المقالات

28 ديسمبر 2022

الله مغلوب من محبته

لا توجد خطية تغلب محبة الله، لأن الله مغلوب من محبته، هو قال لعروس النشيد: "حولي عني عينيك فإنهما قد غلبتاني " (نش 6 : 5). إن دموعنا أغلى عند الله من الوصية التي كسرناها، التوبة حصن يركض إليه الخاطئ مثل مدن الملجأ، الله نفسه هو الذي دعانا لكي نتفاوض ونتفاهم " هلموا نتحاجج ..." إنه يبحث لنا عن مخرج .. عن حلول. الله يريد أن يخلّص على كل حال قوماً، مثلما يودّ الشيطان أن ُيهلك على كل حال قوماً .. إن المشكلة هي في الخاطئ نفسه، فهو يخطي ويهرب من الله، وربما يسأله الله: أين أنت ؟ " فنادى الرب الإله ادم و قال له أين أنت" (تكوين 3 : 9) فيدافع عن نفسه ويبررها. الله يريد أن يمتلئ عرسه بالمدعوين هو أعدّ كل شيء وأعد لنا مكاناً في الملكوت. باب التوبة مفتوح وأمامه باب المغفرة. إن نهاية العام فرصة ثمينة للتخلّص مما يثقّل أعناقنا من خطايا، ونحن نشكر الله لأننا ما زلنا أحياء حتى الآن، والفرصة متاحة لنا لكي نقدّم توبة نقية، ولكي نبدأ عاما جديدا خالياً من الخطايا. وليكن عاماً مثالياً نحقق فيه ما لم نستطع تحقيقه في العام الذي أوشك على الانتهاء. هوذا صوت الرب المطمئن " من يقبل إلي لا أخرجه خارجا" (يوحنا 6 : 37). نيافه الحبر الجليل الانبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها
المزيد
29 نوفمبر 2022

الوزنات

عندما وزع السيد الوزنات على عبيده، راعى أن يعطي لكل واحد على قدر طاقته (متى 25)، فليس المطلوب من الإنسان أن يحقق نجاحاً بعينه، بل أن يتعب ويجاهد قدر استطاعته، كما أنه ليست هناك مقارنة بين شخص وآخر ولكن المقارنة الحقيقية هي بين ما يستطيعه الإنسان من جهة، وما يقدمه الفعل من جهة ُاخرى. ويلاحظ في مثل الزارع (متى 13) أن الأرض الجيدة قد أعطت في بعض مساحات منها ثلاثين ومساحات ُاخرى ستين وُاخرى مئة، ومع ذلك لا يجوز لنا أن نقارن بين مساحة وُاخرى، وانّما كل مساحة قد أعطت بما يتناسب مع البذور التي ُالقيت فيها وما نالته من حصة في الماء مع بعض عوامل ُاخرى. كذلك الجندي في المعركة، فهو ليس ُمطالباً بتحقيق النصر، بقدر ما هو مطالب بالجهاد إلى آخر لحظة من حياته، بغضّ النظر عما إذا كان جيشه منتصراً أم لا. وليست هناك مقارنة بين شخص وآخر، كما أن الله يضع في الاعتبار الظروف المحيطة، وهل كانت هناك عوامل مساعدة أم عوامل معاكسة وهكذا.. حقاً يقول الكتاب " الفرس معد ليوم الحرب أما النصرة فمن الرب (أمثال21: 31). نيافه الحبر الجليل الانبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها
المزيد
22 نوفمبر 2022

النفس بين الملامة الباطلة والرجاء الحي

يلوم الإنسان نفسه أحيانا ويقسو في ذلك حتى تصغر، وقد يكون هذا بإملاء من الشيطان ليوقعه في اليأس. وفي المقابل قد يشفق على ذاته ويدللها ويلتمس لها الأعذار ويغرقها في رجاء كاذب فينتج عن ذلك أن تمتنع عن التوبة !! أمّا اقتران الملامة بالرجاء فهو مزيج إلهي. الشيطان يسهل لنا الخطية ونحن أمامها، ويسوق لنا أمثلة لقديسين سقطوا ثم تابوا مثل داود وشاول الطرسوسي وموسى الأسود. فإذا سقطنا يعرض أمامنا أمثلة لخطاة هلكوا أمثال عخان وعزيا وحنانيا وسفيرة. يقول أحد القديسين: "جيد ألاّ تسقط فإذا سقطت فجيد ألاّ تؤجل التوبة فإذا تبت فجيد ألاّ تسقط أيضاً فإذا لم تسقط فاشكر الله على نعمته". إن الميطانية وهي تعبير عن التوبة، وتمثل حركة الحياة الروحية، عبارة عن نصفين أولهما من أعلى إلى أسفل (نحني ركبنا) والثاني من أسفل إلى أعلى نقف ثم نحني ركبنا. وهي تعني أننا باخطية انحدرنا إلى أسفل وبالرجاء قمنا من جديد، واستعدنا مكانتنا. تذكر قول الكتاب " لا تشمتي ني يا غدوتي إذا سقطت أقوم إذا جلست في الظلمة فالرب نور لي" (ميخا 7 : 8)، ويقول أحد القديسين " لا توجد خطية تغلب محبة الله". نيافه الحبر الجليل الانبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها
المزيد
15 نوفمبر 2022

المغفرة

نغفر للآخرين لكي يغفر لنا الله. والإساءات التي تلحق بنا فنغفر ونسامح، لا تساوي شيئاً إلى جوار الخطايا والتجاوزات التي تصدر عنا نحن. إذا فنحن نترك القليل لأجل الكثير. وعندئذ نصلى بدالة: واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا. وينبغي أن يفكر المرء إلى أي مدى هو محتمل، لا إلى كم أخطاء الآخرين، وان كانوا محقين أم لا. بل علينا أن نأتي باللوم على أنفسنا في كل مرة، إمّا لأننا قد نعثر الآخرين مما يدفعهم إلى الخطأ وإمّا أننا قد أخطأنا في مواقف اخرى فاستحققنا التأديب. وهذه محبة من الله "لأن الذي يحبه الرب يؤدبه". نيافه الحبر الجليل الانبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها
المزيد
08 نوفمبر 2022

المرض هل هو بركة أم تأديب

المرض هو دليل على أن الجسد ضعيف, وأن الأرض ليست مستقرنا مهما عاش (مثل المعمر الصعيدي الذي مات أول أمس عن 130 سنة). والمريض ينجذب نظره نحو السماء حيث الكمال في كل شئ فلا مرض ولا ضعف ولا نقص ولا عاهات.. الكل كامل حتى على مستوى الذهن (ولكنه كمال نسبي إذا ما قيس بالكمال الإلهي) فيزهد المريض في هذه الأرض كلما ثقل عليه المرض والمريض في ضعفه يتضع ويتوب "من تألم في الجسد كُفّ عن الخطية" (1بط 4 : 1) فلا شك أن القوة الجسدية قد تدفع صاحبها إلى الخطأ أو تجعله يتمادى في ضلاله، ولذلك يذكّره الله بين آن وآخر بضعفه, لا سيما إذا افتخر بقوة جسده, فيذكره الله بأن جسده ليس ملكاً له ولكنه وديعة يستثمرها فيما يمجد الله ويعين الآخرين، ومن ثمّ فإنه يتضع في مرضه ويشعر بضعفه وبالتالي باحتياجه إلى الله, وهكذا ينقيه المرض ويمحّصه والمريض يبدأ يشعر بآلام الآخرين وضعفهم فيشاركهم معاناتهم, وينفتح بالحب على الآخرين قيل عن السيد المسيح "لأنه في ما هو قد تألم مجربا يقدر أن يعين المجربين" (عبرانيين 2 : 18). وفي حين تطلب الكنيسة عن أولادها المرضى لكي يشفيهم المسيح وخصصت لذلك أوشية كاملة هي أوشية المرضى, فإننا قد تسلمنا من الآباء أن نطلب من الرب الشكر والإحتمال والتسليم, لا الشفاء، ولكن الكنيسة فيما تطلب الشفاء لأولادها تطلب أولاُ شفاء النفس, ففي إستطاعة النفس متى كانت هادئة شاكرة أن تعين الجسد لإحتمال آلام المرض, بينما نقرأ عن آباء كثيرين كانوا يطلبون المرض لأنفسهم إذا كان في ذلك راحة لآخرين قال أب: (كنت أطلب من الله أن يستبدل جسدي بجسد مجزوم.. ) كما ارتبط سر مسحة المرضى بالتوبة لكى يكون الشفاء الأهم هو الشفاء من الخطية "أمريض أحد بينكم فليدع شيوخ الكنيسة فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب (يعقوب 5 : 14). نيافه الحبر الجليل الانبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها
المزيد
01 نوفمبر 2022

الضمير العام

رداً على سؤال " كريم" بخصوص وجود ضمير خارجي يحميه من الحماقات المحتملة، فإنه لابد وأن يكون هناك ضميراً عاماً داخل كل إطار، كالإطار الوظيفى والإطار الكنسى والإطار الرهبانى والسياسى والأدبى والصناعى والتجارى .. إلخ بمعنى أنه لابد من وجود شخص أو مجموعة من الأشخاص يمثلون الضمير العام .. مثلما يمثل مجموعة من الخدام الضمير الرعوى بين اخوتهم وتلاميذهم .. وكذلك بعض من الرهبان الذين يمثلون الضمير الرهبانى داخل أحد الأديرة، وذلك حين ُيبدون بعض الآراء وينتقدون بمحبة بعض السلوكيات. ومثل الأم التى تعمل كضمير دراسى بالنسبة لأولادها الذين يستذكرون دروسهم، بحيث كلما لاحظت فتورهم أنهضت هممهم وضمائرهم بالتذكرة على أن يكون عمل الضمير العام هو إحياء الضمير الخاص !!. كما أنه من الضرورى أن يكون الضمير العام سوياً غير مريض، وإلا فسيكون عمله فقط هو إشعال الفتن والخصومات تحت ستار الرغبة فى الاصلاح! . وهذه هي مشكلة المُعزون المتعبون، والقادة المنحرفون الذين يظنون أنهم فقط الذين امتلكوا ناصية القضايا والمعرفة. فقد حذّر السيد المسيح بأن المضطهدين سوف يقتلون التلاميذ بضمير مستريح !! " بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله" (يوحنا 16 : 2) على العكس من ذلك فقد يسلك بعض التلاميذ بإستهتار ثم يبرز من بينهم واحداً يرفض الهزر السخيف ويعاتبهم بمحبة، ذلك إلى جوار سلوكه هو على نحو مغاير، انه بذلك يمثل الضمير العام. وفى بعض الدول يقوم شخص أو جماعة ما تنتقد بعض السياسات فى الدولة فُيوصف ذلك بأنه الضمير السياسى داخل الدولة إذن رداً على السؤال بخصوص ضرورة وجود ضمير خارجى يراجع ويهذب الضمير الداخلى، فهذا أمر لابد منه لا سيما متى كان الانسان حديث السن، ولكن ُيشترط فى الصغير ألا ينتظر الضوابط الخارجية، بينما مطلوب من المرشد أن يضبط هذا الضمير على الكتاب والمرشدين الروحيين. وإلا فإن الطامة الكبرى أن نكون مسئولين عن آخرين فنُضرّ بهم لأنهم وثقوا بنا .. انها مسئولية الآباء الروحيين والمدبرين، عندما يثق بهم الآخرون ويستوحون منهم ويقلّدونهم ويصبحون ُنسخاً منهم. مثلما ينظر خادم إلى خادم آخر فيتأثر بطريقته فى الكلام وحكمته فى السلوك وملائكيته فيصير ُملهماً له .. ويصبح من ثم ضميراً صالحاً له .. وهكذا الراهب وهكذا المدرس وهكذا التلاميذ والطلبة كلما نظروا إلى زميل لهم قد اتخذ الجدية نمطاً لحياته واسلوباً فى دراسته.هنا مسئولية الأب والأم فى المنزل .. والكاهن فى الكنيسة والمعلم مع تلاميذه. فليس المهم كيف نجتذب الآخرين لنا ولكن المهم ماذا سنهبهم متى أصبحوا فى طاعتنا وتحت أمرنا !! أتذكر أن ديفيد كورش أهلك فى أمريكا ليس أقل من عشرة آلاف من أتباعه الذين وثقوا به، فأقنعهم جميعاً بالإنتحارإذا كنت متشككاً فى الضمير الذي أمامك (وهو ما يسمى أحياناً بالأنا الأعلى لا سيّما في الطفولة) فإشرك الكنيسة معك، وإذا أردت اختيار مرشد – على أي مستوى – فليكن ذلك بتدقيق لئلا تقع فى يد مريض بدل طبيب كما قال الآباء. نيافه الحبر الجليل الانبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها
المزيد
25 أكتوبر 2022

الرياء

استخدمت كلمة مرائي في البداية في إشارة إلى الممثل المسرحي الذي يقف فوق المسرح ليتراءى للجمهور, ولكنه يتقمَّص شخصية أخرى، بمعنى أنه قد يضحك وهو غير سعيد,, أو يبكي وهو غير حزين, هو فقط يتراءى أنه بهذا الحال, فإذا صعد ممثلان فوق خشبة المسرح فهما يتراءيان أحدهما للآخر قدام الموجودين !. وهكذا مع الوقت أصبحت كلمة مرائي تعني أن يظهر شخص ما بخلاف ما يُبطن. والمرائي شخص يسعى للحصول على مديح الآخرين وكرامتهم, فقد يظهر متضعاً وهو في الواقع متعجرفاُ, وقد يظهر هادئاً وهو عصبي المزاج...إلخ علينا أن لا نظهر ما فينا من ضعفات, كما أنه علينا ألا نبالغ في اخفائها فتظهر عكسها, والوضع الأمثل هو الجهاد للتخلص من الضعفات, وعندما شبّه السيد المسيح الرؤساء المضلِّين من اليهود بأنهم يشبهون قبوراً مُبيضة من الخارج وداخلها عظام أموات وكل نجاسة (مت23) فقد قصد أن ظاهرها يوحي بالجلال والعظمة أما داخلها فهو ما يكرهه الناس والمرائي كذلك هو شخص غير صادق وهو فخ أيضاً, وإذا اكتشف الناس ضلاله فقد ُيعثرون فيه وفي الآخرين. ومثل أن يوهم شخص ما شخص آخر بأنه يحبه ثم يكتشف مع الوقت أنه غير صادق فيصدم, ولذلك يقول القديس بولس: "المحبة فلتكن بلا رياء" (رو12) وقد يكتشف الناس في النهاية أن بعض الذين كانوا في ثياب الحملان ماهم إلا ذئاب خاطفة, ويتقدم في يوم الدينونة المحتقرين والمرذولين والمُهمّشين والذين في الظل, على المشاهير وأصحاب الأسماء اللامعة والحيثيات كلما تحلّى الإنسان بالصدق كلما كان شفافاً مريحاً يشبه سيده الذى ليس عنده تغيير ولا ظل دوران (يعقوب 1 : 17). نيافه الحبر الجليل الانبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها
المزيد
18 أكتوبر 2022

الحنجرة

استخدم الآباء في حديثهم عن ضبط النفس في الصوم من جهة الطعام تعبير "حنجرة " فيصفوا المحب للأكل بـ (الحنجراني) ويقول القديس مكسيموس "غلب الحنجرة فقد غلب كل الأوجاع " والسبب في ذلك هو أن الطعام بما فيه من شهوة وشهية ولذّة وتذوق ينتهي تأثيره عند الحنجرة, إذ أن جميع الأنواع تتساوى بمجرد اجتيازها الحنجرة فإذا استطاع الانسان ضبط نفسه خلال هذه الرحلة القصيرة من "حلمات التذوق في اللسان" حتى يبتلع الطعام, فإنه يستطيع اجتياز تجربة شهوة الطعام يقول أحد الآباء للشر" يا حنجراني خير لك أن تضع في جوفك جمر نار من أن تضع فيها أطعمة الرؤساء " أما إذا قال البعض أن المهم في القيمة الغذائية بغض النظر عن مذاقة الطعام، فإن ذلك يجعلنا نؤكد أن العديد من الأطعمة غير الدسمة مفيدة وبها قيمة غذائية كبيرة، وأن الكثير من القديسين كانوا يعيشون على البسيط من الطعام طوال العام وليس في مواسم الأصوام فقط وكان الطعام ألذ من الشهد في أفواههم بل كان اسم يسوع بالنسبة لهم طعام حياة تقتات به نفوسهم وأجسادهم معاً هو يكون لهم ينبوع ماء حياة حلواً (أبصالية الثلاثاء) ولاشك أن الصائم عندما يحين موعد طعامه, فإنه يستلذ بأى طعام ويتناوله بشكر أما غير الصائمم فهو يتنقل بين أطعمة كثيرة دون شبع حقيقي, فكل من يأكل من طعام العالم لا يشبع وكل من يشرب أيضا يعطش " كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً " (يوحنا6:4) ونقرأ عن القديس مرقس الترمقي أنه عندما أعيي بسبب الجوع والعطش أعطاه الملاك بعض من مزروعات الأرض يقتات بها فكانت لذيذة ومشبعة, كما كتب عن القديس يوحنا ذهبي الفم أن مدة إقامته في البطريركية كان طعامه ماء الشعير والدشيشة، وكان طعامه بمقدار، فنسى الشهوة ويقول أحد القديسين "ما ألذ وأطيب خبز الصوم لأنه معتوق من خمير الشهوات". نيافه الحبر الجليل الانبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها
المزيد
11 أكتوبر 2022

الغضب

عندما التحق القديس موسى الأسود بالدير كراهب مبتديء، جاهد كثيرا في ضبط نفسه لا سيّما وقد كان لصاً قاتلا وقاطع طريق، فعندما تعرض للإهانة في ذات مرة لم ُيبد أي امتعاض، إذ ما أن دخل إلى المائدة ليأكل حتى صاح أحدهم قائلاّ: من أدخل هذا الغريب إلى هنا !. ولما سأله أحد الرهبان عن رد فعله أجابه: لقد تحرّك الغضب داخلي ولكنني ضبطت نفسي فلم أثر، ومرت مدة قبل أن يتعرّض لاختبار أصعب وذلك عندما جاء البابا ليرسمه كاهناً، فقد سمع من يقول داخل الكنيسة اخرج يا أسود الجلد يا رمادي اللون، فإذا به ينسحب في هدوء إلى الخارج وهو يقول لنفسه: حقا طردوك يا أسود اللون ولماذا تحسب نفسك كسائر البشر، فلما سأله الآباء عن فكره قال أنه لم يضطرب، بل مثلما كان هادئاً من الخارج كان من الداخل أيضاً. وكان الآباء يختبرون قدرته على الاحتمال. ويقول أحد الآباء أنه لم يدع الغضب " يتجاوز حلقه فما فوق " وهو يقصد بالطبع أنه احتجز الغضب داخله، وإن تصاعد فإنه في النهاية لن يسمح له بأن يتجاوز الحنجرة، بمعنى أنه لن يسمح له بأن يظهر من خلال الملامح أو الكلمات، لئلا ُيعثر أحدا، وهذا هو معنى القول الشائع: " ُغصّة في الحلق" وكأن هناك شيء ما ُمحتجزا في حلقه.وعندما قال القديس بولس: "لا تنتقموا لانفسكم أيها الأحباء بل اعطوا مكانا للغضب" (رومية 12: 19) فقد قصد أن نعطي مكانًا للغضب لكي يهدأ ويتلاشى فلا يخرج من الإنسان ويعثر الآخرين ولا يمجد الله. فمنظر الغضوب كمثل منظر الشيطان، بعكس الملامح الوديعة الهادئة التي تعكس صورة المسيح المريح، ويقول القديس الأنبا أغاثون: "ولو أن الغضوب أقام أمواتاً فما هو بمقبول عند الله ولا يأتي إليه أحد من الناس". ولا شك أن الغضب يعكس كبرياءا موجودة بداخل الإنسان، في حين أنه إذا كان متضعاً فإنه سيأتي باللوم على نفسه في كل شيء، في حين أنه في غضبه قد يخسر كثيرا وُيخطيء كثيراً ويفقد كثيراً أيضاً. ولكن هناك الغضب المقدس، وهو الغيرة المقدسة أو الغيرة التي بحسب مشيئة الله، ذلك حين يغضب شخص على نفسه بسبب خطاياه، أو يغضب شخص ويغير غيرة الرب مثل فينحاس. على أنه يجب أن يكون الغضب في هذه الحالة بعيد عن الانفعالات الطارئة أو خارج حدود اللياقة، لئلاّ ُيعثر أحداً. فمن غير المقبول أن يغضب شخص من أجل الله فيشوّه صورة الله التي فيه بغضبه، بل ليكن الغضب مقدساً وبطريقة مقدسة. وعندما سأل تلاميذ القديس باخوميوس معلمهم عن المناظر التي يراها، أجاب " أن من كان خاطئاً مثلي لا يعطَى مناظر، ولكن إن أردتم أن أدلكم على منظر تنتفعون به فهو منظر الإنسان الوديع القلب وعن أفضل من هذا المنظر لا تطلب أن تنظر". نيافه الحبر الجليل الانبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل