مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي

20 نوفمبر 2020
Share
Large image

+ سرّ التناول مِن جسد الربّ رهيب وعجيب.. هو سرّ الأسرار، عاشته الكنيسة منذ أول عصورها وسلَّم المسيح جسده للرسل في عليةّ صهيون وإلى اليوم.
آلاف السنين وما زال السرّ مستورًا لم يَصِل أحد إلى كماله. ملايين الملايين من البشر نالوه ولم يُستَنفَذ بعد. أليس هو جسد المسيح الإله ودمه الكريم يُقام في ذات الوقت في عشرات الآلاف من الأماكن، وهو ذات المسيح الواحد، كالشمس التي تدخل إلى ملايين الأماكن في ذات الوقت. وهو يتوزَّع ولا ينقسم. مئات الملايين تناله وهو واحد أحد لا ينقسم. لا ينال الواحد جزءًا منه، ولكنّه يناله بالكليّة، فكلّ واحد مِنّا يأخذ المسيح، يدخُل إلى داخل أعماق الملايين، ولكنّه غير محدود وغير محصور، مثل الشمس تخترق أكوام النفايات ولا تتّسخ.
دخول جسد المسيح داخلنا نحن الخطاة، يطهِّر الخطايا ويغسل الضمير. نحن نأكل الطعام لنحوِّله إلى طاقّة للحركة والحياة، ولكن نأكل المسيح ليحوِّلنا إليه، لنحيا به وله.
هناك قولٌ يقول: «المسيحيون يقيمون الإفخارستيا، والإفخارستيا تُقيم المسيحيين». الغرض الرئيسي من إعطاء الربّ جسده لنا، لكي نحيا به، ولا نحيا بعد بذواتنا وفكرنا وبشريتنا وغرائزنا المنحرفة.
نحن نأكله لكي نثبت فيه وهو فينا.
نحن نأكله لكي يكون لنا حياة أبدية به.
نحن نأكله لأنّه خبز الحياة الأبدية.
بدون أكله ليس لنا حياة. به نحيا ونتحرّك ونوجَد.
وبدونه لا حياة ولا حركة حقيقية ولا وجود.
+ التناول بدون إدراك روحي حقيقي، يُفقِد الإنسان كلّ شيء. مثل الذين أكلوا المن – خبز الله - النازل من السماء. أكلوه بحاسّة بشريّة وبدون وعي روحي.. أكلوه ماديًّا، فتأفّفوا مِنه، وسئموه، وسمّوه الطعام السخيف.. فلم يُسَر الله بهم، وماتوا وطُرِحَت جُثثهم في القفر.
لذلك نبّهنا السيد بقوله لليهود «آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا. هذَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ، لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ» (يو6: 49 – 51).
+ لا بد مِن المذاقة الروحيّة الحقيقيّة، لنستطعِم خبز الحياة.
خبز الحياة الذي لا يُقاس بالأمور الماديّة ولا بالعقلانيّة ولا بالحواس الجسديّة، مِن نظر ولَمس وتذوُّق، بل بالحواس الروحيّة النقيّة، التي لإنساننا الداخلي، وبالبصيرة الروحيّة نراه، مع الملائكة الذين يخدمونه ويسترون وجوههم من بهاء مجده. وبالخشوع الروحي الداخلي نقترب إليه، وبالخوف الحقيقي نقبله كما قبل إشعياء جمرة النار من يد الساروف (واحد من السيرافيم) وبالإيمان نسمع ذات الكلام «إِنَّ هذِهِ قَدْ مَسَّتْ شَفَتَيْكَ، فَانْتُزِعَ إِثْمُكَ، وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ». (إش6: 7).
+ ولكن أين هذا من واقعنا اليوم؟ كثر المتناولون، ولا عدد لهم في كلّ كنيسة، وفي كلّ القُدّاسات، وكلّ الأيام، ولكن قَلّما نجد أثرًا للتناول.
أين المسيح الحيّ في هؤلاء.. فهو قال «مَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي» (يو6: 57). نتناول كلّ يوم ولكن نعيش بذواتنا ولذواتنا. نتناول خبز السماء، ولكن حياتنا تشهد أنّنا مازلنا أرضيّين ترابيّين. نتناول لغفران الخطايا، ولكن مازلنا متمسّكين بخطايانا، لأنّنا نتناول بدون توبة.
+ دينونة عظيمة للذي يتناول بعدم تمييز «غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ» (1كو11: 29).
+ دينونة عظيمة للذي يتناول بدون استحقاق.
+ الاستعداد للتناول بالتوبة والاعتراف والصلاة المنسحقة لقبول المسيح. وصلاة الشكر والامتنان بعد التناول يجعل الإنسان في نمو مستديم.
+ الروتين وحضور القداسات كما لقومٍ عادة، يقتل الحياة الروحيّة بجملتها، ويتحوّل الإنسان فيها كآلةٍ بِلا إحساس.. الآباء القديسون بسبب حرصهم الشديد وعمق علاقتهم بالمسيح، لم يَدخل إليهم الروتين والآلية، بل ظلّوا مدى الحياة في حِسٍّ مرهف، ويقظة روحية، لاسيما في ممارسة الأسرار، فكانوا يزدادون كلّ مرة يتزوّدون فيها من الذخيرة الروحيّة.
+ أمِل أذنَك الروحيّة عندما تسمع القول: «القُدْسات للقديسين» واطلب إلى القدوس أن تصير القدسات لك للتقديس وتطهير الحياة برُمّتها.
+ قال لي قداسة البابا شنودة (نيَّح الله نفسه) إنّني حينما أتناول أقول للرب «ليس من أجل استحقاقي بل من أجل احتياجي» هكذا يجب أن نقترب إلى السرّ الرهيب.
من يأكلني يحيا بيَّ
الإيمان بالمسيح، بتجسّده، وعمله الخلاصي على الصليب، وقيامته من الأموات، وصعوده إلى السموات، وجلوسه عن يمين الآب، وإرساله موعد الآب، روح الحقّ الذي من عند الآب ينبثق... وكلّ ما عمله المسيح وعلَّم به، وكلّ آيات الشفاء والمعجزات والتعليم الإلهى.. وكلّ ما يختصّ بحياة الأبد وميراث الملكوت.. كلّ هذا ذخَّره المسيح لنا حينما أعطانا جسده مأكلاً حقيقيًّا، ودمه لنشربه مَشربًا حقيقيًّا.
فالإيمان بالقلب، والاعتراف باللسان، مُعتَبَران أمرًا شفويًّا يخصّ التصديق والكلام العَلَن. أمّا التناول فهو فعل وليس قولاً.
التناول أكل وشرب.. وتناول الجسد المكسور بالحبّ هو فِعل حبّ إلهي فائق، وشُرب الدم المهراق على الصليب هو فعل الذبيحة التى اشتمَّها الآب وقت المساء على الجلجثة.
فكون المسيح يعطي ذاته ويبذلها من أجل خلاص العالم، ويسلّمه لنا فِعلاً حقيقيًا ولكنه مَخفيٌ في سِرّ إلهي فائق، ويقدمه لنا في الهيئةِ كخبز نازل من السماء لكي يأكل منه الإنسان فيأكل الحياة الأبدية، فهذا أمرٌ يفوق العقول، ويتجاوز أفهام البشر والملائكة معًا.
+ الجسد المبذول هو عطية الله لحياة الإنسان الأبديّة، لأنّ الرب يسوع إذ قال: «مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ» (يو6: 54)، سيقيمنا معه، وجسده الذي نتناوله هو القيامة بذاتها. فالتناول من الجسد الأقدس هو الذى يقيمنا الآن وفي الدهر الآتي.
+ وكما أنّ طعام الجسد يقُوته ويعطيه حياة، إذ لا يُعقَل أن يحيا الجسد بدون طعام.. هكذا صار خبز الحياة الأبدية بالنسبة لأرواحنا.
+ قال الرب: «مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ» (يو6: 35). هو شبع نفوسنا.. وحين نناله لا نجوع بعد إلى العالم.
«لِمَاذَا تَزِنُونَ فِضَّةً... لِغَيْرِ شَبَعٍ؟» هكذا تساءل إشعياء النبي «أَيُّهَا الْجياعُ... أَيُّهَا الْعِطَاشُ ... تَعَالَوْا وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ فِضَّةٌ... خذوا وَكُلُوا... اِشربوا وَلْتَتَلَذَّذْ بِالدَّسَمِ أَنْفُسُكُمْ» (إش55: 1، 2). وهو بدون فضة أو ذهب، إذ يُعطَى مجانًّا، ولكنّه ليس رخيصًا، لأنّ قيمته أغلَى مِن كلّ ممتلكات الدنيا. هو ليس من هذه الخليقة.. بل هو جسد ابن الله بالحقيقة.
مَن يا تُرى يستطيع أن يُدرِك كمال هذا السرّ؟!! نحن نَقبَل هذه النعمة بإيمان بغير فحص العقل، ونشترك في الجسد الواحد الذي يحوّلنا إليه، ويوحّدنا بعضنا مع بعض كأعضاء في جسد واحد.
هذا هو سِرّ الحُبّ وسِرّ الحياة.. مستحيل على الطبيعة البشرية أن تذوق هذا الحبّ بعيدًا عن سِرّ جسد المسيح، لأنّ فيه وحده عدم الموت والحبّ المطلق.
+ الاستعداد للتناول من الجسد والدم، يكون كما قال الرسول: «لِيَمْتَحِنِ (ليفحص) الإِنْسَانُ نَفْسَهُ» (1كو11: 28). أولاً من جِهة المحبّة، أن يكون ذا قلبٍ مُحِبٍ للأخوة، بصفاء النيّة، ويكون مُختبِرًا السلام الإلهي مع جميع الناس.
- «اَلْمَحَبَّةُ فَلْتَكُنْ بِلاَ رِيَاءٍ» (رو12: 9).. الرياء يُفسِد المحبّة.
- «أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ» (1بط1: 22).. لا يوجد إنسان كامل في المحبّة، ولا يوجد أحد لم يتعكّر قلبه مُطلقًا.. هذا أمر مؤكَّد، ولكن إن اتّسخ القلب بعكارة العداوة أو عدم المحبة من جهة إنسان، فيُوجَد ينبوع لغسل الخطايا وتطهير القلب. الإنسان المسيحي يُسرع إلى ينبوع دم المسيح بالصلاة والتوسُّل.. ولا يطيق أن يحيا في العداوة.
المتنيح القمص لوقا سيداروس

عدد الزيارات 14

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل