المقالات
24 نوفمبر 2018
لاهُوتُ الوَقْتِ للوَقْتِ عَلاَمَةٌ
في أي امتحان يكون للوقت علامة، بحيث تكون الإجابة الصحيحة بعد انقضاء الموعد المحدد بلا معنى، لأنها أتت في الوقت الضائع، وبالتالي يكون للوقت الحاسم في تحديد العلامة المؤشر الدقيق للمستوى الذي يؤهل الممتحن للوصول إلى أعلى مستوى. لذلك بكل الجهد نفتدي الوقت، كما نصلي قائلين: (تُوبي يا نفسي ما دُمتِ في الأرض ساكنة) لأن هذا العمر ليس ثابتًا وهذا العالم ليس مؤبدًا.
علامة وقتنا هي أعمال الملكوت؛ من دون التعريج بين محبة الله ومحبة العالم؛ إذ لا يمكن أن تنظر إلى السماء بعين وتكون العين الأخري ناظرة إلى الأرض في نفس الوقت؛ حتى تبلغ الشرارة مكان زيت النعمة، وتخرج قوة عظيمة من أيادينا، ولا نسلم إناءنا ليد عدونا الشرير، الذي يزأَر ليُلهينا حتى يختطف إناءنا، التي هي أشواقنا الصالحة التي يجب أن تخدم الله نهارًا وليلاً وكل الأوقات. فعلامة وقتنا هو امتحاننا وسلوكنا على طريق الملك، محروسين بعناية الملائكة القديسين ليلاً ونهارًا، مع كل السالكين بالنهار وبالليل، الذين يجتهدون من أجل حفظ نفوسهم من عثرة المهالك، فيكون تعب جهادنا حلوًا وشهيًا بلا ملل ... لأن الطوبىَ لمن يبقى في تعبه فرح القلب؛ ويدوم فيه بلا تكلف حتى باب الفردوس المفتوح. وكل واحد عمله محسوب له، إن كانت خدمة أو صلاة أو ميطانيات أو عمل خير أو ليتورجيا، فحتى الكلمة الواحدة التي يقولها الإنسان بالمحبة المسيحية في شأن الله للتعزية ... هذا كله محسوب؛ لأن مخلصنا لا يظلمنا بشيء، وكل شيء سوف يُستعلن لنا وقت خروج النفس من الجسد .
الإنسان مدعو في حياته الأرضية أن يجعل من الزمن الحاضر وسيلة لتذوق الأبديات، على مسار تصاعد الزمن، لملاحظة علامة الوقت بحرص والالتفات لتحويل بصره في انتباه نحو الوقت المقبول، لأن اليوم يوم خلاص، ويوم غرس وزرع وجمع للحصاد وتخزين، فيكون خلاصنا دائمًا موضع سعي وإكمال، ولا سطوة للزمن علينا، بل يكون الزمن خاضعًا لنا، نقر ونختار مصيرنا، متحررين من المفهوم الدائري للزمن، متجهين إلى أبديتنا في اليوم الثامن الجديد.
نملأ آنيتنا زيتًا دون أن نهمل فيها ثقبًا، حتى نصل إلى نهاية سعينا التي هي (علامة للوقت)؛ لئلا يصير الإناء فارغًا مما فيه، بل نحيا أمناء للوصية؛ لأن الله مخفي فى وصاياه، حتى يقبل تعبنا منا ولا يضيع ... حريصين على حالنا مميزين أعمالنا، ولا يلحقنا تفريط. عالمين أن التوبة قائمة الآن ومستعدة، وكل الفضائل تلحقها مثل السلسلة لكل من يجاهد فيها. وشأن التوبة جليل وعظيم، وهي حسنة العاقبة إلى الأبد، كسُلّم خيرات الحياة الدائمة. فنحيا ونجتاز وقتنا دون غفلة ولا استرخاء ولا دفن للوزنات ولا انعدام للنعمة بترك العلل والمطامع في نفوسنا، حتى نمضي إلى الرب بدالة، ووجوهنا مكشوفة وأعمالنا نيّرة؛ كي نستحق الدخول إلى أورشليم السمائية .
لكننا لن نقوي على اجتياز الوقت، إلا بقوة ونعمة الله المقدسة، لا نميل يمنة ولا يسرة؛ بل نسلك في الطريق المستقيم كأولاد للنور، بذبيحة الروح المنسحق الخاضع لترتيب الروح القدس، والارتماء على الله والثقة به؛ لأن عنده طعام الفرح وخبز الخلود؛ ومَصل عدم الموت ونبع الخلاص وماء الحياة وحلاوة كل الحلاوة .
إيماننا هو منبع التقوي، لذلك منذ الآن ينبغي أن يكون كل واحد منا كنيسة لله، لكي نرسل إلى فوق المجد والإكرام للثالوث الاقدس، باعترافنا بالإيمان الأرثوذكسي. مهتمين بكرمنا في أوان الإثمار؛ حتى لا ندع الثعالب المفسدة تُتلفه، وبشجرة حياتنا لئلا يبدد طرحها طيور السماء، وبكنزنا حتى لا ينقبه السارقون، وبمركبنا التي وسقت الخيرات الملكية لئلا يفسد العدو خطتها ... متمنطقين كجنود بأس في ميدان الركض، حتى يأتي وقتنا لنقول عند علامة النهاية يا ربي يسوع المسيح في يديك أستودع روحي ..
القمص أثناسيوس چورچ
كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج - الاسكندرية
المزيد
17 نوفمبر 2018
ظَاهِرَةُ الانْتِحَارِ وَ"نَحْنُ"
أوردت وسائل الإعلام أخبارًا متكررة عن حالات انتحار Suicide دامية ومحزنة، وهي مدخلي في البحث حول النهاية التي انتهت إليها هذه النفوس، حيث أن مجد الله في خليقته ولذَّته في بني آدم، وحيث أن حياة الإنسان هي لرؤية الله ونوال هباته المجانية الممنوحة من عند محب البشر الصالح؛ الذي أوصى كل حي، كي يختار الحياة ليحيا بالروح والحق؛ متجليًا بالجمال الإلهي.
أما الانتحار فهو قتل الإنسان لنفسه عمدًا وذاتيًا ليُنهي حياته بإختياره، من حيث يدري أو لا يدري. وهي عملية تدمير متعمد للحياة التي هي هبة من الله وآتية من عنده، والتي تقع في فَلَك ومدار قدرته، كونها عطيته، وقد صار الإنسان وكيلاً لها، يتحمل مسئولية الحفاظ عليها؛ لأنها ليست ملكًا له؛ بل لله الخالق الذي أعطاه إياها، وجبله على غير فساد، على صورته ومثاله الإلهي الأقدس.
مسيحنا هو سيد الحياة والموت، ومعه وحده مفاتيح الدهور والهاوية والأزمنة، وله وحده؛ وليس لملكه انقضاء. لذلك إهلاك الكيان المخلوق بواسطة الانتحار، هو تمرد في وجه الله الخالق المخلص، وهو ينمّ عن انعدام الإيمان بالعناية الربانية ، لهذا يُعد الانتحار تعبيرًا صارخًا عن التجديف وجحد الإيمان ومرارة اليأس المشابهة لموت يهوذا. ويقول أحد اللاهوتيين عن المنتحر بأنه "يهوذا الخائن الذي رفض الله والله رفضه"، لكنني في هذا الخصوص لا أقصد أبدًا أن استدعي مرارة الحدث وجسامة الفعل وبشاعته، بقدر ما أتجه نحو التوعية اللاهوتية الواجبة، والتي مُفادها أن الله يرفض كل من يقضي على حياته بنفسه، لأن "مَنْ خطئ إلى نفسه فمن يزكيه"؟!، وكل "من أساء إلى نفسه فإلى من يُحسن؟!" (بن سيراخ ١٠ : ٣٢ ، ١٤ : ٥).
ووسط هذه الأجواء المشحونة عاطفيًا بالمشاهد الصعبة التي تكررت وتداولها الإعلام. أقول أين نحن من هؤلاء؟!! هل سيصبح الانتحار ظاهرة عندنا؟!! وكيف لم نصل إلي هؤلاء؟!! إنهم انتحروا لأنهم مرفوضون ومحتقَرون مهمَلون ومتروكون ومكروبون.. إنهم انتحروا لأننا لم نخبرهم بمعنى بشارة الحياة الأبدية، وبمسيح الخلاص والرجاء والشبع والسرور. انتحروا لأنهم لم يتعرفوا عمليًا على مُريح التعابى الذي يعطينا النجاح وينزع الغمّ من قلبنا والشر عن لحمنا (جا ١١ : ١٠) ويخلص إلى التمام... ما الذي أوصل هؤلاء إلى خيار الموت وإلى عدوَى وباء الانتحار الذي يستحوذ على الأدمغة؟!!
ليتنا لا نكتفي بالتحسرات والتمنيات؛ بينما يبقى الظل معتمًا يخيم بعيدًا عن المعالجة الروحية والاجتماعية والنفسية والمادية. ليتنا ندين أنفسنا أولًا؛ لأن التشخيص هو طريقنا إلى العلاج الحق، فلا نقف في خانة القائل "أَحَارِسٌ أنا لأخي"؟! ومهما تعددت أسباب الانتحار التي يسمونها علميًا الآن ب "الانتحار الواعي"؛ سواء كانت أنانيات أو تشويش أو اكتئاب أو اعتلال النوافل العصبية أو الإحباطات والصدمات والعوارض، إلا أنه لا بُد أن يكون لدينا رعاية رحيمة وتعليم لاهوتي مشبع ووقائي، حتى لا يكون دور السامري الصالح غائبًا عن الحدث.
القمص أثناسيوس جورج
كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج - الاسكندرية
المزيد
10 نوفمبر 2018
عَمَلُ السَامِرِي الصَّالِح
السامري الصالح الحقيقي هو شخص السيد المسيح الذي عمل وعلَّم خدمة السامري، وحل قضية العِرق والعداوة بين الأجناس والعقائد والألوان، والتي تطورت لتوجع رأس الدنيا بأسرها، في قتل وتخريب وهدم وحرق للممتلكات والمدن والبشر، لا لشيء إلا لكراهية الآخر... فمحبة القريب ملتصقة بمحبة الله، وهما واجب المسيحي الأول أمام الله والعالم. والمسيحي المهذب بالنعمة ينزع العداوة من قاموسه ويضع المحبة موضعها، لأن الله محبة وهو يريد رحمة لا ذبيحة.
المسيح الكلمة له المجد ينقلنا من الكلمة (كتعليم) إلى الكلمة (كفعل) نحو محبة القريب والتعامل بالرحمة والخير تجاه كل أحد. حتى مع المكروه والمحتقَر والمحروم والمختلف والمهمَّش والذي ليس له أحد يذكره. أوصى المسيح بمساعدة كل من يحتاج إلى مساعدة... أوصى بالرحمة لكل محتاج مهما كانت هويته. كذلك حذر المسيح كل مسيحي حتى لا يلوذ ساعيًا لأمان نفسه فقط، سواء كان صاعدًا أو نازلاً أو مجتازًا (لو ٣١:١٠)، بل أوصى كل مؤمن أن يغتنم كل فرصة ليصنع فيها الخير والرحمة نحو كل إنسان، فقريبنا هو كل إنسان يضعه الله في طريق حياتنا، قريبنا هو كل من نراه وكل من نتعامل معه.
أظهر السيد المسيح تحننه نحو الإنسان المعذب والمريض والمُهمَل والمُنهَك الذي يلفظ أنفاسه... كي ينقذه خلوًا من عقيدة أو جنس أو دين. المسيحي الحقيقي هو الذي يجتهد ويتدرب على أن يعمل كل ما في وسعه وجهده لإنقاذ ومعونة كل محتاج... يوقف نزيفه ويضمده ويسعفه ويداويه ويعتني به... إنه صُنع الرحمة التي يتعين علينا أن نكمله ونتممه، متّبعين التعليم الإلهي، متجاوزين كل بغضة مضادة وكل قساوة سابقة مثلما علمنا المسيح بأعماله وأقواله... لم يوصينا المسيح بسلب أحد ولا بنهب أو حرق أو سبي أو الاعتداء على أحد. لم يوصينا بالتجبُّر والاستقواء والانتهازية، لكنه انحاز للضعفاء والمساكين والمسلوبين ولجهال هذا العالم المزدرَى بهم.
هذه هي شريعة المسيح أن نخدم بعضنا بعضًا (غلا ١٣:٥) ]إطعام الجوعان + سقي العطشان + إيواء الغريب + زيارة المريض + افتقاد المسجون[. فلنذهب نحن أيضًا كي نصنع هكذا!! مع المريض والحزين والمظلوم والضعيف والمحتاج، نخدم احتياجاته، ندنو إليه ونصبُّ عليه زيتًا لنلطف آلامه ونحمله ونُتكئه ونوصي عليه صاحب الفندق. ننقط زيت المحبة والرحمة، ونخدم بشفقة ورأفات السامري، متخطّين كل الحواجز، لأنه في كل أمة أيضًا الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده (أع ٣٥:١٠)... تلك هي صورة الملك السماوي والسامري الصالح الحقيقي التي ينبغي أن تنطبع فينا، لأنه سيأتي في اليوم الأخير ويكرم العبد الذي يجده يفعل هكذا.
فلنحمل المجروحين إلى الفندق ونعتني بهم ونحفظهم في ذاكرتنا، ونتابعهم بتواصل حاملينهم أمام وجه الله، لأنه لا فائدة للأسماء ولا للألقاب البرَّاقة التي بلا معنى ما دامت لا تصاحبها أعمال الرحمة والخير والمداواة للإنسان الآخر. فالجريح والمحتاج ليسوا بأقل من الهيكل والذبيحة، والله إلهنا لا يحابي بالوجوه، فليس بالاسم أو بالشكل أو بالدرجة سنخلص، بل بالتقوى وصُنع البر نكون مقبولين عنده.
القمص أثناسيوس چورچ
كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج - الاسكندرية
المزيد
03 نوفمبر 2018
عِظَةُ القُدَّاسِ الإِلَهِيِّ
كانت عظة الرب يسوع المسيح ؛ التي وردت في إنجيل لوقا ( 6 ؛20 )هي التي أعطت المفتاح لما كان آباؤنا في القرون الأولى يفعلونه في كنائسهم، أثناء الليتورچية الإلهية ؛ تلك التي تطورت حتى ازدهرت في أيام العلّامة أوريجين وديديموس الضرير.
والعظة تأتي ضمن قداس الموعوظين (قداس الكلمة) لتكون توزيعًا له ، وخطبة للعريس الحمل ؛ الذﻱ نتحد به اتحادًا وثبوتًا متبادلاً في (قداس المؤمنين) ؛ عند تناولنا من أسراره الإلهية وقت التوزيع ؛ إذ لا يوجد فصل بين الكلمة المقروءة على المنجلية والكلمة المذبوحة على المذبح ، ولهما وحدتهما الجوهرية التي لا تنفصل.
وعظة القداس لو أُلقيت على أصولها ، تكون موضوعة للتأكيد على ارتباط قراءات قطماروس القداس بالافخارستيا ، ولتبرز الوحدانية بين الليتورچيتين.. فهي توزيع للكلمة التي تؤهلنا لنكون أنقياء من أجل الكلام الذﻱ كلمنا به مسيحنا ؛ حتى يتسنَى لنا الارتباط وشركة أسراره الذكية السمائية .. لذا العظة هي جزء حيوﻱ من القداس ؛ يأتي في سياق ليتورچي للخدمة السرائرية ، موضوعة بين قسمَي القداس لتربط كرازة الإنجيل بالافخارستيا ؛ حيث مركزنا الواحد شخص ربنا يسوع المسيح محور اجتماعنا (كموعوظين ومؤمنين).
نستمع إلى تفسير فصول الكلمة في عظة تتبعها شركة افخارستيا ، فنأخذها بجدية وإلتزام ووقار ، واقفين بخوف أمام الله ؛ سامعين كلمة الإنجيل المقدسة ؛ التي وضعها الطقس الليتورچي لتجعل مسيح الإنجيل حاضرًا معنا في العلية ، فتنفتح أعيننا ويمكث معنا ، عندما نصنع ذكر آلامه المقدسة ؛ ونقرِّب له قرابينه من الذﻱ له ؛ على كل حال ومن أجل كل حال وفي كل حال ، لا بإعتباره فعلاً ماضيًا ؛ لكن كفعل حاضر ومضارع ومستمر ، حتى مجيئه الثاني الآتي من السموات ؛ المخوف المملوء مجدًا ... وهنا يكون القداس كرازة بالإنجيل في كل ملئه ، وتُستعلن الكلمة مسموعة ومقروءة ومرنمة ومأكولة ومشروبة معًا ... حيث يكون الإنجيل (ليتورچية) والليتورچية (إنجيلاً) في بنية عبادة مُحْكَمة الارتباط والتكوين البنيوﻱ... كلمة منطوقة افخارستيًا ، ترتبط ببعضها ارتباطًا لاهوتيًا وروحانيًا مع كل ما تحمله من خبرة تقوًى روحانية ؛ فلا نعود نميز بين من (يفسر) من ... الإنجيل يفسر الافخارستيا ؛ وهي بدورها أيضًا تفسره.
إن عظة القداس فعل ليتورچي كامل ؛ تأتي بعد القراءات ؛ شاهدة لكلمة الله الحية؛ لا في حبر وورق ؛ ولكن معطاة على المذبح خلاصًا وغفرانًا للخطايا ؛ وحياة أبدية لكل من يتناول منه... نستمع إلى القراءات الموضوعة في القطماروس حسب ترتيب السنة الطقسية الليتورچية ، ثم تأتي العظة لتعد المؤمنين وتذكِّرهم بأنهم قد صاروا هكذا ؛ وأنهم لم يعودوا موعوظين فيما بعد ؛ لكن عليهم أن يستعدوا مميزين مستحقين للاتحاد بالثالوث القدوس (واحد هو الآب القدوس ؛ واحد هو الابن القدوس ؛ واحد هو الروح القدس القدوس).
فكما نتقابل مع ربنا ومخلصنا في جسده ودمه عند (التوزيع) ، نتقابل معه لنتأهل بالفهم والإدراك الروحي للالتقاء معه هو ذاته في كلمات الوعظ ، التي هي (توزيع قداس الكلمة). فلا نكون مجرمين في جسد الرب ودمه ؛ لأن من لا يبالي بكلمة الله لا يمكنه أن يميز جسد الرب عندما يتقدم إلى مائدته السرية ... نتزود في العظة ببذار الإنجيل إلى أن نقترب من العلامة المحسوسة لكلمة الله (جسده ودمه الكريميْن) ، نتعرف ونتحد به معرفة الثبوت ، ونقول "ألم يكُنْ قلبنا ملتهبًا فينا؟! إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب" (لو ٢٤ : ٣٠) ؛ وكلمته المشروحة التي توزع في العظة تعلن الافخارستيا في معناها وقوتها ؛ لأن رسالة الإنجيل المعاش هي وحدها القادرة على السماح لنا بالاشتراك في صبغة ذبيحة كأس مسيحنا الأبدية.
لكي وبهذا تقدم العظة الخلاص المفرح لمن يأخذ كأس البركة ويتناول ويدعو بإسم الرب ؛ ويوفي له نذوره ويرد له إحساناته ... عظة مبنيّة على ما تتضمنه قراءات الإنجيل الخاص المختار لقداس اليوم ، مشروحًا بالآباء ومعاشًا في القديسين ؛ ومختبرًا في الليتورچيا ؛ ومترجمًا عمليًا في الحياة والسلوك. وبذلك يكون مضمون عظة القداس متمحورًا حول القراءات ، وهي بمثابة برقع أو مرآة لصعيدة الكلمة بنورها المحيي ، مربوطة بخدمة الليتورچية وبرسالة الدخول في الاتحاد مع الله والبقاء في علم معرفته الإلهية ؛ عندما تتحد بالأذهان لتدرك التعاليم الإنجيلية، فنسمع ونعمل بها بطلبات القديسين .. معتقدين وعاملين ما يرضيه . وقد قيل عن الكنيسة نفسها "أما كلمة الله فكانت تنمو وتزداد" (أع ١٢ : ٢٤) وبالافخارستيا نتحد بذاك الذﻱ أتى وسكن بيننا في أقواله وكلامه.
على الواعظ أن يربط بين كلمة البشارة وسر الافخارستيا ، لتكتمل كلمة الإنجيل في الأسرار وتصير معقولة ؛ حتى وإن كانت - غير مرئية - من المرئيين ؛ وكأن الواعظ يمثل الكاهن الأعظم ؛ موزعًا الروح والحياة من على منبر الكنيسة ، ومبقيًا على بقاء الخيوط التي تربط كلمة الله بالسر المقدس ؛ منسوجة بإحكام ، تأكيدًا على أن الكنيسة وحدها هي الحارسة والحافظة للمعنى الحقيقي للكتاب المقدس....لاننا بعد العظة تنكشف لنا الاسرار الهية غير المائتة،وماتم الانباء عنه بخصوص حضور الملك المسيح وسر تجسد الكلمة ،الذي نخدمه بالانافورا وتقدمة الكلمة ونشترك في لاهوت الكلمة وعمل محبته الالهية ...نسمعه ونعيش ونشترك ونقتني حياته وحضوره،وما كنا ننتظره ونتهيئا له قد اتي الينا وجذبنا لاكتعليم لكن كحدث وفعل شركة ،وقد اكتملت الكلمة الممنوحة ،وصارت منظورة كل يوم علي المذبح .
وبحسب قوانين وتقليد الكنيسة الأصلية ؛ يجب أن يكون الواعظ أحد الرتب الكهنوتية الثلاثة : الأسقفية أو القسيسية أو الشماسية ؛ ومن المشهود لهم ، فكان من أشهر الآباء الوعاظ في الكنيسة الأولى أثناسيوس الرسولي وكيرلس الأول عمود الدين وأوغسطينوس وكبريانوس القرطاجي وأمبروسيوس وذهبي الفم وكيرلس الأورشليمي . هذا وقد رتبت الكنيسة أوشية خاصة من أجل عظة الموعوظين.
القمص اثناسيوس فهمي جورج
كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج - الاسكندرية
المزيد
27 أكتوبر 2018
الدكتور بهجت عطا الله
(من رواد مدارس احد اسكندرية)
خدم مدارس الاحد واجتماعات الشباب فى الاربعينيات ، والتى انطلقت من كنيسة العذراء "محرم بك" ، ثم بدأ خدمة فروع التربية الكنسية فى القرى المحيطة بالاسكندرية تحت قيادة القس يوحنا حنين ، حيث قاموا بعمل قوافل لخدمة الاحياء الشعبية - العضوية الكنسية - اجتماعات درس الكتاب للكبار - فصول مدارس الاحد .
عاش الدكتور بهجت جيل كامل ، وقد عاش ظروف شعبه بصدر واسع وايمان عميق ، جعله يتخصص فى خدمة الكلمة واعداد الخدام والشباب . فصار اميناً للتربية الكنسية فى كنائس عديدة ، منها على سبيل المثال كنيسة العذراء محرم بك - كنيسة مارمينا فلمنج - كنيسة مارمينا المندرة ؛ والمشرف الروحي علي مجلس كنيسة مارجرجس ابو قير .؛ وغيرها من كنائس غيط العنب وابيس والطابية ... يجول يصنع خيرا . مهتماً بدراسات الخدام والتلمذة ، مفضلاً خدمة الخروف الضال والبعيدين وافتقاد الحالات الصعبة . والسعى لعمل خدمة متخصصة للفتيات الجانحات ، لجذب نفوس اولاد الكنيسة التى افتداها الرب يسوع بدمه الطاهر الكريم تميز بالملء والهدوء الحكيم ، والوعظ والتجوال لصنع الخير كسيده ، كذلك تميز بالعمق الخفى والرزانة التي بها صار ايقونة حلوة لخادم مدارس الاحد الذى يعرف قيمة النفس البشرية وافتقادها ، وحتمية الخدمة الفردية الخاصة كمحور وكنتيجة لفصول مدارس الاحد . عندما واجهت المذاهب البروتسطانطية التي جاء بها المرسل الاسكتلندي هوج ؛ حيث طاف بالاسكندرية ليسلب حفنة من ابناء الكنيسة السطحيين في العقيدة والمحمولين بكل ريح تعليم ، وقد استهواهم الشكل الاجنبي والاغراءات المادية ؛ الامر الذي جعل خدام مدارس الاحد ينتقلون الي افتقاد ورعاية البعيدين ؛ لاحتضان الذين ضلوا من جراء التعاليم المعسولة... لذلك سعي الخدام الي رد المخطوفين ؛ وتفنيد ادعائتهم المخادعة ؛ بدعوي شعارات : ( اللاطائفية ) ؛ واننا كلنا ( واحد في المسيح ) وان ( خلاص النفوس ) لاتتعرض للعقائد .. ومن هنا ذهبت القوافل الي القري البعيدة ؛ لتكريس المواهب للمسيح واعظين كل نفس بالبشارة المفرحة وبمسيح الكنيسة .؛ فاتوا بالكثير من العائلات التي لم تنل العماد المقدس بالقري المحيطة ؛ وعلموهم طريق الكنيسة .
رفع دكتور بهجت عطا الله شعارات جيل خدام التربية الكنسية الاتقياء التي عاشوها وسلموها وهى : لا خدمة من دون اجتماع الصلاة ؛ وحياة التقوي بملازمة التعليم بمداومة .
لاخدمة من دون مواظبة على القداسات والعبادة الليتورجية ؛ والقانون الروحي للخادم لا خدمة من دون تلمذة واعداد مستمر ؛ درس حبة الحنطة ؛ بالاقتداء بسيرة حياة الرسل واباء الكنيسة .الفلوس لا تعطل الخدمة ( عند اقدام الرسل ) الذبيحة الالهية هى دينامو نجاح الخدمة المحبة هى عصب الخدمة واساسها الله الذى نعبده ونخدمه هو يبدأ ويكمل ويعمل فى الاطفال والكبار . المنهج نعيشه ونتشربه في مدارس الاحد وهو خارطة طريق ومصنع ينتج خدام جيل مدارس الاحد : ( روح الاغابي - اجتماعات الصلاة - العطاء - سلامه العقيدة - طاعة الرؤساء والمرشدين - الاهتمام باحتياجات وضرورات المحتاجين -احترام الكهنوت - خدمة الاماكن المحرومة مهما كانت اعداد اامخدومين قليلة ولا تعد علي اصابع اليد الواحدة - الخلوة وزيارة بركة مواضع القديسين - الصدق والمشورة الحسنة - السلوك حسب الايمان - مظهر الخادم -التبعة للمسيح والسعي للوحدة والسلامة بالابتعاد عن التحزب والانقسام والعثرات - الالتزام بالشهادة الارثوذكسية بلا ضجيج ولا افتعال - مدارس الاحد خدمة كرازة ).ونظراً لانه قائداً للتربية الكنسية فى جيله ، لذلك عاش ماقاله وعلم به عن الدعة واحترام الكهنوت والالتزام الامين بالمواظبة . فلا أنسى ابداً اللازمة الكلامية التى كان مكثراً فى ترديدها " قدس ابونا له حق فى كل ما قاله فأطيعوا مرشديكم الذين يسهرون عنكم " . وقد كان قريبا ومحبوبا عند ابينا المتنيح القمص بيشوي كامل والقمص تادرس يعقوب وانبا باخميوس والقس يوحنا حنين ..والكثير من الاباء والخدام ؛الذين وجدوه مثيلهم في الهدف والقصد كان دكتور بهجت مدرسة فى جيله لها نمطها فى سلوك التوبة والجهاد الروحى ، وعمق المعرفة الاختبارية وتنفيذ الوصية عملياً ، مع سهر الليالى للصلاة والتحضير وحل المشاكل ؛ فلم تتوقف خدمة مدارس الاحد عند جيلة فقط علي دروس ومحاضرات ؛ لكنها قدوة ومثال وافتقاد وسهر وعطاء وحل المشاكل . فحينما نذكر سيرته بمناسبة مئوية مدارس الاحد ، إنما نخطو على خطاه فى التقوى وتمجيد الله وخدمة المخادع فى الخفاء ، وعدم الاكتفاء بخدمة الكلام لكن نعمل ببذل واحتمال وستر وغيرة وهدوء وعطاء نفس وتكريس وحمل للصليب . ولا يمكن ننسى ابداً تحركاته وكلماته وما قدمه سواء فى تأسس مدارس احد الاسكندرية والقرى ، او خدمة بيت طابيثا مع الجانحين والراجعين.؛ مؤكدا بخدمته ان مدارس الاحد قصة اجيال عاشها مع الرواد من سنة ١٩٤٧ وحتي يوم انتقاله الي المجد في ٢٦ / ٢ / ١٩٩٥ ...ينقل لنا ماتسلمه لنقتدي به ؛ في سلوكه كصورة ابن مدارس الاحد وتلميذ مدارس الاحد ومدرس مدارس الاحد .
القمص اثناسيوس فهمي جورج
كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج الأسكندرية
المزيد
20 أكتوبر 2018
د. موريس تواضروس
(العالم والفيلسوف اللاهوتي)
فارقنا علامة فارقة من علامات هذا الجيل وهذا القرن ، د. موريس تواضروس عبد مريم ؛ المعتبر من المع علماء اللاهوت الاقباط المعاصرين ؛ و الذي صار صوت القبط اللاهوتى العالى وسط المحافل المسكونية الكنسية . تتلمذ للقديس الارشيدياكون حبيب جرجس "مدير المدرسة الاكليريكية" ، وكان من اول دفعاتها ؛ بل والاول علي دفعة القسم النهاري سنة ١٩٤٩.ثم حصل علي درجة الدكتوراة في مبحث ( الشخصية الانسانية عند القديس بولس الرسول ). وقد صار اهم مرجعية لليونانية ورئيس قسم العقيدة واللاهوت الكتابي بالكلية الاكليريكية القبطية ؛ وساهم في اعادة تاسيس كلية السريان - بمعرة صيدنايا بسوريا .
دراسته للاهوت لم تكن فقط نتيجة جهد العقل ، لكنها اتت معبرة عن معرفة الهية "روحية وصافية وسماوية وسامية وغير كاذبة" ، معرفة خبرة ووداعة وانسحاق وغيرة ملتهبة وشركة مع الثالوث . في قانون الحق كوديعة متجددة ؛ فكرا وقورا وتقويا لائقا .
من عاشره اشتم فيه عبير النساك والزهاد ، وانفاس الاتقياء الهدوئيين الحاذقين فى الخبرة والقناعة العقلية والايمانية ، هادئ الطباع ، خلوقاً بالطبيعة ، يحترم الكهنوت جداً ، ويهاب السلطان الكنسى ، سالكاً بحكمة وسط انواء وتيارات الازمنة .
تضمنت كتاباته شروحات وتفسيرات وتعليقات ؛ وتأصيل ابائي . ورسالة تخاطب الروح ، فى اسلوب ادبى" واضح الفكر "؛ " وسهل الفهم " ، وربما تكراره كان من اجل بلوغ المدراك .
عاش د. موريس هاضماً للكتاب المقدس ، ساعياً لمقاصده ، ومفسراً شارحاً ، ويحق ان نسميه "فلاحاً يحرث الكتاب المقدس بعهديه" . حيث كان الكتاب هو مرجعه وحجته الاساسية ، متقنا للتوثيق والحجة الابائية التى سلمها وحفظها كى تتخلى من المخابئ والزواياالخفية كل ظلمات البدع والانحرافات الايمانية .
يعتبر للدكتور موريس الريادة فى اقتحام مجال الدراسة والبعثات ، فى زمن ضعفت وشحت فيه الامكانيات ، لكنه بلغ مراده كعالم لاهوتى ، له باعه الكافى في الالمام التام بأصول اللغة اليونانية .وله الفته الشديدة مع اساليب التفكير اليونانى الابائى ، مكرساً حياته لتكون وقفاً ابدياً ، من اجل خدمة التعليم الكنسى ؛ وقد أملت عليه الضرورة وموقعه الاكليريكى ، ان يحمل مشعل الدراسة والبحث والتدريس والتصحيح والترجمة والتلمذة المستقيمة عبر هذا القرن . فعلم خوارس الكنيسة القبطية بكل رتبها وطغماتها علوم البيعة ، منشغلاً بالكتابة والتدريس والتأليف والنشر اللاهوتى الابائى ؛ بقدرة ومهارة ومثابرة كثيرة .
لقد اخذنا بكتاباته وتعليمه من ذروة الى ذروة ، فى غيرة متقدة موثقة بخطة كان يضعها فى راسه ، ثم يفصح عنها عندما تناقشه عما سيقدمه ، ويشاركك حلمه واشتياقه عندما يكون مؤرقاً من جهة مهمة يريد ان ينجزها . اما اذا وثق بإهتمامك وتعاطفك فى (قضيته العلمية اللاهوتية) . حينئذ
سينقلك للمعانى الاكثر واقعية ، ويضعك كمسؤل معه بالتوسل ؛ كى لا يخيب امله فى استكمال ما ينجز .
واذكر انه فى اخر اتصال تليفونى تم بيننا ، كان متحمساً ثائراً مؤرقاً من جهة استقامة التعليم ووحدته ، لكننى كنت مشفقاً على شيخوخته ، خاصة انه ذكر لى ان ما يكلمنى بصدده لم يجعله ينام الليل ، فرجوته ان يستريح يسيراً لكنه رفض ما لم اعده ( اوعده ) بالمساهمة فيما يسعى لاستكماله؛ حتي يصل الي اقصى درجة ممكنة لبيان الحقيقة .
كم كان مشجعاً ، ومنمياً لصغار النفوس ، وكم قدم من عرقه وعلمه ودمه حتى النفس والفلس الاخير؛ سواء في حقل الاكليريكية او في حقل مدارس الاحد والتربية الكنسية التي كان من خيرة الرواد فيها . فحياته الحقيقية كانت عملاً صحيحاً وفكراً صحيحاً . نيح الله نفسه المباركة التي انطلقت الي المجد الاسني في ٤/ ٨ / ٢٠١٨ ؛ لتسبح الذكصا وترنم لحن اللاهوت في كورة الاحياء الي الابد
القمص أثناسيوس جورج
كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج الأسكندرية
المزيد
13 أكتوبر 2018
المرتل حبيب الميراهم
(من رواد مدارس احد اسكندرية)
حضر الى الاسكندرية سنه ١٩٢٣م ، وعين مرتلاً بكنيسة العذراء بمحرم بك منذ يومها الاول ( عيد السيدة العذراء ١٦ مسري ١٦٥١ ش / ٢٢ اغسطس ١٩٣٥ م ) ، فقد حضر تدشينها الجليل بيد البابا يؤانس التاسع عشر البطريرك ( ١١٣ ) ؛ ومنذ ذلك الحين تعهد الغروس النابتة في حقل مدارس الاحد ؛ والتي اثمرت خوارس شمامسة اشتهرت بالاتقان ؛ اسموها بالفرق الشماسية ؛ بتشجيع ابينا القمص يوسف مجلي والقمص فيلبس بطرس والقمص اسحق ابراهيم والقمص مرقس باسيليوس والقمص ميخائيل سعد ( الذي تزوج بشقيقته المرحومة تفيدة حنا الميراهم ) ؛ والقمص عبد المسيح مقار ..مع اشتراك شمامسة جمعية النهضة ( نهضة الكرازة ) . ومساندة العلامة يوسف حبيب استاذ التاريخ الكنسي باكليريكية الاسكندرية ؛ ثم ا. عبد المسيح رزق الله رئيس الشمامسة ( المتنيح الطيب الذكر ابينا القمص جرجس رزق الله / المكس ) . مع اخوة مشهود لهم بعشرة الروح القدس ؛ مفروزين للعبادة الصادقة .
كان المرتل حبيب حنا الميراهم ؛ تلميذاً للمعلم ميخائيل الكبير البتنانونى ، تسلم منه الالحان والتسبحة الكنسية فماً لاذن . وكرس حياته متبتلاً لخدمة التسبيح بالكنيسة ، وقد تلمذ جمع كبير من الخدام الذين استلموا الالحان الليتورجية القبطية ، ضمن جيل خدام ارثوذكس محبين للمسيح ، إذ انه لا يوجد انفصال ولا ازدواج بين خدمة المذبح وبين خدمة الكلمة . فالكل يحتاج الى الخدمة ، والخدمة تحتاج الى الكل .
المعلم فى الكنيسة كان يسمى ب"العريف" لانه هو مرجع السائل ، والمرتل حبيب جمع فى عقله وقلبه موسوعة من العلوم الكنسية والكتابية والتقاليد الموروثة . كان انيقا ومهاب الجانب لذلك كان لرأيه كل الاعتبار فى اوساط خدام مدارس الاحد الذين تأثروا به جداً ووعوا دوره ؛ كمربي وعالم يعيش ترنيمة الرب الجديدة برباب العشر اوتار ؛ وكقيثارة شجية منسجمة العطاء والطاعة ؛ بوقار تشربه ابناء التربية الكنسية ؛ وتوارثوه علي مدي الاجيال ؛ منهم من يسلم ومن يشرح ويحفظ ؛ ومنهم من يطور ويبدع ؛ لتكميل المسرة الروحية التي جمعت وكملت واثمرت ؛ في ربوع الكنيسة ؛ واعطت اتساعا جيل من بعد جيل .
كان المرتل حبيب خزينة متحركة في علوم البيعة ، علاوة على درايته التفصيلية بأصول العبادة وطقسها وروحانيتها . متمكناً فى اصول القراءة باللغات ومبادى النحو والصرف ، مدققاً فى تسليم الالحان وطقوس المناسبات ، فأوكلت اليه مهام التحفيظ والتسليم
والشرح للاولاد الذين ازدحمت بهم افنية الكنيسة "الحوش الممتد المحيط بالكنيسة" .
وقد عهدت الكنيسة له بتأسيس خوارس للخدمة الشماسية ، وعمل الدروس المنظمة على مثال الكتاتيب ؛ لتعليم ابناء مدارس الاحد اللغة والالحان والطقوس فتشربوا منه الاتقان والعفة وامانة التسليم . وقد عرف عنه تدقيقه و قدرته على التعليم بالرغم من تجربة فقده لبصره ، حيث رفعه تبتله وتكريسه ليحلق فى افاق روحية عالية . ولان المثيل يستريح الى مثيله فقد زامله المؤرخ العلامة المقدس يوسف حبيب لتكوين خدام كنسيين ارثوذكسيين متقنين للعبادة والطقوس الكنسية . فلا ينبغى ان يكون هناك انفصام او انفصال بين التربية الكنسية والخدمة الشماسية . لان خدمة مدارس الاحد لم تؤسس من اجل صناعة عقلية ؛ بل من اجل الارتباط بمسيح الكنيسة ؛ التي لاخلاص لاحد خارجها ..والتي لايستطيع احد ان يقول بان الله ابا له ؛ ما لم تكن الكنيسة امه
حباه الله بموهبة طلاوة الصوت ، وبحنجرة روحانية متوهجة طبعت على الاجيال اشتياق التسبيح وجماله ، مع مداومة العبادة كسمة اصيلة عند كل خادم حقيقى فى مدارس الاحد ؛ فاضحي ايقونة فى الاهتمام بتنشئة اجيال التربية الكنسية فى جو الليتورجيات وعيش العبادة ؛ عربون مواريث المختارين . حتي مضي في خدمة فصول التعليم الي اخر نسمة من حياته ؛ وتنيح بسلام فى ٢٢ فبراير ١٩٨١م .
القمص اثناسيوس فهمي جورج
كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج الأسكندرية
المزيد
06 أكتوبر 2018
الشماس نبيه نصر المؤرخ الكنسي
(من رواد مدارس احد اسكندرية)
التحق بالكلية الاكليريكية سنة ١٩٣٥م ، وعمل مدرساً بأكليريكية القاهرة فى ١٩٣٩م وتثقف بعلوم الفلسفة والادب والتاريخ والصحافة ، حتى اتي و ترقى بالاسكندرية عام ١٩٦٩م ليعمل رئيساً لقسم الاحصاء وموجه لمادة التربية الدينية المسيحية لمحافظة اسكندرية . ثم تفرغ للخدمة بها وللتعليم الكنسي والكتابة . مستلهماً روح معلمه ومعلم الاجيال القديس حبيب جرجس الذى اختاره بنفسه ليكون مدرساً لاكليريكية القاهرة ، وعمره لا يزال بعد ٢٢سنة .
تتلمذ على يد القمص سرجيوس الواعظ والخطيب الوطنى لثورة ١٩١٩م فتشرب منه الدفاعيات والفصاحة والمحاجاة وفنون الاقناع . ثم التحق بالاكليريكية فى عهد البابا كيرلس الخامس ، وهناك تعلم كنوز نفيسة من اساتذتها : القمص ابراهيم عطية والمتنيح القمص قسطنطين موسى والمتنيح انبا ديسقورس اسقف المنوفية ، والعلامة يسى عبد المسيح وتكلا رزق وسمعان سليدس وبقطر شحاته . فهؤلاء جميعاً صاروا له نماذج ينهل منها العلم وخبرة التقوي الروحية .
اختاره الارشيدياكون حبيب جرجس ليكون مدرساً فى الاكليريكية ، وذلك لتميزه بالاخلاق والسلوك المسيحى ودفاعه الغيور عن الايمان الارثوذكسى السليم ، ثم خدم فى فروع مدارس الاحد ، وكان يدافع بقوة عن العقيدة الارثوذكسية . فعندما اتى للعمل فى الاسكندرية اهتم جداً بتدريس العقيدة ؛ وتاريخ المجامع المسكونية ؛ والرد علي البدع والهرطقات . في عظات شفاهية تارة ؛ وعظات مكتوبة في مدونات تارة اخري .
وضع في عام ١٩٥٢ م كتابه الشهير "لوثر مبتدع البروتستانتيه" ، واجتهد كمعلمه حبيب جرجس من اجل عمل خدمة تعليمية غيوره وسط اجواء جهل وفساد وظلمة . سائراً على خطاه فى التدريس والتعليم بالمنبر والصحافة والكتابة والترجمة والدفاع ومناهج التربية الكنسية حسب شعار نشيد مدارس الاحد "نحن جند للمسيح فى مدارس الاحد" . بالتدريب : والارشاد :والتربية : والتفاعل الاجتماعي ؛ لاقتناء الفضيلة ؛ علي اعتبار ان التربية المسيحية السليمة تقود الي السماء ؛ حسب تعليم الاباء القديسين الملهمين من الله .
اشتهر الخادم نبيه نصر بتفوقه فى فقة اللغة العربية لذلك اسندوا اليه تدريسها لطلبة الاكليريكية . مواظباً على الاطلاع والمعرفة وتدوين السير وشرح العقيدة القويمة ..كذلك كان ايضا يجيد اللغتيين الانجليزية والفرنسية ، فقام بترجمة كتب القديسين على خطى معلمه حبيب جرجس والدكتور عزيز سوريال ورشدي السيسي . كذلك لم يتوقف علمه الغزير ومعرفته عند الكلمات ، لكنه كان مشهودا له بالقدوة ؛ وبالمواظبة علي وليمة القداس الالهي ونوال الزاد السماوي ؛ وكثيرا ماكان يردد ( القداديس الالهية تحل القيود الحديدية ).. وديعاً ومحباً لخدمة اخوة الرب ولافتقاد القرى المجاورة حيث كان يجول يصنع خيراً حتى يسلم الجيل لجيل المستقبل . بصلاة الاختلاء وصلاة الامتلاء وصلاة الانطلاق لكنيسة الابدية .
اهتم جداً بكتاب السنكسار الكنسى وبسير القديسين وبالتاريخ القبطى وبالدفاعيات ، لذلك وصفه المتنيح البابا شنودة الثالث قائلاً : """ عم نصر ارثوذكسى غيور جداً على الكنيسة الارثوذكسية ، وانا اتصور ان لحظة خروج روحه من الجسد استقبلته ارواح القديسين الذى عاشرهم واحبهم وكتب سيرهم "".
ترك الشماس نبيه نصر للكنيسة القبطية ذخيرة من التعليم ؛ فتنوعت كتاباته لتدور حول الشريعة والتاريخ والوعى بالمعوقات التي تشوه الارثوذكسية ، كذلك كتب حوالى ( ١٤ ) كتاب عن سير بطاركة الكنيسة الباباوات ال ٢٤-٢٢ - ٣٩ - ٤٠ - ٤٢ - ٤٨ - ٥٥ - ٦٦ - ٨٧ - ١٠٢ - ١٠٧ - ١٠٨ - ١٠٩ - ١١٢ .
كما كتب حوالى ٣٧ كتاب فى سير القديسين والقديسات .
خدم التربية الكنسية فى كنائس رمل الاسكندرية ( المرقسية الكبري - مارجرجس الشاطبي - مارجرجس سبورتنج - مارمينا فلمنج - مارجرجس باكوس - الانبا شنودة عزبة دنا ) ، وقدم تعليماً حياً فى الكلية الاكليريكية وفي التعليم الدينى بالمدارس الثانوية ، حتى تنيح بسلام فى ٢٠٠١/٦/٥ م بعد جهاد كان فيه تقواه هي المحبة ودنياه هى الاشواك والالام ، كخادم بلا كهنوت وبلا رتبة ؛ شاهداً للمسيح فى العالم ببره ، لان القداسة ليست حكراً على احد ولا علي وظيفة او رتبة ، لكنها دعوة لكل من يستجيب ويقبل ويعمل ويعلم ؛ ناظرا الي الجعالة العليا .
.. فيدعى عظيماً ...من اجل هذا اثمرت خدمة مدارس الاحد اغصانا كغصنه ؛ مثمرة بالسيرة والمعرفة الارثوذكسية الحية والمختبرة بمحبة وعشرة مسيح الكنيسة وابائها وتراثها وتقليدها بالعمل والقول ؛ التي كان الخادم نبيه نصر ايقونة لها في تضميد الجراح واعمال الخير والتوزيع ؛ وخدمة الكلمة المكتوبة والمسموعة ؛ حتي انه عندما كلت عينيه وشاخ بصره ؛ كان تلاميذه ومحبيه يذهبون ليرافقوه الي حقول خدمته ؛ حتي الفلس والنفس الاخير ...كذلك قدم بيته ايقونة زاهية للنجاح فعلم ابنائه بالجسد صراحة الايمان العامل بالمحبة ؛ وقد حصلوا جميعهم علي درجات الدكتوراه ( د. اثناسيوس ، د. جوارجيوس ؛ د. فيبي ؛ ود. ماري ) ؛ ليعطي مثل الوكيل الصالح والامين .. فلولا حبيب جرجس وتلاميذه الذين كان نبيه نصر من بينهم ؛ ولولا خدمة مدارس الاحد ما كان كل ذلك كذلك . واليوم وجب علينا ان نذكرهم بالوفاء فى العيد المئوى لمدارس الاحد ؛ مع كل روادها الذين اسسوا وحملوا المسؤلية وطوروا وابدعوا وكملوا العمل ايجابياً بالمدينة المحبة للمسيح الاسكندرية ، حسب طبيعة الفصول وتكميل العناصر لتنمو المحاصيل وينضج الكروم وتتجمل الاشجار بالثمار وتتغطى الغابات بالاوراق والمروج بالازهار ؛ في كرمة الرب المشتهاه التي غرستها يمينه .
القمص اثناسيوس فهمي جورج
كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج الأسكندرية
المزيد
29 سبتمبر 2018
تدبير خدمة الرعاية
عمل التدبير الكنسي كالخيط المحكم يجمع الحزمة الروحية ويدبرها... عملاً مسكوبًا موهوبًا إلهيًا ، ليكون إدارة الله وعمله فينا ، بالسهر على مواهبه وحفظها ؛ لأن التقديس والتدبير لا يأتي من التقليد ، لكن من عمل الروح القدس في المدبر ... وجميعنا يعلم أن إحراز الانتصارات إنما يكون بإيمان القائد أكثر من شجاعة الجنود، فإبراهيم دخل المعركة ومعه ٣١٨ رجلاً واسترد الغنائم من الأعداء الكثيرين ؛ وبقوة تلك العلامة التي كانت إشارة إلى صليب مخلصنا واسمه (T I H) قهر قوة خمسه ملوك مع جيوشهم ونال النصرة وفدى ابن أخيه لوط... وبالمثل فإن يشوع انتصر بصوت سبعة أبواق مقدسة وبمعونة ميخائيل رئيس جند السماء ، هكذا كل مدبر حقيقي يحمل روحًا رئاسيًا للتدبير لا تدبير بدون المدركات الإلهية : التي بها نُعطىَ عينًا مقابل عينٍ ، وأُذُنًا مقابل أُذُنٍ، ورأسًا مقابل رأسٍ ، فلا تدبير إلا بإقتناء امتيازات حكمة أبي الأنوار ، التي تجعل المدبر كله نورًا وعينًا ... كذلك لا تدبير ناجح من غير محبة وتقوَى إنجيلية متسعة ، وعكس ذلك ليس في مجال خدمه المسيح ؛ لأن منطق العالم أو ما يسمى "بالدَهْرَنَة" تقترن فيه الأولية بالسلطة والسطوة والقوة ، لذا يعتمد البطش والقهر والدس أسلوبًا ، أما منطق كنيسة المسيح هو تواضع القلب والدعة وحمل نير راحة النفوس بكل إتفاق روح ... فكل أساليب العالم الدهرية بما فيها من ذات ومراوغة تعطل الخدمة وتبطل ماهيتها ، لأن الأول في الخدمة هو الخادم الذﻱ على مثال العبد المتألم والفقير الأبدﻱ ، الأول هو في بذله ، في محبته ، في تجرده ، في أن لا تكون نفسه ثمينة عنده ، إذ لا مجال في الخدمة للإستئساد والتسلط على الأنصبة ولا للإكتناز وتخمة المقتنيات كل مظاهر وشكليات تُحدث تباعدًا أو فجوةً بين الفكر الكتابي والأساس الليتورچي وبين الواقع الكنسي ، لا بُد من التوبة والإقلاع عنها فورًا وبالمطلق ، لأن الروح المجمعية والشركة واحترام المواهب وتكميلها يصب في خانة الكمال المسيحي ، مع عدم الاستغناء عن موهبة ما . لهذا تحرص الكنيسة في تسبحة باكر النهار أن نرتل معاً "ها ما هو الحسن وما هو الحُلو إلا إتفاق أخوة ساكنين معاً ... متفقين متحدين بمحبة مسيحية إنجيلية رسولية كمثل الرسل" عندها تلتئم الكنيسة لعمل الخلاص غير مستغنية عن أحد إن الصراحة والإنفتاح لا تجعل القشور متربعة في المركز بدلاً من الجوهر المطلوب ، لذلك غياب التواضع الإنجيلي ، يلغي الحوار ويهمش المشورة ويشرخ الجسد ، الأمر الذﻱ يحجب خيرًا وصيدًا كثيرًا ، ويقف حائلاً أمام إلتقاط المواهب واكتشافها وتوظيفها وملاحظتها وما أصعب غياب الإحساس الكنسي بإكتشاف وتطوير المواهب والطاقات المتجددة ، الأمر الذﻱ يتسبب في إهدارها أو انحرافها أو وأدها ... فعلى عاتق الآباء والمرشدين الكبار في الكنيسة تقع مسئولية الاعتراف بالمواهب وتوزيع الأدوار وتجديد الطاقات وانتقائها بعناية ، وعدم تجاهلها عمليًا سواء بقصد أو بغير؛ لأن ذلك يصد التيار العام لديناميكية الكنيسة ، وبه ننكر عمل الروح القدس فيما بيننا ، عندما نختزل المواهب ولا نثق بها كذلك تدبير هذه الطاقات والمواهب ، يحتاج إلى تجهيزها وتأهيلها ، لأننا لازلنا على عتبات سلم التدريب الكلاسيكي ، ولازلنا نعتمد لغة خشبية في مواجه عالم نقدي لا يرحم ... والبداية تبدأ من رصد الطاقات الفكرية والتدريبية في الكنيسة ، ووضعها في مشروع بلورة وحضور واعد ، يمكن ان يحقق نقلة نوعية في خدمة كنيستنا المعاصرة ، لتكون محركاً أساسياً في بلورة التوجهات الخلقية "Ethique " المستقبلية ؛ لأنها مسئولة عن خدمة إنارة وقيادة العالم ، ومن ثم ينبغي أن تكون ورشة عمل مفتوحة وخلية نحل لفرز عسل الخدمة والكرازة بالبشارة المفرحة ... وتتميم رسالتها مع كل ذخيرة الكنيسة من صفوفها العاملة ، وفق جدول عمل يبني الكنيسة ويبقيها ويديمها نامية من جيل إلى جيل بمواهب الله التي تعين الوظائف الكنسية في الخدمة والتعليم والوعظ ورعاية النفوس لأجل تكميل القديسين وعمل خدمة بنيان الكنيسة حضور مسيحنا في خدمتنا وتدابيرنا ، لا يأتي إلا بالصلاة الدائمة والإنسكاب على كلمه الإنجيل والتلمذة ، فتصبح أعمالنا بالله معمولة ؛ لا وليدة ظروف وأحداث ونفسنة ، بل مقودة بالروح وملهمة بمعونة فائقة وعلم كلي Omniscience، علم يرى ويفحص كل الدهور وما وراءها ... وقد سبق المسيح وعلمنا التدبير وكيف أنه يتأسس بغسل الأرجل ، عندما غسل أرجل تلاميذه ليؤهلهم كي يعملوا ويعلموا فينالوا الطوبىَ ؛ لأن العبد ليس أعظم من سيده ولا الرسول أعظم من مُرسِلِهِ ، وقد جعل هذا طقسًا لكل الخدام والكهنة بكل رتبهم ، حتى لا يتعظم أحد ؛ بل يتدبر أخيرًا إن ضبط الخدمة وتصحيحها وإتقانها هو تكميلها ، الذﻱ يتم فقط بالإصلاح والتصليح والتدقيق وتكميل ما هو ناقص في كل عمل صالح ، كي يكون البنيان منسجمًا في وحدة الإيمان والمعرفة ، لبلوغ الهدف بالاتفاق الكلي في القول والنظر والفكر والعمل ، لأننا سُقينا روحًا واحدًا ، لو صدقت محبتنا ؛ لَنَمِينا جميعًا وتوسعت تخومنا لمجد الثالوث القدوس .
القمص اثناسيوس فهمي جورج
كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج الأسكندرية
المزيد