القمص أثناسيوس فهمى

Large image

ولد استاذ انطون فهمى جورج بمدينة الاسكندرية من ابوين تقيين يعيشان فى مخافة الرب فى يوم الجمعة الموافق 7/11/1958 وتخرج من كلية التجارة ( بكالوريوس ادارة اعمال )وحصل على دكتوراة فخرية فى علم الباترولوجى ( اباء الكنيسة )والمحرر العام لسلسلة اكثوس الابائية .وفى يوم الجمعة الموافق 18/7/1997قام نيافة الأنبا أنطونى أسقف ايرلندا واسكتلندا وشمال شرق انجلترا وتوابعها بسيامة الشماس الخادم أنطون فهمى جورج كاهنا ً لكنيسة العذراء مريم والشهيدة دميانة بايرلندا باسم القس أثناسيوس فهمى واشترك مع نيافته فى صلوات السيامة أصحاب النيافة الأنبا أغابيوس والأنبا بيمن والأنبا دميان . وفى يوم 9/3/2008تم ترقية القس أثناسيوس فهمى قمصا ً ووكيلا ًُ للايبارشية بايرلندا بيد صاحب الغبطة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث.وتم رجوع القمص أثناسيوس فهمى لكنيسته الام بمصر ليصبح كاهنا على كنيسة مارمينا فلمنج بالاسكندرية بيد صاحب القداسة تواضروس الثانى عام 2015وهو الأن مدير مدرسة تيرانس للتعليم اللاهوتى والوعظ بالاسكندرية.

المقالات (60)

09 مارس 2021

عِبَادَةُ الصَّوْمِ الكَبِيرِ الليتُورْچِيَّة

وضعت (أمّنا) الكنيسة عبادة خاصة للصوم الكبير؛ كي تغذي نفوسنا بالطعام الإلهي (الكلمة)؛ فتثبت قلوبنا بالنعمة لا بالأطعمة التي لم ينتفع بها الذين يستعملونها... نحفظ صومنا فصحيًا كما يليق، ونستقبل الآلام المقدسة؛ ونعيِّد للقيامة المجيدة، عندما يتحول الزمن العالمي إلى زمن ليتورچي كنسي؛ زمن خلاص مقدس؛ بعبادة نسكية مُفعمة بالعمق اللاهوتي؛ وبها نصطبغ بالتوبة كمعمودية ثانية... ننمو كموعوظين ومؤمنين؛ حتى لا يفوتنا القطار المتجه بنا إلى البصخة وفرح القيامة. وهكذا ترتب الكنيسة كل شيء في وقته وأوانه؛ لكي نميز الأوقات، مثلما كانت الأبواق قديمًا رموزًا تدعو تارة إلى الأعياد؛ وتارة أخرى للصوم؛ وثالثة إلى الحرب. والآن تبوِّق الكنيسة بوق الصوم الأربعيني؛ حتى نتمكن أن نأتي إلى ما وعِينا من أجله؛ حسب قصدها في أن تجعل هذا الزمن "وقت الإصلاح" (عب ١٠:٩) فنعيِّد لا بخميرة الشر والخبث العتيقة؛ بل بفطير الإخلاص والحق. وتصير عبادة الكنيسة في زمن الصوم مدرسة لاهوت تكوينية لحياتنا وفكرنا، تتخلل كياننا بعمق كمَعين لا ينضُب للمعرفة والحياة، حتى ينمو ما للإيمان بما للعبادة، وتُكتشف العقائد إلهيًا خلال خدمة العبادة الكنسية الخلاقة التي تحتضن ملء الكنيسة، وتتيح الفرصة لاختبار "فعل الصوم" في ضوء جديد يجدد لقاءنا مع المسيح الحي الذي صام عنا أربعين يومًا وأربعين ليلة. في مسيرة نحو الفصح تنتهي في جمعة ختام الصوم الذي فيه نختتم زمن الصوم الكبير كموسم ليتورچي، يتميز بطابعه النسكي المِستيكي والتعليمي لننتقل إلى ذكرى آلام الرب المقدسة وفصح العبور للقيامة. إنها رحلة روحية غايتها الأخيرة؛ التهيئة للكشف الحقيقي؛ ومعايشة التدبير؛ كعبور دائم إلى فصح الملكوت الأبدي (سرٌ عظيم يفوق عقول البشر هو سعي مخلصنا محب البشر... صام عنا أربعين يومًا وأربعين ليلة... وكان مع الوحوش لمّا صام في البرية لكي نصنع مثله) إنه عبورنا نحن؛ وصومنا نحن؛ وفصحنا إلى الحياة الجديدة؛ من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا... نتذوقه ونعيشه عبر طقوس الكنيسة وعبادتها الصومية في دسم وشبع روحي؛ وبرؤية صحيحة لملكوت الله وبره، وللكنز السماوي، ولنوال الصحة الروحية لرؤوسنا المريضة وقلوبنا السقيمة، بروح الإحراق والقضاء والتنقية وقمع الجسد بطهارة وبر، والنصرة على التجارب بكل كلمة تخرج من فم الله، وبسلاح الإنجيل وثمار التوبة والعودة إلى الأحضان الأبوية والرجعة إلى البيت الأبدي، والارتواء من ينبوع الماء الحي مع كل ابن ضال وكل سامرية وكل مُخلع وكل مولود أعمى... فما كل هؤلاء إلا أنا!!! وهذه ليست قصصًا وأمثالاً وحكايا؛ لكنها لقاؤنا نحن وتجاوبنا وقبولنا الآن وهنا، فتبيضّ خطايانا كالثلج؛ ويصير فينا لكل مجد غطاء... غنانا ومجدنا من الداخل لا يُسرق بل يحفظ لنا أجرنا... ننادي مسيحنا الصائم عنا ونسبح مراحمه إلى أبد الآباد ومن جيل إلى جيل نخبر بحقه؛ ونناجيه قائلين له: (أنا أعرف أنك صالح ورؤوف ورحيم؛ اذكرني برحمتك... نطلب إليه أن لا يبكتنا بجهالاتنا؛ لأنه لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا... نطلب إليه أن لا ينظر إلينا بغضب وأن لا يحرق عدم معرفتنا مثل سدوم ولا يهلكنا مثل عمورة ولا يحاكمنا من أجل ضعفنا وخطايانا... وأن يحل ويغفر لنا زلاتنا؛ كصالح ومحب للبشر يرحمنا). لقد رتبت الكنيسة قطماروسًا خاصًا لخدمة الصوم؛ كي تجعل له نبوات وقراءات وتزين عبادة الصوم بجمال فن التوبة وحُسن العبادة العقلية؛ فاختارت القراءات ووضعت الطلبات والميطانيات والذكصولوجيات والمردات والطروحات والقِسَم التي تحمل طابع (الحزن المضيء البهي) فتُحدث تحولاً سريًا في أعماقنا؛ به ندخل لجهادنا الروحي ولتقديس الحواس؛ حتى نتحرر من العالم الساقط؛ عالم آدم القديم؛ المعتمد على الأطعمة والمادة؛ فنوقن أنه لا خلاص ولا كنيسة من دون صوم ومن دون نسك. نذهب باكين نلقي بذارنا لنرجع فرحين حاملين أغمارنا... مشتاقين بالصوم والصلاة؛ لالتماس رضى وجه الله، فتطيب لنا العِشرة ونتابع المسيرة الفردوسية مع المسيح الصائم ومن خلفه؛ حتى نتماهىَ مع كامل حياة الكنيسة كجسد المسيح؛ ونخاطب مسيحنا (رأسنا) باعتباره رئيس الكهنة إلى الآباد (لحن ميغالو) وبأنه رب الجيوش العلوية؛ متطلعين إليه وعيوننا نحوه وحده (تعالوا انظروا مخلصنا؛ علمنا المسلك لكي نسلك مثله... أبطل قوة العدو وحِيله وحججه؛ وافتُضح المجرِّب أمامه). فالمسيح هو قائدنا في مسيرة الصوم وهو محور عبادتنا وأيقونتها الفريدة، بحيث يتضاعف البعد الكتابي في الأيام الصيامية كأيقونة كلامية للمسيح والكنيسة... فنتلو النبوءات والقراءات المختارة في مطابقة لتدبير الله الخلاصي حسب الدورة الليتورچية وحبكة الطقس. ندخل إلى الحدث في توالي آحاد الصوم؛ حيث تجربة الرب كواقع تدبيري حدث من أجلنا؛ وكقوة في حياتنا نرفض بها الكذبة الكونية التي روّجها الشيطان؛ بأننا نحيا بالخبز وحده، لكننا بالصوم والعبادة نتحدى الكذاب وأبو الكذاب عمليًا؛ ونغلبه باعتماد المسيح لشركة ذبيحة صومنا... نغلبه بالسلاح والسيف الإلهي الذي هو البرهان الوجودي على أننا بنعمة العبادة نصير روحانيين لا جسدانيين فيما بعد، حياتنا في الله ومنه ولأجله... وحتى جوعنا هو جوع بالأكثر إلى البر... ولا صوم من غير تجارب، ولا نصرة من غير جهاد ومعونة... الله هو نصيبنا؛ نصيب الابن الضال والسامرية والمُخلع والمولود أعمى، وملكوته هو مطلبنا، وكنزنا عنده (أناجيل آحاد الصوم). لذلك نسأله أن يقبل صومنا وأن يذكرنا برحمته؛ لأن آثامنا علت على رؤوسنا وثقُلت علينا؛ فليسمع تنهدنا ويطرحها عنا. ومثلما تضع العبادة الصومية المسيح مخلصنا باعتباره النموذج والمثال الأصلي (تعالوا انظروا مخلصنا)، كذلك تضع العبادة أيقونة صوتية لنماذج تضم العشار والزانية واللص اليمين، عندما نتوسل إلى الله ليجعلنا مثلهم وفي محلّتهم ويضمنا إلى زُمرة صحبتهم... يتراءف علينا ويغفر خطايانا ويخلصنا وينقذنا وينجينا؛ لأننا (كأعضاء) و(كجماعة) قد أخطأنا (أخطأتُ أخطأتُ؛ لا تحسب علينا خطايانا... فلتدركنا رحمتك وتخلصنا من الشدائد المضادة لنفوسنا) وبإقرار واعتراف جماعي نقول (أنا أيضًا الخاطئ يا يسوع إلهي وملكي الحقيقي تحنن عليّ واجعلني كواحد من هؤلاء). وكأننا في موكب كنسي كبير يجمع العشار والزانية واللص اليمين مع كل الصوامين التائبين؛ ويتقدم هذا الموكب مسيحُنا القدوس شخصيًا؛ حاملاً الجميع في معيته. وفي هذا الحاضر المكرس ليتورچيًا نتذوق شركتنا مع الثالوث القدوس ومع السمائيين ومع جماعة المؤمنين الذين اختبروا الصوم كدواء أول؛ يضمد الجرح الأول؛ لأن السقوط كان بالعصيان والأكل، أمّا القيام فهو بالطاعة والصوم... الوصية الأولى أن لا نأكل؛ ولما لم تُطَع؛ سقط آدم الأول فخاب وزلّ، لكن آدم الثاني السماوي قد وفىَ الدين بالصوم ليُنهضنا من سقطتنا؛ وليُبرئ جرح آدم الأرضي. قام المسيح بفعل الصوم الذي رفضه آدم فسقط (أكل فمات) لذلك عدونا المحتال يفتح باب الخطية على الدهور بالأكل، لكن صومنا سلاحنا؛ يُسقطه مثل البرق، وقاضينا العادل رؤوف ورحيم؛ وصام معنا كي يرحمنا كعظيم رحمته؛ وهو لن ينظر إلينا بغضب. نحني ركبنا في عبادة الصوم للمسيح إلهنا الذي عنده كنوز التحنن؛ حتى لا يتركنا في الجهالات والأفكار الردية؛ وحتى نُرضيه أمامه وندخل معه في ديالوج خشوعي؛ كصديق يتكلم مع صديقه، سائلينه أن لا يطرحنا على شماله؛ وأن لا يقول لنا أنه لا يعرفنا... ونعترف له بأننا خطاة كي يعطينا توبة؛ قبل أن يسد الموت فمنا في أبواب الجحيم، وكي يعطينا جوابًا عن كل ما فعلناه... وبذلك تكون عبادتنا صومية جماعية محسوسة؛ في علاقة متبادلة نتخطى البعد الزماني والمكاني، ونذهب إلى جبل التجربة ونصلي ليتورچيًا؛ كدليل لاقتفاء آثار تلك المسيرة؛ ونغرف من ينبوع الكتاب المقدس؛ في لقاء ورجاء ننادي مسيحنا وجهًا لوجه، باعتبار أن كنوز التحنن عنده، ونلحّ عليه وننطق بكرامة الصوم والصلاة، وبالنغم الصومي الذي لهذا الزمن الطقسي ننادي المسيح الحاضر معنا في برية غربتنا، ونطلب إليه (أيها الطويل الأناة) مع رفع صعيدة البخور بتوسل وركوع؛ نخرج خارج انفسنا وخارج محيطنا الاجتماعي والفكري والعائلي؛ من أجل شركة خلاصية مسكونية، نصلي من أجل المسافرين والمرضى والمتضايقين والمسبيين والموعوظين والذين في كل شدة، ومن أجل كل المخلوقات. طالبين رحمة المخلص؛ لأنه ليس عبد بلا خطية ولا سيد بلا غفران. كذلك في منهج العبادة تقوم الكنيسة بعمل إعادة تفعيل الوظيفة النوسية في القلب (وضع القلب في العقل)؛ لشفاء الوجود البشري من خلال موقفنا الكلي نحو الله، ومن خلال قيمة الرمز في العبادة؛ فنتعطر بالمر واللبان؛ ونتزين بأزرة التاجر؛ ونتذرب على عبادة الروح والحق في الخفاء حتى لا تكون عبادتنا مزيفة؛ مكروهة ومغشوشة، لأن عبادة الكبرياء والرياء والشفاة هي زغلاً. متكلين على الله كنزنا بلا سند ولا ركن... نتحاجج معه ونتعلم فعل الخير، وتتنقى حياتنا من الشوك والحسك ونُثمر عنبًا صالحًا في ميعاد طلب الثمر، ولا نُجاري العالم؛ ولا يكون ثمرنا كثمره. وفي إبداع جمالي وليتورچي تصبح العبادة غنية بكلماتها وأنغامها وطقسها؛ وعملها الكلي الذي يسلب العقول؛ ويجعلها عبادة تجسد وتشرح مضمون إيمان الكنيسة ولاهوتها المرنَّم؛ الذي نقوله بصوت ولسان العشارين والخطاة، فيكون الصوم للنفس ثباتًا / يخلص من الضربات / صومًا عن الزلات والأرضيات / نسلكه في الخفيات بالجهادات كل أيام غربتنا العابرات؛ فتهرب منا الظلمات / صومًا عن السيئات والحسرات والشهوات والآفات والسقطات والمهلكات والعقوبات / صومًا ننال به الخيرات والكرامات ونتغذى فيه بالقداسات مبشرين بالأبديات؛ ونحيا الروحيات والصياميات بعَبرات وحُسن رجعات / صومًا يفتح لنا باب الهبات والصالحات ووافر البركات ونصعد به لأعلى الدرجات كالعذارى الحكيمات / نُثمر به ثمرات ونربح بالوزنات ونرث ملكوت السموات. القمص أثناسيوس جورج كاهن كنيسة مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد
04 مارس 2021

الصوم الكبير تاريخيًا

إن الصوم الأربعيني تقليد رسولي وهو تعليم كنيسة الإسكندرية منذ زمن بعيد فالقديس كيرلس الأول عمود الدين يقول في عظاته بخصوص الصوم الكبير إنه "حسب التقليد الرسولي"، ومن قبله البطريرك ثيؤفيلس يقرر ذلك أيضًا في خطاباته الفصحية، كما تحدث القديس ايريانوس "أبو التقليد الكنسي" عن أهمية الصوم الأربعيني الكبير، وأكد انه قديم العهد جدًا، وان طقسه يراعى في أنحاء العالم كله، ويرجع إلى أيام الرسل (Im. Epist. Ad. Vict. ).فالصوم هو أقدم وصية عرفتها البشرية منذ آدم الأول (تك 2: 16-17)، وقد أثبت ذلك أيضًا القديس يوسابيوس القيصري في تاريخه (5: 24) وقرر المؤرخ سقراط سوزمين في تاريخه الكنسي (7: 19) ان كنيسة مصر القبطية تصوم هذا الصوم سبعة أسابيع كاملة، ويقول القديس يوحنا كاسيان أن الصوم الكبير يقدم فيه الأقباط عشور السنة صومًا.وفى قوانين ابوليدس الروماني والمعروفة باسم التقليد الرسولي لهيبوليتس صيغة إخبارية تقول في وضوح وقوة أيام الصوم الكبير التي تثبت هي الأربعاء والجمعة والذي يزيد عليها ينال أجرًا. Hippolytus وتأتي الديسقولية فتقرر "فليكن عندكم جليلا صوم الأربعين المقدسة"، وتؤكد في الباب العاشر "وان تصوموا في كل عام أربعين يوما كما صام موسى وإيليا النبيان العظيمان، وجميع الأنبياء في العتيقة، وابتدأ سيدنا المسيح بذلك ليعلمنا أن نفعل ذلك قبل آلامه المحيية".وقد جاء في كتاب مصباح الظلمة "للأب القس أبو البركات المعروف بابن كبر" عن الصوم الكبير:- "وقد كان الآباء الرسل القديسون الأطهار ومن تبعهم من المؤمنين يصومون الأربعين المقدسة". ويذكر العلامة أوريجين فيقرر قائلًا "الأصوام التي نلتزم بها هي الأربعون المقدسة والأربعاء والجمعة"، كما وذكره روفنيوس المؤرخ ناسِبًا ذكره إلى العلامة اوريجين في تفسيره لسفر اللاويين. وقد وضعت الدسقولية عقوبة على من لا يصوم "أي أسقف أو قس أو شماس أو أيبذياكون أو أغنسطس أو مرتل لا يصوم صوم الأربعين المقدسة وصوم يوميّ الأربعاء والجمعة فليقطع ما خلا إذا امتنع لأجل مرض جسدي وإذا كان عاميا فليفرز".وبعض الآباء القديسين القدامى عندما كانوا يتأملون في الأربعين المقدسة، كانوا يقارنونها بعدد الساعات التي قضاها الرب في القبر وهي أربعون ساعة محسوبة، أي إننا نصوم عن كل ساعة قضاها الرب في القبر يومًا كاملًا فالصوم الأربعيني كان منذ العصر الرسولي، موجودًا منذ القرن الأول المسيحي ومارسته الكنيسة في كل أنحاء العالم وصامه المسيحيون(1). وقد ورد عن الأربعين المقدسة في الرسائل الفصحية لباباوات الإسكندرية، فنجد أن البابا أثناسيوس الرسولي حامى الإيمان البطريرك العشرين يقرر قاعدة الصوم الكبير في الرسالة الفصحية الثانية وفي الرسالة الثالثة والسادسة والسابعة(2). ونجد أن طقس تكريس الميرون المقدس، كان يتم في الأربعين يومًا، وهو ما قام به أيضًا قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث ، فقد قام غبطته بعمل الميرون مرتين في عهده المبارك - في زمن الأربعين المقدسة.ويتكلم أيضًا البابا كيرلس الكبير عمود الدين في رسائله الفصحية عن الأربعين المقدسة، وهنا تتقرر من رسائل القديس أثناسيوس والقديس كيرلس، وطقس الميرون، قاعدة الصوم الكبير.كما أشار إليه القانون الخامس من قوانين مجمع نيقية، كشيء ثابت ومقرر في الكنيسة المسيحية في العالم كله وذكرته قوانين الرسل، وقالت إنه تم إتباعا لما فعله السيد المسيح(3).لقد كان الصوم الأربعيني من الممارسات الروحية التي مارستها كنيسة الرسل عمود الحق وقاعدته، هيا مع الكنيسة التي هي باب السماء فلك نوح الجديد بل والحقيقي لنخلص لأن كل من كان خارجها هلك (1 بط 3: 20)، ولنتمتع باختبار الصوم الكبير المقدس من أجل بنيان حياتنا وشعبها الحقيقي، فنجتاز الصوم مع المسيح الذي صامه عنا (مت 4: 2)، وكما صام داود النبي (مز 35: 13)، ودانيال النبي (دا 9: 3)، وحزقيال النبي (حز 4: 9)، ونحميا النبي (نح 1: 3)، وعزرا الكاتب والكاهن (عز 8: 21).. فنكون غالبين للعالم والشيطان لأن (هذا الجنس لا يخرج إلا بالصوم والصلاة). القمص أثناسيوس جورج كاهن كنيسة مارمينا فلمنج الاسكندرية عن كتاب رحلة الكنيسة في الصوم الكبير
المزيد
02 مارس 2021

صِنَاعَةُ التَّوْبَةِ

ما دمنا نُخطئ كل يوم؛ إذنْ فلنتُبْ كل يوم ونجدد أنفسنا بالتوبة. فمراحم الله نحونا لا نهائية وتفوق كل تعبير. التوبة علاجها ليس له حدود؛ وخطايانا الكثيرة يقابلها مراحم لا تُعدّ ولا تُحصىَ... خطايانا المتكررة لن تستعصي إزاء صلاح الله اللانهائي؛ إنها تتلاشى أمام رأفاته التي لا تفرغ؛ هي تقودنا لكي نتبرر. وما لا نستطيع عمله؛ الله يستطيع بقدرته وبدم صليبه أن يكمله. التوبة هي عهد مع الله وتجديد للمعمودية؛ وهي حُكم على الذات؛ بها يتم المصالحة مع الآب وتطهير الوجدان. نعمل مشيئة الله مبتعدين عن شيطان الجولان. نتشبه بالمسيح في أقواله وأفعاله وأفكاره؛ كي ننجو من القصاص العادل بالشفقة الإلهية... يأتي هو ويدحرج القساوة من قلوبنا ويعتقنا من الحبس والظلمة الخارجية... نُرضي الرب كما يُرضي الجنديُ الملك؛ لأننا سنُطالب بدقّة عن ثمار توبتنا؛ وعلى قدر كثرة شدة تقيُّحنا تشتد الحاجة إلى التداوي؛ لا نميل يمينًا ولا يسارًا؛ ولا نلتفت إلى الوراء؛ فنرتدّ إلى خلف ونصير عمود ملح بلا حراك... نتوب عن شرنا وضعفنا حتى لا تصير أواخرنا أشرّ من أوائلنا؛ ويعطينا الله نعمته لكي نقبلها ونحرسها. ففي نعمته يكمُن خلاصُنا؛ وهي التي تسند توبتنا وتقودنا إن كنا نُخلص بحق. بالتوبة نصل إلى كنزنا الذي داخلنا وسُلَّم ملكوته فينا... سائرين بالتوبة؛ لأن الخلاص هو نصيب مَن يسلك حسب قانونها ويُصلح حاله بتوبته. نتوب عن أرواح الكذب والإدانة والطمع والتعظم ومحبة النصيب الأكبر والنجاسة والخبث والرياء... ولا نثق بطين جسدنا مدى الحياة؛ ولا نرتكن إليه حتى نقف أمام المسيح الديان؛ لأن الله لن يأتي بنا إلى الخلاص ضدًا لحرية إرادتنا؛ بل برغبة أنفسنا وتهليل قلوبنا. صناعة توبتنا تنقذنا من الخطأ وتمنحنا نعيم الملكوت. نتوب عن عبودية الخطية؛ وتكون كل كلمة وكل فعل من معلمنا الإلهي هي قاعدة وقانونًا لنا في التقوى والفضيلة والتجديد يومًا فيومًا؛ حيث يتأسس هيكل الثالوث القدوس في داخل قلوبنا؛ نفعل الأمور الصالحة ويكون الله نفسه هو مُبتغانا. نجمع زهور روحية تنسج لنا أكاليل سماوية وتنضح ثمرتنا (الزهور ظهرت) و (الطيب انسكب) عندما يجتذبنا المسيح نفسه إليه ويقرِّبنا منه. لا يذكر خطايانا وتعدِّياتنا فيما بعد؛ لأن التوبة الحقيقية هي معجزة شفاء عظيمة... وهي البشارة المُفرحة الجديدة... وهي عملنا الدائم الذي يلازم حياتنا باستمرار... نغيِّر أذهاننا وسلوكنا ونقوم من غفلتنا... هي (حزن مُفرح)... (حزن) الندم على خطايانا؛ و(فرح) رجاء الغفران. فهي ليست أزمة نفسية إنفعالية؛ لكنها تحوُّل داخلي وروح جديدة؛ نجحد فيها اليأس ونترجىَ حياة مستقيمة. فنحن لسنا في طريق مسدود؛ بل في سعة سكة الحياة؛ ننسى ما هو وراء ونمتدّ إلى ما هو قدام في موقف دائم ما دامت النعمة وافرة والإرادة حاضرة. حزن التوبة مضيء لأنه حزن بحسب مشيئة الله " يُنشئ توبة لخلاص بلا ندامة " (٢كو ١٠:٧). فما التوبة الصادقة إلا حالة (إنسان الحرية)؛ التي تثمر فرحًا وسلامًا وإنفكاكًا من ثقل الخطية وذنبها وعثرتها... إنه (اختبار) سلوك الحياة والبركة؛ ورفض الموت واللعنة. (اختبار) عمل الإرادة الإلهية من أجل المسرة. (اختبار) عمل الأعمال المرضية أمام الله. (اختبار) دعوة واختيار المُعَيَّنين للحياة الأبدية وللمُمسكين بها؛ والتي إليها دُعُوا. ساهرين صاحين متممين خلاصهم بخوف ورعدة... ملتحفين بنعمة الله المُخلِّصة لجميع الناس... حافظين وديعتهم إلى اليوم الأخير. لأن كل من لا يقدم توبة ينال الويلات والتوبيخ والهلاك "إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون" (لو ٣:١٣)؛ فإن كان الله يتأنّىَ علينا ويتركنا هذه السنة أيضًا؛ فذلك لأنه لا يشاء قطعنا وهلاكنا؛ لكنه يقبل توبتنا ويبررنا؛ ويقبل ثمرنا إن كنا نرجع ونحيا... هو يمكث معنا ويدخل إلينا ويقبل كل من يُقبل إليه... يأتي عندنا ويصنع منزلاً؛ يدخل ويتعشىَ معنا؛ يُقيم فينا ويغفر لنا زلاتنا... كلما نحاسب أنفسنا ونُدرك ضعفنا ثم نقوم لنرجع إليه. وعندما نأخذ خطوة نحوه هو يأتي إلينا مبادرًا ويستقبلنا ويتحنن على كل راجع؛ يركض نحوه ويُلبسه الحُلة (المعمودية) والخاتم (الميرون) ويدعوه إلى ذبيحته المُثَمَّنة (الإفخارستيا) ليأكل ويفرح بالوليمة المجانية. يا لفِعل التوبة المستمر؛ إنه الحدث الفائق الذي نعود به إلى الله ونرجع إليه وتتغير حياتنا مجددًا. إنه سر حلاوة المسيحية في البداية الجديدة - (هَبني يا رب أن أبدأ) – نعرف زيفنا وسقطاتنا ليحل النور محل الظل والظلام؛ وتصير الخطية المتكررة والمحبَّبة مكروهة ومرفوضة بل وغريبة في نور ومعونة جمال المسيح الإلهي. وهي بالجملة معجزة غفران خطايانا وعمل الله المعجزي معنا مثلما مع السامرية والابن الضال؛ نسرع وننزل مع زكا؛ فنلتقي بالقدوس والبار الذي دعانا لنتوب؛ حاملاً خطايانا في جسده على الخشبة؛ وبه نكون أعظم من منتصرين... متحصِّنين بختمه الملوكي الخلاصي العجيب؛ وبعلامة ضمانته المخلِّصة الموسومة لمعونتنا والتي لا تُمحىَ. ويعتبر الآباء أن التوبة هي برهان التقوى وصدق العِشرة المقدسة مع الآب والمسيح والروح القدس. وبها نختبر الثمار اللائقة التي تفتح إضاءة طريق الملكوت؛ كخطّ ونصيب أبدي في فرح لا يُنطق به... نتوب عن كل شر ولا تسودنا الخطية بسلاح الإنجيل وحلول المسيح في إنساننا الباطن. نجاهد لنضبط أنفسنا في كل شيء؛ وبإصرار نرفض تذكارات الشر ومعقولات إبليس وحِيَله... هو يكرر عمله ونحن نكرر رفضنا " قاوموه راسخين في الإيمان " (١ بط ٩:٥). وبتعب التوبة اليومي لا تعود قلوبنا تتقسىَ عبر أزمنة الحياة وحتى غروب العمر؛ لأن التوبة تُقاس بصدق ميل القلب وحرارته ورغبته؛ وبإدراك مقدار الدَّيْن الذي سامحنا به الله... وإله الفرصة الثانية المتجددة هو إله المستحيلات الذي لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا؛ وهو الفخاري الذي يصيغنا من جديد ويصنعنا آنية كرامة له... يعود ويعملنا وعاءً جديدًا كما يحسُن في عينيه. توبتنا هي طريقنا ومسيرة نموّنا. قائدها الروح القدس؛ تصل بنا إلى الشبه الإلهي؛ وهي لا تكمل إلا بإستجابة عمل النعمة فينا وبإتمام الوصايا وعدم التأجيل أو الإهمال والتحول للطابع الحسن؛ حسب متطلبات قصد دعوتنا التي بها نكون مرضيين عنده وغير مرفوضين... وتستمر توبتنا هذه دائمة حتى القبر عندما نربط كل شيء بما يطلبه منا سيدنا وملكنا في الخفاء والعَلَن؛ وفي كل ما يجعلنا مقبولين عنده. متممين عمله الذي يُنشئ فينا إرادة الخلاص والثبات في توبة تستمر (ستين ثانية × كل دقيقة × ستين دقيقة × كل ساعة × عدد سنوات العمر = توبة الحياة وحياة التوبة). تتفق فيها توبتنا مع عظم إحسان الله تجاهنا؛ فتجعله يتحنن ولا يلاحقنا بغضبه؛ إنما يُدركنا بصلاحه: نطلب الحق / نُنصف المظلوم / نُقضي لليتيم / نُحامي عن الأرملة / نتحاجج معه وهو يسير معنا كل الطريق؛ نمشي له خطوة وهو يقترب نحونا أميالاً ليبيِّضنا كالثلج ويُذيقنا حلاوته ويفتح أمامنا الأبواب؛ فندخل إلى المنازل الكثيرة... وكلما ندخل تنفتح أمامنا أبواب جديدة وتنكشف لنا أعماق العجائب؛ وننال فرح توبة الربيع الروحي... نجني بذار بهحة التحرر من الذنب والمَلامة؛ ونحصد بركات النهوض من السقطة والغفلة. وكما خلُصت رَحاب الزانية واللص اليمين الذي صار أول مواطني الفردوس؛ ومثل العشار الذي صار إنجيليًا؛ والمجدِّف الذي نال رتبة الرسولية، هكذا نحن نكمل صناعة توبتنا في كل زمان مهما كان هو لنا زمان توبة. القمص أثناسيوس جورج كاهن كنيسة مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد
01 مارس 2021

الصوم الكبير كنسيًا

للصوم الأربعيني الكبير مكانة خاصة في كنيستنا، فهو أقدس أيام السنة، ونقول عنه إنه صوم سيدي، لأن سيدنا يسوع المسيح قد صامه، لذا فهو من الأصوام الهامة في كنيستنا القبطية الأرثوذكسية. وتدخل الكنيسة فيه فترة اعتكافها وتوبتها الليتروجية، فهو ربيع السنة الروحية وزمن الاعتكاف والالتقاء مع الله. ورسمت كنيستنا هذا الصوم ووضعته في برنامجها تشبها بربنا يسوع المسيح نفسه الذي صام عنا أربعين يوما وأربعين ليلة لم يأكل شيئا فيها.. لذلك اعتبرته فترة تخزين روحي للعام كله ولأهمية الصوم الكبير كان الآباء يتخذونه مجالا للوعظ، مثل القديس يوحنا ذهبي الفم بطريرك القسطنطينية، والقديس أغسطينوس إبن الدموع أسقف هيبو واللذان اشتهرت عظاتهما في زمن الصوم الكبير.بل وكانت الكنيسة تجعل أيام الصوم الكبير فترة إعداد للمقبلين على العماد بالتعليم والوعظ ليتقبلوا نعمة المعمودية، فكانت تقام فصول للموعوظين خلال هذا الصوم تلقى فيها عليهم عظات لتسليمهم قواعد الإيمان وتثبيتهم، وهكذا ينالون العماد في يوم "أحد التناصير"، لكي يعيدوا مع المؤمنين في الأحد التالي أحد الشعانين، ويشتركوا معهم في صلوات البصخة وأفراح القيامة.. وقد اشتهرت عظات القديس كيرلس الأورشليمي لإعداد الموعوظين للإيمان خلال فترة الصوم، ومن ثم أصبح الصوم الكبير من أهم الأصوام وأقدمها أيضا والصوم الأربعيني المقدس عبارة عن ثلاثة أصوام، الأربعون المقدسة في الوسط يسبقها أسبوع تمهيدي ويعقبها أسبوع الآلام. أسبوع الاستعداد الأربعون المقدسة 55 يومًا أسبوع الآلام ولاهتمام الكنيسة بهذا الصوم سمته الصوم الكبير، وإذا كان السيد المسيح قد صام عنا وهو في غير حاجة إليه فكم بالحري نحن، وقد مهدت الكنيسة لهذا الصوم بصوم يونان، لتعدها أولادها للصوم الكبير قبل أن يبدأ بأسبوعين، ولتجعله ربيعا للنفس والكنيسة، حيث تتجدد الطبيعة البشرية لتزهر في يوم الأزهار العظيم يوم عيد القيامة المجيدة الذي هو عيد الأعياد ولان الصوم الكبير اكبر الأصوام الكنسية وأقدسها لذا رتبت له كنيستنا طقسًا خاصًا، فله الحان خاصة ومردات خاصة، وله قراءات وقطمارس خاص (قطمارس الصوم الكبير) katameooc، وله ترتيبه وطقسه الخاص (الطقس الصيامي)، في رفع بخور باكر ومطانيات وسجدات metanoia وميامر وطلبات ونبوات وقراءات من العهد القديم،وهكذا جعلت الكنيسة للصوم جوا روحيا خاصا، وهو ما سنتأمل فيه عندما عندما ندخل إلى رحلة الصوم الكبير في المنهج الليتورجي التعبدي.ولما كان هذا الصوم اقتداء بالمسيح لذا رتبته الكنيسة، لتدعونا فيه إلى تبعية المسيح، وبهذا تكون قد أدخلت حياته في جسدها لتكون أفعال حياة رب المجد يسوع هي حياة أعضائها، تقتدي به في منهجها الحياتي، وبهذا تصبح حارسة على سر اللاهوت النسكي الذي أسسه الرب بصومه الأربعين المقدسة، ومن هنا أتت عظمة هذا الصوم في انه يأتي تشبها بصوم السيد المسيح الذي جعلته الكنيسة سرا تسلمه لأولادها العابدين وقصدت الكنيسة من وضع هذا الصوم أن يكون موسم توبة جماعية، لأن كنيستنا جموعية، وتدبير هذا الصوم إنما هو تأكيد لمضمون الشركة في جسد المسيح، لتصير توبتنا الجماعية هدف وقصد هذا الصوم من اجل النمو الجماعي والحب الجماعي والحرارة الجماعية والكرازة الجماعية والصلاة الجماعية كما من قلب واحد، في الكنسية مدينة الرب مسكن القديسين ومجمع الأبرار.لأن كنيستنا ليست كنيسة أفراد، ولكنها كنيسة أعضاء، فهي لا تعرف الفردية ولكنها كنيسة جموعية وكنيسة شركة، (شركة مع الثالوث القدوس، شركة مع القديسين، وشركة مع جماعة المؤمنين أعضاء الجسد الواحد). نتقدم فيها لنأكل جسد الحمل الذي بلا عيب، الذي ينزع خطايا العالم، نأكله في بيت واحد، أي في الكنيسة الجامعة المرشوشة بالحب والحاملة سلاح الفضيلة. القمص أثناسيوس جورج كاهن كنيسة مارمينا فلمنج الاسكندرية عن كتاب رحلة الكنيسة في الصوم الكبير
المزيد
28 فبراير 2021

تَذْكَارُ سَاوِيرُوس الأنْطَاكِي (تَاجُ السُّرْيَانِ)

حينما نذكر سيرته العطرة؛ إنما نعيِّد ونكمل بشكل خاص ذكرى المعلمين اللابسي الروح، فكلهم تكلموا روحيًا بفمه الطاهر. وُلد ساويروس سنة ٤٥٩ م في أسيا الصغرى وسُمي بإسم جده لأبيه، وقد درس الأدبين اليوناني واللاتيني في المدينة العظمى الأسكندرية مع شقيقيه الأكبرين، وكان له زميل فاضل يُدعى زكريا الفصيح؛ وهو الذي أسهم في قيادته روحيًا حتى نال صبغة المعمودية المقدسة. درس وعشق تعليم أثناسيوس السكندري وباسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي؛ وأيضًا مصنفات السميين الثلاثة غريغوريوس؛ والذهبي الفم وكيرلس الكبير الحكيم، وكانت أقوالهم وكتاباتهم موضع دراسته وتأملات شبابه؛ معتبرًا أن تعليمهم كنهر؛ مَن لا يشرب منه لا ينتفع، ممتدحًا إياهم؛ لأنهم لم يكتفوا بالكلام بل بالجراءة والعمل؛ وأظهروا رغبتهم في الاستشهاد؛ وما كانوا متعلقين بكراسيهم؛ لكنهم غاروا غيرة عظيمة وغربوا عن العالم ليشرقوا في المسيح شمس البر. سافر إلى مدينة طرابلس ببيروت سنة ٤٨٨ م ليدرس البلاغة والشرع ومصنفات علماءالكنيسة الأُوَل، فقادته النعمة الإلهية إلى دعوة حياة الرهبنة ولبس الإسكيم.. فكتب رسالة في الإيمان إلى رؤساء الأديار حول طبيعة المسيح الكريستولوجية (طبيعة واحدة للكلمة المتجسد)؛ ودافع عن الإيمان السليم؛ مستحضرًا النسخ الأصلية لمقالات ورسائل كيرلس السكندري، ثم ألف كتابًا أسماه فيلو لاتيس (محب الحق)؛ دفاعًا عن كيرلس الحكيم قبالة الخلقيدونيين؛ ودحض طومس لاون؛ ناسجًا على منوال آباء كنيسة الأسكندرية (أثناسيوس وكيرلس وديسقوروس). رُسم كاهنًا سنة ٥٠٨ م وكانت خدمته الكهنوتية التي عاشها ورآها وكتب عنها عبارة عن: الاستعداد والتقديس أولاً ثم التعليم ثم التدبير؛ من أجل عمل خدمة بناء جسد المسيح... فكان هادئ الطبع؛ دقيق الفكر؛ متفوق في التعليم؛ ودرس الفلسفة واستعملها استعمالاً حسنًا كسلاح خاص، وقد رفعته النعمة وقادته عبر شروحات الكتب المقدسة وممارسة الليتورجية، واضطلع على علوم الوعظ ومعرفة التفسير الكتابي؛ واستعمل الشرح من أجل اللاهوت... فجاءت عظاته شرحًا لآيات الكتب المقدسة ولتفسير المشاهد الإنجيلية، متتلمذًا على الحُجج الآبائية التي تعلّم منها الفلسفة العالية الحقيقية، مميزًا للتعليم السليم داحضًا شر الهراطقة؛ لأن الحق يجتذب إليه الذين يستحقونه كما يجتذب المغناطيس الحديد، وقد تضمنت مجموعة الباترولوجيا الشرقية (Patrologia Oriantalis) ]فكره وسيرته النابعة من الكنيسة المؤسسة على صخرة الإيمان العقلي الكلمة الإلهي[. عاش مسيرة رسالته الكهنوتية في ثلاث محطات الاستعداد والتقديس ثم التعليم ثم التدبير، فكان استعداده في الانطلاق للرعاية على مثال موسى النبي ويوحنا المعمدان وصموئيل وشخصيات الكتاب المقدس؛ وبالأخص الرسولين بطرس وبولس، كذلك كشف عن حقيقة وجه الكاهن بأنه مكلَّف بواجب تعليم الشعب وتدبيره وتعزيته (عَزّوا عَزُوا شعبي)؛ فيكون للكاهن سمع دقيق وحاسة روحية بواسطة التنقية والنسك؛ كي يدرك الرؤى التي تأتي من الله؛ حتى يشهد ويتكلم (آمنتُ لذلك تكلمتُ) وعندئذ تدخل الكلمة إلى قلب أورشليم لتلامس السامعين وتعبر إلى داخل نفوسهم. تم انتخابه بطريركًا لأنطاكية في مجمع صُور سنة ٥۱۲ م لكنه حاول الإفلات دون جدوى؛ حيث اقتبل رتبة البطريركية السامية؛ ليكون خليفة للقديس بطرس الرسول؛ فرعى رعية الله بأمانة وبر، وفي سنة ٥۱٨ م ثار اضطهاد عنيف على الأرثوذكسيين؛ حيث تم نفي الأساقفة الذين لا يقرون المجمع الخلقيدوني... إلى الحد الذي وصل لإصدار أمر بقطع لسان ساويروس الأنطاكي، فصار هائمًا على وجهه يبحث له عن ملجأ يواريه عن أبصار المضطهِدين؛ فأبحر إلى مصر واستقر فيها مدة عشرين سنة؛ وتنيح سنة ٥۳٨ م في مدينة سخا؛ ثم نقلوه بإكرام جزيل ليُدفن حيث كان يعيش في دير الزجاج (غرب الأسكندرية). وتعيِّد له الكنيسة القبطية في ۲ بابى لتذكار مجيئه إلى مصر؛ وفي ۱٤ أمشير لتذكار نياحته؛ وفي ۱٠ كيهك لتذكار نقل جسده إلى دير الزجاج.. إن اسمه عظيم لأنه خدم القدوس العجيب في قديسيه الذي لعظمته المجد والإكرام والسجود. اذكروني في صلواتكم القمص أثناسيوس جورج كاهن كنيسة مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد
15 فبراير 2021

عِيدُ دُخُولِ المَسِيحِ إلىَ الهَيْكَلِ

تعيِّد الكنيسة بدخول المسيح إلى الهيكل؛ وهو البكر والابن الوحيد الممسوح من الآب... تقدَّم ليطيع ظلال الناموس ويقدم ذبيحة بحسب ما كانت العادة حينئذٍ؛ بينما هو غير محتاج أن يقدم ذبيحة لأنه هو الذبيحة الحقيقية؛ الذي ظهر في الوقت المعيَّن ليخلص الذين هلكوا؛ وليكون نور إعلان رحمة الأمم وفداء إسرائيل؛ الذي يتقد خلاصه كمصباح وسراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبنا تقدَّم إلى الهيكل كأعمق ما تحمله فريضة تقديم الأبكار من معانٍ؛ صائرًا تحت الناموس ليكمل كل بر وليعتق ويفتدي الجميع من لعنة الناموس... صعد إلى الهيكل لكي يتكرس كحق الله؛ وقدم نفسه رائحة زكية عطرة لكي يقدمنا نحن إلى الله الآب ويمحو العداوة التي استحكمت وينزع عنا سلطان الخطية كان هذا الاحتفال في جوهره عملية تكريس وصعود وتقدمة وذبيحة بذل وقرابين وعبور فصحي... عندما حُمل المسيح إلى الهيكل وهو رضيع على صدر أمه؛ التي قدمتْ ما أعطاها الله إياه - كما نصلي نحن ونقول "نقدم لك قرابينك مما لك على كل حال ومن أجل كل حال وفي كل حال... لأن منك الجميع ومن يدك أعطيناك – بينما هو التقدمة الوحيدة المعتمدة؛ التي جعلتنا قريبين بدمه سالكين في نور وجهه ورحمته؛ وإليه تأتي أطراف الأرض ليجدوا عونهم ومجدهم وفي هذا العيد التكريسي يُقدَّم الابن المتجسد لله أبيه كمثل أعلى للتكريس؛ في هيكل قدسه... عندما أكملت أمه العذراء خادمة المشورة الإلهية أيام تطهيرها الأربعين. حملته على ذراعيها وهو حامل كل الأشياء بكلمة قدرته؛ وهو كلمة الله الجالس عن يمين أبيه؛ لكنه جاء إلى الهيكل محسوبًا بين الأبكار بحسب الناموس... تقدم كقدس وكمكرَّس لله بينما هو الممجد والمتعجب منه بالمجد. حملته أمه وهو قابل الكل مع قربانه؛ ليأتي بالذبيحة لهيكل القدس وليتمم صناعة عادة الناموس؛ وهو سيد الناموس وواضعه... وقد أبطل بذبيحته كل ذبائح العهد القديم وشرائعه الطقسية وأحكامه التطهيرية؛ التي كانت رمزًا لذبيحته التي قدمها بروح أزلي لكي يطهر ضمائرنا من أعمالها الميتة؛ ولكي نخدم الله الحي ويطهرنا من خطايانا مطهِّرًا ومقدِّسًا إيانا بغسل الماء بالكلمة. وتقديم المسيح للهيكل هو (فعل ذبائحي) يتزامن مع تطهير أمه القديسة وتقديمها زوج يمام وفراخ الحمام؛ عندما أكملت أيام تطهيرها حسب شريعة موسى؛ وكان عمر المسيح أربعين يومًا؛ وبينما أمه كلية الطهر أداة الولادة لم تخضع لقوانين الطبيعة؛ فقد ولدته وهي عذراء وبتوليتها مصونة؛ والمولود منها من الروح القدس هو البريء من خطية آدم؛ لكنه أتى إلى الهيكل لإعلان تكريسه وليكمل ما أتى من أجله؛ تكريسًا كاملاً كليًا؛ فصحًا بريئًا؛ فصحًا شريفًا من العيب. بذل به نفسه التي لم تخطئ فداءًا لكل الخطاة؛ وشفع في المذنبين ووهب الخلاص المجاني لكل من يؤمن ويقبَل... وهو الذبيحة الكاملة الفريدة التي تحققت بها وفيها كل ذبائح العهد القديم كظلال ورموز للمرموز إليه؛ مخلصنا الصالح ومنقذنا الوحيد ومنجي نفوسنا من المُهلك. لقد جعل التدبير الإلهي من دخول المسيح إلى الهيكل يومًا احتفاليًا... فها هو سمعان الشيخ البار التقي الذي ينتظر تعزية إسرائيل؛ امتد به العمر طويلاً ليخدم عظمة سر التقوى... ولأنه كاهن قبة التقديس؛ لذلك كان الروح القدس عليه؛ فساقه وقاده لدخول الهيكل لحظة حضور العذراء حاملة المسيح المسيا... وبعد التطهير والذبح والإحراق ورش الدم؛ تعرَّف هذا الحبر البار والنفيس على المسيح في الحال؛ وبجراءة وقدوم أخذه بدالة على ذراعيه؛ وحمل سيد الكل؛ ليتحقق وعد الله له بأن يبقى إلى أن تكتحل عيناه بمرأى مخلص العالم... فروح الله روح النبوة الكاشف الآتيات والحاضرات جعله ينتظر التعزية بتقوى؛ ويتأهل باستعداد للانطلاق من سجن الجسد... فسار بخطوات سريعة ولم يكن إتيانه إلى الهيكل إعتباطيًا أو مجرد صدفة؛ لكنه كان مسوقًا بإلهام من الروح القدس؛ حيث تعرف على المسيح وسط مئات الأطفال ورأى الخلاص رؤية العين؛ وأمسك بالحياة الأبدية بين ذراعيه؛ عندما مد يديه المباركتين نحو سيد الكل وحمل على يديه الذي أخذ بشريتنا على عاتقه؛ وعوضًا عن أن يباركه مثل بقية الأطفال؛ انحنىَ ليتبارك منه "لأن الأصغر يُبارَك من الأكبر" (عب ٧:٧)، فلم يكن سمعان الكاهن هو الذي يقدمه لله؛ بل سمعان قُدِّم لله بواسطته. ساروا به في الهيكل وهو الذي لا تسعه السموات العُلا والذي يسيِّر الأفلاك والنجوم على هُداه... أتت العذراء تحمله وأعطته ليد سمعان الكاهن؛ فهو سر مجدنا وخلاصنا وإكليل فخرنا... حملا الذي يحمل المسكونة كلها على كفه والذي يعلق الأرض على لا شيء... كنز الحياة حملوه طفلاً على الأذرع وسندوا رأسه التي تسند الأكوان وتقيم الجبال الرواسي؛ فلا تميد!! نظروا الأذرع التي فكت أسر الخليقة كلها والوجه الأبرع جمالاً من بني البشر؛ والذي ترتاع الخليقة كلها عندما يحتجب عنها... نظروا عينيه كهدب الصبح وفمه الذي تخرج منه المصابيح؛ واشتموا طيبه كمنبع الطيب والعطر الذي يجعل البحر كقدر عطارة. ففي وسط البر والتقوى والخلاص والبركة والوعد والانطلاق يأتي المخلص لكل من يتوقعه ويترقب حضوره في سعي وانتظار واثق "عَزُّوا عَزُّوا شعبي... طيِّبوا قلب أورشليم... جهادها كمُل... إثمها قد عُفي عنه" (إش ١:٤٠). فعندما بحث سمعان عن مسيح الرب وحمله واحتضنه؛ حمل الحياة ذاتها بيديه الشائختين... احتضنه وطلب منه الانطلاق وسأله أن يحله من رباط الجسد... لينطلق الطير وينكسر الفخ ويرقد بشيخوخة مباركة؛ تتردد ظفراتها الأخيرة "الآن أطلق عبدك أيها السيد؛ لأن عيني قد ابصرتا خلاصك الذي أعددته قدام كل الشعوب". لقد قدم سمعان الشيخ شهادة للخلاص الشامل المقدَّم لجميع الشعوب والأمم؛ بأن الصبي المولود سيميِّز بين فريقين؛ إذ قد وُضع لسقوط (الرافضين) وقيام كثيرين (المؤمنين)؛ لأن علامة صليبه تُقاوَم "لا صورة له ولا جمال مُحتقر ومخزول ورجل أوجاع ومختبر الحزن"... أنه صخرة عثرة وحجر صدمة وكل من يؤمن به لا يعاقب ولا يخزى؛ وتأديب سلامنا عليه وبجراحاته شُفينا. ستُعلن أفكاره في قلوب كثيرة؛ سواء ممن سيؤمنون أو ممن سيقاومون... أمّا يوسف وأمه كانا يتعجبان مما قيل فيه؛ وما ورد أمامهم من شهادة نبوية عن سر الصبي والسيف (رومفايا) أي السيف الكبير الحاد الذي سيجوز في نفس العذراء أمه؛ وهو ما اختبرت مرارته وتجرعتها عند الجلجثة يوم الصليب؛ كما سبق وأُخبرت به. في عيد دخولك يا سيدنا إلى هيكلك نطلب منك وأنت إله ورب الهيكل؛ أن تأخذنا إلى جمال عيدك لنذوق عجيبة خلاصك من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا... كي نعاين جلالك وتسهل لنا طريق التقوى؛ فيكون انطلاقنا وخروجنا من هذا العالم مُفرحًا... من غير خوف ولا خجل ولا وقوع في الدينونة... نسألك أن تمنحنا امتياز رؤيتك وحملك قبل أن نعاين الموت؛ كي نعانقك فنستريح؛ ونباركك؛ فتتقدس العجينة كما أن الأصل مقدس؛ ويتقدس الغصن كما أن الكرمة مقدسة... نتقدم إلى هيكلك لنكون وقفًا أبديًا مكرسًا لك وذبيحة حية مرضية عندك؛ بحُسن عبادة عقلية... أنك حاضر أبديًا وليس لمُلكك انقضاء؛ تمنحنا حياة أصيلة ذات معنى وقيمة؛ قبالة تعقيدات هذه الدنيا وأخطارها... فنصغي لهمساتك الإلهية ونتبعك بكل قلوبنا؛ ونخافك ونطلب وجهك حتى نرجع إلى البيت الأبدي وننطلق إلى المدينة التي لها الأساسات؛ فعندما نأخذك نُمسِك بالحياة ونرى كل شيء من خلالك؛ ومن ثم نقبل أنفسنا ونتصالح مع الكل ويصير تمجيدنا غير منقطع. يا رب في عيدك صيِّرنا مكرَسين لك وعندك؛ واقبلنا تقدمة لك على مذبحك المقدس الناطق السمائي؛ عاملين بأوامرك المقدسة كمسرة أبيك... لأننا في كل دورة حمل ندور حول مذبحك مشاركين سمعان الكاهن البار؛ مقدمين المجد والإكرام (مجدًا وإكرامً؛ إكرامًا ومجدًا) حاملين بشارة خلاصك في أرجاء الأرض؛ مقدمين ذبائح ونذور معقولة لك؛ لأنك قطعت قيودنا ونقلتنا إلى عبادة الروح؛ مُشرقًا علينا بنورك العجيب؛ فنتقرب ونتقدس لك يا قابل القرابين؛ التي بدلاً عنا قدمت ذاتك؛ فإسمح أن نتقدم إلى حضرتك قارعين باب تعطفك؛ كي تُظهر في نفوسنا الشقية مجد أسرارك الخفية. القمص أثناسيوس جورج كاهن كنيسة مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل