المتنيح القمص لوقا سيدراوس

Large image

ولد القمص لوقا سيدراوس فى يوم 3مايو عام 1940م باسم كمال خلف سيدراوس وحصل على بكالوريوس العلوم عام 1964م وتم رسامته كاهنا باسم القس لوقا سيدراوس فى يوم الجمعة الموافق 17 مارس 1967م بيد قداسة البابا المتنيح كيرلس السادس في دير الشهيد مارمينا العجايبي بكنيسة الدير بمريوط كاهنا على كنيسة مارجرجس القبطية الأرثوذكسية باسبورتنج بالإسكندرية. كان من ضمن مَنْ تعرَّضوا للاعتقال من خلال قرارات سيادة الرئيس محمد أنور السادات الخاطئة (قرارات التحفُّظ في سبتمبر 1981 م.)، وتم ذلك في سجن المرج. تم ترقيته قمصًا على يد قداسة البابا المتنيح شنودة الثالث عام 1989 م. خدم بعدها في الخارج بالولايات المتحدة الأمريكية، مثل: كنيسة مارمرقس القبطية الأرثوذكسية في لوس أنجلوس بأمريكا.والان هو كاهنا على كنيسة القديسين مرقوريوس ابى سيفين والأنبا ابرام - توررانس كاليفورنيا هو مؤلف وله بعض الكتب المنشورة.

المقالات (15)

06 مارس 2021

إنجيل العشية و إنجيل باكر أحد الرفاع

اعتاد الآباء أن يسمّوا الأسبوع الأول من الصوم الكبير المقدس بأسبوع الاستعداد.. للدخول الحقيقى إلى حياة الصوم وروح الصوم.. وكان الاستعداد للصوم حسبما عاشوا هو تنقية الجو المحيط بهم من كل ما لا يناسب الصوم.. وبصفة خاصة الوجود فى سلام مع كل أحد وتصفية أى نوع من الخلافات بين الأخوة.. أعنى أن هذا الأسبوع كان يُصام لحساب المحبة الأخوية وتوطيد العلاقات ونبذ كل خلاف أو خصام أو قطيعة.. الخ. لأنه من المعروف جداً إنه إذا صام الإنسان وهو فى حال خصام أو عدم سلام قلبى مع أخوته فإن صومه يكون كمن يجمع إلى كيس مثقوب.. ألم يقل الرب: "فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ" (مت 5 : 23 ، 24). فقد جعل الرب الصلح مع الأخ والأقربين أفضل من تقديم القرابين، بل وبدونه لا تُقبل قرابين. لذلك وضع الآباء فصل إنجيل عشية هذا اليوم كلمات الرب الصارخة والصريحة من نحو السلام الكامل والمحبة الأخوية. وقد مارست الكنيسة عملياً هذا الكلام منذ الجيل الأول فى خدمة الافخارستيا.. إذ تصير القبلات المقدسة والمحبة هى موضوع الصلاة وموضوع الممارسة حين نُقَبِّل بعضنا بعضاً بقلب طاهر وضمير صالح قبل أن نتقدم إلى شركة التناول من جسد ودم ابن الله.. إذ نصير مستحقين لتحقيق هذه النعمة فينا بسبب محبتنا بعضنا لبعض التى هى علامة مسيحيتنا وعنوان تبعيتنا للمسيح.. "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (يو 13 : 35). نعود إلى كلمات الرب.. "وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ، وَإِنْ تَابَ فَاغْفِرْ لَهُ. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ قَائِلاً أَنَا تَائِبٌ، فَاغْفِرْ لَهُ" (لو 17 : 3 ، 4). هذا القبول للأخوة يرتكز على الروح الذى فينا.. روح المسيح غافر الخطايا.. ويرجع إلى تمتع الإنسان نفسه بنعمة غفران الخطايا وإدراكه الحقيقى لقيمة هذه النعمة. فإن تمتع بها يستطيع أن يعطيها أيضاً إذ يصير سريع الصفح وكثير الغفران مدركاً تماماً إنه بمقدار ما يَغفر يُغفر له وبقدر ما يتسع قلبه لأخيه يقبل من الرب أضعاف قبول. والكلام هنا كثير كرره ربنا يسوع فى تعاليمه المحيية، فمرة يقول: "وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ" (مت 18 : 15). هو أخطأ وأنت تذهب تسعى إليه لكى تربح أخاك وتربح نفسك.. وبينما المنطق العالمى أن الذى أُسيئ إليه هو صاحب حق وإذا أتى إليه المسيئ وسامحه يُحسب صاحب فضل.. فإن ناموس المسيح يتخطى هذه العقبات النفسية ويرتفع بنا إلى علو السماوات فيصير الإنسان قادراً بالنعمة على كسر حواجز البشر واقتحام الأسوار.. يذهب إلى أخيه.. أليس هو أخوه؟ ويرتمى فى حضنه ويقبله ويربحه. المسيحى الحقيقى لا يخسر له أخاً مهما كانت الأحوال! رسالتنا فى المسيح هى رسالة ربح النفوس بحكمة الروح وسلطان المحبة. سبع مرات فى اليوم إن رقم سبعة يعبِّر دائماً عن الكمال.. فإن كان الأخ يخطئ إليك سبع مرات أى إلى أقصى درجة ممكن أن نتخيلها.. فهناك باب المسيح المفتوح لقبول أعتى الخطاة.. ويمين المسيح تقيم ليس من العثرات والسقطات يل قادرة أن تقيم من الأموات..!! قلب المسيح متسع اتساع أبدى يسبى النفوس ويخضع الوحوش فمن يؤتمن على قلب يسوع يستطيع أن يحفظ وصايا يسوع. هذا هو إنساننا الداخلى المخلوق من جديد بقوة قيامة المسيح من الأموات. هذه هى الطبيعة الجديدة، والطبيعة الجديدة من يحياها يغلب بها كما غلب ذاك الذى هو رأسنا. جرّب قول الرب، اخضع ذاتك له واطلب معونة المسيح.. واكسر حاجز الشر.. "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" (رو 12 : 21).. "فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ" (غل 6 : 9). الإنسان هو الذى يحجم عمل الروح القدس فيه ويحصره فى إطار المحدودية حين يقول أنا حاولت مرة ومرتين ولم أفلح فى أن اقتنى أخى وأربحه.. أنا عملت ما علىَّ أن أفعله ولا أستطيع أن أفعل أكثر.. هذا يكفى وهذه حدودى؟ هنا يصير الإنسان قد أغلق على نفسه، وحبس الروح الذى لا حدود له ولا يعطى بكيل.. الروح يا أخوة لا يحد بحدود والعمل الروحى يستطيع أن يعمل ويعمل حتى الكمال ولا يكف ولا يكتف ولا ييأس حتى من الفتيلة المدخنة والقصبة المرضوضة. + الحفاظ على محبة الإخوة هى رسالتنا وهدفنا.. المحبة القلبية هى كنزنا ليس بسهولة نبيعها أو نفرط فيها. + سبب ضعف الكنيسة الآن هو القصور فى تكميل المحبة وعدم السعى الجاد فى أثر الصلح بالروح. + العاجز فى تكميل المحبة يركن دائماً على أعذار وأعذار ولكنها غير مقبولة لدى المسيح. لأن المسيح هو الحب الكامل حتى للأعداء زد إيماننا قال الرسل للرب إذ سمعوا كلامه عن هذا الحب السماوى السامى الفاخر - سبع مرات فى اليوم بل إلى سبعين مرة – قالوا للرب إذ ادركوا أن الأمر يحتاج إلى إيمان وتصديق قلبى لكلام المسيح وتبعية مطلقة وإلقاء كل الحياة على رجاء كلمة المسيح.. قالوا "زِدْ إِيمَانَنَا".. أى زوِّدنا بهذا الإيمان القوى القادر على بغض البُغضة وكره الكراهية.. زذ إيماننا لكى نستطيع أن نغفر سبع مرات فى اليوم، "فَقَالَ الرَّبّ لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل، لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذِهِ الْجُمَّيْزَةِ: انْقَلِعِي وَانْغَرِسِي فِي الْبَحْرِ فَتُطِيعُكُمْ". يارب زد إيمان أولادك بأن المحبة هى البقاء والحياة وأن البُغضة والقطيعة هى الموت بعينه. من يحب أخاه فقد أحب الله.. ومن يبغض أخاه يبقى فى الموت.. من يبغض أخاه فهو قاتل نفس. ما أجمل أن نبدأ صومنا بهذا الاستعداد الروحى فى السعى نحو السلام وتكميل المحبة الذى جعلته الكنيسة منطلق السيرة والدافع الروحى للحركة نحو الآب. المتنيح القمص لوقا سيداروس (عن كتاب "تأملات فى أناجيل عشيات الآحاد")
المزيد
05 مارس 2021

الثبات فى المسيح

قال الرب يسوع: «اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ» (يو15: 4). ما هو الثبات في المسيح؟ هل هو فكر أو فلسفة أو نظريات أو تأملات؟ أم حقيقة تُعاش وتُختَبَر وتُحَسّ وتُمارَس وتصير ركيزة للحياة. وإن كان الأمر كذلك، ما هي طبيعة هذا الثبات المتبادل؟ إيمانيًّا نحن نعي هذا.. نصدّقه كلّ التصديق بيقين الإيمان، ولكن ينقصنا الاختبار العملي في واقع حياتنا اليومية. بحسب الإيمان نحن بالمعموديّة وُلدنا «ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى» (1بط23:1)، وبحسب الإيمان نلنا معموديّة الثبات أو التثبيت بسرّ الميرون المقدس وحلول الروح القدس فينا. وبحسب الإيمان أيضًا كلّما نتناول مِن القُدسات وشركة جسد المسيح ودمه الأقدسين يحلّ المسيح فينا. أعود وأسأل نفسي هل أنا ثابت في المسيح فِعلاً وحقًّا؟ إنّ الثبات في المسيح يعني الصِّلة الدائمة الحقيقيّة.. فلا أشعر بذاتي ووجودي إلاّ فيه. وهذا ينشئ فيَّ منتهى الفرح الذي لا يستطيع أحد أن ينزعه مِنِّي. وهنا أسأل نفسي: وهل أحيا أنا هذا الشعور الحقيقي بالفرح الذي لا يشوبه كَدَر؟ ولكنّ حقيقة الأمر أنّه لا يخلو يومٌ من الاضطراب أو الانزعاج أو الغضب أو الحزن، ولا تخلو العلاقات مع الناس من الدينونة أو اختلاف الرأي، والإنسان كلّ يوم عُرضة للزلل من كلّ نوع، سواء بالعين أو باللسان أو بالفكر والقلب. فأين حالة الثبات في المسيح من كلّ هذا؟ بل كثيرًا ما يسقط الإنسان في فخاخ الخطايا والتعدّيات، وما إلى ذلك من إعلاء الذّات والكبرياء والغرور وشهوات سائر الأشياء. ويعود الإنسان يسأل: أين الثبات في المسيح من كلّ هذا؟ وقد يتبادر إلى الذهن سؤال.. هل ما اختبره الآباء وتَسَطّر في سيرتهم من الثبات في المسيح، بل والاتّحاد به وفيه.. هل كان هذا قاصرًا عليهم؟ وهل بسبب تفرّدهم في البراري وحياة النُّسك الشديد، تحصّلوا على ما تحصّلوا عليه؟ وهنا يجب أن ننتبه إلى حقيقة الأمر، أنّ المسيح إلهنا هو مسيح العالم كلّه، وهو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد، وأنّه النصيب الشخصي لكلّ واحد، وأنّه ذاق الموت بنعمة الله من أجل كلّ واحد. وأنّه ليس مسيحَ الكهنة والرهبان وأصحاب الرُّتَب.. بل هو مسيح الكلّ ومخلّص الكلّ. فإنْ كان الذين تفرّغوا لحياة الصلاة والعبادة، قد اختبروا وعاشوا حياة الحضور مع الله والثبات في المسيح، فهُم في الواقع قدّموا للكنيسة وللعالم كلّه دليلاً عمليًّا قاطعًا أنّ الحياة بالمسيح والحياة في المسيح هي واقع عملي حيّ، كفيل أن يُغني الإنسان عن العالم وكلّ ما فيه، وأن يُشبع الإنسان حتّى لو عاش في الفقر. فما دام الأمر كذلك، ومادام قد عاش الملايين من الناس هذه النعمة الفائقة، في الثّبات في المسيح والحياة به، فليس لنا إذن أيّ عُذر ألاّ نتمتّع نحن أيضًا عمليًّا. لأنّ الأمر صار مُعاشًا على مدى آلاف السنين، وفي كلّ الأجيال، وفي كلّ أماكن العالم، ولجميع مستويات الناس على اختلاف أجناسهم. وهذا يُبرهِن على أنّ الأمر ليس بمستحيل، بل هو مُتاح ومُستطاع بالنعمة. + لقد طلب الرب يسوع من الآب لأجلنا قائلاً: «لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ» (يو17: 15). فدَعوتُنا إذن أن نكون عائشين في العالم، ولكن في المسيح يسوع محفوظين من الشرير. + فالخلاصة إذن أن الأمر راجعٌ إلى تدبيرنا نحن، وطريقة حياتنا وفكرنا، وأمر جهادنا وإدراكِنا الروحيّ. + فإن كُنّا منغمسين في العالميّات ليلاً ونهارًا، وإن كُنّا قد صرَفنا العمرَ سَعيًا وراء الملذّات، أو الحصول على الماديّات بأيّ شكل من الأشكال.. وإن كُنّا قد شابهنا وشاكَلنا هذا الدهر، فمن أين لنا أن نذوق ملكوت الله داخلنا؟ فالدعوة إذن إلى أن نفيق من غفلتنا، ونتبصّر أمرَ خلاصنا، ونعطي أُذنًا صاغية للذي قال: «أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ (أسألكم)، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا (إليها)» (أف1: 4). وهنا عندما يرجع الإنسان إلى نفسه ويقول: أقوم وأرجع إلى أبي، يجد نفسه في حضن الآب. وكلّ ما فقده أو ظنّ أنّه فقده يتجدّد له. وهنا يبدأ الإنسان قليلاً قليلاً تنفتح بصيرته الداخلية، فيَرى الملكوت داخله. ويحتاج الأمر جدّيّة في طلب الحياة، ومواظبة واعية على الخلود إلى النفس، في المَخدع المُغلَق كقول الرب.. ويبدأ يتحسّس بالحِسّ الروحي الداخلي وجود المسيح وحضوره، الذي لم يكن للحظة غائبًا ولكن السبب كان في تَغَرُّبنا في الكورة البعيدة. وللحال يبدأ الإنسان في الإحساس بأنّه ثابتٌ في المسيح بل والمسيح ثابتٌ فيه. وللحال أيضًا يتخلّى الإنسان عن الفكر القديم الذي عاش به لسنين، أنّه يعمل ويجتهد ويكسب ويبلغ إلى مُراده، ولأنّ ذراعه وفهمه هو السبب في كلّ ما هو عليه. وإذ يجحد هذا الفكر يعود إلى اتضاعه، وينسب الفضل كلّه لصاحب الفضل العامل فينا. وبإدراك ثباته في المسيح، لا يعود يجد سعادة أو فرحًا إلا في زيادة الإحساس بهذه النعمة، وهذا يتحقّق بأوقاتٍ كثيرة يخلو فيها الإنسان مع المسيح، ولا يريد أن يعكِّر صفو هذه الأوقات أي كائن مَن كان. وإذ يتدرّب الإنسان، تصير حواسّه الداخليّة مرهفة لإدراك حضور المسيح، حتّى في خِضَمّ زحام مشغوليات الحياة. + ويحلو للإنسان سواء مع نفسه أو مع الناس، أن يعيش الكلمات الحلوة: - «لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ» (في1: 21). - «لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا يَعِيشُ لِذَاتِهِ، وَلاَ أَحَدٌ يَمُوتُ لِذَاتِهِ. لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ» (رو14: 7، 8). - «لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ» (أع17: 28). - «لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا» (يو15: 5). - «اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي. إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي» (يو15: 9، 10). بل يصير كلّ الإنجيل مُعاشًا، فتنفيذ وصايا يسوع سهلة، ليسَتْ ثقيلة، ونيره هيّن وحمله خفيف. كلّ هذا بسبب ثباتنا فيه، إذ يصير «هُوَ الْعَامِلُ فِينا أَنْ نُرِيدُ وَأَنْ نعْمَل مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ» (في2: 18). المتنيح القمص لوقا سيداروس
المزيد
26 فبراير 2021

الباب المفتوح

«مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ» (يع4: 17). إذن ليسَتْ الخطيّة هي فقط التعدِّي وكَسر وصايا الرب. فكثيرًا ما يُبرّر الإنسان نفسه أنّه لا يكذب ولا يحلف ولا يسرق ولا يزني، وحسنًا أن يكون الإنسان هكذا.. ولكن هل تَعلَم أنّ التقصير في فِعل الخير يُحسَب خطيّة؟ هذا القول الإلهي، يضعنا أمام مبدأ روحي غاية في الأهمّيّة من جهة العمل الإيجابي. ليس الامتناع عن السلبيّات شيئًا يدعو إلى الافتخار أو التباهي، فإن كُنّا قد نلنا النعمة وصِرنا أولاد الله، فأي ثمر ينبغي أن نثمر قال القديس بولس عن هذه الأمور إنّها كانت ثمر الطبيعة القديمة الساقطة، وهي التي سلكنا فيها قَبلاً متسكّعين في الخطايا والنجاسات، الأمور التي نستحي منها الآن، التي ذِكرها أيضًا قبيح. أمّا الآن فلكم حياة مقدسة كأعضاء جسد المسيح، ولكم ثمر الحياة الأبدية.قول الرب في القديم أنّ كلّ شجرة تُثمِرُ كجنسها (تك1: 11) هذا قانون إلهي. فإن كُنّا قد قُطِعنا من شجرة البشرية الساقطة وطُعمنا في الكرمة الحقيقيّة، وصِرنا أغصانًا فيها، فثمر حياتنا لابد أن يكون من نِتاج الكرمة الرب يسوع قال: «أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ. كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ، وَكُلُّ مَا يَأْتِي بِثَمَرٍ يُنَقِّيهِ لِيَأْتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ» (يو15: 1، 2). لذلك نقول إن ثبَتنا في الكرمة الحقيقيّة نأتي بثمر ويدوم ثمرنا، وتصير ثمار الطبيعة القديمة من كلّ أنواع الخطايا غريبة عنا.. نستحي منها، ويستحيل على طبيعتنا الجديدة المولودة من الله أن تتصالح معها «هَلْ تَقْدِرُ يَا إِخْوَتِي تِينَةٌ أَنْ تَصْنَعَ زَيْتُونًا، أَوْ كَرْمَةٌ تِينًا؟» (يع3: 12). لذلك نُكرِّر ونقول إن خَلَتْ حياتنا من ثمر الشرور والخطايا فهذا أمر طبيعي للثابتين في جسد المسيح الذي هو الكنيسة.ورجوعًا إلى الآية أنّ «مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ»، يتوجَّب علينا أن نعي بإدراك روحي أنّ فِعل الخير والصلاح، من تقديم المحبة وإنكار الذات وبذلها من أجل الآخر، والخدمة بجميع أنواعها، وأعمال المساعدة والمعونة والاحتمال والغفران... إلى آخر كلّ الفضائل المسيحية التى رأيناها في سِيَر القديسين.. بحسب ما أعطَتْ النعمة كلّ واحد مِن مواهب واحسانات، فمَن يعرف أن يعمل شيئًا مِن هذه ولا يفعل فقد صار بلا ثمر، وهذا وصفه الروح بأنّه خطية. فإن وضعَتْ النعمة أمامنا فُرصة لعمل الخير فلنسرِع وننتهز الفُرصة كقول الرسول: «لاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ» (غل6: 9). وأيضًا «مُسْرعِينَ إلَى حِفْظِ وَحْدانَّية الروُّحِ برِبَاطِ الصُّلحِ الكَاملِ» (أف4: 3). «هَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا» (رؤ3: 8). النعمة دائمًا تجعل أمامنا بابًا مفتوحًا للدخول وللتحصيل على نعمة أكثر. قد توجَد أبواب مقفولة دوننا، وهذه نحاول أحيانًا الدخول فيها، وإذ نفشل نصاب بالإحباط واليأس أحيانًا مِن كَثرة المحاولات وتكرار الفشل.دَعْ عنكَ الأبواب المغلقة لا ترتبك بها ولا تيأس. خُذْ مثلاً داود النبي والملك.. كان قد اشتهى من كلّ كيانه أن يبني بيتًا للرب، يضع فيه تابوت العهد وتكون فيه الذبائح والتسبيح، بدلاً من كون التابوت موجودًا في خيمة، ولكنّ الرب قال لداود: أنت لا تبني الهيكل.. لأنّك رجل حروب وقد سفكتَ دماء لقد انسدّ هذا الباب الذي اشتهى داود أن يدخل فيه، وصار من المستحيل أن يعمل أو يكمل هذا الأمر. وكُنّا نتصوّر أنْ يلتمس داود لنفسه الأعذار.. ما دام الأمر كذلك، وما دام الرب قد حرمني من هذه النعمة، فماذا عساي أن أفعل؟ على العكس من ذلك وجدنا داود قد انصرف إلى العمل نحو ذات الغرض من الأبواب الأخرى.. إذ جهّز كلّ ما يلزم لبناء الهيكل من ذهب وفضة وأخشاب.. إلى آخره. لم يقف عاجزًا أمام باب مغلق، بل بإيجابٍ استطاع أن يَعمل ويَعمل.. وسلّم سليمان ابنه كلّ ما يلزم للبناء، بل وسلّمه كلّ المقاسات والتفاصيل والأوزان وأراه المثال كاملاً قائلاً: «قَدْ أَفْهَمَنِي الرَّبُّ كُلَّ ذلِكَ بِالْكِتَابَةِ بِيَدِهِ عَلَيَّ (1أخ28: 19). تأمَّل أيضًا في حياة القديس بولس الرسول لمّا ألقوه في السجن، ماذا يفعل هذا الكارز العظيم الذي طاف العالم يبشّر بالمسيح. لقد تقيّدتْ حرّيّته بين جدران السجن. وكان من الطبيعي أن يجد لنفسه كلّ العذر في أن لا يفعل شيئًا ويستسلم للأمر الواقع، ويقول للرب إن كنتَ تريدني أن أخدم أخرجني من هذا الحبس، لأني أنا هنا عاجز أن أفعل شيئًا.. لقد كان أمام باب مغلق!! ولكنّه بالروح تجاوز هذا الباب المُغلَق وانفتح له باب عظيم فعّال، فعكف يكتب رسائله المملوءة من النعمة والحكمة إلى جميع الكنائس، بل وإلى كلّ أجيال الكنيسة في كلّ مكان وزمان.والعجيب أنّ رسالته إلى أهل أفسس، التي يسمّيها الدارسون للكتاب المقدس أنها أعلى وأعمق ما كتبه الروح القدس في العهدين. هذه الرسالة كتبها القديس بولس وهو في السجن لم يقف عاجزًا بائسًا ويائسًا أمام باب مقفول، بل تجاوَزَهُ إلى الأبواب المفتوحة توجَد أمور لا يستطيع الإنسان أن يعمل فيها شيئًا، ولكن تَجِدُ أمورًا يستطيع الإنسان بالنعمة أن يعمل فيها ما أجمل هذا المثال الموضوع أمامنا. إنّه وإن كانت أمورٌ لا نستطيع أن نعمل شيئًا فيها. فهناك أمور أخرى كثيرة نستطيع بالنعمة أن نكمّلها لمجد المسيح وانتشار ملكوته.تفكّر يا أخي في قول الرسول: «مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ» وقُلْ بالنعمة «أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي» (في4: 13).اعملْ في القليل الذي أمامك.. واعملْ بالإمكانيات البسيطة التي لك، وتبصَّرْ في الفُرَص التي تُهيئُها النعمة، ولا تَنظرْ كثيرًا إلى الباب المُغلَق أو إلى الأمور التي يصعُب أن تتجاوَزها. والرب معك. المتنيح القمص لوقا سيداروس
المزيد
19 فبراير 2021

العمل الذي أعطيتني قد أكملته

هكذا قال ربنا يسوع لأبيه الصالح.. لأنّه هو الكامل الذي أكمل كلّ شيء. وهكذا كان حتّى إلى الصليب حيث صرخ قائلاً: :«قَدْ أُكْمِلَ». (يو19: 30) هذا هو الحق الذي يجب أن يكون فينا سواء في خدمتنا أو سائر أعمالنا، لابد أنّنا بنعمته نقول له: «الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ» (يو17: 4). كثيراً ما يجوز علينا الفكر إنّنا قد أنجزنا جزءًا كبيرًا وهذا يكفي، ولكن يظلّ السؤال هل أكملت العمل؟ نقول كلّ شيء على ما يرام، لقد قاربنا النهاية وهذا عظيم إنّ الذين يجرون في السباق إن لم يَصِلوا إلى خط النهاية لا يُعتبَرون شيئًا. حتّى لو كانوا على بعد أمتار قليلة. فَكِّر في الأمر جيّدًا.. ماذا عهد الله إليك مِن عمل؟ ألا تَذكُر قول المسيح في المَثَل حين قال الأب لابنه: «يَا ابْنِي، اذْهَب الْيَوْمَ اعْمَلْ فِي كَرْمِي» (مت21: 28) لقد أرسلَنا الله كلّ واحد إلى عمله، إلى إرساليته.. وحدّد له الزمان والمكان، فوجودنا له غاية عُظمى وإرسالية مُحدّدة. ويجب أن نراجع أنفسنا، ونقول هل أكملتُ العمل؟ هل أقدر أن أقول قد أُكمل؟ ماذا نجاوب ديَّاننا؟ وهَبْ أنّني أدركت أني على وَشَك الخروج من هذا العالم، فهل أنا مستعد أن أعطي جوابًا؟ أم أقول لقد أكملتُ مُعظم العمل ولكنّي كنت أحتاج إلى وقت أكثر إن لم يكتمل العمل فلا يكون له قيمة، تخيل أعمال الفنانين الموهوبين: رسامين أو نحاتين ولم تُكتمل اللوحات أو التماثيل، هل تحوز على إعجاب أو رضى؟ أو طبيب مُعالج يكتفى بجزء من العلاج مهما كان كبيرًا.. هل يَرضى عنه أحد؟ أو قائد سيارة أو طائرة يقول لقد بلغنا تسعين فى المائة من المسافة وهذا يكفي.. هل هذا يُعقل؟! ما بالك إذن وأعمال الله الموكّلة إلينا؟ الأمر يحتاج إلى جدّيّة وأمانة وصبر كثير، يجب أن نكمل توبتنا التي هي أغلى ما في الوجود، أنصاف الحلول لا تنفع!! قال أحد الآباء: لو أنّ عصفورًا مربوطًا بعشرين خيطًا، فإن قُطِعَتْ معظم الخيوط، وبَقِيَ واحدٌ فقط، فهل هذا يُطلق العصفور حرًّا؟ إنّ خيطًا واحدًا فقط كفيل بأن يُفقِده حُرّيّته. هكذا إن قدّمنا توبة، وجاهدنا أن نقتلِع جذور الخطايا والآثام، ونُقلِع عن عاداتنا القديمة والأعمال والأقوال الباطلة، ونغير سيرتنا، ونتقدّم في مسيرتنا، كلّ هذا جيّد وممدوح، ولكن إن أبقينا جِذرًا واحدًا، أو تهاوَننا مع صغيرة، فإنّنا سوف نعاني من نموّها ونرتد إلى سيرتنا الأولى لذلك يجب أن نقول: قد أُكمل. وأن يكون جهادنا «حَتَّى الدَّمِ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ» (عب12: 4). أنصاف الحلول أو الرضى بانجاز الجزء الأكبر من العمل هذا لا يُعني الكمال قال القديس بولس: «قَدْ حَفِظْتُ الإِيمَانَ... أَكْمَلْتُ السَّعْيَ» (2تي4: 7). لأنّه كان دائمًا تَوَّاقًا راكضًا نحو الجَعالة، ولم يكتفِ أبدًا بما ناله.. ويقول: «لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً» (في3: 12)، وكان ينسى ما هو وراء ممتدًّا فيما هو قدام. «إِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا» (رو13: 11).. من الواجب أن تزيدنا الأيام تَقَدُّمًا وجِدّة روحيّة، وأن تكون حواسنا قد تدرّبت على التمييز بسبب طول الزمان، ونكون قد بلغنا زمن الإثمار. فهل هذا هكذا؟! الكمال يعني الانتهاء من العمل على الوجه الأكمل لا بحسب قياس الناس، بل بحسب قياس المسيح. «لأنّ لَيْسَ مَنْ مَدَحَ نَفْسَهُ هُوَ الْمُزَكَّى، بَلْ مَنْ يَمْدَحُهُ الرَّبُّ» (2كو10: 18). تأمّل جيّدًا في الوزنات التي أُعطِيَت لك من يد المسيح لكي تتاجر فيها وتربَح، وتأمّل النصيب والأجر السماوي للعبد الأمين الذي تاجَرَ فربح، إن كان في الخمس الوزنات أو الوزنتين. وأسأل نفسك بصدق وتدقيق، هل أكملت العمل؟! إن كانت وزنات الوقت والسنين أو الزوجة والبنين، أو المقتنيات وما هو بين أيدينا كمِلكنا، أو الإمكانيات الذهنية والعقلية أو الكفاءات والمهارات، أو الأهل والأصدقاء، أم العمل في العالم، أو.. أو إلى آخر هذه الأمور التي تحيط بنا في الحياة اليومية. في الواقع أنت لك دور فعَّال في كلّ هذا، إذ سمح الله لك أن تتلامس مع كلّ شيء أحاط بك، ومع أي إنسان يتعامل معك.. إذا أنت أظهرتَ له استعلان المسيح الذي يُظهِر بك للناس حبّه ورحمته وغفرانه وطول أناته. وبالأعمال الحسنة يَرى الناس الله فيك ويمجّدونه ولكن قبل كلّ شيء يبقى السؤال: هل أكملتَ العمل؟! وأقول «مَا دَامَ الْوَقْتُ يُدْعَى الْيَوْمَ» (عب3: 13)، فالفرصة أمامك، وما لم تَبْلُغْه بالأمس جاهد اليوم فيه متفاديًا الأخطاء التي عطّلت العمل، ومواظبًا على طلب المعونة الإلهية لتتميم عمل الله، ومتأكّدًا أنّه «إنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلاً يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ» (مز127: 1) «لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِينا أَنْ نُرِيد وَأَنْ نعْمَل مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ» (في2: 13). المتنيح القمص لوقا سيداروس
المزيد
12 فبراير 2021

«مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ»

ما أجمل قول الرسول بولس الذي قاله عن فم المسيح.. لم يُذكَر هذا القول في الأناجيل الأربعة، ولكنّه سمعه منه شخصيًّا مصدر العطاء هو المسيح ذاته.. الذي بذل ذاته وأعطانا جسده ودمه. هذا هو قمة السخاء وبالفعل «لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ.» (يو15: 13). وحين يملك المسيح على القلب يفيض القلب عطاءًا وسخاءًا وفرحًا. أمّا الشُّحّ والبُخل فهي علامات للأنانية وحُبّ الذات. قرأتُ اليوم خبر انتقال إنسان في بلغاريا إلى الفردوس عن عمر يناهز 103 سنة. كان في بداية حياته يمتلك مزرعة، باعها وتَصَدَّق بها، وعاش فقيرًا مُعدَمًا باقي حياته.. سَكَن في كوخ صغير، وصار يتسوّل كلّ يوم في شوارع صوفيا (عاصمة بلغاريا) وهو يصلِّي الصلاة الدائمة. وكان الناس يُشفقون عليه، بسبب منظره المسكين وسِنّه المتقدمة. والغريب في أمره أنّه لم يكُن يقتني شيئًا، ولا يتسوّل لنفسه.. بل كان كلّ ما يحصُل عليه في يومه يُقدّمه خدمةً للأيتام في الملاجئ، وللمحتاجين على اختلاف حالاتهم.. تعجّبتُ جدًّا. إلى هذه الدرجة.. لعشرات السنين يفعل هذا؟ ما الدافع؟ وما هو السرّ وراء ذلك؟ بكلّ تأكيد إنّه ذاق نعمةً وغِبطةً لم يذُقها أحد.. لقد اختبر النعمة أن يعطي ويفرح، ولمّا باع ما كان له لم يكتفِ، بل ظلّ فِعل الخير والاحسان يدفعه دفعًا بلا توقُّف وبلا كَلل. وقبلَ على نفسه أن يصير فقيرًا بل شحّاذًا، من أجل خدمة أخوة الربّ الأصاغر. بل يَحكي تاريخ الكنيسة قِصّة القديس بطرس الذي كان بخيلاً جدًّا، فلمّا افتقدَتْه النعمة تبدَّل حاله إلى أكثر الناس عطاءًا. فلمّا باع كلّ ما له، باع نفسه عبدًا، وتَصَدّق بثمن حرّيته للمحتاجين. إنّها نعمة لا يعرفها إلاّ المختبِرين.. هي بعيدة عن كلّ المظاهر والاعلانات والافتخار الباطل.. هي نعمة باطنيّة حرصَ عليها كلّ مَن اختبرها. هم أحبّوا المسيح حبًّا طاغيًا.. أحبّوه في الفقراء والضعفاء والمرضى وكلّ ذي حاجة. رأوه عريانًا وجائعًا وعطشانًا ومحبوسًا ومريضًا فأتوا إليه وخدموه. الأمر ليس مقصورًا على الأغنياء الذين يتصدّقون مِن فائض ما عندهم، فهناك فقراء جدًّا، بل ومُعدَمين، ولكنّهم يحبّون العطاء.وقصّة الأرملة الفقيرة التي مدحها المسيح في الإنجيل، وقبلَ عطيّة الفلسين من يدها، وشهد عنها أنّها أعطَتْ أكثر من جميع الذين قدّموا. هذه القصة قد صارت نموذجًا وأيقونة للعطاء المقبول لدى المسيح. وقد جعلَتْها الكنيسة في أوشية القرابين فنقول هكذا للرب «وكما قبلتَ إليك قرابين هابيل الصديق وذبيحة أبينا ابراهيم وفلسي الأرملة، هكذا نذور عبيدك اقبلها إليك». فكأن فلسيّ الأرملة قد توازَتْ مع ذبيحة أبينا ابراهيم وقرابين هابيل.. ياللعجب!! لذلك أَعطِ روح الله الحالّ فيك أن يستخدمك للعطاء. لقد قال الرسول عن المؤمنين «فَاضَ وُفُورُ فَرَحِهِمْ وَفَقْرِهِمِ الْعَمِيقِ لِغِنَى سَخَائِهِمْ، لأَنَّهُمْ أَعْطَوْا حَسَبَ الطَّاقَةِ، أَنَا أَشْهَدُ، وَفَوْقَ الطَّاقَةِ، مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ» (2كو8: 2، 3). لقد صار العطاء تلقائيًّا عندما حلت نعمة الله عليهم، كما كان في البداية أيضًا، فكلّ الذين آمنوا وقبلوا روح الله تخلُّوا تلقائيًّا عما كان لهم بكلّ الفرح والسرور، دون أن يسألهم أحد أن يفعلوا ذلك السرّ أنّهم أعطوا أنفسهم للرب.. فعمل بهم وفيهم ثمر السخاء والبذل بكلّ الفرح، ليس عن اضطرار، أو بسبب الإحراج، أو حُبّ الظهور. لقد تبعوا قول الرب القائل «لتكن صَدَقَتُكَ (رحمتُك) فِي الْخَفَاءِ» (مت6: 4) كذلك الأمر يحتاج إلى تدريب.. فالطبيعة البشريّة تحبّ الأخذ دون العطاء، وتفرح بالامتلاك والاكتناز. أمّا النعمة فعلى العكس، فالنعمة سخيّة باذِلة مُضَحِّية لا تطلب ما لنفسها. فعلينا إذن أن ننحاز للنعمة، لكي نَغلب الطبيعة، ونُسرَّ بحركات النعمة التي تقودنا لعمل الخير، وتفتح لنا المجالات وتشجّعنا وتُحبِّب لنا البذل والعطاء. المتنيح القمص لوقا سيداروس
المزيد
05 فبراير 2021

اَلْخَمْرُ مُسْتَهْزِئَةٌ

هذا ما كتبه الروح من كلام الحكمة الإلهية في سفر الأمثال، أي منذ ما يقرب من 3000 سنة. ومازالت كلمة الرب تنير الطريق للسالكين فيه. فإن عرفتَ أنّ طريق شرب الخمر هو طريق الهُزء فمن يا ترى يريد لنفسه أن يكون هكذا... «مَنْ يَتَرَنَّحُ بِها فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ» (أم20: 1). فهل ترضى بذلك؟ قال أيضاً الحكيم: «لِمَنِ الْوَيْلُ؟ لِمَنِ الشَّقَاوَةُ؟ لِمَنِ الْمُخَاصَمَاتُ؟ لِمَنِ الْكَرْبُ؟ لِمَنِ الْجُرُوحُ بِلاَ سَبَبٍ؟ لِمَنِ ازْمِهْرَارُ الْعَيْنَيْنِ؟ لِلَّذِينَ يُدْمِنُونَ الْخَمْرَ، الَّذِينَ يَدْخُلُونَ فِي طَلَبِ الشَّرَابِ الْمَمْزُوجِ. لاَ تَنْظُرْ إِلَى الْخَمْرِ إِذَا احْمَرَّتْ حِينَ تُظْهِرُ حِبَابَهَا فِي الْكَأْسِ وَسَاغَتْ مُرَقْرِقَةً. فِي الآخِرِ تَلْسَعُ كَالْحَيَّةِ وَتَلْدَغُ كَالأُفْعُوانِ. عَيْنَاكَ تَنْظُرَانِ الأَجْنَبِيَّاتِ، وَقَلْبُكَ يَنْطِقُ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ. وَتَكُونُ كَمُضْطَجعٍ فِي قَلْبِ الْبَحْرِ، أَوْ كَمُضْطَجعٍ عَلَى رَأْسِ سَارِيَةٍ. يَقُولُ: ضَرَبُونِي وَلَمْ أَتَوَجَّعْ! لَقَدْ لَكَأُونِي وَلَمْ أَعْرِفْ! مَتَى أَسْتَيْقِظُ؟ أَعُودُ أَطْلُبُهَا بَعْدُ!» (أم23: 29 – 35). تأمل كيف تصف كلمة الله بالتدقيق ماذا تفعل الخمر بالإنسان؟! حينما يسلم نفسه لها ماذا عساه أن يجني؟ أو أي مكسب يناله من وراء ذلك؟ وقد وصف الروح النصيب السيّئ والعاقبة المُرَّة بكلمات الحكمة الإلهية.. تأمّلها بتفصيل: لمن الشقاوة، لمن الويل، لمن المخاصمات، لمن الكرب، لمن الجروح بلا سبب، لمن ازمهرار العينين.لماذا يشرب الإنسان الخمر؟ لكي يفرح، لكي ينسى تعبه فيستريح، لكي يَخرُج مِمّا هو فيه، لكي ينتشي ويضحك.. لأسباب وأسباب بلا حصر.. ولكن كلمات الحكمة الإلهية تُثبِت العكس تمامًا: فبدل السلام الذي يتمنّاه كلّ أحد، فإنّ الذين يشربون الخمر هم كثيرو النزاع والغضب والعنف. فالجرائم التي يرتكبها مدمنو الخمر لا عدد لها ولا حصر. فهل تأتيهم الخمر بالسلام الداخلي؟ حاشا.. لا سرور ولا سلام حقيقي إلا في الحياة في المسيح. القديس بولس الرسول يوصي المؤمنين «لاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ (لا تشربوا الخمر) الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ» (أف5: 18). الامتلاء بالروح فيه الفرح الحقيقي الذي لا يُنطق به. فرح الخمر إلى حين ثم يعود الإنسان إلى كآبة أكثر. أما فرح الروح فهو حقيقي دائم يزداد من يوم إلى يوم.وراء شرب الخمر والإدمان.. هناك خديعة العدو فهو كذّاب وأبو الكذّاب، هو يُغلِّف بضاعته بغلاف الإغراء والغش.. ويخفي الحقّ. شهوة العيون حين تنظر إلى الخمر كشفها الروح وحذر قائلاً: لا تنظر إلى الخارج، إلى الشكل المُغري. ووصفها بالتفصيل لكي لا تُخدَع بها.تأمّل السُّمّ القاتل المُخفَى فيها، والنتاج النجس الذي يتسبّب عنها.. إنّها تطير بصواب الإنسان، وتذهب بعقله واتزانه وكرامته.. ألم يتعرّى لوط/نوح البار إذ شرب الخمر؟ بل حينما يطير عقل الإنسان بالخمر يفكِّر بما لا يليق، فينحدر بالشهوات إلى طلب النجاسة والزنى. ارتباط وثيق بين الاثنين. فلماذا يفقد الإنسان أعزّ ما له؟ لما سكر أحشويرش الملك صنع فعلاً قبيحًا، وطلب زوجته لكي يرى العظماء جمالها!! (أستير1: 10 – 12). ولكنها كانت أكثر منه حكمةً وتَعفُّفًا، واستهانت بغضب الملك، وضحّت بمركزها كملكة، ولم تسلِّم نفسها لمثل هذا الفعل القبيح.الخمر مستهزئة.. يجب أن نؤمن بكلام الحكمة الإلهية ولا نسلِّم أنفسنا لخديعة العدو.بعض الناس يسيئون فهم ما قاله القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس، عندما نصحه قائلاً: «لاَ تَكُنْ فِي مَا بَعْدُ شَرَّابَ مَاءٍ، بَلِ اسْتَعْمِلْ خَمْرًا قَلِيلاً مِنْ أَجْلِ مَعِدَتِكَ وَأَسْقَامِكَ الْكَثِيرَةِ» (1تي5: 23). وقد جعلوا هذا الأمر كتصريح لشرب الخمر، أو لتخدير الضمير، أو نوع من التحايُل على كلمة الله. وهذا لا يليق بأولاد الله.فالقديس تيموثاوس رغم كثرة أمراضه، ورغم حياته فى أجواء باردة، كان يرفض أن يشرب الخمر حتى ولو على سبيل العلاج كدواء. وهذا استدعى القديس بولس أن يرسل إليه فى الرسالة كأمر من أب لابنه، لكي إذ يتعافى من أمراضه، يواصل خدمته بلا مانع. المتنيح القمص لوقا سيداروس
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل