المقالات

27 مارس 2020

القُمُّص بِيشُوي بُطْرُس

(من رواد مدارس احد اسكندرية) وُلد ثروت بطرس فى ٦ ديسمبر ۱٩٤۲ بمدينة نقادة محافظة قنا ، من أسرة كهنوتية ؛ فكان جده القمص متياس ، لذلك تربىَ في وسط تقوى أصيل ، جعله يذهب في شبابه ليتتلمذ في خدمة الدياكونية الريفية على يد المتنيح الطيب الذكر أنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة ؛ حيث أخذ يجُوب البلاد والنجوع واعظاً ؛ إلى أن أتى إلى القرى المحيطة بغرب الإسكندرية في طريقها الصحراوى بإرشاد القمص بولس بولس رائد الدياكونية ومدارس الأحد الشهير . أسس الشماس ثروت فروع مدارس الأحد واجتماعات الوعظ للكبار كخادم مكرس في كتيبة الدياكونية الريفية، فبدأ أول خدمة في منطقة الصحراوى (مصر - إسكندرية) على جانبي الطريق لأطراف متباعدة منها (منطقة كينج مريوط -المستعمرة - عبد القادر - العرجى - العامرية - الناصرية - قرى النهضة - العشرة آلاف - النوبارية - بهيج - برج العرب - الغربنيات - الحمام - الضبعة..) حيث كان الأخ ثروت بطرس يجمع الناس في خدمة كرازية بدأها في البيوت والحقول وبذرها من لا شيء؛ بلا إمكانيات ولا زاد ولا زواد ؛ حتى دعته النعمة ليكون كاهناً للمذبح المتنقل في الصحاري والبراري ؛ يفتقد ويزور كل بيت وموضع ؛ بداية من ضواحي الإسكندرية إلى مشارف محافظة مطروح ؛ قبل أن تُبنىَ كنيسة هناك آنذاك ؛ لكنه تشرَّب فكر الإنجيل وكرازة بشارته التي تأسَّست عليها منهجية مدارس الأحد ؛ فأسس الكنيسة كمعنىً وكحياةٍ أولاً؛ حتى أفاض الله عليه بالعطايا عندما بنى الكنيسة كمبنىً ؛ بل وكنائس وقباب ومنارات أعدها العَليُّ لسُكناه ومواضع لرضاه ؛ لأجل استصلاح الصحاري والجُدُوب ؛ لزراعة فلاحة الله ببذار الكلمة .سيم كاهناً في ٤ / ٧ / ١٩٧٥ بيد الأنبا باخوميوس مطران البحيرة والخمس مدن الغربية ؛ بإسم القس بيشوي ؛ وصار باكورة كهنة المذبح المتنقل في القطر المصري لقطاع الصحراء الغربية ..بداية من بوابات الاسكندرية ومحيطها الصحراوي والساحلي .ليكون المذبح المتنقل والقداسات اليومية زاده الوحيد ، حاملاً الأوانى المقدسة للقرى المجاورة (في شنطته المتهرئة الشهيرة)، رافعاً الصعائد والقرابين ومفسراً لكلمة الحياة ، محباً للتكريس وللصلاة والكتاب المقدس ولخدمة الأطفال والكبار، ولخدمة الفقراء والأعضاء المتألمة، وأيضاً اهتم بأعمال التنمية والترقية الريفية؛ محولاً الطريق الصحراوي إلى طريق عامر بالبيع والكنائس المقدسة ؛ وَفِيًّا للروح والطريقة التي تسلمها من رُوَّاد التربية الكنسية والدياكونية الريفية على يد الخدام الكبار أنبا صموئيل أسقف الخدمات الأول وأنبا أثناسيوس مطران بني سويف وم. يوحنا الراهب وم. يسي حنا ود. طلعت عبدة حنين وجيل الأولين الذين رفعوا عيونهم إلى السماء؛ وثبتوا أرجلهم على أرض واقع الإنسان المعذب ؛ كي يعبُروا إليه بالمعونة؛ من أجل الخلاص والإشباع والنجاة والحرية التي صنعها ابن الإنسان الكلمة المتجسد من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا... حقيقة صارت مدارس الأحد هي ثمرة الكنيسة ؛ وأيضاً الكنيسة صارت ثمرتها ؛ فهناك كنائس بدأتها مدارس الأحد؛ وكانت المباني الكنسية تالية لها .. وقد لمستُ ذلك في عشرات الفروع التي أنشأها أبونا القمص بيشوي بطرس ؛ عندما كان يبدأ خدمة قرية بإنشاء فرع لمدارس الأحد واجتماعاً للكبار يتحول إلى كنيسة ومذبح وذبيحة وليتورجيا ما بعد الليتورجيا ، في خدمة العطاء والتوزيع التي أجاد فُنُونها؛ وتطوَّر معها كخادم مُبدع في بساطته ؛ غنياً في افتقاره ؛ بناءاً حكيماً في أرض مَذَلَّته .ترقىَّ إلى رتبة القمصية في ۲٨ فبراير ۱٩٩۲ وقد أعطاه الله من فيض نعمته ، فمن كنيسة في كُوخ صغير؛ صارت كنيسة وكاتدرائية ضخمة؛ ومقراً لأسقفية جديدة وحديثة . رُسم لخدمتها عشرات وعشرات من الآباء الكهنة والمكرسين.. هذا وقد بنى مقودا بذراع الله الرفيعة ؛ أكثر من ٢٠ كنيسة لتكون منائر ومذابح لله وخدمات وملاجئ وبيوت لخدمة الحالات الخاصة ومستشفى لعلاج وخدمة الفقراء ؛ وأعمال مجيدة صار فضل القوة فيها لله الذي استخدم هذا الخادم البسيط والنقي ليكون آلة عمله ؛ حتي يتكامل ويزداد العمل بجهاد وأتعاب آباء جُدُد يستكملوا التسليم حسبما تسير كنيستنا على مر الأزمان . إن الخادم الغلبان ثروت بطرس (القمص بيشوي) رمزٌ وعلامة لخدام مدارس الأحد والدياكونية والقرى المجاورة؛ يجُول ويصلي ويبني ويعطي في خدمة نارية ؛ مهموماً بمحيط رعيته نارياً في خدمته ؛ محباً للفقراء وللتعمير ، يجول في الخلاء وقيظ الشمس حتى أخرجه الرب إلى الرَّحْب والسعة . وستبقى الخفيات في أعماله أكثر من المُعلَنَات ، وسيكافئه الرب عنها جميعاً . وعن روحة البسيطة والوثَّابة الطموحة التي استقاها من تلمذته للمتنيح أنبا صموئيل ومن قيادة القمص بولس بولس لخدمته ، ومن إرشادات أبيه الروحي القمص بيشوي كامل ؛ لذلك تمنطق وغسل الأرجل وأكمل الطاعة وصار قربانةً مطحونة وصعيدة مسحوقة مُقدَّمة كصعيدة حُب؛ ناطقة على المذبح وكشمعة أضاءت الأرجاء ، حاملاً على كتفه صليب الأتعاب والمسافات والظروف والصعاب، عندما مات مِيتات كثيرة في بناء وتأسيس النفوس والمباني بمشورات الله .تنيح بسلام فى ٥ مارس ۲٠۱۳ الموافق ٢٦ أمشير ١٧٢٩ وستبقى سيرته مثالاً للوُعاظ المتجولين ولخدام القرى المجاورة والمذبح المتنقل إلى يوم مجيء السيد الرب . القمص اثناسيوس جورج كاهن كنيسة الشهيد مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد
13 فبراير 2020

فصح يونان النبي

تسمي الكنيسة فطر صوم يونان بالفصح ، لأنه رمز لموت المسيح وقيامته في اليوم الثالث ، فالمسيح استعلن نفسه علي فم الأنبياء قبل مجيئه بأجيال كثيرة ، لان الله تعهدنا بأنبيائه القديسين ، وهو صاحب المبادرة في أستعلان حقيقة نفسه ، علي أساس انه يعلن ذاته علي قدر مستوي نمو وترقي الوعي البشري وإدراكه علي مدي الزمن. فيبلغ بنا من الطفولة حتى نبلغ النضج التدريجي ، وفقآ للاستعلان المتدرج ، إنه إله أستعلان ينتظرنا مهما كنا ،وعلي أي وضع نحن ليعلن لنا سره ، وليعطينا ملء الحياة مشخصه في عشرة شخصه الإلهي الحبيب ، ودعوته لنا في كرازة يونان النبي الكارز تكتسب أبعاد ووعي جديد لكل من يقبل كلمه كرازته الأبدية ، عندما أتي إلينا علي الأرض وعاش بيننا صائرآ في شبه الناس ونادي ببشارة الملكوت والمصالحة بفصحه الجليل . إن الغلاف الذي ظهرت فيه الكرازة والصورة التي نقبل بها بشارة الخلاص ، تلزمنا أن لا نؤجل أو ننشغل بالحقائق وأستقراء النتائج والاستكشاف ، بقدر ما تستلزم المخافة والطاعة وأستعداد التوبة .... لان مسيحنا حاضر علي الدوام وبغتة وأيضاً في كل أوان . يأتي إلينا وينادينا ويقرع الباب بعد نهار الشقاء وأتعاب الزمن المضني ، فهو تنازل إلي أعماق الأرض وما تحت الأرض حتي الي الجحيم ، ليطلب كل غنمه ضاله ويرفعها من الحضيض ويستردها الي بيت الآب ... آخلي نفسه وأفتقر وتنازل من علو مجده وتذلل للغاية ، من أجل حبه ومن أجل أن يكون في متناول أدراكنا ، فشابهنا لنتشبه به وأخذ طبيعتنا ليخدم لنا الخلاص ، ونتسم بسماته ونأتي اليه ، بعد أن أتي هو إلينا ، ليبتلع الخالد والباقي والدائم كل فاني وزائل وفاسد ، وليغلب بحياته الموت الذي فينا ، ويفتدي العالم كله بدم نفسه الشافي المحيي الماحق الموت : فصحنا الذي ذبح لاجلنا. وهو الذي مكث في باطن الارض ثلاثة أيام وثلاثة ليال ، والذي هاجت عليه أمواج بحر هذا العالم حتي الصليب ، وهبط إلي مغاليق الارض وسلب الجحيم وبشر الأرواح الموجودة في السجن ، وفتح الأبواب الموصدة ، وعاد إلي الحياة مرة آخري ، ليخرج الحق إلي الامم ، ويمنحنا كنز ومعجزة خلاصنا التي أتمها لاجلنا ... فكان الحوت ليونان بمثابه القبر للمسيح ، وكما خرج يونان حيآ هكذا خرج المسيح من القبر حيآ ، بعد أن ذاق الموت بالجسد .فلننظر كيف يعلمنا الله بالتدريج ويمهد لنا كي نؤمن وكأننا نصعد علي سلم نكون فيه في درجه تقودنا إلي الثانيه لنبلغ إلي الاخيرة. . أنها رسالة الله لنا وها قول الرب صار لجميعنا ، حتي نقوم ونذهب ونبشر في مناداة الكرازة باسمه ، ولنحترس كي لا نهرب إلي ترشيش ، لان في الهروب ريحآ شديدة ونوء عظيم وانكسار لسفينة الحياة ، ولنفحص أنفسنا كل واحد أمام الله ، ولنطرح عنا الأمتعة التي تثقلنا بها للغاية والتي أغرقتنا ، ولنرجع من هروبنا الذي أنزلنا الي حضيض الجوف في الاسافل ، فجعل غفلتنا ثقيلة ، بينما القرعة قد وقعت علينا ضمن خطة الله لخلاصنا ، وسنكتشف أنه لا يمكننا الهروب أبدآ من حضرته ، عندما نقر أننا السبب في الأنواء العاتية المحيطة بنا ، صارخين لله حتي لا نهلك وحتي لا نعثر أخوتنا ، وتكون علينا دماء برئيه ( نجني من الدماء يا الله اله خلاصي. ) . خائفين الله مقدمين له نفوسنا ذبيحة علي مذبحة المقدس الناطق السماوي ، مع نذور الطاعة والتكريس والاتكال ... لان كل شئ قد أخضعه الرب لنا ، وهو قد أعد الحوت العظيم واللجج والطرق واليقطينه والظل والدودة والرياح والافلاك والازمنه والمناخ وكل شئ من أجل أن يخلصنا ، وتدابيره التي تحوطنا لا يمكن أن يدركها أحد بسهوله . إن العالم كله المحاط بالصخب والغرق وقوي الشر ، جاء إليه مسيحنا ليكون له فصحآ : يكرز ويشفي ويقدس إلي التمام ، فصحآ شريفآ فصحآ برئيآ من العيب ... يهدأ العواصف وتطيعه الريح ، فصحآ قام لينقذنا فصحآ محررآ إيانا من الجحيم كافة ، نصلي إليه وندعوه ونصرخ نحوه وننظر هيكل قدسه ، من بعد إعياء مراعاة الأباطيل الكاذبة ، فنحمده ونعترف له ونمجده وننذر له النذور من أجل نعمه الجزيله . فصحنا حي وقائم كأنه مذبوح ، لا يري فسادآ ويجعلنا نصير ما صاره هو لاجلنا ، وقد أفتدي ربوات الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم ، فصحنا يزيل غمنا فنراه ونفرح فرحآ لا ينتزع منا، فصحنا لا يشاء هلاكنا وقد أعد كل شئ من أجل العرس، وقد أبعد عنا معاصينا كبعد المشرق عن المغرب ، وهدم حصون وأعطانا السلطان وأطفأ السهام وبه وحده نغلب . إن نبوءة يونان هي أشارة مبدعة إلي المصالحة التي كان الله مزمعآ أن يصنعها بين جميع أمم الأرض بدم صليبه ، الذي به صالح الشعب مع الشعوب والنفس مع الجسد ، وما يونان النبي إلا رمز وآيه لهذه المصالحة التي تمت بالآلام الفصيحة ، التي تثبتت عندنا بالكلمة النبوية ، والتي نفعل حسنآ إذ انتبهنا إليها كما إلي سراج منير في موضع مظلم إلي أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبنا القمص اثناسيوس فهمى جورج
المزيد
19 أغسطس 2019

عِيدُ التَّجَلّي

تجلِّي الرب حادث مِفْصَلي في الإنجيل. قَبْلَه وفيه وبعده، فقد أظهر المسيح فيه نفسه محقِّقًا ما جاء عنه في الأسفار المقدسة ونبوءاتها عن المسيا، الممسوح لأجل خلاصنا، قبل أن يتمم تدبير خلاصنا بالصليب والقيامة والصعود... هناك على جبل التجربة انتصر على المجرِّب وأبطل حُجَجه، وهنا على جبل التجلي أعلن مجده الإلهي الفائق قبل رحلة الآلام، ومن مجد التجلي على الجبل إلى مجد الآلام على رابية الجلجثة، فلا تجلي إلا بالصليب.في التجلي تغيرت هيئته وأضاء وجهه كالشمس وصار كله مُشِعًّا بمجد عظيم، وصارت ثيابه بيضاء كالنور، هيئة وجهه صارت متغيرة وثيابه بيضاء جدًا كالثلج مُبيَضًّا لامعًا، وظهر معه النبيان موسى وإيليا الذان كانا قد رحلا من العالم منذ مئات السنين. ظهر معه إيليا الحي وموسى من عالم الأموات، لأنه هو إله الأحياء والأموات، وكانت سحابة تظللهم، وصار صوت من السحابة قائلاً "هذا هوابني الحبيب له اسمعوا"(لو ٣٤:٩).كان معه تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا "للتأكيد المثلث للشهادة"، وهم الذين عاينوا عظمته وسمعوا صوت المجد الأسنىَ المُقبِل من السماء، صعدوا ليروا التجلي وتسلقوا القمم حتى تبْيَضّ ملابسهم... ارتقوا ليعاينوا الجمال الإلهي الذي لا يقدر قَصّارٌ على الأرض أن يُجليه... إنها رحلة رؤيوية كشف فيها الرب عن طبيعته الإلهية النورانية، وعن كيانه المجيد الذي هو عتيد أن يكمله بالآلام، وسيظهر به في مجيئه الثاني الآتي من السموات، المخوف والمملوء مجدًا والدائم إلى الأبد. أضاء يسوع نفسه لأنه هو شمس البر الذي ينير لكل إنسان آتٍ إلى العالم... وضَمَّ إليه رداءه التي هي كنيسته المجيدة التي جمعها في عُشّ أبيه وبيّضها وزينها وغسّلها ومَحَا خطاياها القرمزية لتبيَضّ كالثلج، حوَّط عليها بثيابه التي هي كلام إنجيله "أنفاس الله" لتكون بيضاء نورانية مُشِعّة وطاهرة بنور ضياء كلمته التي لا يقدر أي قَصّارٌ على الأرض أن يبيّض مثلها مهما كانت حكمتهم أو أيدولوجياتهم، لأن كلمته روح وحياة، حية ولامعة... كان مجد الآلام موضوع حديث ربنا مع الزائرين السماويين. فناموس موسى ونبوءة إيليا والأنبياء قد سبقوا ورمزوا للمرموز إليه. ظهرا النبيان في مجد، وسط السحابة النيّرة التي هي شَكِينَة الحضرة الإلهية، ومعهم الابن الوحيد رب الناموس والأنبياء، الذي جمَّع ووحَّد في شخصه العهد القديم والجديد بالرسل، والكنيسة المنتصرة مع المجاهدة.إن مجد التجلي هو استباق لمجد الآلام والقيامة، حيث خروج الرب وسِرّ تدبيره الخلاصي الثمين، وتحقيق الظلال والرموز والنبوءات. حضر الأنبياء كشاهدين لربنا يسوع المسيح، باعتبارهما ممثلين للناموس والأنبياء، وقد ظهر الآن بر الله بدون ناموس، وها مسيحنا القدوس مشهود له من الناموس والأنبياء، وهو حاضر فيهم بالمجد الذي كان عتيدًا أن يكمله في أورشليم.إن عيد تجليك يا ربنا هو عيد المظال الحقيقي، ليس مصنوعًا من أوراق الأشجار ليقدم طعامًا بائدًا، لكنه مزيَّن بنور لاهوتك البهي غير الفاني، في مظلة دائمة أبدية تثبُت بنعمتك... ومجد سحابتك مضيء في مجد صوت أبيك، وفي مَعيّتك موسى الكليم الذي تكلم عن المستقبل وشهد عن ما هو حاضر كل حين، ذاك الذي في وسطنا قائم وسيأتي، وفي مَعيّتك إيليا مركبة إسرائيل وفرسانها الذي حفظته مع مركبته، وهو الآن يراك متجهًا نحو الآلام ولك كل العلو والعمق... لقد أعلنتَ مجدك في ميلادك وعمادك وصومك على جبل التجربة، وسلطانك على الشياطين وإقامة الموتى وشفاء المرضى، وسلطانك على الطبيعة كلها، ومجد تجليك هو إعلان لقيامتك.إن مجد تجليك الذي أظهرته قبل قيامتك موجود أصلاً فيك كل حين، لأنه مجد لاهوتك الذي كان محتجبًا في الجسد، وهو مجد تدبيرك وحضرتك في كنيستك كل حين... لكنه مَخفيٌّ لا يحسه إلا مَن يتبعك ويصعد معك ومَن أردتَ أن تعلنه له. إن مجد ملكوتك الآتي سيَظهَر علانية ويغمر الخليقة كلها، عندما تأتي في نهاية الزمان وتَصِير الكل في الكل. مجدك هذا سيظهر بقوة ليقيم أجساد القديسين، فتتغير إلى تلك الصورة عينها، وتضيء كالجَلَد، وتكون على صورة مجدك عندما نراك ونعاين مجد الحياة والبهجة، وصلاح بر الحق الذي ستعطيه لمن يرتضي حمل صليبك، ولمن لا يترجّىَ له مظالًا هنا، ولمن لا يضع النور تحت المكيال، عندئذٍ تحسبه أهلاً لرؤية مجد ظهورك المجيد، وتغيِّر شكل جسده لتجعله على صورة جسد مجدك، فصليبك هو طريقنا للتمجيد، مدركين نفقة صعود جبل تجليك.إن مجد تجليك في كشفك عن المجد الذي فيك والذي لك، بظهورك بهيئتك الحقيقية الأصلية، التي لونها اللمعان والصفاء البرّاق، أظهرته قبل أن تعلَّق على الصليب لتكمل سر التدبير وآلامك الخلاصية على الصليب المكرَّم (قد اُكمِل)... فرأوك ممجدًا كحقيقتك ومعك اتفاق شهادة النبوءات والشريعة التي انحنت لك يا رب الشريعة وواضع الناموس، حيث تقابلا العهدان وتلاثما وصارا في خيمة الإنجيل.ونحن يا سيدنا بالسجود والصلاة والتبعيّة لك نتلمَّس سِرّ تجليك ممجَّدًا من أجلنا حتى نختبر الارتقاء لملكوتك في شركة ميراث القديسين في النور، حيث يقوم فيك الكل. سحابتك النيرة تغطينا بظلها، وصوت أبيك المفرح يدوّي كي نسمعك ونَقبَلك ونطيعك يا ديان الأحياء والأموات، يا صاحب المظال الأبدية.إن سحابة مجدك والصوت المسموع سبقا وقيلا في معموديتك، فصوت نهر الأردن هو نفسه صوت جبل التجلي (هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررتُ له اسمعوا)... فمضمون المعمودية ومضمون التجلي واحد، والقضية كلها من البداءة إلى النهاية هي فداؤك الثمين وقيامتك. إننا في المعمودية نأخذ العربون وننال بنوَّتنا فيك، والمشروطة بأن (له اسمعوا)عندما نقبَلك ونستجيب لعمل نعمتك ونسلك في رضاك، فننال محبة الله الآب ونعمة الابن الوحيد وشركة وموهبة وعطية الروح القدس. القمص أثناسيوس چورچ
المزيد
18 أغسطس 2019

تمْجِيدُ العَذْرَاءِ مَرْيَمَ وَالِدَةِ الإِلَهِ ( Θεοτόκος)

فِي اللاَهُوتِ الأُرثُوذُكِسِيِّ تقليد كنيستنا برمته يحوﻱ تمجيدًا وتطويبًا للعذراء مريم على مدى الأجيال، وهو ليس منحة ممنوحة لها على وجه التخصيص الشخصي أو بصورة كيفية؛ لكنه مرتبط برسالتها داخل الخطة الإلهية لسر تدبير الخلاص. وكيف أن تكريمها ليس بمعزل عن دورها كمختارة لخدمة التدبير من أجل خلاص الناس وتتميم مقاصد الله الأزلية، كي بقبولها الحر المباشر تصير الشرط البشرﻱ الموضوعي للتجسد العجيب، وبإسهام إيمانها وطاعتها الفورية، وبطهارة تكريس نذرها صارت لها صلة فريدة.بالله الكلمة المتجسد . تارة بالقبول الكامل من جهة، وبالعطاء المطلَق من جهة أخرى، استحقت أن تكون كرمة حقيقية حقانية، حاملة عنقود الحياة، ومن ثَمَّ صارت شفاعتها قوية ومقبولة عند مخلصنا، تشفع في كل حي كحواء جديدة؛ وكأم قادرة رحيمة ومعينة، وسُور وحصن للخلاص تنظر إلينا من المواضع العلوية وزينتها في السموات. لذلك استشفاعنا بها وتمجيدنا لها ليس بحالٍ من الأحوال حالة عاطفية أو وجدانية فحسب، بل لها أساسها في اللاهوت الكتابي والكنسي المستقيم. وهي التي أوصت الكنيسة كلها عبر الأجيال كي تفعل كل ما قاله لنا ابنها وملكها ومالك الكل. فهوذا منذ بشارتها تطوِّبها جميع الأجيال؛ لأن القدير صنع بها عظائم، وقد أتى تمجيدها بشكل ثابت من مكانتها كوالدة الإله القديسة في كل شيء، وأم ملكنا ومخلص كل أحد؛ أصلنا ومركزنا الوحيد والوسيط الشفيع، الذﻱ به وعليه يستند كل شيء، ابنها الوحيد الجنس بِكرنا ورب الكل. فهي مكرمة من أجله، ومن أجل سر حياتها كعرش العليّ، ومن أجل بهاء ولمعان نقاوتها؛ عندما خضعت للإرادة الإلهية وصارت أَمَةَ الرب، وقبلت أن تحيا كقوله، ممتلئة من النعمة والرب معها، وظللتها قوة العلي؛ كون القدوس المولود منها يتجسد بسر معظم لا يُنطق به ومجيد. لهذا رأتها الكنيسة كيمامة جليلة تصيح بالفرح وببهجة الخلاص الثمين؛ لأن عنقود كرمتها قد أثمر رأس يُنبوع الحكمة بالفهم العالي، الذﻱ للإناء المستور قبل كَوْن العالمين، محتوٍ للنور من النور في حضن الآب كل حين... رأتها ككنز خفي حامل للأسرار وبها الوعد وُفِّي لسائر الآباء الأبرار، وهي أيضًا مظلة وينبوع وفجر مشرق بالتهليل، ليروﻱ ويُشرق ويبارك ويمنح البركات والخيرات؛ مزيلاً كل اللعنات. فمِنْ حقل كرمتها المشهور أتى الفائق الجوهر الذﻱ يفوق كل كنز أبهر. ومنها ظهر الزرع الإلهي المثمر وسط عالمنا المُقفِر.. وابنها الفادﻱ القدوس هو الذﻱ صَيَّر المشجوب مبرورًا؛ وأنار بخلاصه العالم كله، ولاح فجرُهُ بالإشراق على الجالسين في الظلمة وظلال الموت، فبينما هو صانعها وجنينها، وبينما هي بيده مبدوعة؛ إلّا أنه وُلد كصبي منها كالتدبير، وجعلها سفينة نجاة كنوح جديد. نجمتها بدرية وحقلها مبرور؛ لكنه مع كونه غير مُفَلَّح من ذاته إلا أنه فَلَّحه وسقاه روحه القدوس الصريح. وبه صارت رجاءً لمن خاب رجاه (أُم وعرش وعذرا) (بِكر وبتول وعروس)، وجعلها شفيعة ومعينة لمن يريد، ونموذج صلاح للتائبين والسالكين على الدرب، دواؤها يُبرئ التعبان؛ وقُوتُها فاق الأثمان وزهرتها روعة البستان، وثمرتها استُعلنت بالظهور المحيي بأجلى بيان، وأَمَة عروسة الديان. تمجيدها صار تعزية وبركة للصديقين والمستقيمين؛ لأنها ولدت مخلص العالم الذﻱ أتى وخلص نفوسنا من الموت والندامة، وتعظيمها صار لأنها أم نور العالم الذﻱ لا يُدنىَ منه، ملكة الكل التي قامت عن يمين الملك؛ وسلامها مليء بالروح القدس القدوس، وإيمانها ودعتها عاشتهما عندما آمنتْ بما قيل لها من قبل الرب. فآمنت وتكلمت وعملت واستحقت النعمة والفرح وشرف أن يكون مولودها قدوس القديسين، وبه أضحت هي المجمرة الذهب النقي الحاملة العنبر المختار، ومدينة أورشليم التي قيل عنها أعمال مجيدة، كسماء ثانية ومنارة ذهبية حاملة جمر النار وبخور العطر؛ حيث العليقة المرموز إليها كحاوية لجمر اللاهوت تسعة أشهر في أحشاها ولم تمسسها بأذِيَّة.. تابوتها مغشًّى بالذهب الحق من داخل ومن خارج، وقِسْطها ذهبي موضوع فيه من الحياة، وقد أفرخت وأينعت كعصا هارون، وصارت هي لوحا الشريعة الجديدة، وباب المشارق الذﻱ أتانا منه إله الكل ومجده ملأ البيت. أم وعذراء، ملكة وعبدة، دخلها الكلمة اللوغوس فصار صامتًا في بطنها. سكنها راعي الخراف الناطقة فصار حَمَلاً يحمل خطية العالم كله، حملته غنيًا قديرًا ومشيرًا ليعين المجرَّبين وينتشل الخليقة. تمجيدكِ يا عذراء في دوركِ الذﻱ حان في ملء الزمان، عندما أرسل الله ابنه مولودًا منكِ حسب مشورته الخفية، لتكوني خادمة لسر التدبير؛ كجسر الله إلى العالم؛ وكسُلَّم يعقوب الحقيقي حيث حَلَّت عليك الشكينة؛ وصرتِ مسكن الله مع الناس ومقر المجد الذﻱ بات هيكلاً جديدًا؛ وخيمة اجتماع ملكوتية الأبعاد، وما كان رمزًا؛ أضحى بكِ راهنًا. لذا أبدع الآباء في تطويبها؛ ووصفوا حِجَالها ومَعْمَلها وكنزها وشمسها وقمرها وسماء فضيلتها السرائرية؛ كمركبة نورانية شاروبيمية، تهيأت لحمل حامل كل الأشياء بكلمه قدرته. ووجدوها أصل كل تعظيم، وبسببها أعلن الانجيل (مبارك الآتي باسم الرب) لما أتى منها سيد الكل وقاهر الموت ومحطِّم الجحيم.. ولما خرج من بطنها صانع الخليقة الأولى ليُصلح فساد الإنسان الساقط، وبيده ملكوت السموات. نمجدكِ يا عذراء يا أمنا لأن ربنا يسوع وُلد منكِ حسبما أراد هو، وسكن في هيكلكِ الذﻱ بناه هو بنفسه، جاعلكِ مصباحًا لا ينطفئ وتاجًا للطهارة والفضيلة، وعتيق الأيام تجسد جنينًا في أحشاكِ وهو غير المحدود.. لذلك لا توجد كلمات بشرية ولا تعبيرات لغوية يمكن أن تصفكِ؛ ولا ألوان ترسم أيقونتكِ العجيبة يا ابنة داود، يا من سكن فيكِ الكلمة وحملتية ودللتيه وأطعمتيه، وكنتِ أمه في المزود والهروب إلى مصر وعند الصليب؛ وجاز فيكِ السيف من كل جانب؛ حتى نزوله على الصليب وتكفينه وقيامته وإلى صعوده في جبل الزيتون. فأنتِ من أرضعتيه من لبن محبتكِ وأجلستيه على ركبتيكِ، وصرتِ مثالاً للذبيحة السمائية، وأيقونة من أخذتْ النور والحق والحياة في حضنها، فمنحكِ الدالة عنده، وجعل بشارتكِ بشارة عهد النعمة وحضور الرعاة وسجود التسبيح ومجد الأعلى وسلام الأرض ومسرة الناس، ودخول الهيكل وحمل نور الخلاص وبصيرة الانطلاق. فأحشاؤكِ قلبت المعايير وحوَّلتها، حالما أتاكِ مُثبِّت الأنظمة وخالقها، وصنع عندكِ مكانًا لنفسه، وبقوته وخوافِيهِ حماكِ، ولا توجد لغة تعبِّر أو تقترب لتعبر عن هذا التدبير، الذﻱ به نزعتِ شوكة الفساد والموت واللعنة، والذﻱ به مات الموت وانهدم الجحيم وانغلبت الهاوية، وظهرت القيامة وأعلنت بصمتها لبراءة الكل من العصيان، وبجسد المخلص صنع الشفاء وختم كيانه على إنسانيتنا؛ مبارِكًا طبيعتنا فيه، تلك التي اتخذ عَجْنَتَها منكِ بميلاده العذراوﻱ الأسمى سمو السماء وعظمة الأبدية. القمص اثناسيوس فهمي جورج
المزيد
17 أغسطس 2019

مريم العذراء ام العبد المتألم

منذ ولادتها ولدت لأبوين عاقرين هما يواقيم البار وحنة ،وكانا قد نذرا مولودهما للهيكل ،قبل الولادة وربما كانا يتمنيا ولدا ذكرا ليحمل اسم الاب كعادة اهل الشرق ،لكنها قدمت انثي ولكونهما نذراها ،فقد سكنت الهيكل ليكون بيتها الاول والوحيد مع النذيرين ،وعندما كبرت وبلغت التغيرات الفسيولوجية تبدو عليها ،وقعت القرعة علي يوسف الشيخ البار لياخذها الي بيته ،خاصة بعد انتقال والديها المتقدمين في السن عند بلوغها الاثني عشر من عمرها ...ومنذ ذلك الحين والي ان أتتها البشارة بالحبل الالهي وعلاماتها ،التي تلازمت مع الشك والريبة بالأمها النفسية والجسدية ،حيث راحت مريم الفقيرة النذيرة تتحمل الام امومتها الالهية منذ البشارة و ماصاحب ذلك من شك عند يوسف البار الذي اراد تخليتها سرا ، ورحلة ولادتها لابنها في بيت الناصرة لا كسائر الامهات اللائي يستعدن لولادة اولادهن ،لكنها تكبدت مشاق السفر المضني من الناصرة الي بيت لحم لتكتب المولود في اكتتاب الاحصاء العام ،ولكي يظهر المسيح في مكان مجد يهوه ،وفي بيت ابيه ونسبه لذرية داود الملك حيث اتتها الام المخاص ولم يكن لها موضع سوي مزود المغارة ،التي تحولت الي سماء ونجوم وتسبيح وسجود وهدايا وملائكة وهتافات علوية بمجد الأعالي وسلام الارض و مسرة الناس ،حيث عظمة العلي قد\\ \\حولت الارض سماء وجعلت المغارة لاتقترب ،لان النور اشرق ومحا الظلام والغني حل عوض الفقر والقحط ،وفي الموضع ولد راعي الحملان الناطقة الذي اتي ليحول بهيميتها الي انسانية الخليقة الجديدة . ثم سمع صراخ الرامة ومخاوف مجزرة اطفال بيت لحم وعويل وصوت الانين ،علي هؤلاء الذين فدوا بشهادة دمهم الطفل المولود وماتبع ذلك من هروب والام نفي وتشريد ومشاقات تكبدتها مريم العذراء ،وحتي رجوعها في عودتها وسط الاتعاب ،التي استمرت عند بحثها عن الصبي في الهيكل وحنق الكتبة والفريسين عليه ،الي يوم القبض والمحاكمة والصلب والتكفين والدفن ثم استضافتها في بيت يوحنا الحبيب ،وسط رحلة الام ودموع بقدر ماسال من دم جراحاته الشافية المشفية . قبلت الالام وخضعت للناموس وصعدت الي الهيكل لتقدمه الي بيت ابيه وهي عالمة انه ابن العلي وانه هو رب الهيكل وبانيه ،وانه هو كلمة الله ذبيحة العالم كله ،قدمته بامومتها المسيانية كصعيدة الصعائد وكمحرر للعالم من اسر ابليس المنجوس ،لكنها ومع ذلك خضعت للشريعة وفي فقرها قدمت فرخي الحمام، بيقين ان ابنها هو مكمل الناموس ،وهو العلامة الوحيدة الحية للخلاص الفصحي علي الصليب ..قدمته مما له علي كل حال ومن اجل كل حال وفي كل حال ،وهو وحده ملئها وتقدمتها الممكنة والمقبولة ابديا ،غفرانا للخطايا ونور مجد الامم وعزاء خلاص الشعوب .،،،،لكنه في الوقت عينه هو العبد المتألم الذي تمجد بالالام ،وبذل ظهره لسياط الضاربين وخده للناتفين وترك وجهه للبصاق والتعيير ،حتي ان صورته لم تكن لتنظر ولم يكن له بهاء منظر ،مزدري ومرزول وهو رجل اوجاع ومختنر حزن ( اش ) لذلك وبذلك جاز السيف الطويل المخيف romphaia عبر حياتها كلها ،في فقر وشك ومخاض والالام ومطاردة ووجع وعري وجلد وهزئ وشوك ومسامير وصلب ودموع ،حتي المعصرة والجلجثة ....وهالكنيسة علي مثال العذراء مريم تتالم حتي اليوم ،وتسجل كل يوم رحلة صليب العبد المتالم والقائم من الاموات ،في شركة الطريق ،لانها لاتعرف شيئا الا يسوع المسيح واياها مصلوبا ،وتتمم في جسدها ( اعضائها ) مانقص كمطابقة المثيل لمثيله ،فياعذراء ياام العبد المتالم اشفعي في المشردين والمنفيين والمنحورين في عالمنا ، لان شفاعتك قوية ومقبولة وقد غيرت الازمنة في قانا الجليل فغيري الازمنة ياقوية في الحروب ومعدن الجود والبركات. القمص أثناسيوس چورچ
المزيد
23 فبراير 2019

خِدْمَةُ الْمُحْتَاجِينَ

خدمة محبوبة ومتصلة اتصالاً وثيقًا بالإنجيل؛ ذلك أن المسيح اعتبر نفسه ضمن إخوته : الجوعى والعطاش والمحتاجين إلى الغذاء والشراب، إخوته العرايا المحتاجين إلى الكساء والدفء، إخوته الغرباء والمحتاجين إلى المأويَ والمساعدة، إخوته المرضى المحتاجين إلي العلاج والزيارة والمواساة والتغذية والتدعيم؛ خاصة ذوﻱ العلل المستعصية، إخوته السجناء المحتاجين إلى الحرية والتغذية والتقويم ... أكد المسيح أن خدمة المحتاجين هي خدمة مباشرة له هو، وان هذة الخدمة تقدم خفية وعلانية وستعلن لأصحابها في اليوم الاخير. ( مت ٢٥ : ٣١ ) ويمكن أن يضاف إلى قائمة (المحتاجين) الأيتام المحرومين من الأمومة والأبوة، والمحاصرين بالهموم والحزانى والمسنين الذين يعيشون في بيوت خاصة بعيدًا عن ذويهم، وذوﻱ الاحتياجات الخاصة، والمحرومين من بعض الحواس؛ كالمكفوفين والصُم والبُكم، والمرضى النفسيين، وبعض هذة الفئات تعمل الكنيسة على خدمتهم والعناية بهم بسخاء وسرور؛ كقديسين وككنوز فيها، أحباء للرب وإخوته وخاصته الخصوصيين ولا بُد أن نضم إلى هؤلاء فئة المضطهدين والمهمشين والمهجَّرين، الذين شُردوا وحُرقوا واستُبيحوا من أجل الإيمان بالمسيح، خلال العشرة سنوات الماضية تحديدًا، فما أعظم مكافأة المؤسسات والخدام الذين سيغمرهم العطاء الإلهي من أجل أتعابهم؛ ولو أدرك أﻱ خادم فيض البركات التي ينعم بها الله عليه إزاء خدمته مهما تضاءلت؛ لَمَا تردد أو تخلف عن خدمة أﻱ محتاج، وها هو الرب يؤكد أنه حتى أصغر الخدمات لن تُنسىَ قدامه، بل هي محفوظة عنده، ( ومن سقىَ أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط بإسمي، فالحق أقول لكم إنه لا يضيع أجره) ( مت ١٠ : ٤٢ ) ( مر ٩ : ٤١ )؛ لأن الله ليس بظالم حتى ينسى عملكم وتعب المحبة التي أظهرتموها نحو اسمه؛ إذ قد خدمتم القديسيين وتخدمونهم ( عب ٦ : ١٠ ) كل من يرحم يُرحم، وكل من يعطي بسرور يحبه الله؛ ويعطيه بسخاء كيلاً جيدًا ملبدًا مهزوزًا فائضًا؛ لأن خدمة الجائع والعطشان والعريان والغريب والمريض والسجين والمرذول هي شهادة على صدق الإيمان بالمسيح ومحبته ( مت ٢٥ : ٣٤ )، كما جعل الرب إهمال هذه الخدمة بسبب الانحصار في الذات، إنكارًا للإيمان؛ والنتيجة هي السقوط من رحمه الله (فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدﻱ) ( مت ٢٥ : ٤٦ ) ولأن خدمه الآخر تنطلق من إنكار الذات؛ فهي تسهم بالتالي في تراجعها؛ والانشغال بتخفيف آلام الآخرين وسد احتياجاتهم ومشاركه همومهم. وبقدر ما نتجرد ونتسع؛ يحضر فينا المسيح بغناه ورضاه، (مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ) ( أع ٢٠ : ٣٥ ) الملكوت الآن في طور التحقق عمليًا؛ حتي يوم وصول العريس السماوﻱ... ملكوت حاضر، ملكوت قريب، ملكوت على الأبواب، ملكوت حالي وواقع ومستقبلي؛ دشنه مسيحنا ليبشر المساكين ويشفي منكسرﻱ القلوب؛ ويطلق المأسورين وينعم بالبصر للعميان ويمنح المنسحقين حرية؛ ويكرز بسنته المقبولة، وها اليوم يتم المكتوب في مسامعنا عبر خدمة المحتاجين؛ حينما لا نقف بطّالين متفرجين؛ بل ساعين لخدمة بشارة الملكوت المكتشف بتطبيق عملي واستغناء عن قيم العالم الكاذبة المزيفة، فالذﻱ يعمل أعمال الملكوت : يدخله ويدركه ويُشفىَ ويتبع الملك؛ لا بالحصرية أو الدفاعية بل بإنفتاحه نحو الآخرين؛ الذﻱ يعكس إنفتاح الله نحو أولاده المشردين والمنبوذين والمبغضين التطبيق والممارسة في خدمة المحتاجين هما طريقتنا في المساهمة في بناء ملكوت الله، وهي إعلان يسوع لملكوت الله في ضوء التوقعات المعبر عنها في شخصية العبد المتألم (أش ٥٣)؛ الذﻱ يحرر المظلومين والمسحوقين؛ والذين يعانون من العمى والصمم الروحيين، فيعلن ملكوت رب الجنود... ملكوت إلهنا وتحقيق المأمورية والبوصلة العظمى بصناعة الرحمة وأحشاء الرأفة في خدمة كل محتاج. القمص أثناسيوس چورچ كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج - الاسكندرية
المزيد
09 فبراير 2019

لاهُوتُ الوَقْتِ للوَقْتِ عَلاَمَةٌ

في أي امتحان يكون للوقت علامة، بحيث تكون الإجابة الصحيحة بعد انقضاء الموعد المحدد بلا معنى، لأنها أتت في الوقت الضائع، وبالتالي يكون للوقت الحاسم في تحديد العلامة المؤشر الدقيق للمستوى الذي يؤهل الممتحن للوصول إلى أعلى مستوى. لذلك بكل الجهد نفتدي الوقت، كما نصلي قائلين: (تُوبي يا نفسي ما دُمتِ في الأرض ساكنة) لأن هذا العمر ليس ثابتًا وهذا العالم ليس مؤبدًا. علامة وقتنا هي أعمال الملكوت؛ من دون التعريج بين محبة الله ومحبة العالم؛ إذ لا يمكن أن تنظر إلى السماء بعين وتكون العين الأخري ناظرة إلى الأرض في نفس الوقت؛ حتى تبلغ الشرارة مكان زيت النعمة، وتخرج قوة عظيمة من أيادينا، ولا نسلم إناءنا ليد عدونا الشرير، الذي يزأَر ليُلهينا حتى يختطف إناءنا، التي هي أشواقنا الصالحة التي يجب أن تخدم الله نهارًا وليلاً وكل الأوقات. فعلامة وقتنا هو امتحاننا وسلوكنا على طريق الملك، محروسين بعناية الملائكة القديسين ليلاً ونهارًا، مع كل السالكين بالنهار وبالليل، الذين يجتهدون من أجل حفظ نفوسهم من عثرة المهالك، فيكون تعب جهادنا حلوًا وشهيًا بلا ملل ... لأن الطوبىَ لمن يبقى في تعبه فرح القلب؛ ويدوم فيه بلا تكلف حتى باب الفردوس المفتوح. وكل واحد عمله محسوب له، إن كانت خدمة أو صلاة أو ميطانيات أو عمل خير أو ليتورجيا، فحتى الكلمة الواحدة التي يقولها الإنسان بالمحبة المسيحية في شأن الله للتعزية ... هذا كله محسوب؛ لأن مخلصنا لا يظلمنا بشيء، وكل شيء سوف يُستعلن لنا وقت خروج النفس من الجسد . الإنسان مدعو في حياته الأرضية أن يجعل من الزمن الحاضر وسيلة لتذوق الأبديات، على مسار تصاعد الزمن، لملاحظة علامة الوقت بحرص والالتفات لتحويل بصره في انتباه نحو الوقت المقبول، لأن اليوم يوم خلاص، ويوم غرس وزرع وجمع للحصاد وتخزين، فيكون خلاصنا دائمًا موضع سعي وإكمال، ولا سطوة للزمن علينا، بل يكون الزمن خاضعًا لنا، نقر ونختار مصيرنا، متحررين من المفهوم الدائري للزمن، متجهين إلى أبديتنا في اليوم الثامن الجديد. نملأ آنيتنا زيتًا دون أن نهمل فيها ثقبًا، حتى نصل إلى نهاية سعينا التي هي (علامة للوقت)؛ لئلا يصير الإناء فارغًا مما فيه، بل نحيا أمناء للوصية؛ لأن الله مخفي فى وصاياه، حتى يقبل تعبنا منا ولا يضيع ... حريصين على حالنا مميزين أعمالنا، ولا يلحقنا تفريط. عالمين أن التوبة قائمة الآن ومستعدة، وكل الفضائل تلحقها مثل السلسلة لكل من يجاهد فيها. وشأن التوبة جليل وعظيم، وهي حسنة العاقبة إلى الأبد، كسُلّم خيرات الحياة الدائمة. فنحيا ونجتاز وقتنا دون غفلة ولا استرخاء ولا دفن للوزنات ولا انعدام للنعمة بترك العلل والمطامع في نفوسنا، حتى نمضي إلى الرب بدالة، ووجوهنا مكشوفة وأعمالنا نيّرة؛ كي نستحق الدخول إلى أورشليم السمائية . لكننا لن نقوي على اجتياز الوقت، إلا بقوة ونعمة الله المقدسة، لا نميل يمنة ولا يسرة؛ بل نسلك في الطريق المستقيم كأولاد للنور، بذبيحة الروح المنسحق الخاضع لترتيب الروح القدس، والارتماء على الله والثقة به؛ لأن عنده طعام الفرح وخبز الخلود؛ ومَصل عدم الموت ونبع الخلاص وماء الحياة وحلاوة كل الحلاوة . إيماننا هو منبع التقوي، لذلك منذ الآن ينبغي أن يكون كل واحد منا كنيسة لله، لكي نرسل إلى فوق المجد والإكرام للثالوث الاقدس، باعترافنا بالإيمان الأرثوذكسي. مهتمين بكرمنا في أوان الإثمار؛ حتى لا ندع الثعالب المفسدة تُتلفه، وبشجرة حياتنا لئلا يبدد طرحها طيور السماء، وبكنزنا حتى لا ينقبه السارقون، وبمركبنا التي وسقت الخيرات الملكية لئلا يفسد العدو خطتها ... متمنطقين كجنود بأس في ميدان الركض، حتى يأتي وقتنا لنقول عند علامة النهاية يا ربي يسوع المسيح في يديك أستودع روحي .. القمص أثناسيوس چورچ كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج - الاسكندرية
المزيد
02 فبراير 2019

التَّعَصُّبُ

التعصب أساسه وسببه يكمن في الآراء المسبقة المشوَّهة عن الآخر المختلف دينيًا... فالجهل دائمًا يقود إلى التعصب، والمقصود هنا هو الجهل بالآخر وعدم الإلمام الصحيح بكينونته وقد سُمي التعصب بالمَقيت؛ لأنه يدفع إلى إلغاء العقل؛ وخوض جدالات وتصورات ينعدم فيها الاحترام؛ ويجعل التربة خصبة للإتهام والتعدي والخوض في أمور لا يفقه فيها المتعامل ألفها من يائها... وانتشار طريقة التجهيل بالآخر المختلف والتحريض عليه؛ هو الذي كرس الازدراء والافتراء وانتقل به من التفكير إلى التكفير، ومن التعايش وقبول الآخر كما هو يدرك نفسه؛ لا بناء على تصورات مغرضة ووهمية مسبقة؛ إلى النفور والتباعد... وجميعها قد صعبت المعاملات والجوار، وفتحت الأبواب على مصراعيها للاعتداءات والمشاحنات التي أودت بحياة البشر وبمقدَّراتهم. لقد جعل التعصب الجو خانقًا وهشًا متوترًا وسريع الاشتعال... قسّم الناس وفرض العُزلة الاجتماعية، وصنف البشر، وتسبب في رفض الإنسان الآخر بحجج دينية تفشّت على نطاق واسع، وللأسف الظروف السيئة تنتج تشريعات سيئة، غير أن الظروف السيئة مرحلية ومؤقتة؛ أما التشريعات فهي مستمرة ودائمة... لكن إدارة الظهر للمواطنة ولتحقيق العدالة والتعايش يسيء إلى الدين نفسه ويؤخر الوطن كله؛ ويجعله مرتعًا للتعصب... لأن الحاضر يصنع المستقبل؛ وما عرف وطن مستقبلاً من دون المواطنين جميعًا؛ ومن دون وحدتهم في المساهمة لبناء هذا الوطن الذي يجمعهم على أرضه. علاج التعصب لا يكون مؤقتًا مثل مخدر أشبه ما يكون بحبة الأسبرين؛ لكنه إعادة صياغة تطال التعليم والإعلام والقوانين ودور العبادة والمؤسسات كلها.... هذا العلاج المخلص هو الذي يحفظ صيغ المواطنة حتى لا تنقلب طريقة التعايش رأسًا على عقب... وقد أوصى السيد المسيح كل مسيحي أن يحب الكل كقريبه؛ وصولاً إلى محبة الأعداء واللاعنين والمبغضين... وأي تعصب يأتي على المسيحي بسبب إيمانه فهو لأجل امتحانه... لذلك لا يستغربه إذن وكأن أمرًا غريبًا قد أصابه (۱ بط ۱۲:٤)... وكل من يُعيَّر بسبب اسم المسيح فالطوبى له وروح المجد والله يحل عليه... وداعة المسيحي تعني المسالمة ولا تعني الخنوع؛ كما أن شجاعته تعني مطالبته بحقه وإلتزامه بواجباته؛ لكنها لا تعني التطاول والتخريب... المسيحي الحقيقي على قدر طاقته يسالم جميع الناس؛ ويسلك بالسلام والمحبة والعطاء بأمانة كما سلك السيد المسيح وأوصى "على الأرض السلام" (لو ۱٤:۲). عكس التعصب (الغيريَّة) التي هي قبول الآخر؛ وهي ثمرة تلاقح الأفكار والمعاملات؛ وهي أيضًا ثمرة جدلية التعددية بين كل البشر الذين خلقهم الله على صورته ومثاله من كل لون وعِرق ودين وقومية... فالغيرية عكس الميكافيلية التي فيها الغاية تبرر الوسيلة... لأن الإله الحق لا يُعبد بالقهر؛ وهو لا يحتاج أن ينصره البشر؛ بل هو الذي ينصرهم ويعينهم... إنه إله الرحمة والعدل الذي لا يرضى بالظلم والقهر وكل صور الإكراه والترهيب... وعلى أساس كلمة الله تأسست الحقوق الإنسانية بدساتيرها وأدبياتها؛ وصارت سبب تقدم الأمم وأثمرت إبداعات إنسانية وتطورات الحضارات؛ والتي نتمنى لبلادنا أن تكون من بينها؛ بل وفي مقدمتها. إن كل المتعصبين على سطح الكرة الأرضية هم ليسوا أصحاب تكوين معرفي متوازن؛ وهم لم يتعرفوا بعد على حقيقة طبيعة الله وكلمته ووصاياه؛ إذ لا يمكن أن يرضى الله بالتعصب المقيت الذي يتسبب في هدر دماء الذين جبلهم؛ ولا يمكن أن يرضى بالحرق والسلب أو بقمع الذين خلقهم ليكونوا أحرارًا... وهو لا يرضى بالعصبيات التي تعصف بجمال خلقته مهما كانت دوافعها ومسمياتها. حوادث كثيرة تأتي في سلسلة بداياتها شرارة معروفة؛ لكن نهاياتها متحولة مجهولة بسبب التعصب ضد الآخر؛ إلى حد اشتهاء إلغائه وإبادته وحرقه، بعد نزع ملكيته وإنسانيته؛ فمن كثرة الاعتياد صار التعصب إدمانًا عند البعض، وتأسيسًا على ذلك كله يمكن القول بأن هذه الأحداث المتكررة هي في سياق واحد تعبر عن غياب التسامح والصدق والمواطنة والتنوير... من له أذنان للسمع فليسمع!!! القمص أثناسيوس چورچ كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج - الاسكندرية
المزيد
31 يناير 2019

الشهداء المعاصرون والسنكسار

حافظت كنيستنا على سيرة شهدائنا بوضع سيرتهم في السنكسار لتكريمهم كتيجان مجد وقلائد بطولة لجهاد ُمظَفَّر، وكدَرْب مُوصِّل للمدينة التي لها الأساسات في الوطن السماوي الأفضل. ويُعتبر السنكسار دليلاً وكتالوجًا لمعالم رحلة تسير نحو الله والملكوت السماوي.. وهو يحتوي على خريطة تحفظ جهادهم وانتصارهم حتى غلبتهم وعبورهم. وإنْ كُنَّا بعد مذبحة عيد الميلاد في غاية الأسَى والكَمَد بسبب القتل والإبادة المتواصلة وذلك الاستشهاد الجماعي, إلا أن الله يُنهضنا للتذكرة ويُنير أمامنا طريق الحياة والخلود, ويجعل الرجاء يُشرق فينا كمصباح منير في موضع مظلم, كي لا نقف عند البكاء والحزن بل لنجتاز ونفهم أن الآتي سيأتي ولن يبطئ, وهو وشيك أن يختم هذا الزمان ويُنهي مصارعة قوات الحجيم والظلمة. لقد عاصرنا في هذه السنين القليلة استشهاد شهداء كثيرين في التوفيقية وكفر دميان والقوصية والكشح والفكرية والعياط وسمالوط وديروط والأسكندرية والزيتون ونجع حمادي، وسالت دماء غزيرة وعزيزة خَضَّبت كل أرجاء مصر لشهداء أبرار وبررة, لُكِموا وسُلِبوا وأُهْدِروا ونُهِبوا وقُتِلوا وعُذِّبوا, لا لسبب إلا لكونهم مسيحيين. تعمدوا بدمائهم واصطبغوا بها لأجل الشهادة التي كانت عندهم, ثم ذهبوا إلى البيت الأبدي الغير مصنوع بيد. وورثوا ملكوتًا وعرشًا وقُدْسًا وعُرْسًا لا يَفْنىَ ولا يضمحل, فما أتْفَهُ الزمن عندما تقيس به أعمال الروح وما أعظم أيقونات هؤلاء الشهداء اللابسين الثياب البيض اللامعة وفي أيديهم الشبع والسرور وكل مشتهيات الاتقياء, بعد أن ذُبِحُوا بلا ذنب اقترفوه سِوىَ أنهم لا يدينون بما يدين به غيرهم. أليس من يُسْفَك دمُه من أجل الاعتراف العلني يستحق التقنين الكنسي كشهيد وكمعترف, فالتاريخ الكنسي يذكر أنه حتى الموعوظون قبل معموديتهم يُحْسَب لهم استشهادهم ما داموا قد نالوا (الصبغة) معمودية الدم فكم بالحري هؤلاء الشهداء المؤمنون المعمدون المستنيرون. إنني أذكر أن القمص غبريال عبد المتجلي تم تهشيم رأسه بالبلطة لرفضه النطق بالشهادتين, وعند استلام رفاته من المشرحة لم تكن له جمجة, وهناك شهداء آخرون قُطِعتْ ألسنتهم وطُعنوا في صدورهم لأنهم أصَرّوا على نفس الرفض. لقد قال قداسة البابا شنودة الثالث عن شهداء نجع حمادي (إنهم شهداء بالحقيقة وأن دمهم يصرخ عند الله وأن الله اتخذ موقفًا لدمائهم البريئة) وها عشرات الآلاف التي خرجت لتشهد لمذبحتهم ولأجل تكريمهم في كاليفورنيا وسياتل ونيويورك وملبورن وسيدني وإنجلترا وفرنسا وألمانيا واليونان وهولندا وقبرص والنمسا وفي كل مدن العالم، وكذلك وقفة الشموع المضيئة التي وقفتها الآلاف أمام المقر البابوي, إنما تساهم جميعها في الإجماع الشعبي بل والعالمي لتقنين هؤلاء الشهداء في سنكسار الكنيسة المقدسة خاصة بعد هذا الإجماع الموضِّح لليقين الخاص من قِبَل هذه الجموع حول استشهادهم. فعلى المتخصصين في الأدب الاستشهادي وفي أعمال التاريخ أن يحفظوا هذه السير في وديعة خزانة الكنيسة وذاكرتها, لأن شهادة دمهم حفرت على جَبين الكنيسة المعاصرة لَحْنًا حزينًا مجيدًا صادقًا, وصار جزءًا حيًا من تراث وواقع زماننا, وستبقى سيرتهم مُخَلَّدة كما خُلِّدت أرواحهم, إذ بعد أن عاشوا الاستشهاد البطيء (الطويل الأمد) مع بني جنسهم بلغوا حتى سفك الدم بالرصاص وتمزقت أجسادهم فَمَوْهُوم كل من يظن أن أعمال النعمة في أزمنة الاستشهاد هي من أعمال الماضي فقط, لأن الله سيظل يتمم ما وعد به, وهو حي ووعده حق, وهو أمس واليوم وإلى الأبد. وكما كتب الأولون من أمثال القديسين يوليوس الأقفهصي ويوحنا البرلسي وبطرس الجميل لسير الشهداء ينبغي أن تُدَوَّن سير هؤلاء المعاصرين ليستمر ذكرهم حتى تكتمل دورات التاريخ, فيُسَجَّل أنه في سنة 1727 ش وفي عصر الخليفة محمد بن حسني والي مصر قد أطلَقَ يد الغوغاء والسفهاء والرعاع لحرق وسلب ونهب وقتل الأقباط وتصفيتهم بالبطيء.... وقد سجل الأقباط وبطريركهم مَلْحَمَةً من الصمود والثبات والتمسك بالوصايا الإلهية منقطع النظير. إن الظهورات الروحية السابقة لهذه المذبحة كانت تعزية وثباتًا ورسالة تقوية لما هو آتٍ, ولما هو عتيد أن يكون, حتى لا نرتاع إذ ليس المنتهى بعد, وحتى لا تُسرق أكاليلنا, بعد أن صار ذبحنا على الهوية أي بالأسماء التي نحملها, حقًا إننا نواجه قوات ظلامية, لكن ها هي غلبتنا وذبيحة إيماننا. القمص أثناسيوس فهمي جورج كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج - الاسكندرية
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل