المقالات

27 أكتوبر 2020

القُمُّص بِيشُوي بُطْرُس(من رواد مدارس احد اسكندرية)

وُلد ثروت بطرس فى ٦ ديسمبر ۱٩٤۲ بمدينة نقادة محافظة قنا ، من أسرة كهنوتية ؛ فكان جده القمص متياس ، لذلك تربىَ في وسط تقوى أصيل ، جعله يذهب في شبابه ليتتلمذ في خدمة الدياكونية الريفية على يد المتنيح الطيب الذكر أنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة ؛ حيث أخذ يجُوب البلاد والنجوع واعظاً ؛ إلى أن أتى إلى القرى المحيطة بغرب الإسكندرية في طريقها الصحراوى بإرشاد القمص بولس بولس رائد الدياكونية ومدارس الأحد الشهير . أسس الشماس ثروت فروع مدارس الأحد واجتماعات الوعظ للكبار كخادم مكرس في كتيبة الدياكونية الريفية، فبدأ أول خدمة في منطقة الصحراوى (مصر - إسكندرية) على جانبي الطريق لأطراف متباعدة منها (منطقة كينج مريوط -المستعمرة - عبد القادر - العرجى - العامرية - الناصرية - قرى النهضة - العشرة آلاف - النوبارية - بهيج - برج العرب - الغربنيات - الحمام - الضبعة..) حيث كان الأخ ثروت بطرس يجمع الناس في خدمة كرازية بدأها في البيوت والحقول وبذرها من لا شيء؛ بلا إمكانيات ولا زاد ولا زواد ؛ حتى دعته النعمة ليكون كاهناً للمذبح المتنقل في الصحاري والبراري ؛ يفتقد ويزور كل بيت وموضع ؛ بداية من ضواحي الإسكندرية إلى مشارف محافظة مطروح ؛ قبل أن تُبنىَ كنيسة هناك آنذاك ؛ لكنه تشرَّب فكر الإنجيل وكرازة بشارته التي تأسَّست عليها منهجية مدارس الأحد ؛ فأسس الكنيسة كمعنىً وكحياةٍ أولاً؛ حتى أفاض الله عليه بالعطايا عندما بنى الكنيسة كمبنىً ؛ بل وكنائس وقباب ومنارات أعدها العَليُّ لسُكناه ومواضع لرضاه ؛ لأجل استصلاح الصحاري والجُدُوب ؛ لزراعة فلاحة الله ببذار الكلمة .سيم كاهناً في ٤ / ٧ / ١٩٧٥ بيد الأنبا باخوميوس مطران البحيرة والخمس مدن الغربية ؛ بإسم القس بيشوي ؛ وصار باكورة كهنة المذبح المتنقل في القطر المصري لقطاع الصحراء الغربية ..بداية من بوابات الاسكندرية ومحيطها الصحراوي والساحلي .ليكون المذبح المتنقل والقداسات اليومية زاده الوحيد ، حاملاً الأوانى المقدسة للقرى المجاورة (في شنطته المتهرئة الشهيرة)، رافعاً الصعائد والقرابين ومفسراً لكلمة الحياة ، محباً للتكريس وللصلاة والكتاب المقدس ولخدمة الأطفال والكبار، ولخدمة الفقراء والأعضاء المتألمة، وأيضاً اهتم بأعمال التنمية والترقية الريفية؛ محولاً الطريق الصحراوي إلى طريق عامر بالبيع والكنائس المقدسة ؛ وَفِيًّا للروح والطريقة التي تسلمها من رُوَّاد التربية الكنسية والدياكونية الريفية على يد الخدام الكبار أنبا صموئيل أسقف الخدمات الأول وأنبا أثناسيوس مطران بني سويف وم. يوحنا الراهب وم. يسي حنا ود. طلعت عبدة حنين وجيل الأولين الذين رفعوا عيونهم إلى السماء؛ وثبتوا أرجلهم على أرض واقع الإنسان المعذب ؛ كي يعبُروا إليه بالمعونة؛ من أجل الخلاص والإشباع والنجاة والحرية التي صنعها ابن الإنسان الكلمة المتجسد من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا... حقيقة صارت مدارس الأحد هي ثمرة الكنيسة ؛ وأيضاً الكنيسة صارت ثمرتها ؛ فهناك كنائس بدأتها مدارس الأحد؛ وكانت المباني الكنسية تالية لها .. وقد لمستُ ذلك في عشرات الفروع التي أنشأها أبونا القمص بيشوي بطرس ؛ عندما كان يبدأ خدمة قرية بإنشاء فرع لمدارس الأحد واجتماعاً للكبار يتحول إلى كنيسة ومذبح وذبيحة وليتورجيا ما بعد الليتورجيا ، في خدمة العطاء والتوزيع التي أجاد فُنُونها؛ وتطوَّر معها كخادم مُبدع في بساطته ؛ غنياً في افتقاره ؛ بناءاً حكيماً في أرض مَذَلَّته .ترقىَّ إلى رتبة القمصية في ۲٨ فبراير ۱٩٩۲ وقد أعطاه الله من فيض نعمته ، فمن كنيسة في كُوخ صغير؛ صارت كنيسة وكاتدرائية ضخمة؛ ومقراً لأسقفية جديدة وحديثة . رُسم لخدمتها عشرات وعشرات من الآباء الكهنة والمكرسين.. هذا وقد بنى مقودا بذراع الله الرفيعة ؛ أكثر من ٢٠ كنيسة لتكون منائر ومذابح لله وخدمات وملاجئ وبيوت لخدمة الحالات الخاصة ومستشفى لعلاج وخدمة الفقراء ؛ وأعمال مجيدة صار فضل القوة فيها لله الذي استخدم هذا الخادم البسيط والنقي ليكون آلة عمله ؛ حتي يتكامل ويزداد العمل بجهاد وأتعاب آباء جُدُد يستكملوا التسليم حسبما تسير كنيستنا على مر الأزمان . إن الخادم الغلبان ثروت بطرس (القمص بيشوي) رمزٌ وعلامة لخدام مدارس الأحد والدياكونية والقرى المجاورة؛ يجُول ويصلي ويبني ويعطي في خدمة نارية ؛ مهموماً بمحيط رعيته نارياً في خدمته ؛ محباً للفقراء وللتعمير ، يجول في الخلاء وقيظ الشمس حتى أخرجه الرب إلى الرَّحْب والسعة . وستبقى الخفيات في أعماله أكثر من المُعلَنَات ، وسيكافئه الرب عنها جميعاً . وعن روحة البسيطة والوثَّابة الطموحة التي استقاها من تلمذته للمتنيح أنبا صموئيل ومن قيادة القمص بولس بولس لخدمته ، ومن إرشادات أبيه الروحي القمص بيشوي كامل ؛ لذلك تمنطق وغسل الأرجل وأكمل الطاعة وصار قربانةً مطحونة وصعيدة مسحوقة مُقدَّمة كصعيدة حُب؛ ناطقة على المذبح وكشمعة أضاءت الأرجاء ، حاملاً على كتفه صليب الأتعاب والمسافات والظروف والصعاب، عندما مات مِيتات كثيرة في بناء وتأسيس النفوس والمباني بمشورات الله .تنيح بسلام فى ٥ مارس ۲٠۱۳ الموافق ٢٦ أمشير ١٧٢٩ وستبقى سيرته مثالاً للوُعاظ المتجولين ولخدام القرى المجاورة والمذبح المتنقل إلى يوم مجيء السيد الرب . القمص اثناسيوس جورج كاهن كنيسة الشهيد مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد
20 أكتوبر 2020

دير السلطان القبطي ( طمس الهوية ضمن خطة تهويد القدس ! )

سلم السلطان صلاح الدين الايوبي هذا الدير العريق للاقباط بعد حرب الفرنجة ؛ لذلك سمي الدير " بالسلطان " ؛ وترجع اهمية هذا الدير المقدس لعراقته التاريخية وقيمته كتراث قبطي مملوك للكنيسة القبطية الارثوذكسية المصرية في الكرسي الاورشليمي ..كذلك تتضاعف اهميته الجغرافية لموقعه الاستراتيجي في الارض الاورشليمية المقدسة ؛ تجعله تاريخ في قلب جغرافيا الزمان ؛ وزمان في صميم مقادس الكرة الارضية ؛ تهفو اليه القلوب وتاتيه الشعوب من كل البقاع . تقع ساحةالدير فوق كنيسة القديسة هيلانة الملكة ؛ وهو مطل علي كنيسة القيامة المجيدة ؛ لذلك هو اقصر طريق موصل من مقر المطرانية القبطية لمدخل كنيسة القيامة ...لكن القوات الاسرئيلية طردت الرهبان الاقباط من الدير ومكنت الاثيوبيين من وضع يدهم عليه ؛ بالرغم انهم كانوا مستضافين بالدير كضيوف علي سبيل المسافرة فقط ؛ وذلك بعد نكسة يونيو ١٩٦٧ ..فبالرغم من سندات ووثائق حجج الملكية الشرعية ؛ وبالرغم من الاثر المعماري القبطي وتقويم السنة القبطية المدون تاربخه علي حجاب الهيكل وايضا بالرغم من احكام المحاكم وعقود مشتريات وترميمات وقفية باسم الارخن ابراهيم الجوهري ؛ كذلك وبالرغم من فرمان الاستاتيكو وصدوره بادارة القبط للدير ؛ لكن هذه القرائن جميعها ؛ لم تمنع اسرائيل من تعنتها لحساب اثيوبيا ؛ في سلب الحق القبطي في ملكية دير " السلطان " ؛ وفي طمس هويته الحضارية عند الترميم ...واليوم تصارع مطرانيتنا صراع وجودها هناك ؛ علها تجد دعما من حكومة بلادها المصرية ؛ دعما يرقي الي الحماية والي احقاق الحق ؛ واسترجاع المسلوب الي اصحابه الاقباط . القمص اثناسيوس جورج كاهن كنيسة الشهيد مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد
13 أكتوبر 2020

( تذكار عظيم)

نياحة القديس فيلبس احد السبعة شمامسة سمى بالانجيلى المبشر احد السبعة " كان يكرز بالمسيح" ( أع ٥:٨)، وكان له اربع بنات عذارى يتنبأن . تعين بحكمة الله ليكمل خدمة الكنيسة فى غربتها على الارض من حيث اعواز الزمان . مملوءآ بالايمان والروح القدس والحكمة ، وعلى مستوى عال من التصرف ، وكان الثانى من السبعة الذين انطلقوا بروح الحرية من عالمهم الكرازى الكبير Macrocosm الى العالم الصغير Microcosm ، وهو من الذين تشتتوا وجالوا مبشرين بالكلمة ... صنع ايات وعجائب واخرج أرواح شريرة . وكثيرون من المفلوجين والعرج شفاههم فكان فرح عظيم (أع ٤:٨) . وهو الذى عمد الرجل الحبشى خصى وزير كنداكة Candake = Candace ورافق مركبته وعمده ، وبعد ذلك خطفه الروح ليجتاز مبشرآ فى جميع الامم . فيلبس هذا عندما تشتت نثر زرع فلاحة الله وجال يصنع خيرآ ، وقدم الإنجيل للأمم واخرج شياطين ( اكسورسزم) Exorcism فصدق الناس بشارته بالأمور المختصة بملكوت الله ، وعمدهم باسم الثالوث القدوس ، وقد فتح عصر أنبياء العهد الجديد بلا منازع حتى صارت طغمة قائمة بذاتها بعد الرسل ، حسبما جاء فى كتاب " الديداكية" حيث وردت الاشارة عن أنبياء العهد الجديد ، وتسخير الله لهم بقوته ومبادراته اللامتناهية وتوظيفه للاوقات والأزمنة والملائكة والناس والأرض واختيار القراءات النبوية لتوصيل رسالة الخلاص . تأتي عظمه فيلبس المبشر كونه شرح سر الخروف المذبوح !! السر المخفى منذ الدهور والذى فتش وبحث عنه الانبياء ، باحثين عن الحمل السالم الصامت الذى جز وصلب ولم يفتح فاه " فمسكوه / وسألوه ودانوه / وسيق الى الذبح / وانتزع قضاءه = خسر قضيته / فقطع من ارض الاحياء" ، اما وزير الخزانة تعمد وأخذ كنز الكنوز Treasury، وامن بالرب يسوع ، ثم اختفى فيلبس ولم يبصره الخصى بينما ذهب هو فى طريقه فرحآ . فلنفرح بخلاصنا ونقتنى كنزنا ونخدم بالروح والملء كما فيلبس الذى فتح أبواب للإيمان وجمع ثمرآ وصيدآ وحصادآ . القمص اثناسيوس جورج كاهن كنيسة الشهيد مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد
06 أكتوبر 2020

السُّلَّمُ إِلىَ الَّلهِ

كتب القديس يوحنا الدَّرَجى "السُّلَّمي" والمسمى "كليماكوس" كتابه السلم السمائي، أو السلم إلى الله، والموصوف بأنه "كتاب الألواح الروحية" لبنيان المسيحيين الجدد، وفقًا للدرجات وللنظرة الروحية التفاؤلية برجاء الارتقاء نحو المصاعد، بوعي وحس سليم فى روحانية فضائل متمركزة حول الله. ويعتبر السلم الدَّرَجي تصويرًا لسُلَّم الترقِّي المكون من ثلاثين درجة والتي ترمز إلى سنوات حياة رب المجد على الأرض (٣٣ سنة)، وينتهي هذا السلم في أعلى درجاته بالمحبة الإلهية والرؤية السمائية الأُخروية (الاسخاطولوجيا) Εσχατολογία حيث الحق المطلقThe Absolute Truth ، والحقيقة الخالصة The Ultimate Reality بيد أن هذه الرحلة الكشفية تتخطى المدلولات العقلانية والحسية، لتدخل في التأمل النسكيAscetic Contemplation للإشعاعات المستيكية Mystical Rays لتنغمر النفس في جُرن النور الإلهي The soul in this case bathes in the basin .هذا السلم يحملنا حيث رؤية يعقوب ( تك ٢٨ : ١٢) ، كدرجات مسيرة الكمال في صعودنا الروحى نحو الله... بسُلَّم الصليب الصاعد بنا ليربط أرضنا بالسماء في (النعمة والاستجابة) و(الإيمان والأعمال) و ( الخبر بالخبرةالمعاشة حية) .بشوق سرﻱ يحملنا إلى الله وفيه وبه... صعودًا وارتقاءً نتسلق به قمم أعلى من قياس قمم الكرة الأرضية ولُججها المنظورة. كتبها القديس يوحنا السينائى أحد أنوار هذا العالم (٥٢٥ م) لتكون سُلَّمًا للفردوس الذﻱ نبدأه منذ الآن، بصدق وركض ملتهب فى الحرب اللامنظورة وحلاوة مناجاة عشرة الله ومحادثة الملائكة وخبرة الألواح الروحية للناموس الجديد، المقابلة للألواح التى تسلَّمها موسى النبي على نفس الجبل فى سيناء.إنها درجات الفضيلة الفردوسية التي نصعدها لنبلغ الاتحاد بالله، حيث العمل على منوال جمال فُسيفساء أيقونة التقوى بالامتداد الدائم نحو الله. بالتوبة ونَخْس القلب والوداعة والبذل وروح الصلاة وصمت ( اللسان والفكر والقلب ) ، مع رفض الشراهة والخبث والطمع وكل فئة شهوانية، كجنود مخلصين يعملون مشيئة من جنَّدهم بدون إهمال أو اعوجاج (جسد عفيف، فم طاهر، ذهن مستنير) مدحرجين عن قلوبهم حجر القساوة والزيف، حتى لا يكونوا كالكلب الذﻱ يرجع إلى قيئه، أو الشَّغوف بفضلات اللحم لدى أبواب الجزار (القصاب).يوصي يوحنا الدَّرَجي فى سُلَّمه بوضع أساس صالح لجهادنا، لأننا سنطالَب عما قدمنا من غير خداع أو تشامخ أو مَقْت، ولأن ساعة موتنا مجهولة؛ وكل من يلتفت إلى الوراء لن يصلح لملكوت السموات، ولا خير ينمو ما دام قد سقاه ماء الغرور النتن. فلنجْرِ إذن هاربين إلى الأمام في سير حثيث ودؤوب حسب تدابير المشيئة الصالحة، حتى نرجع إلى وطننا السماوﻱ. إن درجات سُلَّم الفردوس ليست مراحل نجتازها ونتخطاها؛ بل نتدرب عليها في مسيرة العمر حتى النهاية، فنتمم خلاصنا بخوف ورعدة، ويحترس من يظن فينا أنه قائم لئلا يسقط، وليعي كل مسيحي أنه صاعد على المصاعد أينما كان وكيفما كان!! سالكًا درجات السُلَّم المنصوب على الأرض حتى أبواب السماء، يجتاز صاحيًا يقظًا عاملاً بالنعمة ضد الأرواح والأفكار الخباثة ورؤساء هذا الدهر المظلم وسلاطين الهواء، حتى نبلغ الميناء (قمة السُلَّم) بالعمل والحق فنتكلل. إذ لا يتكون أﻱ إكليل من جوهرة واحدة، بل من كل الفضائل. والطوبى لكاتب هذا السُلَّم الفردوسي الذﻱ وصف أساسه بالنعمة المعطاة له كمهندس حكيم وصل إلى سفحه؛ وصار لنا دليلاً ومرشدًا؛ يتقدمنا ويرشدنا فيما ارتقى لبلوغه... هَلُم نصعد إلى بيت إلهنا ونضع فى قلوبنا مصاعد؛ ونثبِّت أقدامنا كالأيائل؛ مقيمين على المشارف؛ مكملين لبلوغ السلم العقلية. ولله المجد على كل شيء. القمص اثناسيوس جورج كاهن كنيسة الشهيد مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد
28 سبتمبر 2020

التَّمَرُّدُ عَلَىَ الكَنِيسَةِ

قَبولنا للكنيسة هو قبول للحياة قبولاً مطلقًا كليًا؛ دون أﻱ استثناء ولا انتقاء؛ لأن نعمة الخلاص الآتي لنا من محبة الله الآب ونعمة الابن الوحيد وشركة وموهبة الروح القدس؛ تمنحنا وتبعث فينا روح الطفولية والبساطة التي في المسيح يسوع. نتشرَّبها بالإيمان الشعبي البسيط، ونتسلمها بالالتحام بالتعليم اللاهوتي القائم على المعرفة والخبرة والبراهين المستندة على الوحي الإلهي. فنذوق الخبرة الروحية القائمة على التجاوب السينرجي الشخصي.كل أرثوذكسي صميمي هو غيور وأمين لعقيدته وكنيسته، وذهابه إلى الكنيسة يكون للقاء الرب يسوع وجهًا لوجه، وأيضًا ليواجه حقيقة نفسه ذاتها، من أجل توبتها وخلاصها واتحادها بالذبيحة؛ لا ليُقيم نفسه قاضيًا ومعلمًا ليدين الأساقفة والكهنة والخدام، ولا ليفصل بين الحنطة والزوان؛ ولا بين السمك الجيد والردﻱء؛ لأن الكنيسة باقية في حق الحضرة الإلهية بسلطانها السرﻱ الروحي، وبقوة فعل الروحانية الرسولية الكائنة في طقوسها وقوانينها وترتيب هيرارخيتها القائم من أجل التقويم والتنقية والتدبير وفق الأحكام الإلهية بلا مجاملة ولا تشويش ولا تسيُّب، فهي لا ترضخ لملوك ولا لأباطرة ولا لابتزاز؛ لأنها شاهدة وحاملة لضمير الحق، وهي لن تتحول إلى منتدى أو سوبر ماركت؛ وفقًا للأمزجة وتقلبات الزمان .الكهنة خدام هذه الأسرار يحملوننا في قلوبهم بأبوّة وأمومة روحية صادقة. وهُم بحق رعاة لا تنقص رسالتهم شيئًا عن العمل التعليمي والذبائحي والرعوﻱ والليتورجي. كيانات روحية لا مجرد أشخاص عادية؛ بل أبواق إلهية وضعت على عاتقها عبء خدمة وغسل أرجل جسد المسيح الذﻱ هو الكنيسة. ولكل واحد منهم وزناته التي لا يحاسبه عنها الناس بل الكرَّام صاحب الكرم، الساند والعامل في كرمه، ليفتح أمامنا ملكوته منذ الآن، ويجعله راسخًا أمام أبواب الجحيم، بينما كل المجالات الأخرى للحياة تُبتلع وتندثر تمامًا. لذلك كل من يدخل الكنيسة بيت الله؛ المفترض فيه أنه داخل إلى الفردوس لسَبْر أغوار نفسه؛ مشتركًا في العبادة والوعظ. يهرع إليها لينجو من تيارات الطوفان؛ مُحتميًا بالثقة والإيمان بكل عقائدها الجوهرية، متفهمًا جيدًا لوجوب الطاعة لها من غير مساومة، بل بثقة وطيدة في مسيرتها؛ عبر التاريخ الموثق في خبرة صدور الذين سبقونا وسلمونا ما اختبروه، لنعيش نحن ما تُمليه علينا سلوكيات ومقتضيات الحياة الجديدة . وحتى إذ ما طل علينا شيء غير مفهوم أو معلوم لدينا، فذلك لأننا ما زلنا في بدايات الطريق ومبتدئين عليه؛ عبيدًا بطَّالين، بل ولم نصل إلى رتبة العبد البطال الذﻱ فعل كل البر. كنيستنا مملوءة من الآباء الروحيين المنارات، المعروفين ببصيرتهم الروحية وحكمتهم وقداستهم. وأيضًا هي مملوءة من الملايين الغفيرة من العابدين، الذين مَنْ أراد أن يتعلم ويستفيد منهم؛ سيجد الفرصة والمناخ حالما يتراءَى أمامهم : من صلاتهم ووعظهم وقدوتهم وكتاباتهم وسيرتهم ومواظباتهم؛ وشهادتهم حتى الدم والحرق والنفي. لأن المسيحي الحقيقي الذﻱ ينظر إلى رئيس الإيمان ومكمله الرب يسوع، سيجد الكون كله ممتلئًا من مجده!! ألمْ يقُل الرب نفسه : "أن رئيس هذا العالم قد طُرح خارجًا؟!". لذا عندما نتخلص من الإدانة والشر والتسلي بالفضائح ؛ انما نسلك طريق حمل الصليب والفرح الروحي اليقيني؛ الذﻱ لكل من يحمل الصليب بلا تذمر ولا تمرد؛ فيكون له النير هيِّنًا والحمل خفيفًا. أعضاء بعضنا لبعض؛ متشاركين في جوهر واحد، تسرﻱ فينا المحبة، لأننا في اليوم الأخير سنحاسَب على المحبة تنفيذًا أو تقصيرًا. فإما أن ننشر عبق رائحة المسيح الذكية، أو نُشيع رائحة موت ونتانة الروح وفسادها؛ إذا انجذبنا لإشاعة المذمَّة بجهل. تكون موجة الفساد واللوم قد اكتسحتنا، وتركنا ناموس المحبة والأدب المسيحي، مشوِّهين جمال وجه الكنيسة؛ "لأننا رائحة المسيح الذكية لله في الذين يخلصون؛ وفي الذين يهلكون؛ لهؤلاء رائحة موت لموت؛ ولأولئك رائحة حياة لحياة" (٢كو ٢ : ١٥). ما أشد حاجتنا لا إلى ألسنة لاذعة ناقدة هدَّامة، بل إلى الألسنة المصلية المسبِّحة الشاكرة؛ كي تحجز بين الصفين؛ فيقف الوبأ!! ويعفو الله عن جهالاتنا واحتقارنا للروح؛ وازدرائنا بالدم ودَوْسنا للمقدسات. وليعلَم كل من لديه روح هجومية وانتقاد مُرّ، أن العبرة في المسيحية بالنهايات وليست بالبدايات، كي لا يحكموا على شيء قبل الأوان، وكى لا ينصِّبوا أنفسهم قضاة؛ لأننا في مسيرة ضمن التاريخ الإلهي، حلاوتها في التوبة والبداية الجديدة لكل واحد "هَبْني يارب أن أبدأ"؛ لأن العِبْرة في أن أبدأ أنا؛ لا في أن أنشغل ببداية غيرﻱ؛ أن أنظر إلى نفسي لا أنظر لمن حولي؛ لأننا جميعا لسنا في نهاية الرحلة؛ بل في محطة لا تتوقف لنتجدد ونتغير. حبة حنطة مستقبلها في دفنها، وخميرة عملها في تخميرها، محترمين الفروق الفردية بين المؤمنين في الكنيسة؛ من جهة نموهم التدريجي (٢كو ٣ : ١) (أف ٤ : ١٣).إذا كان الكاهن موضوعًا كي يكون إيقونة للكاهن الأعظم خادمًا لأقداسه، إذن من يذمه يشترك في تقويض عمل الخدمة الإلهية، بالسوء الذﻱ يقدحه (أع ٢٣ : ٥). فإن كان هناك لأحد رأﻱ فيه؛ فليذهب إليه ويعاتبه بوضوح ومحبة شُجاعة موصولة بالحوار الهادف؛ لأنه إن كانت النميمة سيئة ومذمومة في حق الناس، فكم وكم تكون في حق الكاهن!!، لأنها لا تمسّ شخصه فقط بل عمل الخدمة الإلهية والرعاية، حتى أن الشيطان يجد أداة تعمل لزعزعة الثقة وإشاعة المذمة؛ التي غالبًا ما تكون مبنية على أوهام وتصورات مبتورة؛ تتصوب نحو هدم العمل الإلهي، للانصراف في الملاسنات والدمدمة وشيوع الدينونة. ربما في أحيان كثيرة تأتي هذه الإسقاطات نتيجة قصور في الرؤيا والمحبة تارة وتارة أخرى بسبب علو سقف المثاليات، التي يصعب على الكاهن أن يتممها؛ لأنه من طين؛ وسيموت من طين.من يبتغي البناء والإصلاح عليه أن يتخذ الوسيلة الواجبة لاحقاق الحق؛ ولا يتبع الذم والهدم والوهم والتشهير؛ ولا يتخذ من التهجم والهمجية وسيلته خلوًّا من الأدب والحياء. فقد وصل بالبعض التطاول في صفحات الجرائد وفي فسحات الإنترنت وفي ساحات القضاء!! ووصل بالبعض تعمُّد إفساد روح العبادة وتحويل الكنيسة بالتطاول والصياح والهتاف؛ إلى مغارة لصوص، (حسب قول السيد الرب). وتشخيصي لما يجري بأن عدوىَ التمرد المجتمعية قد استشرت وأصاب فيروسها كثيرين، دون تمييز ولا تقدير، فاستهوت غير المميزين والمحرضين حتى اختلّت معاييرهم؛ وتجردوا من وعي الأصول الروحية، مُعطين أعداء صليب المسيح فرصة الشماتة وإهانة المقدسات، ما دُمنا نحن قد استبحناها، وما دُمنا تركنا عنا أصول حياة القداسة والاستقامة في معاملاتنا وسلوكنا بمخافة واتزان متعقل ومعقلن .وأقول أن كل نقد جارح؛ ننهش ونأكل به بعضنا بعض يؤدﻱ إلى فنائنا، وأن الاغتياب بالأوصاف والاتهامات القبيحة لإرضاء نزوات وعداوات القلوب المتغربة عن الله، أدَّى إلى التجديف على الاسم الحسن بسببنا، حتى فاحت رائحة النهش؛ عندما قرأها رجل الشارع والجميع من كل مِلَّة، فصفَّر بفمه وضرب كفًّا على كف، لخروج خصوصياتنا على الملأ.فلنتذكر جميعًا غَيْرة صبانا؛ ولماذا تغربنا عن أنفسنا وعن وديعة قلوبنا وسريرتنا الطيبة. الله هو نصيب الكاهن؛ وهو الذﻱ سيحاسبه على نذور تعهداته وتكريسه، فلا تدفعه بذمك وغَيّك الشخصي أن يدخل معك على الخط، لأن في ذلك خسارة وتشويهًا للأيقونة؛ لا ترضاها ولا يرضاها كل غيور على الخلاص. سالكين بعفة واحتراس، محسوبين من البنَّائين المَهَرَة، ومن المعاونين المتعاونين؛ لا من المخربين والخائنين الهدَّامين، حتى لا نعمل لحساب إبليس؛ فتتعطل الخدمة وتُلام بسببنا، ستَّارين على العيوب، محبين في كل شيء، رحومين كسيدنا الرحيم، موضوعيِّين لا شخصانيين، وغيورين على الهدف والوسيلة أيضًا. هناك قوانين موضوعة منوطة لمثل هكذا أمور، وهناك أيضًا جهات اختصاص هي التي تضطلع بالفصل لا بُد أن تُتبع في كنيسة نقية قوية راسخة؛ حملت وتحمل صليبها عبر كل الزمان، لتسلمه للآتين بلا دنس ولا غضن ولا شيء من ذلك، وهي لا ترضى إلا أن تكون بهية بهاء الشمس والقمر .لقد قال معلمنا يعقوب الرسول عن اللسان بأنه نار تحرق؛ وأنه سُمٌّ قاتل؛ وأنه أكثر حِدَّة من السيف، وأننا سنعطي حسابًا عن كل كلمة بطَّالة. لذلك لنرى دائمًا العالم من حولنا بعين التفاؤل والرجاء، ناظرين إلى الحسن والحلو والإيجابي، لأن المتخبط والمرتاب لا يرى أﻱ نور ولو بصيص، فيستعمره الشيطان المستبِد؛ ويجرّه جرًّا لخسف الآخرين. أما الكاهن عليه أن يقدم دليل كهنوته للمقاومين؛ عندما ينظر إلى نفسه ويصححها؛ منتفعًا من كل رأﻱ بنَّاء، وعندما يذهب إليهم مبادرًا؛ ليقبِّل أقدامهم ويغسلها، عندئذٍ ستسقط القشور عن عيونهم؛ ويبصروا ما هُم عليه، لأنه خادم لكل أحد ولا ينفِّر من أحدًا، حتى من الذين يذمُّوه كي يقرِّبهم.. وحتى لا يكونوا ضمن من يشتكوا عليه في اليوم الأخير.ساعيًا إليهم بحب واعٍ وأُفُق واسع؛ لا ليدللهم بل ليردهم. ولا ليكسبهم لشخصه؛ لكن ليضمهم إلى راعي نفوسهم؛ ويحملهم إلى فندق الكنيسة؛ كما فعل الرعاة إغناطيوس الأنطاكي وبوليكاربوس وكبريانوس وأثناسيوس وكيرلس وبطرس خاتم الشهداء وأغسطينوس؛ الذين مع كونهم كهنة عتيقي ومؤصلي القِدَم، إلا أنهم انحنوا وغسلوا الأقدام؛ كسيدهم الذﻱ كان مرتسمًا عليهم بنور دعوته. القمص أثناسيوس جورج
المزيد
25 سبتمبر 2020

صَليبُكَ

صليبك موضع جدال منذ صليبك٬ لكنه أعجب معجزاتك الإلهية٬ فلولاه لَمَا بطل الموت ولا انحلت الخطية ولا انهدم الجحيم ولا انفتحت أبواب الفردوس صليبك هو اقتدارك ونصرتك التي أظهرتها أمام الخليقة كلها. أطراف صليبك جمعت العلو والعمق والطول والعرض ما يُرى وما لا يُرى. صليبك هو مجدك الذي به تمجدتَ وهو قمة خلاصنا ومصدر كل الخيرات٬ وبواسطته صرنا مقبولين بعد أن كنا منبوذين ساقطين٬ صرنا عارفين للحق وارتفعنا من عمق الخطية إلى قمة الفضيلة.... صليبك هو ختم حمايتنا وضمانك وصنعتك التي بها لايمسنا مُبيد الكل٬ من صليبك فزعتْ الشياطين وهربت فارة٬ صليبك هو زينتنا وفخرنا لأنك ارتفعت عليه ليس تحت سقف ما يظللك٬ بل سماء. صليبك عالٍ مرتفعٌ أنرت به على الجالسين في الظلمة. سال عليه دمك الذكي الكريم فطهر كل أدناس العالم.... ذبيحتك مسكونية أدخلت بها المؤمنين بك إلى الفردوس٬ حالما فتحت الفردوس المُغلق وأدخلت كل لص شاطر يغتصب الملكوت٬ صليبك هز أركان الطبيعة٬ شقق الصخور وأخفى لمعان الشمس والنجوم لأنك ضياء السماء والأرض كلها وهما مملوءتان من مجدك الأقدس٬ صليبك مزق الذنوب وفك النفوس من قيد الأثيم القبيح وربطنا بخيط محبتك ونجانا من اللعنة والعبوس فصار لنا مرساة الرجاء٬ صليبك هو العمود المبارك المثلث الغبطة الذي بسطت عليه جسدك لتعتق كل المائتين. صليبك هو فخر المؤمنين وجمال الرسل ومعونة كل الذين يعاينون حياتهم معلقة تجاهه٬ ومنه ينبُع المشروب الإلهي. إننا نرفعه رافعين أيادينا وسط أتون هذا العالم الحاضر٬ باسطين أيادينا في جوف الحوت برسم آلامك الخلاصية متطلعين إلى نجاتنا من أفواه الأسود ومن الذين يريدون أن يقطعوننا من أرض الأحياء. ولا زال صليبك يُقاوَم من الكارهين لإسمك (اصلبْه اصلبْه) والذين كانوا أيضاً منذ ولادتك أتوا ليهلكوا الصبي ولا زالوا إلى الآن كارهين كنيستك ورافضين خلاصك الثمين بينما صليبك هو فعل محبتك لهم وافتقادك للعالم٬ وهو ليس علامة سكون لكنه علامة حركة ذراعك الأبدية المفتوحة كي تصطاد وتضم كل من يُقبل إلى دائرة خلاصك٬ لذا لم نَعُد نحمل صليبك فقط بل صليبك أيضًا يحملنا. إن صليبك هو السيف القاطع لقرون الشيطان٬ قوته غير مقهورة وعجائبه خلاصية من الضغطة والشدائد والدينونة٬ إنه قوة - (ديناموس)(دينامو) - ومصدر حياتنا وطاقتنا ونمونا وهو القوة الإلهية التي تسند غربتنا منذ ولا دتنا حتى رُقادنا. لقد أشرق نور صليبك عندما أظلمتْ الأرض٬ فلا عتامة ولا ظلمة ولا ضبابية ولا كتمان ولا تضليل. إنك لم تترك صليبك على الأرض بل أخذته وأصعدته معك إلى السماء لأنك ستُحضره معك في مجيئك الثاني ليضيء ثانية عندما تتزعزع قوات السموات في الدينونة. ستأتي حاملاً صليبك المُحيي٬ ستُحضره معك وسيعرف الذين صلبوك ورفضوك وكذّبوك (ما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم) مقدار جحودهم وجهالاتهم وشرهم٬ وستنوح شعوب الأرض كلها عندما ترى جراحاتك وجنبك المفتوح وعندما ينظروا الذي طعنوه. القمص أثناسيوس چورچ
المزيد
18 سبتمبر 2020

الاضطهادات العشرة التي عبرت على الكنيسة في العصر الروماني

الاضطهاد الأول تحت حكم الإمبراطور نيرون سنة 64 م. الاضطهاد الثاني تحت حكم الإمبراطور دوميتيان سنة 81 م. الاضطهاد الثالث الذي بدأ في عصر تراجان سنة 106 م. الاضطهاد الرابع تحت حكم مرقس أوريليوس أنطونيوس عان 166 م. الاضطهاد الخامس الذي بدأ مع ساويرس عام 193 م. الاضطهاد السادس في عهد مكسيميانوس التراقي سنة 235 م. الاضطهاد السابع في عهد ديسيوس سنة 250 م. الاضطهاد الثامن على يد فاليريان الطاغية سنة 257 م. الاضطهاد التاسع في عهد أوريليان سنة 274 م. الاضطهاد العاشر في عهد دقليديانوس سنة 284 م. | بدء التقويم القبطي على رسم الشهداء موقف المسيحيين في وسط العالم في أيام الاضطهاد عدم مقاومة الشر الصلاة المحبة الارتباط السري بين الصلاة وقبول الآلام الاستعداد للآلام بفرح كيف أعدت الكنيسة أولادها للاستشهاد؟ إنَّ الاستشهاد اختبار تَقَوِي يومي يحيا فيه المؤمن، والكنيسة كجسد المسيح المُتألِم، يلزمها قبول سِمَات المسيح الرأس حتى تكون لها شَرِكة الحُب الحقيقي والوحدة التي بين العريس المُتألم وعروسه، بين الرأس والجسد (الأعضاء).لذلك الكنيسة العروس تُكمِّل نقائِص شدائِد المسيح بالألم (كو 1: 24) فالمسيح هو العريس والرأس وحجر الزاوية ولمَّا كانت الكنيسة أُم جميع المؤمنين، لذلك سلَّمت أولادها صراحة الإيمان، وجعلتهم يستعدون للمعركة الروحية غير واضعين أمامهم سوى مجد الحياة الأبدية وإكليل الاعتراف بالرب، غير مُهتمين بما يُقابلهم من عذابات، لأنها ستكون كتلك التي عبرت وانتهت ولأنَّ الحرب قاسية وشديدة تلك التي تُهدد جنود المسيح، لذلك هيَّأتهم ليشربوا كأس دم المسيح اليومي حتى يُعطيهم إمكانية تقديم دمهم مسفوكًا لأجله، لأنَّ من قال أنه ثابِت فيه ينبغي أن يسلُك كما سَلَكَ ذاك (1يو 2: 6).المسيح عريس الكنيسة ورأسها وأُسقفها هو الذي يُتوِج خُدامه الذين أُعِدَّت أفكارهم وحياتهم للاعتراف والاستشهاد... فهو لا يرغب في دَمِنَا بل يطلُب إيماننالهذا حرصت أُمنا البيعة المُقدسة على إعداد أولادها للاستشهاد لا بخوف كالعبيد بل بحُب كما يليق بأبناء أحرار، فيا لها من كنيسة مجيدة ومُطوبة تلك التي صار فيها دم الشُهداء مُمجدًا!!لقد كانت بيضاء قبل استشهاد هؤلاء العِظَام، والآن بعد أن أعدَّتهُم الكنيسة للشهادة فشهدوا، صارت قُرمُزية بدم الشُهداء، ولم يعُد ينقُصها زهور بيضاء ولا زنابِق حمراء.لذلك تُجاهد الكنيسة لتُعِد أولادها بجهاد عظيم غير مُتزعزِع لأجل المجد، فينال أولادها أكاليل بيضاء بجهادِهِم في غير زمن الاستشهاد، وينالون أكاليل قُرمُزية مُخضبَّة بدِماء شهادتِهِم في زمن الاستشهاد، عندئذٍ يكون في السماء لكلٍ منهم زهوره التي يتمجد بها جنود المسيح. دور الكنيسة في الاستعداد للاستشهاد كان دور الكنيسة الأساسي الذي قامت به أثناء الاضطهادات المُريعة التي صادفتها خلال الثلاثة قرون الأُولى، هو إعداد أبنائها لاجتياز تلك الاضطهادات التي كانت في عهد الأباطرة المُضطهدين:- (1) نيرون سنة 64 م. (2) دوميتيان سنة 81 م. (3) تراجان سنة 106 م. (4) أوريليوس سنة 161 م. (5) ساويرُس سنة 193 م. (6) مكسيميانوس سنة 235 م. (7) ديسيوس سنة 250 م. (8) ڤالريان سنة 257 م. (9) أورليان سنة 274 م. (10) دقلديانوس سنة 303 م. لكنه سالم الكنيسة منذ تَوَلِّيه سنة 284 م. حتى سنة 303 م. ومن إحصائية قام بها بعض المؤرخين للسنوات التي عاشتها الكنيسة تحت الحرمان والاضطهاد، تبيَّن ما يأتي:- القرن الأول سِت سنوات اضطهاد ، مُقابِل 28 سنة تسامُح. القرن الثاني 86 سنة اضطهاد، مُقابِل 14 سنة تسامُح. القرن الثالِث 24 سنة اضطهاد، مُقابِل 76 سنة تسامُح. القرن الرابِع 10 سنوات اضطهاد ، حتى صدور مرسوم ميلان. فالكنيسة عاشت تحت الحرمان والاضطهاد والمُطاردة ابتداءً من عصر نيرون سنة 64 م إلى سنة 313 م، حتى مرسوم ميلان السلامي الذي أصدره قسطنطين الكبير... ومع أنَّ الاضطهادات لم تكن بدرجة واحدة في العُنف، إلاَّ أنَّ الكنيسة من سنة 249 م حتى تملَّك قسطنطين الكبير ذاقت اضطهادات ومُطاردات ومذابِح عظيمة.وكانت الأجيال المُتلاحِقة تُدرِك تمامًا أنها تعيش تحت خطر الاستشهاد الذي ينبغي الاستعداد له... فكان هذا واجب الأساقفة وقادة الكنيسة من إكليروس وعلمانيين.فكانت تُلقِن أولادها إنهم مُجاهدون لأنَّ حياة المُجاهِد تستوجِب التدريب على النُسك والجهاد ويذكُر التاريخ والتقليد الكنسي أنَّ هناك شُهداء لم يكونوا مُستعدين ولا مُدربين لذلك عجزوا عن الشهادة، وكذلك نجد أنَّ القديس كبريانوس الأسقف والشهيد سنة 249 م يُؤكد على حمل سلاح الله.. فصار تدريب الكنيسة الروحي المُستمر هو الاستعداد للموت وتصفية النَّفْس وتكلَّم أيضًا العلاَّمة ترتليان عن مبدأ الاستعداد بقوله: يجب أن تجعل النفس تألف السجن وتُمارِس الجوع والعطش وتقبل الحرمان من الطعام حتى يمكن للمسيحي أن يدخل السجن، بنفس الكيفية كما لو كان خارجًا منهُ حالًا، فيصير تعذيب العالم لنا ممارسة عادية... فلنمضي للجهاد بكل ثقة دون جزع كاذِب، وليصير الجسد مُدرع بسلاح فيوجد يابسًا. لذلك نقرأ في سيرِة الشهيد يوحنا الهرقلي أنه عاش كيوحنا المعمدان بتولًا، والشهيد أنبا إيسي من صعيد مصر الذي فضَّل البتولية وحذا حذو أُخته تكلة. القمص أثناسيوس فهمي جورج كاهن كنيسة مارمينا فلمنج عن كتاب الاستشهاد في فكر الآباء
المزيد
14 سبتمبر 2020

عائلة الله عبر التاريخ

عائلة الله عبر التاريخ لم يقف الشيطان الذي واجه السيِّد المسيح على جبل التجربة، مكتوف الأيدي أمام امتداد الكنيسة شرقًا وغربًا، فَرَاحَ يشِن عليها موجات من الاِضطهادات والمُقاومة، فحرَّك رئيس هذا العالم الملوك والأباطرة ضدهاوسجَّل سِفر أعمال الروح القدس (الإبركسيس``Pra[ic ) ما تعرَّضت له الكنيسة من أتعاب ”وحدث في ذلك اليوم اضطهاد عظيم على الكنيسة“ (أع 8: 1).وأيضًا ”في ذلك الوقت مدَّ هيرودس الملك يديهِ ليُسِئ إلى أُناسٍ من الكنيسة فقتل يعقوب أخا يوحنا بالسيف... وعاد فقبض على بطرس أيضًا... ولمَّا أمسكهُ وضعهُ في السجن“ (أع 12: 1-4).وتوالت الاضطهادات في عصر الدولة الرومانية من القرن الرابع الميلادي، أيام الأباطرة: نيرون (سنة 64 م)، تراجان (106 م)، وكان أشدها هولًا اضطهاد دقلديانوس (284 م)، وقيل أنَّ عدد الذين استُشهِدوا في عصره بلغ (144 ألفًا). وقال آخرون أنه (800 ألف)، ولكن بالرغم من أهوال الاضطهادات، ظلَّت كنيسة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جدًا (أع 6: 7).لأننا إذ نصير مسيحيين، نرى مجد الآلام التي بها نتشبه بموته، لذلك استشهد القديسون عبر التاريخ اِختياريًا.وتميزت أسماء المسيحيين في القرون الأولى بأنهم التلاميذ، المؤمنون، المُختارون، القديسون.. وثمة أمر هام ينبغي أن نُشير إليه ألا وهو أنَّ الاسم علامة من العلامات الأساسية للشخصية، ولذلك سجل يوسابيوس القيصري أنَّ الشهيد سانكتوس Sanctus وهو شماس من كنيسة ڤيينا عندما سُئِل عن بلده واسمه، وهل هو عبد أم حُر، أجاب إجابة واحدة ”أنا مسيحي“ (ك 5: 1)، وسجل ذهبي الفم نفس الإجابة على نفس الأسئلة التي وُجِّهت إلى الشهيد لوقيانوس (عظة 46 في مدح الشهيد لوقيانوس: 2 – 6)، وهؤلاء الشهداء هم أهل العقيدة dogma الذين حفظوا وديعة الإيمان بالدم الذين ذهبوا إلى العالم أجمع وكرزوا بإنجيل الملكوت للخليقة كلها الذين دعوا العالم كله إلى شخص المسيح ابن الله الوحيد، الراعي والفادي والمُخلِّص، الذي ليس بأحد غيرهِ الخلاص، حيث ملكوت النور والفرح الأبدي الذي ليس من هذا العالم وهكذا تحالفت قُوى الشر مُجتمعة ضد المسيح والمسيحيين. فوقفت ضد الكنيسة، وتمت نبوة المُرنم ”قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا على الرب وعلى مسيحه“، فماذا كانت النتيجة؟ ”الساكن في السموات يضحك بهم“ (مز 2). اضطهاد الوثنية للكنيسة المسيحية ما أعجب هذه الكنيسة الفتية!! فبعد كل هذا الذي تحملته، بقيت راسخة على مدى الدهور!! ما أكثر وأعتى العواصِف والتجارب التي حاولت أن تعصِف بها، لكنها في كثرِتها وعُنفوانها شهدت لاسم الله في الكنيسة من جيل وإلى جيل وحتى الآن، لصِدق نبوة المسيح مَلِكنا وربنا ورب الجميع، الذي وعدنا ”أنَّ أبواب الجحيم لن تقوى عليها“ لقد مرت الكنيسة في عصور الاستشهاد بعشرة حلقات من الاِضطهاد وخرجت منها قوية مُرهبة كجيش بألوية، وقد اعتاد المؤرخون والكُّتاب المسيحيون منذ القرن الخامِس الميلادي تقدير الاضطهادات بعشرة أحقاب على مدى حوالي المائتين والخمسين عامًا خرجت منها الكنيسة وأبواب الجحيم حقًا لم تستطِع أن تقوى عليها ومن كثرِة المُعاناة التي تحمَّلها المؤمنون، كانت الكنائِس تُشيَّد على دِماء الشهداء (الجماعة الحيَّة)، واحتفظ لنا القديس چيروم باسم جميل لمبنى الكنيسة وهو (مجمع الشهداء) أو Conciliabula Martyrum.ويقول لكتانتيوس في دِفاعه عن المسيحية أنه في زمان اضطهاد دقلديانوس كان الوثنيون قد قرروا ”سفك دم المسيحيين حتى أنهم في فريچيا أحرقوا جماعة كاملة في الكنيسة حيث اعتادوا أن يجتمعوا“، ويسجِل أرنوبيوس نفس الكلام في دِفاعه ويقول ”لماذا تحرِق كُتبنا المُقدسة في النار؟ لماذا تُهدم كنائِسنا وتُحرق؟“. القمص أثناسيوس فهمي جورج كاهن كنيسة مارمينا فلمنج عن كتاب الاستشهاد في فكر الآباء
المزيد
13 سبتمبر 2020

حياة الكنيسة في عصور الاستشهاد بداية المخاض

لقد قال المسيح رب المجد لتلاميذه ”يُسلِّمونكُم إلى ضيقٍ ويقتلُونكم وتكونون مُبغضين من أجل اسمي. والذي يصبُر إلى المُنتهى ذاكَ يخلُص“ (مت 24: 9).وبهذا يكون المسيح رب المجد قد أوضح طبيعة الحياة معه، ونوعية المِحن والضِيق الذي سينال كل من يشهد لإنجيله، ومن ناحية أخرى أظهر عِظَم مكافأة مُحبيه الذين حفظوا صبره وإيمانه ”اِفرحوا وتهللوا لأنَّ أجركم عظيم في السموات“.لذلك نجد أنَّ التلاميذ بعد ما كرزوا بالمسيح قُبِضَ عليهم وقُدِّموا للمُحاكمات ”فلما سمعوا حنقوا وجعلوا يتشاورون أن يقتلُوهم“ (أع 5: 33)، ولكن التلاميذ ”ذهبوا فَرِحين لأنهم حُسِبوا مُستأهلين أن يُهانوا من أجل اسمه“ (أع 5: 41).لقد حلَّت التجربة الأولى بالكنيسة باستشهاد إستفانوس الذي سبَّب ألمًا عظيمًا للكنيسة، وضِيقًا وتشتيتًا للجميع... ولكن هذا التشتُّت أصبح بركة للعمل الكرازي، لأنَّ الذين تشتَّتوا جالوا مُبشرين بالكلمة ويُعد الشهيد إستفانوس رئيس الشمامِسة الذي رُجِمَ سنة 36 م (أع 8)، ويعقوب الكبير بن زبدي الذي قتلهُ هيرودِس بالسيف سنة 44 م. (أع 12: 2) من أشهر الشهداء.وكأنما منح هذا الاستشهاد الكنيسة قوة لتمتد أُفقيًا وتفترِش أراضي جديدة تنضم لحساب الملكوت، وصارت شهادة الدم سبب بركة للكنيسة المُقدسة بعد أن أصبح دم الشهيد بِذار للإيمان بالمسيح، وبعد أن أصبح الضيق والتشتُّت كرازة وبشارة لاسم المسيح رب الكنيسة وعريسها.ثم جاءت التجربة الثانية بقتل يعقوب بن زبدي أخي يوحنا الحبيب، إنه ثمن التبعية للمسيح والشهادة لاسمه العظيم القدوس لكي يتبارك ويرتفِع..وهنا تعمَّق في وجدان الكنيسة الأولى أنَّ الاستشهاد ليس أمرًا استثنائيًا ولا جزءًا إضافيًا، بل ضرورة حتمية للإيمان المسيحي... فجميع الذين يعيشون بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون... ويقول لسان العِطر بولس الرسول، أنه يحمِل في جسده سِمات الرب يسوع، التي هي جروحه وآلامه المُخلِّصة المُحيية، لذلك يُوصي الكنائِس والمؤمنين أن يحملوا إماتات الرب حتى تظهر حياة يسوع فيهم (2كو 4: 10).وبانتقال الرعيل الأول من التلاميذ والرسل، الذين استُشهِد غالبيتهم، تسلَّمت الكنيسة ذخيرة حيَّة من التعاليم والتقاليد التي تحِث المؤمنين على الشجاعة والصبر والجَلَدْ، وتحبَّب إليهم الموت لأجل اسم المسيح، فيستعذِبون الألم لينالوا المجد، بالاِتحاد بذبيحته بواسطة الاستشهاد.وازدادت الشجاعة في بعض القديسين حتى صارت شوقًا وتلهُفًا إلى الاستشهاد، وانتقل الآلاف من دمنهور إلى الأسكندرية المدينة العُظمى لكي يستشهِدوا، والقديس أبا فام الجندي لمَّا دُعِيَ للاستشهاد، لَبَسَ أفخر ثيابه، وقال ”أنَّ هذا هو يوم عُرسي“.والقديس أغناطيوس الأنطاكي، خاف أن تأخذ المؤمنين الشفقة عليه فيحرموه من حلاوِة الاستشهاد، بل وازدادت قيمة الاستشهاد لمَّا اكتشفت فيه الكنيسة كرامة تجعل صاحبها على مستوى كرامة الرسل، الذي وعدهم المسيح أنه متى جلس على كرسي مجده سيجلسُون على اثني عشر كرسي، وكان أول من أعلن هذه الكرامة الشهيد الأنطاكي أغناطيوس -أحد الآباء الرسوليين- عندما ذهب ليستشهِد وقال: ”لقد ابتدأت أن أكون تلميذًا للمسيح“وأكَّد العلاَّمة أكليمنضُس السكندري، في أواخِر القرن الثاني، أنَّ الاستشهاد عقيدة راسخة في الكنيسة، ولم يعُد للكنيسة شرف أعظم من تقديم الشهداء للسماء، إذ ليس هناك ما يُعادِل كرامتهم.ولمَّا تزايد عدد الشهداء، رأت الكنيسة أنَّ كلمة ”شهيد“ وحدها ليست كافية للتعبير عن كرامِة الذين دفعوا دمائِهِم ثمنًا للإيمان وغلبوا العالم بكلمة شهادتِهِم، فألحقت بها صفات أخرى مثل: الكامِل - المغبوط - الطوباوي - السعيد... وغيرها من الألقاب التي أضفتها الكنيسة على شُهدائها.وكان الشهداء يرون أنَّ الاستشهاد هو أقصر طريق يؤدي إلى الأفراح الأبدية.إنها مجرد لحظات يكونون بعدها في أحضان آبائنا إبراهيم وإسحق ويعقوب، في نور القديسين، حيث مجد إلهنا وحيث لا تقف أمامه خليقة صامته.كانوا يرونه شَرِكة في آلام المسيح وفي موته، وأيضًا شَرِكة في مجده، لذلك كان كثير من الشهداء يرون أكاليلهم ومجد السموات وابن الله قائِم عن يمين العظمة، فكانوا يثقون بالإيمان بما أعدُّه الله لمُحبي اسمه القدوس لقد رأى هؤلاء الكاملون شُهداء المسيح، أنَّ الاستشهاد خير تعبير عن محبتهم لله وصِدق رجائهم الذي مَلَك على قلوبِهِم، فما كانوا يرون الموت إلاَّ انطلاقًا من سجن الجسد، بعد أن كشف لنا ربنا يسوع المسيح قائِد الشهداء وربهم عن أعماق مفهوم الاستشهاد الحقيقي، وبعد أن خرج غالِبًا ولكي يغلِب.. القمص أثناسيوس فهمي جورج كاهن كنيسة مارمينا فلمنج عن كتاب الاستشهاد في فكر الآباء
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل