المقالات

22 سبتمبر 2018

علامةٌ تُقاوَم

إنها علامة الصليب التي كل من يؤمن بها لا يَخِيب ولا يَخزَى٬ بينما يقاومها من لا يؤمن٬ إنها (آية) و (علامة الصليب واسطة خلاص العالم٬ التي تتعرض للمقاومة لأنه إن لم يتعرض الحق للمقاومة بين الناس فلن يتزكى٬ وبها ينكشف نور الخلاص لشهادة علنية بقوة نعمة المصلوب٬ الذي يُعين ضعفنا كي نسير ونحيَا حاملين علامتنا بلوغًا إلى مجد القيامة الأبدية. علامة يقاومها الأضداد والكذبة٬ بينما أعطاها الملك لخائفيه كي يهربوا من وجه القوس (مز٤:٦٠)٬ الذين يقاومونها يعتبرونها لعنة٬ بينما سيدنا حمل اللعنة هذه نيابة عنا لكي يفدينا من اللعنة الأبدية التي حلت علينا بمخالفة الوصية٬ يقاومونها معتبرين أنها جهالة لأنهم لم يقدروا أن يفهموا ما لله٬ إنها ليست جهالة لكنها هي القوة والحكمة الحقيقية٬ وكل من ينكر هذه العلامة (علامة الصليب) ويقاومها يهلك لأنه لم يتعرف على عقاقير الخلاص ولا على الأدوية المؤدية إلى الحياه٬ قوة الله وحكمته٬ فداؤه وغفرانه الثمين. فالصليب مقسم إلى أربعة أجزاء هي أربعة مساقط أو (فروع) من المركز الذي ينجمع فيه الصليب كله٬ لأن المصلوب بسط يديه في الساعة المحتومة ليفدي الجميع وليجمعهم في حضنه٬ مقربًا الطبائع في وحدة منسجمة ليعرفوا ما هو الطول والعرض والعمق والعلو٬ كل ما هو في السماء وما بين السماء والأرض وما تحت الأرض. إن علامة صليبك يارب تُقاوم بينما هي نور إعلان خلاصك للأمم وهي الشجرة العتيدة ذات الأبعاد السماوية التي ارتفعتْ من الأرض إلى السماء٬ وأقامت ذاتها غُرسًا أبديًا بين السماء والأرض٬ لكي ترفع المسكونة وتضمها إليك٬ إن صليبك يقاوم بينما هو طريق رباط المسكونة٬ وإن كان ليس الكل يقبلون علامة صليبك لكنها ستبقى علامة الشفاء والخلاص والنصرة والمصالحة والتبرير والغفران حتى ولو هلك ربوات من المقاومين لها. إن علامة صليبك عند القوم الهالكين جَهالة أما عندنا نحن المُخلَّصين فهي رحمة وحياة٬ لذا نحمل صليبك لأنك حملته من أجلنا أيها القدوس والبار٬ إننا نؤمن بعلامتك الصالحة المُلوكية التي ملكتَ بها على نفوس المؤمنين بك٬ والتي صنعتها من أجل الخلاص والسر الذي أعطيته لمن يتقونك٬ بها أزلت اللعنة وهدمتَ حصون الموت وحطّمت قوة الشرير. علامتك تفوق لمعان الشمس وتخطف الأبصار٬ لذا أظلمت الشمس وقت صلبك لأن صليبك سطع ببريقه فاضمحلّت أمامه كل العناصر واختبأ كل لمعان. علامة صليبك حطمت قيودنا وجعلت سجن الموت كلا شيء٬ فتحتْ الفردوس وأدخلتْ اللص وكل لص تائب٬ وأوصلت جنس البشر إلى الملكوت٬ علامة صليبك أزالت عَتمة الخطية وبؤس الإثم وعُقدة الذنب والمذلة والعار. إنها ليست ضعفًا لأنك بها أظهرتَ ما هو أعظم من القوة٬ ألوف وربوات من الذين فتحت الهاوية فاها وابتلعتهم٬ فإذا بصليبك المُحيي يشرق عليهم ويُرجعهم من السبي مع كل مَفديي الرب. صليبك يأتي بنا إلى صهيون بالترنم وعلى رؤوسنا فرح وابتهاج أبدي. ونحن نثق أن علامة صليبك ستحمينا وتحفظنا وتنجينا إلى التمام مهما كانت آلام هذا الزمان الحاضر٬ فستنهزم كل قوى الشر٬ وسيهرُب الحزن والتنهد وكل مخاض الخليقة لأنك شمَّرت عن ذراع قدسك أمام عيون كل الأمم٬ لترى كل أطراف الأرض خلاصك (إش ۱۱:٥۱)٬ ونحن بإشارة صليبك سنغلب عماليق ونطفئ قوة النار ونخرج الشياطين ونسد أفواه الأسود٬ فعلامة صليبك لا تُقاوَم. القمص أثناسيوس چورچ كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج الأسكندرية
المزيد
15 سبتمبر 2018

التَّقوِيمُ الكَنَسِيُّ القِبْطِيُّ

عيد النيروز هو بداية أعياد الكنيسة القبطية وإعلان بدأ تتابعها البهيج، وبدأ السنة الطقسية الليتورچية. اتخذت الكنيسة من تذكار الشهداء بدأ تقويمها المعروف بتقويم الشهداء، وهو التقويم الذي اتخذ من سنة اعتلاء الطاغية دقلديانوس عرش الامبراطورية بداية له، تخليدًا لشهداء الكنيسة القبطية الذين حفظوا الإيمان ولم يحبوا حياتهم حتى الموت في سبيل الحفاظ عليه. وكلمة نيروز هي فارسية الأصل وتعني اليوم الجديد، وعيد النيروز هو بداية التقويم الكنسي ووضع الأچندة الطقسية الليتورچية، والتي وفقًا لها يتم ترتيب وضبط الدورات الطقسية كي تكون السنة - كل سنة – مقبولة... سنة للرب، فتقويمنا مرتبط بخلاصنا ومستقبلنا الأبدي، ليس كعودة إلى الماضي، بل كحياة حاضرة نحياها معاشة الآن. وفلسفة التقويم القبطي تجعل من شخص ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح محور الزمن، وهو الذي يجعل للتاريخ معنىً، هو بدايته ووسطه ومحتواه وغايته ونهايته المطلَقة، فتاريخنا وتقويمنا يعتمد على عهد الله الخلاصي وعلى عمل نعمته. فالأقباط هم أول من قسَّم الزمن وأرَّخ للسنين، بعد أن برعوا في دراسة العلوم الفلكية التي تميز بها الفراعنة. وقد جاء حساب الأبقطي لتحديد عيد الفصح وفقًا لجداول فلكية قننها البطريرك "البابا ديمتريوس الكرام"، ثم وُضعت الأعياد والمناسبات والتذكارات في أطُر التقويم، لتكون شهادة مستمرة ودائمة بأن عمانوئيل إلهنا معنا إلى انقضاء الدهر، عمانوئيل اسمه النبوي، ويسوع اسم تجسده، والمسيح اسم عمله الخلاصي، وأعمال تدابيره الخلاصية من أجل خلاصنا هي فعل حاضر ودائم ومستمر في الكنيسة، لأن كل عيد في الكنيسة شاهد لهذا الفعل الإلهي الخلاصي. فالعيد في الكنيسة يأتي في التقويم لا كذكرَى لحدث أو تكرار له، بل هو شهادة لفعل دائم ولحياة خلاص أبدي، كذلك تكريم الشهداء وأبرار الكنيسة هو شركتنا ووحدتنا معهم رزقنا الله صلواتهم. تقويمنا القبطي في عمقه يوحِّد ما يجزِّئه الزمان وما ينساه أو يتجاهله التاريخ، فيوقِّع التقويم تاريخ خلاصنا حاضرًا ومتجهًا للأبدية، مدموجًا وحيًا طول الأيام ومدى السنين وإلى الانقضاء... لأن (المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد) تتبارك السنة بجوده وآثاره تقطر دسمًا، حاضرًا في حياتنا وأيامنا وشهورنا وسنينا وأعمارنا... فنلمس معاصرة السيد الرب الإله لنا، حاضرًا في وسطنا ونحن نتبعه بكل قلوبنا ونسير معه مقتفين الطريق... إنها ليست مجرد وصية خُلُقية لكنها مسيرة تتضمن تطابقًا كيانيًا بين الأعضاء والرأس. إنه تحقيق الكنيسة كحقيقة الملء النامي، مجتمعة في المسيح المخلص، حيث نحصل على الغنىَ والشبع والسرور في عزم واحد وانسجام سر الوحدة الإلهية، ونشهد لمقاصد الله الفادية ونرسمها في كل أطوار تحقيقها التدريجي، على اعتبار أن العريس حاضر دائمًا، وإن كان غير منظور. نذوق جمال وفرح ملكوته وتدبيره الخلاصي الثمين (بشارته، ميلاده، ختانه، دخوله إلى الهيكل، عماده، صومه، تجربته على الجبل، تجلِّيه، دخوله إلى أورشليم، عشاؤه السري، تسليمه، آلامه وصليبه، دفنه، نزوله إلى الجحيم، قيامته، ظهوره ببراهين لا تُقاوَم، صعوده، حلول روحه القدوس...). التقويم يحقق عمليًا حقيقة أن الخليقة الجديدة واقع في الزمن، تتحقق عمليًا عبر المناسبات والأعياد والتذكارات الليتورچية... حيث يتجدد العالم والزمن، وتصير مسيرتنا خَطّية مستمرة ممتدة نحو المجيء وانقضاء الزمان، إنه زمن الخلاص والخبرة التعبُّدية الكنسية (الآن) في معايشة وصيرورة حاضرة لأحداث التدبير الإلهي. إن أبعاد الزمن الثلاثة تتوحد في تقويمنا لتكون حاضرة ومتحركة إلى الأمام، زمن الله... زمن مقدس... زمن الكنيسة... زمن الخلاص... حيث يتحول الزمن المادي والسنة الزمنية إلى سنة روحية مقبولة، نبدأها بالطلبة إلى الله كي يبارك إكليل السنة بصلاحه، وأن يصوِّر في نفوسنا جمال صورته، وهو الذي يهدينا إلى استقامته بالروح المدبر، لأن قوة الله هي سلاح عظيم لضعفنا... ونحن نطلب من صلاحك يا رب أن تسترنا، وأن تنجي نفوس عبيدك، وأن تُنعم علينا بالسلامة التي من السموات، وأن تملانا من رضاك ومن مواهبك الإلهية لنُثمر ثمارًا مقبولة أمامك في يوم الخلاص. القمص أثناسيوس چورچ كاهن كنيسة مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد
08 سبتمبر 2018

تَذكَارُ رَئِيسِ المَلائِكَةِ رَافَائِيلَ (مُفَرِّح القُلوُبِ)

رافائيل ثالث رؤساء الملائكة له كرامة قوية، ومعنى اسمه "الله الشافي" لذلك دُعي مطيِّب القلوب. رافائيل من الأرواح السماوية العاقلة الناطقة التي صنعها وخلقها الله ضمن أجناده الملائكية... منظره لهيب نار، ولباسه كالثلج، قائم في السماء، مملوء قوة ومعرفة وعِلمًا، واقفًا أمام الله كل حين يسبح الحي إلى أبد الآبدين... رافائيل رئيس طغمات في البلاط السماوي يعبد ويخدم رب الجنود وإله القوات، أدرك حكمة ونور الله منذ خلقته، لكنه شاهد في كنيسة العهد الجديد عجبًا لحكمة الله المتنوعة، ورأى أعماقًا جديدة للسر المكتوم منذ الدهور. رافائيل الوديع يسبِّح في عظمة واتساق مفعمًا بالالتهاب، جماله يذهل الخيال، يشاهد عيانًا الأسرار العظيمة، عظيمًا في المعرفة والحكمة والبهاء الإلهي في قوته الجوهرية، طعامه رؤية الله، وشرابه التمجيد والسجود للقدوس، وقد عُيِّن ضمن رؤساء الملائكة وله رتبته في العمل والإنارة والمَقام ضمن غير المتجسدين، رافائيل ضمن الملائكة والخدام الملتهبين نارًا، خالدًا ليس بالطبيعة بل بالنعمة، جوهره عقلي أعلىَ وأسمىَ من الجنس البشري، دائم الحركة، مُطلَق الحرية، يتمتع بنعمة الخلود، يستمد نوره من النور الأول الجوهري الذي لا يُدنى منه (نور إلهنا) الذي لا بداءة ولا حدود له... يتكلم بأنفاس الله ويتخذ صورة يستطيع معها الناظرون إليه أن يروه. ولأنه دائمًا في حضرة الله يعاين مجده، ولأنه لا ينفصل عنه شاخصًا إليه كل حين سيأتي أيضًا معه في مجد الدينونة، وسيكون له دوره ضمن الرتب الملائكية في ساحة القضاء من حيث الدفاع والشفاعة والتقدم بالشهادة الصالحة عند استعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته. رافائيل ضمن رؤساء عساكر السموات جند الرب المقتدرين قوة الفاعلين أمره، يحفظوننا في الطريق ويمنحوننا البركة ويلمسوننا بالفهم والفطنة، يبشروننا بالأخبار السارة وبأفراح الخلاص، يحلوا ويسيِّجوا حولنا، وفيما يخدمون السر الخفي يشفعون في جنس البشر كل حين ويطلبون عن خلاص الناس وتدبير النفوس، هم حراس مرشدون منقذون معينون ملاحظون شفعاء يُصعدون الصلوات والصدقات، ملائكة تعزية ورحمة ونجاة ومساندة وشفاء وقوة ونياح وحراسة ومؤازرة من المهْد إلى اللَحْد، يحرسوننا وسط الأعاصير والشدائد... يشرحون لنا المعاني الإلهية والأسرار المخفية، ويحملون لنا الوعود والمواعيد الثمينة. وقد جاء الكثير عنهم في علم الملائكة (Angelology) من حيث طبيعتهم النورانية الفائقة ورتبهم ودرجاتهم، كأرواح مرسَلة لخدمة العتيدين أن يرثوا الخلاص. أخذوا مهامًا رسمية لحمل رسائل إلهية، لا يحدّهم زمان ولا مكان، لا يشيخون ولا يتغيرون، طبيعتهم خالدة بحسب النعمة، قائمون بخدمة التسبيح بلا فتور، وهم المنفذون لإرادة الله، يُظهرون نوره غير المرئي بلا عتامة ولا دنس ولا فساد، ويكشفون عن الجمال المطلق للسر الصامت الذي للحضرة الإلهية مثل أنشودة أبدية مع ألوف ألوف وربوات ربوات واقفين قدام الحي في المحفل، أَلْوِيَة وطغمات ورتب علوية تتدرّج في رتبها وسموها وقوتها واقترابها وعملها واختصاصها ضمن جيش الله. ونحن نطلب في تذكار رافائيل الرئيس مطيِّب القلوب أن يشفع من أجل شفاء كل طوبيت من العمىَ، وأن يرافق الفقراء والأرامل والأيتام وجثث القتلىَ والذين ليس لهم من يواريهم الثرىَ في هذا الزمن الصعب، وأن يرافق مسيرة غربتنا وسفرنا عبر هذا العالم، وأن يحضر إلى ولائم المحتاجين والمساكين لكي يباركها، ويداوي بالتعزية القلوب القلقة والمنكسرة ببركة قيامه قدام الله. القمص أثناسيوس چورچ كاهن كنيسة مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد
01 سبتمبر 2018

نِهَايَةُ المُضْطَهِدِينَ

كتبَ العلّامة "لاكتانتيوس" (٣٢٠م) كتابًا شهيرًا عن "موت المضطهِدين" وكيف كانت نهايتهم ومصيرهم... عرض الكاتب النتائج الرهيبة للغضب الإلهي في معاقبة المضطهِدين وما آلت إليه نهايتهم المروِّعة، ويأتي هذا الكتاب وكأنه شريط سينمائي يعرض أمام عيون المتفرجين عبر التاريخ واصفًا الاضطهادات وصفًا حيًا عبر الواقع من حيث بشاعتها ودمويتها، ثم ينتقل إلى عار الازدراء الأبدي والنهايات التي حلت على هؤلاء الطغاة المضطهِدين. وقد أتى هذا الكتاب كمصدر لشاهد عيان استقىَ معلوماته ووثَّقها من مصادرها الأولية، كوثيقة تاريخية لعصور الاضطهاد التي صاحبت انتشار المسيحية في باكورات بداياتها وتصويرًا حيًا للَمَعان الإيمان وسط الشدة والألم. إضافة إلى توثيق العقاب الإلهي الذي لحق بالأباطرة الذين أمعنوا في شرهم، وقد أتى الكتاب في جملته تمجيدًا لإسم الله الذي وعد بالنقمة والمجازاة، فقد مات المضطهدون شَرّ مِيتة:- 1- نيرون، انتحر في الثانية والثلاثين من عمره ولا يُعرف له قبر. 2- دومتيان، قُتل وهو على عرشه بعد أن سلمه الله لأيدي أعدائه وشُهّر به. 3- ديسيوس، ذُبح هو وابنه، ونهشت الوحوش جسده. 4- ڤاليريان، أُخذ في الأسر وقضى حياته مسجونًا أسيرًا. 5- أوريليان، ذُبح بيد حاشيته وجنوده. 6- دقلديانوس، أُصيب بلوسة عقلية، فعُزل بعد أن جُنّ. 7- مكسيميانوس، شنق نفسه منتحرًا. 8- جالزيوس، ضُرب بالقروح البشعة، وأخذ الدود يأكل جسمه. 9- يوليانوس، مات مقتولاً برمح في جنبه على أيدي جنوده. لقد سجل التاريخ على أيدي هؤلاء المضطهِدين صراعًا وهلاكًا وإبادة جماعية ضد المسيحية في صراع غير متكافئ، صراع بين السيف والصليب، بين الذئاب والحملان، حتى صارت الغلبة التي نغلب بها العالم "إيماننا" (١يو ٥:٤) وتعمدت الكنيسة كلها في بحر من الدماء المقدسة وولدَت العالم المسيحي.إن جريمة المسيحيين أمام هؤلاء المضطهدين الطغاة هي أنهم يؤمنون بما لا يؤمنون به، وفي أنهم رفضوا تقديم القرابين لآلهتهم مع رفضهم كل ممارسة تخالف إيمانهم وعقيدتهم. بالإضافة إلى حنق الرعاع عليهم وإشاعتهم للشكوك والوشايات والاتهامات ضدهم، والتي ظلت مجرد اتهامات مُرسَلة وافتراءات بلا دليل أو إثبات، مما صعَّد إجراءات القمع والاستئصال والإقصاء ضدهم بكل صوره، واستمرت العداوة ومحاولات اقتلاعهم ومَحْوهم، ماداموا لا يريدون السجود ولا يؤدون الفروض... كذلك وصف "لاكتانتيوس" أعمال الحنق والحقد التي ذاقوها وكتابات الازدراء وركوب موجة الحملات المسعورة ضد كل ما هو مسيحي، والتي كان لها تأثيرها المحرك لموجات الهمجية والضراوة التي عانوها، تارة من الحكام الظالمين وتارة من المَوْتورين والرعاع، وتارة من الجانبين معًا، فتلاحقت الهجمات لكن ازدادت معها المعرفة والتعزية والصبر والأمانة والتقوى العملية... أما عن كيفية ذلك فهو متروك لكل مؤمن في جهاده وقبوله للنعمة وسلوكه بحسب دعوة ونذور المعمودية، وها أيقونة السيد المسيح موضوعة حسب الطقس الكنسي جالسًا على عرش مجده في شرقية الهيكل بكل كنيسة، لأنه غلب وجلس وحَكَمَ، وسيأتي ليدين الجميع.لا شيء أعظم من الاستشهاد لأن عظمته نابعة من الدم والنار والعذاب والنفي وصراع الحرب مع التنين، مقابل الإيمان الحي وأنصبة المجد والوعود الصادقة، وكيف أن المسيح نفسه هو في شهدائه يحمل الألم عنهم ويمنحهم قوة وثباتًا، فصاروا باسلين أمام التنكيل المفرط والتشويه والكدمات والأجساد المثخنة بالجراح... وكم من الأعاجيب والرؤىَ والأحلام والإلهامات صاحبت حلقات الاضطهاد في كنيسة القرون الأولى، فسِرّ الصليب لا بُد أن يكون متبوعًا بنصرة القيامة في كل هذه النفوس التي لا يُحصَى عددها من كل طبقات الشعب. والله المتعجَب منه كل حين متألم ومنتصر في قديسيه (٢تس ١٠:١) وهو دائمًا هو، كما في الماضي هكذا في الحاضر، هو الذي يتحمل آلامنا ويحملنا وهو المُغطّىَ بالجروح لأجلنا، وهو الذي يتحمل فينا الآلام وكلمات الازدراء، وهو فينا مُبغَض بواسطة العالم.لكن المضطهِدين جميعهم سقطوا أو خُلعوا وهلكوا وذهبوا كالعصافة التي تذريها الريح، وتمت فيهم الأقوال الإلهية:- قد رأيت الشرير عاتيًا وارفًا مثل شجرة شارقة ناضرة، لكنه عبر فإذا هو ليس بموجود (مز ٣٥:٣٧) فقد ذرَّته العاصفة كالقش واقتلعته إلى الجحيم... وإن كانت حلقات التاريخ مستمرة فالكنيسة باقية ضد رئيس سلطان الظلمة وضد بابل أم الزواني التي سكرت من دم شهداء المسيح القديسين.ويقول العلامة "لاكتانتيوس" لا يمكن فرض الدين بالقوة لأن الله لا يُعبد بالقهر والعنف، لكن بالقبول واقتناع الإرادة، فالتعذيب والإكراه على طرفي نقيض مع التقوى والإيمان، ومن المستحيل أن ينسجم الحق الإلهي مع العنف والمظالم... ولا يوجد شيء مرتبط بالإرادة الحُرة أكثر من العقيدة، لذلك صارت المسيحية مقنعة ببرهانها وبسيرتها، بعد أن كان لا يحِقّ للمسيحي أن يوجد!! بينما آخرة المضطهدين صارت إلى شَرّ نهاية القمص أثناسيوس چورچ
المزيد
28 أغسطس 2018

نِهَايَةُ العُمْرِ

نهاية عمرنا هي نقطة بدايتنا نحو الأبد، وبدون استعدادنا للرحيل لا يكون لحياتنا معنى، ذلك هو ما سهر لإعداده الساهرون؛ كي يُعدوا للحظة خروجهم (عُريانًا خرجتُ من بطن أمي؛ عُريانًا أعودُ إلى هناك). فالموت أقرب إلينا مما نتصور؛ وطوبى لمن يقطر زيته ليوجد ساهرًا؛ ومصباح سراجه غير منطفئ؛ وساعته حاضرة أمامه؛ إذ ليس في القبر من يذكر ولا في الجحيم من يشكر. عمرنا كله أشبه بنفخة؛ وإيامنا تُحسب مثل ظل عابر... أشبه بشبر وعشب وظل.. إنها مجرد حُلم وبخار يظهر قليلاً ثم يضمحل. إنها نسمة الريح العابر؛ تدخل من نافذة وتخرج من أخرى. تنحصر بين شهقتي الولادة وخروج النفس من الجسد عند سكرة الموت، حياتنا تجري أيامها سريعة كالعَدَّاء، وقد تعيَّن أَجَلُنا فلا نتجاوزه؛ مثل العشب أيامنا وكزهر الحقل تنحسر وتذبل... كالعنكبوت نسيجها وهي عابرة في خيمة تنقض، لا تثبت لها ثروة ولا تمتد لها مقتنيات، فقبل يومها تتوفى وسعفها لا يخضرّ؛ لأن صوت القائل ينادي (كل جسد عشب وكل جماله كزهر الحقل. يَبَسَ العشب وذبل الزهر؛ لأن نفحة الرب هبَّت عليه، أمَّا كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد)، ولا أحد يستشير الموتى؛ لأن ذكرهم نسي. لذلك قيل عن نومنا بأنه رُقاد صغير؛ وتذوُّق مُسبَق للموت الذي أباده المخلص بقيامته وكسر شوكته، وهدمه بظهوره المحيي.. فمِن البدء خلقتني يارب؛ ومن العدم كوَّنتي وبصورتك الإلهية رسمتني؛ وكفخَّاري أعظم عُدت وعملتني وعاءًا آخر لمجدك... أعدت صياغتي وأصلحتني بيدك لتُرجعني إلى جمالك القديم، فعما قليل تفنى أيامي؛ وليس لي خلاص إلا برحمتك يا محب البشر الصالح، وضعتَ في نسمة الحياة. أوجدتني وجبلتَ نفسي حلوة سخية مروية وثمينة ومحفوظة؛ لأنك أنت لي مَرساة النفس واقتناؤها، فديتها بدمك الكريم، وتحفظها بسياج أسرارك الإلهية غير المائتة.. تنجيها من الفخ يا منجي النفوس؛ لتدرك تدابيرك وتميز الأمور المتخالفة، وما هو لخيرها وخلاصها وزمان افتقادها، فتمتحن الحق البعيد عن كل خداع وصغار، محترزة من كل خواء وخراب وتراخي الهلاك، عارفة مشيئتك؛ غير عاملة مشيئات الباطل، سالكة في جدة الحياة الذي لحرية مجد أولاد الله، مبقية الله أساس معرفتها لتثمر وتزهر وتعبد بجدة الروح؛ لا بعتق الحرف، فاعلة كل مايليق برضاك إلى النفس الأخير، عندئذٍ تموت موت الأبرار وتكون آخرتها كآخرتهم، وتصير أواخرنا أفضل من أوائلنا ( مت ١٢ : ٤٥). القمص أثناسيوس چورچ
المزيد
21 أغسطس 2018

زوجة الكاهن

شهادة الكاهن في تدبير بيته هي من مؤهلات الكاهن في تدبير الكنيسة، يدبِّر بيته حسنًا حتى يعرف كيف "يدبر ويعتني بخدمة كنيسة الله" (1تي4:3). وزوجة الكاهن هي كأي امرأة مؤمنة، لكنها كزوجة كاهن لا بد أن تضع نفسها من أجل نجاح خدمة رسالة الإنجيل في حياة زوجها، تخدم بفَهم ورضا وقناعة فكرية وقلبية، واعية بأن كأس الماء البارد المقدَّم بمسرة لأجل رئيس الرعاة لن يُنسَى، وزوجة الكاهن التقية الفرحانة بخدمتها ودعوة حياتها تدرك بوعي تام مسئوليتها بأنها معاونة للكاهن في حياته الشخصية كزوجة (معينة نظيره)، وفي رسالته ككاهن الله. كثيرون عاشروا الكهنوت وللأسف لم يأخذوا بركته، بل حملوا متاعبه وتبَعاته دون بركة لحياتهم ولخلاصهم، عاشوا في صورة كهنوتية مُنكرين قوتها، ولم يعِش الكهنوت فيهم، لذا فقدوا موضعهم ورتبتهم، وسَرَق القاسي جهدهم. إن خدمة الكهنوت طريق يحتاج إلى نذور وتعهدات تُحفَظ زمان الغربة كله، لأنه طريق مخاطر يحتاج إلى خط دفاع وسَندة في صد هجمات أبليس، كي يحفظ الله جندية الكاهن وجهاده وثماره بسلاح البر لليمين ولليسار. إن الكاهن كجندي في خط الدفاع الأمامي للكنيسة كل اليوم كل أيام العمر يحتاج إلى إصلاح وتنقية ومراجعة وانسحاق وصلاة ومعونة وانسكاب وتعزية ومِلء في خدمة كهنوت المسيح، ليمر بمجد وهوان وبصيت رديء وحَسن. وبناء البيت الروحي لبيت الكاهن على الصخر لا بد أن يُتابَع باستمرار وبمواظبة من أجل البنيان والنمو في الله كغنيمة حياة الكاهن وكنز بيته... فما أحلى زوجة الكاهن التي تُعين زوجها بصلواتها ودموعها ودعائها وبتدعيهما العملي. الكاهن الذي يحمل أوجاع شعبه كراعٍ أمين تحمله زوجته إن كانت أمينة، لأنها قد اختارت أيضًا الرب نصيبًا لها وقد شرفها المسيح بخدمة أولاده الخصوصيين، وهي تخدمهم من خلف زوجها ومعه، معاونة له بهدوئها وقدوتها وتباسطها وسيرتها العملية التي هي أبلغ من كل العظات بل وأجمل من كل العناوين، خاصة عندما تفتح بيتها للفقير والمحتاج والضعيف والمنبوذ وتعمل أروع خدمات الخفاء، فالرجل والمرأة عمومًا يختلفان في الشكل الجسدي فقط، لكن ليس في النفس، فقد غلبْنَ كثيرات منهن وتفوَّقن على الرجال في الجهاد لأجل الخلاص. لذا ليست كل شخصية تصلُح لأن تكون زوجة كاهن، إنها مسئولية خطيرة لا بُد أن يُحسب لها كل الحُسبان، لأن إساءة الاختيار يؤثر سَلبًا على الخدمة، وهناك إذن ضوابط روحية في اختيار من تكون زوجة للكاهن، لأنها ترافقه في رحلة لحمل الصليب... فالكهنوت "خدمة" والكهنوت "غسل أرجُل" والكهنوت "رعاية وأبُوَّة" والكهنوت "صليب وذبيحة وتكريس" منذ لحظة الرسامة ترافقه الزوجة كخادمة، يصيبها تبعات هذه الرحلة من وخزات الشوك والمسامير والتعب والتضحيات التي لها بركتها ومعونتها وحراستها السماوية. رحلة يفتح الرب فيها أبوابًا وأعماقًا، لكنها تتوقف على رؤية الكاهن وزوجته لماهية وطبيعة خدمة الكهنوت!!! وكيف أنها رحلة صعود مرتفعات، ليس فيها عوج ولا التواء، إنها دعوة وخدمة وترْك ومسئولية، رحلة قد يواجهوا فيها ضيقًا أو شُحًّا أو عوزًا واحتياجًا، لكن بالإيمان والاتكال والصبر على كل شيء يسد الله فيها كل الاحتياجات، ما دام قد قبلوا خدمتهم من يد الله ولله، وما دام الكاهن يقدم لله مشورات حُرّيته، ويكتب أعماله تَبْعًا لأقواله. وبالتأكيد يتعيَّن على الكاهن وأسرته أن يكونوا قدوة للشعب في الإيمان والكفاف والاعتدال، والويل كل الويل لمن تأتي به العثرة، لذلك زوجة الكاهن تكون أيقونة جميلة، إذا أعطت المثل لإنسانة الله المتزينة بالفضيلة والبعيد عن الترف والتنعُّم الباطل، لأنها باعتدالها ورزانتها تعيش نذر دعوتها كشريكة للكاهن في حياته، ويكونوا بذلك قد عملوا بأقوالهم وتكلموا بأعمالهم. إن زوجة الكاهن الشبعانة بكلمة الله والمواظِبة على التغذّي بوسائط النعمة، تجد لها الوسائل لتعبِّر عن محبتها واتضاعها وغسلها للأرجل وضيافتها للغرباء وترفُّقها بإخوتنا وأسيادنا المساكين والمجرَّبين، بل ويمكن أن تكون زوجة الكاهن بركة وسندًا ودعمًا وتصديقًا لخدمة الكاهن بل وللكنيسة كلها، عندما توضَع على المنارة بتعقُّلها وتصرفاتها المسئولة، وانحيازها للمرذولين وللبؤساء وللذين يعتبرهم العالم أنهم "وسخ" بينما هم كنوز الكنيسة الحقيقية... مغبوطة هي بالحقيقة زوجة الكاهن المُصَلِّية، الصوَّامة، المعطاءة، المضيفة للغرباء، المُحِبّة للجميع بلا محاباة للوجوه، والتي ينطبق عليها انها بحقّ امرأة فاضلة وثمنها يفوق اللآلئ. ثيابها هي الحشمة والجمال، وزينتها هي الأدب والتقوى، وسلوكها البساطة والمعرفة التي لبنات الله، فلا تكون مُعثِرة ولا مُجلِبة لغضب الله بل مُحقِّقة مقاصد الله في حياتها، مُعلِنة لغنىَ واتساع تدابيره. وأيضًا زوجة الكاهن عنوان للفطنة التربوية، عندما تكون دليلاً للرعية في تنشئة أولادها في حضن الكنيسة، ناجحين في حياتهم ممجدين الله كل حين. لكن عندما يُساء اختيار زوجة الكاهن، تكون عثرة وشوكة في موضع مَقتَل... مُعطِّلة للإنجيل في خدمة الناس، إذ تفوح رائحة مُجُونها وماديتها أو استبدادها وتعظُّم معيشتها، كفساد الطين وكالظلمة المثلَّثة الكآبة التي للجهل، فتبقى أصل مرارة أمام الجميع، وبسببها يُجدَّف على الاسم الحسن، وينطفئ بهاء الإكليروس، مثلما أنذرالملاك القديس "هرماس" عن الرعاة المنحرفين بقوله (انظر يا هرماس حيث يكون التنعُّم يكون الخداع والتزييف أمام الله). وحسنًا يطلق الشعب على زوجة الكاهن (تاسوني)، فهي أخت كل أحد، ببذلها وبشاشتها تساعد الخراف المريضة والمبتدئة والخاملة والبعيدة، بأعمالها وأنفاسها أكثر من كلامها، وقد عاينّا الأمومة المداوية التي لا تعبث بخلاص الآخرين ولا تَسخَر منهم، بل تحملهم كصغار وكمكسورين لإرضاعهم ومساندة رحلتهم، والوصول بهم إلى الميناء، تلك الصورة الرقيقة المُضحِّية هي أيضًا حاسمة وصريحة، لأنها خدمة على مستوى الصليب، وليس مجرد نشاط مزيَّف وإعلان، لأن الأجرة إنما تُعطىَ على العمل لا على الكلام. لقد تعرضت هذه الصورة لبعض الشوائب والصدأ، إلا أن واقعنا أيضًا مملوء وزاخر بزهور الحياة الكنسية، وبزينة العمل الروحي من خادمات وسيدات لهُنَّ طابع بهجة التقوى وانعكاس الصورة الإلهية التي للقداسة في حياتهن، وهُنَّ جانب مشرق لرعية المسيح، حاملات معهن ثمار المجد للكنيسة كلها. القمص أثناسيوس چورچ
المزيد
14 أغسطس 2018

اللاهُوتُ المَريَمِيُ والثِيُؤطُوكِياتُ

نشأت الثيؤطوكيات كأدب كنسي مكتوب يتضمن إيمان الكنيسة المحفوظ في وعيها وضميرها وتعليمها الشفاهي. وهي تتضمن خلاصة اللاهوت المريمي في قطع قبطية موزونة لتمجيد والدة الإله القديسة الطاهرة مريم، لتشرح في اصطلاحات لاهوتية عميقة رموز ونبوءات وتوصيفات وتشبيهات عن العذراء وسر التجسد الإلهي العجيب. لذلك حوت ألقابًا ومديحًا وتطويبًا للعذراء، عاشته الكنيسة على الدوام وإلى مدى الأجيال عبر العبادة الكنسية اليومية، مضافًا إليها ما انتهت إليه المجامع الثلاثة القانونية. وتدل هذه الثيؤطوكيات على أن واضعيها كانوا شخصياتٍ لاهوتيةً ونسكية بارعة، حرصوا أن يجعلوا اللحن صلاةً والصلاة لحنًا، وأدخلوا تفاسير الكتاب المقدس لآباء الكنيسة كمادة أساسية في العبادة، تشكِّل المفردات والاصطلاحات اللاهوتية الغنية في مضامينها، لتكون معبِّرة عن وحدة الحياة وما يغترفه المسيحي من معانٍ كتابية في صلواته اليومية، فلا يبقىَ الكتاب المقدس مصدرًا قائمًا بذاته منفصلاً عن الحياة الكنسية، بل مادة بناء للحياة المسيحية التَقَوية، وبالذات في العقيدة والليتورﭼيا... وقد أتت في جملتها غنية وخصبة بالإشارات والتفاسير والرمزيات ضمن التيار الروحي النسكي والليتورجي في وحدة وانسجام. احتوت الثيؤطوكيات على لاهوت العهد الجديد الذي تحولت فيه رموز العهد القديم إلى حقائق إلهية، تمت بحسب تدبير النعمة لتكميل الخلاص في شخص مريم العذراء القبة الثانية المباركة، التي صارت قدس أقداس وفيها لوحَا العهد، تلك العذراء هي التي دلتنا على (اليوتا) اسم الخلاص، الذي تجسد منها بغير تغيير وصار وسيطًا لعهد جديد، ومن قِبَل رشاش دمه الكريم تطهرنا وتبررنا وفزنا بالرحمة... هذه هي العذراء المتسربلة بمجد اللاهوت من داخل ومن خارج، قدمت لله شعبًا وشعوبًا كثيرة من قِبَل طهارتها. هي قديسة كل حين لأنها قسط الذهب النقي التي في وسطها المن المخفي، حملت في بطنها المَنّ العقلي الذي أتى من الآب، ولدته بغير دنس ولا مباضعة. هي منارة ذهبية حاملة المسيح النور الحقيقي، وهي المجمرة الذهب النقي الحاملة الحجر المختار والبخور العنبري، حملت في بطنها غير المنظور كلمة الآب، هي الحمامة الحسنة وزهرة البخور التي أينعت، وهي عصا هارون التي أزهرت بغير غرس ولا سقي، مشتملة بالأنوار والطهارة وأعمال كريمة قيلت عنها، لأن الرب أشرق جسديًا منها، ومن قِبَلها رجع آدم إلى رئاسته دفعة أخرى... بسبب طهارتها أحببنَ العذارى الطهارة وصرنَ بنات لها، ومن قِبَلها نجد دالة عند الديان بعد أن صارت هي إكليل فخرنا ورأس خلاصنا وثبات طهرنا. عالية هي الأعجوبة التي لولادتها، وعظيم هو مجد بتوليتها الكاملة، الذي جعلها كالسُلّم الذي رآه يعقوب ثابتة على الأرض ومرتفعة إلى السماء، جعلها كالعليقة المشتعلة التي لم تحترق، وككنز الجوهر التي وَلدت خالق الكل، وكباب المشرق المختوم بختم عجيب، دخل وخرج منه رب القوات وبقي مختومًا على حاله. إن كرامة العذراء لا يُنطق بها، زينتها في السموات العلوية عن يمين حبيبها، والمواهب الإلهية التي نالتها كانت مواهب مضافة إليها وظلت كذلك، طهارتها خشب لا يسوَّس لأنها حازت من النعمة بالقدر الذي يؤهلها أن تكون أم القدوس، المظللة بقوة العلي (بالشكينة) فصارت عرشًا ملوكيًا للمحمول على الشاروبيم، وارتفعت عن الطبائع العلوية العقلية لأن الذي في حجرها الملائكة تسبحه والشاوربيم يسجدون له باستحقاق والسيرافيم بغير فتور... هي باب المشارق، الخدر الظاهر الذي للختن، وكلنا نسير في ضيائها لأنها ولدت لنا الحياة مخلص العالم الحي والمحيي. ولدت الحمل ومن مجده سَتَر كل عُري، ومن صوفه (ناسوته) وُلدت الطبيعة الجديدة وعدم الفساد، حملت بالظافر كسحابة نيِّرة ممطرة بالنعمة وخلاص العالم، لتُطفئ عطش حواء وتستر آدم الذي طردته نتانة العصيان... فكانت سحابة وعطرًا وبخورًا (اسطوينوفي) ومعملاً للاتحاد غير المفترق. حقيقة إن هذه الثيؤطوكيات عميقة وغنية وزاخرة بالمعاني والحياة والأصالة وتحقيق النبوءات، ارتفعت درجتها الروحية فوق التعبير اللفظي بل وفوق المعقول... تتكشف معانيها بالبرهان العملي، وتتميز بأن جوهر الوزن فيها هو للوزن الفكري والإلهام، ولِمَا لا؟ ما دامت مريم العذراء هي فردوس الكلمة الحاوية للاهوت؟! فكل تمجيد للمسيح هو فخر للعذراء، ويُعتبر في حد ذاته مديحًا لها كأم المسيح، فلا يمكن فَهم قداستها وتمجيدها بعيدًا عن المسيح المتجسد، ففي تكريمنا لها مراجعة لكافة أحداث الخلاص بصفتنا مشاركين لا مشاهدين، نرقىَ إلى كرامة شهود عيان لتاريخ الخلاص، شهود يعاينون حياة المسيح عيانًا... هذه كلها حرص عليها الشاعر القبطي في وضع الثيؤطوكيات لتكون لنا نسيج قماشة التسبيح الذي لا يَعرف التقسيم العقلي الذي ساد مدارس اللاهوت في فصل التجسد عن الصليب والقيامة وأسرار الكنيسة... إنها أوبرا إلهية وسيمفونيات ومدخل إدراك الخلاص الذي يتحقق الآن في عبادة الكنيسة، فيتعظم مجد مريم وتطوِّبها الشعوب. القمص أثناسيوس چورچ كاهن كنيسة مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد
07 أغسطس 2018

مَرْيَمُ العَذْرَاءُ أُمُّ العَبْدِ المُتَأَلِّمِ

منذ ولادتها وُلدت لأبوين عاقرين هما يواقيم البار وحنة، وكانا قد نذرا مولودهما للهيكل قبل الولادة؛ وربما كانا يتمنيان ولدًا ذكرًا ليحمل اسم الأب كعادة أهل الشرق؛ لكنها قدمت أنثى؛ ولكونهما نذراها، فقد سكنت الهيكل ليكون بيتها الأول والوحيد مع النذيرين، وعندما كبُرت وبلغت التغيرات الفسيولوجية تبدو عليها، وقعت القرعة على يوسف الشيخ البار ليأخذها إلى بيته، خاصة بعد انتقال والديها المتقدمين في السن عند بلوغها التاسعة من عمرها. ومنذ ذلك الحين وإلى أن أتتها البشارة بالحبل الإلهي وعلاماتها، التي تلازمت مع الشك والريبة بآلامها النفسية والجسدية، حيث راحت مريم الفقيرة النذيرة تتحمل آلام أمومتها الإلهية منذ البشارة؛ وما صاحبَ ذلك من شك عند يوسف البار الذي أراد تخليتها سرًا، ورحلة ولادتها لابنها في بيت الناصرة؛ لا كسائر الأمهات اللائي يستعدن لولادة أولادهن، لكنها تكبدت مشاق السفر المضني من الناصرة إلى بيت لحم لتكتب المولود في اكتتاب الإحصاء العام، ولكي يظهر المسيح في مكان مجد يهوه، وفي بيت أبيه ونسبه لذرية داود الملك؛ حيث أتتها آلام المخاض؛ ولم يكن لها موضع سوى مزود المغارة، التي تحولت إلى سماء ونجوم وتسبيح وسجود وهدايا وملائكة وهتافات علوية بمجد الأعالي وسلام الأرض ومسرة الناس، حيث عظمة العلى. قد حولت الأرض سماءً؛ وجعلت المغارة لا تقترب، لأن النور أشرق ومحا الظلام؛ والغنىَ حلَّ عوض الفقر والقحط، وفي الموضع وُلد راعي الحُملان الناطقة الذي أتى ليحول بهيميتها إلى إنسانية الخليقة الجديدة. ثم سُمع صراخ الرامة ومخاوف مجزرة أطفال بيت لحم؛ وعويل وصوت الأنين، على هؤلاء الذين فدوا بشهادة دمهم الطفل المولود؛ وما تبع ذلك من هروب وآلام نفي وتشريد ومشاقات تكبَّدتها مريم العذراء، وحتى رجوعها في عودتها وسط الأتعاب، التي استمرت عند بحثها عن الصبي في الهيكل وحنق الكتبة والفريسيين عليه، إلى يوم القبض والمحاكمة والصلب والتكفين والدفن ثم استضافتها في بيت يوحنا الحبيب، وسط رحلة آلام ودموع؛ بقدر ما سال من دم جراحاته الشافية المشفية. قبلت الآلام وخضعت للناموس وصعدت إلى الهيكل لتقدمه إلى بيت أبيه وهي عالمة أنه ابن العلي وأنه هو رب الهيكل وبانيه، وأنه هو كلمة الله ذبيحة العالم كله، قدمته بأمومتها المسيانية كصعيدة الصعائد؛ وكمحرر للعالم من أسر إبليس المنجوس، لكنها ومع ذلك خضعت للشريعة وفي فقرها قدمت فرخي الحمام، بيقين أنّ ابنها هو مكمل الناموس، وهو العلامة الوحيدة الحية للخلاص الفصحي علي الصليب. قدمته مما له على كل حال ومن أجل كل حال وفي كل حال، وهو وحده مِلؤها وتقدمتها الممكنة والمقبولة أبديًا، غفرانًا للخطايا؛ ونور مجد الأمم؛ وعزاء خلاص الشعوب، لكنه في الوقت عينه هو العبد المتألم الذي تمجد بالآلام، وبذل ظهره لسياط الضاربين وخده للناتفين وترك وجهه للبصاق والتعيير، حتى أن صورته لم تكن لتُنظر ولم يكن له بهاء منظر، مزدرىً ومرزول وهو رجل أوجاع ومختنر حزن (إش). لذلك وبذلك جاز السيف الطويل المخيف romphaia عبر حياتها كلها، في فقر وشكّ ومخاض وآلام ومطاردة ووجع وعُري وجلد وهُزء وشوك ومسامير وصلب ودموع، حتى المعصرة والجلجثة.. وها الكنيسة على مثال العذراء مريم تتألم حتى اليوم، وتسجل كل يوم رحلة صليب العبد المتألم والقائم من الأموات، في شركة الطريق؛ لأنها لا تعرف شيئًا إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبًا، وتتمم في جسدها (أعضائها)؛ ما نقص كمطابقة المثيل لمثيله. فيا عذراء يا أم العبد المتالم اشفعي في المشردين والمنفيين والمنحورين في عالمنا، لأن شفاعتك قوية ومقبولة؛ وقد غيرتِ الأزمنة في قانا الجليل فغيري الأزمنة؛ يا قوية في الحروب ومعدن الجود والبركات. القمص أثناسيوس چورچ كاهن كنيسة مارمينا قلمنج الاسكندرية
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل