بمناسبة بدء صوم الميلاد الذي نستقبل فيه عمانوئيل إلهنا نتذكر انه قبل مجيئه أرسل ملاكه ليهيئ الطريق قدامه يهييء له شعباً مستعداً عندما أراد الله أن يكلم الشعب لأول مرة ويعطيهم وصاياه قال لموسى اذهب إلى الشعب وقدسهم اليوم وغداً وليغسلوا ثيابهم ويكونون مستعدين لليوم الثالث لأنه في اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيون الشعب على جبل سيناء ( خر ۱۹ : ۱۰ - ١٥ ) وهكذا هيا موسى للرب شعبا مستعدا لسماعه ونفس الوضع نجده بالنسبة الى صموئيل النبي كان ذاهباً إلى بيت لحم لكى يقدم للرب ذبيحة ويختار مسيحاً للرب ولما كان ليس لكل أحد أن يتقدم إلى الذبيحة بدون استعداد لذلك قال صموئيل النبي عبارته المشهورة " تقدسوا وتعالوا معى إلى الذبيحة" ( ١صم ٥:١٦ ) ويقول الكتاب بعدها " وقدس يسى وبنيه ، ودعاهم إلى الذبيحة" كان لا بد أن يهيىء للرب شعباً مستعداً ، بتقديسه وكانت هذه هي رسالة يوحنا المعمدان كاهن الرب قال عنه الملاك فى البشارة بميلاده " يريد كثيرين من بني اسرائيل إلى الرب إلههم ويتقدم أمامه بروح ايليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء والعصاة إلى فكر الأبرار لكي يهيى للرب شعباً مستعداً " ( لو ١ : ١٦، ١٧ ) كما هو مكتوب في الأنبياء : ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب ،اصنعوا سبله مستقيمة "( مر ٣،٢:١ ) ويوحنا المعمدان هيأ الشعب للرب بالتوبة والمعمودية ما أعظم هذه الرسالة التي يقوم بها أولئك القديسون الذين يهيئون للرب شعباً مستعداً "أيها الأخوة : إن ضل أحد بينكم عن الحق فرده أحد فليعلم أن من رد خاطئاً عن طريق ضلاله يخلص نفساً من الموت ويستر كثرة من الخطايا "( يع ٥ : ١٩- ٢٠ ) ." تخليص نفس من الموت" ما أعظم هذا العمل !
إنه عمل الرب من يقوم به إنما يعمل الرب فيه أنظروا إلى بولس الرسول يقول لتلميذه تيموثاوس "لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك فإنك إن فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضاً "( اتى ٣ : ١٦ ) .بل أن بولس الرسول يقول عن نفسه في عمل الخلاص " صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال قوماً "( ۱ کو ۹ : ۲۲ ) وبطرس الرسول يقول للأخوة الذين في الشتات "نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس " ( ۱ بط ٩:١ ) . فماذا يقصد بهذا الخلاص؟
عجيب أن الكتاب يستعمل كلمة الخلاص بالنسبة للبشر بينما هو عمل المسيح إنه أيضاً عمل البشر بمعنى أنه يهيىء للرب الشعب الذي يقبل هذا الخلاص ويؤمن به ويعتمد على أساسه يهیی للرب شعباً مستعداً لنوال الخلاص بالطريقة التي رسمها الرب و لعلك تسأل : ولماذا لم يرسل الله روحه القدوس ليخلص الناس مباشرة، ولا داعى لدخول البشر في هذا الموضوع الإلهى ؟ أجيبك بأن الكتاب المقدس يكشف لنا أن هذا ليس هو أسلوب الله لان أسلوب الله هو أن يرسل أمامه " ملاكه " ليهييء الطريق أمامه ليس الله محتاجا الى من يهيى الطريق له . ولكن محبته تشاء أن ان يشرك معه البشر في عمل المحبة نحو اخوتهم الله يستطيع أن يغرس الشجر بنفسه دون زرع بشر كما غرس جنة عدن ولكنه من محبته ومن تواضعه يسمح أن واحداً يغرس ، والثانى يسقى والله هو الذى ينمى وهو ينمى هذا الغرس المستعد الذي هيئه له "شركاء الطبيعة الإلهية "في عمل المحبة نحو البشر إن الرب هو الذي يعمل فى القلوب لخلاصها يعمل بنعمته و بروحه القدوس ويعمل أيضاً بكل "أناء مختار " تحل فيه قوة الله ،وتنطق على فمه لترد العصاة إلى فكر الأبرار هذا هو عمل الأنبياء ، وعمل الرعاة والكهنة وعمل الوعاظ و عمل "صيادى الناس" من كل جهة وظيفتهم جميعاً أن يهيئوا للرب شعباً مستعداً بل هذا هو أيضاً عمل الملائكة الذين قال عنهم الكتاب "أليسوا جميعاً أرواحاً خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص " (عب ١ : ١٤ ) وهكذا بنفس المعنى فإن المعمدان الذي هيا الطريق أمام الله دعى ملاكاً لأنه يعمل عمل الملائكة وأيضاً رعاة الكنائس السبع دعوا ملائكة لأنهم كذلك يهيئون للرب شعباً مستعداً عن هذا الأمر "تهيئة الشعب للرب " قال بولس الرسول" خطبتكم لرجل واحد لاقدم عذراء عفيفة للمسيح " ويوحنا المعمدان لما هيأ الشعب بالتوبة ،قدمه للمسيح ، كهروس وقال "من له العروس فهو العريس" أما أنا فصديق للعريس أقف وأفرح هذه العروس المهيأة لعريسها بواسطة عمل الآباء والأنبياء والرعاة والكهنة هي التي رأها الرائي في سفر الرؤيا ( رو ۲۱ : ۲ ) هؤلاء يقومون بتهيئة كل نفس لكى تنضم إلى الكنيسة وتصير عضواً في جسد المسيح كما قال الكتاب : وكان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون الرب يريد أمثال هؤلاء لكى يعمل فيهم ومعهم وبهم ولذلك قال لتلاميذه " الحصاد كثيرة والفعلة قليلون اطلبوا إلى رب الحصاد أن يرسل فعلة لحصاده" هؤلاء الفعلة هم الذين يهيئون للرب شعباً مستعداً ولقد سماهم الرب في بعض الاوقات بالكرامين وبالوكلاء قال إنه سلم الكرم لكرامين صاحب الكرم هو الله أما عمل الكرامين فهو تهيئة الكرم لكى يعطى ثمراً باعطاء الكرم كل ما يحتاجه من ماء الحياة ومن طعام النعمة وهذا ما قاله الرب عن وكلائه "يا ترى من هو الوكيل الامين الحكيم الذي يقيمه سيده على عبيده ليعطيهم طعامهم في حينه طوبي لذلك العبد الذي إن جاء سيده يجده يفعل هكذا" إن وجده يهيى هؤلاء العبيد للقاء ربهم لعلك تقول : انا لست من هؤلاء الخدام الرسميين في الكنيسة الذين ائتمنهم الرب أن يهيئوا له شعبا مستعدا ؟
أقول إن هذا العمل هو أيضاً عمل الأب والأم أن يشتركوا في تهيئة الشعب المستعد بتهيئة أطفالهم للرب في حياة الإيمان كما مدح بولس الرسول لوئيس وافنيكي اللتين سلمتا الإيمان عديم الرياء لتلميذه تيموثاوس ( ٢ تی ٥:١) وظيفة الاشبين الذي يتلقى المعمد من الكنيسة هي هذه :
"أن يهيىء للرب شعباً مستعداً " فيهيىء هذا الطفل الذي لا يدرك شيئاً لحياة الإيمان التي عمد على أساسها يعده ليكون عارفاً بكل قواعد الخلاص ومؤمناً بها من أعماقه وأنت إن كنت لا تستطيع أن تكون خادماً للرب على المستوى العام تهييء له شعباً مستعداً فلتكن هكذا على مستوى الأسرة ولتقل" أما أنا وبيتي فتعبد الرب " وان لم تستطع عن طريق تهيئة أسرتك ، فهيئ نفسك وإن هيأ كل إنسان نفسه فإن الشعب كله سيكون للرب شعباً مستعداً لأن الشعب هو مجموعة أفراد فهل حقاً قد هيأنا أنفسنا للرب ؟ إننا مثلا نقول للرب في كل صلاة "ليأت ملكوتك " فهل نحن قد هيأنا أنفسنا لهذا الملكوت وصرنا مستعدين لملاقاة الرب إذا جاء الآن كما قال "كونوا مستعدين"؟
إن الكنيسة تقدم لنا سر الافخارستيا على المذبح ، ولكل هل هيأنا للرب شعباً مستعداً للتناول ؟ لأن من يتناول بدون استحقاق يتناول دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب ( ۱ کو ۱۱ : ۲۹ ) .
وظيفة الكنيسة أن تهيى أولادها ليكونوا مستعدين
فكما يكونون مستعدين للتناول يكونون مستعدين أيضاً لمقابلة كل فكر غريب ضد الإيمان فاهمين كل حقائق الإيمان والعقيدة كما قال الرسول "كونوا مستعدين كل حين لمجاوبة كل من يسألكم عن سر الرجاء الذي فيكم" بل أكثر من هذا كانت الكنيسة في العصور الأولى تهيى الرب شعبا مستعدا حتى للاستشهاد .كانت تهيئه بمحبة الله وبذل النفس لأجله والفرح بالملكوت والأبدية وعدم الخوف من الموت بل أن هناك كتباً الفها آباء الكنيسة في القرن الثاني للميلاد وفى القرن الثالث عنوانها "حث على الاستشهاد " أن عمل الخدمة كله يتلخص في هذه العبارة وحدها " تهيئ للرب شعباً مستعداً " وليس للخدام عمل آخر ولكن كيف يمكن لخادم الرب أن يهيئ النفوس له ؟
يهيئها كيوحنا المعمدان بالتوبة والمعمودية ويهيئها أيضاً بالتعليم و بكلمة الله القوية الفعالة ويهيئها بالتشجيع وبخاصة للركب المخلعة والنفوس الصغيرة وبالتأني على الضعفاء و يهينها بالمحبة بما يمنحه لها من حب وبما يكشفه لها من محبة الله لها و عمله لأجل خلاصها وإن احتاج الأمر إلى التوبيخ والتأديب اعادة الناس إلى التوبة وتهيئتهم للرب فلا مانع بمحبة وحكمة ان الله نفسه يهيئ شعبه بالتجارب ليكون مستعدا بالتجربة تنحنى الركبة أمام الله وترتفع القلوب بالصلاة وتلتصق النفوس بالكنيسة بالصوم وانسحاق القلب إن الله يتخذ كل الوسائل ليخلص على كل حال قوماً .
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
عظة البابا يوم 21/11/1980