كلمة الصليب في أسفار العهد الجديد

27 سبتمبر 2022
Share
Large image

لم يرد لفظ الصليب في أسفار العهد القديم ، لكنه ورد بأكثر من معنى في كتاب العهد الجديد . فالكلمة التي تترجم حالياً « صليب » ، تفيد في اللغة اليونانية آلة تعذيب واعدام . ولكنها اكتسبت معنى خاصاً لارتباطها بموت المسيح. هناك كلمتان مستعملتان للتعبير عن آلة التعذيب التي نفذ بها حكم الموت على الرب يسوع : اكسيلون XYLON وتعنى خشبة أو شجرة ؛ استاوروس STAUROS وتعنى صلیب بمفهومه الحالي .الكلمة الأولى ( اكسيلون ) وردت في العهد الجديد عادة للتعبير عن الخشب كمادة . وهي الكلمة التي وردت في ( تثنية ٢١ : ٢٣ ) ، والتي اقتبسها بولس الرسول في ( غلاطية 3 : 13 ) « ملعون كل من علق على خشبة » . وعلى أية الحالات فإن كلمة « اکسيلين » في العهد الجديد يمكن أن تكون مرادفة لكلمة استاوروس ، التي استخدمت في الأناجيل في ذكر تنفيذ حكم الموت على السيد المسيح ، وفي رسائل بولس الرسول للتعبير عن آلام المسيح وموته : يقول بطرس الرسول « إله آبائنا أقام يسوع الذي أنتم قتلتموه معلقين إياه على خشبة » ( أعمال الرسل 5 : ٣٠ ) . وفى بيت كرنيليوس قال المائة ، قال بطرس للحاضرين عن المسيح « الذي أيضاً قتلوه معلقين إياه على خشبة » ( أعمال الرسل ۱۰ : ۳۹ ) ... وفي رسالته الأولى يقول « الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة ، لكي نموت عن الخطايا للبر » ( بطرس الأولى ٢ : ٢٤ ) ... و يقول بولس الرسول « المسيح اقتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا ، لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة » ( غلاطية 3 : 13 ) . وقد وردت كلمة استاوروس ومشتقاتها مرتين في العهد الجديد . المرة الأولى في قصة آلام المسيح ( مرقس 15 : ١ - ٤٧ : متی ۲۷ : ۱ ، لوقا ۲۳ : ١ - ٥٦ ؛ يوحنا ۱۸ : ۲۸ ؛ ۱۹ : ٢٤ ؛ رؤيا 11 : ۸ ) . والمرة الثانية في رسائل بولس الرسول ، ووردت فيها سبع عشر مرة ( كلمة الصليب وردت 7 مرات ـ كلمة يصلب وردت ثمان مرات ـ كلمة يصلب مع وردت مرتين ) ... وإلى هذه يمكن أن يضاف ما جاء في ( عبرانيين 6 : 6 ؛ ١٢ : ٢ ) ؛ وما جاء في الثلاثة أناجيل الأولى عن حمل الصليب ( مرقس 8 : 34 ؛ متى 16 : ٢٤ ؛ لوقا ۹ : ۲۳ ؛ مرقس ۱۰ : ۳۸ ، لوقا 14 : ۲۷ ) ... قلنا إن كلمة « اكسيلون » اليونانية تعنى شجرة ، وهي في نفس الوقت مرادفة لكلمة « استاوروس » ... إن هذا يقودنا للتفكير في شجرة الحياة التي كانت في وسط الجنة ( تكوين ۲ : ۹ ) ... تلك التي بعد أن طرد الإنسان الأول من الجنة ، اقيم كاروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة الطريق إليها . وهي التي قال الله عنها « لعله ( الإنسان ) يمد يده و ي و يأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد » ( تكوين 3 : ٢٤ ، ۲۲ ) ... كان هذا في سفر التكوين ( سفر الخليقة ) . وتعود هذه الشجرة شجرة الحياة - للظهور ثانية في سفر الرؤيا « من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله » ( رؤيا ٢ : ٧ ) . ونقرأ عن أورشليم الجديدة في سفر الرؤيا ، انه على جانبي نهر الحياة فيها تنمو « شجرة حياة تصنع ثنتى عشرة ثمرة وتعطى كل شهر ثمرها . وورق الشجرة لشفاء الأمم » ( رؤيا ۲۲ : ۲ ) ... ونقرأ أن الأبرار وحدهم لهم سلطان على هذه الشجرة ( رؤيا ٢٢ : ١٤ ) . وهكذا نرى أن ما كان ممنوعاً ومحرماً على الإنسان الأول صار مباحاً للخليقة الجديدة ... إن شجرة الحياة ترمز للحياة ، وتقدم الحياة عكس ما يقدمه الصليب ( الخشبة ) ألا وهو الموت
مثال الصليب في العهد القديم :-
معلوم أن أسفار العهد القديم مليئة بالنبوات والرموز عن السيد المسيح . و واضح أن مهمة العهد القديم بأسفاره المقدسة وذبائحه وأنبيائه وبكل ما إسرائيل لقبول المسيا ... ومن بين فيه كانت هي تهيئة أذهان بنی هذه النبوات والرموز ما يختص بالصليب الذي مات فوقه الفادى ... من هذه الإشارات والرموز :
١- في حادث تقديم إبراهيم ابنه إسحق ذبيحة محرقة حسب أمر الله ، حمل إسحق حطب المحرقة ، وهو رمز للصليب الذي حمله ربنا يسوع المسيح وهو ذاهب ليصلب ... وفي الموضع الذي حدده السيد الرب بني إبراهيم مذبحاً وربط إسحق ابنه ووضعه فوق المذبح . وهذا رمز لما حدث مع المسيح حينما شمر على الصليب ( تكوين ٢٢ : ٦ ، ٩ ؛ يوحنا ١٧:١٩) .
٢- وعندما قدم يوسف ابنيه افرايم ومنسى لأ بيه يعقوب ليباركهما قبيل موته ، مد يديه مثال الصليب وباركهما على غير ما كان متوقعاً ( تكوين ٤٨) .
٣- وأثناء محاربة بني إسرائيل لشعب عماليق بعد خروجهم من مصر ، وقف موسى النبي أعلا التل باسطاً ذراعيه مثال الصليب . وفيما كان يفعل ذلك كان إسرائيل ينتصر ، وحينما كان يخفض ذراعيه بحكم الضرورة كان إسرائيل ينهزم . ولهذا جيء بحور وهارون ليسندا ذراعی موسى ليظلا مرفوعين . وبهذا انتصر إسرائيل .
4 ـ وعندما تذمر بنو إسرائيل في البرية ـ عقب خروجهم من مصر - على الله وعلى موسى ، ضربهم الله بالحيات المحرقة ، فلدغت الشعب ومات عدد كبير منهم . ولما صرخوا واعترفوا بخطئهم أمر الله موسى أن يصنع حية من نحاس شبه الحية المحرقة تماماً ، ويرفعها على راية . وكل من لدغ من الحية الحقيقية و ينظر إلى حية النحاس يبرأ ويحيا ( سفر العدد ٢١ : 5 ـ ۹ ) ... كانت الحية النحاسية مثالاً للمسيح ، بينما كانت الخشبة التي رفعت عليها عالياً رمزاً لخشبة الصليب . وإلى ذلك اشار السيد المسيح بقوله « كما رفع موسی الحية في البرية ، هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان ، لكي لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية » ( يوحنا 3 : 14 ، 15 ).
ه ـ كان خروف الفصح بعد ذبحه حسب الشريعة ، لا يؤكل نيئاً أو مطبوخاً بل مشوياً . وكان الخروف يشوى على سفودين ( سيخين ) متعامدين على هيئة صليب .
6 - وفي شريعة تطهير الأبرص بعد شفائه ، كان عليه أن يحضر قطعة من خشب الأرز . وتوضع في ماء حتى في إناء خزفى . ويحضر عصفورين . يذبح أحدهما و يصفى دمه على الماء الحي في الإناء الحرفي ، و يدفن في حفرة أمام الكاهن والأ برص الذي شفى . ثم يغمس جناح العصفور الثاني الحيّ و يطلق نحو البرية . إن هذه الخشبة مثال للصليب . والعصفور الذي ذبح رمز للمسيح الذبيح ، أما الآخر الذي غمس جناحه بالدم فيرمز إلى المسيح القائم من بين الأموات الذي ـ بدم نفسه ـ دخل مرة واحدة إلى الاقداس فوجد فداء أبدياً ( عبرانيين ۹ : ۱۲ ) . هذه المثالات والرموز كانت واضحة للمسيحيين منذ البدء . ولقد فهم آباء الكنيسة ومعلموها ما ترمز إليه هذه الرموز وعبروا عن ذلك بكل وضوح ... أ ـ يوستينوس الشهيد المدافع المسيحي الذي ولد في اواخر القرن الأول الميلادي واستشهد سنة 166 في حواره مع تريغو اليهودي في مدينة أفسس يقول : [ في العهد القديم مثالات متنوعة لخشبة الصليب التي بها ملك المسيح ... لقد رمز له ( الصليب ) بشجرة الحياة التي ذكر أنها غرست في الفردوس ... وأرسل موسى ومعه العصا ( الخشبية ) ليخلص الشعب . وبهذه العصا في يديه وهو على رأس الشعب ، شق البحر الأحمر . وبها تدفقت المياه من صخرة . وعندما القي بشجرة في مياة مارة المرة صارت عذبة ... و يعقوب تباهى بعصاه بأنه عبر بها الأردن ... وعصا هارون التي افرخت اعلنته كاهناً أعظم . وتنبأ إشعياء عن قضيب ينبت من جذع يسى ، وكان هذا هو المسيح . و يقول داود عن الإنسان البار انه كشجرة مغروسة على مجاري المياه ، تعطى ثمارها في اوانه وورقها لا يذبل . ومرة أخرى يقول عن الصديق انه كالنخلة يزهر . لقد ظهر الله لإبراهيم عند شجرة قرب بلوطات ممرا . وقد وجد الشعب سبعين نخلة واثني عشر .عين ماء بعد عبور البحر الأحمر . ويؤكد داود أن الله عزاه بعصا وعكاز ... ] . و يشير يوستينوس إلى أن بسط موسى لذراعيه في حرب بنی إسرائيل مع شعب عماليق إنما كان مثالاً للصليب . وكذلك مباركة يعقوب لابني يوسف ، والحية النحاسية التي رفعت في البرية ... [ ليس بدون قصد أن موسى النبي عندما عاونه حور وهارون ، ظل على هذا الوضع حتى المساء . فلقد ظل الرب على الخشبة تقريباً حتى الغروب ودفن بعدها ... وإشعياء أشار أيضاً إلى الطريقة التي مات بها الرب قائلاً : « بسطت يدي طول النهار إلى شعب متمرد سائر في طريق غير صالح » ( إشعياء 65 : ٢ ؛ رومية 10 : ٢١ ) .
ب ـ وغريغوريوس أسقف نيصص في كتابه « حياة موسى » يقول : عندما بسط موسى يديه من أجل المصريين هلكت الضفادع في الحال . وهذا ما يمكن مشاهدته يحدث الآن . لأن أولئك الذين يرون الأيدى الممتدة لمعطى الناموس ( موسى ) ، وفى يديه المبسوطتين ، ذاك الذي مد يديه على الصليب ... ] . ا وراءه ملذات و يقول في كلامه عن الماء المر في البرية [ لأن الشخص الذي خلف مصر ... تبدو له الحياة الخالية من هذه الملذات صعبة وغير مقبولة في أول الأمر . لكن إذا القيت الخشبة في الماء ـ بمعنى أنه إذا اقتبل الإنسان سر القيامة التي تبدأ بالخشبة ( ولا شك أنك تدرك الصليب عندما تسمع الخشبة ) ، حينئذ تصبح الحياة الفاضلة أحلى وأعذب مذاقاً من كل الحلاوة التي تداعب الحواس باللذة ] . و يقول عن محاربة بني إسرائيل لعماليق ورفع موسى ليديه [ لأن سر الصليب في الحقيقة لأولئك الذين يستطيعون الرؤيا ، يمكن ادراكه بالتأمل ... لقد امتدت يدا موسى معطى الناموس فكانت سبباً للنصر ورمزاً مسبقاً لسر الصليب ] . وعن الحية النحاسية يقول القديس غريغوريوس [ العمل الأساسي للإيمان في السر ، هو أن ننظر إلى ذاك الذي تألم لأجلنا . الصليب هو الألم . حتى أن من ينظر إليه كما يقول النص لا يؤذيه سم الشهوة . أن تنظر إلى الصليب ، يعني أنك تميت حياتك كلها وتصلبها للعالم ] .
نيافة مثلث الرحمات الانبا يؤانس أسقف الغربية
عن كتاب المسيحية والصليب

عدد الزيارات 46

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل