ليس الصوم هو مجرد انقطاع عن الطعام وليس هو الاقتصار على الأطعمة النباتية إنما هو أعمق من هذا الصوم ليس فضيلة للجسد وحده انما الروح تشترك فيه مع الجسد إن كان الصوم ارتفاعاً عن مستوى الطعام أو عن مستوى الجسد والمادة بوجه عام فهذا كله مجرد وسيلة تؤدى إلى عمل أكبر وهو إعطاء فرصة للروح لكي ترتفع إلى فوق إذن ما هو عمل الروح خلال الصوم ؟
الصوم فترة تذلل تنسحق فيه الروح أمام الله بالتوبة والدموع وانكسار القلب فترة فيها يتضع القلب وتعرف الذات ضعفها وتقف أمام الله كتراب ورماد لذلك تصلح المطانيات الفترات الصوم وباذلال الجسد تصل إلى إذلال النفس وبهذا تصل الروح إلى الإتضاع وبالإنضاع نفتح أبواب السماء والصوم فترة مناسبة لغذاء الروح إن بعد الروح عن ضغطات الجسد هو العنصر السلبي في الصوم أما العنصر الايجابي فهو في التصاق الروح بالله وذلك عن طريق الصلاة والتأمل والهذيذ في الالهيات والتعمق في القراءة الروحية وأيضاً عن طريق التراتيل والأغاني الروحية و مترنمين في قلوبكم للرب و بهذا وبغيره تحاول الروح أن تصل إلى النقاوة التي تؤهل بها لأن تكون هيكلا للرب فتلتصق بالله وتذوقه وتعاشره وتتمتع به وتصل إلى الحب الالهى وعندئذ يتحول الصوم الى متعة روحية ويشعر الصائم أن تناول الطعام أصبح ثقلا عليه لانه يرجعه إلى استعمال الجسد وكان قد استراح منه إلى حين طول ساعات انقطاعه في الصوم ننسى هذه الأرض تماماً أو تتحول أرضنا إلى سماء.
مجلة الكرازة العدد الخمسون عام 1980