المخفي و ليس البناء الظاهر و كم من خدمات قوية جداً تعمل في الخفاء و لا يراها أحد مثل إرجاع مرتد إلي الإيمان أو هداية فتاة منحلة أو مصالحة اسرة متخاصمة إنها خدمة في الخفاء و لكنها قوية و قد تكون وراءها خدمة أخري قوية و في الخفاء و هي قداس مرفوع لأجلها و له قوته.
هناك نوع اَخر من الخدمة القوية غير الظاهرة و هي الخدمة الفردية الناس دائماً يمتدحون الاجتماعات العامة القوية و نادراً ما يلتفتون إلي الخدمة الفردية التي قد تكون أكثر وقعاً و تأثيراً و تأتي بنتيجة قوية في القيادة إلي الملكوت و تدخل فيها أيضاً خدمة الافتقاد و الجلسة الروحية بين أحد الآباء الكهنة و أسرة من رعيته تري لو خيرت بين إلقاء عظة في اجتماع يحضره المئات و خدمة فردية لشاب ضال أيهما تختار؟ لعازر الدمشقي سافر في خدمة هامة لإختيار زوجة لاسحق أصبحت جدة للمسيح و قد يسر الله طريقه و لاشك أن ابانا ابراهيم كان يصلي بحرارة من أجل ذلك و هناك نسأل أكان نجاح المهمة بسبب صلاة أبينا إبراهيم أم بإخلاص لعازر الدمشقي ؟
قطعاً كان النجاح بكليهما بالعمل الظاهر للعازر في أمانته و محبته لسيده و في العمل المخفي لإبراهيم و قبل كل شئ لنعمة الله الذي يسر طريقه تتحد قوة العمل و قوة الصلاة .
هناك نوع اَخر من الخدمة القوية و هو خدمة القدوة و البركة .
خدمة القدوة هي خدمة صامته و لكنها ذات تاثير أقوي من خدمة الكلمة لأنه تقدم النموذج العملي للحياة الروحية وهو بلا شك أقوي من مجرد الكلام عن تلك الحياة أما خدمة البركة فتتجلي في حياة أولئك الذين كانوا بركة في أجيالهم و قال الرب أثناء شفاعة ابراهيم في مدينة سدوم "إن وجد عشرة (أبرار ) لا أهلك المدينة من أجل العشرة " ( تك 18 ) لم يقل إن صلي هؤلاء العشرة من أجل المدينة و إنما إن وجدوا مجرد وجودهم هو خدمة كبيرة لأجل المدينة لا يهلكهم الرب لأجلهم كان إيليا بركة في بيت أرملة صرفة صيدا و كان أليشع بركة في بيت و كان يوسف الصديق بركة في أرض مصر بل كان نوح بركة للعالم كله من اجله استبقي الله حياة للبشر استمرت علي الأرض .
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
عن كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي الجزء الثانى
المزيد
10 يونيو 2026
أهمية الخدمة
تحدث القديس بولس الرسول عن المواهب المتنوعة "كما قسم الله لكل واحد مقدارًا من الإيمان" "بحسب النعمة المعطاة لنا" فقال "أنبوة فبالنسبة إلى الإيمان أم خدمة أم المعلم ففي التعليم أم الواعظ ففي الوعظ المعطي فبسخاء المدبر فباجتهاد" (رو 12: 3- 8).
وهكذا جعل الخدمة في مقدمة هذه المواهب المتنوعة، لكي يرينا بهذا أهميتها ربنا يسوع المسيح نفسه، قال عن ذاته "إن ابن الإنسان لم يأت ليخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مر 10: 45) فإن كان السيد المسيح قد جاء ليخدم فماذا نقول نحن وأية كرامة تكون للخدمة إذن؟ إن كان السيد المسيح أخذ شكل العبد ليخدم البشرية فماذا يفعل البشر؟
وكما جاء المسيح ليخدم هكذا رسله أيضًا كانوا خدامًا سواء من جهة الخدمة الروحية أو الخدمة الاجتماعية من الناحية الروحية قالوا عن أنفسهم لما أقاموا الشمامسة السبعة "و أما نحن فنعكف على الصلاة وخدمة الكلمة" (أع 6: 4) ويقول القديس بولس الرسول عن هذه الخدمة الروحية وأعطانا خدمة المصالحة نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله" (2 كو 5: 18، 20) ويقول لتلميذه تيموثاوس "أعمل عمل البشر، تمم خدمتك" (2 تي 4: 5) وفي هذه الخدمة قال عن القديس مرقس إنه "نافع لي للخدمة" (2 تى 4: 11) أما من جهة الخدمة الأخرى فيقول القديس بولس أيضًا "إن حاجاتي وحاجات الذين معي، خدمتها هاتان اليدان" (أع 20: 34) ويمدح العبرانيين فيقول "لأن الله ليس بظالم، حتى ينسي عملكم وتعب المحبة إذ قد خدمتم القديسين وتخدمونهم" (عب 6: 10).
إن الآباء لم تكن لهم روح السيطرة، بل روح الخدمة كانوا يخدمون الناس ويبذلوا أنفسهم عنهم وفي الكهنوت كان كل مَنْ يرسم على كنيسة يعتبر نفسه خادمًا لهذه الكنيسة يخدم السرائر المقدسة ويخدم الله والشعب إن القديس أوغسطينوس أسقف هبو لما صلي لأجل شعبه قال "أطلب إليك يا رب من أجل سادتي عبيدك" فاعتبر أن أفراد هذا الشعب الذي يخدمه كأسقف هم سادته ولم تكن كلمة (خادم) مجرد لقب وإنما حقيقة واقعة وكان الآباء يتعبون في هذه الخدمة، إلى آخر نسمة "في أسفار مرارًا كثيرة في جوع وعطش في برد وعري في تعب وكد في أسهار في أصوام" (2 كو 11: 26-27) يسهرون لأجل النفوس كأنهم سوف يعطون حسابًا" (عب 13: 17) كانوا مثل الشموع التي تذوب لكي تعطي نورًا للآخرين وما أجمل قول الشيخ الروحاني في الخدمة "في كل موضع مضيت إليه كن صغير أخوتك وخديمهم" إن نزعة العظمة ليست دليلًا على القوة بل هي حرب.
أما القوي فهو الذي يدرب نفسه على أن يكون خادمًا.
القديس الأنبا صرابامون أبو طرحة كان وهو أسقف يحمل الطعام إلى بيوت الفقراء في الليل في الخفاء ويقرع أبوابهم ويترك ما يحمله أمام الباب ويمضي وهو سعيد بخدمته والأنبا موسى الأسود كان يحمل الماء إلى قلالي الرهبان والقديس بينوفيوس كان يدرب ذاته على أن يقوم في الدير بالخدمات الحقيرة التي لا يقبل عليها الكثيرون مثل تنظيف دورات المياه وكنس الدير وحمل القاذورات خارجًا وسائر عمليات التنظيف..
والآباء كانوا يقومون بهذه الخدمات في فرح، بلا تذمر..
بل كانوا يتطوعون لهذه الخدمة دون أن يطلبها منهم أحد وكانوا يقومون بها بكل تواضع قلب سعداء بخدمة إخوتهم قديس يري رجلًا مجذومًا فيحمله إلى قلايته ويخدمه وينفق عليه مدة ثلاث أشهر لكي ينال بركة خدمته وما أكثر الآباء الذين بصبر كثير فرغوا أنفسهم فترات طويلة لخدمة المرضي وخدمة الشيوخ كما فعل يوحنا القصير مع أبيه الشيخ الأنبا بموا في احتمال عجيب حتى تنيح بسلام ونال بركته وقال عنه الأنبا بموا "هذا ملاك لا إنسان" وكان الآباء إن رأوا أحدًا مرهقًا في عمل يمدون أيديهم في محبة ليحملوا العبْ عنه كما قال الرب "تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت 11: 28).
2- محبة الخدمة
وفي الخدمة نراعي أمرين: محبة الخدمة وروح الخدمة.
فمن جهة محبة الخدمة يحب الشخص أن يعين كل من هو في حاجة ولا يستطيع أن يقوم بنفسه ومع محبة القلب لكل المحتاجين والاستعداد لمعونتهم قد يوجد تخصص في الخدمة فهناك من يجد لذة في خدمة الأيتام بالذات وإعطائهم ما فقدوه من حنان الأبوة أو الأمومة وهناك من يجد لذة في خدمة المرضي أو العجائز أو المسنين أو أطفال الحضانة أو المصدورين أو العائلات الفقيرة أو الطلبة المتغربين أو الفتيات المعرضات للضياع أو للانحراف ومحبة الخدمة تلازمه في بيته وفي عمله وفي كل مكان إن جلس على المائدة ليأكل يطمئن أن الجالسين معه لا ينقصهم شيء فيحضر لهذا كوب ماء وبقرب من ذاك الملح أو الخبز وإذا انتهي الطعام يساعد في ترتيب المائدة وحمل الأواني ولا يتركها ثقلًا على الوالدة أو الأخت أو الزوجة كذلك إن قام من فراشه يرتبه وإن خلع ملابسه لا يتركها مبعثرة هنا وهناك في انتظار من يجمعها لأن هناك من له خطأ مزدوج فهو من ناحية لا يخدم غيره ومن ناحية أخرى يترك نفسه ثقلًا على الآخرين ليخدموه والخادم الحقيقي إنسان حساس نحو احتياجات الناس يجلس ويدرس ويتأمل ماذا يحتاج غليه الغير وكيف يدبر لهم احتياجاتهم وهذا أيضًا هو عمل الراعي النشيط والخادم الروحي الناجح الذي يدرس ما يحتاج إليه الناس يدبر المشروعات والأنشطة التي تفي بكافة احتياجاتهم روحية ومادية دون أن يطلبوا منه ذلك كثير منا من ينتقد الآخرين وقليلون من يهتمون بإصلاحهم النقد سهل يستطيعه كل أحد ولكن إصلاح هؤلاء المخطئين هو العمل الروحي المملوء من المحبة العملية النافع للملكوت لأنه لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضي سهل أن تطرد ولدًا شاذًا من فصلك والمطلوب إصلاحه ولا شك أنها خدمة عميقة ولازمة أن يتفرغ البعض لخدمة الأطفال والطلبة الشواذ ما أعظم أجر هذه الخدمة عند الله! ما أجمل أن تخدم الأماكن التي لا يوجد فيها اسم المسيح على الإطلاق أو أن تخدم الذين يسخرون من الدين والتدين! أو الذين لا يخدموا الكنيسة قبلًا ولا يريدون غالبية الخدام يبحثون عن الخدمة السهلة المعدة وأن يدخلوا على ما لم يتعبوا فيه ويبنوا على أساس وضعه آخر أما المجاهدين الكبار فهم الذين يتعبون في تأسيس خدمات غير موجودة ولا مانع أن يدخل خدام آخرون على تعبهم فهكذا فعل السيد المسيح وترك لنا مثالًا لنعمل قال الرب الحصاد كثير والفعلة قليلون أطلبوا من رب الحصد أن يرسل فعلة لحصاده وفي كل مكان نجد هذا الاحتياج ولعلنا نقول كان الفعلة قليلين في ذلك الزمان يا رب أما الآن فلنا عشرات الآلاف من الخدام يعملون في كرمك فهل مازالت تنطبق علينا عبارة "الفعلة قليلون"؟!
نعم الفعلة الذين لهم قوة الروح في الخدمة قليلون أقصد الفعلة الذي يعمل فيهم روح الله بقوة الذين لخدمتهم تأثيرها العميق وثمرها المتكاثر لا شك في أن هؤلاء قليلون فالمسألة ليست مسألة عدد وإنما المهم هو وجود الخدام الذين لهم فاعلية وتأثير وقوة وروح الذين في أفواههم كلمة الرب الحية الفعالة.
3- فاعلية الخدمة
إن الاثني عشر لم يبدأوا الخدمة إلا بعد أن حل الروح القدس عليهم ونالوا قوة (أع 1: 8) ولبسوا قوة من العالي (لو 24: 49) حينئذ "إلي أقاصي المسكونة بلغت أصواتهم "وفي كل الأرض خرج منطقهم" (مز 19: 4) إسطفانوس الشماس لأنه كان مملوءًا من الروح القدس والحكمة لذلك لما وقفت أمامه ثلاثة مجامع فلسفية "لم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلم به" (أع 6: 10) وبفاعلية عمل الروح في العصر الرسولي "كانت كلمة الرب تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جدًا في أورشليم" (أع 6: 7) "كان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون" (أع 2: 47)"والكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة كان لها سلام وكانت تبني وتسير في خوف الرب وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر" (أع 9: 31) أما نحن فلنا عشرات الآلاف من المدرسين ولكن الخدام العاملين بالروح قليلون تأملوا خادمًا واحدًا مثل بولس الرسول لا شَك أن اختياره كان حادثًا خطيرًا في الكنيسة لقد تعب أكثر من جميع الرسل (1كو 15: 10) وتألم وجاهد أكثر من الكل "عدا الاهتمام بجميع الكنائس "وغيرته التي يقول فيها "من يعثر وأنا لا ألتهب؟!" (2 كو 11: 28-29) هذا الذي دعي "رسول الأمم" ووصلت خدمته من أورشليم إلى أنطاكية إلى قبرص ثم إلى آسيا الصغرى وبلاد اليونان، وإلى رومه وكتب 14 رسالة وكرز وهو في السجن أننا مستعدون أن نستغني عن عشرات الآلاف من الخدام الذين معنا في مقابل بولس واحد وستكون خدمته أكثر فاعلية من الآلاف ربما نجد في أحد فروع الخدمة خمسين خادمًا ولكن بلا حرارة في خدمتهم ثم يلتحق بالخدمة خادم جديد فيحول الخدمة إلى لهيب نار بقوة الروح الذي فيه إن ألسنة النار التي حلت على التلاميذ في يوم البندكستي أعطتهم لسانًا ناريًا وكلمات نارية وخدمة لها لهيب وفاعلية وحرارة في الروح وحرارة في الصلاة وحرارة في الحركة والأسفار إنها جمرات نار ظل العالم يتقاذفها حتى أشتعل العالم كله نارًا ألهبت القلوب بالإيمان أنظروا ماذا فعل أوغسطينوس مثلًا حينما دخل في محيط الخدمة وكيف أن تأثيره لم يقتصر فقط على جيله وإنما حتى الآن مازلنا نستفيد من تأملاته وتادرس تلميذ باخوميوس لما صار راهبًا كم كان أعمق التأثير الذي أحدثه في الحياة الرهبانية في جميع الأديرة وكذلك يوحنا القصير الذي قيل عنه إن الإسقيط كله كان معلقًا بإصبعه حقًا هناك أشخاص في كل جيل مميزون في خدمتهم خدام من طراز خاص كل منهم "مُعْلَمٌ بين ربوة" (نش 5: 10) أما نحن الآن فلنا خدام يخدمون الفصول العادية ولكن الذين لهم قدرة على خدمة اجتماعات الشبان والشابات والأسرات الجامعية وإعداد الخدام أو الذين يتكلمون في مؤتمرات الخدمة فلا شك أنهم قليلون والعجيب أنه على الرغم من احتياج الخدمة نجد خدامًا يتشاجرون ويتنافسون في مكان للخدمة تاركين ميادين عديدة غير مخدومة في تشاجرهم وتنافسهم لا يعطون مثالًا عن روحانية الخدام بل يكونون عثرة إذ يفقدون روح المحبة والتعاون وإنكار الذات وفي نفس الوقت توجد مجالات عديدة تستوعب كل طاقة مستعدة للخدمة وهم يتجاهلونها من أجل محبتهم لمكان أو وضع بالذات دون محبة النفس البشرية أينما كان موضعها.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
عن كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي الجزء الثانى
المزيد
03 يونيو 2026
صوم الآباء الرسل
صوم الرسل ربما یكون أول صوم في المسیحیة لأن السید المسیح قال "سَتَأْتِي أَیَّامٌ حِینَ یُرْفَعُ الْعَرِیسُ عَنْھُمْ، فَحِینَئِذٍ یَصُومُونَ"(مت ۹: 15) لذلك بدأوا یصومون والصوم ھو أول وصیة أعطاھا الله للبشریة (تك ۲: 17) وھو من أكبر الوسائط الروحیة النافعة للإنسان ویكفي أن كل الأنبیاء صاموا والسید المسیح نفسه صام عنا وعلى جبل التجلي وقف ثلاثة صام كل منھم ٤۰ یومًا والصوم في الكنیسة یسبق كل الأسرار (نستثني فقط سرمسحة المرضى) كما إنه یسبق كل الأعیاد السیدیة لأنه یعد الإنسان روحیًا لیستحق بركة العید.
كيف نستفيد من الصوم؟
۱- لابد أن نؤمن جمیعًا أن الصوم مفید للجسد فھو یریح أجھزة الجسد المرھقة لأنه یخلصه من السوائل الزائدة والدھون وصدقوني إن ما یُتعب الجسد ھو كثرة الأكل ولیس الصوم.
۲- عنصر الجوع مفید جدًا للإنسان الصوم لیس مجرد أكل الطعام النباتي بل ھو الانقطاع عن الطعام مدة معینة من الزمن فلیتك تصوم حتى تجوع وتحتمل الجوع وتستمر فیه فھذا یعلمك فضیلة ضبط النفس كما إنه یشعرك بالضعف فلا یدركك الغرور وھو أیضًا یقوي صلواتك ویجعلھا أكثر عمقًا.
۳- من یصوم ولا یذلل نفسه فلن یستفید من الصوم قال داود النبي "أَبْكَیْتُ (أذللت) بِصَوْمٍ نَفْسِي" (مز ٦۹: 10).
٤- إن أكلت ما تشتھیه فأنت أخذت شكلیات الصوم قال النبي دانیال "لَمْ آكُلْ طَعَامًا شَھِیًّا وَلَمْ یَدْخُلْ فِي فَمِي لَحْمٌ وَلاَ خَمْرٌ" (دا ۱۰: 3).
٥- المھم ھو صوم النفس لأن صوم الجسد لیس فضیلة یقول الكتاب "اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَیَاةِ الأَبَدِیَّةِ"(یو ٦: 27) "إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِیتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْیَوْنَ" (رو ۸: 13) "لاَ تَھْتَمُّوا لِحَیَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ" (مت ٦: 25) فأنت فیما تجیع
الجسد لابد أن تغذي الروح لأن الصوم لیس ھدفًا.
٦- لابد أن تكون فترة الصوم فترة روحیة مقدسة یقول یوئیل النبي "قَدِّسُوا صَوْمًا نَادُوا بِاعْتِكَافٍ" (یؤ ۱: 14) لذلك یجب أن یمتنع الإنسان عن الخطیة ویتمتع بالوجود مع الله ولھذا یرتبط الصوم بالصلاة (قسمة الصوم الكبیر) وقال السید المسیح "ھذَا الْجِنْسُ (الشیطان) لاَ یُمْكِنُ أَنْ یَخْرُجَ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ" (مر ۹: 29) فلابد أن یكون لكل منكم برنامج روحي قوي أثناء الصوم من صلاة وقراءة وتأمل وترتیل وتسبیح غذِ روحك بالحب الإلھي بالتأملات واجعل مسكنة الجسد تقودك إلى مسكنة الروح والتذلل أمام الله.
۷- الصوم بغیر التوبة لا یكون مقبولاً أمام الله ومن أجمل الأمثلة صوم أھل نینوى "فَلَمَّا رَأَى اللهُّ أَعْمَالَھُمْ أَنَّھُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِیقِھِمِ الرَّدِیئَةِ نَدِمَ اللهُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ یَصْنَعَه بِھِمْ فَلَمْ یَصْنَعْه" (یون ۳: 10) وقال الله: "ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ" (یؤ ۲: 12).
۸- امتنع عن كل متعة جسدیة حتى وإن كانت تحل فمثلاً لا یكفي أن تصوم عن الأكل إنما لابد أن تنتصر على شھوة الأكل.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
27 مايو 2026
نعم نؤمن بالروح القدس
الروح القدس ھو روح الله
الروح القدس ھو روح الله لذلك سمي الروح القدس The Holy Spirit ھكذا قال السید الرب وھو یمنح تلامیذه سر الكھنوت "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَایَاهُ تُغْفَرُ له وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَایَاهُ أُمْسِكَتْ" (یو ۲۰: 22, 23) وقال عن بدء خدمتھم "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَیْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُھُودًا فِي أُورُشَلِیمَ وَفِي كُلِّ الْیَھُودِیَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع ۱: ۸) وأیضًا قال القدیس بولس الرسول لأساقفة كنیسة أفسس "اِحْتَرِزُوا إذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِیعِ الرَّعِیَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِیھَا أَسَاقِفَةً" (أع ۲۰: 28) وقال للیھود في روما "حَسَنًا كَلَّمَ الرُّوحُ الْقُدُسُ آبَاءَنَا" (أع ۲۸: 25)
الروح القدس یطلق علیه كلمة "الروح" فقط
مثل قول الكتاب: "من له أذن فلیسمع ما یقوله الروح للكنائس"(رؤ ۲: 29 , 3: 6, 13, 22) أي ما یقوله روح الله للكنائس ومثل قول الرب لنیقودیموس عن المعمودیة "إنْ كَانَ أَحَدٌ لا یُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ یَقْدِرُ أَنْ یَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (یو ۳: ٥) یقصد المیلاد من الماء والروح القدس ومثلما قیل عن الرسل في یوم الخمسین "ابْتَدَأُوا یَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاھُمُ الرُّوحُ أَنْ یَنْطِقُوا" (أع ۲:٥) أي كما أعطاھم الروح القدس. كذلك ما ورد في ( ۱كو ۱۲ ) عن مواھب الروح القدس.
الروح القدس روح الرب أو روح الله
كما یقول الكتاب "رُوحُ السَّیِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي" (إش ٦۱: 1) "أَمَّا الرَّبُّ فَھُوَ الرُّوحُ وَحَیْثُ رُوحُ الرَّبِّ ھُنَاكَ حُرِّیَّةٌ" ( ۲كو ۳: 17) ومثل قول الرب "أَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي" (حز ۳٦: 27) "أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ فَیَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَیَحْلَمُ
شُیُوخُكُمْ أَحْلاَمًا" (یوء ۲: 28) ومثل قول داود النبي ﻟﻠﮫ في صلاته "أَیْنَ أَذْھَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْھِكَ أَیْنَ أَھْرُبُ؟!" (مز ۱۳۹: 7) "رُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْه مِنِّي" (مز ٥۱: 11).
عن كون الروح القدس ھو روح الآب
كقول السید المسیح لتلامیذه "لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِینَ بَلْ رُوحُ أَبِیكُمُ الَّذِي یَتَكَلَّمُ فِیكُمْ" (مت ۱۰: 20) یطابق ھذا ما قیل في (مر ۱۳: 11) "أَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِینَ بَلِ الرُّوحُ الْقُدُسُ" وما ورد في (لو ۱۲:12) "أَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ یُعَلِّمُكُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا یَجِبُ أَنْ تَقُولُوهُ".
عن كون الروح القدس ھو روح الابن أو روح السید المسیح
كما یقول القدیس بولس الرسول "أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِه إِلَى قُلُوبِكُمْ" (غل ٤: ٦) وكقول القدیس بطرس الرسول "بَاحِثِینَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ یَدِلُّ عَلَیْه رُوحُ الْمَسِیحِ الَّذِي فِیھِمْ إِذْ سَبَقَ فَشَھِدَ بِالآلاَمِ التى للمسيح " ( 1بط 11:1).إن كون الروح القدس ھو روح الآب وروح الابن لا شك أن ھذایدل على الوحدة في الثالوث القدوس.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
20 مايو 2026
وصعد إلى السموات
المقصود طبعًا أنه صعد بالجسد.
ذلك لأن اللاھوت لا یصعد ولا ینزل اللاھوت موجود فوق وتحت وما بین الفوق والتحت موجود في السماء وعلى الأرض وما بینھما لذلك فھو لا یصعد ولا ینزل، لأنه مالئ الكل وھو في كل مكان إنما السید المسیح صعد إلى السماء جسدیًا حسبما نقول له في القداس الغریغوري: "وعند صعودك إلى
السماء جسدیًا" لقد رآه التلامیذ صاعدًا بالجسد إلى فوق "ارْتَفَعَ وَھُمْ یَنْظُرُونَ وَأَخَذَتْه سَحَابَةٌ عَنْ
أَعْیُنِھِمْ" (أع ۱: 9) وطبعًا رأوه صاعدًا بالجسد لأنھم لا یمكن أن یروا اللاھوت وكان صعود السید إلى السماء بالجسد الروحاني الممجد.
ھذا الجسد الروحاني الذي سنقوم به أیضًا حسبما قال الرسول في رسالته إلى أھل كورنثوس عن قیامة جسدنا "یزْرَعُ جِسْمًا حَیَوَانِیًّا وَیُقَامُ جِسْمًا رُوحَانِیًّا كَمَا لَبِسْنَا صُورَةَ التُّرَابِيِّ سَنَلْبَسُ أَیْضًا صُورَةَ السَّمَاوِيِّ"( ۱كو ۱٥: 44 ,49) وھذا الجسد الروحاني السماوي الذي سنقوم به ھو على شبه جسد الرب یسوع في قیامته "الَّذِي سَیُغَیِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِیَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في ۳: 21).
إن معجزة الصعود لیست تحدیًا للجاذبیة الأرضیة:
بل ھي معجزة الجسد الروحاني الممجد الذي لا یدخل في نطاق الجاذبیة الأرضیة إنما یخضع للجاذبیة الأرضیة الجسد المادي أما صعود الرب إلى السماء فكان بجسد روحاني سماوي ممجد لا علاقة له بجاذبیة الأرض إذن فلم یكن ھناك أي تحد لجاذبیة الأرض وھكذا نحن في القیامة العامة حینما "سَنُخْطَفُ جَمِیعًا مَعَھُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْھَوَاءِ وَھكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِینٍ مَعَ الرَّبِّ" ( ۱تس ٤: 17) سوف لا یكون اختطافنا في السحب تحدیًا للجاذبیة الأرضیة ولا تكون ملاقتنا للرب في الھواء تحدیًا للجاذبیة الأرضیة لأن الأجسام الروحانیة السماویة التي نقوم بھا لا تدخل في نطاق ھذه الجاذبیة ولا سلطان للجاذبیة الأرضیة علیھا كم بالأكثر صعود السید المسیح بعد قیامته.
وعبارة "صَعِدَ إِلَى السَّمَاوَاتِ" تعني سماء السموات.
سماء السموات ھذه التي لم یصعد إلیھا أحد من قبل لا إیلیا ولا أخنوخ ولا أحد آخر كما قال الرب لنیقودیموس "لَیْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي ھُوَ فِي السَّمَاءِ" (یو ۳: 13) عبارة "سَمَاءَ السَّمَاوَاتِ" وردت في صلاة سلیمان یوم تدشین الھیكل حینما قال للرب "ھُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ فَكَمْ بِالأَقَلِّ ھذَا الْبَیْتُ الَّذِي بَنَیْتُ" ( ۱مل ۸: 27) وردت أیضًا من قبل ذلك في سفر المزامیر إذ یقول المرتل "سَبِّحُوا الرَّبَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ سَبِّحُوهُ فِي الأَعَالِي سَبِّحِیه یَا سَمَاءَ السَّمَاوَاتِ" (مز ۱٤۸: 1, 4) سماء السموات ھي أعلى علو أي لو اعتبرت كل السموات كأنھا أرض لكانت ھذه سماءھا ھي الخاصة بعرش لله ومجده (مت 5: 34).
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
13 مايو 2026
القيامة انتصار على الموت
عندما خلق الله الإنسان خلقه للحياة نفخ فيه نسمة حياة، فصار نفسا حية وأراد الله له الحياة والخلود ولكن حرية الإنسان انحرفت إلى الخطيئة فجلب لنفسه الموت كنتيجة لخطيئته لأن أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو ٦: ٢٣) وهكذا دخل الموت إلى العالم وساد على الجميع لذلك نحن نفرح بالقيامة لأنها انتصار على الموت وعودة بطبيعة الإنسان إلى الحياة.
وقيامة المسيح هي عربون لقيامتنا جميعًا، لذلك وصفه القديس - بولس الرسول بأنه "باكورَةَ الرَّاقِدِينَ (١کو ۱٥ : ۲۰) هو الباكورة ونحن من بعده. لأن قيامة المسيح هي القيامة التي لا موت بعدها، وهي الشهوة التي يشتهيها كل مؤمن بحب الخلود
القيامة هي الطريق إلى الأبدية التي لا نهاية لها. ونحن نعلم أن قصة حياة الإنسان على الأرض هي قصة قصيرة جدا، وإذا ما قيست بالأبدية تعتبر كأنها لا شيء. والخلود هو الحلم الجميل الذي تحلم به البشرية.
إن القيامة ترفع من قيمة الإنسان، وتؤكد أن حياته لا تنتهي بموته.
القيامة تؤكد أن هناك حياة أخرى غير هذه الحياة الأرضية، فنقول - في "قانون الإيمان" الذي نتلوه كل يوم في صلواتنا: "وننتظر قيامة الأموات، وحياة الدهر الآتي. آمين".
إذن لعلنا نقول: إن أهم ما في القيامة. هو ما بعد القيامة.
فالقيامة تدل على أن لحياة الإنسان امتدادًا في العالم الآخر، وأن - الموت هو مجرد مرحلة في حياة الإنسان، أو هو مجرد جسر بين حياتين إحداهما أرضية والأخرى سمائية ولا شك أن الحياة الأخرى أفضل بكثير، لأنها حياة في السماء، مرتفعة عن مستوى المادة، كما أنها حياة نقية، لا توجد فيها أية خطية. وفوق كل ذلك هي عشرة مع الله وملائكته وقديسيه عبر عنها الكتاب بقوله "ما لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ (۱کو ۲ : ۹).
ولهذا قال مار إسحق : " إن مخافة الموت تزعج قلب الرجل الجاهل.
أما الإنسان البار فيشتهي الموت مثلما يشتهي الحياة".
ولهذا قال القديس بولس الرسول لِي اشْتِهَاءُ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًا" (في ۱ : ۲۳). حقًا إن الموت يصبح شهوة للذين يحبون الله ويحبون الحياة الأخرى، ويرون أنها أفضل جدا من عالمنا هذا الذي فقد نقاوته. هؤلاء لإيمانهم بالقيامة لا يرون الموت نهاية حياة، إنما هو انتقال لحياة أخرى....
إن القيامة غيرت نظرة الناس للموت، فأصبح مجرد انتقال، أو قل هو عملية ارتقاء، لذلك صار شهوة للأبرار.
لما داس المسيح الموت بقيامته، سقطت هيبة الموت إلى الأبد، ولم يعد القديسون يخافون الموت إطلاقا، كما أصبحوا لا يخافون مسبباته، كالمرض مثلاً، أو مؤامرات الناس الأشرار واعتداءاتهم. إنما يخاف الموت الإنسان الخاطئ، الذي لم يتب، فيخشى مصيره بعد الموت والوقوف أمام دينونة الله العادلة أو يخاف الموت الذي له شهوات يمارسها في هذا العالم، ويخشى أن يحرمه الموت منها.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
06 مايو 2026
وقام من الأموات
إن قیامة المسیح تختلف عن كل شخص آخر عاد إلى الحیاة في الأمور الآتیة:
۱ - قام بذاته، ولم یقمه أحد
ھناك ثلاثة عادوا إلى الحیاة في العھد القدیم ابن أرملة صرفة صیدا أقامه إیلیا النبي ( ۱مل ۱۷: 22) وابن المرأة الشونمیة أقامه ألیشع النبي ( ۲مل٤: 25) وثالث مات فطرحوه في قبر ألیشع فعاش وقام( ۲مل ۱۳: 21 ) وھناك ثلاثة أقامھم السید المسیح ابن أرملة نایین (لو ۷: ۱٥) وابنة یایرس (لو ۸ : ٥٥) ولعازر(یو ۱۱ : ٤۳ , ٤٤) وقد أقام بولس الرسول الشاب أفتیخوس (أع ۲۰: 10) وأقام بطرس طابیثا (أع ۹: ٤۰ ) كل ھؤلاء أقامھم غیرھم أما السید المسیح فھو الوحید الذي قام بقوة لاھوته ھو قام أما أولئك فأقیموا.
۲ - قام بجسد ممجد
القدیس بولس الرسول عندما تحدث عن أجسادنا في القیامة العامة قال "نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا ھُوَ الرَّبُّ یَسُوعُ الْمَسِیحُ الَّذِي سَیُغَیِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِیَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في ۳: 20, 21) ھذا الجسد الممجد الذي للسید المسیح استطاع في القیامة أن یخرج من القبر وھو مغلق وعلى بابه حجر كبیرواستطاع أن یدخل على التلامیذ في العلیة وكانت الأبواب مغلقة (یو ۲۰: 19) واستطاع بھذا الجسد الممجدأن یصعد إلى السماء وأخذته سحابة والتلامیذ ینظرون (أع ۱: 9, 10) أما إن كان قد أكل مع التلامیذ بعد القیامة، أو أراھم جروحه فذلك لكي یثبت لھم قیامته لأنھم ظنوه روحًا (لو ۲٤: 37- 43).
۳ - قام قیامة لا موت بعدھا
كل الذین أقیموا من قبل عادوا فماتوا ثانیة وینتظرون القیامة العامة سواء الذین أقیموا في العھد القدیم أو الذین أقامھم الرسل أما السید المسیح فقد قام واستمر حیًا وھو حي إلى أبد الآبدین وھكذا أطلق علیه القدیس بولس لقب "باكورة الراقدین" ( ۱ كو ۱٥: 20) فھو البكر في القیامة من الأموات أي أول شخص قام قیامة أبدیة لا موت بعدھا وھو نفسه قال للقدیس یوحنا في سفر الرؤیا "أَنَا ھُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُوَالْحَيُّ وَكُنْتُ مَیْتًا، وَھَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِینَ آمِینَ" (رؤ ۱: 17, 18) كانت قیامة المسیح أمرًا ھامًا جدًا بشَّر به الرسل وانزعج الیھود جدًا لذلك یقول سفر أعمال الرسل "بِقُوَّةٍ عَظِیمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ یُؤَدُّونَ الشَّھَادَةَ بِقِیَامَةِ الرَّبِّ یَسُوعَ وَنِعْمَةٌ عَظِیمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِیعِھِمْ" (أع ٤: 33) وانزعج رؤساء الیھود لھذا الأمر لأن المناداة بقیامة المسیح تثبت لاھوته وبره وتدل على أن الیھود صلبوه ظلمًا وأنھم مطالبون بدمه لذلك استدعوا الرسل وقالوا لھم "أَمَا أَوْصَیْنَاكُمْ وَصِیَّةً أَنْ لاَ تُعَلِّمُوا بِھذَا الاسْمِ؟ وَھَا أَنْتُمْ قَدْ مَلأْتُمْ أُورُشَلِیمَ بِتَعْلِیمِكُمْ وَتُرِیدُونَ أَنْ تَجْلِبُواعَلَیْنَا دَمَ ھذَا الإِنْسَانِ" (أع ٥: 28) وكان التوبیخ الذي سمعه الیھود من الرسل "أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ وَطَلَبْتُمْ أَنْ یُوھَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ وَرَئِیسُ الْحَیَاةِ قَتَلْتُمُوهُ" (أع14:3 ,15).
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
29 أبريل 2026
قيامة المسيح
قیامة المسیح تدل على قوته وانتصاره وبشرى لنا بأنه سیقیمنا معه:
فھو الوحید الذي انتصر على الموت بقیامته وداس الموت بقوته وأعطانا الوعد أیضًا بالقیامة "فَإِنَّه إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ بِإِنْسَانٍ أَیْضًا قِیَامَةُ الأَمْوَاتِ لأَنَّه كَمَا فِي آدَمَ یَمُوتُ الْجَمِیعُ ھكَذَا فِي الْمَسِیحِ سَیُحْیَا الْجَمِیعُ الْمَسِیحُ بَاكُورَةٌ ثُمَّ الَّذِینَ لِلْمَسِیحِ فِي مَجِیئِه " ( ۱كو ۱٥: 21-23) ھذا الرجاء في قیامة الأموات سببه قیامة المسیح وفي ھذا یقول القدیس بولس الرسول "إِنْ لَمْ تَكُنْ قِیَامَةُ أَمْوَاتٍ فَلاَ یَكُونُ الْمَسِیحُ قَدْ قَامَ وَإِنْ لَمْ یَكُنِ الْمَسِیحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَیْضًا إِیمَانُكُمْ وَنُوجَدُ نَحْنُ أَیْضًا شُھُودَ زُورٍ ﻟﻠﮫِ وإِنْ كَانَ لَنَا فِي ھذِهِ الْحَیَاةِ فَقَطْ رَجَاءٌ فِي الْمَسِیحِ فَإِنَّنَا أَشْقَى جَمِیعِ النَّاسِ وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ
الْمَسِیحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِینَ" ( ۱كو ۱٥: 13-20) ولو كان المسیح لم یقم لأصبح مثل أي إنسان عادي ویكون قد انتصر علیه أعداؤه وانتصر علیه الموت أیضًا!! ولكنه قام لأن "فِیه كَانَتِ الْحَیَاةُ" (یو۱: ٤) ولأنه "رَئِیسُ الْحَیَاةِ" (أع ۳: ۱٥ ) لأنه ھو القیامة والحیاة "أَنَا ھُوَ الْقِیَامَةُ وَالْحَیَاةُ" (یو ۱۱ : ۲٥) كما قال لمرثا أخت لعازر قبل أن یقیمه.
قیامة السید المسیح كانت أمرًا بشر به تلامیذه قبل صلبه:
قال لھم إنه "یَنْبَغِي أَنْ یَذْھَبَ إِلَى أُورُشَلِیمَ وَیَتَأَلَّمَ كَثِیرًا مِنَ الشُّیُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَھَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَیُقْتَلَ وَفِي الْیَوْمِ الثَّالِثِ یَقُومَ" (مت ۱٦: 21 , مر ۸: 31) وكرر نفس ھذا الكلام في (لو ۹ : 22)
بعد قیامته أخبرھم أن ھذا الأمر ورد في أقوال الأنبیاء:
قال لھم "ھكَذَا ھُوَ مَكْتُوبٌ وَھكَذَا كَانَ یَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِیحَ یَتَأَلَّمُ وَیَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْیَوْمِ الثَّالِثِ" (لو ۲٤: 46) وكذلك فإن النسوة اللائي أتین إلى القبر حاملات حنوطًا قال لھن الملاك "لِمَاذَا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَیْنَ الأَمْوَاتِ؟ لَیْسَ ھُوَ ھھُنَا لكِنَّه قَامَ اُذْكُرْنَ كَیْفَ كَلَّمَكُنَّ وَھُوَ بَعْدُ فِي الْجَلِیلِ قَائِلاً إِنَّه یَنْبَغِي أَنْ یُسَلَّمَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي أَیْدِي أُنَاسٍ خُطَاةٍ وَیُصْلَبَ وَفِي الْیَوْمِ الثَّالِثِ یَقُومُ فَتَذَكَّرْنَ كَلاَمَه" (لو ۲٤: 5-8)
قیامة الرب في الیوم الثالث تطابق الرمز في سفر یونان:
وھكذا عندما طلب الیھود منه آیة بعد آیات كثیرة صنعھا قال لھم موبخًا "جِیلٌ شِرِّیرٌ وَفَاسِقٌ یَطْلُبُ آیَةً وَلاَ تُعْطَى لَه آیَةٌ إِلاَّ آیَةَ یُونَانَ النَّبِيِّ لأَنَّه كَمَا كَانَ یُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَیَّامٍ وَثَلاَثَ لَیَال ھكَذَا یَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَیَّامٍ وَثَلاَثَ لَیَال" (مت ۱۲: 39-40) مشیرًا بھذا إلى موته وقیامته في الیوم الثالث.
یقوم في الیوم الثالث كما في الكتب:
أي كما وردت أخبار ھذه القیامة في الكتب المقدسة وقد كان تسجیلھا في الكتب المقدسة دلیلاً على أھمیتھا وكذلك تبشیر الرسل بھا.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
22 أبريل 2026
القيامة هي باب الأبدية
لولا القیامة لكان الموت حكمًا بالفناء والفناء ھو أمر مخیف وھو نھایة مؤلمة تعتبر أقسى مأساة ولكن الله عندما خلق الإنسان لم یخلقه للفناء وإنما للحیاة وإن كان الإنسان قد تعرض للموت بسبب خطیئته فإن الله رسم له طریق الخلاص وأقامه من ھذا الموت بل إن الله عندما خلق الإنسان خلق له رفیقًا خالدًا ھو الروح والروح لا تموت بموت الإنسان بل تبقى حیة بطبیعتھا وبھذا یختلف الإنسان عن باقي المخلوقات الأخرى على الأرض التي تنتھي حیاتھا وتبید أما الإنسان فإنه بالقیامة یبدأ من جدید حیاة أخرى لا تنتھي وھنا تبدو قیمة الإنسان وأفضلیته على غیره من المخلوقات الأرضیة ولأن الروح وحدھا لا تكون إنسانًا كاملاً لذلك لابد أن یقوم الجسد ویتحد بھا وھكذا لا تكون الحیاة الأبدیة لجزء واحد من الإنسان ھو الروح بل تكون للإنسان كله روحًا وجسدًا فیعود الإنسان كله إلى الحیاة وبھذا تكون القیامة یقظة للإنسان بعد نوم طویل ونقصد بھا یقظة لھذا الجسد أو للإنسان بمعناه
الكامل أما الروح فھي في یقظة دائمة إن القیامة ھي نھایة للموت فلا موت بعدھا إنھا نھایة لھذا العدو المخیف لقد انتصر الإنسان على أعداء كثیرة للبشریة ما عدا ھذا العدو الذي غلب الجمیع لأنه كان عقوبة من الله الذي لا رد لحكمه ولكن الله بالقیامة نجى البشریة من ھذا العدو وقضى علیه إلى الأبد وأصبحنا أمام جسر یفصل بین حیاتین: على أوله الموت وفي نھایته القیامة فالموت ھو نھایة الحیاة الأولى والقیامة ھي بدایة الحیاة الأخرى والمسافة بینھما ھي فترة انتظار تنتظرھا أرواح الذین سبقوا حتى یكمل الذین على الأرض جھادھم واختبارھم على أن الأبدیة التي تقدمھا القیامة لابُد تسبقھا الدینونة بین القیامة والأبدیة یقف یوم الدینونة الرھیب حیث یقف الجمیع أمام الله لیقدموا حِسابًا عن كل ما فعلوه بالجسد خیرًا كان أم شرًا یقدمون حسابًا عن كل عمل وكل فكر وكل إحساس وشعور وكل نیة نووھا وكل كلمة لفظوھا ویمضي الأبرار إلى النعیم الأبدي ویمضي الأشرار إلى العذاب الأبدي لذلك فكما أن القیامة فرح للأبرار ھي أیضًا رُعب للملحدین وللأشرار وحتى بالنسبة إلى الأبرار یعید لله ترتیب مراكزھم بحسب أعمالھم فیعطى كل إنسان مركزًا جدیدًا بحسب ما كان له من نقاوة القلب والفكر، وبحسب ما كان له من دقة في تنفیذ وصایا الله ومن جھاد في نشر الخیر، ومحبة الإنسان وأیضًا بحسب ما كان في قلبه من حب ﻟﻠﮫ واشتیاق إلیه نسأل الله وسط ذكرى القیامة وأفراحھا أن یفرح بنعمته قلب كل أحد نصلي إلیه أن یرفع عن العالم الحروب والغلاء والوباء وشتى الخطایا والأمراض وأن یمتع العالم بالھدوء ونصلي من أجل أن یسود الرخاء ویحل الرب كل مشاكلنا الاقتصادیة ونصلي أن تسود المحبة في القلوب بنعمة إلھنا الصالح الذي له المجد الدائم من الآن وإلى الأبد.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد