no person

Large image

المقالات (163)

11 مارس 2021

(الصوم الكبير)

الفرحة بعودة صوم الاربعين المقدس كان بداخل تابوت العهد المقدس لوحا الناموس والوصايا المكتوبة بأصبع الله، وعصا هرون الحيية التي افرخت اوراقا وثمارا في ليلة واحدة بعد ان كانت قد قطعت، والوعاء الذهبي الذي كان يحتوي على المن النازل من السماء. وقد استولى الفلسطينيون على التابوت بعد ان هزموا الإسرائيليين في معركة قد خططوا لها. واذ اغضب الإسرائيليون الله عاقبهم بالقروح الذي يستعصي شفاؤها، فوضعوا التابوت على عربة واعادوه بكل احترام مع ذبائح كثيرة معترفين بخطاياهم.بيد انه مع عودة التابوت من عند الاعداء بهذه الطريقة العجيبة الالهية، دون ان يجد ذلك احد من الإسرائيليين ودون معركة، كانت اذهانهم بعيدة عن ذكر الله لدرجة ان العجائب العظيمة التي رأوها لم توقظ ضمائرهم النعسة، فلم يحمدوا الرب صانع هذه العجائب، في حين انه كان ينبغي ان يتهللو ويفرحوا فرحاً روحياً مثلما فعل داود النبي فقد تهلل ورقص امام تابوت العهد عندما اتوا به الى الهيكل في ظروف مماثلة. فماذا يقول الكتاب المقدس عن اولئك الذين رأوا التابوت في الظروف الاولى؟ وضرب اهل بيتشمس لانهم نظروا الى تابوت الرب. وضرب من الشعب خمسين الف رجل وسبعين رجلا، (1صم 6: 19). عندما اسمع ذلك فأني ارتعب وارتجف لان دورة هذه الاربعين المقدسة لم ترجع الينا من عند الفلسطنيين، بل من السموات عينها، اذ ان الامر بالصوم صدر الينا من هناك. اني انحني امامه: وليس ذلك فقط، بل استقبله بسرور واتهلل وافرح، وادعوكم ايضا ايضا ان تحذوا حذوى لانه يلزم ان يكون الفكر سليما حتى يصير العمل سليما، فالفكر مصدر عمل. لماذا صام المسيح؟ ان الصوم لا يجلب الواحا حجرية، بل ينقلنا الى محبة المسيح ذاته، الله، المشرع والملك، الذي صام هذا الصوم من اجلنا.متى كان الطبيب المداوي محتاجا الى الادوية؟ ان الادوية لا تنفع حقا للمرضى. فكيف يكون ذلك الذي لم يعرف خطية ممدودا ضمن المرضى؟ لكنه لأجلنا ولأجل خلاصنا تمجد، ولأجلنا صام، وليس عن ضرورة. ويشهد بذلك بولس الرسول اذ يقول: “فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح انه من اجلكم افتقر وهو غني لكي تستغنوا انتم بفقره” (2كو 8: 9).ان الله ليس محتاجا الى إطلاقا. وبنعمته لنا قيل ان يصير فقيرا من اجلنا وهو الغني.قال بولس الرسول هذه الكلمة العظيمة لكي يبين امورا كثيرة. ويقول: انكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح، اننا في حاجة الى ابصار روحية حادة لكي نفهم ذلك. فإن الغني بطبعه قد جعل نفسه فقيراً لأجلنا، اذ اخضع ذاته فصار انساناً فقيراً مع انه الله في نفس الوقت.كيف يستطيع من لا يكون بطبعه ان يجعل نفسه فقيراً؟ وما هو الغني الذي يعطيه لنا من هو ليس سيدا لكل الاشياء بجوهره؟ ان كل من يقول ان المسيح ذو طبيعتين بعد الاتحاد غير المنطوق به يعزو صوم المسيح الى الطبيعة البشرية، وكذلك كل اعمال التدبير الالهي المتواضعة، ويقسم المسيح، ويجرد الرب الغني من افتقاره الاختياري. فيهدم سر التقوى العظيم. لان الله المتأنس لم يصم عن ضرورة، ولكنه صام لأجل تعليمنا. وعندما جاع بالحقيقة كان ذلك بإرادته وهو المسير لقوانين الطبيعة. تجربة المسيح كذلك ايضا عندما جاء ليربط القوي بعظمة قدرته الالهية ويأخذ اسلحته، “ولكن متى جاء من هو اقوى منه فإنه يغلبه وينزع سلاحه الكامل الذي اتكل عليه ويوزع غنائمه” (لو 11: 22). فإن ذلك بالتأكيد كان من اجلنا نحن الذين كنا تحت سيطرة الشيطان، فقد اخذ المسيح التجربة على عاتقه وصدّ هجمات العدو وكان يرد بطريقة متواضعة بشرية على كلماته الماكرة. وبذلك اعطانا التعاليم التي يلزمنا السلوك بمقتضاها اثناء معاركنا، كما اعطانا التدريبات التي تسمو بنا نحو الكمال، وكذلك كسر العدو وشل قوته. ويقول بولس الرسول: “لأنه في ماهو قد تألم مجربا يقدر ان يعين المجربين” (عب 2: 18).ان ربنا يسوع المسيح برسمه لنا طريقة مواجهة التجربة يعطينا معونة قوية تكفي لصد المجرب. فتجربة المسيح لم تكن إذن عن ضعف. وكيف تكون عن ضعف تلك التجربة التي اعطت المجربين المعونة؟ لذلك ايضا فإن الملائكة قد تقدموا وكانوا يخدمونه، مع ان ملاكا واحدا يستطيع بأمر الله ان يقهر الشيطان. يقول: ” ثم تركه إبليس واذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه” ( مت4: 11).وهكذا يتبين لنا امران الهيان. اولهما وجهة نظر التعليم، وثانيهما وجهة نظر الارادة الحرة اذ افتقر لأجل خلاصنا وصام عنا. ضرورة صيامنا من اجل المسيح فمن ذا الذي يحتقر الصوم كأنه امر لا لزوم له ينما اظهر الله مخلصنا ضرورة الصوم لنا؟ ثم اذا كنا ملزمين بتنفيذ اوامر الملوك بمجرد اعلانها بواسطة اعوانهم، فعندما يصوم الله الكلمة المتجسد من اجلنا ويأمرنا ان نصوم مثله، افلا يكون كل من لا يطيع فوراً متطاولا مهيناً؟وكما سمعنا المسيح يقول في الاناجيل: ” من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة ابدية وانا اقيمه في اليوم الاخير” ومن يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وانا فيه. كذلك بما فعله من اجلنا نتصوره بوضوح كأنه يقول لنا: “من يصم صومي ينل الحياة الابدية، ويثبت فيَّ وانا فيه. وايضا بنفس الطريقة من يحمل صليبي ومن يفتقر بفقري، ومن يتبشر بكلمتي، ومن يرتبط حقا بما هو لي”. لأنه انما علم لكي نعمل، وليس لنتعدى وصاياه بتوانينا عن العمل.لو افترضنا ليس ضرورياً ولا يطهر النفس، فهل هذا شرف قليل ان نصوم مع المسيح؟ من يشترك مع الملك في اعماله ينل شرفاً- فهلا يكون للاقتداء بالمسيح الهنا مكافأة الهية؟ الا يجب علينا ان نرغب في تلك الامتيازات الالهية اكثر من الاشياء الزائلة؟ فيما ان الصوم امر عظيم ضروري يقودنا الى الله ويرفعنا الى درجة الاقتداء به تعالى، فلنصم من اجل ربنا يسوع المسيح. اذ اننا نستطيع ان صوماً خاصا وليس من اجل المسيح، مثل العشر عذارى اللواتي بعد ان اشعلن المصابيح البتولية وزينها بعناية، وبعد ان ذهبن للقاء العريس، لم يفزن كلهن بالدخول الى العرس، فقد كان بينهن من اشعلن مصابيحهن من اجل انفسهن وليس من اجل المسيح، لأنهن تحولن عن الشفقة على المحتاجين. هكذا فإننا نستطيع الصوم ولكن صومنا لا يكون من اجل المسيح. ولو اعلن احد الملوك في إحدى مدن مملكته انه يريد ان يتزوج بإحدى فتيات المدينة التي يجدها في يوم معين اجمل من الاخريات شريفة طاهرة مهذبة. افلا يجتهد حقا كل من لديه فتاة في ان يجمع فيها كل زينة الروح والجسد حتى تصير اجمل فتاة، ابتغاء شرف مصاهرة الملك؟فليزين كل صائم صومه بكل زينة كأنه ابنته، خوفا من ان يحسب الملك المسيح صومه غير مقبول. الصوم المقبول فإذا امتنعت عن الاكل ثم اقترب منك احد هؤلاء الجالسين في الساحة يطلب منك صدقة او أي شيء اخر بما هو عندك بوفرة ويسهل عليك جداً ان تعطيه إياه، فطردته بعيداً بدون شفقة ولم تفعل شيء من اجله، بل اكثر من ذلك، كما يحدث كثيراً، ربما شتمته ايضاً، فمعنى هذه الحالة تكون صائماً من اجل نفسك وليس من اجل المسيح.وانك لتأتي عملا مماثلا لو حاسبت المدينين لك بالفضة او الذهب او الفوائد المركبة حسابا عسيرا. ولكن ان كنت على النقيض من ذلك عادلاً بشوشاً ومحباً. تترك جزءاً مما لك عند الناس، خفية وفقاً للإنجيل، ولا تهتم بهذا الجزء وتتناساه حتى لا تظهر عملك فلا يعرف شمالك ما يصنع يمينك، وتصنع رحمة لا يعلم بها الا الله من اجل زوجة وابناء ذلك الانسان الذين يعولهم بعمله، فحينئذ تكون قد زينت صومك بزينة ملكية.واذا كنت تصوم وتشغل في نفس الوقت بالقضايا، فتقدم هذا للمحاكمة وتحبس ذاك في السجن. وتترك اخر يتمزق بالضربات، فحينئذ يكون صومك شريراً مرفوضاً، ويحول الملك وجهه عنك.واذا كنت تطيل الصوم في حرمان شديد من الاطعمة وتتعدى الوقت المناسب، فتبتعد عن الطعام ولكنك تصير حزيناً عابساً، تغضب بمرارة نفس، وتهين وتشتم وتجرح، ترعى الغضب في روحك، واذا نطقت بكلمات الاستهزاء غير الشريفة ومتعت نظرك برؤية النساء والمسرحيات المبتذلة، ومتعت سمعك بالأغاني المائعة، فحينئذ تكون قد نسيت ان الوحل يملأ صومك. ايها الانسان: ان لسانك قد يبس من العطش والحرمان من الاطعمة وليس به رطوبة، ذلك حتى يصير غير مخصب ازاء الإهانة والمشاجرة، فلا تجد الوسيلة التي تخدم بها تلك الاعمال جاهزة فوراً، فلا يحمو غضبك بسبب الصوم.ان الصوم يعلم الحزن، ويدعو الى التواضع، ويطهر العين، فيضبط الانسان نظراته غير المرتبة حتى لا يدخل الاضطراب الى الروح وينتشر بسهولة في كل امور الانسان، فيؤخذ المرء في شباك الشهوة.فإذا كنت تصوم وتذهب بإرادتك الى المراقص والملاعب المليئة بكل الترف وتستمع الى الاغاني الهائجة، فإنك بذلك تعطي فرصة للذين لا يصومون ان يقولوا: “ماذا فعل الصائم اكثر منا؟ و فيم يكون اطهر منا؟ فيم هو اكثر محبة، او اكثر وداعة؟ الم يبدو اكثر قساوة؟ رؤيته مكروهة ومقابلته صعبة، وهو لا يحتمل حتى ليتحاشى الناس تحيته، و كاد ارتعب خوفاً وانا أتمثله يكاد بعض من يقترب منه. الافضل للإنسان ان يأكل لحماً ويشرب خمراً من ان يكون في سلوكه بهذه الكيفية كالحيوانات المفترسة، واخر يصوم ونجده جالسا مع المهرجين الذين يروون النكات في صالات الرقص، يتبيّح لنفسه ان يكون جاحظ العينين في كل الامور الفاضحة.ويتساءل البعض الاخر من الذين لا يصومون ولكنهم لا يندخلون عبثاً فيما لا يعنيهم: “هل انا اقل شأناً من الصائم؟ في رأيي ان قطري خبر من الصوم المقترن بالأعمال السيئة.ويقول ذلك وهو يعتقد انه بار، وربما يكون مريضاً بالبخل اصل كل الشرور وجذرها المر. ويبين لنا خلال هذا القول ان الذين يصومون وفي نفس الوقت يفعلون ما لا يتفق والصوم- وفيه ايضا يحاسبون ايضاً على التجديف الذي يصير بسببهم. ثمار الصوم فيما ان الصوم امر صالح وهو وصية الرح القدس، فهي ثمار صالحة ويتمجد الله بها. ماهي ثماره؟ ان بولس الرسول يعددها في رسالته الى اهل غلاطية: ” اما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام، طول اناة، لطف، صلاح، ايمان، وداعة، تعفف” (غل5: 22-23).ان لم يعط صومنا هذه الثمار غير المنفقة مع اوعية الصوم المقبل، بالرغم من مدحنا لفضيلة الصوم، فإن الرب مخلصنا سوف يقول لنا: “اجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيدا او اجعلوا الشجرة ردية وثمرها رديا. لان من الثمرة تعرف الشجرة” (مت 12:33).يلزمنا ان نعلم يقيناً ان زيادة الاهتمام بالمظاهر هو رياء عن ثمار الصوم غريباً. فالصوم من اجل الافتخار والمجد الباطل يعد نكبة ولا فائدة منه، لانه مخالف لوصية ربنا له المجد بإخفاء الصوم الحقيقي اذ يقول“ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين فإنهم يغيرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين. الحق اقول لكم انهم قد استوفوا اجرهم. واما انت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك. لكي لا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي يرى في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية” (مت 6: 16-18).ان المرائين لا يصومون، انما يريدون ان يظهروا كأنهم نسّاك اطهار وهم يغرقون في شهوات مخزية جداً، ان حالهم يدعوا الى الرثاء بسبب العذاب الذي ينتظرهم.اما نحن الضعفاء الخطاة، فلينجنا ربنا من قساوة الفريسين وتشددهم الكروه الذي يقول عنه الرب لرسله في الانجيل “اولا تحرزوا لانفسكم من ضمير الفريسيين الذي هو الرياء” (لو 12: 1).وأنتِ ايضا ايتها المرأة، عندما تصومين، اقولها لك كلمة خاصة بالاضافة الى الوصايا العامة، احذري الغضب لانه يستهوي النساء بسهولة، ولا تكوني شديدة نحو خدمك، ولا تطيلي الخدمة ولا تضيفي اليها شيئا جديداً، واطلي المعتاد فقط خوفاً من ان يهان الصوم بسببكِ. كوني محسنة لطيفة متواضعة مسالمة حليمة. فلنزين صومنا بالاعمال الصالحة لنجعل منه صوما من اجل المسيح الهنا حتى نحتفل بعيد القيامة ليس بخمير الخطايا العتيق بل بفطير الطهارة والحق والتجديد الكامل الالهي: اذا لنعبد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث بل بفطير الاخلاص بالنعمة والرأفة ومحبة البشر اللواتي لذاك الذي دعانا. له المجد الى الابد امين
المزيد
07 مارس 2021

أحد رفاع الصوم

تعلمنا الكنيسة المقدسة في أحد الرفاع المنهج المسيحى في الحياة، ويقوم على الصدقة (1-4) - والصلاة (5-15) - والصوم (16-18) وكأنها تهمس في أذن الموعوظ "صديقى.. ستكون معنا - بالمعمودية - وستسلك كما يليق بهذه المعمودية: الصدقة هى الزهد في المال والقنية والصلاة هى جحد الذات وكسر المشيئة والصوم هو ضبط الجسد"فالكنيسة تضع أمام الموعوظ علامات الطريق، وسر النصرة.. وتميز له ما بين ممارسة المسيحية، والممارسة التي كان يعيش فيها قبل المعمودية سواء كان وثنياً أم يهودياً.فالمسيحية تعرف الخفاء في الممارسة والعلاقة الباطنية بين الآبن (بالمعمودية) والآب السماوى الذى يرى في الخفاء... الصوم الكبير عودة إلى الله "أول وصية" "من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت" (تك 16:2-17). إنها أول وصية بل الوصية الوحيدة في الفردوس... أن يصوم الإنسان عن نوع معين من الطعام... ولا يتناول طعاماً إلا من يد الله.أراد الله أن يقول لآدم: "ليست حياتك من الطعام، بل بى. إذا أكلت بدونى فستموت" وأراد الشيطان أن يثبت العكس لآدم: "إن الحياة، بل والألوهة تكمنان في الأكل فقط، حتى ولو كان مخالفاً لوصية الله الصالحة".وانطلت الخدعة على آدم... فعاش ليأكل... وكرّس الناس كل جهدهم وعمرهم من أجل "لقمة العيش"، وبات الناس لا يفكرون إلا في المال والأكل والمتع الحسية... حاسبين أنها وحدها سبيل السعادة والحياة.. بمعزل عن الله.مع أن الواقع نفسه يعلن فشل هذه الأفكار.. فليست سعادة الإنسان بالمادة بل "بالله الحى الذى يمنحنا كل شئ بغنى للتمتع" (1تى 17:6).أما المادة في حد ذاتها - وبعيداً عن الله؛ فتصير وثناً بغيضاً، وينبوع موت لكل من يتعلق بها... "لأن محبة المال أصل لكل الشرور، الذى إذ ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان، وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة" (1تى 10:6). وتمركز الحياة - هذا - حول الطعام، تتسرب دون أن ندرى حتى إلى الروحيين والمؤمنين؛ فصار الصوم في نظرهم هو امتناع عن الأكل. إنه أيضاً تمركز سلبى.ولكن الصوم كما تُعلّم الكنيسة وتشرحه هو العودة إلى الله. العودة إلى الله كمركز للحياة فليست الأموال بل الصدقة، وليست الإرادة بل الصلاة، وليست الأطعمة والشهوات بل الصوم والتعفف. وهذا أول درس تلقنه لنا الكنيسة... (في أحد الرفاع) قبل أن نجتاز معاً رحلة الصوم المقدسة. أ- ففي الصدقة: يعلن الإنسان أن ما لديه من أموال هي نعمة استأمنه الله عليها... أعطاها له كوكيل صالح ليخدم بها الآخرين بكل فرح "المعطى المسرور يحبه الرب" (2كو 7:9)... وإن سعادته ليست في تخزين الأموال بل في إنفاقها في الخير "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع 35:20).كذلك في الصدقة يعلن الإنسان أن حياته وتأمينها في يدى الله، وليس في خزائن البنوك، إن القضية ليست في كثرة المال أو قلّته، بل في نظرة الإنسان له ومحبته واتكاله.هل على الله (حتى ولو كان غنياً) أم على الأموال (حتى ولو كان فقير)؟ فهناك غنّى لا يتعلق بالمال وآخر يعبده... وهناك فقير يشكر الله ويسعد وآخر ما زال يعبد المال..ليست حياتنا من أموالنا... بل من الله الذى يعطينا. ب- والصلاة: هي شركة حب يُسلم فيها الإنسان ذاته وإرادته وتدبير حياته ليدى ذاك الذى معه أمرنا. الصلاة هي عودة إلى الله كمركز للحياة ومحرك لها... قديماً قالوا: "الصلاة تحرك اليد التي تحرك العالم"، وربنا يسوع المسيح وعدنا أن "كل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه" (مت 22:21). إن مأساة العالم اليوم أنه قد ترك الصلاة، وسعى وراء العقل والحرية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية بمعزل عن الله...ولا يوجد من ينكر قيمة التفكير بالعقل، والمناداة بالحرية، وتحقيق حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وغيرها من مبادئ سامية رفيعة... ولكن دعنا نعترف - باتضاع - أن هذه المبادئ لم تحل مشكلة الإنسان في كل مكان. آه لو اقترنت هذه، بروح التقوى والصلاة... آه لو اعتنقناها في نور الإنجيل وليس بمعزل عن الله... آه لو ارتقى الضمير وتنزه عن الأغراض... لصار العقل بالحقيقة خلاقاً للخير... وصارت الحرية سعادة بالمسيح "فإن حرركم الآبن فبالحقيقة تكونون أحراراً" (يو 36:8).وصارت حقوق الإنسان مُصانة بالحب وبالنعمة وبالعلاقات السليمة بين الناس.. وليس بالتحايل على القانون.. وبالغش وبالمحاباة ليست الحياة بإمكانيات الناس بل الله الذى نطلبه في الصلاة. جـ- والصوم: الصوم عن الطعام هو إعلان عملى عن أنه "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة من الله" (لو 4:4) لقد كانت هذه هي الخبرة التي تعلمها بنو إسرائيل في البرية وصاغها قائدهم العظيم موسى النبي في هذه العبارة بالروح القدس: "وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك هذه الأربعين سنة في القفر، لكي يذلك ويجربك ليعرف ما في قلبك: أتحفظ وصاياه أم لا؟ فأذلك وأجاعك وأطعمك المَنَّ الذى لم تكن تعرفه ولا عرفه آباؤك، لكي يعلِّمك أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان" (تث 2:8،3).والسيد المسيح في تجسده كان يقصد أن يُطعم تابعيه بالبركة... في معجزتى إشباع الجموع، لكي يقول لهم: ليس السر في الخمسة أرغفة ولا السمكتين ولكن في اليد التي تقدم هذا القليل... سيشبع الناس ويفضل عنهم بالبركة.والسيد المسيح في تجسده كان يقصد أن يُطعم تابعيه بالبركة... في معجزتى إشباع الجموع، لكي يقول لهم: ليس السر في الخمسة أرغفة ولا السمكتين ولكن في اليد التي تقدم هذا القليل... سيشبع الناس ويفضل عنهم بالبركة.وكأننى حينما أصوم أتقدم لله بذبيحة جسدى مثلما فعل أبونا إبراهيم مع ابنه الحبيب الوحيد إسحق الذى بسببه قبل المواعيد. أتقدم رافعاً سكين الجوع على جسدى الضعيف المنهك مقدماً إياه ذبيحة حب وطاعة وإعلان إيمان.. إن الله أهم لدّي من جسدى ومن كل نفسى.حينئذ يتكلم معى ملاك الرب: "لا تمد يدك إلى الغلام (جسدى) ولا تفعل به شيئاً، لأنى الآن علمت أنك خائف الله، فلم تـُمسك ابنك وحيدك عنى" (تك 12:22).ويرفع الصائم عينيه - كما فعل أبونا إبراهيم - وينظر "وإذا كبش وراءه مُمسكاً في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضاً عن ابنه" (تك 13:22)... وكبشنا المذبوح عنا وعن جسدنا هو ربنا يسوع المسيح المذبوح على المذبح في سر الإفخارستيا... التي لابد أن ينتهى الصوم بها... ليحقق لنا هذا المعنى الجميل. لم تكن حياة أبونا إبراهيم مرهونة بحياة إسحق... بل بالله... وعندما قدم إبراهيم إسحق برهن على إيمانه هذا... ونحن حياتنا ليست مرهونة بالجسد... بل بالله... والصوم يبرهن على ذلك وكما أن الله افتدى إسحق بكبش... كذلك يفتدينا بدمه وجسده على المذبح وكما أن المذبح لم يميت اسحق بل عظمَّه وصار بالحقيقة بركة وجداً للسيد للمسيح بالجسد كذلك لا يميتنا الصوم بل يباركنا ويعظمنا ويجعلنا أهلاً لبيت الله ورعية مع القديسين
المزيد
25 فبراير 2021

شخصيات الكتاب المقدس يونان

" قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة "" يون 1: 2 " مقدمة نظر الصبى الزنجى الصغير، إلى المدرس الأبيض وسأله: هل كان المسيح أبيض اللون؟.. وقال المدرس: أعتقد ذلك.. ولكن لماذا تسأل هذا السؤال أيها الصبى!!؟ أجاب: إذاً فهو لم يأت لنا نحن السود!!؟.. ووقف المدرس هنيهة متأملا قبل أن يقول: أظن يابنى أن شمس فلسطين قد لوحته، إذ أنه جاء إلى العالم كله، للأسود والأبيض، ولجميع الأجناس لأنه يحب الجميع كان يونان النبى أول مرسل قديم أرسله اللّه إلى الأمم، وقال بروفسور كورنل عن سفره: « لقد قرأت كتاب يونان ما لا يقل عن مائة مرة، وينبغى أن أعترف جهاراً، دون أن أخجل من ضعفى، إننى ما تناولت هذا الكتاب العجيب أو تحدثت عنه دون أن تنهمر الدموع من عينى، ودون أن تسرع نبضات قلبى، فهذا السفر الصغير من أعمق وأعظم ما كتب على الإطلاق، وإنى أقول لكل إنسان يقترب منه: اخلع حذاءك من رجليك لأن الموضع الذى أنت واقف عليه أرض مقدسة.فمن هو يونان صاحب هذا السفر، وما هى الرسالة التى أوكلت إليه، وحاول التملص منها، ثم اضطر إلى قبولها وأتت بثمر لم يكن ينتظره أو يرجوه وكان هو والرسالة موضوع حنان اللّه وشفقته!!؟؟. دعنا نراه الآن فيما يلى: يونان ومن هو!!؟ لا نكاد نعرف عن يونان سوى بضع عبارات وردت عنه فى العهد القديم والجديد، وبعض التقاليد اليهودية غير الثابتة، وهذه وتلك قد تعطينا ضوءاً كافياً، لنعرف أنه يونان بن أمتاى، من جت حافر الواقعة فى سبط زبولون والتى تبعد ثلاثة أميال إلى الشمال الشرقى من مدينة الناصرة، والكلمة يونان معناها حماقة « وأمتاى » تعنى حقيقة، وإن كان جيروم يعتقد أن الاسم يونان يعنى « حزين ». وهناك تقاليد متعددة عنه، فالبعض يقول إنه ابن أرملة صرفة صيدا الذى أقامه إيليا من الموت، والبعض الآخر يقول إنه النبى الذى أرسله أليشع ليمسح ياهو بن نمشى، بينما اعتقد آخرون أنه زوج الشونمية التى كانت تضيف أليشع، وأيا كان هو، فإن الثابت أنه تنبأ فى عصر يربعام الثانى، ومن المرجح أنه بدأ نبوته فى أوائل حكم هذا الملك أو عام 785 ق.م.، ويعتقد البعض أنه ذهب إلى نينوى حوالى 763 ق.م. وقد بدأ يونان رحلته وهو هارب من مدينته إلى يافا، الميناء الواقع على بعد اثنين وثلاثين ميلا جنوبى قيصرية، وإلى الشمال الغربى من أورشليم، والتى يقال إنها أقدم مدن فلسطين على الإطلاق، وقد اتجه بالسفينة غرباً إلى ترشيش القريبة من جبل طارق فى أسبانيا، ثم رجع إلى نينوى عاصمة الدولة الأشورية العظيمة، والتى كانت من أعظم وأجمل المدن التى عرفها التاريخ القديم والتى كان محيط دائراتها، عندما ذهب إليها يونان، ستين ميلا أو يزيد، وقد بنيت على الضفة الشرقية لنهر دجلة، وعلى بعد ستمائه ميل من الخليج الفارسى، وقد كشفت الحفريات الحديثة عما كان لها من مجد ضائع، وعز دارس، ذهب فى بطن الأيام وأحشاء القرون. يونان والقصد الإلهى يكاد إجماع الشراح ينعقد على أنه ليس فى أسفار العهد القديم كله سفر استطاع أن يتجاوز التزمت اليهودى، ويعلن عن محبة اللّه، وأبوته لليهود والأمم، كهذا السفر الصغير الذى لا يتجاوز ثمانى وأربعين آية، ولذا لا عجب أن يرى فيه تشارلس ريد الروائى، أنه أجمل قصة كتبت على الإطلاق، ولا عجب أن تكون هذه القصة سبباً فى مجئ القديس كبريانوس إلى المسيح! والقصة تكشف عن قصد اللّه الثابت والمجيد فى إنقاذ نينوى، والتى كان يبلغ عدد سكانها فى أيام يونان ما يزيد على ستمائة ألف نسمة إذ كان بها من الأطفال الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم أكثر من مائة وعشرين ألفاً (اثنى عشرة ربوة) وكانت مطوقة بسور عظيم يسهل على أربع عربات أن تجرى متجاوره فوقه، أما داخلها فقد كان متسعاً يذخر بالترع والقنوات والميادين، والحدائق والقصور والتماثيل والسلع، والمجوهرات والذخائر والكنوز!!..ولعله مما يسترعى الملاحظة والانتباه، أن اللّه، لكى يثبت قصده، كشف عن هذا القصد: « فأرسل ريحاً شديدة » « فأعد حوتاً عظيماً » « فأعد الرب الإله يقطينة » « ثم أعد اللّه دودة ». (يونان 1: 2 و17، 4: 6 و7) وهل وقفنا لنتأمل الفعل « فأرسل » والفعل الذى كرر ثلاث مرات: « أعد » لقد استخدم اللّه الريح، والحوت، واليقطينة، والدودة، على النحو العجيب المثير لإثبات قصده، أو فى لغة أخرى، أن اللّه كان وراء الطبيعة، والحيوان الضخم، والنبتة الصغيرة، والدودة الحقيرة، لكى يؤكد استخدامه لكل شئ، وهو يثبت قصده عندما تمرد يونان على الرحلة، وبدأ فى الاتجاه العكسى لها، أرسل اللّه له الريح الشديدة العاتية، لتعيده إلى الرسالة التى يلزم أن يؤديها، ويونان كان كموسى، وإرميا، إذ لم يقبل على الرسالة بقلب راغب، واستعداد كامل، كما فعل إشعياء، وهو يقول: « ها أنذا إرسلنى »، (إش 6: 8) وكثيراً ما يرسل اللّه ريحه الشديدة على سفينة حياتنا، وقد تكون هذا الريح فشلا أو ضيقاً، أو اضطراباً أو إفلاساً، أو ما أشبه، حتى تعود هذه السفينة مرة أخرى من ترشيش التى نزمع الذهاب إليها، إلى نينوى التى نرفض أن نتجه إليها،... ومع أن اللّه غضب على يونان، إلا أنه فى الغضب يذكر الرحمة، وقد أعد اللّه لذلك حوتاً عظيماً،... ولم يكن هذا الحوت مصادفة أو خيالا أو رمزاً، كما يزعم النقاد الذين علت القصة فوق إدراكهم، فتصوروها شيئاً يصعب تصديقه، وكان يكفيهم تماماً أن يشير المسيح يسوع سيدنا إلى هذه القصة كواقعة وحقيقة تعتبر صورة أو مثالا لما سيحدث معه هو فى القبر بعد الصليب،.. ولا يستطيع أحد أن يتصور أن المسيح يجعل من قصة رمزية أو خيالية، شبهاً أو رمزاً لقصته هو فى القبر قبل القيامة،... ولو صح هذا، لتحولت قصة المسيح بدورها رمزاً أو خيالاً، وليس موتاً أو صليباً حقيقياً، ألم يقل: «هذا الجيل شرير. يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبى. لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضاً لهذا الجيل » (لو 11: 92 و03)؟؟. فإذا كان اليهود قد قبلوا هذه القصة مرغمين وأوردها يوسيفوس المؤرخ اليهودى كواقعة تاريخية فى كتاب الآثار، وإذا كانت توبة نينوى لم تكن مجرد خيال أو تصور بل حقيقة واقعة، فإنه يحق لنا أن نورد ما قاله أحد الشراح اللاهوتيين: « إن ديان المستقبل، وهو يتحدث إلى أولئك الذين سيقفون يوما أمام كرسيه، محذراً، كان لابد أن يعطيهم صورة حقيقية مثالا لحقيقتهم، وهم ماثلون أمامه، ويستحيل أن يعطيهم صورة رمزية، لما سيكونون عليه عندما يمثلون أمام عرشه العظيم، فى يوم القضاء الأبدى، كواقعة حقيقية »... فإذا أضفنا أن مصدر الصعوبة القائمة عند من لا يقبلون القصة، ويعتبرونها حلماً حلم به يونان أو أسطورة ألحقت بالكتاب، وهو ما يستحيل على أهل نينوى قبوله كآية تردهم إلى اللّه، ما لم يكن حقيقة ماثلة أمام عيونهم، إن مصدر الصعوبة راجع إلى أنه لا يعقل أن هناك حوتاً يستطيع أن يبلغ يونان، فى بطنه ليستقر ثلاثة أيام ليال، وأنه شئ، يتجاوز تفكيرهم وخيالهم،... وقد أطلق النقد الأعلى هذا الاتهام المردود والذى تصدى له كثيرون من علماء علم الأحياء، والذين قالوا إن هناك نوعاً من الحيتان يمكنه أن يبتلع رجلاً مهما كان حجمه، والحوت كما نعلم يختلف عن غيره من الأسماك، وهو أشبه بالغواصة التى صنعها الإنسان ليبقى تحت الماء أسابيع وأياماً،... وإذا أمكن أن يصنع الإنسان شيئاً من هذا القبيل، فإنه يحسن بنا أن نذكر التعبير الكتابى كما أشار واحد من المفسرين: « فاعد اللّه حوتاً عظيماً »... واللّه لن يعجز على أسلوب عادى أو خارج أن يعد ذلك،... وقد كان أهل نينوى يؤمنون، على ما يعلق هنرى كلاى ترامبل، بخلائق تخرج من البحر نصفها إنسان والنصف الآخر سمكة،... ومع ما فى هذا الخيال من خرافة،... إلا أنه من السهل أن تأتيهم رسالة من إنسان قذف به الحوت إلى الشاطئ على النحو العجيب الذى صنعه اللّه آية لهم، ليرجعوا عن شرورهم، ويتوبوا عن خطاياهم،.. وقد أدرك يونان أنها رحمة اللّه وليس غضبه، أن يحفظه فى بطن الحوت ليصلى صلاته ويرجع هو، إلى رسالته العتيدة إلى نينوى وإلى جانب ذلك لا ننسى أن اللّه « أعد يقطينة » وهنا نتحول إلى منظر آخر، من الحوت الضخم إلى اليقطينة الصغيرة، ونتحول من رحمة اللّه تجاه الإنسان الغريق إلى ابتسامة اللّه تجاه النفس المغمومة، كان الحر اللافح خارج يونان وداخله، وهو يجلس على مشارف المدينة، وقد امتلأ غيظاً وغضباً وغماً، وأعد اللّه له اليقطينة ليخرجه من هذا الغم المستولى عليه،... وما أكثر ما يفعل اللّه معنا هكذا عندما تستولى علينا الوساوس والهموم، فيرسل اللّه ابتسامته التى تأتى إلينا مفاجأة، وعلى وجه لم تكن نتوقعه،.. قالت سيدة عجوز للرئيس ابراهام لنكولن فى أدق أوقات الحرب الأهلية: « لا تفزع اللّه معك، ونحن نصلى لأجلك، ولن تهزم »... وفرح الرئيس بهذه الكلمات البسيطة التى أخرجته من هوة اليأس العميق الذى وصل إليه!!.. كان الصبى على أعتاب اليأس، عندما رسب فى الامتحان، وكانت قريته كلها تتكلم عن رسوبه، غير أن الراعى التقى به ووضع يده على كتفه، وقال له: أنا أعلم أنك ستنجح!!... وكانت هذه الكلمات هى التى عبرت به الخط الفاصل بين الفشل والنجاح فى تاريخه كله!!.. حاول صموئيل جونسون - وهو شاب فقير - أن يلفت أنظار أحد اللوردات الإنجليز إليه دون جدوى، لكنه لما أصبح كاتباً إنجليزياً عظيماً، أرسل إليه هذا اللورد خطاب تهنئة،.. ورد جونسون يقول: لقد جاءت هذه التحيات ياسيدى متأخرة، لقد كنت فى حاجة إلى كلمة صغيرة واحدة منها فى أيام التعب والفشل والمأساة!!.. لم ينس اللّه أن يعد يقطينة ليونان!!.. على أن اللّه مع ذلك، أعد دودة لتقضى على هذا الفرح بسرعة غريبة،... وذلك لأن اللّه أبصر فى الفرح نوعاً من الأنانية، كانت اليقطينة شيئاً يشبه شجر اللبلاب الذى لا قيمة له، وكان يونان أنانياً بفرحه، فهو يفزع ليقطينة ضاعت دون أن يبالى بمدينة عظيمة تتعرض للضياع!!... كان قصد اللّه ثابتاً وأكيداً فى إنقاذ نينوى!!.. يونان والتمرد الشخصى كيف تكلم اللّه إلى يونان، وبأية صورة جاء هذا الكلام!!. نحن لا نعلم، غير أننا ندرك أن يونان تحول إلى بركان من الثورة، وتمرد على الرسالة، هل يرجع تمرده إلى شئ فيه، أم شئ فى المدينة نفسها، أم إلى شئ فى اللّه تعالى؟ … يعتقد البعض أن الرسالة فى حد ذاتها كانت لا تتجاوب مع طبيعة يونان، فيونان واسمه « حمامة » وهو أدنى إلى طباع الحمام ووداعته، ليس من السهل عليه أن يتحدث بلغة الزجر والشدة والانقلاب، … قد يكون من السهل على الإنسان أن يتحدث بالناعمات، ويردد ما هو مطلوب أو منسجم مع آذان سامعيه، لكن من أصعب الأشياء وأقساها وأشدها وقعاً على النفس أن يقف منهم – وهو وديع هادئ مسالم – متحدثاً بالعنف والإنذار والتهديد!! على أن البعض الآخر يعتقد أن يونان تمرد على الرسالة، لأنه بطبعه يكره هذه المدينة، وهى مدينة وثنية تتربص ببلاده وشعبه بالغزو والفتح، وهو كرجل إسرائيلى وطنى يهمه أن تزول نينوى من الوجود، لا أن تبقى …!! … ويرى غيرهم أن الأمر يرجع، أكثر من ذلك، إلى يقين يونان فى اللّه، إذ أبصر من وراء ندائه القاسى على المدينة بالانقلاب، نداء آخر بالرجوع والتوبة، وخاف هو أن تتوب المدينة وترجع، فيعفو اللّه ويسامح، إذ هو « إله رؤوف ورحيم بطئ الغضب وكثير الرحمة ونادم على الشر ».. " يونان 4: 2 " وهو لا يريد لنينوى هذا!!.. يونان والهروب العكسى إن قصة يونان لا تتحدث عن نينوى فحسب، لكنها - أكثر من ذلك - تكشف عن إحسان اللّه ومعاملته لخدامه حتى فى لحظات الضعف التمرد!!.. وقصة الرجل، فى هروبه، تكشف عن بعض الوقائع المثيرة،.. لعل أولها أن الأجرة الجاهزة، أو السفينة المقلعة، ليست بالضرورة دليل العناية أو الموافقة الإلهية،... إن عناية اللّه لا يجوز تفسيرها بالمظهر السطحى الساذج، لعمل يعلم الإنسان تماماً أنه فى الاتجاه العكسى لإرادة اللّه، ولا يجوز لإنسان أن يندفع فى رغبة ما تتمشى مع هواه، ويبصر بعض خطواتها سهلة أو هينة يسيرة، فيعتقد أن هذا هو الجواب المؤكد من اللّه بالموافقة على العمل بصرف النظر عن طبيعته وفحواه،... وما أكثر ما يرتبط الناس ببعض الصور الساذجة أو الخرافية، معتقدين أنها إرادة اللّه، واللّه منها براء،... يتصور بعض المؤمنين أنهم بمجرد أن يفتح الكتاب المقدس، ويضعوا يدهم على آية أو صفحة معينة، فإن هذه الآية أو الصفحة - ستكون - قطعاً - الصوت الإلهى الذى يلزم أن يأخذوا به وينفذوه، وبعض الناس قد يتوهمون هذا الصوت فى حلم جاءهم فى المنام، أو فى رسالة جاءت إليهم من آخر،.. فيأخذون السفينة إلى ترشيش، وهم مطلوبون فى نينوى!! على أن الأمر الثانى.. أن الهروب العكسى قد لا يضر بنا وحدنا، بل قد يضر أيضاً بالآخرين الذين قد تجمعنا معهم سفينة الحياة، وذلك لأن هروب يونان كاد أن يؤدى " لا بحياته هو " بل بحياة الملاحين الذين كانوا فى السفينة معه أيضاً!!... ومع أن اللّه، عادة، يحاسب كل إنسان على حدة، وبخطاياه، دون أن يمتد هذا إلى غيره، لكن السفينة التى تحملنا معا تتعرض للضياع، لأن فرداً فيها قد يكون فى الاتجاه العكسى لطريق اللّه، فالقائد فى الأمة والراعى فى الكنيسة، ورب البيت فى الأسرة، والصديق فى المجتمع، يرتبطون بلا فكاك مع من يجتمعون معهم فى سفينة واحدة،... ومصيرهم يدور وجوداً أو عدماً، مع الرابطة الواحدة فى السفينة الواحدة،... وإذا نظرنا إلى الأمر من الجانب المنير، فإننا نعلم أن وجود بولس فى السفينة التى أقلعت إلى روما، كان السبب فى إنقاذ جميع الركاب وعددهم مائتان وستة وسبعون، « لأنه وقف بى هذه الليلة ملاك الإله الذى أنا له والذى أعبده قائلا: لا تخف يابولس ينبغى لك أن تقف أمام قيصر، هوذا قد وهبك اللّه جميع المسافرين معك. لذلك سروا أيها الرجال لأنى أومن باللهّ أنه يكون هكذا كما قيل لى » " أع 27: 23 - 25 "... وثالثاً: إننا قد نصل فى الهروب إلى درجة التثقل بالنوم العميق حتى يأتينا التوبيخ من أهل العالم كما وبخ رئيس النوتية يونان!!.. وأنها لمأساة محزنة لكثيرين من أبناء اللّه فى سقطاتهم، عندما يفعلون مالا يفعله أبناء العالم أنفسهم، ويقف المرء متعجباً: كيف يمكن أن ينحدر المؤمن فى بعض لحظات الزمن، إلى مالا يسقط فيه العالمى، بدافع من الشهامة أو المروءة أو الرجولة أو ما أشبه من صفات أدبية تتملكه وتستولى عليه؟!!.. ألا تتعجب إذ يأخذ إبراهيم درسه من فرعون أولا، وأبيمالك ثانياً؟ ويأخذ اسحق نفس الدرس، لأن الأب أو الإبن لم يعط الصورة الصحيحة الكاملة عن سارة أو رفقة باعتبارها زوجته، ولولا حماية اللّه لحدث الضرر الذى كان لا يمكن تجنبه!!.. يونان والإعياء النفسى دفع اللّه يونان إلى بطن الحوت، وهناك صلى: « حين أعيت فى نفسى ذكرت الرب » " يونان 2: 7 " وهذه هى نقطة التحول أو الرجوع فى قصة الرجل،... لقد أدرك ضعفه الكامل أمام الريح الشديدة التى لم تفلح كل الجهود فى مواجهتها، وإعيائه الكامل فى بطن الحوت،... لقد كان حراً طليقاً كما يريد اللّه لأبنائه أن يكونوا، أحراراً يسيرون فى خدمة اللّه، دون إكراه أو ضغط، ولكننا ما أكثر ما نسئ استخدام هذه الحرية، فيظهر اللّه اضطراراً إلى أن يأخذها منا، حتى نثوب إلى رشدنا - وكان يونان محتاجاً إلى الإعياء النفسى الكامل حتى يتعلم كيف يعود إلى إلهه ويذكر! على أن هذا الإعياء لم يكن فى فقدان الحرية فحسب، بل، أكثر من ذلك فى ضياع الصحة أو القوة،... لست أعلم كم كانت كمية العشب التى التفت برأسه، وكيف حاول أن يكافحها حتى بدأ كما لو أنه أوشك أن يختنق، وإذ به يذكر الرب،... وما أكثر ما ذكر أبناء اللّه إلههم وهم فى العجز الصحى أو فى سرير المرض. أو فى شدة العلة، أو فى قسوة الداء!!.. وأكثر من ذلك، لقد أصاب يونان الإعياء عندما سقط فى الوحدة والعزلة القاسية، فلا يوجد من يتحدث معه أو يخاطبه فى بطن الحوت، سوى اللّه الذى بقى له، عندما انقطع من أرض الأحياء،... ولعلنا نسأل هنا: ما الداعى إلى ذكر الرب، وما الفائدة من ذلك!!؟ وقد أطبق عليه الحوت وغاص هو معه فى المياه العميقة،... لقد ذكره لأكثر من سبب.. أولا: لأن اللّه أرحم مما كان يصور أو يتخيل،... لو أن اللّه قضى عليه بالموت غرقاً، لما نسب إلى اللّه أدنى لوم، بل كان اللّه عادلا لو فعل ذلك،.. لكنه اكتشف أن اللّه العادل هو أيضاً أرحم الراحمين، لقد أدرك أن سجنه فى بطن الحوت هو الرحمة بعينها، والعناية التى تعلو على كل فهم أو خيال،... لقد تبين أن الحوت تحول بقدرة القادر على كل شئ، إلى فلك آخر كالذى أدخل اللّه فيه نوحاً وأغلق عليه، ليحميه من الهلاك والغرق!!.. وكم يغلق اللّه علينا، ولا يتركنا للحماقة والضياع، عندما يرانا نسعى إلى حتفنا بظلفنا!... ثانياً: لقد أدرك يونان ان اللّه ليس أرحم فحسب، بل هو أكرم وأطيب من أن يدخل معه فى نوع من المؤاخذه أو الحساب،... لقد كان مجئ الابن الضال إلى أبيه كافياً لأن يستبدل هوانه وجوعه وذله وحاجته بالترحيب والإكرام والعطاء السخى، دون مراجعة أو حساب عما فعل أو أساء،.. وظهر اللّه إلى جانب هذا كله، عندما أمر الحوت بأن يقذف يونان إلى البر،... لقد ظن يونان كما يبدو من صلاته أن انتهى إلى الأبد: « نزلت إلى أسافل الجبال. مغاليق الأرض على إلى الإبد. ثم أصعدت من الوهدة حياتى أيها الرب إلهى »... " يونان 2: 6 ". ثالثاً: ولكن اللّه إلى جانب أنه أرحم، وأكرم، هو أيضاً أقدر فلا حدود لقوته وقدرته،أما كيف استطاع يونان وهو فى العمق فى قلب البحار أن يذكر الرب،... فإنه ذكره بأمرين عظيمين قريبين إليه أينما يذهب أو يجئ،... لقد ذكره بالإيمان، وما الإيمان إلا تحول النفس والمشاعر والإرادة تجاه اللّه،... وما أجمل أن يدرك الإنسان هذه الحقيقة فى شتى الظروف المحيطة به « أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب؟ إن صعدت إلى السموات فأنت هناك، وإن فرشت فى الهاوية فها أنت. إن أخذت جناحى الصبح وسكنت فى أقاصى البحر، فهناك أيضاً تهدينى يدك وتمسكنى يمينك » " مز 137: 7 - 10 ". أما الصلاة فقد كانت من جوف الحوت، وصلاة المتضايق لا يشترط أن تكون فى هيكل أو معبد، أو مع جماعة من الناس يشاركون فى العبادة أو التضرع،... بل يمكن أن تكون فى أعماق البحار أو فى أعلى الجبال، يمكن أن تكون فى السجن أو الأتون، إنها فى المكان الذى يوجد فيه الإنسان إن كارها أو راضياً، لأن اللّه فى كل مكان: « اطلبوا الرب مادام يوجد ادعوه وهو قريب » " إش 55: 6 " ونحن لا نعلم هل استطاع يونان أن يصلى وقفاً أو راكعاً أو منبطحاً على ظهره أو بطنه،... لا يهم الصورة التى يظهر فيها المصلى، إنما المهم أن يكون راكع النفس، منحنى المشاعر، منبطح التسليم، واللّه سيسمعه طالما يتجه فى إعياء النفس بروح الصلاة،... هل كان يصرخ فى الصلاة، هل كان يصلى بصوت يسمع، أم كان يتمتم بشفتيه،... إن الصوت فى حد ذاته يتساوى أمام إذن اللّه، التى تسمع الصوت الصارخ، أو المتمتم، أو الهامس على حد سواء، طالما تخرج صرخة النفس من الأعماق أمام اللّه!!.. لقد صرخ يونان من بطن الحوت واستمع اللّه إلى صراخ نفسه!.. يونان والعودة إلى الرسالة عاد يونان إلى الرسالة التى هرب منها، وذهب إلى نينوى، لا ليعلن لها فحسب، بل للأجيال كلها - الحقائق العظيمة التالية:- أولا: إن أبوة اللّه ومحبته وإشفاقه، لا تقف عند حدود اليهود فقط، بل تمتد إلى جميع الناس، إذ الكل خليقته وأبناؤه وذريته،... كان يونان من الحماقة حتى كان يهرب من امتيازه الأعظم فى كل التاريخ، إذ أنه هو المرسل الأول إلى الأمم، أو فى لغة أخرى، أبو المرسلين القدامى والمحدثين فى كل التاريخ... كان وليم كيرى رائد المرسلين فى التاريخ الحديث، وكان شاباً إسكافياً فقيراً لا يملك مالا أو نقوداً أو علماً، ومع ذلك فقد امتلأ قلبه حباً وغيرة على تبشير العالم الوثنى، وقد تحدث فى ذلك الشأن إلى بعض رجال الدين، فلم يجد منها تأييداً أو معونة، بل وجد على العكس تعطيلا وتحقيراً ومقاومة، كان يضع فى دكانه خريطة العالم وقد كتب عليها: « لأنه هكذا أحب اللّه العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية » " يو 3: 16 "... كان يحمل معه الكتاب المقدس وكتاب « الأجرومية » "علم النحو والصرف "، وقد تعلم عدة لغات وذهب إلى الهند. وعندما نذكر أنه فتح الباب أمام جيش المرسلين فى التاريخ الحديث، علينا أن نذكر يونان المرسل الأول فى كل التاريخ، إلى نينوى!! كان يونان وهو لا يدرى أول من تعلم الدرس أنه لا فرق عند اللّه بين اليونانى واليهودى والعبد والحر، والذكر والأنثى، والأسود والأبيض - أو كما قال الرسول بطرس فى بيت كرنيليوس: « بالحق أنا أجد أن اللّه لا يقبل الوجوه بل فى كل أمة الذى يتقيه ويصنع البر مقبول عنده » " أع 10: 34 و35 "أشرنا فى دراسة سابقة إلى دكتور أجرى الذى عاش يدافع عن الملونين ويهاجم التفرقة العنصرية، ولم يكن يضيق بلونه الأسود، بل قال: لو ذهبت إلى السماء وهناك سألنى اللّه عما إذا كنت أرغب فى العودة إلى الأرض كرجل أبيض فإنى أجيبه: إن عندى عملا كرجل أسود أكثر مما يستطيع رجل أبيض أن يؤديه، أرجوك أن ترسلنى ثانياً أسود حتى يمكنى أن أؤدى عملى ». ثانيا: تعلم يونان ما كان يجهل أو مالم يكن يعلم حق العلم، أن النفس البشرية غالية جداً عند اللّه،: « الذى يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون » " 1 تى 2: 4 ".. وأنه إذا كان يونان قد خرج بيقطينة ظللته، ولكنها إذ ذوت وهى بنت ليلة ولدت، وبنت ليلة ضاعت، فامتلأ غيظاً وهماً وقلقاً، فكيف يكون الأمر بالنسبة لقلب اللّه، كخالق، وهو يرى مدينة عظيمة تهوى إلى قاع الهاوية والجحيم؟... آه! لو نعلم كم يتألم قلب اللّه على النفوس الضائعة، لعشنا حياتنا كلها، ولا هم لنا إلا إنقاذ النفوس الهالكة،... لا لأنها خليقة اللّه فحسب، بل، أكثر من ذلك، لأن المسيح مات من أجلها على هضبة الجلجثة!!.. والأمر الثالث الذى أدركه يونان، هو بركة الألم فى الحياة، لقد أعاده الألم إلى اللّه والرسالة التى هم بأن يهرب منها،... وجاءت نينوى إلى التوبة عندما هددت بالانقلاب!!... ومع أنه شئ محزن وتعس أن يلجأ اللّه إلى أسلوب الشدة مع الإنسان، وكان من الممكن أن يستمع إلى نداءاته الكثيرة بالخير والبركة والجود والمراحم،... لكنها الصفة فى النفس البشرية، التى تجعل اللّه يرحم الإنسان بالتأديب والتهديد والآلام، وربما نعمة فى نعمة طويت.. الأمر الرابع: أن التوبة الشاملة الصادقة ميسورة لأى شعب أو فرد أو جنس، متى اتجه إلى اللّه من كل قلبه وفكره، حتى كانت توبته عملية بالرجوع عن الطرق الرديئة والظلم الذى فى يديه، وأنه ليس فى حاجة إلى كهانة أو وساطة أو شروط، ماخلا الاتجاه إلى اللّه الحى الحقيقى!!.. على أن القصة تعلمنا آخر الأمر غرابة النفس البشرية، وقد تكون من أفضل النفوس على الأرض، إذ هى النفس السريعة التذبذب، الغريبة الأطوار، تفرح وتكتئب، وتتسع وتضيق، دون فاصل زمنى، وتغتاظ مرات كثيرة بالصواب،... ومن الغريب أن نجاح يونان كان فشلا فى تصوره، وأن وقوفه فى وجه الكارثة، كان كارثته الشديدة،... والسر الحقيقى كما ذكر كلفن، أن يونان كان مهتماً بالذات أكثر من اهتمامه بخلاص المدينة أو مجد اللّه!!.كان يونان، كما دعاه الكسندر هويت، الأخ الأكبر الذى غضب لمجئ أخيه، ولم يرد أن يدخل البيت، فخرج أبوه يطلب إليه الدخول... فى الحقيقة أن رجاءنا دائماً فى خلاص النفوس لا يرجع إلينا، بل يرجع إلى قصد اللّه الأبدى ومحبته التى لا تتغير ولا تتبدل!!..
المزيد
20 فبراير 2021

المقالة السادسة والعشرون في من سقط بسبب الغفلة ويحتج بالخطأ

أيها الأخ إذا اشتهيت سيرة العبادة فقد آثرة عملاً حسناً إن حفظته إلي النهاية، فق إذاً وأصغِ إلي ذاتك مثل حكيم مثل عابد لا كغيره فليس صراعنا بإزاء لحم ودم بل بإزاء الرؤساء والرئاسات نحو السلطات، بإزاء ضابطي عالم ظلمة الدهر، بإزاء جنود الخبث المصارعين في السماء فُقْ إذاً إلي النهاية لكي لا تنغلب من قبل رقادك وعدم الإصغاء لذاتك فتقول بجهالة قد أفضيت إلي رتبة عابد وما وجدت هناك طريق خلاص فلماذا أيها الأخ تنكر نعمة الرب، لِمَ تستهجن سيرة العبادة لعلك تشاء أن تنتفع بغير أن تتوجع من أجل نفسك بل تنخدع لشهواتك وللذات الأفكار وتحتج بسيرة العبادة لأنك لو حفظت وصايا الرب وأحببت تقواه لكان حفظ نفسك، فأولاً إنك لم تحفظ قانون سيرة العبادة ورقدت في صلواتك الجامعة، أحببت أن تسلك مجانياً واحتقرت من هم أعظم منك قدراً، أحببت استعلاء الرأي أكثر، أبعدت الحمية، ولازمت كثرة الأكل، السهر لم تحبه، أحببت كثرة النوم الذي لا يشبع منه، الطهارة لم تحبها وأحببت الدنس، الطاعة لم تؤثرها وأحببت عدم الطاعة، الغضب والسخط لم تبغضهما وأحببت المحك والحقد، السكوت والصلاة ما أحببتهما وأحببت الصراخ واللعن والحلف، الظلافة والورع لم تحفظهما وأحببت المزاح مع الضاحكين، الصمت والتقويم ما أحببتهما وأحببت اكثار الكلام والاغتياب، عدم القنية ما آثرتها وأحببت احتشاد الفضة، النسك والتعب لم تحبهما وأحببت التنعم والبطر، العمل بيديك لم تؤثره وآثرت البطالة، أكثر السلامة ما أثرتها وأحببت الشرور بالإنقلاب الردئ، التوجع للمحزونين لم تملكه وأحببت أن تكون فظاً وغير متوجع لأحد، لم تؤثر أن تحتمل حزناً وتعييراً من أجل الرب وتقت إلي الجلوس الأول والمدائح الباطلة، محبة اللـه وخشيته لم تحفظهما أما الإزدراء به ومقت الأخوة فأحببتهما أكثر، وماذا أقول أيضاً: أبغضت المناقب السمائية وأحببت الأشياء الأرضية وتحتج بسيرة العبادة. أما عرفت أنه مكتوب أن الرب يبيد كافة المتكلمين بالكذب، وأيضاً لا تتكلموا علي اللـه ظلماً فإن اللـه هو القاضي. أرايت أيها الأخ ان مناهي العلة ليست من آخرين، عد إلي ذاتك وأرجع إلي الرب بكل قلبك فإنه لا يريد موت الخاطئ مثل ما يشاء أن يرجع فيحيى لأن الرب يشاء أن الكل يخلصون لأنه صالح، أجُرحت ! تقدر أن تبرأ. أَسقطت ! قم. لا تبذل ذاتك إلي الهلاك فإن المخلص نفسه قال إن الأصحاء لا يحتاجون طبيباً بل أسواء الحال، وما جئت لأخلص الصديقين لكن الخطاة، فلهذا أيها الأخ تفهم فأشير عليك: أجلس في السكوت وأحضر بين عينيك خشية الرب وأجمع أفكارك، أجلس كقاضٍ وتأمل عبور الزمان الماضي منذ أقبلت إلي العبادة لكي ما تعرف الأمر الذي صار لك سبباً لمثل هذا العزم وأوسم في قلبك المضرة والسبب ومن أين أتتك هذه الخسارة وأصنع بإزائها الجهاد لأن التاجر إن وقع بين اللصوص أو إن غرق مركبه أو ضاع وسقه فلا ينسى الموضع الذي ضاع فيه الوسق وإن عرض بعد مدة طويلة أن يجتاز بذلك الموضع يتحرز كثيراً ليعبر فيه فلنشابه التجار بل نتحكم أكثر منهم. أولئك إنما أضاعوا غنى بالياً فلا ينسوا الموضع، وأما نحن فقد أضعنا غنى لا يبلى ونضجع، فمنذ الآن أجلس في خلوة وأجمع أفكارك وأفحص روحك نهاراً وليلاً لتعرف مثل هذه الخسارة، هذا الإنعكاس لئلا تكون منذ الإبتداء قد أقتنيت دالة والدالة عكست فكرك المتدين حسناً وأفسدت عاداتك وجعلتك غير مستحي ولا خجلان لئلا يكون الضرر قد أتاك من قبل أكثارك الكلام لئلا تكون العلة صارت من هيام البطن، من عدم الطاعة، من اشتهاء أحوال مختلفة، من حجة الخدمة والضجر، فإذا عرفت السبب فأقطع الدالة والوقاحة بالتورع لا تخجل أن تدعى مرائياً من المخالفين لوصايا الرب لأن من البين أنهم ما أحضروا ذكر المراياه لتتمجد بل لتخجل من ذلك وتصير وقحاً عادم الخجل وغريباً من العزم المقسط، لأن الذين يدعون بالمتورعين مرائين، فيقول السيد: أيها المرائي أنتزع أولاً الخشبة من عينك وحينئذ تبصر أن تخرج القذاء من عين أخيك لا تخجل من التعيير فتعتاد عدم الأدب فإن الذين لا أدب لهم يلتقيهم الموت لأنه إن كان قلبنا لا يلومنا فلنا دالة قدام اللـه، وأيضاً إن عيرتم باسم الرب فأنتم مغبوطون فإن روح المجد وروح اللـه يستريح عليكم فلا يتألم أحدكم مثل قاتل أو كلص أو كرقيب غريب فإن تألمت كمسيحي فلا تخجل فإن اللـه يتمجد بهذا الاسم. فمنذ الآن أهرب من الدالة والضحك فإنهما لا يوافقان نفسك، وكذلك شره البطن أقمعه بالحمية، ومحبة الفضة بالنسك والزهد في القنية، وكثرة الكلام بالصمت، والضجر بالصبر، وصغر النفس بذكر الخيرات المنتظرة، وعدم الطاعة بالتواضع. وإن كان العدو الماقت الخير قد أنشأ لك الشر فأحفظ نفسك فيما بعد نقياً ولا تشارك خطايا أجنبية وعلي حسب رأيي أعتقد أن مبدأ الشرور صار لك من الدالة وهذه جعلتك لا تخجل، فلذلك يقول: الطوبى للرجل الذي يتقي كل شئ من أجل التورع، أي ربح في العالم أيها الأخ وأي صلاح يمنح الذين يحبونه إذا أخذ إنسان امرأة فذلك بدء الهم، أو ولد أبناً فذلك اهتمام آخر، أو ولد آخر فذلك اهتمام آخر أكثر، وإذا مات أحدهما فيخلف لوالديه نوحاً، وإن لحقت الحي صعوبة يتوجعان من أجله أكثر من المائت، إذا وافت إلي الرجل ساعة الوفاة فشر عليه من موته ان يحسب حزن قرينته ويتركها أرملة وأولاده يتامى، وهذا كله أيها العابد عتقك منها نير الرب الصالح فكيف تؤثر أن تميل إلي الأشياء القديمة، فلا تيأس من نفسك ولا تقل لا أستطيع أن أخلص، حب خشية اللـه من كل نفسك وهي تشفيك وتبرئ جراحاتك، وتحفظك في المستقبل غير مجروح لأنها بقدر ما أحبت نفسك تقوى اللـه لا تقع في فخ المحال بل تكون كالنسر الطائر إلي العلو وإن هجعت بعد هذا فإن النفس بمخافة اللـه تهدم الفضائل الشامخ علوها ويلعب بها الذين أسفل ويغطون عينيها ويستاقونها كداً إلي آلام الهوان مثل ثور معلق بنير، فلذلك أيها الأخوة لنهتم بخلاصنا، لنهتم بساعة الوفاه، ولنمقت الأمور الأرضية لأن هذه كلها تبقي هنا، هذه لا تنفعنا في ساعة شدتنا حين نتضرع أن نترك وليس من يستجيب. ويلي ويلي ما هي ساعة الموت حين لا يسافر الأب مع ولده، ولا الأم ترافق أبنتها، ولا المرأة رجلها، ولا الأخ يرافق أخاه، سوى عمل كل واحد مهما عمل إن صالحاً وإن خبيثاً، فمنذ الآن فلنتقدم فنرسل أعمالاً صالحة حتى إذا انصرفنا يستقبلنا في مدينة القديسين، إن شئت أن تنجح فأقتنِ الملك صديقاً لك هنا لأنه بمقدار ما تخدمه هنا يمنحك المرتبة وبقدر ما تكرمه هنا يكرمك هناك لأنه كتب: إني أشرف الذين يمدحونني ومن يتهاون بي يهان، أكرمه بكل نفسك ليؤهلك لإكرام القديسين. في أي شئ يجب أن تقتنيه، قدم له ذهباً فضة، إذا رأيت عرياناً فألبسه، غريباً فآوه، فإن لم يكن لك شئ من هذه فقدم له ما هو أكرم نوعاً من الذهب والفضة أمانة، محبة، حمية، صبراً، تواضعاً، طول روح، إتقاء الاغتياب، أحفظ عينيك لئلا تبصر ضلالاً، ويديك ألا يعملا ظلماً، وأعطف رجليك من الطريق الردئ، عزِ صغيري الأنفس، توجع للمرضى، أعطي العطشان قدح ماء بارد، أعطي الجائع كسرة خبز مما لك، مما وهبها لك قدم له، لأن مخلصنا لم يطرح فلسي الأرملة، وماذا طلب إيليا النبي من الأرملة أليس ماء قليل في إناء وكسرة خبز، وقيل قام إيليا ومضى إلي صارفة صيدا ودنا من باب المدينة فإذا بامرأة أرملة تجمع حطباً فهتف إيليا وراءها وقال: ائتي لي بيديك كسرة خبز، أتعرف أيها الحبيب بماذا كان الأنبياء يغتذون بقليل من ماء ويسير من خبز وهذا بعد ضيقة من الجوع لأنه كان لهم كافة الحرص في الخيرات المعدة لهم في السموات. يا أخوتي لنحب طريق القديسين وما دام لنا وقت فلنجعله ثمراً حسناً للتوبة، لا تضيع وقتاً موافقاً للتوبة ولا تتنزه في خيالات هذا العالم ولا ترتبط مع الناس السائرين بعدم خشية اللـه ولا تنافس أعمال المتهاونين بخلاصهم كما يأمرنا الرسول القائل: إن الأحاديث الرديئة تفسد العادات الصالحة. وفي فصل آخر يقول: يا بني أتخذ مشورتي ولا تتركها بل أحفظها لك في حياتك، لا تذهب في طرق المنافقين ولا تغاير طرق الأثمة، في أي موضع نزلوا معسكرين لا تمضي هناك، حد عنهم فإنهم لا يرقدون قبل أن يعملوا الشر قد سلب نومهم فلا يرقدون، الذين يأكلون خبز النفاق ويسكرون بخمر تجارة الشريعة، أما طريق الصديقين فتتلألأ بالنور هم يسلكونها ويضيئون إلي أن يلمع النهار. ويقول أيضاً: لا تصر رفيق إنسان غضوب، ولا تساكن صديقاً سخوطاً لئلا تتعلم شيئاً من طريقه فتأخذ لنفسك وهقاً. وفي فصل آخر يقول: أطلب إليكم يا أخوتي أن تترقبوا الذين يصنعون الشقاقات والشكوك بخلاف التعليم الذي تعلمتموه وأجنحوا عنهم فإن مثل هؤلاء لا يعبدون ربنا يسوع المسيح بل بطونهم وبالألفاظ الصالحة وبالتبريكات يخدعون قلوب ذوي الدعة. فلنهرب إذاً من الطريقة العريضة المؤدية إلي الهلاك ولنتوقن إلي الطريقة الضيقة المؤدية إلي الحياة الخالدة، فلنتوجع هنا بالاختيار قبل أن نتوجع هناك كارهين، ولنبغض العالم والسيرة العائلية، ولنصنعن لنا طرقاً مستقيمة، فلنحب الحرص ولنكن ملتهبين وغالين بالروح لدى اللـه، فلنبكين ههنا باختيارنا لنستعطف اللـه فينجينا من البكاءِ وقعقعة الأسنانِ، ولنحب النوح فإنه وصية الرب لأنه هو قال: الطوبى للنائحين الآن فإنهم يعزون، ولنخطر ببالنا يا أخوتي الأحباء أمر النواتية الذين يسيرون في البحر أية معاطب يحتملونها محاربين البحر ويجوزون معظم الأمواج فمتي ما أكمل أحدهم الوقت الذي أئتجر فيه لا يحفل بالمعاطب التي أحتملها محارباً للبحر من أجل الفرح لأنه أخذ كمال أجرته بل ويصير أوفر نشاطاً في سير البحر، فأولئك إذا أكملوا طريقهم يضطرون أن يعودوا إليها. أما نحو يا أخوتي الأحباء إن بلغنا حسناً إلي كمال الجهاد المنصوب لنا فليس لنا أمر يضطرنا أن نستعمل هذا السعي نفسه لأن هذا غير ممكن فالجهاد يا أخوتي قليل وعطية الثواب لا توصف، فلنستفق في عمل الرب بكل قلبنا وقوتنا ما دام لنا وقت وكما أن مواهبه لا ندم يخامرها والدعوة التي للقديسين هي هكذا وعكسها ما أعد للمضادين منذ القديم فلذلك الطوبى للإنسان المتقي الرب فإنه سيأخذ منه الإكليل المعد للذين أحبوه.وله كل مجد إلي أبد الدهور آمـين مقالات مار إفرآم السريانى
المزيد
18 فبراير 2021

شخصيات الكتاب المقدس أليشع

" وأمسح أليشع بن شافاط من آبل محولة نبياً عوضاً عنك "2مل 19: 16 مقدمة كان السؤال الذى طرحه جورج ماتيسون فى حديثه عن أليشع، هو: ماهو الفرق بينه وبين إيليا وهو يكاد يكون نسخة منه!!؟ لقد كانت حياة الاثنين نغمة موسيقية واحدة، ربما كان الأخير فيها هو القرار الأضعف صوتاً والأبطأ قياساً،... ألم يضرب إيليا نهر الأردن، وهكذا فعل أليشع!!؟ ألم يصعد إيليا إلى جبل الكرمل، وهكذا صعد الآخر!!؟... ألم تسبب كلمات إيليا مأساة دموية، وهكذا كانت كلمات أليشع!!؟ ألم تتجه الأنظار إلى إيليا فى المجاعة، وكذلك اتجهت أيضاً إلى أليشع!!؟ ألم يفض إيليا بالخير على أرملة، وكذلك فعل أليشع!!؟ ألم يقم إيليا ابن الأرملة، وألم يفعل أليشع الشئ نفسه مع ابن الشونمية!!؟ … ألم ينقل إيليا الخير إلى ما وراء اليهودية، فيما فعله مع أرملة صرفة صيدا، وكذلك فعل أليشع عندما شفى نعمان السريانى!!؟... وألم يحدث حتى فى اللحظات الأخيرة أن كانت الصيحة واحدة إذ صاح أليشع، وهو يرى إيليا صاعداً فى مركبته السماوية: " يا أبى يا أبى مركبة إسرائيل وفرسانها "؟؟... وألم يبك يوآش ملك إسرائيل على وجه أليشع فى مرضه الذى مات به وهو يقول: " يا أبى يا أبى مركبة إسرائيل وفرسانها "؟؟... " 2مل 13: 14 " وعند صعود إيليا إلى السماء، طرح الرداء وتركه لأليشع، ولبس التلميذ رداء معلمه، فهل لم يكن هناك فرق بين الاثنين!!... نعم، كان هناك الفرق الكبير، لقد كان أليشع أهدأ وأرق وألطف!!؟ أو فى لغة أخرى كما يراه ما تيسون، كان أليشع هو إيليا، ولكن بعد أن عاد من جبل حوريب مستمعاً إلى الصوت المنخفض الخفيف، وحلت هبات النسيم مكان الزوبعة العاتية، وجاءت خضرة المروج أثر الجبال المسنمة، وحل أليشع برسالته المتحدة فى الروح، والمختلفة فى الأسلوب، محل رسالة إيليا، ومن هنا كان الفارق بين الرجلين. فكانت الرسالة اللاحقة متممة للسابقة ومتكاملة معها ومن هنا يحق لنا أن نرى أليشع من النواحى التالية: أليشع ودعوته عندما ذهب إيليا إلى جبل اللّه حوريب، لم يكن يعلم أن اللّه سيتحدث إليه هناك عن ثلاثة أسماء سيدعوها لخدمته، وتنفيذ إرادته، فهو سيدعو أليشع بن شافاط ليحل محل إيليا، وسيدعو حزائيل ملكاً على آرام، وسيدعو ياهو بن نمشى ملكاً على إسرائيل،... وأدرك إيليا أن اللّه متسلط فى مملكة الناس، وأنه يدعو الأنبياء والملوك وكل ذى سلطان وفقاً لمشيئته العليا وإراداته الكاملة، وأنه يسيطر على الخير والشر فى كل مكان وزمان،... وبينما كان إيليا نائماً تحت الرتمة، وقد استبد به اليأس، وطوحت به الضيقات والآلام، كان هناك شاب عظيم يعده اللّه فى آبل محولة (مروج الرقص) ويجهزه للخدمة المقدسة...، وهكذا يتغير الناس، ويبقى اللّه، ومع أن أليشع حمل رداء إيليا وحل محله، إلا أنه ثمة فروق بين الاثنين،... كان إيليا - كما ذكرنا فى الحديث عنه - من بلاد جبلية، وكان أليشع من أرض زراعية كان إيليا أشبه بالمعمدان، يحيا حياة الخشونة والصلابة والشدة والعنف والرعد القاصف، وكان أليشع أدنى إلى حياة المسيح فى الرقة والعطف والجود والإحسان، كان إيليا لا يأكل ولا يشرب، وكان أليشع يأكل ويشرب، كان الأول يعيش فى الجبال أو العزلة، وكان الثانى يعيش فى المجتمعات، وبين الناس،... ومع ذلك فقد كان الاثنان من روح واحدة فى السمو والرفعة وعزة النفس، كان الرداء الذى يحتويهما واحداً، وعندما يطرح هذا الرداء على أليشع، فهو يترك ثروته الواسعة، ويذبح فدان البقر، ويضع يده على المحراث الخالد، ولم يعد للمال سلطان على نفسه وهو يأبى أن يقبل من نعمان السريانى هدية تقدر بما يعادل خمسين ألفاً من الجنيهات، ولا يخرج لمقابلته إذا هو أعلى من المال ومن نعمان ومن العالم كله،... لقد ذهب إيليا وطرح الرداء عليه، ومد الشاب بصره، فرأى كل شئ يتغير، وهو يستبدل محراث أبيه، بمحراث أخلد وأعظم،... ويستبدل حقل أبيه بحقل أوسع وأكبر، حقل الخدمة العظيم والأكمل والأجل،... ومنذ ذلك التاريخ ولمدة خمسين عاماً عاشها فى الخدمة، لم يتراجع قط عن محراثه العظيم، ولم ينظر إلى الوراء، حتى بكاه يوآش ملك إسرائيل: " يا أبى يا أبى يا مركبة إسرائيل وفرسانها "... ومن الملاحظ أن هناك فرقاً كبيراً بين قول أليشع: " دعنى أقبل أبى وأمى وأسير وراءك " " 1 مل 19: 20 "... وقول الشاب الذى دعاه المسيح: " إئذن لى أن أمضى أولا وأدفن أبى " " مت 8: 21 "... كان أليشع يريد أن يلقى على أبيه قبلة الوداع، فهو مع وفائه لأبيه يريد أن يرسل إليه تحيته الأخيرة، ولكل ما يمكن أن يرث عن هذا الأب،... أما الآخر فلم يكن أبوه قد مات حتى يدفنه، ولكنه أراد أن يؤجل الخدمة، حتى يموت أبوه، ويدفنه، ثم يذهب بعد ذلك لعمل اللّه، كما أن هناك فرقاً عظيماً بينه وبين القائل: " أتبعك ياسيد، ولكن ائذن لى أن أودع الذين فى بيتى " " لو 9: 61 "... وهذا الفرق واضح فى أن أليشع حرق المحراث الذى كان يحرث عليه دون أدنى تردد، كأنما ينسف جميع الكبارى التى تربطه بالعالم، وهو يضع يده على محراث اللّه العظيم الذي دعى إليه!!... ولم يمنعه إيليا عن أن يودع أبويه، وقد تركه ليقبل أو يرفض،.. وما أسرع ما عاد إلى أبيه الروحى، بعد الوداع والقبلة لأبيه فى الجسد!!... أليشع وبرهان دعوته وقف بنو الأنبياء على الجانب الآخر من الأردن، وينظرون إلى أليشع ممزق الثياب يحمل رداء إيليا، وأذا بهم يرونه يفعل مثل ما فعله معلمه، فيلف الرداء ويضرب به الماء، وإذا بالنهر ينفلق، ويعبر أليشع، ويأتى بنو الأنبياء ليسجدوا له إلى الأرض فى انحناء الاعتراف واليقين بأنه أخذ مكان إيليا، ومع أنه كان شاباً نظيرهم أو أكثر منهم قليلا، لكنهم مع ذلك رأوا برهان النبوة، فى الرداء، وفيما فعل، وفيما أخذ من سلطان مماثل لسلطان معلمه العظيم، والنبوة ليست ادعاء يضيفه الإنسان على نفسه، فما أكثر الأنبياء الكذبة، الذين يحاولون أن يلبسوا رداء السابقين، دون أن تكون لهم قوتهم وسلطانهم، وسيكشفهم رداء النبوة، ويظهرهم على الملأ، ويظهر مدى ما فى ادعائهم من زيف أمام الأردن الممتلئ بالماء، والذى لا يستطيعون أن يشقوا طريقهم فيه، وإذا كان من الملاحظ أن أليشع يختلف فى شخصيته عن إيليا، لكن الرداء واحد للاثنين،... لأن اللّه الواحد سيد الاثنين، ومحركهما، ودافعهما فى الحياة والخدمة، ومن ثم فإن أليشع يضرب الماء صائحاً: " أين هو الرب إله إيليا؟ "... " 2 مل 2: 14 " أو فى لغة أخرى - أنه يشق الطريق مستنداً إلى ذات الإله الذى عاش فى ظله إيليا وصنع قواته ومعجزاته، وهو يسير على نفس الدرب مهما اختلفت الظروف، وتلونت الحياة، وتغيرت الأوضاع، لكن اللّه هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد، ليس عنده تغيير أو ظل دوران،... وما أجملها من ثقة وما أروعه من يقين!!، أن نستند إلى إله آبائنا، وأن نأخذ من اختباراتهم عظة وعبرة وفى الوقت عينه تتجدد وتتكرر اختباراتنا نحن، دون أن تقف عند ماضى السابقين،.رأى أليشع المركبة النارية التى حملت معلمه إلى السماء، وأيقن أنه ذهب إلى المكان العظيم العتيد أن يبلغه المتوجون المنتصرون من المؤمنين، ولكن بنى الأنبياء ألحوا عليه أن يفتشوا فى الجبال أو الأودية، لعل روح اللّه يكون قد طرحه فى واحد منها، ومع أن أليشع لم يقتنع بمنطقهم، إلا أنه كما يقول جورج ماثيسون لم يجبرهم على الاقتناع برأيه، أو يلزمهم بهذا الرأى حتى يصلوا إليه بأنفسهم. ومن اللازم أن نتعلم ألا نلوى أيدى الآخرين، أو نكرههم على قبول رأينا. قد يطول بحثهم عن الحقيقة، التى وصلنا إليها، ولكن من الأفضل أن ندعهم يكتشفون لأنفسهم ما وصلنا إليه، حتى نستطيع أن نقول لهم ما قاله اليشع بعد تفتيشهم ثلاثة أيام دون أن يصلوا إلى النتيجة التى تصوروها: " أما قلت لكم لا تذهبوا!؟ "... " 2 مل 2: 18 "وقد ظهر برهان الدعوة من واقعتين أخريين مختلفتين تماماً، الأولى من تحويل النبع الردئ إلى نبع عذب، عند مدينة أريحا، وأريحا مدينة النخل والرياض والزهور، ومع جمال المدينة وخصب الأرض حولها، إلا أن مشكلتها الكبرى كانت فى الينبوع الردئ المر الذى كان يمدها بالماء، وإذا جاء بنوا الأنبياء وأهلها إلى أليشع، طلب صحناً جديداً، لم يكن قد وضع فيه شئ، حتى يمكن أن يقال إنه سر التغير فى ماء الينبوع، ووضع فيه ملحاً، والملح أساساً، فى المفهوم الدينى، للتنقية والتطهير، وإن كانت إضافته إلى الماء، ليتحول الماء العذب، هى أشبه الأشياء بوضع الطين على عينى الأعمى ليبصر، الأمر الذى فعله المسيح،... لكى تظهر يد اللّه فى الحالين، وهى تغير الأمور إلى العكس بالقدرة العلوية العجيبة، وما أن وضع أليشع الملح فى الماء، ودعا باسم الرب، حتى تحول النبع الردئ إلى واحد من أعذب الينابيع التى يقول الكثيرون إنه باق إلى الآن باسم " نبع السلطان " على مقربة من أريحا!!... كانت هذه من أولى معجزات أليشع، وهى - بالأحرى - رمز لرسالته، الرسالة التى تبدأ بالينبوع، قبل أن يغترف الإنسان من المجرى، ورسالة اللّه تحول أولا وقبل كل شئ النبع الردئ إلى نبع حلو صاف عذب جميل، والقلب الذى كان يخرج فى الأصل فساداً وشراً، عندما تستولى عليه النعمة الإلهية،... هذا القلب يتدفق بثمر الروح القدس: " محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف " " غل 5: 22 " كانت معجزات أليشع، التى سنتأمل فيها فيما بعد، رمزاً لإحسان اللّه وجوده من الجوانب المتعددة للحياة البشرية،... ولكن على رأس المعجزات وأولها، بدأ أليشع بالنبع الذى أضحى حلواً جميلا صافياً رقراقاً!!.على أنه من الجهة الأخرى وعلى العكس من ذلك، إذا كانت الرسالة الإلهية رائحة حياة لحياة، فهى فى الوقت نفسه رائحة موت لموت، وهنا نتحول من البركة إلى اللعنة، ومن النبع الصافى إلى المأساة القاسية، ومن الملاحظ أن أليشع تحرك فمه باللعنة مرتين شهريرتين: المرة الأولى للصبية الذين سخروا منه فى بيت إيل، والمرة الثانية عندما لعن جيحزى بعدما أخذ - كذباً - بعض عطايا نعمان السريانى، ومع ذلك فالفرق بين اللعنتين واضح، أما بالنسبة للصبية، فإن اللعنة كانت إعلاناً عن غضب اللّه على هؤلاء الساخرين العابثين، أما بالنسبة لجيحزى فقد كانت طلباً محدداً أن يلصق به وبنسله برص نعمان السريانى، للأسلوب الشرير المتعمد الذى يعطى صورة خاطئة عن مفهوم الخلاص المجانى لإنسان وثنى، دعاه أليشع إلى الخلاص من برص الخطية وإثمها وفسادها وشرها!!.. على أنه فى الوقت نفسه، من واجبنا ألا نحكم على عمل أليشع فى نور العهد الجديد كما يقول بعض المفسرين، لئلا نستمع إلى قول السيد وهو يتحدث إلى تلميذيه اللذين أرادا محاكاة أسلوب إيليا....... فقال لهما على الفور: " من أى روح أنتما؟!! " لو 9: 55 " لقد لعن أليشع الأولاد، الذين أطلق عليهم الكتاب " صبيان صغار " والكلمة فى الأصل العبرى هى التى استخدمها سليمان وهو يصلى إلى اللّه فى جبعون، بعد أن أصبح ملكاً " فتى صغير " كان هؤلاء الصبيان فى سن الشباب، وهم من بيت إيل المكان الذي حلم فيه يعقوب حلمه العظيم، وبنى مذبحه، ومع ذلك فإن يربعام أقام فيه العجل الذهبى، وعبد الناس الآلهة الوثنية، ولعل هؤلاء الشباب، رأوا أليشع، وهو يلبس رداء إيليا، مع الفارق بين شعر إيليا الطويل، وشعر أليشع القصير ولربما كان الأخير أصلع الرأس فعلاً وإذ رأوه، وسمعوا قصة صعود إيليا التى لم يصدقوها، وأرادوا أن يسخروا من إيليا، وأليشع، ومن اللّه نفسه، فقالوا له: اصعد يا أقرع؟؟!!.. " 2مل 2: 23 " اصعد كما صعد إيليا إلى السماء فى مركبة من نار!!.. وإذا كان الأثينيون قد حكموا - كما يقول جورج ماثيسون - على غلام أثينى بالإعدام لأنه فقأ عينى طائر السمان، ورأى القضاة فيه قسوة غير مألوفة، ربما تتحول لو عاش بين الناس، إلى قسوة يفقأ معها عيون البشر، فإن أليشع، وهو يلعن هؤلاء الصبيان كان يرى فيهم وفى تجديفهم ما رآه الأثينيون فى ذلك الغلام، ومن ثم لعنهم على ما وصلوا إليه من إثم وفجور وارتداد وشر!!.. وقد صادق اللّه على اللعنة، فخرجت دبتان من الوعر لتفتك باثنين وأربعين منهم!!... فإذا كان الينبوع العذب يمثل جانب اللطف الإلهى، لمن يريد أن يتمتع بالمراحم السماوية، فإن مصرع الأولاد يمثل الصرامة لمن لا يريد أن يعتبر، وحقاً: " مخيف هو الوقوع فى يدى اللّه الحى!!.." "عب 10: 31"0 أليشع ومعجزات الإحسان كانت حياة أليشع حافلة بمعجزات المساعدة والإحسان، إذ كان - كما صوره دكتور ماكرتنى - صورة للراعى الأمين الذى ينتقل بين الرعية، ليمد يد العون لأرملة تعسة، أو صديق منكوب، أو محتاج معوز، وسنترك الحديث عن مساعدته لنعمان السريانى، عندما نفرد لذلك حديثاً خاصاً تالياً، ونمر الآن مروراً سريعاً بألوان المساعدات الأخرى، والتى تبدأ بمساعدة الأرملة التى مات زوجها، وجاء المرابى ليأخذ ولديها وفاء لدين لا تملك دفعه،... ومع أننا لا نعرف من هو زوج هذه الأرملة، إلا أن بعض التقاليد تقول إنه عوبدياً، والذى عال مائة من بنى الأنبياء فى أيام إيليا، ولو صح هذا التقليد فإننا أمام كارثة مضاعفة، كارثة بيت هوى من مجده وعزه إلى الفقر المدقع والحاجة القاسية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الدائن المرابى أراد أن يأخذ الولدين وفاء وسداداً للدين المطلوب، ومن صرخة المرأة إلى أليشع، يقفز أمامنا السؤال: هل حدث هذا لرجل كان عبداً للّه ويخاف اللّه، لأنه استدان، وأغرق نفسه فى الدين من أجل عمل اللّه!؟؟.. وهل يكون هذا هو الجزاء!!؟ وهل يتخلى اللّه عن مثل هذا الإنسان أو بيته!!؟... والاختبار الصادق: "كنت فتى وقد شخت ولم أر صديقاً تخلى عنه، ولا ذرية له تلتمس خبزاً!!؟ " مز 37: 25 " على أية حال كان هذا هو المأزق الذى وقعت فيه الأرملة!!؟ وكان من الطبيعى أن تلجأ إلى رجل اللّه، إذ هو أول من يخطر على البال أو بتعبير أدق، أول إنسان يفترض أنه يواجه المشكلة أو يشارك فيها!!؟... ترى هل يعرف خدام اللّه، هذه الحقيقة؟ أو بالأحرى هل يمارسون خدمتهم بهذا الإحساس العميق بالواجب والتبعة، دون أدنى تردد أو تراجع؟،... على أية حال لقد قاد رجل اللّه الجميع لحل المشكلة، فلم ينفرد بحلها، إذ أعطى كل واحد نصيبه فيها، فالمرأة لا ينبغى أن تقف متفرجة على الحل، بل لابد أن تساهم فيه بجهدها، وجهد ولديها معها، ولابد أن تستخدم دهنة زيتها فى مواجهة المشكلة،.. وإنه لمن أعظم الأساليب وأجملها، أن نعلم الذين يواجهون المشاكل، كيف يشتركون هم بأنفسهم فى حلها، مهما يكن مجهودهم يسيراً أو محدوداً،.. كما لابد من مساندة الآخرين من أصدقاء أو جيران أو مساعدين، واستخدام أوعيتهم وأوانيهم، وكلما اشترك الآخرون فى الجهد أو عانوا فيه، كلما كان الحل أكثر سهولة وأعظم يسراً،... على أن لب حل المشكلة، هو الاتجاه إلى اللّه، ووضعها بين يديه، وذلك بالإيمان به صديقاً وشريكاً فى الوصول إلى الحل العظيم،... ومن العجيب أن اللّه على استعداد أن يضيق أو يوسع فى الحل، على قدر ما لنا من إيمان ضيق أو واسع، لقد طلب أليشع من المرأة أن تكثر من الأوعية، ولا تقلل منها، واستمر الزيت يسيل، حتى لم يعد هناك وعاء بعد، ولم يتوقف حتى قال لها ابنها: " لا يوجد بعد وعاء " 2 مل 4: 6 "... وسددت المرأة الدين، وبقى لها ما عاشت به مع ولديها زمناً طويلا،... وهكذا يتدخل اللّه، على قدر ما نعطيه فرصة التدخل فى حل مشاكلنا وسد احتياجاتنا!!.وإذ نتحول من قصة الأرملة الفقيرة، إلى الشونمية العظيمة، نتحول إلى مشكلة أخرى أعمق أثراً وأبعد امتداداً،.. لم يكن للشونمية ابن يتعرض للضياع بسبب الدين أو الضيق أو الحاجة، بل لم يكن لها ابن أصلا، إذ كانت المرأة عاقراً،... كانت تملك مالا ولم تكن تملك ولداً، وهذه - قصة الدنيا على الدوام، تسخو من جانب، وتحرم من الجانب الآخر، فالفقير يمتلئ بيته من الأولاد، وقد يحسد الغنى على ما يملك من مال،... فى الوقت الذى يتمنى فيه كثيرون من الأغنياء أن يحرموا من وافر أحوالهم ليجدوا خلفاً يعقبهم، أو ابناً يمد فى ذكرهم، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه: تأتى الرياح بمالا تشتهى السفن.على أن الشونمية - مع ذلك - لم تكن المرأة المتمردة، أو المتذمرة على حظها من الحياة، أو نصيبها من الدنيا، إذ كانت قانعة بما قسم اللّه لها، راضية بمشيئته، مستسلمة لإرادته، وكانت تشرب، فى عمق، من نهر الشركة مع اللّه،... وكان بيتها هو البيت المفضل لأليشع، كلما جاء إلى شونم أو مر بها، وقد وجد إكراماً من المرأة، حتى أنها أقامت له عليه خاصة به، حتى إذا جاء يميل إليها!!... وإذا كان إبراهيم قد أضاف الملائكة، وهو لا يدرى، وكان ثمرة الضيافة الوعد بإسحق، فإن هذه المرأة أخذت بركات الضيافة الموعود بها من اللّه،.. لقد أراد أليشع أن يرد بعض الدين الذى فى عنقه تجاه هذه المرأة، وهو رجل معروف للملك ولرئيس الجيش، ولعله يستطيع أن يخدمها إذا كان لها من حاجة عند أحدهما،.. والمؤمن ينبغى أن يبذل جهده وساطته من أجل أخيه المؤمن، إذا كان ثمة حاجة يستطيع أن يعينه عليها، ولا ضير البتة من هذه الوساطة، بل إنه فى الواقع يكون مقصراً، إذا رأى أحداً من اخوته المؤمنين فى ضيق أو حاجة دون أن يقدم على مساعدته ومعونته،... ولكن المرأة كانت من النوع المحبوب والمسالم، فليس ثمة مشكلة من هذا القبيل،... كانت مشكلة المرأة، وعلى وجه الخصوص فى تقاليدنا الشرقية، أنها بلا ولد، والأمر الذى يصل - كما ذكرت أيضاً إليصابات - إلى حد العار!!.. " لو 1: 25 " وكان وعد أليشع أن العاقر ستحتضن إبناً بمرور العام، وجاء الابن،... وأصبح كالمشعل المضئ فى جنبات البيت، وكان يجرى بين البيت والحقل، قرة عين لأبويه،... حتى أصيب بضربة شمس قضت عليه فى الحال،... وكان السؤال الذى قفز أمام ذهن المرأة، وطرحته فيما بعد أمام أليشع فيما معناه: ألم يكن من الأفضل أن لا يوجد الولد أصلا، من أن يأتى ثم يرحل على هذه السرعة المفاجئة!!؟ وهل الأفضل أن لا يوجد الأمل فى الحياة، مهما يكن حلواً أو عزيزاً أو مطلوباً!!؟ أم أن يأتى ويلوح للإنسان كشعاع عظيم رائع من الضوء، ثم لا يلبث أن يذهب ويتبدد ليترك وراءه الدنيا غارقة فى الظلام!!؟.. كانت تلك هى المشكلة وكان هذا هو المأزق... ولم يكن هناك إلا الحل الواحد، الذى أدركته الشونمية، وأدركه أليشع، وكانا ولا شك يعرفان ما فعل إيليا مع ابن أرملة صيدا عندما مات، وأعاده مرة أخرى إلى الحياة،... قالت المرأة لزوجها الذى تساءل: لماذا تذهب إلى رجل اللّه فى غير ميعاد، فلا رأس شهر أو سبت؟ وقالت لجيحزى المسرع بأمر من أليشع الذى رآها من فوق جبل الكرمل، ليسألها عن سر مجيئها المفاجئ؟!... قالت كلمة واحدة فى الحالين: سلام!!.. وكان من المستحيل أن يصل إليها السلام دون أن تواجه مشكلتها بدون الإيمان بقدرة اللّه وإحسانه وجوده وحبه وحنانه!!... لم ترض المرأة أن يذهب جيحزى وهو يحمل عكاز أليشع، إذ أن هناك - كما قال أحدهم - فرقاً بالغاً فيمن هو الرجل الممسك بالعكاز، أهو النبى أم جيحزى؟ إذ أن الشئ الأعظم فى العظة هو الواعظ الذى يعظ بها، وإذا كان الملك الفرنسى قد قال: " أنا الدولة "، وكان جباراً طاغية، فإنه فى المعنى الأصح والأدق، يمكن للواعظ أن يقول: " أنا العظة "، والمعلم " أنا الدرس"،.... وما كان للمرأة أن تأتمن جيحزى، حتى ولو حمل عكاز أليشع،.. والمعجزات العظيمة تحتاج إلى مؤمنين عظماء!!... لقد أعطى أليشع - بالإيمان باللّه - الولد مرتين إلى أمه، المرة الأولى بالميلاد والمرة الثانية بالإقامة من الأموات!!.فإذا تحولنا إلى المعجزة التى واجه بها أليشع الطعام المسموم، عندما كان يعلم فى الجلجال بنى الأنبياء، وذهب واحد منهم ليلتقط بقولا فوجد يقطيناً برياً وضعوه فى القدر مع الطعام، ولم يلبثوا أن صرخوا: " فى القدر موت يا رجل اللّه، " " 2 مل: 40 "، وإذا بأليشع يضع الدقيق فى القدر، فكأنه لم يكن شئ ردئ فى القدر،... وما أكثر ما تتكرر هذه الواقعة بالمعنى الروحى فى التعاليم الفاسدة التى يتناولها الإنسان كطعام الحياة، وهو يظن أنه يأكل الدسم، ثم لا يلبث أن ترتفع صرخته: " فى القدر موت يا رجل اللّه "!!... حتى يأخذ خبز المسيح فى دقيق الإنجيل النقى، وكأنه لم يكن شئ ردئ فى القدر،... فإذا أضفنا إلى هذه المعجزة بركة الرب فى خبز الباكورة الذى حمله رجل إلى أليشع، وكان عشرين رغيفاً من شعير وسويقاً فى جرابه، وإذ فزع خادم أليشع من أن يضع هذا أمام مائة رجل، وقال: " هل أجعل هذا أمام مائة رجل؟ فقال: أعط الشعب فيأكلوا لأنه هكذا قال الرب، يأكلون ويفضل عنهم، فجعل أمامهم فأكلوا وفضل عنهم حسب قول الرب " " 2 مل 4: 43 "... وهل نذكر الفارق البعيد بين عشرين رغيفاً وسويقاً من الفريك أمام مائة رجل،... وبين خمسة أرغفة وسمكتين أمام خمسة الاف ماعدا النساء والأولاد، بين أليشع والمسيح له المجد؟؟!!.فإذا تركنا هذه المعجزات جميعاً، إلى الفأس العارية التى كان يستخدمها واحد من بنى الأنبياء، وهم يجهزون مكاناً ليقيموا فيه على مقربة من الأردن، وسقط الحديد فى الماء، وخرج الشاب إلى أليشع، إذ أنه كان قد استعار الفأس، ولابد أن يردها، ورمى أليشع قطعة من الخشب، فطفا الحديد على الماء،... ومع أنه يعنينا هنا أن نتحدث عن رقة أليشع البالغة التى تهتم بأن تساعد المستعير على رد العارية، مع أنه كان من الممكن الاعتذار بما حدث،. غير أن أليشع يشجعنا على رد المستعار مهما كانت قيمته صغيرة أو كبيرة وفاء للأمانة، التى يجب أن تكون من أوضح صفاتنا وسلوكنا كمؤمنين،... على أن الأمر الأعظم هو فى الحديد الطافى على الماء، والذى يشير فى المغزى الروحى إلى انتصار النعمة الإلهية على من أغرقتهم آثام الخطية، وشرورها وفجورها، أو همومها ومتاعبها وآلامها، وأنه مهما تكن الظروف، فإن رسالتنا الدائمة أن ننفذ الغرقى، وأن نرفعهم فوق خطاياهم أو متاعبهم إذا ما وجهنا أنظارهم إلى الخشبة العظمى التى علق عليها يسوع المسيح على هضبة الجلجثة!!.. أليشع والقوى الحارسة وكم نحتاج أن نتأمل أليشع مع غلامه فى دوثان، لنرى الفارق بين البصيرة، والبصر، وبين المؤمن المدرب على الشركة المتعمقة مع اللّه، والحديث الإيمان الذى لم يدخل إلى العمق فى الحياة الروحية!!... نام أليشع وغلامه فى تلك الليلة فى دوثان، ولا نعلم ما الذى أيقظ الغلام فى الصباح الباكر ليرى المدينة الصغيرة محاصرة بجيش ثقيل للأراميين،.. كان أليشع كرجل وطنى يحب بلاده، قد دأب على تنبيه ملك إسرائيل فى حربه مع الأراميين إلى مواقعهم ومواطن الخطر التى يمكن أن يهاجموا منها، إلى درجة أن ملك آرام ظن أن هناك خيانة ضده بين قواده وأتباعه، ولكن واحد منهم بين له السر الكامن فى أليشع، وفى قدرته على الكشف عن سرائر الملك وأعماله،... وسمع الملك أن أليشع فى دوثان، فأرسل مركباته وفرسانه وجيشاً ثقيلا وحاصر المدينة ليلا،.. ولعل النظرة الدقيقة إلى الخطر الذى أحاط بأليشع، يمكن أن تعطى صورة لفداحته، وأكثر من ذلك، إلى صورته النمطية المشابهة فى حياة الناس، فالخطر شئ قد يفاجئ الإنسان الهادئ الوادع الذى يستيقظ بين عشية وضحاها، ليرى كل شئ قد انقلب رأساً على عقب،... لقد نام أليشع فى الليلة السابقة دون أن يخشى شيئاً أو يفزع من خطر، وها هو الآن يرى الخطر حقيقة ماثلة أمام عينيه، إن الزمن قلب، والحياة متغيرة، ولا أمان لإنسان فى أى زمان أو مكان من أن تأتيه الأخطار من هذا الجانب أو ذاك، دون أدنى توقع أو استعداد،... وكان الخطر - أكثر من ذلك - هو خطر الإنسان الذى لا يدرى مؤامرات الآخرين ضده، فهو ينام هادئاً ساكناً، لا يعلم أن المؤامرات تحاك ضده فى الظلام،... وما أكثر ما يقع المؤمنون فى فخاخ لا يلبثون أن يجدوا أنفسهم مطوقين بها من كل جانب، يدرون أو لا يدرون، وتذهب كل حيطة فى خبر كان كما يقولون،... على أن الأمر الأقسى والأشد، هو أن الخطر حدث بكيفية لا يمكن الإفلات منها أو دفعها،.. لقد طوقت المدينة بجيش ثقيل جداً ولا سبيل حسب النظرة البشرية إلى الدفاع أو الخلاص من القوة المحاصرة!!.. ولأجل هذا فزع الغلام جداً، ووصاح: " آه يا سيدى، كيف نعمل!!؟ " 2 مل 6: 15 "... ولم يفزع أليشع مثل الغلام، وصلى إلى اللّه ليفتح عينى الغلام، ويرى الجيش الحارس المرسل من اللّه للنجدة!!... وهذا الجيش يتميز بسمات أساسية، إذ هو أولا وقبل كل شئ الجيش الحقيقى. فى قصة الإلياذة والأوديسة - لمن قرأها - وفى سائر كتابات الإغريق والرومان والمصريين نرى الخيال الوثنى وهو يتحدث عن تلك الآلهة التى كانت ترف على الناس وتمنحهم المعونة والقوة والمساعدة، فتأتى مثلا مينرفا إلى تليماك بن أودسيوس وتثير فيه حماسة البحث عن أبيه، وتضفى عليه المهابة والجلال إزاء أعدائه، بل تسخر له الريح والهواء والناس، وتحفظه من الأعادى. هذا هو الخيال الوثنى، أما كتاب اللّه الصادق فيرينا أن اللّه يرسل جيشاً حقيقياً من الملائكة المرسلين لخدمة العتيدين أن يرثوا الخلاص،.فالجيش الذى رآه أليشع وغلامه لم يكن صورة خيالية أملاها الوهم، بل حقيقة لم يرها الغلام إلا بعد أن فتحت عيناه،.. ولعله من اللازم أن ننبه ههنا، إلى الحقيقة - التى كثيراً ما ينساها الإنسان - وهى أن المنظور فى الحياة، هو أقل الأشياء، وأن الإنسان عن طريق العدسات المكبرة أو المخترعات المختلفة، أمكنه أن ينفذ ببصره إلى ما لم يكن يراه من قبل،... فإذا وضعنا هذه القاعدة، فإننا نعلم - فى المعنى الروحى - أن هناك عالماً خفياً أعظم وأوسع وأرهب وأقدر من كل عالم مرئى منظور ومعروف بين الناس،... وأن البصر لا يستطيع أن يصل إلى هذا العالم أو ينفذ إليه، وأن البصيرة الروحية، هى التى يمكن أن تراه، وهذه البصيرة هى التى فتحت عينا الغلام عليها ليرى الجبل مملوءاً خيلا ومركبات اللّه حول أليشع،... من الواضح أن هذا الجيش غير المنظور أقوى من كل جيش أرضى منظورة، بل هو أقوى من جيوش الأرض مجتمعة معاً، ويكفى أن قبضة ملاك واحد قضت فى ليلة واحدة على مائة وخمسة وثمانين ألفاً من جنود سنحاريب،.. " 2 مل 19: 35 " وقد كان هذا الجيش هو الجيش الحارث، فإذا كان جيش آرام قد أحاط بدوثان، ودوثان هذه مدينة فوق تل، وقد أحاط بها معسكر ملك آرام فى السهل، ووجد الغلام عندما فتحت عيناه، أية قوة تقف بينه وبين الجيش الأرامى،... جيش آخر من نار ولا يستطيع جيش آرام أن يبلغه أو يبلغ أليشع ما لم يقتحم هذا السور من نار!!.. حقاً إن " ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم... " مز 34: 7 " وهذا الجيش جاء إلى أليشع وظهر له، وهو يؤدى واجبه الموضوع عليه إزاء بلاده وشعبه،... وعندما نؤدى الواجب المطلوب منا، سنجد ملائكة الله تساعدنا وتساندنا... كان أبتلتيتوس الرواقى يقول: ضع غرضاً نبيلا أمامك واذكر اللّه وسر إلى الأمام ولا تخف. وعندما أحاط الخطر بأليشع أحاطت به القوى الإلهية الحارسة، ويالها من قوى مباركة تسهر علينا سواء ندرى أو لاندرى!! كان استونول جاكسون من أعظم القواد الذين أنجبتهم أمريكا، وقد قيل عنه أنه لم يكن يخاف على الإطلاق أى إنسان أو أى عدو، وقد حارب جاكسون مرات متعددة فى ظروف من أقسى الظروف التى تمر بقائد، وقد حدث عندما كان قائداً لجيوش الشمال فى الحرب الأهلية الأمريكية - وكانت الحرب فى أدق مرحلة من مراحلها - أن أرسل إلى راعى كنيسته رسالة ظنها أهل المدينة متعلقة بأنباء القتال، ولذا قرأها الراعى بصوت عال ليجد القائد يقول له: " ياراعى العزيز لقد تذكرت اليوم أن المطلوب للعمل المرسلى فى الخارج قد جاء ميعاده، وها أنا أرسله لكم، وآمل أن يأتى اليوم عندما تنتهى هذه الحرب، ويفوز الجانب الواقف إلى جانب الحق، أن نذهب جميعاً إلى العمل الرئيسى فى الحياة الذى هو خلاص نفوس الناس " وصف أليشع فى الكتاب تسعة وعشرين مرة بأنه رجل اللّه، وقد كان حقاً الرجل الذى عاش ببصيرته الروحية يحمل رداء إيليا، وهو الوحيد بين جميع الأنبياء والقديسين الذين امتدت معجزاتهم إلى ما وراء حياتهم، إذ مس ميت عظامه فى قبره عندما طرحه حاملوه على عجلة خوفاً من غزاة موآب، فقام وركض وراءهم " 2 مل 13: 21 ". وكان هو مثل إيليا يحق له أن يوصف بالقول: مركبة إسرائيل وفرسانها، أو ذلك الجيش العظيم العرمرم الذى يصنعه اللّه من فرد، لمجده العظيم فى الحياة وبين الناس!!.
المزيد
13 فبراير 2021

المقالة الخامسة والعشرون في الورع

أيها الأخ أحذر جداً ألا تضيع الطريق الممهدة المستقيمة وتسلك في الظلمة لكي لا عند أواخرك توجد لدى اللـه والناس قاسياً لأن الويل للذين تركوا المناهج المستقيمة ليسلكوا في سبل الظلمة، الويل للمسرورين بالأسواء والمستبشرين بالإنعكاس الردئ الذين سبلهم وعرة ومناهجهم معوجة ليجعلوك بعيداً من الطريق المستقيمة وغريباً من العزم المقسط فلذلك أتبع ما قيل، أنهم لا يدركون الحياة لأنهم لو سلكوا طرقاً صالحة لكانوا قد وجدوا سبيل الصديقين الممهدة، الصالحون هم الذين يسكنون الأرض وذوو الوداعة يعمرون فيها، طرق المنافقين تباد من الأرض أما أعداء الشريعة فيرفضون منها، فيلزم ضرورة أن تسلك الطريق المستقيمة كما يأمر القائل لا تجنح يميناً ولا يساراً ورد رجلك من الطريق الرديئة لأن الرب قد عاين الطريق اليميني والطريق اليساري معوج، أتقِ الرب فتحفظك خشيته، أحفظ وصاياه فهي ترشدك إلي الحق والتعظم، أما الفساد والحسد والكبرياء ونظائر هذه لا توطنها في حصنك ومثلها تلوين الأغذية والأقوال السفيهة والمزاح والخلاعة في الأشياء الغير لائقة فكل من يسلك في هذه قد ضل عن طريق الحق معتسفاً علي غير هدى، فأما السالك في الطريق المستقيمة يبلغ إلي منزل الحياة، فلا تضيع أيها الحبيب الورع الفاقد الرياء، التورع هو الابتعاد من كل نوع خبيث، إن سمح اللـه أن تُعَير من أجل عمل صالح فلا تخجل من التعيير الآتي من الناس ظلماً وتعمل ما لا يجب لأنه قال في إشعياء ” يا شعبي الذي أسمي في قلوبكم لا ترهبوا تعيير الناس ولا تنغلبوا لاستحقارهم لأنه كالثوب الذي يعتق من الزمان وكالصوف المأكول من السوس تبلى المساوئ العارضة لك ويبقى عدلك إلي الأبد وخلاصك إلي جيل الأجيال ” ويقول أيضاً أنا لست أقاوم ولا أجاوب قد بذلت ظهري للسياط وفكي للطم أما وجهي فلست أرده عن خزي البصاق والرب صار معيني لهذا لست أخجل بل جعلت وجهي كصخرة صلبة وقد علمت أنني لست أخزى فلذلك لو مسك شرف الاغترار وترأس علية فلا تجزع ولا تترك الطريق المستقيم كما يعلمنا القائل: إن أصطف عليَّ عسكر لا يرهب قلبي. ويقول أيضاً: تقووا ترجلوا وليعتز قلبكم يا جماعة المتوكلين علي الرب. لا تعير الخاطئ لأنك لا تدري كيف يكون منقلبه فالأفضل أن تعمل كل شئ كما يشاء اللـه أحسن من أن تمدح رديئاً وتحوى خبراً قبيحاً إذ الرب يقول هكذا فليشرق نوركم أمام الناس لكي ما يبصروا أعمالكم الحسنة فيمجدوا أباكم الذي في السموات. فلا تجنح الآن عن غير مسلك الطريق المستقيمة لكي لا تسقط في خسفات وأماكن مقفرة ويحدق بك كافة الوحوش البرية وتطوف بك مياه كثيرة فتندم حينئذ متوجعاً لأنه لا يتوجع إلا من تحدق به الأسواء لأن اللـه متعطف علي البشر وصالح ولا يشاء لجبلته سوء، كما يذكر القائل: أنه لا يفرح بهلاك الأحياء لأن العذاب غير فانٍ. وفي موضع آخر يقول: لا يقولنَّ أحد إذا أمتحنَّ أن اللـه أمتحنني فإن اللـه لا يمتحن بالشرور وكل أحد إنما يمتحن من قبل شهوته يجتذب وينخدع ثم أن الشهوة إذا حملت تلد خطيئة والخطيئة إذا كملت تنتج الموت، إن الشهوة أم الخطيئة التي أخرجت حواء من الفردوس، وجعلت قايين قاتل أخاه، جعلت المصرية تراود يوسف العفيف وإذ كان الشاب يخاف اللـه طرحها، هذه أسقطت الشعب في القفر وأبادت سبع أمم في أرض كنعان إذ أغاظوا بها الذي خلقهم فلذلك أضمحلوا، هذه أمالت قلوب بني إسرائيل عن شريعة العلي كما كتب ” أنهم صاروا خيلاً هائمة علي الإناث وكل واحد منهم صهل علي امرأة قريبه، هذه أطغت قاضي الشعب ببابل لأن الشهوة الرديئة هي أم الخطيئة، هذه أنهضت الحروب والهياج علي الأرض، هذه جعلت هروديا تطلب رأس الصابغ، هذه لما أحبها يوداس أسلم رب المجد إلي الأثمة لأنه لما اشتهى الذهب أضاع الحياة. فلذلك يا أخوتي الأحباء فلنهرب من كل شهوة رديئة ولننفضها من قلبنا ونبعدها ولا نشفق عليها فإنها ليست مثمرة لكنها فرع المحال، ليست مرضاً للجسم لكن جرح للنفس وضربة للقلب، هذه تقطعنها من مساكنة القديسين، هذه تجذبنا من السموات وتقيدنا بالأرضيات هي شجرة غير مثمرة حاملة ورقاً متكاثفاً وفي أوراقها يسكن أولاد الأفاعي، أقطع شجرة الرذيلة وأغرس عوضها في نفسك شجرة الحياة، الصليب المكرم، آلام المخلص، آلام موته ومحبته فلتكن في قلبك كصخرة شامخة منصوبة في البحر تستدعي السفن المنبثة في اللجة إلي ميناء الحياة، جاهد كجندي نجيب لتنال الأكاليل، أسمع القائل: أجعل بني إسرائيل متورعين. إذا جاهدة بفرط الجهاد فستعرف حينئذ مواهب الملك وتعلم موقناً وقتئذ أن حسنة ونافعة وصالحة وصايا الرب والصبر له وحفظ وصاياه حينئذ تحس بالأوجاع كمنام صائرة لك كتاج الملك علي رأسه جالساً علي منبره حينئذ يصير لك سرور وابتهاج، وسرورك لا ينتزعه أحد منك.ليعطينا الرب أن نجد رحمة قدام صلاحه في هذا الدهر العاجل وفي المستأنف فإن له المجد إلي أبد الدهور.آمـين مقالات مار إفرآم السريانى
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل