مقالات

Large image

عبارة عن جزء مؤلف يعمل على علاج موضوع محدد من ناحية تأثر الكاتب به. • المقال هو أداة الصحفي التي يعبر بها عن سياسة الصحيفة وعن آراء بعض كتابها فى الأحداث الجارية. • المقال فن نثري يبين الكاتب فيه قضية معينة أو فكرة ما بأسلوب منظم ومشوق. • المقال فن ملخص بالكلمات و العبارت حول مسألة بالتلميح أو التصريح. • المقال نوع من النثر الفني يتم عرض موضوع معين بشكل متسلسل مترابط يبين فكرة المؤلف وينقلها إلى القارىء والسامع نقلاً ممتعاً ومؤثراً. المقال هو لسان حال المواطنين وصلة الوصل بينهم وبين الحكام والحكومات.

المقالات (1046)

29 مايو 2021

الرسالة الخامسة عید القیامة في ٢٠ برمودة ٤٩ ش 15أبریل ٣٣٣ م

لتستنیر أذهانكم بنور الرب أخوتي…. إننا ننتقل هكذا من أعیاد إلى أعیاد، ونسیر من صلوات إلى صلوات، ونتقدم من أصوام إلى أصوام، ونربط أیامًا مقدسة بأیام مقدسة.لقد جاء مرة أخرى الوقت الذي یجلبنا إلى بدایة جدیدة، تعلن عن الفصح المبارك الذي فیه قدم الرب ذبیحة.إننا نأكله بكونه طعام الحیاة، ونتعطش إلیه مبتهجة نفوسنا به كل الأزمان، كأنه یفیض بدمه الثمین. إننا نشتاق إلیه على الدوام شوقًا عظیمًا، وقد نطق مخلصنا بهذه الكلمات في حنو محبته موجهًا حدیثه إلى العطشى، إذ یرید أن یروي كل عطشان إلیه، قائلاً "إن عطش أحد فلیأت إلي لیشرب" ولا یقف الأمر عند هذا الحد إذا جاءه أحد یروي عطشه فحسب، بل عندما یطلب إنسان یعطیه المخلص بفیض زائد مجانًا. لأن نعمة الولیمة لا یحدها زمن معین ولا ینقص عظمة بهائها، بل هي دائمًا قریبة تضيء أذهان المشتاقین إلیها برغبة صادقة. لأن في هذه الولیمة فضیلة دائمة یتمتع بها ذوي العقول المستنیرة المتأملین في الكتاب المقدس نهاراً ولیلاً، وذلك مثل الرجل الذي وهب نعمة كما جاء في المزامیر "طوبى للرجل الذي لم یسلك في مشورة المنافقین وفي طریق الخطاة لم یقف وفي مجلس المستهزئین لم یجلس. لكن في ناموس الرب یلهج نهاراً ولیلاً"( ٢) لأن مثل هذا لا تضيء له الشمس أو القمر أو مجموعة الكواكب الأخرى، بل یتلألأ ببهاء الله الذي هو فوق الكل. بركات العید أعزائي… إن الرب هو الذي سبق فأعد لنا أولا هذا العید، وهو الذي یتعطف بنا ویتحنن علینا بأن نعید به عامًا بعد عام فقد أرسل ابنه للصلیب من أجلنا، ووهبنا بهذا السبب العید المقدس الذي یحمل في طیاته كل عام شهادة بذلك، إذ یتم العید كل عام في نفس الوقت (بنفس المناسبة). وهذا أیضًا ینقلنا من الصلیب الذي قدم للعالم إلى ذاك الذي هو موضوع أمامنا، إذ منه ینشئ لنا الله فرحًا بالخلاص المجید، ویحضرنا إلى نفس الاجتماع، ویوحدنا في كل مكان بالروح،راسمًا لنا صلوات عامة،ونعمة عامة تحل علینا من العید.فإن هذا هو عجب محبته المترفقة، أنه یجمع في نفس المكان من هم على بعد، ویقرب أولئك الذین هم بعیدین بالجسد لیكونوا بروح واحد. لنذكر بركات الله لنا لهذا ألا نعرف یا أحبائي النعمة التي تنبع من قدوم العید!؟ أما نرد شیئًا لذاك الذي هو محسن علینا؟! حقًا إنه یستحیل أن نرد لله حسناته علینا، لكنه أمر شریر أن نأخذ الهبات ولا نعرفها.والطبیعة نفسها تشهد بعجزنا، لكن إرادتنا توبخ جحودنا. لهذا فأن بولس الطوباوي عندما كان یتعجب من عظم بركات الله قال "من هو كفء لهذه الأمور" لأنه قد تحرر العالم بدم المخلص، وبالموت داس الموت، ممهدًا طریق الأمجاد السماویة بغیر عقبات أو حواجز لهؤلاء الذین ینمون.لهذا عندما أدرك أحد القدیسین النعمة مع عجزه عن أن یرد لله مقابلها قال "ماذا أرد للرب من أجل كثرة حسناته لي"لأنه عوض الموت تقبل حیاة، وبدل العبودیة نال حریة وبدل القبر وهب له ملكوت السموات.لأنه منذ وقت قدیم "تسلط الموت من آدم إلى موسى"، أما الآن فأن الصوت الإلهي قال "الیوم تكون معي في الفردوس". وإذ یشعر الإنسان القدیس بهذه النعمة یقول "لولا أن الرب كان معي، لهلكت نفسي في الهاویة"علاوة على هذا، یشعر الإنسان بعجزه عن أن یرد للرب عن إحساناته، لكنه یعرف عطایا الله كاتبًا في النهایة "كأس الخلاص أتناول وباسم الرب أدعو… عزیز في عیني الرب موت أتقیائه" أما عن الكأس، فقد قال الرب "أتستطیعان أن تشربا الكأس التي سوف أشربها أنا؟!". ولما قبل التلمیذان هذا، قال لهما "أما كأسي فتشربانها… وأما الجلوس عن یمیني وعن یساري فلیس لي أن أعطیه إلا للذین أعد لهم من أبي"لهذا یلزمنا أیها الأحباء أن تكون لنا حساسیة من جهة العطیة، حتى وإن وجدنا عاجزین عن رد إحسانات الرب،إنما یلزمنا أن ننتهز الفرصة. فأن كنا بالطبیعة عاجزین عن أن نرد "للكلمة" أمور تلیق به، عن تلك البركات التي أغدق بها علینا فلنشكره إذ نحن محفوظون في التقوى. وكیف یمكننا أن نربط بالتقوى إلا بتعرفنا على الله الذي من أجل حبه للبشر قدم كل هذه البركات؟! (فأننا بهذا نحفظ الشریعة في طاعة لها، سالكین في الوصایا، لأنه بكوننا غیر جاحدین بل شاكرین إیاه لا نكون مخالفین للناموس ولا مرتكبین لأمور مكروهة، لأنه الله یحب الشاكرین).وأیضًا عندما نقدم أنفسنا للرب مثل القدیسین، عندما نصف أنفسنا بأننا لا نحیا لنفوسنا بل للرب الذي مات من أجلنا، كما فعل بولس الطوباوي عندما قال "مع المسیح صلبت فأحیا لا أنا بل المسیح یحیا في" لنقدم له من الذي له فینا والآن أیها الأخوة تكمن حیاتنا حقیقة في نبذنا الأمور الجسدیة وتمسكنا بثبات في الأمور الخاصة بمخلصنا وحدها. فالموسم الحالي لا یتطلب منا مثل هذا الكلام فحسب بل والإقتداء بأعمال القدیسین.لنقتد بهم، ذلك إن عرفنا ذاك الذي مات (عنا) فلا نعود بعد نحیا لأنفسنا بل للمسیح الساكن فینا.وإذ نرد إلى ربنا قدر طاقتنا، إنما نرد إلیه لا من عندیاتنا بل بتلك الأشیاء التي أخذناها منه، التي هي نعمته،فهو یسألنا عطایاه التي وهبنا إیاها. وقد حمل شهادة بذلك بقوله أن الذي تعطوني إیاه إنما هو عطایاي. لأن ما تعطوني كأنه منكم إنما قد نلتموه مني إذ هو عطیة من قبل الله. لنقدم لله كل فضیلة وقداسة صحیحة هي فیه، ولنحفظ العید الذي له في تقوى بهذه الأمور التي قدسها لأجلنا.لنعمل في الأعیاد المقدسة…. مستخدمین نفس الوسائل التي تقودنا إلى طریق نحو الله.ولكن لیتنا لا نكون مثل الوثنیین أو الیهود الجهلاء أو الهراطقة أو المنشقین…فالوثنیین یظنون أن العید یظهر بكثرة الأكل.والیهود إذ یعیشون في الحرف والظلال یحسبون هكذا.والمنشقون یعیدون في أماكن متفرقة بتصورات باطلة.أما نحن یا إخوتي، فلنسمو على الوثنیین حافظین العید بإخلاص روحي وطهارة جسدیة. ولنسمو على الیهود فلا نعید خلال حرف وظلال، بل بكوننا قد تلألأنا مستنیرین بنور الحق، ناظرین إلى شمس البر (مل ٢:٤ ). ولنسموعلى المنشقین فلا نمزق ثوب المسیح بل لنأكل في بیت واحد هو الكنیسة الجامعة فصح الرب الذي بحسب وصایاه المقدسة یقودنا إلى الفضیلة موصیًا بنقاوة هذا العید. لأن الفصح حقًا خالٍ من الشر، للتدرب على الفضیلة والانتقال من الموت إلى الحیاة.هذا ما یعلم به الرمز الذي جاء في العهد القدیم. لأنهم تعبوا كثیراً للعبور من مصر إلى أورشلیم، أما الآن فنحن نخرج من الموت إلى الحیاة.هم عبروا من فرعون إلى موسى، أما نحن فإننا نقوم من الشیطان لنكون مع المخلص.وكما أنه في مثل ذلك الوقت یحملون شهادة سنویة عن رمز الخلاص هكذا فأننا نحن نصنع ذكر خلاصنا.نحن نصوم متأملین في الموت، لكي نكون قادرین على الحیاة.ونحن نسهر لیس كحزانى، بل منتظرین الرب، متى جاء من العرس حتى نعیش مع بعضنا البعض في نصرة،مسرعین في إعلان النصرة على الموت. كیف نعید؟ لیتنا یا أحبائي، نحكم أنفسنا –كما تتطلب الكلمة- في كل الأوقات ونحكم أنفسنا حكمًا تامًا، وهكذا نعیش دون أن ننسى قط أعمال الله العظیمة، ولا ننفصل قط عن ممارسة الفضیلة!وكما ینذرنا الصوت الرسولي قائلاً "أذكر یسوع المسیح المقام من الأموات"، دون أن یشار إلى زمن محدود بل أن یكون ذلك في فكرنا في كل الأوقات.ولكن لأجل كسل الكثیرین نحن نؤجل من یوم إلى یوم، فلنبدأ إذًا من هذه الأیام! لقد سمح بوقت التذكر (بقیامة المسیح) لأجل هذا الهدف حتى یظهر للقدیسین جزاء دعوتهم، وینذر المهملین موبخًا إیاهم. لهذا فإنه لیتنا في كل الأیام الباقیة نكون محفوظین في سلوك صالح، ویكون عملنا التوبة عن كل ما نهمل فیه، لأنه لا یوجد إنسان قط معصوم من الخطأ، ولو كانت حیاته یومًا واحدًا على الأرض، كما یشهد بذلك أیوب الرجل البار. وإذ نمتد إلى ما هو قدام لیتنا نصلي ألا نتناول الفصح بغیر استحقاق حتى لا نكون في خطر.لأن الذین یحفظون العید في نقاوة یكون الفصح طعامهم السماوي، أما الذین ینتهكون العید بالدنس والاستهتار،فأنه بالنسبة لهم یكون موبخًا وخطیراً. فأنه مكتوب بأن من یأكله أو یشربه بدون استحقاق یكون مجرمًا في جسد (موت) الرب لذلك لیتنا لا نقف عند مجرد تنفیذ الطقوس الخاصة بالعید، بل نستعد للاقتراب للحمل الإلهي ونلمس الطعام السماوي.لننقي أیدینا ونطهر الجسد.لنحفظ فكرنا كله من الدنس، فلا نسلم أنفسنا للكبریاء والشهوات، بل ننشغل دومًا بربنا وبالتعالیم الإلهیة، حتى نكون بالكلیة طاهرین نستطیع أن نكون شركاء مع الكلمة الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الكبير القمص تادرس يعقوب ملطي
المزيد
28 مايو 2021

بطرس الرسول

القديس بطرس الرسول لم يكن خادما ًمثاليا، ولم يختلف عن باقي الرسول ولم يكن له صفات معينه تفرق بينه وبين الرسل، فهو إنسان طبيعي، ولن قدوة ولكن قدوة الله التي علمت فيه بصورة كبيرة وأخرجت لنا بطرس الرسول وهناك نقط في حياة القديس بطرس سوف نتكلم ومن هذه النفط والصفات :- أولا: دعوة بطرس حدثت دعوة بطرس عندما مر عليه السيد المسيح ودعاه للخدمة وقال أتبعني، وعلي الفور ترك بطرس الشباك وتبع السيد المسيح، لقد كان بطرس الرسول صيادا للسمك، ولم يحمل أي مؤهلات، وهذا يعني أن الله يختار تلاميذه لا ينظر إلي الإمكانيات العملية أو العقلية فإختار السيد المسيح لم يكن قائم بناء علي المؤهلات أو المواهب ولا الإمكانيات والطاقات، فبطرس ليس لديه خبرة بشئ إلا بالبحر فهو لا يغرف إلا السمك أنواعه، أسعاره ولم يكن القديس بطرس صاحب جاه أو مركز أو مال بل كان فقيرا وهذا يدل علي أن الله لا يختار أشخاص معينين أو أشخاص مختلفين أو لهم مميزات عن غيرهم فدعوة الله ليست قاصرة علي أصحاب المواهب طبل اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء (1كو27:10)ولكن ما هو المعيار أو المقياس الذي تم بناء عليه اختيار القديس بطرس؟! المعيار هو القلب فالله ينظر إلي القلب وليس إلي العينين فقد كان القديس بطرس يتمتع ببساطة قلب فالله ينظر إلي القلب وليس الإمكانيات والمواهب. والله نظر إلي القديس بطرس فوجد في قلبه :- حب للخدمة قلبه كان ملئ بالمحبة، رغم أن المعالم الخارجية لشخصه بطرس لم توحي بذلك. ثانيا: غيرة بطرس كلن بطرس شخصية غيورة ولكن بلا فهم غير مصحوبة بالتسرع والاندفاع والتهور هناك كثيرون لهم غيرة وليس لهم حكمة وهذا نوع خطير في الخدمة فالغيرة وحدها لا تكفي !!فلا يصح أن يكون الشخص له غيرة جاهلة !أو غيرة بلا فهم فالغيرة السليمة هي الغيرة التي بلا تهور أوإندفاع فلا يصلح أن يكون الخادم ضراب أو مهين أو مجرح لشعور الأخرين فالإصلاح لا يكون فقط بالغيرة التي يصاحبها الحماقة والتهور دون حكمة او فهم فالمهم هو الحكمة والاقتناع والعمق فالغيرة التي يصاحبها عنف هي غيرة مرفوضة في الخدمة والغيرة التي تجرح شعور الأخرين غير مطلوبة السيد المسيح عندما قلب موائد الصيارفة لم يؤذي أحد من الناس، فكان غرضه منصب علي هذه الموائد وعندما جاء اليهود ليقبضوا علي السيد المسيح اندفع بطرس وقطع إذن عبد رئيس الكهنة، ولكن السيد المسيح اعترض علي هذا العمل وقال له : " رد سيفك إلي مكانه لأن كل الذين يأخذون بالسيف بالسيف يهلكون " (مت 52:26)وقام السيد المسيح بإعادة الأذن للعبد مرة أخري بمعجزة فالغيرة المصحوبة بالعنف تأتي بنتائج عكسية.. فهي تدفع إلي الناس وتبعدهم عن الكنيسة ولا تجعلهم يقتربون منها.. فلذلك الغيرة الجاهلة هي منتهي الخطورة علي الخدمة. ثالثا ً: إيمان بطرس كان بطرس مؤمنا إيمان عظيم بالسيد المسيح، ولكن هذا الإيمان كان لإيمان عاطفي وليس إيمان عقلي والمفروض أن يكون الإيمان مبنيا علي العاطفة والعقل معا ًوكان نتيجة هذا الإيمان العاطفي أن بطرس هو أول شخص من التلاميذ اعترف بلا هوت السيد المسيح عندما سـأل السيد المسيح التلاميذ من يقول الناس إني أنا فرد بطرس وقال " أنت هو المسيح ابن الله الحي " ( مت 16:16 ) فامتدح السيد المسيح إيمان بطرس وقال له "طوبي لك يا سمعان بن يونا لأن لحما نودما لم يعلن لك لكن لأبي الذي في السموات " (مت 17:16) وعندما أعلن السيد المسيح أنه سيتألم ويصلب إندفع بطرس وعندما أعلن السيد المسيح أنه سيتألم ويصلب إندفع بطرس وقال "حاشا يارب " فإنتهره السيد المسيح وقال (اذهب عني يا شيطان ) وذلك لأن ايمان بطرس هو ايمان عاطفي وليس ايمان عقلي ولذلك فالخادم العاطفي في الخدمة أحيانا يكون قوي وأحيانا ضعيف فالحكمة في الخدمة شئ مطلوب. رابعا :كان بطرس خادماً مليئا بالرجاء كان بطرس ملئ بالرجاء، فقد فعل بطرس ما فعله يهوذا الأسخريوطي ويمكن أبشع منه !فقد ذهب يهوذا وباع السيد المسيح وأخذ ثلاثين من الفضة لمجرد أن يعرف اليهود طريق المسيح فقط، فقال لهم من أقبله هوهو أمسكوه ن وبعدما وحكموا علي السيد المسيح شعر يهوذا أنه أسلم دما بريئا، وحاول إرجاع الفضة التي أخذها ولكنهم رفضوا فذهب وشنق نفسه لأنه لم يكن عنده رجاء أن السيد المسيح بعد صلبه وقيامة وسوف يغفر له خطيته، أما بطرس الرسول فقد أنكر السيد المسيح بل لم يكتفي بذلك فقد لعن وسب وجدف علي السيد المسيح أمام جارية !!ولكن بطرس بكي بكاءا مرا علي عملته هذه وكان عنده رجاء أن السيد المسيح سوف يغفر له خطيته، وأصر القديس بطرس علي تبعية السيد المسيح وهذا دليل علي أنه عنده رجاء أن الله ان يرفضه.. فذهب إلي العلية وأصر علي ترك التلاميذ وبعد القيامة قال الملاك للنسوة " أذهبن وقلن للتلاميذ ولبطرس أنه يسبقكم إلي الجليل وظهر السيد المسيح لبطرس علي بحر طبرية وعاتبه عتاب المحبة وقال له " يا سمعان ابن يونا أتحبني "(ثلاث مرات ") فد بطرس عليه "أنت تعلم يارب أني أحبك " فقال له السيد المسيح "أرع خرافي " وبكي بطرس ومع ذلك لم يفقد القديس بطرس رجاءه في القيامة في محبة المسيح وغفرانه وهذا يدل علي أنه كان ملئ بالرجاء فالمفروض أن الخادم يكون لديه لرجاء في المسيح فمهما فعل الخادم فالمسيح لن يتركه خامساً : الله يستطيع أن يحول الصفات الغريبة في الخادم إلي صفات جميلة كان في بطرس صفة الاندفاع والتهور وقد حول السيد المسيح هذه الصفات الغريبة لتكون وسيلة للمنفعة فكان بطرس مشهور بصفة التسرع وهذه الصفة نفعت في يوم الخمسين (يوم حلول الروح القدس )فعندما قال اليهود عن التلاميذ يوم الخمسين أنهم سكري قام بطرس بشجاعة وأقحمهم(وكانت أورشليم مكتظة باليهود من جميع بلدان العالم ومن جميع الجنسيات )فقام بطرس واندفع ودافع عن المسيحة والتلاميذ فباندفاعه هذا قام وتكلم ووعظ الناس وفي هذا اليوم أمن 3 ألاف نفس وكانت أكبر عملية تبشير بعد حلول الروح القدس علي التلاميذ فالله استخدم اندفاع بطرس وشجاعته لصالح الخدمة.وعندما طلب اليهود من التلاميذ ألا يتكلموا عن السيد المسيح ويبشروا به، فبشجاعة قال بطرس والتلاميذ "لا نستطيع أن نتكلم بما سمعنا ورأينا " (أع 20:4)ان الله استخدم التهور عند بطرس للكرازة والخدمة الله يستخدم كل ضعفات وطاقات الخادم في الخدمة لكي تثمر، فالمسيح لم يغير طبيعة بطرس ولكن عرف كيف يستخدمها في الخدمة ولخير الناس وقد يكون الخادم متشددا ًمع الأولاد في الخدمة فحزمه وتشديده علي الأولاد لحضور القداس ومدارس الأحد قد يؤدي انتظام والتزام الأولاد علي المواظبة أو تشديد أمين الخدمة أو أمين الأسرة مع الخدام من جهة التحضير والافتقاد والقراءات الروحية والجدول الروحي مهم ويقيد الخدام والخدمة أن الله لا يغير طبيعة أي شخص من الرسل ولكنه استخدمه كما هو بشخصيته المميزة فالله لا يغير طبيعة الإنسان ولكن فقط قد يعدل من شخصيته للأفضل
المزيد
27 مايو 2021

27- شخصيات الكتاب المقدس إيليا

" يا أبى يا أبى مركبة إسرائيل وفرسانها" 2" مل 2: 12 " مقدمة تطرح قضية إيليا علينا سؤالا حيوياً يلزم أن نتنبه إليه بين الحين والآخر، وهو ما قيمة: الرجل!!؟ فى علم الإحصاء: الرجل الواحد يكتب واحداً مهما صغر أو كبر شأنه، وإن رجلين مهما يختلفان طولا أو عرضاً أو سناً أو مقاماً أو قوة أو نفوذاً، يحسبان اثنين!!... غير أن الأمر يختلف تماماً فى قصة الحياة!!؟... وقف القائد الإنجليزى نيلسون على بارجة من البوارج البحرية، والتف حوله الجنود، وهم يتحدثون عن قوة أعدائهم،... وإذا به يمسك بالمنظار المكبر، ويضعه على عينه المفقودة البصر، وينظر بها إلى الأمام، ويقول: إنى لا أرى أمامى أعداء!!... وهو يقصد السخرية والاستهانة بمن يحسبونهم قوة معادية وهو يراهم لا شئ أمامه،... فالإنسان فى نظره لا يحسب قوة معادية وهو يراهم لا شئ أمامه،... فالإنسان فى نظره لا يحسب بمجرد العدد، بل بالعدة والقوة، ويبدو أن إيليا كان يقصد شيئاً من هذا القبيل، وليس بالضرورة مع الأعداء، بل ربما مع الأصدقاء أيضاً،... فمع أن عوبديا حدثه عن نفسه، وكيف أمكنه أن يخبئ مائة من الأنبياء فى مغارتين، إلا أن إيليا عندما تحدث مع الرب بعد ذلك، لم يحسب حساباً لهؤلاء الأنبياء، ناهيك عما علمه بعد ذلك بأن هناك سبعة آلاف ركبة لم تجث لبعل، وكل فم لم يقبله، إذ أن إيليا لم ير أحداً يواجه الوثنية والفساد غيره: " بقيت وحدى "... وفى عرف أليشع كانت هذه الحقيقة واضحة وهو يصرخ عند صعود إيليا إلى السماء،... إذ لم ير فردا صاعداً أمام عينيه، بل رأى جيشاً بأكمله فى صورة فرد. مركبة إسرائيل وفرسانها "... وهو يذكرنا بما قاله أحد القواد لجنوده، عندما جاءوا يتحدثون إليه عن الكثرة الهائلة المتفوقة لجنود الأعداء على عددهم!!.. وكان سؤاله للجنود!!.. وبكم تحسبوننى أنا!!؟ كانت مارى الدموية تفزع من جون نوكس، وتفضل أن تلاقى جيشاً من عشرة آلاف رجل، على مقابلة الرجل الذى كتب على قبره... هنا يرقد الرجل الذى لم يهب فى حياته قط وجه إنسان!!.كان إيليا جيشاً عرمرما فى وجه آخاب وإيزابل، ومن هنا سنقرأ قصته ونعرف من هو، وما هى رسالته، وكيف يمكن أن تتكرر فى كل أبطال اللّه على كر العصور والأجيال!!؟ إيليا ومن هو كان إيليا من الشخصيات العظيمة التى كثرت حولها الآراء والتقاليد، إلى درجة أن الأساطير فى التلمود صورته بصورة فينحاس بن هرون، وقد عاد إلى الحياة مرة أخرى لينتقم لمجد الرب الذى حاولت إيزابل وآخاب أن يضيعاه من إسرائيل!!.. أو هو الملاك أو رسول الرب الذى صعد إلى السماء، بعد أن قدم جدعون تقدمته أمامه، فمسها بالعكاز وصعد فى لهيبها إلى السماء،... وهو الرجل الذى قلده الكثيرون من اليهود زعامة الأنبياء، والذى رن اسمه طيلة تسعة قرون فى صدور الإسرائيلين، والذى كانوا يضعون له كرسياً شاغراً عند ختان كل صبى فى إسرائيل، وعند الفصح، آملين أن يظهر بغتة فى مثل هذه المناسبات،.... والكلمة " إيليا " تعنى " إلهى يهوه " أو: " إلهى إله العهد " - أما " تشبه " التى ولد فيها فلا يعرف موقعها على وجه التحديد، فالبعض يقول إنها بلدة فى الجليل تقع فى سبط نفتالى، ولذا يعتقدون أن إيليا كان من هذا السبط، وأنه هو أو ربما أبويه، قد هرب إلى جلعاد من وجه الاضطهاد والوثنية أيام عمرى أبى آخاب، واستوطن هناك، ولذا دعى من مستوطنى جلعاد، بينما يعتقد آخرون أن تشبه هذه بلد فى جلعاد الواقعة شرقى الأردن تجاه السامرة، وأن إيليا ولد فيها، ووجد من رده إلى الأصل القينى كيوناداب بن ركاب فى أيام ياهو!!. ومهما يختلف الناس فى أصله أو نسبه، فإنه من الواضح أنه كان رجلاً جبلياً إذا صح التعبير، يألف حياة الجبال. وقد جاء المعمدان بعده، ليعيش فى البرية إلى يوم ظهوره لإسرائيل، وهذا النوع من الناس يتسم فى العادة بالخشونة والصلابة والشجاعة وقوة الاحتمال،... ومنهم الجاديون الذين فى أيام داود، وصفوا بالقول: " جبابرة البأس رجال جيش للحرب صافوا أتراس ورماح وجوههم كوجوه الأسود وهم كالظبى على الجبال فى السرعة. هؤلاء هم الذين عبروا الأردن فى الشهر الأول وهو ممتلئ إلى جميع شطوطه وهزموا كل أهل الأودية شرقاً وغرباً ".. " 1 أي 12: 8 - 15 " والكتاب يصف إيليا: " أشعر متنطق بمنطقة من جلد على حقويه ". " 2 مل 1: 8 ". والتقليد يقول: " إنه كان قصير القامة نذيراً، أسود الشعر يتدلى شعره على كتفيه فى شبه عرف الأسد "... ومع أننا لا نعرف كم استمرت فترة نبوته لإسرائيل، غير أن البعض يرجح أنها كانت عشرين عاماً، وأنه دعى للنبوة ومواجهة آخاب فى السنة الخامسة من كلمة، أو حوالى عام 920 ق. م. وأنه التقى بآخاب بعد مصرع نابوت عام 906 ق.م،وأنه صعد إلى السماء عام 900 ق. م.. إيليا وظهوره ظهر إيليا فجأة كالشهاب اللامع فى الليل البهيم... وأغلب الظن أنه كالمعمدان، عاش السنوات السابقة لظهوره فى البرية، وبين الجبال، يتأمل ماضى أمته العظيم، وكيف تحول كل شئ خراباً إثر مجئ إيزابل زوجة لأخاب الملك، وكانت إيزابل بنت اثبعل ملك الصيدونين، وكان أبوها كاهنا للبعل - كما يقول يوسيفوس - وقدوضعت خطتها من اللحظة الأولى لمجيئها إلى إسرائيل أن تبيد اسم اللّه من كل مكان، وأن تحل محله اسم البعل وعبادته، وهوت ابنة الشيطان على كل مقدس فى إسرائيل، هدمت مذابح اللّه، وقتلت الأنبياء، وأجبرت الناس على الانحناء للبعل وعشتاروث، وأحلت محل أنبياء اللّه أربعمائه وخمسين من أنبياء البعل، وأربعمائه من أنبياء السوارى، وكان البعل أبا الآلهة عند الفنيقيين ومصدر القوة والسيطرة والبهجة، والسوارى أو عشتاروث آلهة الخصب والشباب والجمال، ولم يستطيع إيليا وهو ينظر مأساة أمته، إلا أن يتحول ينبوعا من الحزن العميق والغضب الهائل، والمقاومة الجبارة،... وهل يمكن أن يكون غير ذلك، وهو الإنسان الذى كانت عبارته المفضلة: "حى هو رب الجنود الذى أنا واقف أمامه " " 1 مل 18: 15 ".. وهل يستطيع واحد منا وقد وقف أمام الرب الحى، ليرى بيتاً من بيوت اللّه، وقد كان عامراً بالأمس، مجيداً ينادى بمجد اللّه، وقد تحول اليوم خراباً تنعق فيه البوم والغربان، بسبب الخطية والشر؟، وهل يمكن أن يمر بهذا البيت دون أن يقول: " ياليت رأسى ماء وعينى ينبوع دموع فأبكى نهاراً وليلا قتلى بنت شعبى " " إر 9: 1 ". أليس هذا هو إحساس نحميا أمام أرتحشستا الملك: " فقال لى الملك لماذا وجهك مكمد وأنت غير مريض؟ ما هذا إلا كآبة قلب... وقلت للملك ليحيى الملك إلى الأبد. كيف لا يكمد وجهى والمدينة بيت مقابر آبائى خراب وأبوابها قد أكلتها النار " " نح 2: 2 و3 " وإلى جوار هذا الحزن امتلأ الرجل بالغضب الهائل، إذ أنه عاش طوال سنى خدمته يتقد غيره، وانطوت نفسه على ثورة لا تهدأ ولا تستريح،... وإن الغيرة المتقدة الآكلة، حولت قلبه إلى كتلة من لهيب، وثورة هائلة، لا تستطيع مياه الأرض كلها أن تطفىء سعيرها، ولظاها،.. هل لك اللهيب المقدس أيها المؤمن - وعلى وجه الخصوص - وأنت تعلم، أنه ليس شئ عند اللّه أقسى وأوجع من الحياة الفاترة إلى الدرجة التى تثير الغثيان: " ليتك كنت بارداً أو حاراً، هكذا لأنك فاتر ولست بارداً ولا حاراً أنا مزمع أن اتقيأك من فمى " " رؤ 3: 15 و16 " وقد تحول الحزن والغضب إلى مقاومة جبارة،... لقد كانت رسالته، فى لحمتها وسداها، مقاومة الشر والفساد والطغيان والعبادة الكاذبة،... وهل يستطيع أن يقف أمام الرب، ثم يواجه البعل، وتهدأ نفسه وتستريح،.. كانت روسيا القيصرية تبذل كل جهدها فى مقاومة المرسليات فى القرن الماضى فى أنحاء الامبراطورية التركية،... وقد حدث لقاء بين واحد من سفراء القيصر، وأحد رجال اللّه،... وقال السفير للمرسل: ينبغى ان أقول لك بكل صراحة أن سيدى القيصر لن يسمح للمرسليات البروتستانتية بأن تضع قدمها فى الإمبراطورية التركية، وقال المرسل رداً على ذلك: " ياصاحب الفخامة: إن سيدى الرب يسوع المسيح لن يسأل قيصر الروس أين يضع قدميه "... إن روسيا التى ضربها العفن والفساد هوى قياصرتها، ومجدهم، وبقى اسم المسيح، وسيبقى إلى الأبد، وقد أصدر السلطان عبد المجيد خان الفرمان الهمايونى فى شهر ديسمبر عام 1850، والذى أخذ به المذهب الإنجيلى فى مصر مركزه القانونى وقد نص فيه: " عند وصول أمرى العالى الشاهانى إليك ليكن معلوماً لديك أن طائفة النصارى من رعايا دولتى الذين تبعوا مذهب البروتستانت وسلكوا فيه حيث أنهم لغاية الآن ليسوا تحت نظارة مستقلة وأن بطارقة ورؤساء مذاهبهم القديمة التى تركوها بالطبع لم يعد لهم أن ينظروا فى أشغالهم ولذلك حاصل لهم الآن بعض المضايقة والعسر، وقد اقتضت أفكارنا الخيرية ومرحمتنا السامية الملوكية المشهورة فى حق كافة رعايانا من سائر الطوائف بأن لا ترضى عدالتنا الشاهانية بحصول التعب والاضطراب لأى طائفة منهم. وحيث أن المذكورين هم عبارة من جماعة متفرقة من سائر المذاهب، وبقى لإصلاح أمورهم والحصول على استتباب راحتهم، تعيين وكيل لهم من طائفة البروتستانت... وتباشرون جميع مصالحهم مثل سائر الطوائف من رعايانا، ولذلك تسهلون لهم جميع ما يلزم لمحال عبادتهم ولا ترخصوا لأحد من الطوائف الأخرى أن يتداخل فى مصالحهم وأشغالهم الأهلية والدينية، ولا يعارضهم أحد فى شئ من ذلك... إلخ "وقد شاء اللّه أن تأتى مقاومة إيليا للبعل وعشتاروث عن طريق المجاعة التى لابد أن تحل بالشعب بمنع المطر من السماء،... وكانت المجاعة أنسب أسلوب ليعرف الشعب من هو الإله الحقيقى، ومن هى الآلهة الباطلة،.. فإذا كان البعل وعشتاروث يشيران إلى الخصوبة والإثمار، ويعتبران السر وراء كل طعام وماء، فإن أفضل الطرق لإثبات كذب هذا الادعاء هو افلاسهما، وعجزهما عن أى مساعدة من هذا القبيل،... وفى الوقت عينه إعلان اللّه عن سخطه وغضبة ولعنته على التحول عنه وراء آلهة غريبة كما ذكر موسى فى سفر التثنية: " وتكون سماؤك التى فوق رأسك نحاساً والأرض التى تحتك حديداً، ويجعل الرب مطر أرضك غباراً وتراباً ينزل عليك من السماء حتى تهلك " " تث 28: 23 و24 " وكان لابد أن تطول المجاعة، حتى يحس بها الملك وإيزابل إحساساً عميقاً، وأكثر من ذلك يحس بها الشعب، حتى يدرك مدى الغضب الإلهى، وضرورة العودة والرجوع إلى شخص اللّه!!.. إيليا والعناية الإلهية وكان لابد لعناية اللّه أن تظهر وتعمل عملها مع إيليا فى قلب المجاعة، وكان على إيليا نفسه أن يأخذ بعض الدروس من المجاعة ولعل أول هذه الدروس هو أن المصلح لابد أن يشارك الشعب الذي يحاول إصلاحه متاعبه وضيقاته وآلامه، كان لابد لإيليا نفسه أن يجوع، ويعيش حياة الشظف مع الآخرين، وقد حق لأحدهم أن يتصوره يخرج ذات يوم ليشرب من نهر كريت: " وكان بعد مدة من الزمان أن النهر يبس لأنه لم يكن مطر فى الأرض "... " 1 مل 17: 7 ".. وظل ذلك اليوم ظامئا، وسار فى طريقه إلى أرملة صرفة صيدا، ومن حديثه مع المرأة وطلبه منها أن تعمل له أولا كعكة صغيرة، نحس مدى الجوع الذى وصل إليه،... ومع أن المجاعة لم تكن بسبب خطية ارتكبها هو، أو أن اللّه قد تخلى عنه فى إحسانه وجوده، لكنه مع ذلك كان لابد أن يكون شريكاً فى آلام قومه وشعبه، وهى ضريبة المصلح فى كل العصور والأجيال،... والدرس الثانى الذى كان لابد أن يتلقنه، هو الفرق بين الشجاعة والتهور، فقد كان عليه أن يختبئ عند نهر كريت، وقد تكون عناية اللّه مرات كثيرة بتخبئة المعتنى به من وجه الشر، وقد خبأ اللّه إرميا من وجه الأعداء، ورأى بولس عناية السيد، عندما أنزل فى زمبيل من سور دمشق،... وهى العناية التى تملك الوسائل الطبيعية والمعجزية، الظاهرة والخفية، الكبيرة والصغيرة ومن الواجب أن نراها ونقبلها بالشكر ولا يجوز قط أن تبعدنا هذه العناية عن الحكمة والواجب إلتماسها، بدعوى أنه مادام اللّه معنا، فلا يجوز أن نلجأ إلى هذا التحفظ أو غيره من الأساليب أو الصور،على أنه يلزم أن نعلم، على أية حال، أن عناية اللّه فى المجاعات تستطيع أن تشق الطريق، مهما كانت العوائق والحواجز، ونحن نرى العناية هنا تسلك سبيلا عجيباً، سواء فى الانتصار على الغرائز أو فى قلب الأوضاع رأساً على عقب،... وقد مد اللّه عنايته لإيليا أولا عن طريق الغربان التى كانت تأتيه بالخبز واللحم مرتين كل يوم صباحاً ومساء،... وهذه الطريقة المثيرة جعلت البعض يتصورون أن كلمة الغربان " يمكن أن تترجم " العربان أو رجال البادية الذين كانوا يمدون إيليا مرتين، وقالوا إن الأصل العربى كالعبرى يصح معه مثل هذه الترجمة، وهذا تفسير واه ضعيف، وليس أقل ضعفاً منه ذلك التفسير بأن الكلمات رمزية تشير إلى أنه كان يأكل بوفرة فى المجاعة،... ولعل الصعوبة عندهم هى أن غريزة الغراب الأولى هى الخطف وأنه يأخذ ولا يعطى،... وهذا فى عقيدتى، هو السر فى استخدام اللّه له، ليثبت جلاله ومجده فى السيطرة على الغرائز، فهو يعطيك من حيث لا تدرى وهو يفنيك بتغيير مجرى الغرائز فى العجماوات أو البشر على حد سواء، وأنه يمكن أن يجعل القاسى ودوداً، والشحيح سخياً، والشره باذلا، والآخذ معطياً، ويده لا تقصر عن استخدام الجماد والحيوان والإنسان فى إتمام قصده ومشيئته،... فإذا تلقن إيليا هذا الدرس، فإنه يعطيه درساً آخر، ليؤكده من وجه ثان، إذ ينقله من إسرائيل إلى صرفه صيدا، الواقعة فى أرض أثبعل أبى ايزابل، الأرض التى لا يمكن أن يخطر ببال إنسان أن إيليا يلجأ إليها، ويأتيه المدد من امرأة أرملة أممية معدمة، تقف على الخط الفاصل بين الحياة والموت، لتقش عيداناً، لتعمل لقمة تتبلغ بها مع ابنها، ثم يموتان... وهكذا تأتى العناية عن طريق الجائع المسغب الذى يهلك جوعاً، وليس هناك من قلب للاوضاع فى الدنيا مثل هذا القلب، فالرجل تعوله امرأة، والمرأة ليست إلا أرملة، والأرملة ليست إلا الفقيرة المعدمة التى لا تملك قوت الحياة!!.. ذهبت المرأة لتسعف إيليا بجرعة ماء، وتعتذر عن تقديم كسرة خبز له، وتكشف عن آخر مكانها مع اللقمة الباقية، ولكن إيليا رجل اللّه مع ذلك يطلب، ويطلب كعكة صغيرة أولا،... يريد أن يعلمها أن حق اللّه يسبق كل حق،... وأنك يوم تعطى اللّه، ولو شيئاً صغيراً مما تملك، فإنك ستعثر على سر ينبوع البركة وستعرف سيلا من الزيت لا يمكن أن ينتهى حتى تنتهى المجاعة من الأرض!!.. عندما نقف أمام عناية اللّه، ينبغى أن نلغى من الذهن البشرى كل مفهوم للحساب الأرضى، وقواعده، وأصوله، وذلك لأن هذا الحساب يستطيع أن يعطى صورة جيدة للمنظور، ولكنه يعجز تماماً عن أن يدخل إلى بحر غير المنظور، ويقيم هناك حسابهن،... ولعل اللّه أراد أن يعطى إيليا درساً ثالثاً أبعد وأعمق من الدرسين السابقين،... فإذا بابن الأرملة يموت، وإذا بالمرأة تعجز عن أن تفسر موته، إلا أنه عقاب على خطايا سابقة ربما عملتها فى أيام الصبا،... سقط السلاح من يد المرأة، وذهب الولد الذى كان رجاءها وتعزيتها فى الأرض،... ورفض إيليا هذا المنطق، فهو لا يعتقد أن اللّه يمكن أن يجازى المرأة هذا الجزاء،... وهو يصرخ إلى الرب بلغة من أغرب اللغات وأجرأها، تلك التى يتعود أبناء اللّه الاتجاه فيها إلى سيدهم فى لحظات الضيق والشدة والألم: " أيها الرب إلهى أ أيضاً إلى الأرملة التى أنا نازل عندها قد أسأت بإماتتك إبنها.. يارب إلهى لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه " " 1مل 17: 20 ت 21 "هل تستطيع أيها المؤمن أن ترفع كل تحفظ بينك وبين اللّه؟، وهل تستطيع – كابن اللّه – أن تعبر بأعمق تعبيرات النبوة، إلى الدرجة التى تقول فيها مع موسى: " فرجع موسى إلى الرب وقال يا سيدى لماذا أسأت إلى هذا الشعب؟ لماذا أرسلتنى؟ " " خر 5: 22 "... ومع إيليا: " قد أسأت بإماتتك ابنها "..!!؟... ألا يقبل اللّه التعبير المخلص، حتى ولو بدا خشناً قاسياً!... بلى! إنه عنده أفضل من التعبير المهذب المرائى، الذى لا يتحدث بعمق الحب المتألم المخلص العميق!!؟.. إن اللّه يفضل أن نأتى إليه بالإخلاص، مهما بدا هذا الإخلاص ضعيفاً أو خالياً من العبارة المصنوعة أو التعبير المتكلف،... إنه يريد أن تعانق روح المؤمن مع روحه فى الحب والألم والشركة المخلصة، مهما كانت الظروف التى نعيش فيها!!.. وسمع اللّه لإيليا وأرجع الولد،... الذى يقول تقليد - لا يعلم إن كان صحيحاً أو غير صحيح - إن الغلام كبر ليكون يونان النبى الذى أرسله اللّه إلى نينوى الأممية... على أنه على أية حال، كان هذا النوع من العناية مقوياً ومشدداً للأرملة وللغلام ولإيليا،... وكان درساً خالداً فى كل الأجيال لكل الذين يتطلعون فى أرض الآلام والمتاعب والمجاعات، إلى ينابيع العناية الإلهية التى لا تنضب. أو تنفد أو تفيض!! إيليا والمعركة على جبل الكرمل ولعله من المناسب أن نذكر هنا ان إيليا لم يذهب إلى آخاب، بل إن آخاب ذهب للقاء إيليا،... وهذا هو الفارق العظيم بين الرجلين، أن إيليا يعلم أنه أعظم من آخاب، بذات الصورة التى رأى فيها بولس نفسه وهو يقول للملك أغريباس: " كنت أصلى إلى اللّه أنه بقليل وبكثير ليس أنت فقط، بل أيضاً جميع الذى يسمعوننى اليوم يصيرون هكذا كما أنا ما خلا هذه القيود " " أع 26: 29 " إن قيمة الإنسان الحقيقية لا تظهر فيما يملك من متاع أو ما يلبس من ثياب فاخرة، أو ما يحيط به من الخدم أو الحشم، أو مظاهر العظمة أو القوة، إن قيمته الحقيقية تكمن فى شخصيته ونفسه،كان إيليا أشعر، يتمنطق بمنطقة من جلد، وعندما ركض أمام آخاب، سار ما يقرب من ستة عشر ميلا على قدميه،... لم يكن له مركبة آخاب أو ثيابه أو بهاؤه أو مظهره، ولكنها هذه جميعها، ليست إلا الغلاف الذى يغطى الحمقى والأشرار فى الأرض!!.. أما جوهر الإنسان ففى قلبه المرتبط باللّه، وهو الذى يمكن أن يعطيه أعظم قيمة فى هذا الوجود!!.. وفى اللقاء بين الملك وإيليا كان آخاب الإنسان الأحمق الذى غطت الخطية الحقيقة عن عينيه وقلبه،... فهو يرى الذنب كل الذنب فى إيليا: " ولما رأى آخاب قال له آخاب: أ أنت هو مكدر إسرائيل؟ " "1مل 18: 17 ".. وهو لا يستطيع أن يرى خطية واحدة فى نفسه، أو فى الشعب الذى ترك اللّه،.. أو عبادة البعل وعشتاروث التى كانت سر النكبة والكارثة والمجاعة!!!.. وهى الصورة الدائمة للبشر، فهم يدفعون عن أنفسهم النتيجة: التى لابد أن تكون لخطاياهم،... وهى فى نظرهم الظروف السيئة أو أخطاء الآخرين أو القسوة التى لا مبرر لها من اللّه!!... ولم يخف إيليا من أن يضع الصورة الصحيحة للمأساة كلها إذ قال: " لم أكدر إسرائيل، بل أنت وبيت أبيك، بترككم وصايا الرب وبسيرك وراء البعليم " " 1 مل 18: 18 "... وقاد إيليا الجميع إلى المعركة الفاصلة على جبل الكرمل.. وكان لابد من أن تدرك الأمة - عن بكرة أبيها - من هو الإله الحى الحقيقى وحده، ومن هى الالهة الزائفة الباطلة الكاذبة!!؟ والبينة على من ادعى!!؟.. فإذا زعم إنسان أنه فيلسوف أو شاعر، فالبرهان يظهر فى فلسفته أو شعره،... وإذا قال أنه رجل فإن أعمال الرجال تظهره، وإذا ادعى أنه نبى مرسل من اللّه، فإن أقوال النبى أو أعماله هى التى تشهد له!!.. وقد وقف إيليا وحده فى مواجهة ثمانمائة وخمسين نبياً للبعل وعشتاروث، ولم تكن الكثرة دليلا على الحق أو الصواب الذى يزعمون أنه فى جانبهم،... وأعطاهم إيليا الفرصة الكاملة أولا دون أن يستطيع صراخهم أو جراحهم التى سالت من أجسادهم بسيوفهم، والتى ظنوا أنهم يرضون الآلهة بها،.. لم تستطع أن تعينهم فى شئ وسخر إيليا منهم سخرية الواثق بإلهه، وكانت سخريته لاذعه، فى قوله ك " ادعوا بصوت عال لأنه إله. لعله مستغرق أو فى خلوة أو فى سفر أو لعله نائم فيتنبه ".." 1 مل 18: 27 ".. ومن الغريب أن هذا التحدى لم ينته بعصر إيليا، فإن البعل يذهب ويجئ فى العصور كلها، حيث يستبدل اللّه بآلهة غريبة، أو كما قال أحدهم: " إن البعل العصرى هو ما يعبده الناس من ثروة أو شهوة أو جاه، أو مجد عالمى أو راحة مادية،... وهم يضعونها فى مواجهة البر والأمانة والحق وكل ثمار الروح القدس فى الإنسان الباطن "!!.وإذ عجز الأدعياء عن أن يثبتوا ادعاءهم، تقدم هو ورمم بالاشتراك مع الشعب مذبح الرب المنهدم، وقدم الذبيحة بما لا يدع مجالا للشك أو التساؤل أو الخداع، إذ أنه لم يرتب الحطب والذبيحة فقط، بل صب ماء كثيراً حتى لا يقال إن النار المشتعلة حدثت عن طريق خداع بشرى، وأبصر الشعب جميعاً النار التى أتت من السماء لتلتهم كل شئ. على أنه من الملاحظ أن النار لم تنزل إلا بعد صلاة النبى، وهكذا فى كل حين يشجع اللّه أبناءه ليحسوا بكيفية اختبارية بينه وبين العالم، وهو مستعد أن يظهر ذاته لهم وللعالم أجمع، بصورة لا تحتمل اللبس أو الإبهام!!.. ألم يقل عرافو فرعون أمام ضربة البعوض: " هذا إصبع اللّه " "خر 8: 19 "... وإذ رأى الشعب المعجزة بلغ بهم الانفعال ذروته وسجدوا على وجوههم أمام اللّه، واشتركوا مع إيليا فى ذبح أنبياء البعل على نهر قيشون!!.. ومع أن هذا الانفعال كان قصيراً ووقتياً، إلا أنه - على أية حال - عرف الجميع من هو الإله الحق، ومن هى الآلهة الباطلة!!.. إيليا وآخاب عند كرم نابوت اليزرعيلى بعد أربع سنوات أو خمس من القضاء على أنبياء البعل، عاد إيليا ليلتقى بآخاب عند كرم نابوت اليزرعيلى، وكانت يزرعيل إلى الشمال من السامرة بما يقرب من العشرين ميلا، وعاد الشر إلى جولة أخرى مع الخير، وآخاب يزداد سوءاً ومصيره يزداد بشاعة، وذهب آخاب إلى الكرم ليرثه، والتقى به إيليا هناك، ليقول له: " هل قتلت وورثت أيضاً؟ " "1مل 21: 19 ". ويا له من ميراث رهيب! "... والحقيقة المحزنة هى أن الميراث الرهيب من الجائز أن يصل إليه الإنسان فى أرض الفساد والظلم، رغم كافة الحواجز التى يمكن تجاوزها أو تجاهلها أو تخطيها بكل قوة وعنف.طلب آخاب كرم نابوت لكى يحوله إلى بستان بقول، وقال له إنى مستعد أن أعطيك ثمنه أو كرماً أحسن منه، وكان يمكن لنابوت أن يرضى لولا أن الشريعة تمنع ذلك إذ لا يجوز لإنسان أن يتصرف فى ميراث آبائه، وأغلب الظن أنه قال للملك: " كان بودى أن أفعل ذلك، ولكن أمر اللّه يمنعنى من التصرف فى أرض الميراث "، وذهب آخاب إلى بيته مغموماً " وامتنع عن الطعام، ونام محزوناً كئيباً، وإذا بإيزابل تأتى إليه وتستفسر عن سر حزنه، ثم تسخر منه لأنه وهو ملك لا يستطيع أن يزيل عقبة كهذه، وأمكن للملكة عن طريق الشر أن تحصل على الكرم، هذا هو الفصل الأول من القصة،... وهو فصل يتكرر كثيراً فى الحياة.. قال السيد: " لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذى يؤدى إلى الهلاك. وكثيرون هم الذين يدخلون منه " مت 7: 13 ".. إن طريق الشر واسع ميسور فيمكن أن تحصل علي ما تريد، ولا يحتاج الأمر إلا إلى كذبة أو غش أو خداع أو تدليس، أو شئ يعمل فى الظلام. وقد ينجح الشر فى الجولة الأولى من المعركة، ولكنه هيهات أن يكسب المعركة الأخيرة.. يقول المرنم: " لا تغر من الأشرار ولا تحسد ععمال الإثم، فإنهم مثل الحشيش سريعاً يقطعون، ومثل العشب الأخضر يذبلون!!.. "مز 37: 1 و2 " ومع أن الميراث الرهيب أمر ممكن وجائز فى الأرض، إلا أنه تلحق به حقيقة أخرى، أنه دائماً مخجل،.... واعتقد أن آخاب أحس الكثير من الخجل وهو فى طريقه إلى الكرم لرؤياه.. لقد اكتشف فيه نفسه، واكتشف فى هذه النفس أشياء كثيرة تنكس الرأس. لقد اكتشف طمعه، وكذبه، وظلمه،.. كان آخاب ملكاً يملك أعظم القصور والبساتين، وكانت لديه بساتين وكروم متعددة، ولكن هذه لا تساوى شيئاً طالما هو غير مستطيع أن يحصل على كرم نابوت!! يا للنفس البشرية التى لا تشبع، والتى تتريد أن تأخذ لنفسها كل شئ!!. إننا نقيس أمورنا لا على حساب حاجاتنا، بل على حساب جيراننا، إذ لا أريد أن يظهر مجد إلى جانب مجدى، أو سلطان إلى جانب سلطانى، أو نفوذ إلى جانب نفوذى، وكل بساتين الدنيا أو كرومها لا تساوى البستان الصغير الذي يملكه جارى،... يا له من طمع مخجل!.. بل يا له من ميراث قبيح! ذاك الذي لا أستطيع الحصول عليه إلا بالكذب والخداع والغش.. نادوا بصوم، والمناداة بالصوم لا تحدث إلا إذا حدث أمر رهيب، والأمر الرهيب أن نابوت جدف على اللّه والملك، فياله من مجرم، ويا لها من خطية شنيعة، وها اثنان يشهدان أمام الشيوخ، وها المحاكمة كلها تتم فى جو من الكذب، وآخاب يعلم ويطأطئ رأسه خجلا، بل هو يعلم أنه حصل على هذا الميراث بغير حق أو عدل، بل حصل عليه بظلم صارخ،.. ما أكثر الذين يأخذون من الناس مواريث متعددة، ولكنهم يدفعون فى سبيلها أثمان باهظة، إذ يدفعون المبادئ الروحية والأدبية: يدفعون الحق والشرف والكرامة والنبل والإباء والعدالة!!، وهل تستحق كروم الدنيا كلها - لا كرم نابوت فحسب - هل تستحق أن يدفع فيها مثل هذا الثمن؟!!... فإذا أضفنا إلى هذا كله، أن الميراث كان ميراثاً مقلقاً!!.. ذهب آخاب ليستمتع بالكرم الذي ورثه، ولعل الكرم كان جميلاً ظليلا، وكانت عناقيده حلوة ولذيذة، وكان موقعه بديعاً، وآخاب يستطيع أن يملأ نظره منه، ويفيء إليه سعة الحر والهجير، بل يستطيع أن يأكل منه ما يشاء دون أن يمنعه أحد، فهل استراح الملك وأكل؟، لقد أضحت الظلال ظلاماً، والعناقيد علقماً، والكرم سجناً رهيباً، إذ سمع صوت اللّه العادل هناك: !! هل قتلت وورثت أيضاً "!! لقد ظهر نبى اللّه فى لحظة السرور والبهجة والتمتع،.. يقولون إنه قبل أن يذهب إلى الكرم ثار عليه ضميره، وحاول إسكاته بالقول: لم أصنع شيئاً!!؟ فأنا لم أحاول اغتصاب الكرم.. لقد عرضت عليه ثمناً سخياً فأبى!!.. لقد عرضت عليه كرماً آخر أحسن منه مقابله فرفض.. ولم أفعل أنا شيئاً ضده، فلم أتدخل فى الأمر، بل تدخل غيرى، كما أنه يستحق الموت لأنه عصى أمر مليكه، ولكن صوت اللّه جاءه لينسب إليه القتل كيفما كان، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة!!.. فالرضا على الظلم، هو بعينه الظلم، والقتل بأمر آخاب أو بأمر إيزابل أو بأمر الشيوخ، هو الدم الذي يتحمله آخاب أولا وأخيراً!!.. لم يتمتع الرجل بالكرم كما كان يشتهى، لأنه فى قلب الكرم سمع عن مصيره المفجع، ومصير بيته، ولولا أنه اتضع ومزق ثيابه وصام، لجلب اللّه عليه العقاب سريعاً، ولكن بقية من رحمة اللّه آتية فلم يحدث كل الشر فى حياته، ولو أنه تاب مع إيزابل لنجيا، ولكنها لم تتب، فدمرت بيتها بيديها وأضحت قصتها مثلا تذكره الأجيال بالخوف والفزع والرهبة!!.. قيل إن أحد ملوك انجلترا أراد مرة أن يستولى على حديقة كنيسته ليكمل بها قصره، فسأل رئيس الوزراء: كم تكلف هذه الحديقة.. فأجابه: إنها تكلف ثلاثة تيجان.. تاج انجلترا، وإيرلندا، واسكتلندا، أى أن محاولة أخذها ستقلب العرش، وكان هذا كافياً لإقلاع الملك عن فكرته!!.. أجل " مخيف هو الوقوع فى يدى اللّه الحى!!.. " عب 10: 31 ".. إيليا والمركبة السماوية من المعتقد أن خدمة إيليا استمرت حوالى عشرين عاماً، كانت الخمسة عشر أو الستة عشر عاماً الأولى منها عاصفة، ممتلئة بالثورة والصراع، وهو أشبه بالخادم الميثودستى، الذي اشتكوا من صوته الصارخ فى المنبر، وإذ به يجيبهم: " أنا لا أغنى لتنويم الأطفال، بل أنا أحطم الصخور ". وكانت رسالة إيليا تحطيم صخور الوثنية والشر التى ملأت كل مكان... ومع أننا نعلم أنه أصيب بصدمة قاسية غداة قتل أنبياء البعل، وهى رد الفعل للنجاح العظيم فوق جبل الكرمل، إذ أن إيزابل هددته بالقتل،.. ولم يجد من الشعب الذي آزره فى ذبح الأنبياء الكذبة، ما يشجعه على مواجهة الشريرة الطاغية، التى مازالت تمسك بزمام الأمور فى الأمة كلها، كان إيليا تحت الرتمة شيئاً يختلف تماماً عن إيليا فوق جبل الكرمل، وهى النفس البشرية المتلونة والتى لا تثبت على حال، فهى تارة فى أعلى جبال الشركة مع اللّه ثم لا تلبث أن تهوى تارة أخرى إلى بالوعة اليأس،.. ولكن شكراً للّه، الذي أرسل ملاكه إليه تحت الرتمة، دون أن يناقشه فى شئ، فقد كانت نفسه ممتلئة بالمرارة والأسى واليأس والقنوط، والتوتر يملأ عواطفه، والانفعال لا يعطيه أية فرصة للمناقشة الهادئة الساكنة، وكان علاج اللّه لنفسه أن يطعمه ويريحه، حتى يهدأ ويسكن، قبل أن يتكلم إليه أو يحاجه أو يسأله... وهى الحكمة الإلهية التى ينبغى أن نتعلم منها، كيف نعالج الثورات النفسية عند الآخرين " فالأفضل أن ننتظر، حتى تستريح أجسادهم ونفوسهم، قبل أى حديث أو مناقشة،.. كان عمل اللّه الوحيد أن يطعم إيليا ويريحه، وينتظر أربعين يوماً قبل إن ينقاشه على جبل اللّه حوريب قائلا: " مالك ههنا يا إيليا؟. "" 1مل 19: 9 " ومن الغريب أنه فوق جبل اللّه حوريب فى سيناء أدرك إيليا الحقيقة التى غابت عنه طويلا، إن الصوت المنخفض الخفيف، وليس صوت الريح أو الزلزلة أو النار، هو الأكثر تأثيراً وقوة وفاعلية، إن الثلاثة الأصوات الأولى ليست فى حقيقتها، سوى المهد للصوت الأقوى والأعمق والأبعد أثراً، صوت الحب والحنان والرحمة والإحسان والجود والغفران، أو فى لغة أخرى هو صوت الصليب، الصوت الذى تحدث به موسى وإيليا مع المسيح فوق جبل التجلى: " وإذا رجلان يتكلمان معه وهما موسى وإيليا، اللذان ظهرا بمجد وتكلما عن خروجه الذى كان عتيداً أن يكمله فى أورشليم " " لو 19: 30 و31 " لقد أهلك اللّه العالم بالطوفان أيام نوح، وأباد اللّه سدوم وعمورة بالنيران، وذبح إيليا أنبياء البعل، ومع ذلك فالخطية لا تزال تفتك بالبشر، وهى فى حاجة إلى أصوات أخرى أفعل من العواصف والزوابع والنيران والزلازل، إنه صوت اللّه المنخفض فى الصليب،... وعاد إيليا إنساناً من حوريب يختلف، إلى حد بعيد، عما كان عليه أولا، يمسح حزائيل ملكاً على آرام، وياهو بن نمشى ملكاً على إسرائيل، وأليشع بن شافاط نبياً عوضاً عنه ودخلت إلى حياته حلاوة أعمق وأجل،... وأضحى أشبه بشجرة عنب فى إنجلترا ربما هى أكبر شجرة من نوعها، وهى قديمة، وقد لاحظ أحدهم أن عنبها أصغر من المعتاد، وسأل لماذا يبدو حجم الحبة من العنب أصغر وأجابة البستانى: إنه أصغر لأن الشجرة قديمة عجوز، ولكن لا يوجد ما هو أحلى من هذا العنب على الاطلاق، "عاش إيليا سنواته الأخيرة أهدأ وأجمل وأقوى، وأخذ يشرف على مدارس الأنبياء،... وجاء اليوم الذى وصفه جوزيف باركر كدرس من أعظم دروس العناية، وهو: " لا متى يذهب إيليا، بل متى يأخذه اللّه الذى يعلم متى تنتهى خدمتنا ورسالتنا " أو فى لغة أخرى: إن اللّه يعلم متى يأخذنا إلى حقل آخر أعظم وأجمل، وإلى فرصة أوسع: " من عشرة أمناء إلى عشر مدن "... وها نحن نرى الرحلة الأخيرة لإيليا فى الأرض، التى تنقل فيها من الجلجال إلى بيت إيل إلى أريحا، أو قرابة ثلاثين ميلا " وأغلب الظن أنه كان يريد زيارة ثلاث مدارس للأنبياء هناك، ويتزود بالنظرات الأخيرة للارض التى أحبها وخدم فيها، قبل أن يصعد إلى السماء، وقد لازمه ورافقه فى الرحلة أليشع، وأبى أن يتخلى عنه البتة، رغم أن إيليا ألح عليه أن يبقى حيث هو،... ونحن نسأل لماذا أراد إيليا أن يمكث أليشع فى المكان الذى كان فيه!!؟ هل لأنه كان لا يريده أن يتخلى عن عمل كان يقوم به عند بدء الرحلة!!... أم لأنه أراده أن يكون بين بنى الأنبياء فى واحدة من المدارس الثلاث!!؟... أم لأنه كما هو الأرجح أراد أن يختبر معدنه وصلابته، قبل أن يرحل عنه، وفى الوقت عينه أن يختلى باللّه الذى سيذهب إليه بعد قليل!!... على أية حال لقد أصر أليشع على مرافقته، كما ينبغى للخادم الأمين أو الصديق الوفى، أو الجندى الذى أوشك أن يحمل العلم ليؤدى الرسالة الموضوعة عليه،... وها نحن نراهما الآن يصلان إلى الأردن، ويلف إيليا الرداء ويشق الأردن به، ويعبر كلاهما، ويسأل المعلم تلميذه ماذا يريد قبل أن يؤخذ منه!!؟ ويصر التلميذ على أن يقف من المعلم موقف الابن البكر الذى يأخذ نصيب اثنين حسب الشريعة الإسرائيلية، ولما لم يكن لايليا شئ من متاع الأرض، ولما كانت الطلبة روحية، قال له إيليا: " صعبت السؤال "!!... " 2 مل 2: 10 " وذلك لأن الطلبات الروحية، عطية من اللّه، وليس هبة من إنسان!!... وهى تؤخذ بالعين الروحية المفتوحة، فإن رآه يؤخذ منه، كان هذا دليلا على أن اللّه سيعطيه هذا النصيب، نعود فنشير إلى أن أليشع لا يقصد أن يكون له ضعف ما كان إيليا، بل أن يأخذ نصيب البكر من الأولاد،... وفتح اللّه عينى إليشع، وسقط رداء إيليا عنه، فأخذه وأخذ نصيب إثنين من روحه، بعد أن مزق ثيابه، " وهو يصرخ يا أبى يا أبى مركبة إسرائيل وفرسانها "، " 2مل 2: 12 " وهو كما أشرنا أولا لم يره فرداً واحداً، بل جيشاً عرمرما، والقائد المسيحى الغيور الشجاع سيبقى دائماً هكذا، سواء فى الدفاع أو الهجوم لمجد اللّه،... ومع أن إبراهيم، وداود، وايليا، وبولس، وأثناسيوس، ولوثر وويسلى، وأمثالهم - لا يظهرون إلا نادراً فى موكب العصور، لكننا نصلى لعل واحداً منهم يظهر فى أيامنا هذه فى عظمة الأبطال الخالدين، ويمكن أن نقول قبل أن يؤخذ منا فى مركبة السماء: " يا أبى يا أبى مركبة إسرائيل وفرسانها"..
المزيد
26 مايو 2021

تأملات فى أهمية القيامة

الحياة والخلود:- مبارك هو الله الذى منحنا الوجود إذ لم تكن ، وميزنا عن باقى الكائنات بالعقل والنطق وأعطانا الله الحياة 0 وهى سر يغوص الناس فى أعماقه ، ولا يصلون إلى مكنوناته وأعطى الله الحياة لكائنات حية عديدة جداً تعيش معنا على هذا الكوكب ، من طيور وحيوانات وحشرات وهوام وأسماك ، كل منها له طبيعته ولكن الحياة فى الإنسان تميزت بميزة أسمى من كل تلك الكائنات تميزت بالروح التى تختلف عن أنفس الحيوانات فتلك الكائنات الحية معنا حياة أما نحن فلنا حياة ، وحياة أخرى إذ أعطامنا الله حين خلقنا أرواحاً خالدة الخلود عطية عجيبة وعميقة جداً ، منحها الله للبشرية فكان إذن من أهم عطاياه لنا الوجود ، والحياة ، والخلود 0 مع سمو فى كل من هذه الأمور الثلاثة ، نتفوق فيها على كل المخلوقات الأرضية 0 يضيف لها الله مجموعة من المواهب والقدرات ، تتنوع من إنسان لآخر ، حسبما قسم الله لكل واحد كما شاءت مواهبه الإلهية ( 1 كو 12 : 11 ) خروج الحياة من الإنسان سر لا ندريه 0 ورجوع الحياة إليه سر أعظم كل ما ندريه عن خروج الحياة من الإنسان هو بعض مظاهر خارجية ، مثل توقف المخ ، وتوقف القلب ، وتوقف النفس ، وتوقف النبض ، وتوقف الحرارة ، وتوقف الحس ، وبالتالى توقف كل أجهزة الجسد أما خروج الروح من الجسد ، فهو سر كيف يحدث ، ومتى ؟ وما تحيط به من مشاعر وأحاسيس ، أو من مناظر 0 وما يتبع ذلك ، ومسيرة الروح كل هذه أسرار حتى الذين عادوا إلى الحياة ، وأقامهم الأنبياء فى العهد القديم ، أو أقامهم السيد المسيح له المجد ، لم يخبرونا بما حدث لهم ، وكيف خرجت منهم الحياة ، وكيف عادت إليهم ، وكيف كانوا بين الحالين ؟! كل ذلك بقى سراً مختوماً عليه بسبعة ختوم كل ما نستطيعه ، هو أن نشكر الله ، لأنه وعد أن يعطينا حياة أخرى إنها حياة بعد الموت ، ننالها فى القيامة العامة ، التى تقوم فيها جميع البشر 0 ترجع الأرواح إلى اجسادها فتقوم ، لتقف فى يوم الدينونة العظيم ، الذى فيه يجازى الله كل نفس بما عملت 0 وينال كل واحد منا حسبما صنع بالجسد كان أم شراً ( ( 2 كو 5 : 10 ) ولكن كيف تعود الأرواح إلى الأجساد ؟ هنا نقف بالإيمان أمام قدرة الله القادر على كل شئ الله الذى خلق الكون كله من العدم ، أتكون القيامة صعبة عليه ؟ حاشا القيامة تعطينا إذن فكرة عن قدرة الله الله القوى المتناهى فى قوته ، الذى يستطيع أن يعيد هذه الأجسام مرة أخرى بعد أن تتحلل وبعد أن نتحول إلى تراب 000 ويعيدها فى نوع من التجلى ، أجساداً روحانية ،سماوية ، نورانية ( 1 كو 15 : 49 ) 0 لا يدركها الموت فيما بعد ، ولا يدركها تعب ، ولا مرض فالله وعد الإنسان بالخلود ، وليس بالخلود لجزء منه فقط هو الوح ، بل الخلود للإنسان كله ، روحا وجسداً فلو أن الروح فقط أتيح لها الخلود والنعيم الأبدى ، إذن لا يمكن أن نقول إن الإنسان كله قد تنعم بالحياة الدائمة ، وإنما جزء منه فقط ، وهو الروح 0 فبالضرورة إذن لابد أن يقوم الجسد من الموت ، وتتحد به الروح ، لتكون إنساناً كاملاً تصير له الحياة الدائمة 0 الجسد والروح معا:- القيامة عقيدة أساسية فى جميع الأديان ولولاها ما يثبت دين إطلاقاً فنحن نؤمن بقيامة الجسد من الموت وبالحياة الأخرى والنعيم الأبدى وعقوبة الأشرار إن قيامة الأجساد ضرورة تستلزمها عدالة الله فالإنسان مخلوق عاقل ذو إرادة 0 وبالتالى هو مخلوق مسئول عن أعماله وسيقف أمام الله ، لينال ثواباً أو عقاياً عما فعل خلال حياته بالجسد على هذه الأرض فهل يعقل أن يقع هذا الجزاء على الروح فقط ، أم يقع على الإنسان كله بروحه وجسده ؟ إن الروح والجسد اللذين اشتراكاً معاً فى العمل ، تقتضى العدالة الإلهية أن يتحملا الجزاء معاً ، أو أن يتنعماً بالمكافأة معاً الجسد هو الجهاز التنفيذى للروح أو للنفس أو للعقل الروح تميل إلى عمل الخير ، والجسد هو الذى يقوم بعمل الخير ، يجرى ويتعب ويشقى ويسهر ويحتمل أفلا تكون له مكافأة عن كل ما اشترك فيه من خير مع الروح ؟ أم تتنعم الروح وحدها فى الأبدية ، وكل تعب الجسد يضيع هباء ؟! وهل يتفق هذا مع عدل الله الكلى العدالة ؟! ونفس الوضع نذكره أيضاً عن عمل الشر الذى يشترك فيه الجسد مع الروح بل قد يكون له فى الشر النصيب الأوفر فالجسد الذى ينهمك فى الملاذ العالمية ، من أكل وشرب وسكر ومخدرات وزنى ورقص وعبث ومجون ، ويلذذ حواسه باللهو هل بعد هذا كله ، تدفع الروح الثمن وحدها فى الأبدية ، ولا يلحق بالجسد شئ من العذاب أو من المجازاة ؟! كلا ، فهذا لا يتفق مطلقاً مع العدل الإلهى ، الذى لابد أن يجازى الإنسان كله روحاً وجسداً إذن لابد أن يقوم الجسد ليشترك فى المجازاة ، ويكون الحساب لكليهما معاً لأنهما أشتركا فى العمل معاً ، سواء بدأت الروح ، وأكمل الجسد أو أشتهى الجسد واستسلمت الروح له ، واشتركت معه فى شهواته إن الجسد ينفذ ما تريده الروح ، ويبر أيضاً عن مشاعرها ولنأخذ الجندى فى الميدان مثالاً لنا الجندى تدفعه روحه إلى أعمال البسالة والبذل والفداء ، وتشتعل روحه بمحبة وطنه ومواطنيه ولكن الجسد هو الذى يتحمل العبء كله ، ويدفع الثمن كله الجسد هو الذى يتعب ويسهر ويحارب ، وهو الذى يجرح ويتمزق وتسيل دماؤه فهل بعد كل هذا تتمتع الروح وحدها ، والجسد لا يشترك معها فى المكافأة ؟! وكأنه لم ينل أرضاً ولا سماء ؟! إن العدل الإلهى لا يوافق إطلاقاً على هذا إذن لابد أن يقوم الجسد من الموت ، ليشترك مع الروح فى أفراحها ولنضرب مثلاً واحداً للشركة بين الروح والجسد ، وهو العين الروح تحب أن تشفق ، ويظهر الحب والإشفاق فى نظرة العين 0 والروح تغضب أو تميل إلى الانتقام 0 وترى العين نظرة الغضب أو نظرة الانتقام 0 الروح تتجه إلى الله بالصلاة ، وترى فى العين نظرة الابتهال ، أو تغرورق العين بالدموع من تأثر الروح الروح الوديعة المتضعة يشترك معها الجسد بنظرات وديعة متضعة 0 والروح المتكبرة المتغطرسة المتعالية ، يشترك معها الجسد أيضاً بنظرات التكبر والغطرسة والتعالى 0 وكما تشترك العين ، تشترك أيضاً كل ملامح الوجه ، كما تشترك دقات القلب ومراكز المخ ، وأعضاء أخرى من الجسد 0 هذه أمثلة من الشركة بين الروح والجسد 0 وفى مجال الجد والإجتهاد ، نرى هذا أيضاً ويوضح هذا قول الشاعر : وإذا كانت النفوس كباراً تعبت فى مرادها الأجساد إذن تكون المكافأة فى الأبدية للروح الكبيرة التى أرادت الخير وصممت على عمله ، وأيضاً للجسد الذى حمل عبء وجاهد واحتمل وصبر ، حتى حقق حقق للروح رغبتها وهكذا كما اشترك معها فى العمل ، ينبغى أن يقوم ليشترك معها فى الجزاء وفى حمل المسئولية فالمجازاة هى للإنسان كله ونحن على الأرض نكافئ الجسد ، ونعتبر هذا أيضاً مكافأة فى نفس الوقت للروح التى لا نراها ألسنا نمجد أجساد الشهداء والأبرار ، ونجعل مقابرهم مزاراً ، ونضع عليها الورود والأزهار والأطياب ، ونصلى هناك من أجلهم ؟ ولا نعتبر هذا كله مجرد إكرام للجسد أو للعظام أو للرفات أو للتراب ، وإنما للإنسان كله 0 لأننا فيما نفعل هذا ، إنما نكرم روحه أيضاً وإن كان الإنسان لا يستحق الإكرام ، ينسحب الأهمال على جسده وعلى روحه معاً 0 فالمجرمون الذين يحكم عليهم بالأعدام أو بالسجن ، تنال أجسادهم جزاءها وفى نفس الوقت يلحق بأرواحهم سوء السمعة ، وتتأثر أرواحهم بما يحدث لأجسادهم فإن كانت عدالتنا الأرضية تفعل هكذا ، فكم بالحرى عدالة الله عدالة الله تشمل الإنسان كله ، روحاً وجسداً ، لذلك لابد أن يقوم الجسد الذى عاش على الأرض مشتركاً مع الروح فى أعمالها 0 وليس فى مجرد الأعمال فقط ، بل حتى فى الأفكار والمشاعر فإن الجسد ينفعل بحالة الروح ، بفكرها ومشاعرها ونياتها الروح تقدم المهابة أو الخشوع فينحنى الجسد تلقائيا الروح تحزن فتبكى العين ، ويظهر الحزن على ملامح الوجه وفى حركات الجسد الروح تفرح ، فتظهر الابتسامة على الوجه الروح تخاف فيرتعش الجسد ، ويظهر الخوف فى ملامحه الروح تخجل ، فيعرق الإنسان ، أو يبدو الخجل فى ملامحه إنها شركة فى كل شئ ، ليس من العدل أن تتحملها الروح وحدها أو الجسد وحده إنما يتحملها الإثنان معاً ، وهذا هو الذى يحدث فى القيامة كذلك من العدالة أن تقوم الأجساد لتنال تعويضاً عما كان ينقصها فالعميان مثلاً والمعوقون أصحاب العاهات ، والمشوهون ، وكل الذين لم تنل أجسادهم حظاً من الجمال أو الصحة أو القوة من العادلة أن تقوم أجسادهم فى اليوم الخير ، وتقوم بلا عيب ، حتى يعوضها الله عما قاسته على الأرض من نقص وألم كذلك الذين عاشوا على الأرض فى فقر وعوز ، وفى جوع ومرض ، كان له تأثيره على أجسادهم ، يحتاجون أن تقوم أجسادهم فى حياة أخرى لا تشعر فيها أجسادهم بما كان لها على الأرض من ألم كرامة الإنسان :- إننا نفرح بالقيامة ، ونراها لازمة وضرورية وممكنة ونراها تعبيراً عن محبة الله للبشر ، وتعبيراً أيضاً عن عدله القيامة أيضاً تعطينا فكرة عن محبة الله للبشرية ،الله الذى أحبنا حتى أنعم علينا بالخلود ، كما أحبنا من قبل وأنعم علينا بالوجود الله المحب منح البشرية هذا الخلود العجيب ، فيحيون إلى الأبد فى نعيم دائم القيامة أعطت الإنسان قيمة معينة ، أعطت لحياته قيمة فلو كانت حياة الإنسان تنتهى عند القبر ، لأصبح مخلوفاً فانياً زائلاً ، مثله مثل الحيوان تماماً ، ومثل باقى الكائنات التى لها مجرد حياة أرضية فقط ما هى إذن الميزة التى لهذا الكائن البشرى العاقل الناطق ، الذى وهبه الله من العلم موهبة التفكير والاختراع ، والذى سلطه على كل الكائنات الأرضية الأخرى ! هل يعقل أن هذا الإنسان العجيب ، يؤول جسده إلى مصير كمصير بهيمة أو حشرة أو بعض الهوام ؟! إن العقل لا يمكنه أن يصدق هذا إذن قيامة الجسد تتمشى عقلياً مع كرامة الإنسان الإنسان الذى يتميز على جميع المخلوقات ذوات الأجساد ، والذى يستطيع بما وهبه الله أن يسيطر عليها جميعاً ، وأن يقوم لها بواجب الرعاية والاهتمام إذ أراد 0 فكرامة الجسد هذا المخلوق العاقل ، لابد أن تتميز عن مصير باقى أجساد الكائنات غير العاقلة غير الناطقة وهذه الميزة تظهر فى قيامة الجسد وتجليه لذلك نشكر الله لأنه بالقيامة أعطى لحياتنا امتداداً كبيراً إلى غير نهاية ، حيث يعيش الإنسان فى حياة أخرى لا تنتهى إلى الأبد عندما خلق الله الإنسان خلقه حياً ، ذا نفس حية ، ولم يكن تحت سلطان الموت إذن الموت دخيل على العالم ، والحياة هى الطبيعة الأصلية للإنسان وبالقيامة يرد الله الإنسان إلى رتبته الأولى ، إلى الحياة التى خلق بها ولأجلها 0 فوائد أخرى للقيامة:- بالقيامة تتثبت المبادئ الروحية ، ويصبح الإنسان صاحب رسالة وصاحب قيم لأنه مع القيامة توجد المسئولية وتوجد الدينونة ، والإنسان يقوم من الموت لكى يقف أمام منبر الله العادل ليعطى حساباً عن كل ما فعله بالجسد إن خيراً وإن شراً يعطى حساباً ليس فقط عن أعماله ، وإنما أيضاً عن أعماله ونياته وحواسه ومشاعره الباطنية ومادام الإنسان سيقوم وسيعطى حساباً عن كل شئ ، ينبغى إذن له أن يحيا حياة التدقيق والحرص ، حياة البر والقداسة التى يقف فيها بلا خجل ولا خزى ولا خوف أمام الله ، وأمام الناس فى اليوم الأخير لو لم تكن قيامة لساد الفساد العالم ، ولأنتشر الظلم ، ولأكل الناس بعضهم بعضاً لو لم تكن هناك قيامة للأجساد ، وحياة أخرى ، لانتشر الفساد والأربيقورية التى تقول " لنأكل ونشرب لأننا غداً نموت " ، ولتهالك الإنسان على ملاذ الدنيا وعلى المادة 0 لكن بالقيامة أصبحت هناك قيم ، وهناك مبادئ ، وهناك أهداف روحية يحيا الإنسان لها ، وهناك الحياة الآخرة التى يسعى الإنسان إليها بهدف واسع كبير غير الأهداف القصيرة المؤقتة التى يعيش لها الناس وبالقيامة دخلت إلى الإنسان مشاعر الشجاعة والجرأة وعدم الخوف وأصبح الإنسان لا يخاف الموت ، وهكذا على رجاء القيامة تقدم الشهداء إلى الموت غير هيابين إنهم يعرفون أن الموت ليس نهاية حياتهم ، ويرون أن بعد الموت باباً واسعاً لحياة لا تنتهى على رجاء القيامة عاش الناس على هذا الرجاء فى فكرهم السماء ، وفى فكرهم النعيم الأبدى ، وفى فكرهم سعادة تفوق سعادة الدنيا ، وهى ما عبر عنها الكتاب بقوله " ما لم تره عين ، وما لم تسمع به أذن ، وما لم يخطر على قلب بشر ما أعده الله لمحبى اسمه القدوس " إن الناس كلما يودعون راحلاً عن الدنيا يودعونه على رجاء القيامة ، باعتبار أنهم سيرونه هناك بل إن القيامة أعطت رجاء أوسع من هذا ، ليس فقط فى تلاقى الأحباء والأقرباء ، وإنما فى تلاقى الأجيال كلها حيث يلتقى الناس هناك فى السماء مع أبينا آدم وأبينا نوح والأنبياء ، ومع جميع الأبرار فى جميع العصور ستلقى الأجيال كلها هناك فى القيامة ولولا القيامة ما كان مثل هذا اللقاء ممكناً ، ولعاش الناس فى جيل محدود ، وفى زمن محدود لا يتعدونه ومن هنا رأينا أناساً يعيشون حياة الزهد والنسك والتجرد من الماديات فى العالم ، لأنهم يعرفون تماماً أن وراء هذا النسك والزهد توجد مكافأة أبدية تعوض كل شئ 0 الاستعداد:- ولكن ولكن هذه القيامة يا أخوتى هى فرح للأبرار ، وهى خوف ورهبة للمخطئين والأشرار الذين يخافون من القيامة لأنها تفتح باباً أبدياً فىعقاب الله لذلك إذ نتذكر القيامة ، وإذ نتذكر هذا العمر الطويل غير المتناهى الذى ينتظرنا فى الأبدية ، نستعد لهذه الحياة بحياة البر وحياة الإيمان ، لكى نستحق هذا الخلود السعيد لأنه لن يدخل فى نعيم الله الأبدى إلا المؤمنون الذين عاشوا بالحب ، وعاشوا بالسلام ، وعاشوا فى خير ، ينشرون الخير أينما وجدوا ، وأينما حلوا ويبحثون عن سعادة غيرهم أكثر من سعادتهم الشخصية هؤلاء الأنقياء الأبرياء ، الأبرار هم الذين يعيشون فى النعيم الأبدى علينا أن نحيا فى هذا البر ما دامت لنا أنفاس تتردد فينا ، ولنبذل كل طاقاتنا لكى نسعد الأجيال التى نعيش فيها ، ولكى نتمثل بالسيد المسيح الذى قيل عنه " كان يجول يصنع خيراً " قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
25 مايو 2021

القيامة والماء الحي

المسيح هو ينبوع الماء الحي (يو4: 1-42): «كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا، أمّا من يشرب من الماء الذي أعطية أنا له فلن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي أعطية له يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية».. وكان الماء من الأمور الضرورية للشعب في البرية لأن بدونه يهلكون عطشًا، لذلك أرسل لهم الرب ماءً من الصخرة ليشربوا.. لذلك لا يمكن للمسيحي أن يعيش في هذا العالم بدون مياه الروح القدس. + والإنسان له عواطف ومشاعر وأحاسيس لابد أن تشبع، فإن لم يصل إلى الامتلاء بالروح القدس فإنه يعطش إلى العالم ومياهه التي كل من يشرب منها يعطش، لأنه ليس في العالم الماء الحي، بينما طبيعة روح الله القدوس أنه أنهار ماء حي يفيض إلي حياة أبدية «الروح والعروس يقولان: تعالَ، ومن يسمع فليقل: تعالَ، ومن يعطش فليأتِ، ومن يرد فليأخذ ماء حياة مجانًا» (رؤ22: 17). + وفي القيامة ينبغي أن نحس بالحركة الباطنية للروح القدس في حياتنا وتفيض على الآخرين أيضًا، أي أن الإنسان الذي يتكلم عن القيامة بدون إحساس بجريان الماء الحي من بطنه لهو يعيش الموت.. ومن جهله يظن أنه يملك أنهارًا داخلية.. لنتذوق قوة، القيامة ونرتوِ بمياه روحها الفيّاضة، لنذوق ينابيع الحب المنفجرة من الجنب الإلهي.. + لذلك يقول: «ومن يعطش فليأتِ، ومن يرد فليأخذ ماء حياة مجانًا» (رؤ22: 17)، لأن مياه العالم (أي شهواته وملذاته) تزيد الإنسان عطشًا ونهمًا، أمّا شخص السيد المسيح ففيه كل الشبع وكل الارتواء الدائم الحي «أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجانًا» (رؤ21: 6). + ولقد رأي الرائي نهرًا صافيًا من ماء حياة لامعًا كبلور، خارجًا من عرش الله (رؤ22: 1). + وعن الماء الحي مكتوب أيضًا: «وفي اليوم الأخير وقف يسوع ينادي قائلًا: إن عطش أحد فليقبل إليَّ ويشرب. من آمن بي - كما قال الكتاب - تجري من بطنه أنهار ماء حي. قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون مزمعين أن يقبلوه، لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطِي بعد، لأن يسوع لم يكن قد مُجِّد بعد» (يو7: 39-37).. السيد المسيح يكشف عن حقيقة أنه المانح ماء الحياة (الماء الحي): لقد ظنّت السامرية المسكينة أن الرب يسوع فعلًا يطلب أن يشرب لأنه كان قطع مسافات طويلة (6 ساعات)، فقالت له: «كيف تطلب مني لتشرب...؟»، فإذ به يقول لها: «لو كنتِ تعرفين عطية الله، ومن الذي يقول لكِ: أعطيني لأشرب، لطلبتِ أنتِ منه فأعطاك ماء ينبع إلى حياة أبدية» (يو4: 10). + ما معني الماء الحي؟: ما هذا الماء الذي يعطي الإنسان الحياة الأبدية، والإنسان مخلوق ولابد للمخلوق أن يفنى، فكيف ينال الإنسان الحياة الأبدية ما لم يُعطَ ما يتغذى عليه، وما يعطينا أن نبقى إلى الأبد؟ هذا الماء الذي تكلم عنه سفر الرؤيا.. الذي يخرج من العرش، أي أن مصدره من الله نفسه.. لأن الله هو الحياة، فلابد لماء الحياة أن ينبع من الله.. ليس هناك مصدر للحياة ألّا الله. لأن الله هو الحي الأول، والسيد المسيح يقول عن نفسه: «أنا هو القيامة والحياة»، ومنه ينبع نبع الحياة، وكل من يريد أن يحيا لابد أن يأخذ من نهر الحياة، ولابد أن يشرب من نهر الحياة. وفي سفر إرمياء يقول: «تركوني أنا ينبوع الحياة»، مَن الذي يتكلم؟ الله هو الذي يقول : «تركوني أنا ينبوع الحياة».. هو باعث الحياة، ومَن يريد أن يحيا لابد أن يشرب من الماء الذي يعطية هو.. ومن يشرب من الماء الذي أنا يعطية يحيا إلى الأبد، ويصير فيه ينبوع ماء «ينبع إلى حياة أبدية». نيافة الحبر الجليل الأنبا بنيامين أسقف المنوفية
المزيد
24 مايو 2021

ظهر لأكثر من خمسمائة أخ ظهر ليعقوب - ثم للرسل أجمعين

1- ظهر لأكثر من خمسمائة أخ:وهذا ظهور مجيد وهام... ينفي أي محاولة تشكيك، سواء في الرؤيا أو في الصدق!! فإذا ما كانت جماعة الشهود صغيرة، كالتلاميذ فقط مثلًا، فربما تصور البعض أنهم اتفقوا على ضلالة وكذب (مع أن المنطق يتنافى مع أناس يموتون شهداء ضلالة!!).أمّا وقد صار الرقم أكثر من خمسمائة، فيستحيل أن يخطئ كل هؤلاء في الرؤيا، أو أن يتفقوا معًا على ضلالة!!وأرجو أن نلاحظ أن رسالة كورنثوس كُتِبت حوالي سنه 58 ميلادية، أي بعد حوالي ربع قرن من القيامة، «وَبَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاقٍ إِلَى الآنَ» (1كو15: 6). فهل يُعقَل أن يتفق أكثر من خمسمائة شخص، لمدة ربع قرن، على خيال أو ضلال؟! مستحيل!! فالقيامة أكيدة، وهذا الظهور مجرد أحد براهينها!! 2- ظهر ليعقوب:«وَبَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ» (1كو15: 7).وهذا ظهور خاص... لماذا؟هل لأن يعقوب هو أخو الرب؟ أم لأنه سيكون أول أسقف على أورشليم؟إنه يعقوب البار... الذي كانت ركبتاه مثل خُفّي الجمل من كثرة السجود...ودعاه اليهود (البار) لأنه كان دائم الصلاة، مواظبًا على الهيكل.حتى ظنوه يهوديا مثلهم لا مسيحيا...ولمّا سألوه عن إيمانه...وقف على جناح الهيكل...وأعلن مسيحيته...فطرحوه من أعلى...فمات ساجدا...غافرًا لهم فعلتهم!!ولعل هذا الظهور، كان دعمًا خاصًا لشهيد مبكر، سيموت بفرح من أجل اسم المسيح!!3 3- ثم للرسل أجمعين:وهذا الظهور لم يقتصر على الاثني عشر فقط، بل كان معهم جماعة الرسل السبعين، فهذا إذًا ظهور هام، لعدد ضخم، وهو يضارع الظهور السابق، الذي كان لأكثر من 500 أخ.القيامة إذًا أكيدة!!وجسد القيامة نوراني!! وأمجاد القيامة تنتظرنا!!فلنحذر أن نفقد نصيبنا منها!!فالرب في انتظار!!... هيّا إليه!! نيافة الحبر الجليل الأنبا موسى أسقف الشباب
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل