المقالات

23 فبراير 2026

مذاقة الروح

يمتاز القديس مكاريوس الكبير (300-390م) في كتاباته باستخدام تشبيهات لطيفة متنوّعة للتعبير عن أفكاره الروحيّة.أقتطف لحضراتكم في هذا المقال سبعة تشبيهات أَورَدَها في العظة السابعة عشرة من عظاته الخمسين الشهيرة؛ والتي استَخدَم فيها مئات التشبيهات البديعة.. مشجِّعًا إيّاكم على قراءة هذه العظات العميقة واللذيذة1 1- كما كانت المسحة في أيّام الأنبياء هي أثمن من جميع الأشياء، إذ أنّ المسحة جعلتهم ملوكًا وأنبياءَ، هكذا الأشخاص الروحيّون الآن، الذين يُمسَحون بالمسحة السماويّة (الميرون) فإنّهم يصيرون مُسَحَاء بحسب النعمة، فيكونون هم أيضًا ملوكًا وأنبياء للأسرار السماويّة هؤلاء هم أبناء وأرباب وآلهة، مأسورورن ومُستعبَدون لنعمة الله، ومستغرِقون في العُمق، مصلوبون ومُكرَّسون. 2- حينما يكون إنسانٌ ما صديقًا للإمبراطور، ويعمل في قصره، ويتعرّف على أسراره وخفاياه، ويَنظُر أُرجوانَه (ملابسه الملوكيّة)، فإذا صار ذلك الإنسان هو نفسه إمبراطورًا فيما بعد، وتُوِّج، فإنّه لا يندهش أو يُصدَم (بما في القصر) حيث أنّه سبق أن تدرّب طويلاً في أسرار القصر وخفاياه فلا يستطيع شخص ساذج أو جاهل أو غريب عن خفايا القصر أن يَدخل القصر ويملك، بل يستطيع ذلك فقط أولئك الذين لهم خبرة وتدرُّب. كذلك المسيحيُّون الذين سيملكون في الدهر الآتي، فإنّهم لا يَستغرِبون، إذ أنّهم سبق أن تعرّفوا على أسرار النعمة وخفاياها. 3- كمثل إنسانٍ فقير، يرى نفسه غنيًّا في حلم الليل، وحينما يستيقظ من النوم يجد نفسه فقيرًا عريانًا مرّةً أخرى، كذلك الذين يتحدّثون الحديث الروحاني، ويَظهَرون كأنّهم يتحدثون بكفاءةٍ تامّة، ولكنّهم إن لم يكونوا حاصلين على الشيء الذي يتحدّثون عنه، مُتحقَّقًا في قلوبهم بالتذوّق والقوّة والاختبار الشخصي فإنّه لا يكون لهم سوى مظهر باطل وخيال وهمي. 4- كما أنّ السمكة لا تستطيع أن تعيش خارج الماء، ولا يستطيع أحد أن يمشي بدون قدمين، أو يرى النور بدون عينين، أو يتكلّم بدون لسان، أو يسمع بدون أذنين، هكذا بدون الرب يسوع وعمل قوّته الإلهيّة، لا يستطيع أحد أن يعرف أسرار الله وحكمته، أو أن يحصل على الغنى الحقيقي ويصير مسيحيًّا. 5- من السهل جدًّا على أي إنسان أن يقول: "هذا الخبز مصنوع من القمح". ولكن كان ينبغي أن يخبرَنا عن كيفيّة إعداده وعَجنِهِ بالتفصيل. هكذا فإنّ التحدُّث عن التحرُّر من الأهواء وعن الكمال هو أمر سهل، ولكن خبرة الوصول إلى الكمال ليسَتْ أمرًا هيِّنًا. 6- أولئك الذين يتحدّثون بالأحاديث الروحيّة، بدون أن يتذوّقوا ما يتحدّثون عنه، يُشبهون إنسانًا مسافرًا في صحراء مُقفِرة تحت أشعة الشمس المُحرِقة، وبسبب عطشه فإنّه يتخيّل صورة ينبوع ماءٍ جارٍ ويرى نفسه وهو يشرب منه، بينما تكون شفتاه ولسانه كلّها جافّة مشتعلة من شدّة العطش الذي يتملّكه. أو كمثل إنسانٍ يتحدّث عن العسل ويقول أنّه حلو، مع أنّه لم يذُقْهُ قط، ولذلك فإنّه لا يعرف قوّة حلاوته. 7- المسيحيّة هي في الحقيقة طعامٌ وشراب؛ فكلّما أكل الإنسان منها ازداد قلبه ولَعًا بحلاوتها، فلا يتوقَّف أو يكتفي بل يطلب المزيد، ويستمرّ يأكل بلا شبع أو امتلاء.وإذا أُعطِيَ شرابٌ حُلوٌ لإنسان عطشان، فإنّه بعد أن يتذوّقه يزداد عطشًا إليه ويشتاق إليه بحرارةٍ أكثر من الأوّل.الحقيقة أنّ مذاقة الروح تُشبِه ذلك، ولكن بغير حدود، حتّى أنّه لا يوجَد شيء يمكن أن يُمثَّل به. هذه ليست مجرّد كلمات، فهذا فِعل الروح القدس وعمله الذي يعمله في الخفاء في القلب. القمص يوحنا نصيف كاهن كنيسة السيدة العذراء شيكاغو
المزيد
04 فبراير 2026

بمناسبة صوم يونان غوّاصة لحميّة

تثور حول الحوت في قصّة يونان العديد من التساؤلات كم يبلغ حجم مثل هذه الحيتان؟ وكيف تعيش وماذا تأكل؟ وكيف لم يمُت يونان أثناء وجوده في داخل الحوت لمدّة ثلاثة أيّام؟! أحاول في هذا المقال الإجابة على مثل هذه التساؤلات.. في البداية يلزمنا أن نؤكِّد أنّ قصّة يونان هي قصّة تاريخيّة حقيقيّة وقد ذكرها السيّد المسيح في تعليمه لنا أكثر من مرّة، وأكّد أنّ وجود يونان في بطن الحوت هو مثال لدفن ابن الإنسان في بطن الأرض وكما خرج يونان حيًّا من الحوت فسوف يقوم ابن الإنسان من الأموات بعد ثلاثة أيّام. الحيتان أنواع كثيرة، ولكن غالبًا النوع الذي ابتلع يونان ويتوافق تمامًا مع ما ذُكِرَ في الكتاب المقدّس هو: الحوت الأزرق وهو يشبه بحقّ غوّاصة ضخمة أعدّها الله لاحتضان يونان وإنقاذه من خطر الموت غرقًا ثمّ توصيله سالِمًا إلى برّ الأمان ولنأخُذ بعض المعلومات عن هذا النوع من الحيتان لنرى كيف أنّ الله عجيب في خليقته وفي تدابيره من أجل خلاص أولاده..! الحوت الأزرق (Blue whale) هو حيوان بحري من الثدييات التي تُرضِع أولادها وهو يُعتَبَر أضخم الكائنات الحيّة التي ظهرت على وجه الأرض إنّه أكبر من الديناصور حيث يتراوح طول الحوت الأزرق البالغ بين 20 مترًا و33 مترًا أمّا وزنه فبين 90 طنًّا و180 طنًّا ووزن لسانه وحده مثل وزن فيل ووزن قلبه مثل وزن سيّارة..! هو نوع من الحيتان عديمة الأسنان ويتميز بلون جلده الأزرق الداكن أو الرمادي ورأس هذا الحوت تبلغ حوالي ربع طول جسده وعندما يفتح فمه يمكن أن يستوعِب سيّارة نقل والعجيب أنّ هذا الحوت العملاق يتميّز بالهدوء الشديد وبالحياء والخجل..! الحوت الأزرق يسبح على سطح مياه البحار والمحيطات بسرعة تتراوح بين 10 كم/س و32 كم/س ويعيش في مجموعات صغيرة أو كبيرة ويتميّز بالعُمر الطويل بمتوسّط 80-90 سنة كما أنّ صوته من أعلى وأقوى الأصوات التي يمكن أن يُصدِرها كائن حيّ وتستطيع الحيتان من هذا النوع أن تسمع بعضها تحت الماء على بُعد يصِل إلى ألف وستمائة كيلومتر..! يتغذّى الحوت الأزرق على قشريّات بحريّة صغيرة تشابه الجمبري فيقوم بملء فمه بكمية ضخمة من المياه ثم يغلق فمه ويبدأ في استخدام لسانه لطرد الماء خارجًا فيمرّ الماء من خلال أهداب كبيرة على جانبيّ الفم تاركًا الطعام متعلِّقًا بهذه الأهداب من المؤسف أن شركات صيد الأسماك جارت على الحوت الأزرق طوال النصف الأول من القرن العشرين حتى كادت تفنيه وبسبب الصيد المستمرّ أخذت أعداد الحيتان الزرقاء في التناقص المستمر في مختلف البحار والمحيطات حتى أوشك هذا النوع العملاق على الانقراض والأعداد الباقية من هذه الحيتان في كلّ العالم اليوم تتراوح بين عشرة آلاف وخمسة وعشرين ألفًا من أصل يزيد عن 300 ألف حوت أزرق في بداية القرن العشرين وقد صدر قانون عالمي بمنع صيده عام 1966م للحفاظ على المتبقّي منه بقدر الإمكان لعلّنا نرى الآن كيف أعدّ الله هذا الكائن العملاق لكي يبتلع يونان ويحفظه سالمًا بغير أذى فهو حوت يَسبَح بالقُرب من سطح البحر وليس في الأعماق وهو بدون أسنان فلم يجرح يونان وجوفه كبير جدًّا يتّسع لعدّة أشخاص وهو يتنفّس كالإنسان وليس كالأسماك فتدخل إليه كل فترة كميّة كبيرة من الهواء تكفي باستمرار لتنفُّس يونان لقد كان هذا الحوت العظيم بمثابة غوّاصة لحميّة أعدّها الله لإنقاذ يونان من الغرق والعودة به سالمًا إلى الشاطئ إذ أنّه حتّى لو كان يجيد السباحة فلم يكُن من الممكن أن يصل إلى الشاطئ لبُعد المسافة وشدّة الأمواج وغياب الرؤية فكانت هذه الغوّاصة العجيبة هي خيرُ مَن يحمله بالقرب من البَرّ وفي الطريق داخل الحوت يهدأ ويتوب يصوم ويصلّي ويستعيد -بالرغم من برودة المياه- حرارته الروحيّة بصراخ وتسابيح من عمق القلب وهكذا يؤهَّل للبدء في حياة جديدة قائمًا من الموت مستعدًّا لخدمة أمينة وناريّة! القمص يوحنا نصيف كاهن كنيسة السيدة العذراء بشيكاجو
المزيد
03 فبراير 2026

تساؤلات حول قصة يونان

جاءتني بعض التساؤلات عن الأحداث الخاصّة بسفر يونان، يسعدني مناقشتها باختصار في هذا المقال. 1- هل الحوت أرجَعَ يونان لشاطئ البحر مرّة أخرى، ثم أمر الربّ يونان ليذهب لنينوى فسافر إلى هناك؟ أم أنّ الحوت أوصله بطريقة ما لنينوى، مع الوضع في الاعتبار أنّها بعيدة تمامًا عن شاطئ البحر؟! الحوت ألقى يونان على شاطئ البحر المتوسط وبعدها سافر يونان إلى نينوى.. وهذا واضح في السِّفر، أنّ الحوت بعدما قذف بيونان إلى البرّ، صار له قول الربّ ثانيةً: قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة، ونادِ لها المناداة التي أنا مكلّمك بها. 2- كيف عرف يونان أنّه بقِيَ فى الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ؟ عرف يونان مُدّة بقائه في الحوت بعدّة طُرُق؛ فالحوت يصعد كلّ بضع دقائق على السطح ليتنفس، فكان يونان يرى النور أو الظلام، عندما يفتح الحوت فمه ويُدخِل إليه كميّة من الماء والهواء.. ويمكننا جميعًا القراءة عن مواصفات الحوت الأزرق، وطريقة تغذيته وتنفّسه وحركته.. أيضًا بعد خروج يونان إلى الشاطئ، فهو سيعرف من الناس ما هو اليوم الحالي في الأسبوع، وبالتالي سيعرف عدد الأيّام التي قضاها في البحر. 3- هل التقى يونان بالبحّارة، ليَعرف أنّهم ذبحوا ذبيحةً للربّ ونذروا نذورًا (يون1: 16) بعد أن ألقوه في البحر، وهدأت العاصفة؟ لا أعرف.. هل التقى يونان بأحد النوتيّة في وقتٍ لاحق؟ أم عرف ما فعلوه عن طريق شخص آخر..! 4- هل يونان بالتأكيد هو ابن الأرملة في قصّة إيليّا؟ وهل هذا موجود في التقليد اليهودي؟ أم أنّنا لا نعتمد على التقليد اليهودى.. مع الوضع في الاعتبار أنّ هناك فيلم ليونان كان موجود به شخصيّة والد يونان و اخوته.. فأين الحقيقة؟! الحقيقة أنّي لم أر الفيلم، ونحن عمومًا لا نبني معرفتنا على الأفلام.. لا يوجَد تأكيد أنّ يونان هو ابن الأرملة.. بل أنّ هذا احتمال بعيد وغير منطقي.. فأرملة صرفة صيدا ليست يهودية، وقد كانت تسكن في منطقة بعيدة عن شعب إسرائيل، بينما يونان هو نبي يهودي، من بلده اسمها جَتّ حافر (2مل14: 25)، وهي قرية تبعد حوالي خمسة أميال فقط شمال مدينة الناصرة.. لم يذكر ق. كيرلّس السكندري في تفسيره لسفر يونان أيّ شيء عن هذا الموضوع. هناك فارق زمني يبلغ حوالي سبعين سنة بين الوقت الذي عاش فيه إيليّا والوقت الذي عاش فيه يونان.. وهذا نعرفه من تاريخ الملوك المعاصرين. هنا يحقّ لي أن أتساءل: - أين جاء في أي كتاب تقليد يهودي أنّ يونان كان ابن أرملة صرفة صيدا؟! - كيف يكون ابنها، وهي سيدة أممية، وليست يهودية..؟! فمعروف أن منطقة صرفة صيدا هي منطقة فينيقية على ساحل البحر المتوسّط، خارج حدود إسرائيل. - ما الفائدة من ربط أحداث مختلفة ببعضها البعض، بينما لا يوجد بينهما أيّة علاقة؟!! لعلّي أختم إجابتي على هذا السؤال، بأنّنا نحتاج دائمًا لتنقية تراثنا القبطي من الفولكلور الشعبي الذي يتسلّل من آن لآخَر إلى التعليم الكنسي، ويتسبّب في تشتيت الانتباه بعيدًا عن الحقائق الهامّة الخلاصيّة التي تفيدنا وتبنينا في المسيح. 5- هل الله هو مَن ألقى يونان في البحر؟ أم أنّه ألقى نفسه بقراره الشخصي بسماح من الله؟ إذ يقول في صلاته: لأَنَّكَ طَرَحْتَنِي فِي الْعُمْقِ فِي قَلْبِ الْبِحَارِ، فَأَحَاطَ بِي نَهْرٌ. جَازَتْ فَوْقِي جَمِيعُ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ (يون2: 3). الله سمح بإلقاء يونان في البحر، عن طريق القُرعة، وبأيدي البحارة.. وكان قد أعدّ له حوتًا ليبتلعه ويحفظه سالمًا حتّى يقذفه على الشاطئ..! كان غرض الله أن ينقذ يونان من السير في الطريق الخطأ، ويعيده للمسار السليم، ويُعِدّه للكرازة بقوّة.. فيكون مثمرًا في كرازته بعد أن اختبر قوّة الله التي خلّصته من الموت..! 6- أين هي "ترشيش"؟ القديس كيرلّس الكبير، في تفسيره لسفر يونان، يرى أنّ ترشيش هي طرسوس، بمقاطعة كيليكيّة جنوب أسيا الصغرى، وهي التي وُلِد فيها فيما بعد شاول الطرسوسي (القدّيس بولس الرسول).كل عام والجميع بخير وفرح وسلام،، القمص يوحنا نصيف القمص يوحنا نصيف كاهن كنيسة السيدة العذراء بشيكاجو
المزيد
02 يناير 2026

مع احتفالنا بميلاد ربّنا يسوع حوار حول جسد المسيح

يؤكِّد القدّيس أثناسيوس الرسولي أنّ ابن الله الكلمة عندما تجسَّد قد اتّحَد بجسد بشري مماثل لنا تمامًا، لكي يُقَدِّس أولئك الذين أتى إليهم، والذين يَقبَلونه بأمانة فماذا كانت مُكتَسَبات البشريّة من أنّ الله يَتَّخِذ جسدًا مثل أجساد البشر لكي يتّحد به؟ وما هي طبيعة جسد المسيح؟ وهل كان به ضعفات بشريّة؟ وما أهمّيّة أن يتجسّد الله؟ وما قيمة أنْ نتّحِد نحن به؟! سنعرض بنعمة المسيح في هذا المقال بعض فقرات من كلمات للقدّيس أثناسيوس كي تشرح لنا هذا الموضوع: قيل عن خواصّ الجسد أنّها خاصّة به [بالكلمة] حيث إنّه كان في الجسد، وذلك مثل أن يجوع، وأن يعطش، وأن يتألّم، وأن يتعب، وما شابهها من الأمور المختصّة بالجسد، بينما مِن الناحية الأخرى فإنّ الأعمال الخاصّة بالكلمة ذاته مثل إقامة الموتَى، وإعادة البصر إلى العميان، وشفاء المرأة نازفة الدم، قد فعلها بواسطة جسدِهِ، والكلمة حَمَلَ ضعفات الجسد كما لو كانت له، لأنّ الجسد كان جسده. الجسد الذي حَمَل الضعفات، هو جسده الخاصّ، وبينما هو نفسه لم يُصِبْه ضررٌ أبدًا «حَمَلَ خطايانا في جسده على الخشبة» كما قال بطرس (1بط2: 24)، فإنّنا نحن البشر قد افتُدِينا من أوجاعنا، وامتلأنا ببِرّ الكلمة. عندما تألّم الجسد، لم يكُن الكلمة خارجًا عنه، ولهذا السبب يُقال إنّ الآلام خاصّة بالكلمة، وعندما عمل أعمالَ الآبِ لاهوتيًّا، لم يكن الجسد خارجًا عنه، لكنّ الربَّ عمل هذه الأعمال في هذا الجسد نفسه. لو كانت أعمال ألوهيّة الكلمة لم تحدُث بالجسد، لَمَا كان الإنسان قد تألّه، وأيضًا لو أنّ الضعفات الخاصّة بالجسد لم تُنسَب للكلمة، لَمَا كان الإنسان قد تحرّر منها تمامًا أمّا الآن فإذ صار الكلمة إنسانًا وجَعَل الأمورَ الخاصّة بالجسد خاصّةً به، فلم تَعُد تلك الأمور تُمسِك بالجسد بسبب الكلمة الذي قد جاء في الجسد، فقد انهزمت الأوجاع بواسطته ومنذ ذلك الحين فصاعدًا لم يَبَقَ الناس بعد خُطاةً وأمواتًا بحسب أوجاعهم بل قد قاموا بقوَّة الكلمة، وصاروا غير مائتين وغير فاسدين وأقوياء دائمًا مِن هنا أيضًا فبينما وُلِدَ الجسد من مريم والدة الإله، فإنّ الكلمة نفسه يُقال إنّه قد وُلِد، وهو الذي يُعطِي بداية الوجود للكائنات الأخرى، لكي يَنقِل بداية تكوينِنا إلى نفسه، ولكي لا نرجع فيما بعد كمجرَّد تراب إلى تراب، ولكن بارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فإنّنا نُحمَل إلى السموات بواسطته لأنّنا لم نَعُد نموت بحسب بدايتنا الأولى في آدم، بل بسبب أنّ بدايتنا وكلّ ضعفات الجسد قد انتقلت إلى الكلمة، فنحن نقوم من الأرض، إذ أنّ لعنة الخطيّة قد أُبطِلَت بسبب ذاك الذي هو كائن فينا، والذي قد صار لعنةً لأجلنا. وكما أنّنا نحن جميعًا من الأرض وفي آدم نموت، هكذا نحن إذ نُولَد من فوق من الماء والروح فإنّنا في المسيح نُحيا جميعًا. فلا يعود الجسد فيما بعد أرضيًّا بل يكتسب قوّة بسبب كلمة الله، الذي لأجلنا صار جسدًا حينما يُقال عنه، إنّه يجوع، وإنّه يعطش، وإنّه يتعب، وإنّه لا يَعرِف، وإنّه يَنام، وإنّه يبكِي، وإنّه يَسأَل، وإنّه يَهرَب، وإنّه يُولَد، وإنّه يتجنّب الكأس، وعمومًا إنّه يحتمل كلّ ما يخصّ الجسد، فينبغي أن يُقال في كلّ حالة من هذه الحالات.. أنّه يفعل هذا بالجسد لأجلنا.. لكي لا تُعتَبَر هذه الآلام خاصّة بطبيعة الكلمة ذاتها، بل هي خاصّة بطبيعة الجسد ذاتها لذلك لا ينبغي أن يَعثُر أحد بسبب الأمور الإنسانيّة، بل بالحرى فليَعرِف، أنّ الكلمة نفسه بالطبيعة هو غير قابل للتألّم، ومع ذلك فبسبب الجسد الذي اتّخذه تُقال عنه هذه الأمور، حيث إنّها أمورٌ خاصّة بالجسد، والجسد نفسه خاصّ بالمُخَلِّص؛ فبينما هو نفسه غير قابل للتألُّم بالطبيعة، ويظّل كما هو دون أن تؤذيه هذه الآلام، بل بالحرى إذ هو يوقفها ويلاشيها، فإنّ آلام البشر تتغيّر وتتلاشَى في ذلك الذي هو غير متألِّم وحينئذٍ يصير البشر أنفسُهم غير متألّمِين وأحرارًا من هذه الأوجاع إلى الأبد يستطيع الجسد [الخاصّ بالمسيح وهو يُعَبِّر عن لسان حالنا أيضًا نحن البشر المؤمنين به والثابتين فيه] أن يقول: أنّا من التراب وبحسب الطبيعة مائتٌ ولكن فيما بعد قد صِرتُ جسدَ الكلمة وهو حَمَلَ أوجاعي مع أنّه هو نفسه غير متألِّم هكذا صِرتُ أنا حُرًّا من هذه الأوجاع، ولم أعُدْ بَعد مستَعبَدًا لها بسبب الربّ الذي قد حرّرني منها لأنّكَ إن كنتَ تَعتَرِض على تحرّري من ذلك الفساد الذي هو من طبيعتي، فانتبِه أنّك بهذا تعتَرض على أنّ كلمة الله قد أخذ صورةَ العبد الخاصّة بي. لأنّه كما أنّ الربَّ بِلِبْسِهِ الجسد قد صار إنسانًا، هكذا نحن البشر فإنّنا نتألّه بالكلمة، باتّحادنا به بواسطة جسده، ولهذا فنحن سنرث الحياة الأبدية. [المرجع: المقالة الثالثة ضدّ الأريوسيّين، للقدّيس اثناسيوس الرسولي، فقرات 31-34. الترجمة عن الأصل اليوناني للدكتور مجدي وهبة (القس صموئيل وهبة) والدكتور نصحي عبد الشهيد – مراجعة الدكتور جوزيف موريس فلتس. إصدار المركز الأُرثوذكسي للدراسات الآبائيّة بالقاهرة] القمص يوحنا نصيف كاهن كنيسة السيدة العذراء بشيكاجو.
المزيد
15 ديسمبر 2025

لماذا أتى..؟!

"إيفا" فتاة لطيفة أوصاها والداها عند خروجها للمدرسة بعدم شراء أيّة مأكولات من الباعة الجائلين، لأنها تكون مكشوفة ومعرّضة للتلوث..وعدَتْ "إيفا" أن تطيع، ولكنّها بسبب إغراء البائع لها اشترت منه وأكلت، رغم تحذيرات والديها.. وفعلاً كان الطعام ملوثًا، ودخل الميكروب جسمها.. بدأت تشعر بالمرض يدبّ في كيانها والآلام الشديدة تعتصرها، فقد أُصيبَت بحالة تسمُّم خطير..وصلَتْ المنزل بصعوبة، وعندما فتحت والدتها الباب فوجئت بها شاحبة الوجه، لا تستطيع الكلام وتتحرّك بصعوبة بالغة.. فبادرتها الأم: هل أكلتِ من الأكل الملوَّث الذي قلت لكِ لا تأكلي منه؟.. لم تستطع "إيفا" الردّ بل ارتمت على أقرب سرير كالجُثّة الهامدة في انتظار الموت الأكيد..!ما هو الحل؟+ هل تكفي التوبة؟!هل تعتذر لوالديها، وتتأسّف لهم كثيرًا وتطلب المغفرة.. وتتوب عن هذا العمل؟.. هل هذا سينقذ حياتها؟!.. إنّها تموت.. ومهما اعتذرت وتابت فلن تُحَل المشكلة ولن تحيا!+ هل تحتاج إلى مزيد من الوصايا؟هل يؤنبها والداها على عدم طاعتها، ويوصيانها بعدم تكرار مثل هذه الأفعال الخاطئة؟ ولكن ما فائدة كلّ هذا والبنت تموت..؟! كلّ هذه الوصايا لن تستطيع أن تُحييها.. فهي تحتاج لمَن يُحيِيها..!+ هل نغيِّر الجوّ المحيط بها؟بأن يغطّيها والداها بالأغْطية، أو يعملوا لها كمّادات بسبب حرارتها المرتفعة.. أو.. أو.. كلّ هذه الأشياء من الخارج لن تُعالِج المرض الذي يسري في الدم.. في الداخل..!عندما جاء الطبيب أشار بأنّ الحلّ الوحيد لإنقاذ حياة "إيفا" (وهي كلمة قبطيّة تعني بالعربيّة "حواء"):1- مَصل أو مضاد حيوي قوي جدًا.. أقوى من الميكروب.2- يدخل الدواء إلى داخل جسمها، ويتّحد بها ويسري في دمها.3- يُعطَى الدواء بجرعات متتالية منتظمة، حتى نقضي على سيطرة الميكروب اللعين.. فيضمحلّ المرض تدريجيًا وتبدأ الحياة تدبّ فيها من جديد.4- تعيش طوال حياتها على جرعات ثابتة ممتدّة المفعول من الدواء، تتناولها بانتظام، حتى تظلّ السيطرة كاملة على الميكروب ولا ينتعش من جديد..!+ هذه القصّة تمثّل مأساة الإنسان، عندما سقط بغواية إبليس ودخل ميكروب الخطية في كيانهِ، ولوّث طبيعته، وبدأ الموت يدب فيه.. والحلّ الوحيد كان أن نأخذ قوّة تتّحد بكياننا، لنغلب ميكروب الخطية الذي فينا.. وهو ما نلناه عندما أخذ ربنا يسوع عجينة البشرية من السيدة العذراء، واتّحد ببشريتنا ليحيينا ويعطينا قوّة تشفينا من الخطيّة وآثارها..!+ لم يكُن ممكنًا أن يكتفي آدم بالتوبة والاعتذار لله، ولا تكفي وصايا وشرائع العهد القديم، ولا يصلُح العلاج من الخارج بتغيير الجوّ المحيط، بالنظافة والأخلاقيات.. فالمرض من الداخل ولابد أن يكون العلاج أيضًا من الداخل.. بدواء قوي هو نعمة المسيح التي كان التجسُّد هو مفتاحها الأول.. ونحن نتزوّد بها من خلال الأسرار الكنسيّة المُقدَّسة..من هنا تأتي أهمية التناول المنتظم ليثبت المسيح فينا، ويظلّ مستوى النعمة مرتفعًا في داخلنا، وبالتالي يظلّ الإنسان العتيق، أي تيّار الخطيّة، مقهورًا فاقدَ القدرة والتأثير.. أمّا إذا أهملنا في التزوُّد المنتظِم بالدواء أي بوسائط النعمة فسيبدأ ميكروب الخطيّة في الانتعاش، وتظهر آثاره الخطيرة فينا مرة أخرى..![فكرة المقال مأخوذة عن نبذة "لماذا التجسّد؟" للقس بيشوي صدقي] القمص يوحنا نصيف كاهن كنيسة السيدة العذراء شيكاغو
المزيد
04 نوفمبر 2025

العودة إلى الحياة

معجزة إقامة ربنا يسوع المسيح لابن أرملة نايين، والتي نقرأها في إنجيل الأحد الرابع من شهر بابه، هي معجزة انفرد بذكرها إنجيل معلمنا القديس لوقا (لو7: 11-17)، وهي إحدى ثلاث معجزات لإقامة موتى ذكرهم الكتاب المقدّس بالتفصيل، مع إقامة ابنة يايرس (مت9، مر5، لو8)، وإقامة لعازر (يو11).هذه المعجزة تحمل العديد من المعاني الجميلة.. وسأكتفي ببعض تأملات تلّغرافية مختصرة في بعض هذه المعاني: منظر الشاب المحمول ميّتًا، هو منظر البشريّة التي كانت سائرة إلى الهاوية، فافتقدها المسيح وغيّر مسارها.. أحياها وعاد بها مرّة أخرى..! وهو أيضًا منظر كل نفس ماتت في الخطيّة، والكنيسة تبكي عليها.. فيأتي المسيح ويحييها، ويردّها بفرح لحضن الكنيسة أمّها..! المسيح هو الشخص الوحيد الذي يمكنه إيقاف مسيرة الموت هذه.. هو الوحيد القادر على تحويل الموت إلى حياة والأحزان إلى أفراح.. هو الوحيد الذي يستطيع إعادة الإنسان إلى الحياة بعد الموت..! الموت هو ثمرة الخطيّة.. ثمرة مُرّة جدًّا.. تكشف عن بشاعة الخطيّة، وخطورة الاستهانة بها مهما بَدَتْ صغيرة..! منظر الجنازة يكشف كيف أن الإنسان لن يخرج من العالم بشيء.. فلابد أن يعمل حسابًا لهذا اليوم، ولا يضع رجاءه في هذا العالم ولا في أمواله.. ولعلّ القدّيسين من أمثال الأنبا بولا أول السواح يعطوننا النموذج في الاستفادة من مثل هذه الظروف..! «تحنّن عليها، وقال لها لا تبكي».. حنان المسيح هو قاعدة الانطلاق التي نبعت منها كلّ تدابير خلاصنا، وهو لا يزال الينبوع الذي يفيض بالبركة والفرح على كلّ ألمَ مُقبِلين إليه «ثم تقدّم ولمس النعش» لَمْس النعش إشارة للتلامس مع محبة المسيح وقوّته، وإشارة أيضًا إلى القوّة التي نحصل عليها من التلامس مع جسد المسيح ودمه الأقدسين في التناول من الأسرار المقدّسة «أيها الشاب لك أقول قُم» كلمة المسيح مُقتدرة في فعلها لقد استَدعى بكلمة بسيطة روح الشاب من أعماق الهاوية.. فهو القادر أن يهب الحياة لمن يشاء (يو5: 21) لأنه رئيس الحياة (أع3: 15) لذلك عندما مات على الصليب لم يستطِع الموت أن يمسكه (أع2: 24)، بل هو الذي ربط الشيطان وكسر سلطانه علينا «فجلس الميت وابتدأ يتكلّم، فدفعه إلى أمّه» بعد القيامة (التي ننالها في سِر المعموديّة، وتمتدّ في حياتنا بالتوبة) يقدّمنا المسيح إلى الكنيسة أمّنا، لكي نرتمي في أحضانها، ونعيش تحت ظِلّ أمومتها نتمتّع بغناها ودفء محبّتها، وبما تعدّه لنا من أطعمة لذيذة ومغذية، التي هي الأسرار المقدّسة والتعاليم الآبائية المُشبِعة..! «افتقد الله شعبه» هو دائمًا يفتقدنا يمرّ علينا يريد أن يغيّر حياتنا إلى أفضل يهتمّ بأن يُحوِّل أحزاننا إلى أفراح ودموعنا إلى بهجة وتهليل يشتاق أن يغيِّر مسيرتنا من الاتجاه للقبر إلى اتجاه العودة مرّة أخرى للحياة الله دائمًا يفتقدنا بلمساته وكلماته، فطوبى لمن يتجاوب مع هذه اللمسات وهذه الكلمات، وأقصد بها التناول والعظات فتتجدّد حياته، ويتغيّر مساره، وتتحوّل أحزانه ودموعه وحسرته إلى أفراح وتهليل وبركات..! القمص يوحنا نصيف كاهن كنيسة السيدة العذراء شيكاغو
المزيد
07 أكتوبر 2025

المرأة الخاطئة في بيت الفرّيسي

حادثة لقاء المرأة الخاطئة بالسيّد المسيح فى بيت الفرّيسي (لو7)، هي حادثة فريدة مملوءة بالأسرار إذا أردنا أن نقترب منها لكي نفهمها، فسيلفت نظرنا بعض المُفردات التي جاءت في حديث السيّد المسيح، إذ أنّ المرأة لم تتكلّم قطّ، لقد عبّرت فقط بدموعها وقُبلاتها وطِيبِها..! جاء في حديث الربّ يسوع بعض المفردات الهامّة، مثل: الدَّيْن - الحُبّ - الإيمان - الغفران - الخلاص - السلام وكلّ كلمة تحتاج إلى الوقوف عندها كثيرًا والتأمُّل في معناها..! تبدو المرأة وقد جاءت للسيّد المسيح كمريضٍ، متألِّم، مُعَذَّب، مأسور بمرض لعين، يطلب الشفاء والراحة والحرّيّة والسلام.. فالخطيّة بالفِعل مرض خطير جدًّا يستعبِد الإنسان ويحطِّمه من الداخل والخارج، ويدمّر مشاعره وإرادته بالتدريج حتّى ينهار بناؤه تمامًا لقد أدركت هذه المرأة أنّها في وضع لابد من تغييره، ولذلك تمسّكت بقدميّ السيّد ولسان حالها يصرخ مع يعقوب أبّ الآباء: "لا أُطلِقك إن لم تباركني" (تك32: 26). يبدو لي أنّ توبة هذه المرأة قد بدأت في وقت سابق وظهرَت بقوّة في هذا الموقِف وهذا يتوافق مع كلام السيّد المسيح عن الدَّيْن فقد تمتّعت هذه المرأة بحُبّ واهتمام الربّ بها وتحريرها من عبوديتها للخطيّة، وعندما كَسَرَ سلطان الشيطان عنها، أُسِرَتْ بحبّه وجاءت مُعترفةً بفضله لقد دفع المسيح ديونها، أو بالأحرى سامحها بما كانت مديونة به، فصارت مديونة لحبِّه فتملّك حُبّه على كيانها، وبدأت دموعها تفيض بغزارة عند رجليْهِ اللتيْن حرّرتاها من العبوديّة، وانطلق فمُها لا يكُفّ عن تقبيل قدميه لقد كانت هذه هي لغة الشكر والتمجيد التي استخدمتها للتعبير عن مشاعرها المغلوبة من محبّته. كان شعورها بالدَّين الكبير الذي وفّاه المسيح عنها دافِعًا لها لكي تأتي بإيمان، وتطلب الغفران والمراحم بدموع غزيرة وقبلات لا تتوقّف، لتحنِّن قلب المُدَايِن، فنالت بالفِعل الغفران والخلاص والسلام وهذه هي التوبة بوجه عام؛ مكانها عند أقدّام المسيح، أسلوبها الخشوع والدموع والقبلات، وثمرتها الغفران والسلام والفرح. الناموس لا يعرف غفران الخطايا، ولكن كنيسة العهد الجديد تعرف وهذا ما تقدِّمه لنا الكنيسة في كلّ صلاة ليتورجيّة نحضرها بتوبة وخشوع، إذ تصلِّي لنا التحليل في نهاية كلّ صلاة من أجل غفران خطايانا وتطهير حياتنا وملئها بالبركة الإلهيّة. تَمَيّز سلوك هذه المرأة في تلك الحادثة بتواضُع عجيب، بدونه لم تكُن تقدر أن تفعل ما فعلته، فالتواضع صديق التوبة وسندها، بعكس الكبرياء الذي يعطّل دائمًا التوبة ويقف أمامها كحجر عثرة أيضًا نلاحظ أنّ المرأة كانت في حالة تركيز شديد على شخص المسيح العريس الحبيب، والطبيب الوحيد القادر على شفاء جراحاتها، فلا أعتقد أنّها رفعت نظرها إطلاقًا لترى شخصيّات المدعوّين المتّكئين في البيت وأخيرًا فهي قامت بتقديم أغلى ما لديها من دموع ثمينة وقُبلات حارّة وطِيب غالي الثمن، وحتّى شَعْرها الذي كان تاج جمالها صارت تمسح به قدميّ يسوع..! التلامس مع قدمي المسيح في التوبة المُنسحقة يجعل قلوبنا تتلامس مع حُبّه فنحن نحبّه لأنّه هو أحبّنا أوّلاً (1يو4: 19) ولذلك في توبتنا نصلّي كلّ ليلة كما علّمتنا الكنيسة في صلاة نصف الليل: أعطِني يارب ينابيع دموع كثيرة، كما أعطيتَ منذ القديم للمرأة الخاطئة واجعلني مُستحقًّا أن أبِلّ قدميك اللتين أعتقتاني من طريق الضلالة، وأقدّم لكَ طيبًا فائقًا، وأقتني لي عُمرًا نقيًّا بالتوبة. القمص يوحنا نصيف كاهن كنيسة السيدة العذراء بشيكاجو
المزيد
28 أبريل 2025

بعد الصليب والقيامة:

المسيح مركز الحياة الجديد كلّنا نعرف أنّ أبانا آدم كان هو رأس الجنس البشري، والمركز الذي تَفَرّع منه كلّ البشر، حتّى أنّنا نُدعى "بني آدمين" وعندما فسد هذا المركز بالخطيّة، ودبّ فيه الموت، وسرى الفساد والموت منه إلى نسلِهِ، انحدرت البشريّة إلى أسوأ درجات الشرّ، ووقَعَت تحت اللعنة، وفقدت تواصُلها مع الله الذي هو ينبوع الحياة! وظلّ هذا هو الوضع البائس للإنسان، حتّى تجسَّدَ المسيح. فباتّحاده بطبيعتنا البشريّة، دخل إلى عالمنا، واجتاز كلّ تحدّيات مراحل الحياة مثلنا؛ من طفولة وشباب ورجولة، ليبارك هذه المراحل لقد دخل بِنا إلى معاركنا لكي ينتصر لحسابنا، وينقل لنا في جسده هذا الانتصار لقد أتى المسيح ليصير رأسًا لخليقة بشريّة جديدة فهو آدم الثاني عِوَض آدم الأول، ذاك الذي صار بالخطيّة مستَودعًا للموت فأراد الله أن يُنشئ بالمسيح مركزًا جديدًا يكون مُستودَعًا للحياة، كلّ مَن يتّجه إليه،ويُغرَس في جسده بالمعموديّة، ويتغذّى باستمرار عن طريق التناول من جسده ودمه، يدخل إلى دائرة الحياة مرّة أخرى..! قبل أحداث الصليب، أشار الربّ يسوع إلى أنّه باستعلان محبّته الفائقة، عن طريق بذل نفسه على عود الصليب، سيصير مركزًا جاذِبًا جديدًا للبشر فهو قال "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليّ الجميع" (يو12: 32) لقد صار ربنا يسوع الفادي مركزًا للحياة مقابِل الموت السائد في العالم، ومركزًا للبركة مقابل اللعنة السائدة في الأرض فكلّ مَن ينتمي إليه، ويتّحِد به، يستردّ الحياة ويتمتّع بالبركة..! وبعد أن داس الموت بالموت، وقام منتصرًا، فهو يدعو كلّ إنسانٍ في العالم أن يترك المركز القديم، ويأتي إلى المركز الجديد بمعنى أن يتجاوز الانتماء للمركز القديم (آدم الأول) الذي دَبّ فيه الموت، ويُقبِل إلى المركز الجديد (آدم الثاني) الذي هو ينبوع الحياة الأبديّة يرتقي فوق الجذر الذي فسد، ويُطَعَّم في الجذر الحيّ الجديد، ويصير غُصنًا ناميًا مُثمِرًا في الكرمة الحقيقيّة كما يوَضِّح لنا القدّيس بولس الرسول أنّه "إنْ كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا" (2كو5: 17) فإذا كان المسيح قد أصبح مركزًا لحياتنا الجديدة التي لا يغلبها الموت، ويًقدِّم لنا جسده الحيّ لنتثبّت فيه كأعضاء من لحمه ومن عظامه (أف5: 30)، ويهبنا أن نتناوله طعامًا مُحيِيًا، نأكله فنحيا به (يو6: 57) فنحن بالتالي ملتزِمون أن نكون سفَراءه في هذا العالم؛ نعيش له ولتمجيد اسمه، كما قال القدّيس بولس "هُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ" (2كو5: 15) ومن هنا، فإنّ علينا تقديم المحبّة للجميع، إذ أنّ محبّتنا هي امتداد لمحبّته للعالم، ورسالتنا هي امتداد لرسالته الخلاصيّة فندعو الكلّ للتصالُح مع الله،والتمتُّع بخلاصه، كما فعل هو أيضًا، بحسب الشرح الجميل الذي يُقَدِّمه لنا الرسول الإلهي بولس "اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 19-20). حياتنا الجديدة، مركزها شخص المسيح، وقوّتها حُبّ المسيح، وضامنها دم المسيح، وهدفها مجد المسيح. القمص يوحنا نصيف كاهن كنيسة السيدة العذراء بشيكاجو.
المزيد
18 فبراير 2025

اذكروا المقيّدين

«اذكروا المقيّدين كأنّكم مُقَيَّدون معهم، والمُذَلّين كأنّكم أنتم أيضًا في الجسد» (عب13: 3) وَرَدَت هذه الآية الجميلة ضمن الوصايا الختاميّة في رسالة القديس بولس الرسول إلى العبرانيين وهي في مجملها وصايا تحثّ على التمسُّك بالمحبّة العمليّة فلماذا يطلب مِنّا الرسول أن نذكر المقيّدين بمثل هذه المشاعر الأخويّة الحارّة..؟! 1- الحقيقة أنّ المحبّة الأخويّة تبدأ بالإحساس بالآخَر الإحساس بمشاعره وظروفه واحتياجاته، إذ أنّنا أعضاء في جسد واحد، وأعضاء بعضنا لبعض (1كو12) فالمحبّة تربطنا ببعض، مثل الأعصاب التي تربط كلّ أعضاء الجسد ببعضها وتوصِّل الإحساس بينها فإذا غابت المحبّة سيفقد الإنسان الإحساس بالآخَر، وبالتالي ستفقد الممارسات الروحيّة معناها، بل وتكون غير مقبولة أمام الله وينطبق علينا قول الكتاب: «أنّ لك اسمًا أنّك حيّ، وأنت ميّت» (رؤ3: 1). 2- التلامس مع المتألّمين هو تلامس مع المسيح شخصيًّا تلامس مع أعضائه المجروحة، كما حدث مع توما فاشتعل قلبه وأضاء بنور الإيمان وصرخ: «ربّي وإلهي» (يو20: 28) وهذا التلامس مع المقيّدين قد يكون في زيارة لمسجون أو افتقاد لمريض في مستشفى، أو اهتمام بأحد كِبار السنّ مِمّن أقعدتهم الشيخوخة والأمراض مع تقديم مساهمة في احتياجات كلّ هؤلاء 3- المقيّدون ليسوا هم فقط المحبوسين والمربوطين بأمراض جسديّة صعبة، ولكنّهم أيضًا المقيّدون بالخطيّة بعادات رديئة بمحبّة ضارّة بعلاقات شرّيرة هؤلاء يحتاجون أن نذكرهم في صلاتنا، ونهتمّ بخلاص نفوسهم قدر طاقتنا، ونقدِّم لهم شخص المسيح الذي يحرِّر من كلّ قيد نقدّم لهم الحُبّ والإرشاد وكلام الإنجيل المُحيي، بروح الاتضاع والحكمة. 4- كما علّمنا السيّد المسيح، وأعطانا نفسه مثالاً، هكذا ينبغي أن نسلك فكما تألّم لأجلنا وحمل أوجاعنا، هكذا نحن يلزمنا أن نذكر المقيّدين والمُذلِّين، متذكّرين الآية الجميلة التي جاءت في رسالة غلاطية: «احملوا بعضكم أثقال بعض، وهكذا تمِّموا ناموس المسيح» (غل6: 2) فكما حمل المسيح أثقالنا، هكذا نحن ملتزمون بهذا المنهج، أن نحمل أثقال الآخرين متمثّلين بإلهنا ومخلّصنا. 5- عندما نذكر المقيّدين والمُذَلِّين، فنحن نخرج خارج ذواتنا، ونكسر طوق أنانيّتنا، فتتّسع دوائرنا وننفتح على الآخرين وهذا يساعد على نموّنا النفسي ويُثري شخصيّتنا وهو ما أوصانا به الإنجيل أيضًا: «لا تنظروا كلّ واحد إلى ما هو لنفسه، بل كلّ واحد إلى ما هو لآخرين أيضًا» (في2: 4). 6- يلزمنا أن نضع في حساباتنا دائمًا أنّ الجسد ضعيف ما أسهل أن يَمرَض أو يتألّم أو يُجرَح أو يُكسَر لذلك إذا كُنّا بصحّة جيِّدة ولا نعاني من أمراض أو قيود صحّيّة، فهذه مرحلة لن تدوم ومادام الله قد أعطانا الآن نعمة الصحّة والقوّة، فلنترفّق بالمقيّدين والمُذَلِّين، ونمدّ لهم يد المساعدة، ونحاول أن نرفع معهم بعض أثقالهم. 7- لا يظُنّ أحدٌ أنّ التلامس مع المقيّدين والمُذلِّين يولِّد غمًّا في القلب، بل العكس هو الصحيح، فإن العطاء في هذا الاتجاه بمحبّة يولِّد في القلب فرحًا وسعادةً حقيقيّة كما قال السيّد المسيح «السعادة في العطاء أكثر من الأخذ» (أع20: 35) لأنّ العطاء يحرِّك الروح القدس داخلنا، فعندما يفرح الروح بنا، فإنّه بدَورِهِ يملأ قلوبنا بالفرح والبهجة..! القمص يوحنا نصيف كاهن كنيسة السيدة العذراء شيكاغو
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل