مقالات

Large image

عبارة عن جزء مؤلف يعمل على علاج موضوع محدد من ناحية تأثر الكاتب به. • المقال هو أداة الصحفي التي يعبر بها عن سياسة الصحيفة وعن آراء بعض كتابها فى الأحداث الجارية. • المقال فن نثري يبين الكاتب فيه قضية معينة أو فكرة ما بأسلوب منظم ومشوق. • المقال فن ملخص بالكلمات و العبارت حول مسألة بالتلميح أو التصريح. • المقال نوع من النثر الفني يتم عرض موضوع معين بشكل متسلسل مترابط يبين فكرة المؤلف وينقلها إلى القارىء والسامع نقلاً ممتعاً ومؤثراً. المقال هو لسان حال المواطنين وصلة الوصل بينهم وبين الحكام والحكومات.

المقالات (1401)

31 ديسمبر 2022

إنجيل عشية الأحد الرابع من شهر كيهك

تتضمن تبكيت الذين يتصرفون تصرف الخوارج مرتبة على قول البشير بفصل اليوم : " وكان يسير فـي كـل مدينة وقربه يكـرز ويبشـر بملكوت الله ... ومعـه الاثنـا عـشـر وبعض النساء ( لو ۸ : ۱-۳ ) إذا كانت النساء اللواتي عرفن قدر مواهب المسيح قد تركـن بيوتـهن ومصـالحن وخدمته بما لهن . فما لي ارى الآن أناسا كثيرين يتصرفون بعـد العمـاد تصـرف الخوارج . بل أشر من ذلك كثيرا . حتى أني لا أرى خصلة واحـــدة تمـيزهم عـنالخارجين عنه ولهذا يلتبس على الفرق بين المؤمنين بالمسيح وبين الخارجين عنهم . وذلك لأن المؤمنين بالمسيح حقيقة ينبغي أن يعرفوا خاصتـا الأعمـال الصالحـة المشرق نورها عليهم . وهذا ومن أشكالهم من ملابسـهم وإطراقـهـم إلـى الأرض من كثرة الحياء والوقار من فضيلة التواضع من كيفية المشـى في الشوارع من الكلام في الباقيات السمائية والإعراض عما لا ينبغي . يفعلون هذه ليس بطلب المديح من الناس بل لأنها صارت لهم طبيعة ولكـي ينتفع بها الناظرون لها أما الأن فأني لا أتمكن أن أفرق بين المؤمن وغيره كمـا أني لا استطيع تمييزه عن الخارجين عنا . فكيف وبماذا أميزك أيها الأخ العزيز عـن الباقين ؟ لأني أن اردت ان أعرفك من أصدقائك واصحابك فــأني اراك مصـاحب الزناة والاردياء ومفسودي السيرة . وتطيل الاقامة معهم في ميادين السباق وأمــاكن اللعب وأن أردت أن اعرفك من لباسك فلا أراك تتميز بملابـــــــس الحشـمة التـى يرتديها المؤمنين بل تتشبه بالخارجين في لبسهم وإن أردت أن أعرفك من الحيـاء والوقار والاطراق إلى الارض والسلوك كما ينبغي فأراك متقهقها ضاحكاً ، محدقـاً إلى كل رذيلة طائشاً ومذاراً وإن أردت أن أعرفك من كلامـك فـاراك مولعـاً بالهزء ، ومسارعاً في نقل احاديثك المغنين والمضحكين وما لا يفيد حيــاتك نفعـاً وإن أردت أن أعرفك من مائدتك التي ينبغي أن يقدم عليها ما يدفع ضرورة الجـوع فقط لا البذخ وغيره فأراك تهيئ الألوان اللذيذة . قاصداً اللذات والتفـاخر وإظـهار التعظم على المقلين وغيرهم . وإذا كنت مؤمنا وبماذا أسميك . لأني إن سميتك وحشـاً فكل واحد من الوحوش محافظ على طبيعة نوعه متميز بنقيصة واحدة . أمـا أنـت فتحوى نقائص الجميع . وإن سميتك شيطاناً . فانى أرى الشياطين لا يهتمون ببطونهم ولا يعشقون ما لغيرهم . وإذ كنا لا نشبه الوحوش ولا الشياطين . فكيف نعرف مـع المؤمنين حقاً ؟ وإذا كان الانصباغ في المعمودية بالمسيح مثـالا لموتنـا بالجسـد وانبعاثنا بالحياة الجديدة . فكيف نوجد نحن جسدانيين وكيف لا نسمع بولس الرسـول موبخاً لنا وصارخاً نحونا قائلاً : " اهتموا بما فوق لابما على الأرض . لانكم قد متـم وحياتكم مستترة مع المسيح فأميتوا أعضاءكم التي على الارض الزنا النجاسـة الهوة الردية الطمع فسبيلنا إذن أن نهرب من هذه النقائض . وان نتـأمل فـى صـفـات يسـوع المسيح إلهنا . ونسارع إلى الاقلاع عن آثامنا . ونتمسك بما يقربنا من ملكوت ربنـا . الذي له المجد والعظمة والاكرام إلى الأبد . آمين . القديس يوحنا ذهبى الفم عن كتاب العظات الذهبية
المزيد
29 يوليو 2022

التطبيقات العملية للحياة الروحية

۱- مداومة الصلاة القلبية بحب : كلمـة مداومـة تعني الاستمرار ، وكـمـا يقـول الكتاب : " ينبغي أن يصلى كل حين ولا يمل " ( لو ١٨ : ١ ) ... فصـلواتنا هـي العلاقة الشخصية التي تربطنـا بالله ... وأجمل تعريف للصلاة ، قاله معلمنا داود النبي : " جعلت الرب أمامي في كل حين ، لأنّه عن يميني فلا أتزعزع " ( مز 16 : 8 ) . ففي كل مرة ترفع قلبك إلى الله للصـلاة ، تزداد اشتياقاً وكأنـك بصـلاتك ترتفع درجة إلى السماء . الصلاة الحقيقية يا عزيزي هي الصلاة القلبية المملوءة حباً ... فلا يقـدس أوقاتنا وأعمارنا إلا الصلاة ، ولتسأل نفسك دوماً : ما هي قامتك الروحية ؟ وما هي صلواتك ؟ وما هو قانونك مع أب اعترافك ؟ وهذا هو التطبيق العملي الأول مداومة الصلاة القلبية بحب والثاني ممارسة الأسرار الكنسية بوعي . ٢- ممارسة الأسرار الكنسية بوعي :- إن أكثر الأسرار الكنسية التي تمارسها باستمرار : سـر الاعتـراف وسـر التناول . وهذه الأسرار ما هي إلا قنـوات للنعمة ، والكتـاب يـذكرنا في المزمـور الأول " فيكون كشجرة مغروسة عند مجاري المياه " ( مز 1 : 3 ) . والمقصود " بمجاري المياه " هي قنوات النعمة ، فجلسة الاعتراف ، ما هـي إلا قناة للنعمة . لذا يجب أن أكون بوعي فيها . أذكـر خطيتـي بقلـب تائب أمام الله في حضور الأب الكاهن ، وأقـيـم وعـداً جديداً في حياتي الروحيـة مـع الله ولسان حالي يقول " تعهدات فمي باركها يارب " ( مز ۱۱۹ ) . أما أثناء القداس أشعر وكأنني في السماء ، وبالتالي يرتفع قلبي وفكري نحو الله خلال مردات وألحان القداس الإلهي . وقد يقول أحـد إنـنـي أحضـر القـداس ، وأمـارس سـر الاعتراف ، لكننـي لا أستفيد شيئاً ! السبب في ذلك يا صديقي ، هو غياب الوعي القلبي لديك ، ويمكن تشبيه ذلك بشخص يتكلم مع آخر وهذا الآخر غير منتبه إلى حديثه ، لأنه مشغول بقراءة شيء أمامه مثلاً فكيف له أن يدرك قـول ومشـاعر محدثه ؟! وعـلى النقيض هناك آخـر ينصت ويستمع بمنتهى التركيز ، وهـذا الإنصات يسمى إنصات تفاعلي ، فيدرك الرسالة الموجهة إليه بل ويتفاعل معها . وعلى هذا الأساس اسأل نفسك : كيف تحضر القداس الإلهي ؟ هل عقلك مشغول بأمور أخرى ، أو يجذبه العالم باهتماماته ومشاكله وبالتالي يكـون جسدك في القداس ، أما عقلك وقلبك في مكان آخر ! ٣- معايشة كلمة الكتاب بانتظام :- أود أن أطرح عليك هنا سؤالاً : هل تقرأ الإنجيل بانتظام يومياً ؟ هل تدرس الكتاب المقدس كل يوم ؟ أم أنك تقرأ وتدرس وتتأمل ؟ فقراءة الكتاب المقدس درجة روحية ، يعلوها دراسة كلمة الله ... أمـا مـا هو أسمى فهو الدراسة والتأمل والحياة بكلمة الله بشكل عملي . إذا لم يقم الإنسان بكل هذا ، كيف يقول عن نفسـه أنـه يحيـا بالإنجيـل ؟! وكيف يكون الإنجيل بالنسبة له " روح وحياة ؟! " . دعنا نتأمل سوياً في هذه القصة لتدرك مفهـوم الحياة بالإنجيـل بشكل أعمق أصيب رجل في أحد أحياء مدينة تكساس بأمريكا في انفجار ، فقـد فيـه يديه ، كما أصيب وجهه بجراحات خطيرة . فقد الرجل عينيه ، فلـم يعـد قـادراً على القراءة . ووسط مرارة نفسه اشتاق أن يقرأ الكتاب المقدس ، فبدأ يسأل : " كيف يمكنني قراءة الكتاب المقدس ، وقـد فقـدتُ عينـي ويـدي ؟! " . قيـل لـه " توجد سيدة في انجلتـرا تستمتع بقراءة الكتاب المقدس بواسطة شفتيها ، إذ تستخدمها بدلاً من الأصابع لتقرأ الكتاب المقدس بطريقة برايل Braille method بالحروف البارزة " . أرسل إلى الهيئة المختصة لكي ترسـل لـه الكتاب المقدس البارز ليتعلم القراءة بشفتيه . لكن قبل أن يصل إليه الكتاب المقدس اكتشف أن أعصـاب شفتيه قد تحطمت تماماً . إذ وصله الكتاب المقدس المكتوب بحروف بارزة بـدأ يتعلم القراءة بلمس الكتابة بلسانه ! وكان يجد عذوبة في قراءته .. وفي تعليـق له يقول : " لقد قرأت الكتاب المقدس أربع مرات ... وقرأت بعض الأسفار مرات ومرات . " وهكذا .. تحولت ضيقة هذا الإنسان إلى خبـرة التمتع بكلمـة اللـه التي تهب النفس عذوبة وتعزية . ... " إن هذا الإنسان يديننا ... لأنه تعلم أن يقرأ الكتاب المقدس بلسانه بعـد أن فقد يديه وعينيه وأعصاب شفتيه . أي عذر لنا ؟! نتحجج بحجج واهية ... إنه لا يوجد وقت !! ويشغلنا إبليس بالعالم واهتماماته ومسئولياته ... فما أكثر الذين يعتذرون عن عدم القراءة في الكتاب المقدس بأنه ليس لديهم وقت !! بينما يجدون وقتاً للتسلية والمقابلات العديدة . والحقيقة أن ليس لديهم رغبة !! يا حبيبي ومخلصـي .. هب لي أن أختبـر عذوبة كلمتك ، لأقرأهـا بـكـل كياني ! لأختبـر قـوة كلمتـك فأحيـا بهـا وأتمتع بمواعيـدك .. بهـا أنطلـق إلى الأحضان الأبوية الإلهية .. بها أنعم بالمجد الأبدي . قداسة البابا تواضروس الثانى البابا ال١١٨ عن كتاب خطوات
المزيد
22 يوليو 2022

بلد الحـب

" أرني ( يا الله ) بلد الحب لأتكلم عنه كما يستطيع ضعفي . أفرخ فـي يـارب نعمتـك برحمتـك لأتكلم عنها . ألهب قلوب محبيك فيخرجون في طلبها " . ( الشيخ الروحاني ) إذا إن كـان أحـد في المسيح فهـو خليقـة جـديـدة : الأشياء العتيقـة قـد مضـت ، هـوذا الكـل قـد صـار جـديـداً . ولـكـن الكـل مـن اللـه الـذي صـالحنا لنفسه بيسوع المسيح ، وأعطانا خـدمـة المصالحة ، أي إن اللـه كـان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه ، غير حاسـب لهـم خطاياهم ، وواضعاً فينـا كلمـة المصالحة . إذا نسعى كسفراء عن المسيح ، كأن الله يعظ بنا . نطلب عن المسيح : تصالحوا مع الله لأنه جعـل الـذي لـم يـعـرف خطيـة ، خطيـة لأجلنـا ، لنصير نحـن بـر اللـه فيه " ( ٢ كوه : ١٧ - ٢١ ) . في بداية رحلتك معي عزيزي القارئ خلال هذا الكتاب ، أود أن نتعـرف سوياً على مجموعـة مـن المبادئ الروحية الهامـة ... ولتعتبرهـا يـا صـديقي إرشادات الطريق في مسيرتك الروحية هيا سوياً لنخطو خطوتنا الأولى . أولا : ما هي الحياة الروحية بلد الحب : الحياة الروحية هي الإطار الـذي يجمع ثلاثـة محـاور هامـة : النعمـة وعملها ، الإنسان بتوازنه ، وأخيراً الكنيسة وأسـرارهـا . 1- النعمة وعملها:- عمل النعمة ، هو عمل دائم ومستمر ولا ينقطع ، ويظهـر عمـل النعمـة كلما كانت حياة الإنسان مملوءة ثمـراً ... وهناك قاعـدة روحيـة هامـة أود أن أوضحها لك ، وهي أن الله لا يريد من الإنسان سوى إرادته لتعمل نعمته فيه . وعمل النعمة بدوره يقود الإنسان لاختبار هام في الحياة الروحية وهـو معية المسيح . معي تأمل يا عزيزي ترتيلـة داود النبي : " إذا سرت في وادي ظل المـوت لا أخاف شرا ، لأنك أنت معي " ( مز ٢٣ : ٤ ) ، فعبارة " أنـت معـي " تعكـس شـعوراً داخلياً وإحساساً حقيقياً بوجود الله وعمل نعمته ... بل أن هذا الشعور هو قمة عمل النعمة . 2- الإنسان بتوازنه :- خلق الله للإنسان عقلاً وروحاً وجعله : عاقلاً ... عاملاً ... عابـداً ... ولكـن تـذكر يا صديقي أن التوازن هو الركيزة الأساسية لنجـاح هـذه المنظومة . أتسألني كيف يكون هذا التوازن ؟ ... أجيبك أن التوازن في حياة الإنسان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالشبع الروحي ، فالعقل يتغذى بأعمال القراءة والمعرفة ، والروح تسمو بالعمل الروحي والشبع الشخصي بالمسيح . ولكي يتحقق هذا الشبع الروحي لا بد أن تكون للحياة الروحيـة قـوانين تنظمها ، فالحياة الروحية شيء محدد ، ولها شكل ونمو ومراحل وتدرج . بقي لنا المحور الثالث والأخير ، ألا وهو : 3- الكنيسة بأسرارها :- وهذه الأسرار توضع في ثلاث مجموعات رئيسية : أسرار لا تمارس إلا مرة واحدة : سـر المعمودية والميرون . أسـرار دائمة التكرار : سر الاعتراف والتناول ومسحة المرضى . أسـرار قد تمارس وقد لا تمارس : سر الزيجة والكهنوت . لك أن تعتبر أن الأسـرار الكنسية هي بمثابة حلقـة الربط بين عمـل النعمة والتوازن الإنساني ... والتي بدورها تقود إلى العمق في الحياة الروحية . أتسألني الآن : كيف أنمو في حياتي الروحية ؟ أود أن تعـي جيـداً أن النمـو الروحـي لـه عـدة قـوانين تنظمه وتضـمن تدرجه . إن إحدى المشكلات الرئيسية التي تواجه الإنسان المسيحي ، هـي عـدم الاستمرار قد تبدأ نظاماً روحيـاً بحماس شديد ، ولكـن بعـد فتـرة قصيـرة يتسلل الفتور إلى قلبك !! لكن القانون الروحي الذي يضمن الاستمرار هو : " قليل دائـم خير من كثير متقطع " . فالقليـل الـدائـم هـو الـذي يجعـل حياتنا مستمرة ، فالمسيح لا يطلب منا الكم Quantity بل يطلب الكيف Quality نعم ... إن المسيح يريد منك الاستمرارية حتى ولو كانت آيـة واحـدة أو مزمور ، فالاستمرار هو الذي يعطي انطباعاً أنـك شخص ذو قلـب مستعد لسكنى المسيح فيه . أتذكر المرأة التي أعطت الفلسين ؟ قال عنها السيد المسيح ، انظروا كيف أعطت ؟ . بمعنى أنه نظر إلى الكيف وليس الكم فعلى الأقل في كـل يـوم ، اهـتم أن يكون هناك فقرة أو آية في الإنجيـل تقوم بقراءتها مع وقفة صلاة ، وليكن هذا أقل شيء ... لكـن كـن دائـم التطلع أيضاً نحو النمو والتدرج في حياتك الروحية . هذا عن الاستمرارية والتدرج ، أما عن الاعتدال يقول الآباء الذين اختبــروا الحياة الروحية : " الطريق الوسطى خلصت كثيرين " ، وإذا أردنا أن نعرف كلمـة " الاعتدال " يمكننا القـول : أنـه عـدم التطرف يميناً أو شـمالاً ، أو عـدم المبالغة ، أو هو التوازن . أيتبادر إلى ذهنك كيف أحقق الاعتدال في حياتي الروحية ؟ أُجيبك : يا عزيزي أن للحياة الروحية ثلاثة أعمدة رئيسية وهي : " أب روحي ... قانون روحي ... وسط روحي . فمن الخطأ أن يظن الإنسان أنه يستطيع أن يقـود نفسه بنفسه ، مهـما كانـت مكانتـه أو قامتـه الروحيـة كبيرة ، فالكنيسـة قائمـة عـلى الخضـوع . الأب البطريرك يخضع لمجمع الأساقفة ، والمجمع بدوره يخضع للأب البطريرك ، وهناك آباء كهنة وشمامسة والجميع تحت خضوع ، فليحـذر كـل مـن يظـن في نفسه ، أنه أصبح مدركاً لكل شيء ، ويدرك كل الأمور . الخضوع يا صديقي هو صمام الأمان في الحياة الروحية .. إنـه الضـمان الوحيد ، أن يحيا الإنسان تلميذاً في مدرسة التواضع . بقي لنا أن نتأمل سوياً في الحياة الروحية والتطبيق العملي . هناك ثلاثة تطبيقات ، تضعنا في دائرة الحياة الروحية عملياً . قداسة البابا تواضروس الثانى البابا ال١١٨ عن كتاب خطوات
المزيد
31 يوليو 2022

المسيح هو الحياه في مواجهة الموت ووراثة الخطية

تحدثنا الكنيسة في هذة الفترة عن عمل ربنا يسوع المسيح داخل الكنيسة، وعمل الكنيسة في وسط العالم، وعن قوة الحياة التي بدأت حينما تجسد ربنا يسوع المسيح، وصار علي الأرض، الإله الذي هو خالق كل شئ، اراد أن يدخل إلي ضعفنا وطبيعتنا وصورتنا، ليكون مشاركاً لنا. هذا الحال الذي هو السجن، والذي صرنا فيه من بعد السقوط والخطية المسيح هو الحياة "أنا هو القيامة والحياة"، والإله الصانع كل شئ هو عمق الحياة، فحينما يوجد الإله توجد الحياة، وخارج الوجود الإلهي موت، فلذلك الخطية هي موت، لأنها رفض الوجود والحياة مع الله، الخطية هي عمل دخيل علي الطبيعة الإنسانية، لأنه حينما خلق الله الإنسان، خلقة يحمل شبهه ومثاله، الشبه هو الحياة. الوجود الإلهي ضد كل ما هو موت تحمل الكنيسة سلطان الحياة من وجود المسيح فيها، فحينما يوجد المسيح لا يوجد موت، بل تتحول كل صور الموت إلي صور حياة حينما يحل الروح القدس علي مياة المعمودية، تتحول المياة من مجرد أمور مادية زائلة، إلي إمكانية وجود حياة، فنولد من جديد. وحينما يحل المسيح بذاته علي المذبح، ويتخذ المادة التي علي المذبح بصورة جديدة، تتحول تلك المادة من مجرد ترابيات، إلي المسيح الذي يعطي الحياة، فتكون الأفخارستيا والتناول هو الحياة. آتي المسيح لكي يواجه الموت وجهاً لوجه "معجزة إقامة لعازر" مواجهة الموت لم تكن فقط في القبر، لأنه ليس كل الأموات مدفونين في القبور، هناك أموات مدفونه في الصدور والقلوب، وفي الأفكار، هناك أموات تحمل أكفاناً مزركشة، وملامح قد يراها الآخرين أنها جميلة، ولكنها تخفي الموت. جاء المسيح لكي يغير تلك الصورة، ويعطي للحياة إمكانية الوجود والصمود أمام الموت الذي في داخلنا وينهشنا.كان الموت فينا، وفي كل من يولد "بالخطية ولدتني أمي" والخطية هو صورة الموت، لأننا نولد ونحن نحمل صورة الموت. ولذلك الكنيسة في طقوسها، تري أن المرأة التي تحمل دم سواء جنين، إنه دم يحمل موت، وتقول للأم: "فلتطهر من نجاساتها" لم تقصد الكنيسة هنا نجاساتها الشخصية، أو صورة خطية، أو النجاسة بمعني النجاسة الفعلية، ولكنها هنا هي دم الإنسان الذي يولد، وهو يحمل صورة الموت ففي العهد القديم ذكر الله هذة الفكرة يقول "تصير نجسة سبعة أيام، ثم تطهر من نجاساتها"، تكلم عن المرأة التي في داخلها هذا الدم، الذي هو بداية فكرة تكوين الإنسان في رحمها وفي احشائها، يقول عنها أنها نجاسة وهؤلاء الأشخاص الذين لا يفهموا غير الأمور السطحية ويقولوا: وهل الله يخلق نجاسة؟ يقصد الله بالنجاسة هي ميراث الخطية نفسها. الدم هنا يحمل ميراث الخطية؟ رو13:5 "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلي العالم، وبالخطية الموت، وهكذا إجتاز الموت إلي جميع الناس، إذ أخطأ الجميع"الترجمة العربي ضعيفة، بينما الترجمة اليوناني مع الأصل القبطي متطابقة جداً وتقول: "وهكذا اجتاز الموت إلي جميع الناس، إذ جميعهم أخطأوا فيه "في آدم" وبمعني آخر "بسبب الذي فيه "آدم" اخطأوا الجميع".الذي فيه "إنختف" باللغة القبطية (في كيانه)، أخطأ الجميع. ففي عقيدتنا نحن نولد ونحن نرث خطيئة، نحن جميعنا طبيعة أخطأت. هرطقة البيلاجية التي ظهرت في إنجلترا بداية القرن الخامس ترفض تماماً ميراث الخطية، و نتيجة الحوار بين القديس أغسطينوس، والقديس جيروم والأباء في هذة الفترة، والمجامع التي حرمت هذة الهرطقة، صار ما يُسمي "نصف بيلايجة" ينادوا بأنهم لم يرثوا خطية آدم، ولكن ورثنا نتيجة الخطية.بيينما إيمان الكنيسة وتعليمها أننا ورثنا الخطية، يقول البابا أثناسيوس"لم يكن مستطاعاً لأحد أن يرد البشر عن الفساد الذي حدث، غير كلمة الله الذي خلقهم منذ البدء،فهو وحده الذي يليق بطبيعتة ان يجدد خلقة كل شئ".إيماننا أننا نولد ونحن نرث الخطية، فقد ورثنا حالة كاملة، خطية بنتائجها، فلا يمكن أن أرث النتيجة دون أن أرث الطبيعة الخاطئة، نحن نولد وقد ورثنا طبيعة أخطأت في آدم، لم يكن آدم وحواء أفراد، ولكنهم طبيعتنا الأولي.لذلك تجسد المسيح ليحمل طبيعتنا، ويحمل هذة الصورة، ولأنه هو الحياة، لم يكن ممكناً ابداً للموت أن يغلبه، لأنه مصدر الحياة. "فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس"رو 17:5 "الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح""صارت الهبة إلي جميع الناس لتبرير الحياة" هو جاء ليقف أمام الموت في داخلنا، نحن نحمل طبييعة مائتة لأننا نحمل طبيعة خاطئة وساقطة، أما هو فقد جاء لكي يضخ في هذا الخاطئ الذي هو أنا، سواء بطبيعتي الأولي فأعطاني الفداء والمعمودية، أو بسواء بخطيئتي المتجددة عن ضعف، فيأتي ويقف أمام الموت الذي في داخلي، ويدخلني إلي شركة الكنيسة، فأدخل في شركة الحياة بالأفخارستيا.رو 23:6 "لأن أجرة الخطية موت، أما هبة الله فهي حياة أبدية".1كو53:13 "لأن هذا الفاسد يلبس عدم فساد، هذا المائت يلبس عدم موت".هذا الفاسد والمائت هو أنا، وهذا الذي نحمله في داخلنا يبتلع موتنا هو المسيح نفسه. رو 9:5 " ونحن متبررون الآن بدمه، نخلص من الغضب".كل من يحتمي فيه، ويتحد به، يخلص من الغضب.كو13:1 "الذي أنقذنا من سلطان الظلمة، ونقلنا إلي ملكوت إبن محبته" عب 15:9 " لأجل هذا هو وسيط عهد جديد، لكي يكون المدعون ( بمعني إكلسيا أو كنيسة) إذ صار موت لفداء التعديات الذي في العهد الأول، يناولوا وعد الميراث الأبدي. 1بط 24:2 "الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده علي الخشبة، لكي نموت عن الخطايا فنحيا في البر".إذاً الموت في داخلنا يعمل في كل أمور حياتنا، فالذي يحيا بدون المسيح، يحيا في الموت، وتنتهي حياته إلي لا شئ، أما الذي في المسيح، تتغير الحياة. هذا المائت الذي ولد بطبيعة مائتة، يمكنه أن يصير قديساً "نظير القدوس الذي دعاكم، كونوا قديسين". يقول القديس كيرلس الكبير:"كان يلزم لأجل خلاصنا أن كلمة الله يصير إنساناً، لكي يجعل جسد الإنسان الذي تعرض للفساد، خاصاً له لكونه هو الحياة، ليبطل الفساد الذي فينا".من يريد الحياة، فليأخذ المسيح.كان الأنبا أنطونيوس يقول لأولادة: "تنسموا المسيح دوماً".هكذا عاش القديسيون، وهكذا تحول الموت الذي كان هو حالة رعب وبكاء دائم إلي فرح أبدي. نحن ننظر إلي الموت الآن، أنه المعبر إلي الحياة الأبدية، فلم يعد الموت شر، ولا حالة العدم التي يخاف منها المريض، ولا الذي يدخل يعاني من الشيخوخة، ويظن أن أيامه أنتهت، بل أيامه ستبدأ حينما يدخل في الحياة الأبدية. يقول القديس أغسطينوس: "إني أشتهي الموت لكي آراك".ويقول الأنبا أنطونيوس: "الموت يحررنا من الأمراض التي نخضع لها في هذة الحياة".لم يقصد أمراض الجسد، ولكن أمراض الخطية. يقول ذهبي الفم: "هذا هو حال القيامة، إنه مات لكي لا نموت".يقول الشهيد كبريانوس: "بالموت نترك الأتعاب المؤلمة، ونتخلص من أنياب الشياطين السامة، نذهب إلي دعوة المسيح، نحن متهللون بالخلاص الأبدي".لم يعد الموت هو هذة الأمور التي نرتعب منها، بل صار الموت هو طاقة النور التي ننتظرها لنعيش فيها، صار الموت هو الجسر الذهبي الذي يعبر بنا من أرض متعبة مزعجة، وأمور كلها تدخلنا في صراعات والآلام إلي الراحة الأبدية، إلي الوجود مع المسيح "لا يكون موت بعد، ولا بكاء، ولا ألم، ويمسح الله كل دمعة من عينونكم".نحن ننتظر أن نعبر لأننا نؤمن بأن المسيح قد أعطانا حياة أبدية.لإلهنا كل مجد وكرامة إلي الأبد أمين. القمص أنجيلوس جرجس كاهن كنيسة أبي سرجة مصر القديمة
المزيد
30 يوليو 2022

معنى وقيمة لحياتك

ونحن نسير فى برية هذا العالم لابد ان يكون لحياتنا أهداف نسعى لتحقيقها والوصول اليها والإ تصبح حياتنا بلا قيمة ولا معنى ، ونعانى مشاعر الأحباط والقلق والحزن ، ونسير فى الحياة من كريشة فى مهب الريح حائرة لا تستقر على حال من القلق ، ان الكثيرين ممن نقابلهم يحتاجون للمساعدة فى أكتشاف المعنى والقيمة من حياتهم ، اننا فى المسيح يسوع مخلوقين لاعمال صالحة سبق الله فاعدها لنسلك فيها ، ولهذا قال القديس بولس الرسول { أسعى نحو الغرض لأجعل جعالة دعوة الله العليا} (فيلبي3: 14) اننا لابد ان نعرف لماذا نوجد وما هى رسالتنا فى الحياة وماذا يحدث بعد الأنتقال الى السماء . كثير من سكان هذا كوكبنا لهم أهداف مادية متعددة والكل يبحث عن السعادة وتحقيق الذات سوا في جمع المال او نيل الرغبات او الوصول الي سلطة اومنصب وكلها اهداف مرحلية ستنتهي حتي بعد حين بانتهاء حياتنا علي الارض . والمؤمن الحكيم يجعل الأولوية لتحقيق الأهداف الروحية، على مثال القديسين الحكماء والعارفين بالهدف السليم والروحي والاول في حياتنا وهو ان نحب الله من كل القلب والفكر والنفس ونربط انفسنا بالله ، فعشرتنا مع الله تنمو وتذداد الي ان نصل الي السماء حيث نوجد معة كل حين ونفرح بوجودنا معة الي الابد ومع محبتنا لله يجب علينا ان ننمو فى محبة الإخرين ونحب أنفسنا أيضا محبة سليمة تقودها الى الخلاص والنمو والوصول الى الإبدية السعيدة . لقد اوجد الانسان الكثير من الوسائل التى تساعده للوصول الى أهدافه ، والحاجة أم الإختراع كما يقولون ، فمن أجل الوصول من مكان الى أخر أوجد كل وسائل الانتقال من الباخرة الى القطار ثم السيارة وحتى الطائرة ومن أجل سهولة الاتصال والتواصل أكتشف التلغراف والتليفون والمحمول والنت وكل وسائل الاعلام ، وهكذا أوجدنا كل الأختراعات من أجل تحقيق اهداف سامية والتى قد ينحرف بها الانسان عن هدفها الاصلى الى أهداف باطله او حتى سيئة، ولهذا يجب علينا ان نتسأل ما هو الهدف من وجودنا وهل أنحرفنا عن هذا الهدف لنصحح طرقنا ونعدل من درجة أنحراف البوصلة لنصل الى بر الأمان والأيمان . الأنسان ورسالته السامية ... جاء السيد المسيح له المجد ،كلمة الله المتجسد ، لكى يتمم خلاصنا ويعلن لنا محبة الأب السماوى ويقترب لنا بالمحبة والتواضع لنقترب الية ونتعلم منه { فقال لهم يسوع ايضا سلام لكم كما ارسلني الاب ارسلكم انا } (يو 20 : 21) نعم { انكم رسالة المسيح مخدومة منا مكتوبة لا بحبر بل بروح الله الحي لا في الواح حجرية بل في الواح قلب لحمية} (2كو 3 : 3). ولاننا غرباء على الارض ووطننا الحقيقى هو السماء فنحن سفراء لله وللسماء على الارض { اذا نسعى كسفراء عن المسيح كان الله يعظ بنا نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله} (2كو 5 : 20) . والسفير توفده بلده ليمثلها فى البلد المضيف ويحمل قيمها ولغتها ويعمل على أعلاء مبادئها وتمثيلها التمثيل اللائق والمشرف ، فهل نحن كذلك ؟ ملح الارض ونور العالم ... يلخص السيد المسيح له المجد رسالة المسيحى على الارض فى العظة على الجبل بقوله { انتم ملح الارض و لكن ان فسد الملح فبماذا يملح لا يصلح بعد لشيء الا لان يطرح خارجا و يداس من الناس. انتم نور العالم لا يمكن ان تخفى مدينة موضوعة على جبل. و لا يوقدون سراجا و يضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت. فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا اعمالكم الحسنة و يمجدوا اباكم الذي في السماوات} مت 5:13-16نعم الملح يعطى مذاقة للطعام ونحن نعطى مذاقة روحية لمجتمعنا والملح رخيص الثمن والمسيحى يجب ان يكون متواضعا وهو ضرورة فى مجتمعه رغم تواضعه والملح يحفظ الطعام من الفساد وهكذا المسيحى الحق يحفظ مجتمعه من الفساد ويبكته على خطاياه ، وهكذا راينا الله يرحم العالم لوجود قلة صالحة فيه ولكن لنحترس لأنفسنا لئلا نفسد ونطرح خارجاً ونداس من الناس. اننا نكون نورا للعالم عندما نقترب من النور الحقيقى ، شمس برنا ونكون حباً للأخرين عندما نثبت فى محبة الله ونعلن محبته لكل أحد والنور ضرورى للسائرين فى ظلمة هذا العالم يعطى قدوة ويهدى الضالين لا بالكلام واللسان بل بالعمل والحق { كن قدوة للمؤمنين في الكلام في التصرف في المحبة في الروح في الايمان في الطهارة }(1تي 4 : 12). علينا ان نثمر ثمراً صالحا نبنى به أنفسنا ومجتمعنا واقربائنا وأنفسنا .ولكل منا وزنات معطاه له وقدرات وطاقات يجب ان يتاجر بها ويربح ليقدم ثمر الروح والإيمان العامل بالمحبة . ليكون لحياتنا معنى ... علينا اذا على المستوى الشخصى ان ننمى أنفسنا وان نتعلم كيف نكون سفراء صالحين للسماء نعلن محبة الله للبشرية الخاطئة وان نكون نوراً فى العالم وملحاً يعطى مذاقة وسعادة لمن حوله فكل منا يمكنه ان يكون محباً للإخرين فالمحبة لا تسقط أبداً ، علينا ان نسعى للنجاح ونجاهد بامانة لكى نؤدى عملنا باخلاص وننمو فى النعمة والقامة والحكمة وان نسعى فى أثر السلام والصلح والفضيلة مما يعطى لحياتنا هدف ومعنى ، علينا ان نحافظ على حياتنا ومن حولنا وان نمد يد العون للمحتاج ونشجع صغار النفوس و هكذا سنكون سعداء ونجد من يقدرنا ويسعى لخيرنا ويكون لحياتنا معنى وقيمة كما ان تبنينا لقضايا أسرتنا وكنيستنا ومجتمعنا وأوطاننا والسعى الى تحقيقها وتبنى قيم الحرية والمساواة والديمقراطية ومساعدة الفقراء والمحتاجين واى أهداف سامية فى الحياة تجعل للحياة هدف نناضل للوصول اليه مع بقاء الهدف الروحى الثابت ان نفعل مرضاة الله ووصاياه يهبنا سلاما وفرحاً داخلياً يشعرنا باهميتنا داخل نطاق الاسرة والكنيسة والمجتمع . كان هدف دانيال وأصحابة أن يعيشوا – مع الله – رغم فساد البيئة الوثنية في القصر البابلي (دا 8:1)وكذلك مارست أستير الصوم في القصر، حتى تدخل الله فى الأمور وانقذها الله وشعبها من ظلم الاشرار. وقال القديس بولس الرسول لكنيسة فيلبي:{"ليس أني قد نلت (الهدف) أو صرت كاملاً، ولكني أسعى لعلي أدرك ... وإنني أفعل شيئاً واحداً إذ أنا انسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام. أسعى نحو الغرض}(في3: 13-14). وهذا هو المثال الجيد لكل مؤمن. ووضع القديس أرسانيوس هدفه الروحي أمامه، وقال: "تأمل يا أرسانيوس فيما خرجت من أجله" (خلاص نفسه). وأعلن البشير لوقا أن الرب يسوع "ثبت وجهه إلى أورشليم" (نحو الصليب) (لو9: 51)، أي لتحقيق هدف مجيئة الأساسي للعالم. الشيطان دائماً يوجه نظر الإنسان إلى الإنشغال الدائم بمحبة الذات والشهوات، وأمور العالم التي تعوقه عن السير في طريق خلاصه فهو يلهينا باي شي الا أمر خلاصنا وحياتنا الابدية الانسان يتلهي وينشغل بامور كثيرة ولكن الحاجة الي واحد . لقد صار هدف الكثيرين الآن هو البحث عن لذة الطعام والشراب، ولذة الحواس، وجمع المال او المناصب ولا يفكرون في أهم هدف، وهو كيفية الإستعداد لمغادرة هذا العالم الفاني. ويقول قداسة البابا شنودة: "إن كان هدفك هو الله فسينحصر كل اهتمامك بالله وملكوته و كنيسته و انجيله و خدمة أولاده .... إلخ، ومسكين من ينحرف عن هدف خلاص نفسه، ويستمع لضلال الشيطان وحيله. فلنحاسب أنفسنا ونسأل أنفسنا ما هو هدفي من حياتي؟ وهل أسير في طريق تحقيق الهدف الأسمى وهو "ربح ملكوت الله" أم ربح الأرضيات فقط، أم نفعل هذه ولا نترك تلك . لنبحث فى حياة العظماء ورجال الله القديسين الذين كانت لهم أهداف روحية عظيمة، وصبروا حتى تحققت رغم ما لاقوه من صعاب وتجارب من أجل تحقيق هدفهم مثل يوسف الصديق و دانيال النبى والقديس الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا والقديسين والشهداء والمعترفين فما اصعب أن نركز هدفنا على أمور عالمية زائلة وباطلة وفانية، لا توصلنا إلى السعادة الأبدية، ولا حتى إلى الراحة الوقتية في الدنيا. نحتاج ان نتعلم من الله .. تعبنا في الطريق بدونك ايها الاب الحاني والصديق . نبحث عن السعادة ولا نجدها ، نبحث عن الحب فنجده سراب . نرجو ان نكون شيئاً فلا نجد الا التعب وعدم التقدير . لاننا نبحث عن السعادة بعيداً عنك، لاننا نبحث عن الامتلاك من دونك، لاننا نبحث عن الحب في عالم ملئ بالشهوات. ربي علمنا ان نبحث عنك فنجدك . علمنا ان نحبك فانت قريب منا ، داخلي وانا ابحث عنك بعيداً بعيد. دعني اكتشفك داخلي ايها الحب المطلق فاجد الكنز السماوي. لتكن انت هدفي واكون سفيرك علي الارض . لاحيا لا انا بل انت تحيا في . أمين القمص أفرايم الأنبا بيشوى
المزيد
28 يوليو 2022

شخصيات الكتاب المقدس عوبديا

عوبديا " وإن كان عشك موضوعا بين النجوم فمن هناك احدرك يقول الرب "" عو 4 " مقدمة لا يكاد المرء يعلم شيئاً عن عوبديا النبى، سوى أنه « عابد الرب » أو « خادم الرب » على ما يفهم من معنى اسمه فى اللغة العبرانية، فهو الإنسان الذى يعبد الرب أو يخدمه، وسفره أصغر سفر فى العهد القديم، على أن نبوته كانت - كما هو واضح - عن أدوم، وتقع أرض أدوم شرقى البحر الميت على طول مائة ميل، وعرض عشرين ميلا من أقصى جنوب البحر حتى خليج العقبة، والأرض غير مستوية وجبلية، ممتلئة بالشعاب والمسالك الوعرة، فهى تشبه إلى حد كبير حياة من سكنوها من أبناء أدوم، وأدوم هو عيسو، وقد كان أخا يعقوب، وكما تزاحما فى بطن أمهما، هكذا تزاحم نسلاهما وتصارعا، وقد كان أبناء أدوم كأبيهم، أدنى إلى الوحشية وأقرب، وكانوا شوكة فى جنب الإسرائيليين، وقد ضايقوهم فى عصور متعددة، وانتهزوا فرص هجمات الآخرين عليهم، وتعاونوا على مضايقتهم،... ولذلك رأى عوبديا رؤياه التى كشفها الرب له ضد الأدوميين، ومن خلال رؤياه ستعرف - ما أمكن - على طبيعته، ورسالته، وما من شك بأنه، وهو يندد بشر الأدوميين وصفاتهم القبيحة، كان يكشف فى الوقت نفسه، عن خبيئة نفسه، وكراهيته للخطايا التى يندد بها ولعلنا نستطيع بذلك أن نتابعه فيما يلى:- عوبديا ومحاجئ الصخر كان أدوم يعيش بين محاجئ الصخور، وقد بنى بيوتاً منحوته فى الصخر، ولعله وهو يبنى هذه البيوت، كان يهنئ عبقريته التى تلوذ بالحصون التى لا يمكن اقتحامها،... كان أدوم شديد الاعتداد بعقله وذكائه وحكمته، شأنه فى ذلك شأن كل إنسان لا يعلم أن العقل البشرى، مهما وصل فإنه أحمق وضعيف، إذا لم يأخذ حكمته من اللّه،... وكان عوبديا كعبد أو خادم للّه، يرجع فى كل ما يعمل، إلى الحكمة السماوية النازلة من السماء!... فى أيام الثورة الفرنسية عندما أرادوا أن يلغوا الدين والعبادة، أقاموا معبوداً دعوه « العقل البشرى »... وكانوا يقولون إن العقل هو الإله الذى ينبغى أن نعبده،... والعقل البشرى يحاول اليوم وهو يغزو الفضاء، أن يصنع عشه هناك بين النجوم، إلى الدرجة التى قال فيها « جاجارين » الروسى، وهو يسبح فى الفضاء، إنه بحث عن اللّه هناك ولكنه لم يره،... وهيهات له ولأمثاله أن يروا اللّه، لا لأن اللّه غير موجود، فهو يملأ كل مكان، بل لأنه هو أعمى لا يستطيع أن يبصر أو على حد قول الرسول بولس: « إذ معرفة اللّه ظاهرة فيهم لأن اللّه أظهرها لهم لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولا هوته حتى أنهم بلا عذر. لأنهم لما عرفوا اللّه لم ليمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا فى أفكارهم وأظلم قلبهم الغبى » " رو 1: 19 - 21 ".. وكما قضى اللّه على جا جارين، سيقضى على كل متحصن وراء عقله ليقول له: « وإن كان عشك موضوعاً بين النجوم فمن هناك أحدرك »... ومن المعلوم أن أدوم كان يتحصن وراء شئ آخر، ثروته المنيعة، والمحفوظة بكيفية يستحيل على المقتحم أو المهاجم أن يصل إليها، وهو فى محاجئ الصخر، وما أكثر الذين يفعلون اليوم فعل أدوم، من أمم وجماعات وأفراد، إذ يتحصنون وراء الثروات الخرافية التى يظنون أنها تحميهم من كدارات الحياة، أو هجمات الأيام والأزمان، وهم يجلسون على تلال من ذهب، لم تعد تكفيهم الألوف أو الملايين، بل دخلوا فيما يطلق عليه البلايين والمليارات!!.. لقد بنوا أعشاشهم فوق الريح كما يقال، ووزعوا أموالهم كاليهود فى سائر أرجاء الأرض،... ولكن كلمة عوبديا تلاحقهم فى كل زمان ومكان: « وإن كان عشك موضوعاً بين النجوم فمن هناك أحدرك يقول الرب »... على أن محاجئ الصخر كانت عند أدوم شيئاً آخر، إذ كانت تمثل القوة،... فبلاده لا يسهل اقتحامها، على أنه من المثير والغريب فى تاريخ الجنس البشرى أن القوة المادية أو العسكرية، والتى يبنيها الإنسان لحمايته والدفاع عنه، تتحول آخر الأمر إلى وحش غير مروض، ويكون صاحبها فى كثير من الأوقات أول ضحاياها، ولعله مما يدعو إلى العجب، أن أقوى دولتين فى العالم الآن، وهما الولايات المتحدة وروسيا الإتحادية وما تملكان من قنابل ذرية وهيدروجينيه، هما أكثر الدول رعباً وخوفاً من الحرب، ومن قوتها المدمرة،... ومهما تحصن الإنسان، ووصل إلى النجوم ليجعلها مراكز غزو فى الفضاء، فإن كلمة عوبديا النبى تلحقه هناك: « وإن كان عشك موضوعاً بين النجوم فمن هناك أحدرك يقول الرب ».. عوبديا وشر أدوم كان الشر القاسى لأدوم، أنه عاش بلا إله، فهذا هو الذى وضع فاصلا بينه وبين أخيه يعقوب،... وقد ورث أبناؤه عنه هذه السمة، فتحولوا عن اللّه، واستقلوا، وعاشوا بلا إله فى العالم، وبنوا عظمتهم على أساس الاستقلال عن اللّه، وعندما يبنى الإنسان عشه بعيداً عن اللّه، فإنه يبنى الكارثة لنفسه مهما كانت عظمته بين الناس!!... ولعل دراسة التاريخ فى ذلك خير شاهد على الحقيقة،... لقد حاول الشيطان أن يبنى عظمته على أساس الاستقلال عن اللّه: « والملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم بل تركوا مسكنهم، حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام » " يهوذا 6 " وسقط آدم وحواء فى نفس التجربة إذ أرادا أن يكونا مثل اللّه، فطردا من جنة عدن، ليسجل التاريخ مأساة البشر الكبرى فى كل العصور،... لقد خدعتهما الحية بالاستقلال عن اللّه،... ورفض المسيح التجربة عندما حاول الشيطان أن يجربه بالاستقلال:... إن خررت وسجدت لى أعطيك!!.. عندما خرج قايين من حضرة اللّه، إلى أرض نود أو أرض البعد، خرج إلى التيه والضياع، والعذاب، الذى لاحقه الحياة كلها!!.. كانت مأساة الابن الضال القاسية، هى بعده عن بيته، ولم يتذوق الراحة، حتى عاد إلى بيت أبيه، بل ما يحمل البيت من حياة وهدوء وسلام وأمن وراحة، وتعلم ألا يستقل عن أبيه البتة!!.. وكان أدوم آثما إلى جانب ذلك بالكبرياء التى ملأت قلبه، كان الأدومى عملاقا فى الجسد، متحصناً وراء ما سبقت الإشارة إليه سواء فى الذهن أو الثروة أو القوة، ومن ثم ذكر عوبديا « تكبر قلبك » أو خطية الكبرياء والتى لحقت بالكثيرين ممن حاولوا أن يبنوا عشهم بين النجوم. وهل ننسى وصف إشعياء فى الأصحاح الرابع عشر وهو يهجو ملك بابل: « كيف باد الظالم بادت المتغطرسة... الهادية من أسفل مهتزة لك لاستقبال قدومك منهضة لك الأخيلة جميع عظماء الأرض. أقامت كل ملوك الأمم عن كراسيم كلهم يجيبون ويقولون لك أ أنت أيضاً قد ضعفت نظيرنا وصرت مثلنا. أهبط إلى الهاوية فخرك رنة أعوادك تحتك تفرش الرمة وغطاؤك الدود كيف سقطت من السماء يازهرة بنت الصبح؟ كيف قطعت إلى الأرض ياقاهر الأمم. وأنت قلت فى قلبك أصعد إلى السموات أرفع كرسى فوق كواكب اللّه وأجلس على جبل الاجتماع فى أقاصى الشمال. أصعد فوق مرتفعات السحاب. أصير مثل العلى. لكنك انحدرت إلى الهاوية إلى أسافل الجب. الذين يرونك يتطلعون إليك يتأملون فيك. أهذا هو الرجل الذى زلزل الأرض وزعزع الممالك؟ » " إش 14: 4 - 16 " وما أكثر الذين جاءوا بعد ملك بابل لينالوا المصير نفسه، نابليون بونابارت، وهتلر، وموسولينى وأمثالهم كل هؤلاء الذين بنوا عشهم، بين النجوم، ومن هناك أحدرهم اللّه القادر على كل شئ!!.. وكان أدوم أيضاً مصاباً بنعرة الجنس، ولم يعد يبالى بأخيه يعقوب، بل يناصبه العداء، وقد فقد كل عواطف الأخوة،... وما يزال العالم إلى اليوم يعانى، أقسى المعاناة من التعصب الجنسى،... كان سسل رودس يقول عن الشعب البريطانى إنه أعظم شعب فى العالم، وها نحن إلى اليوم نرى المشكلة الروديسية بين البيض والسود، وكأنما يلوم البيض اللّه لأنه خلق أجناساً سوداء اللون،... كان فوليتر يقول: سيأتى الوقت الذى يقال مدحاً فى الآخرين: هذا فرنسى المذاق.. وقال أحد السياسيين الأمريكيين: إن اللّه لم يصنع شيئاً أو أحداً يساوى الأمريكيين، ولا أظن أنه سيصنع!!.. وهل هناك حماقات تؤذى البشر أكثر من هذه الحماقات!!؟. وقد تمكنت من أدوم عاطفة من أقبح العواطف وأثرها فى الإنسان، وهى عاطفة الشماتة فضلا عن أنها عاطفة بغيضة جداً فى نظر اللّه إذ هى تيار أسود ملئ بالحقد والضغينة وعدم المروءة، فهى أمر غير إنسانى وقبيح، فمن سوء الأخلاق وضعتها وانحطاط النفس، أن نقف من تعاسات الآخرين وعجزهم وضعفهم موقف المتشفى المبتهج بهذا العجز والألم والتعاسة والضيق!. ولم يقف أدوم عند حدود الشماتة، بل تعدى الأمر إلى الظلم متمشيا مع التعبير الشعبى القائل: عندما تقع البقرة تكثر السكاكين،... وعندما حدثت المأساة لشعب اللّه، فرح أدوم، واتهمهم بكل نقيصة وشر، ووسع دائرة الاتهام، وألصق بهم مالم يفعلوه، وحملهم النتائج القاسية التى وصلوا إليها.. مع أن الخصم النبيل ولا نقول الأخ،... هو الذى لا يضرب إنساناً ساقطاً أمامه!!.. ولا يجهز على بائس مسكين يترنح من الضربات التى تكال له!!.. لكن أدوم أكمل شره بالقساوة الباغية، فقد تربص للضعفاء الهاربين من الغزو على مفارق الطرق ليقضى على المنفلتين، وهم فى عمق بؤسهم وضيقتهم، بشدة ولؤم وخسة!!.. عوبديا وخداع أدوم سقط أدوم فريسة الخداع، ويبدو أن خداعه جاء من اتجاهين: خداع الأصدقاء، وخداع النفس: « طردك إلى التخم كل معاهديك. خدعك وغلب عليك مسالموك. أهل خبزك وضعوا شركاً تحتك. لا فهم فيه »... " عو 7 " والذين يخدعون الآخرين قد يكونون مدفوعين بالخوف أو التملق أو المصلحة،... كان نيرون صاحب صوت منكر، ولكنه كان يعتقد أن صوته من أرخم الأصوات، وكان يلزم الآخرين أن يسمعوا غناءه، وكانوا يبدون إعجابهم الكبير بالصوت، خوفاً على حياتهم من بطشه وانتقامه،... وقد تملق الصوريون والصيداويون وهم « يلتمسون المصالحة لأن كورتهم تقتات من كورة الملك، وفى يوم معين لبس هيرودس الحلة الملوكية وجلس على كرسى الملك، وجعل يخاطبهم. فصرخ الشعب: هذا صوت إله لا صوت إنسان. ففى الحال ضربه ملاك الرب لأنه لم يعط المجد للّه. فصار يأكله الدود ومات.. » " أع 12: 20- 23 " والإنسان متى سمح للآخرين أن يخدعوه، فسينتهى به الأمر إلى الاتجاه الآخر، إن يخدع نفسه بنفسه، « تكبر قلبك قد خدعك » " عو 3 ".. «والقلب أخدع من كل شئ وهو نجيس من يعرفه ». " إر 17: 9 " والإنسان من تاريخه الأول إلى اليوم ضحية الخداع،.. وكما ذهب الشيطان إلى أبوينا الأولين فى جنة عدن، وبدأ معهما هناك بقصة الخداع، فهو إلى اليوم يضلل ويخدع فى كل مكان وزمان!!.. ولعله يوحنا ويسلى الذى وعظ ذات يوم عظة رائعة عظيمة، وما أن نزل من المنبر، حتى استقبله أحد السامعين بالقول... « ما أروعها وأعظمها من عظة ». وإذا بالواعظ العظيم يقول: لقد قال لى غيرك ذلك!!.. وقال السامع: ومن هو!!؟ وأجاب الواعظ: إنه الشيطان!!؟.. قالها له قبل أن ينزل من فوق المنبر،... وإذا كان يفعل ذلك فى أقدس الأماكن، فكيف يكون الأمر فى أحطها وأشرها؟!!. عوبديا وسقوط أدوم ونتعرض أخيراً لسقوط أدوم البشع، ولعل أول مظهر من مظاهر سقوطه، كان فى الفرصة الضائعة، لقد أصيب أخوه يعقوب بالنكبة التى كانت تقتضى منه المسارعة إلى المعونة، لا الوقوف موقف المتفرج، أو الإجهاز على بقايا المنفلتين. وما أكثر ما يقف الناس على الطريق فى موكب الحياة، موقف أدوم القديم: « يوم وقفت مقابله يوم سبت الأعاجم قدرته ودخلت الغرباء أبوابه وألقوا قرعة على أورشليم كنت أنت أيضاً كواحد منهم. ويجب أن لا تنظر إلى يوم أخيك يوم مصيبته ولا تشمت ببنى يهوذا يوم هلاكهم ولا تغفر فمك يوم الضيق. ولا تدخل باب شعبى يوم بليهم. ولا تنظر أنت أيضاً إلى مصيبة يوم بليته ولا تمد يداً إلى قدرته يوم بليته. ولا تقف على المفرق لتقطع منفلتيه ولا تسلم بقاياه يوم الضيق »... " عو 11 - 14 " وما أكثر ما يفعل الناس هكذا وهم مشغولون بأنانيتهم وكبرياء قلوبهم.. فى أسطورة وثنية قديمة، أن واحداً من الرؤساء القدامى حفر بئراً، وأمر بألا يشرب منها أحد غيره وغير عائلته، وكانت النتيجة أن البئر لم تعط ماء، فطلب العرافين الذين قالوا له إن البئر لا يمكن أن تعطى ماء إلا إذا شارك الشعب فى الانتفاع بها، فما كان منه، مدفوعاً بأنانيته، إلا أن يصدر قراراً بأن يشرب الشعب منها فى الليل، وهو وبيته يشربون منها فى النهار،... وحدث أن البئر فاضت بالماء عند غروب الشمس، وظلت طوال الليل تعطى ماء، وفى الصباح جفت، وعندئذ علم أن المشاركة الصحيحة هى أن يشرب هو والشعب فى وقت واحد،... وفاضت البئر عندئذ ليلا ونهاراً.. إن الحياة فى حقيقتها هى الإيثار لا الاستئثار وهى الخدمة الباذلة المضحية، وليست الأنانية أو الوصولية أو النفعية التى يعيشها ملايين الناس على الأرض!!.. فى ساحة إحدى الكنائس عبارة مكتوبة: « ما أعطيه أملكه وما أحفظه أفقده »،.. لقد زمجر عاموس - فيما ذكرنا عند التعرض لشخصيته - لحياة الأنانية التى تنسى آلام الآخرين: « ويل للمستريحين فى صهيون.. أنتم الذين تبعدون يوم البلية وتقربون مقعد الظلم، المضطجعون على أسرة من العاج والمتمددون على فرشهم والآكلون خرافاً من الغنم وعجولا من وسط الصيرة، الهاذرون مع صوت الرباب، المخترعون لأنفسهم آلات الغناء كداود، الشاربون من كؤوس الخمر والذين يدهنون بأفضل الأدهان ولا يغتمون على انسحاق يوسف ».. " عا 6: 1 - 6 " إن الأنانية وحدها بشعة كل البشاعة، ولكنها أكثر بشاعة عندما تكون فى مواجهة النفس والمنكوب والمتألم والمتضايق!!.. وسقط أدوم أيضاً عندما لم يدرك أن الزمن دوار، وطوبى للرحماء لأنهم يرحمون.... فى أساطير عيسوب أن الحمار الضعيف المسكين توسل إلى زميله الحصان أن يحمل عنه بعض حمله، وقال له إنه إن لم يفعل فالنتيجة ستكون أنه سيموت، وسيحمل الحصان الكل،... ولم يبال الحصان بالكلام، فسقط الحمار تحت ثقله ومات، ونقل صاحبهما كل حمل الحمار ووضعه على الحصان، بل أكثر من ذلك أنه وضع عليه جثة الحمار الميت، وقال الحصان: يا لى من أحمق! لقد رفضت أن آخذ شيئاً من حمل الحمار، وها أنا لا آخذ حمله فحسب، بل أحمل جثته أيضاً!!.. لعل من أطرف ما قيل، أن أحد المرسلين - وكان جراحاً فى مدارس بالهند رأى ذات يوم عند بابه كلباً صغيراً مكسور القدم، فما كان منه إلا أن جبر ساقه، وقال المرسل إن الشئ الغريب الذى حدث أنه أحس بخربشة فى اليوم التالى عند الباب وعندما فتح الباب وجد الكلب، وقد صحب كلباً آخر صغيراً مكسور الساق، وقد جاء به ليعالج،.. لئن صحت الرواية، فإن الإنسان مرات كثيرة يكون أحط من الحيوان، وأكثر أنانية،... ولعل هذا ما حد برئيس الأساقفة هو يتلى أن يقول: إذا سألتنى أن أخبرك عما يسبب الاضطراب الأكبر، والذى يهدد بأقسى الأخطار، فإنى أستطيع أن أقول لك إنك إذا تطلعت إلى المرآة، هناك سترى أصدق صورة لذلك!.. ومن المؤسف حقاً أن الناس فى كثير من أدوار الحياة تنسى أن الدنيا لا تبقى إنساناً على حال فهى ترفع المنخفض، وتخفض المرتفع، وهى تغنى الفقير وتفقر الغنى، وهى تقوى الضعيف، وتضعف القوى.. إنها الساقية التى تدور بسرعة أو ببطء، لكنها على أية حال تدور!!... وقديماً قال أحدهم للنعمان: إن كنت تعلم يا نعمان أن يدى قصيرة عنك، فالأيام تنقلب وقال آخر: أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتى به الغير وسالمتك الليالى فاغتررت بها وعند صفو الليالى يحدث الكدر والمثير فى الأمر على الدوام، أن الجزاء من جنس العمل: « كما فعلت يفعل بك، عملك يرتد على رأسك. لأنه كما شربتم على جبل قدسى يشرب جميع الأمم دائماً يشربون ويجرعون ويكونون كأنهم لم يكونوا » " عو 15 و16 ".. عندما قبض الإسرائيليون على أدونى بازق وقطعوا أباهم يديه ورجليه، قال الرجل: « سبعون ملكاً مقطوعة أباهم أيديهم وأرجلهم كانو يلتقطون تحت مائدتى. كما فعلت كذلك جازانى اللّه »... " قض 1: 7 " وقال جدعون، « لزبح وصلمناع: كيف الرجال الذين قتلتماهم فى تابور؟ فقالا مثلهم مثلك. كل واحد كصورة أولاد ملك. فقال هم اخوتى بنو أمى. حى هو الرب لو استحييتماهم لما قتلتكما ».. " قض 8: 18 و19 " ولم يدر هامان وهو يجهز الصليب المرتفع ليصلب عليه مردخاى، أنه يجهز لنفسه المصير التعس الذى سيصل إليه!!.. كان أدوم يرى نفسه، كما لاحظنا، القوة والمنعة، وهو « القائل فى قلبه من يحدرنى إلى الأرض » (عو 3) لقد وضع عشه بين النجوم أو أعلى من أن تصل إليه يد بشرية، ولكن المثل الشائع يلحقه: ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع لقد فكر أدوم فى قدرة البشر وهو يلقى على نفسه السؤال: « من يحدرنى إلى الأرض »،... ونسى أنه توجد يد أعلى من كل يد بشرية، خالقة الكواكب والنجوم ذاتها،... « ومن هناك أحدرك يقول الرب!!... " عو 4 " وحسب المقاييس البشرية ماذا ينقص أدوم وقد ارتفع بعشه فوق الزوابع والعواصف والمحن التى تتلف الكرة الأرضية، ولكنها تغلف جوها دون أن تبلغ النجوم، أما الذى يبلغ من المناعة ما يعلو به على الريح، فهو آمن من ثورة الطبيعة والإنسان، ومن غدر الزمان، كما يحلو للمخدوع أن يتصور ولكن هذا الإنسان، فرداً كان أو أمة، ينسى أن المصير دائماً تحكمه اليد الإلهية العليا،... وأن هذه اليد تسمح أن يرتفع الجبار إلى أعلى ما يتصور الخيال البشرى، حتى يسقط سقوطاً ملحوظاً من كل البشر، بل ومن كل التاريخ أيضاً!!.. ويكون سقوطه عظيماً!!.. كان سقوط أدوم رهيباً، لأنه كان سقوطاً من النجوم العالية إلى الأرض أو الحضيض كما يقولون،... وها نحن لا نعرف عن أدوم الآن شيئاً، لقد ضاع وانتهى إلى الأبد، وتحولت جباله وصخوره إلى مقابر رهيبة لمجده وجلاله ومتعته وتاريخه بأكمله،ونحن لا نستطيع أن ننهى القصة دون أن نتعمق إلى ما هو أعظم وأكمل وأبهى، إذ أن الدورة عادت لتصحح الوضع المقلوب، لقد أضحى القوى ضعيفاً، وعاد الضعيف قوياً، وجاءت نهاية أدوم بيد يعقوب جزاءاً وفاقاً لإثمه وشره وخطيته وحقده وانتقامه، ولذلك نقرأ: « ويكون بيت يعقوب ناراً وبيت يوسف لهيباً وبيت عيسو قشا فيشعلونهم ويأكلونهم ولا يكون باق من بيت عيسو لأن الرب تكلم »... " عو 18 " ونحن نسأل عن السر، وهل هو نوع من الانتقام رد به يعقوب على عيسو فى يوم من الأيام!!.. لا نظن إذ أن الأمر أعلى وأسمى، وليس هو مجرد صراع بين جماعات تدور بها الأيام وتلف، بين غالب ومغلوب، لقد أعطانا عوبديا الصورة الصحيحة الحقيقية، إذ ختم نبوته بما يمكن أن نطلق عليه « مسك الختام » فى القول: « ويكون الملك للرب »... " عو 21 " وهذا يحولنا بدورنا من الأرض أو النجوم، إلى من هو فوق الاثنين، إلى الحاكم المطلق الأبدى الذى يضع ولا أحد يرفع، ويرفع ولا أحد يضع!!.. ويقود التاريخ فى كل أدواره صوب النهاية المؤكدة، التى تجعلنا نغنى مع عوبديا بكل بهجة ويقين: « ويكون الملك للرب »..!!..
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل