المقالات
09 يناير 2026
الرسالة البابوية لعيد الميلاد المجيد
باسم الآب والابن والروح القدس، إله الواحد، آمين.
سنة سعيدة وعيد ميلاد مجيد. أهنئكم أيها الأحباء في كل مكان في كنائسنا القبطية. أهنئكم بالعام الجديد وأيضًا بعيد الميلاد المجيد، أول الأعياد المباركة في السنة الميلادية. أهنئ كل الآباء المطارنة والآباء الأساقفة، والآباء الكهنة، القمامصة والقسوس، والشمامسة. وأهنئ مجالس الكنائس وأهنئ كل الأسر القبطية، وكل الشباب والأطفال في كل بقاع الأرض بعيد الميلاد المجيد الذي نستقبل فيه السيد المسيح طفلاً صغيراً. فالله عندما أراد أن يدخل إلى العالم اختار الطفولة. ومن خلال هذا الطفل الصغير تمت أعمال عظيمة.
والحقيقة عندما ندرس أحداث الميلاد، نكتشف حقيقة مهمة جدا. أن كل الأمور الصغيرة عندما نضعها في يد الله تصير عظيمة. سأعطيك امثلة لذلك. في قصة الميلاد نتقابل مع القرية الصغيرة بيت لحم. قرية صغيرة ومغمورة وغير معروفة. توجد آلاف القرى في أماكن كثيرة في العالم. ولكن عندما استقبلت هذه القرية السيدة القديسة مريم العذراء والقديس يوسف النجار، كانت النتيجة مع ميلاد السيد المسيح إن هذه القرية صارت أشهر قرية في العالم كله، قرية بيت لحم. الحاجة الصغيرة في يد ربنا تصير كبيرة جداً. ليست القرية فقط، لكن الفتاة الصغيرة، أمنا السيدة العذراء مريم. هي صبية صغيرة، بسنوات محدودة، ولكن الله ملأها بالنعمة، وقال لها الملاك: “الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ” (لوقا 1: 35). هذه الفتاة الصغيرة، المتواضعة، التي عاشت في الهيكل، صارت فيما بعد أشهر قديسة في الحياة المسيحية. وصرنا نطلق على هذه القديسة أنها فخر جنسنا، جنس البشر كله، الرجال والنساء في كل مكان. وكما ذكرتُ: فتاة صغيرة عندما تتعامل مع الله وتمتلئ بالنعمة تصير بهذه العظمة.
مثال ثالث: النجم الصغير الذي ظهر في السماء، وكان يتحرك حركة ربما غير معتادة بحسب علوم الفلك. وكان مرشدًا لجماعة المجوس القادمين من الشرق. هؤلاء المجوس وهم في الطريق كان مرشدهم ودليلهم الوحيد في الطريق هو هذا النجم. وهذا النجم كان يتحرك مع حركتهم، وكان يقف عندما يقفوا. إنه صار معجزة. السماء تمتلئ بنجوم كثيرة ولكن هذا النجم، نجم الميلاد، صار معجزة وصار معروفا ومشهورًا. وعندما نرسم أيقونات الميلاد، لابد أن نرسمه في الأيقونات على اختلاف أنواعها. أمثلة كثيرة، الصغير في يد المسيح يصير عظيماً والقليل في يد المسيح يصير كثيراً.
ليست هذه الأمثلة فقط لكن يوجد مثال آخر وهو مثال التسبحة التي أنشدها الملائكة في وقت الميلاد. تسبحة قصيرة جدًا ولكنها صارت عنوانًا لمسيحيتنا: “الْمَجْدُ لِلَّهِ فِي الأَعَالِي وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ” (لوقا 2: 14). تسبحة قليلة الكلمات ولكنها عظيمة الأثر. وصارت هي العنوان المعبر عن مسيحيتنا. لماذا؟ لأن هذه التسبحة تشمل السماء والأرض والناس. ولذلك صارت تسبحة شاملة. السماء: المجد لله في الأعالي. الأرض: وعلى الأرض السلام. الناس: وبالناس المسرة. فأصبحت تسبحة ثلاثية ومتكاملة وشاملة. وصارت هي عنوانًا لعمل المسيح ولعمل المسيحية. كأنها خطة وبرنامج لحياة الإنسان. النماذج كثيرة جدًا، ولكن المهم إنك عندما تضع القليل في يد الله يصير عظيماً. ونحن نطلق عليه في لغتنا “تحل فيه البركة” مع إنه قليل.
بعيداً عن قصة الميلاد، ممكن ان نذكر أمثلة أخرى. مثلا الطفل الصغير الذي كان يحمل خمسة خبزات وسمكتين في وسط جموع بالآلاف. وعندما يطلب السيد المسيح من تلاميذه أن يشبعوا الجموع، قالوا، ليس عندنا شيء غير طفل صغير معه خمسة خبزات وسمكتين. ربما كانوا طعامًا لهذا الطفل. ولكن التلاميذ أخذوا هذا الطعام القليل جدا ووضعوه في يد المسيح ليبارك عليه. فصار كثيراً جدا يشبع خمسة آلاف رجل ماعدا النساء والأولاد. وأيضًا يتبقى منه اثنتي عشر قفة مليئة بالكسر. ما هو هذا الفيض؟ وما هي هذه البركة العظيمة؟
مثال آخر، عندما كان بطرس الرسول يعمل صيادًا قبل رسوليته، خرج للبحر . ومن يعمل صيادًا، كما نقول “رزقه على ربنا”. اليوم ربما يوجد رزق، وغدًا ربما لايوجد رزق. وكانت ليلة صيد فاشلة. انتظروا طول الليل ليصطادوا سمكًا ولكنهم فشلوا. فظهر المسيح مع بداية الفجر وقال لهم: القوا الشباك. فبطرس الرسول قال عبارته المشهورة: “قد تعبنا الليل كله ولم نصطاد شيئا ولكن على كلمتك نلقي الشبكة (لوقا 5: 5). يقول الكتاب: “أَمْسَكُوا سَمَكاً كَثِيراً جِدّاً فَصَارَتْ شَبَكَتُهُمْ تَتَخَرَّقُ” (لوقا 5: 6). كانت الشباك تتخرق لأنها امتلأت وفاضت بكلمة المسيح. ” عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ” (لوقا 5: 5).
مثال آخر من الأمثلة الجميلة، الأرملة الفقيرة التي ألقت الفلسين. هذان الفلسان قيمتهما ضعيفة جدا حسب زمان السيد المسيح. ولكنها قدمتهما من أعوازها ومن احتياجها. وكانت النتيجة أن الله يمدحها ويشير إليها. وصارت المرأة صاحبة الفلسين مشهورة في أسفار العهد الجديد. في حين أنه كان يوجد آخرون يضعون مبالغ كثيرة. والعملة في ذلك الوقت كانت من المعدن. والصندوق الذي كان يوضع فيه المال كان مصنوعًا من المعدن أيضًا. وعندما توضع العملة في الصندوق كانت تصدر صوتاً. وان كانت العملة ذو قيمة كبيرة، كانت تصدر صوتاً كبيرًا. وان كانت العملة ذو قيمة قليلة، كانت تصدر صوتاً أقل. وتقريبا هذان الفلسان لم يكن لهما أي صوت. ولكن المسيح يمدحها ويطوبها ويشير إليها. وصارت عنواناً لنا.
حتى في قصص اختيار خدام المسيح. كما في قصة اختيار داود النبي. فقد كان فتى صغيرًا. أصغر إخوته. وكان ضعيف البنية. ربما نرى نفس القصة مع القديس الأنبا بيشوي، بنفس الطريقة، كان صغيرًا. وعندما يطلبه الله لكي ما يصير خادماً له ورسولاً له يعترض الكبار ويقولون “خذوا واحد أكبر.” ولكن الله يختار الصغير ويصنع منه إنساناً قديساً عظيماً، ويصنع منه داود النبي بكل حياته وبكل مزاميره، بمزمور التوبة المعروف. هذه الصورة الجميلة تجعلنا، ونحن نستقبل ميلاد السيد المسيح، نعلم تماماً إننا عندما نقدم القليل من أجل الله يصير كثيراً جداً. ليس القليل في المال فقط ولكن أيضاً القليل في الوقت. عندما تقدم وقتاً محدوداً جداً في يومك من أجل الله، في الصلاة، في الإنجيل، في الخلوة، في التأمل، ستجد هذه الأوقات القليلة التي تقدمها من أجل الله، تبارك كل اليوم وكل الأسبوع وكل الشهر. عندما تقدم جهداً، أو خدمة، أو فكراً، أو ابتكاراً، أو إبداعا، مهما كان القليل الذي ستقدمه، هذا سيصير عظيماً. رسالة الميلاد التي أقدمها لكم اليوم أيها الأحباء، أنك لا تستصغر شيئاً مهما كان شكل حجمه. أطفالنا الصغار سيصيرون عظماءً فيما بعد. الجهد الذي تقدمه، ووقتك، ومالك، وفكرك وتعبك ودموعك، كل هذا سيصير في يد الله عظيماً، ما دمت تقدمه من أجل الله. أنا أهنئكم جميعاً. أهنئ كل الإيبارشيات القبطية في كل بقاع الأرض، في أفريقيا، في آسيا، في أوروبا، في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وفي أستراليا. وأيضًا في الكرسي الأورشليمي، في مدينة إلهنا العظيم أورشليم. أهنئكم جميعًا من القاهرة من مصر. أهنئكم وأنقل لكم تحيات كل الكنيسة القبطية في مصر وأرجو لكم عاماً جديداً سعيداً. وأرجو لكم عيد الميلاد المجيد وفرحة الميلاد في حياتكم. والمجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة (لوقا 2: 14).
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
06 يناير 2026
أصحاب القلوب الدافئة
أهنئكم جميعًا بعيد الميلاد المجيد، وأصلي أن يملأ الله حياتكم بنعمته وسلامه، وأنتهز الفرصة لكى ما أهنئ كل الكنائس المسيحية التى تحتفل فى هذا اليوم ،كما أهنئ جميع الايبارشيات والكنائس والأديرة القبطية المنتشرة فى جميع قارات العالم ، هذا اليوم الذي أضاء فيه نور السماء على الأرض، وتجلت محبة الله للبشر من خلال ميلاد السيد المسيح، ميلاده الذي صار نقطة تحول في تاريخ الإنسانية، وفتح باب السماء أمام البشرية جمعاء، انه يوم يذكّرنا بحقيقة الخلاص ويزرع في قلوبنا الفرح والرجاء إن قصة الميلاد ليست مجرد حدث تاريخي أنما يجب أن نقف أمام أحداث الميلاد لنستلهم منها دروسًا لحياتنا. فهى رسالة حية لكل واحد منا ، فوسط البساطة التي أحاطت بميلاده ، نتأمل حول طبيعة القلوب البشرية التى أحاطت الحدث ، نجدهم أشخاص حملوا أنواع قلوب متنوعه بعضهم يحمل قلوباً بارده لا تقبل كلمه الله ولا تحفظها ، والأخر قلوباً دافئة تفتح حياتها للإيمان وتثمر بوفرة ، ولا أجد وصف لنوعيات القلوب أفضل من مثل الزارع الذى قصه السيد المسيح على الشعب وفصل فيه القلوب كنوعيات من الارض التى تسقط عليها البذور:
أرض الطريق: كما قال السيد المسيح “كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ كَلِمَةَ الْمَلَكُوتِ وَلاَ يَفْهَمُ، فَيَأْتِي الشِّرِّيرُ وَيَخْطَفُ مَا قَدْ زُرِعَ فِي قَلْبِهِ. هذَا هُوَ الْمَزْرُوعُ عَلَى الطَّرِيقِ” (متى 13: 19).هذه القلوب مغلقة، منشغلة بالعالم، لا تعطي فرصة للكلمة الإلهية أن تدخل أو تنمو. مثل هؤلاء كانوا موجودين في أحداث الميلاد، كقلب هيرودس الذي امتلأ بالخوف والغيرة، فلم يرَ في ميلاد المسيح إلا تهديدًا لسلطانه الأرضي.
أرض الحجر: “وَالْمَزْرُوعُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ وَيَقْبَلُهَا حَالًا بِفَرَحٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ، بَلْ هُوَ إِلَى حِينٍ” (متى 13: 20-21).هذه القلوب تفرح بالكلمة مؤقتًا، لكنها تتراجع سريعًا عند مواجهة التجارب. مثل هؤلاء نراهم في العالم اليوم حين يكون إيمانهم سطحيًا، لا يقوى على مواجهة الضغوط والتحديات .
أرض الشوك: “وَالْمَزْرُوعُ بَيْنَ الشَّوْكِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ، وَهَمُّ هَذَا الْعَالَمِ وَغُرُورُ الْغِنَى يَخْنُقَانِ الْكَلِمَةَ فَيَصِيرُ بِلاَ ثَمَرٍ” (متى 13: 22). هذه القلوب تختنق بالهموم والشهوات، فلا تدع الكلمة تنمو وتثمر. وهؤلاء يشبهون الكتبة والفريسيين في قصة الميلاد، الذين عرفوا النبوات ولم يتحركوا للإيمان.
أما القلوب الدافئة، فهي التي تشعر بالأنسانية وتتجاوب معها ، وتقبل الكلمة بفرح، وقد أشار السيد المسيح إلى ثلاث درجات من هذه الثمار:
الأرض التي أثمرت ثلاثين: تمثل النفوس التي تؤمن لكنها تحمل بعض الخوف أو الشك. ورغم ذلك، فهي تُثمر. يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: “القلب الخائف يُثمر، لكنه يحتاج إلى النعمة ليزيل عنه الخوف ويمنحه جرأة الإيمان.”يمكننا أن نرى هذا النوع في حياة الرعاة. فقد كانوا في البداية خائفين من رؤية الملاك، لكنهم تحركوا بإيمانهم البسيط، وجاءوا ليسجدوا للطفل الإلهي.
الأرض التي أثمرت ستون: تمثل النفوس التي تعمل بدافع الأجر، لكنها ما زالت تحمل محبة لله. هي قلوب تجتهد وتثمر، لكنها تنتظر مكافأة سماوية. يقول القديس كيرلس الكبير: “النفوس التي تعمل برجاء الثواب هي في طريقها للكمال، لأنها بدأت السير في طريق المحبة.”
يمكننا أن نجد هذا النوع في المجوس، الذين قدموا هداياهم بسخاء وسجدوا للمسيح، مدفوعين برغبتهم في لقاء الملك المخلص.
الأرض التي أثمرت مائة: هذه القلوب تمثل النفوس التي تمتلئ بمحبة الله الكاملة، ولا تخاف ولا تنتظر أجرًا. هي النفوس التي تعطي كل ما لديها بدافع الحب الخالص. يقول القديس أغسطينوس: “القلب الذي يحب الله بلا حدود هو الأرض المثمرة التي تفرح السماء بثمرها.”هذا النوع من القلوب نجده في العذراء مريم، التي قدمت ذاتها بالكامل لله، قائلة: “هوذا أنا أمة الرب ليكن لي كقولك” (لوقا 1: 38).
إن ميلاد المسيح يدعونا أن نفحص قلوبنا إذا كنا نحمل قلوبًا باردة، فلنطلب من الرب أن يمنحنا نعمة التوبة، لأن الكلمة الإلهية تستطيع أن تحول أرضًا قاحلة إلى بستان مثمر.وإذا كنا نحمل قلوبًا دافئة، فلنجتهد لننتقل من ثمرة الثلاثين إلى المائة، لأن الله يدعونا دائمًا إلى الكمال.لنتأمل في كلمات القديس يوحنا الرسول: “اَلْمَحَبَّةُ تَطْرَحُ ٱلْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ” (1 يوحنا 4: 18). فإذا امتلأت قلوبنا بالمحبة، سنثمر كما أثمرت الأرض الجيدة.
أن ميلاد المسيح هو دعوة لكل واحد منا أن يجعل قلبه مذودًا يولد فيه . فإذا كانت قلوبنا تحمل الخوف، فليشرق عليها نور السماء كما أشرق على الرعاة. وإذا كنا نتعب ونعمل منتظرين أجرًا، فلنطلب من الله أن يملأ قلوبنا بالمحبة. وإذا كنا نحمل حبًا لله، فلنجعل هذا الحب بلا حدود، فنثمر مائة ونكون نورًا للعالم
ولكن ما هى صفات أصحاب القلوب الدافئة ؟
اولاً الحياة البسيطة:
أصحاب القلوب البسيطة يتميزون بالقدرة على المرور بالمشاكل دون أن يتأثروا بها، إذ يلقون همومهم على الله الذي يحملها عنهم. نقبل الأحداث بصدر رحب، دون أن نسمح للقلق أو التعقيد أن يسيطر علينا، معتمدين على الله في كل خطوة. ويعلمنا السيد المسيح “سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا،” (مت 6: 22).
الرعاة كانوا يعيشون حياتهم اليومية في الحقول، بعيدًا عن صخب المدن، يعملون في رعاية أغنامهم بقلوب نقية وقانعة. هؤلاء البسطاء لم يكن لديهم الكثير، لكنهم كانوا أصحاب قلوب مفتوحة ومهيأة لسماع صوت الله. سهروا وكانوا يعملون بكل جدية وضمير صالح وأجتهاد، وحينما ظهر لهم الملاك ببشارة الميلاد، لم يترددوا، بل أسرعوا ليجدوا الطفل الإلهي في المذود.لذلك أستحقوا ان يختبروا ويروا حضور الله. لقد كانت قلوبهم دافئة بالمشاعر رغم برودة الطقس وقتها .
ثانياً الباحثون عن الحقيقة:
القلوب الدافئة تبحث دائمًا عن الحقيقة ولا تنجرف وراء الترندات أو النميمة او الاخبار الكاذبة او الشائعات. هؤلاء لا يجدون راحتهم إلا في اكتشاف الحقائق، . يدركون أهمية التوقف عن الانشغال بالاحداث بل البحث عن ما هو للبناء، ما هو للفائدة، ما هو للملكوت، والسعي لإيجاد الحقيقة والتمسك بها بشجاعة.
من الشرق البعيد، جاء المجوس، قادهم نجم سماوي ليصلوا إلى المسيح الوليد . كانت رحلتهم طويلة وشاقة، لكنها كانت مليئة بالإصرار والشوق لمعرفة الحق. عندما وجدوا الطفل يسوع، سجدوا له وقدّموا له الذهب واللبان والمر، رموز الإكرام والعبادة والفداء.إن المجوس يمثلون كل إنسان يبحث عن الحقيقة في هذا العالم، ومنهم نرى أن البحث الجاد والإخلاص في السعي يؤدي دائمًا إلى لقاء المسيح، الذي هو الطريق والحق والحياة، لقد كانت قلوبهم دافئة بالأصرار رغم مشقة الطريق وصعوبته .
ثالثاً الصمت فى العمل:
أصحاب القلوب الدافئة لا يصنعون ضجيجًا حولهم، بل يعملون في هدوء وصمت، مؤثرين في محيطهم بأفعالهم لا بأقوالهم. مبتعدين عن التفاخر أو البحث عن التقدير، وتركيزهم دائما على العمل الجاد والإخلاص بصمت.
يوسف النجار كان رجلًا صامتًا، لكنه مليء بالإيمان والعمل ، فقبِل أن يكون حارسًا لسر التجسد من خلال رعايته للعذراء مريم وللطفل يسوع، فقد كان دائمًا يضحي براحته لأجل أمان عائلته المقدسة. لم يبحث يوسف عن مكانة أو مجد، بل كان همه الوحيد هو أن يتمم إرادة الله بأمانة وتفانٍ.القديس يوسف النجار يعلمنا أن الخدمة الحقيقية ليست في الكلام الكثير، بل في الأفعال الصادقة وفي الصمت المملوء بالإيمان، لقد كان ذو قلب دافئ يشعر بمسؤليته ويؤديها فى صمت .
رابعاً الطاعة القلبية :
الطاعة الحقيقية تنبع من القلب، لا من الإجبار، هذه الطاعة القلبية تلهمنا أن نقبل المهام والمسؤوليات بروح إيجابية دون تذمر، ونتعلم الثقة بأن لله خطة أعظم من إدراكنا البشري.
العذراء مريم، تلك الفتاة النقية التي اختارها الله ليحلّ في أحشائها كلمة الله المتجسد. حينما أُرسلت إليها البشارة، أجابت بتواضع: “هوذا أنا أمة الرب. ليكن لي كقولك.”إن طاعة العذراء ليست مجرد طاعة ظاهرية، بل كانت طاعة نابعة من قلب نقى. علمتنا العذراء أن الطاعة لله تفتح أبواب النعمة، وأن الاتكال الكامل على الله هو مصدر القوة الحقيقية في حياتنا، لقد كانت تحمل قلب دافئ فأستحقت كل الأكرام والتطويب .
خامساً العطاء البسيط:
أصحاب القلوب الدافئة راضين بما لديهم ، بل ويستخدمونه في خدمة الآخرين بفرح، مدركين أن العطاء لا يُقاس بالكثرة بل بالقلب الذي يُقدَّم به، مهما كانت إمكانياتهم محدودة، فيبارك الله في قليلهم.
فوسط أحداث الميلاد، يظهر صاحب المذود، ذلك الشخص البسيط الذي أتاح مذوده ليولد فيه الطفل، الطفل يسوع . ربما لم يكن لديه الكثير ليقدمه، لكنه أعطى ما عنده بمحبة ، فصار المذود رمزًا أبديًا لعمل الله في البساطة.إن هذا الرجل يعلّمنا أن الله لا ينظر إلى حجم ما نقدمه، بل إلى المحبة التي تملأ قلوبنا عند العطاء. حتى أبسط الإمكانيات يمكن أن تصبح عظيمة عندما نقدمها بصدق وإخلاص. ورغم أننا لا نعرفه الا انه بسبب قلبه الدافئ فأن الله يعرفه جيداَ وهكذا فأن صفات اصحاب القلوب الدافئة تظهر فى شخصيات الميلاد لكنهم جميعا يجمعهم ثلاث فضائل، ترتبط ببعضها ارتباطًا وثيقًا
الحب
الحب هو الأساس الذي يجعل القلوب قادرة على أستقبال النعمة الإلهية. الرعاة أحبوا الله ببساطتهم، فقبلوا البشارة بفرح وأسرعوا إلى المذود ، المجوس أحبوا الحق، فبحثوا عنه وقدموا أغلى ما لديهم تعبيرًا عن حبهم ، العذراء مريم، نموذج الحب الكامل، قدمت حياتها لله طاعةً وتسليمًا. وكما يقول الكتاب:
“اَللّٰهَ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتُ فِي ٱلْمَحَبَّةِ يَثْبُتُ فِي ٱللّٰهِ، وَٱللّٰهُ فِيهِ” (1 يوحنا 4: 16).
الحكمة
هى التي تقود في قراراتنا وأفعالنا، الحكمة هي التي تجعلنا نميز إرادة الله وننفذها ،كما يقول الكتاب:”بِٱلْحِكْمَةِ يُبْنَى ٱلْبَيْتُ، وَبِٱلْفَهْمِ يُثَبَّتُ” (أمثال 24: 3).المجوس يمثلون الحكمة في بحثهم المستمر عن الحقيقة. قادهم النجم ليس فقط إلى طفل المذود، بل إلى ملك الملوك، يوسف النجار كان مثالًا للحكمة الهادئة، أطاع الملاك، وقاد العائلة المقدسة بحكمة وصبر بعيدًا عن الخطر، العذراء مريم كانت ممتلئة بالحكمة الإلهية، حيث قالت”تعظم نَفْسِي ٱلرَّبَّ” (لوقا 1: 46)، وهو ما ينم عن وعي عميق بخطه الله
الرحمة
الرحمة هي التعبير العملي عن الحب والحكمة، بالرحمة تجاه الآخرين ، تقدم لهم ما تحتاجه حياتهم بروح العطاء والمحبة. “فالقلب الرحيم هو عرش الله.” صاحب المذود أظهر رحمة عندما قدم مكانًا بسيطًا للعائلة المقدسة في ليلة الميلاد، الرعاة أظهروا رحمة بمشاركتهم البشارة وفرحهم مع الآخرين.
الله نفسه، الذي تجسد وحل بيننا، أظهر الرحمة العظمى عندما قدم خلاصه للعالم .وكما يقول الكتاب:”فَكُونُوا رُحَمَاءَ، كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ” (لوقا 6: 36).
أنها دعوة للبشرية أن تحمل قلوبا دافئه مملوئه بهذه الفضائل الثلاث.ليكن حبنا لله وللآخرين صادقًا، في كل كلمة وفعل. لتكن حكمتنا قادرة على تمييز صوت الله وسط ضوضاء العالم.ولتكن رحمتنا تجسيدًا عمليًا لمحبتنا لله ولإخوتنا.لنجعل حياتنا انعكاسًا لهذه القلوب ، فالنستقبل السيد المسيح، ليس فقط في يوم ميلاده، بل في كل يوم من أيام حياتنا .
ما أحوج عالم اليوم الى هذة الصفات الثلاثة ، فالصراع الدائر فى مناطق كثيرة يحتاج الحكمة ، والبشرية المشرده جراء الحروب تحتاج الرحمة ، والعالم كله يحتاج الحب الذى يتناقص تدريجيا ليحل محله الانانية والظلم ، فيجد الانسان نفسه فجأه بلا ملجأ بلا أمان ، داخل حرب دائرة ليس له فيها يد أو قرار ، انها فرصة لنا جميعا فى بداية هذا العام ان نرفع قلوبنا الى الله ليتدخل فى القلوب ، ويزرع الحب فيها لتحصد البشرية الحكمة والرحمة ، ويحرك قلوب المسؤلين نحو السلام فى العالم كله ، وكما أشرق نجم الميلاد في سماء بيت لحم، نصلى أن يشرق النور الالهى في حياتنا، ويقودنا لنكون نورًا للعالم من حولنا.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
26 ديسمبر 2025
“الرهبنة جوهرة الكنيسة”
«إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبِعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي» (مت 19: 21) «وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتَا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولًا مِنْ أَجْلِ اسْمِي، يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ. وَلكِنْ كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ، وَآخِرُونَ أَوَّلِينَ» (مت 19: 29، 30) هذه الآيات هي جذور الحياة الرهبانية في الكتاب المقدَّس، حيث صارت الرهبنة بالحقيقة هي جوهرة الكنيسة الثمينة، لأنها تُمثِّل الحياة المسيحية النقيَّة وقد ظهرت على أرض مصر المُباركة في القرن الثالث الميلادي، وصار افتخارنا بأنَّ أول راهب كان مصريًّا هو القديس أنطونيوس الكبير أب جميع الرهبان في العالم ومن مصر انتشرت الرهبنة إلى معظم ربوع العالم وصارت بالآلاف، وفي بلادنا مصر هناك أكثر من خمسين ديرًا عامرًا غير عشرة أديرة قبطية خارج مصر وبالطبع هناك مئات من الأديرة المُندثرة والتي ما زالت أطلالًا أو آثارًا تنتظر التعمير والتجديد ولأن الرهبنة، حسب الطقس القبطي، تبدأ بصلاة الراقدين (الأموات)، نُسمِّيها ”رهبنة الكفن“. حيث يتغطَّى الراهب أو الراهبة أثناء إقامته بسِتر وكأنه كفنٌ، ولهذا ثلاثة معانٍ روحية ورمزية:
الرهبنة هي صومٌ عن الناس بالمعنى المادي للكلمة فالإنسان بعد أن يُقام راهبًا يبتعد عن العالم ولا يشتهي أيَّ شيءٍ فيه ولا يميل لأيِّ إنسانٍ.
الرهبنة هي صومٌ عن الذات لأن الذات هي الأنا أو Ego التي تتحكَّم في الإنسان فيتكبَّر وينتفخ ويسقط بعيدًا عن الاتضاع والمسكنة الروحية.
الرهبنة هي صومٌ عن الأرض لتكون السماء حاضرة أمامه كل حين كاختبار بولس الرسول «لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا» (في 1: 23) هذا ما نُسمِّيه ”الحنين إلى السماء والاشتياق الدائم نحو الملكوت“.
وفلسفة الحياة الرهبانية تقوم علي ثلاث دوائر هي التي تتحكَّم في حياة الإنسان وهي: شهوة المال/ شهوة الجسد/ وشهوة السلطة والسيطرة:
الدائرة الأولي: شهوات المال والقنية والتملُّك والتي في البشر وصراعاتهم. وجاءت الرهبنة بفلسفة الفقر الاختياري، فالراهب يترك كل شيء ولا يتملَّك شيئًا ولا يرث شيئًا ويعيش في ديره الذي يُقدِّم له كل احتياجاته الأساسية حتي لا ينشغل بأيِّ أمـــــــــرٍ آخر … ومن القصص الرهبانية عندما تنيَّح أحد الآباء ووُجِدَ في قلَّايته دينارًا، حينئذ قرر الشيوخ أن يُدفَن الدينار مع الراهب لأنهم استهجنوا وجود مال معه!!
الدائرة الثانية: شهوات الجسد والجنس الآخر والتي تعصف بالحياة الأبدية في سقطاتٍ أخلاقية عديدة، حيث جعلت الرهبنة فلسفة العفَّة والتبتُّل سبيلًا لحفظ نقاوة القلب والسلوك. وهذا ليس عداوة للزواج بقدر ما هو اختيار شخصي محض بكامل الحرية والإرادة، ليكون كل الوقت لله بلا مُنافس من زوجة أو أبناء أو مشغوليات.
الدائرة الثالثة: شهوات الذات وحُبُّ السلطة والسيطرة، ومَنْ يرى نفسه دائمًا على صواب وهو الأعظم المُتقدِّم، ويحيا في كبرياء وتفاخُر بدون أيِّ إنكارٍ لنفسه أو ذاته. وقد عالجت الرهبنة ذلك بفلسفة الطاعة القلبية للوصية الكتابية والديرية والطاعة لأب الدير. وتُعتَبَر الطاعة هي المبدأ الرهباني الأول ونُسمِّيه: ”قَطْع الهوي“، وبغيره لا يمكن أن تستقيم حياة الراهب، ودائمًا نقول: ”على ابن الطاعة تحلُّ البركة، والمُخالف حاله تالف“. وكثيرًا ما يختصرون الحياة الرهبانية في كلمتين: حاضر وأخطيت.
ومن المعروف أن الحياة الرهبانية نشأت في ظروفٍ معيشية متقشِّفة جدًّا خلال القرون الثالث والرابع والخامس الميلادي. وفي نفس الوقت كانت حياة مُتهلِّلة جذبت أنظار العالم، وكثيرون زاروا البريَّة وكتبوا عنها ومجَّدوها واتخذوها حياةً وعنوانًا وسبيلًا.
وقد ظهرت الرهبنة بعد عصورٍ من الاستشهاد والاضطهاد، ثم جاءت عصورٌ من الراحة بعد منشور ميلان للتسامح الديني في عصر الملك قسطنطين عام 313م، وبدأ المؤمنون يعيشون في راحةٍ وسلام، وربما بردت الحياة الروحية عند البعض مِمَّا جعلهم يشتهون حياةً فيها الزُّهد والنُّسك بديلًا عن أزمنة الاضطهاد والتي كانت فيها حرارتهم الروحية عالية وسماوية. بمعنى أنهم سَعَوْا بسبب حماسهم الروحي إلى الطريق الرهباني حتى يُعالجوا أيَّ فتورٍ أو جفافٍ في حياتهم الروحية. وهذا نمطٌ تقليدي في حياة الكنيسة، فمثلًا صومَا الأربعاء والجمعة من كل أسبوع هو من أجل يقظة الإنسان إذا عاش الكسل أو الإهمال في أيام الأسبوع الأخرى؛ وهكذا فترة الأصوام الكنسيَّة هي لتقوية الوازع الديني والروحي وحفظ الحرارة الروحية، وكذلك صوم الاستعداد للتناول من الأسرار المقدَّسة.
وللرهبنة الحقيقية عدَّة جوانب تُشكِّل الكيان الروحي لكل دير:
الجانب الأول: حياة التوبة: «تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَوَاتِ» (مت 4: 17). وكل دير هو بمثابة جماعة رهبانية يعيشون معًا بهدف التوبة ولتشجيع بعضهم البعض على ذلك. والذين يزورون الأديرة يحتاجون أن يروا تائبين من سيرتهم ومنظرهم وأقوالهم، لأن الأديرة هي مواضع توبة أصيلة.
الجانب الثاني: حياة الصلاة: ”صلُّوا كلَّ حين ولا تملُّوا“ (انظر: لو 18: 1) فهذا هو العمل الرئيسي للراهب، حيث التسبحة اليومية والقدَّاسات والمزامير والألحان والصلوات الخاصة، كما نقول في التسبحة: ”قلبي ولساني يُسبِّحان الثالوث“. والصلاة الدائمة تعني حُبَّ الإنسان لله، لأن أغلى هدية يُقدِّمها الإنسان إلى آخر هي الوقت، والراهب يُقدِّم عمره وأيامه حُبًّا في الله من خلال الصلاة الداخلية مع الخارجية في السكون والهدوء، والذي هو سِمَهٌ مُميَّزة في التقليد الرهباني حيث سكون الحواس أحد جهادات الحياة الرهبانية.
الجانب الثالث: حياة الإنجيل: «فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ» (في 1: 27). فالراهب هو إنسانٌ متخصِّص روحيًّا في الإنجيل: يدرسه ويقرأه ويتأمَّل فيه، ويمتصُّ الوصية منه ويعيشها في حياته، حتى يصير إنجيلًا مقروءًا من جميع الناس. ويذكُر لنا التاريخ أن آلافًا من الناس وحتى البابا القبطي كانوا يقطعون المسافات من أجل كلمة منفعة من فم أحد آباء البريَّة فعندما تقابل الأب البطريرك مع أحد النُّسَّاك، والذي ظلَّ صامتًا في حضرة البابا، وعندما طلب منه أحد تلاميذه أن يقول كلمة حتى ينصرف الأب البطريرك، قال له: [إن لم ينتفع من صمتي فلن ينتفع من كلامي]. وأخذها البطريرك واعتبرها كنزًا روحيًّا.
الجانب الرابع: العمل اليدوي أو الجماعي: وهو وسيلة مُكمِّلة لحياة الصلاة وحياة القراءة وحياة العمل، وتربط بينها حياة التوبة. والأديرة برهبانها أو راهباتها يقومون بأعمالٍ عديدة سواء زراعية أو صناعية بهدف خدمة المجتمع واستغلال المواهب التي يتمتَّعون بها، فضلًا عن اهتماماتهم بالبحث والقراءة والدراسة وتحقيق المخطوطات والكُتُب القديمة دون أي هدف للربح أو تحقيق فائدة مادية. والمعروف أن منتجات الأديرة تُساهم في سدِّ احتياجات المواطنين بصورةٍ جيدة يشهد لها الجميع.
في الحقيقة، الرهبنة جوهرة الكنيسة التي يجب أن نُحافظ عليها وعلى حياة الآباء الرهبان أو الأُمهات الراهبات، ولا نكُن سببًا في تعكير حياتهم أو إفسادها بالزيارات والضوضاء وعدم احترام خصوصياتهم. إنها مسؤولية كبيرة على الجميع. أتذكَّر عبارة القديس يوحنا ذهبي الفم عندما زار البريَّة في مصر وكتب عنها: [السماء بكلِّ نجومها ليست في جمال بريَّة مصر بكلِّ نُسَّاكها] فلنحفظ جمال البريَّة وقداسة البريَّة، ونصون حياة ساكنيها، ونفرح بصلواتهم الدائمة من أجلنا ومن أجل بلادنا وكل العالم.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
19 ديسمبر 2025
“التسبيح بهجة الكنيسة”
«فَقَامَتْ مَرْيَمُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَذَهَبَتْ بِسُرْعَةٍ إِلَى الْجِبَالِ إِلَى مَدِينَةِ يَهُوذَا، وَدَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا وَسَلَّمَتْ عَلَى أَلِيصَابَاتَ. فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلَامَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَصَرَخَتْ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَتْ: مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ فَهُوَ ذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلَامِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي. فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ» (لو 1: 39 – 45).
«فَقَالَتْ مَرْيَمُ: تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَ ذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي …» (لو 1: 46 – 48).
إن كلمة البهجة كلمة أشمل وأعمق من كلمة الفرح، وكلمة البهجة ذُكِرَت في جزء الإنجيل السابق مرتين.
إنَّ التسبيح هو الصورة الأرقى والأرفع التي نقدِّمها في الصلاة، قد تكون الصلاة مجرَّد كلمات ننطق بها باعتبار أن الإنسان كائن ناطق، فالله هو الذي أعطاه قدرة النطق ثم جاءت اللغة، وتعدَّدت لغات كثيرة في بلاد مختلفة ويبقى التسبيح هو الصورة الأرفع مقامًا في مُخاطبة الله، عندما نُخاطب الله نستخدم لغة التسبيح، والتسبيح باختصار هو الصلاة التي يُصاحبها الموسيقى أو النغمة، والتسبيح في الكنيسة يأخذ المساحة الأكبر في العبادة. فكل صلواتنا عبارة عن تسبيح، مثال صلاة العشية هي عبارة عن تسبيح سواء في ألحان الشمامسة وصلوات الكاهن والشعب في مشاركته ومرداته وكل هذه أشكال من التسبيح، وأيضا القداس تسبيح وهناك تسبحة نصف الليل وهناك التسبحة الكهكية وهناك تسابيح الأعياد والترانيم والألحان … فهناك زَخَم وتُراث كبير في كنيستنا القبطية.
لماذا التسبيح بهجة الكنيسة؟
أولًا: التسبيح صلاة حيَّة متجدِّدة ترسم العقيدة في القلوب:
فالتسبيح يجعل الصلاة التي نقدِّمها متجدِّدة في كل مرة لأنه إذا كانت الصلاة مجرَّد كلمات ستكون مع الوقت غير مُستساغة للأذن فالتسبيح عماده الألحان، فكنيستنا بها أكثر من ١٠٠ لحن، منها ألحان صغيرة جدًّا مثل كيرياليسون، ونقولها بطُرُق كثيرة أو هللويا نقولها أيضا بطُرُق كثيرة، لكن التسبيح الذي عماده الألحان هو أكثر وسيلة تحافظ على العقيدة فالتسبيح ليس مجرد كلمات حلوة، لكن الألحان التي في التسبيح أحد الوسائل التي تحافظ على العقيدة الأرثوذكسية التي نعيشها ونؤمن بها، والتسبيح لأننا نكرِّره في كثير من المناسبات حسب كل مناسبة يكون التكرار وسيلة لحفظ العقيدة من الانحراف أو النسيان، وتكون العقيدة ماثله أمامنا باستمرار إن التسبيح يشرح العقيدة والإيمان وهو يرسم العقيدة في وجداننا، بمعنى أنه يجعل المسيحي يعي معنى الحياة القبطية الأرثوذكسية ويكون له حساسية كبيرة لها، بحيث أنه إذا جاءت فكرة غريبة أو تعليم غريب يشعر به ويرفضه كذلك عندما نُعمِّد الطفل وهو في عمر الأيام تُعلَّم الأُم أن تُحضِر الطفل الصغير إلى الكنيسة، حتى تنسكب ألحان الكنيسة داخل وجدانه بحيث ينمو الطفل رويدًا رويدًا وفى داخل وجدانه الحياة الكنسية ويكبر الطفل وهو ابن النعمة ويكون مليئًا بالروح وتكون الكنيسة بالنسبة له الحضن الكبير الذي يحتضنه فالتسبيح هو الصلاة الحية المتجدِّدة، التي تشرح العقيدة وترسمها في الوجدان بسهولة خلال مراحل العُمر.
ثانيًا: التسبيح يُنشِّط الروح وهو دواء لسلامة النفس:
عندما تدخل أي كنيسة أو أي دير قديم قد تشبَّعت جدرانه بآلاف التسابيح على مدى مئات السنوات، تشعر بالخشوع، فالتسبيح هو تنشيط للروح، ومن التداريب الجميلة في أديرتنا: صلاة التسبحة التي يقوم بها الرهبان في الساعة الرابعة صباحًا وتنتهي التسبحة في حدود الساعة السادسة صباحًا!! وهنا يصبح الإنسان أكثر نشاطًا ومن الأمور اللطيفة التي نتعلَّمها في الدير، أنه عند ضرب جرس نصف الليل، يقوم الراهب برشم نفسه بعلامة الصليب ويقول: ”قدوس قدوس قدوس أقوم قبل ما الشيطان يدوس“، ويقول القديس باسيليوس: [الألحان هي هدوء للنفس وراحة للروح وسلطان السلام الذي يُسكِّن الأمواج، ويُسكِّت عواصف حركات قلوبنا] ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [لا شيء يُعطي للنفس أجنحة وينزعها من الأرض، ويخلِّصها من رباطات الجسد ويُعلِّمها احتقار الأمور الزمنية مثل التسبيح بالنغمات الموزونة]. وهناك دراسات كثيرة في العالم تتكلَّم عن معالجة بعض الأمراض بالموسيقى، فالتسبيح يُنشِّط الروح وهو أيضًا دواء للنفس.
ثالثًا: التسبيح يُحوِّل الإنسان إلى قيثارة:
القيثارة هي آلة وترية بها حوالي عشرة أوتار وتُعطي نغمًا جميلًا. وحرف اليوتا هو الحرف العاشر في اللغة القبطية، وهو أول حرف في اسم إيسوس (يسوع)، فأحد الألقاب التي نُخاطب بها السيد المسيح هو اليوتا ”اليوتا التي دلَّتنا على اسم الخلاص يسوع“ ونقرأ في إحدى التأملات، أن للإنسان جسدًا ونفسًا، الجسد له خمسة حواس والنفس لها خمسه قدرات مثل العقل والوجدان والعواطف … فيصبحوا عشرة: خمسة للنفس وخمسة للجسد!! وكأن كل إنسان عبارة عن قيثارة، عندما تعزف بالألحان والتسابيح يشعر الإنسان بالسعادة الداخلية فالقيثارة هي رمز للإنسان الذي له عشرة أوتار والتسبيح يضبط هذه الأوتار العشرة فيشعر الإنسان وهو يُسبِّح أنه ونفسه وروحه وعقله وقدراته كلها متناغمة مع بعضها، كما نقول في تسبحة كيهك: ”قلبي ولساني يُسبِّحان الثالوث“ فالقلب تعبير عن الروح و الحياة الداخلية، واللسان يُعبِّر عن النُّطق والعقل بمعنى أن كل كيان الإنسان يشترك في التسبيح، فالتسبيح هو الذي يُحوِّل الإنسان إلى حالة فرح داخلي، ويشعر الإنسان بحالة من السعادة الداخلية، ويتحوَّل كيانه كله إلى قيثارة وهي التي تُعطيه الراحة النفسية. لذلك يستخدم الأطباء الموسيقى، التي تُعطي نوعًا من الراحة الداخلية مثل موسيقى التسبيح التي نسبح بها ويقول القديس جيروم: [إنَّ المؤمنين قد صاروا أنهارًا تفيض عليها المياه من النهر الأصلي ربنا يسوع، تُصفِّق بالعمل الروحي المستمر كما بالأيدي، تُسبِّح للثالوث القدوس بالسلوك الحي]، وهذه هي بركات التسبيح الثلاثة، تعطينا صلاة متجدِّدة، ونشاطًا للروح، وتُعطينا بهجة وفرحًا داخليًّا تقول أمنا العذراء مريم: «تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي» فعندما نربط بين كلمة تبتهج ومُخلِّصي نسميها: ”بهجة الخلاص“، ونقول في الأجبية في صلاة الساعة السادسة: ”ملأت الكل فرحًا أيها المُخلِّص لما أتيت لتُعِين العالم يا رب المجد لك“. فعندما يُسبِّح الإنسان ويعيش بهجة الخلاص، يمتلئ بهذه البهجة الداخلية وهذا ما نسميه السعادة الروحية.
ماذا سنصنع عندما نذهب إلى السماء؟
وهنا نتساءل ماذا سنفعل في السماء؟!! إننا سنعيش حالة من التسبيح الجديد المستمر، مثل الإنسان عندما يستخدم شيئًا جديدًا لأول مرة، فإنه يتكوَّن لديه إحساس بالسعادة، وهذه السعادة والبهجة هي حياة السمائيين تمامًا مثل فرحة الطفل الصغير بلبس العيد ولكن هذا الإحساس الجديد يظل جديدًا دائمًا، بمعنى أنه لن يأتي وقت يشعر فيه الإنسان بالملل، فيظل هذا الإحساس بالسعادة في كل لحظة وكل وقت، لذلك نُسمِّي الحياة الأبدية بالحياة الجديدة، لأنها جديدة دائمًا، فلا تأتي لحظة نشعر فيها أن هذه الحياة أصبحت قديمة!!
فصلاة التسبيح عبارة عن كلمة ونغمة. الكلمة تخرج من العقل واللسان والنغمة تخرج من القلب. والكلمة مع النغمة تُكوِّن المشاعر والأحاسيس. فمثلًا عندما نسمع لحن ”ابؤرو“، نشعر بالفرح، في المقابل عندما نسمع لحن ”أمونوجنيس أو غولغوثا“ نشعر بالحزن والخشوع وبعض الألحان ترجع للموسيقى الفرعونية، فالكنيسة القبطية حفظت الموسيقى الفرعونية مع تغير الكلمات، فالموسيقى هي أقدم الفنون ويقول سفر المزامير: «سَبِّحِيهِ يَا أَيَّتُهَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. سَبِّحِيهِ يَا جَمِيعَ كَوَاكِبِ النُّورِ» (مز ١٤٨: 3) فالموسيقى التي هي عماد التسبيح هي من أقدم الفنون، وهي علم له قواعد ونظريات وحروف تُدرَّس وهي لغة تُكتَب وتُقرأ وتُسمَع ويتعلَّمونها في كليات التربية الموسيقية، وهناك ما يُسمَّى النوتة الموسيقية. ومن المعروف أن أول آلة موسيقية عُرِفَت في تاريخ البشر هي الصفارة. والثانية هي التصفيق ثم تطوَّرت إلى أن وصلت لدرجة الغناء بكل أشكاله وأنواعه، والموسيقى المُصاحبة للألحان عادة ما يُستخدَم فيها الآلة الموسيقية الطبيعية أي الحنجرة والأحبال الصوتية التي من المعروف أنها أكثر أعضاء جسم الإنسان حساسية، بمعنى أن الإنسان عليه أن ينتبه لها، فلا يشرب ما هو بارد جدًّا أو ساخن جدًّا أو حار جدَّا الحنجرة والأحبال الصوتية لها طريقة في التمدد وطريقة في الاستخدام يتعلَّمها من يعمل في الغناء وقد يكون التسبيح في الكنيسة باستخدام آلة من الآلات الموسيقية الموجودة في الكتاب المقدَّس، مثل الناقوس أو المثلث، وهي آلات بسيطة وبصورة عامة النغمات البطيئة تُعطي مشاعر الحزن، والنغمات السريعة تُعطي مشاعر الفرح والمرح والنغمات المُثيرة مثل الأغاني العسكرية تُعطي نوعًا من الحماس ومن أشهر طرق الترتيل في كنيستنا الترتيل من خلال خورسين بحري وقبلي فأحد الخورسين يقوم بترتيل ربع، ويقوم الخورس الثاني بالرد عليه وهكذا … وفترة الصمت لكل خورس لها فائدتان أولًا الراحة وثانيًا الصلاة أي رفع القلب في صلاة صامتة. وتُسمَّى طريقة المرابعة (طريقة الأنتيفون)، وهي أشهر وأسهل طريقة. وهناك طريقة ثانية وهي أن شخصًا يقول والجموع ترد عليه مثل بعض تسابيح كيهك، وهناك طريقة ثالثة وهي أن الجميع يشارك وهي طريقة تُستَخدم كثيرًا، وهناك طريقة رابعة، وهي أن شخصًا يُرتِّل والباقي يستمع إليه، ولكن هذه الطريقة غير مستحبة في الكنيسة ما عدا ما يحدث في صلاة القداس الإلهي، حيث يوجد مرد للأب الكاهن وحده ومرد للشماس وحده وعمومًا طالما هذه التسابيح سواء طويلة أو قصيرة يُغلِّفها روح الاتضاع تصير صلاةً مرتفعةً، ولكن عندما يقع الإنسان في فخ الإعجاب بنفسه أو بصوته هنا يقع في فخ الذات، فلا تصير صلاةً ولا تصير تسبيحًا وإذا أخذت مديح الناس لا تصعد إلي الله ولا حتى إلى سقف الكنيسة!!
وقد ذكر لنا الكتاب المقدَّس، أسماء كثيرٍ من المُسبِّحين مثل: يوبال وتوبال ومريم أخت موسى، وداود النبي وآساف والملائكة، إلخ … وسفر الرؤيا مليء بتسابيح كثيرة وهو السفر الذي يؤهِّلنا للسماء، ولكن من المُلاحظ أن جميع تسابيح سفر الرؤيا هي تسابيح جماعية وهي تعبير عن الحياة في السماء لذلك نحن نعيش التسبيح على الأرض، لكي ما نُكمِّله في السماء إنَّ الناقوس من الآلات الموسيقية البسيطة، وهو يُمثِّل الشفتين، وهو تمثيل أيضًا للنغمات التي تخرج من الحنجرة والأحبال الصوتية أمَّا المُثلَّث فهو آلة موسيقية لضبط الإيقاع، لكي ما تكون الفترات الزمنية في اللحن متوازنة، والكلام متماشي النغمة، فينساب اللحن لأعماق الإنسان.
الخلاصة أنه يجب على الإنسان أن يعيش في التسبيح بتوافقية، بمعنى أن ذهنه يكون مشغولًا بكلمات التسبحة، بحيث يعيش فيها، وتنساب نغماتها في داخله فنلاحظ أن تسابيح شهر كيهك أخذت الصورة الشعبية، وسُمِّيت سهرات سبعة وأربعة، وهي تسمية شعبية والمقصود بها أن الكنيسة تُرتِّل في هذه السهرات السبع ثيؤطوكيات الخاصة بالعذراء مريم، وكل يوم له ثيؤطوكية خاصة بها، وهذا يجعلنا نعيش مع أمنا العذراء، كل أيام الأسبوع. وأيضا نفهم العبارة التي قالتها في تسبحتها: «تَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي»، وكأن أمنا العذراء وضعت عنوان: ”بهجة الخلاص“ ونحن نعيش هذه البهجة من خلال التسبيح.
أما الأربعة، فالمقصود بها الأربعة هوسات، و”هوس“ هي كلمة قبطية معناها تسبحة وأربعة هوسات التسبحة هي قطع من الكتاب المقدَّس الهوس الأول عبارة عن تسبحة مریم النبيَّة أخت موسی النبي وهو جزء من سفر الخروج ١٥ الهوس الثاني عبارة عن مزمور الشكر ١٣٦، الهوس الثالث هو صلاة الفتية الثلاثة وهم في أتون النار، وكيف يدعون الخليقة كلها للتسبيح، أما الهوس الرابع فهو عبارة عن آخر ثلاثة مزامير ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠ وهذه التسابيح تُعِد للإنسان مكانًا وسط القديسين ويتخلَّل هذه الهوسات ألحان غاية في الإبداع من حيث الموسيقى أو الكلمات، وهذه الهوسات الأربع تُصليها الكنيسة مع بعض المدائح التي وُضِعَت بطريقة شعرية وأحيانا أبجدية، لكي ما تجعل المؤمنين يتمتَّعون ويشعرون بالبهجة وخصوصًا في شهر كيهك وهو الشهر الرابع في السنة القبطية، حيث نفرح فيه بأمنا العذراء ونعيش الاختبار ببهجة الخلاص وقد بدأت بهجة الخلاص مع تجسُّد ربنا يسوع المسيح وميلاده العجيب حين سبَّحت الملائكة النشيد الخالد: «الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلَامُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ» (لو 2: 14) وصار العهد الجديد هو مسيرة التسبيح وبهجة القلوب حتى إلى السماء وطننا الغالي.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
12 ديسمبر 2025
“الصوم وصيانة جهازنا الروحي”
نقرأ فصلًا من إنجيل معلِّمنا متى البشير (ص 13: 1 – 9):
«فِي ذلِكَ الْيَوْمِ خَرَجَ يَسُوعُ مِنَ الْبَيْتِ وَجَلَسَ عِنْدَ الْبَحْرِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى إِنَّهُ دَخَلَ السَّفِينَةَ وَجَلَسَ. وَالْجَمْعُ كُلُّهُ وَقَفَ عَلَى الشَّاطِيءِ. فَكَلَّمَهُمْ كَثِيرًا بَأَمْثَالٍ قَائِلًا: ”هُوَ ذَا الزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ، وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ، فَجَاءَتِ الطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ، فَنَبَتَ حَالًا إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ. وَلكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ احْتَرَقَ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الشَّوْكِ، فَطَلَعَ الشَّوْكُ وَخَنَقَهُ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَرًا، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلَاثِينَ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ“».
هذا الفصل من الإنجيل تتكرَّر قراءته في الأحد الأوَّل والأحد الثاني من شهر هاتور الذي يبدأ صوم الميلاد في منتصفه، وسنركِّز على آية واحدة هامة فيه، وهي آية: «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ».
من الأشياء الهامة في مسيرة حياتنا الروحيَّة، ما نسمِّيه بالجهاز الروحي في الإنسان، فالله عندما خلق الإنسان، خلق له مجموعة من الأجهزة الجسديَّة المتناسقة لكي تعمل بتناغم معًا، وأهم هذه الأجهزة الجسديَّة: الجهاز الهضمي، والجهاز التنفُّسي، والجهاز العصبي وغيرها. كذلك أيضًا يوجد بالإنسان جهازٌ نفسِيٌّ يلزم أن يعمل بتناغم ليكون الإنسان كائنًا سويًّا، حتى إنَّ أيَّ خللٍ أو عدم توافق في عمل الجهاز النفسي للإنسان، يُصَيِّره مُعتَلًّا نفسيًّا.
وهناك أيضًا جهاز روحي يقود الإنسان، وهذا الجهاز يتمثَّل في: الأذُن، والعَيْن، والفم، والقلب. والثلاثة أعضاء الأوائل في هذا الجهاز تتواجد في رأس الإنسان، ويصبُّون جميعهم في القلب. ويقول الآباء، إنَّه كما أنَّ للإنسان أُذنًا خارجية، فإنه يوجد للقلب أذُنٌ داخلية، وكما أنَّ للإنسان عينًا خارجية، هكذا للقلب عينٌ داخلية، وبالمثلِ، كما أن للإنسان فمًا خارجيًّا، كذلك يوجد للقلب فمٌ داخلي، فالقلب هو مركز التجمُّعِ لهذه الأجهزة الروحية وهو المسؤول عن إداراتها.
والشيء الجميل هنا، أن كنيستنا المجيدة تعلِّمنا عبر تاريخها وبأصوامها أمرًا هامًّا؛ فقد وضعت لنا مجموعة من الأصوام: أربعة أصوام كبيرة هي: صوم الميلاد، والصوم الكبير، وصوم الآباء الرسل، وصوم السيِّدة العذراء، وكذلك أربعة أصوام صغيرة وهي: الأربعاء والجمعة وصوم البرامون وصوم نينوى. والأمر الرائع في هذا أن فلسفة الكنيسة من ترتيب هذه الأصوام – خاصة الكبيرة – هو في إنها فرصة جادَّة وحقيقية لإصلاح وتجديد وصيانة أعضاء الجهاز الروحي للإنسان؛ والكنيسة تُخصِّص كلَّ صوم من هذه الأصوام الأربعة لمخاطبة عضوٍ معيَّن من أعضاء الجهاز الروحي الأربعة.
والآن، لنبدأ معًا رحلتنا مع الصوم من أجل صيانة أعضاء جهازنا الروحي:
صوم الميلاد:
الكنيسة بحكمة بالغة تُخَصِّص صوم الميلاد البتولي من أجل إصلاح وتجديد الأذن الروحية وتنشيطها، ودليلنا على ذلك أنَّها ترتِّب لنا قراءات الأحد الأول والثاني من هاتور – قبل بدء الصوم مباشرة – لتحدِّثنا في فصول الإنجيل الخاص بهما عن مَثَل الزارع والزرع، والذي فيه تنتهي قراءة المَثَل بالعبارة الشهيرة: «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ» (مت 13: 43، لو 8: 8). فالكنيسة تسأل كُلًّا منَّا وتنبِّهه: هل أذُنك تسمع؟ وهل تطيع ما تسمعه؟ هل أُذنك تُميِّز صوت الله في مخدعك أو قلايتك أو حياتك؟ هل تفهم وتستوعب رسائل الله لك وتطيعها؟ أم أنَّك تسمع وسرعان ما تنسى أو تتناسى؟ أو ربما لا تسمع قط؟ أو إنك بعدما سمعت مضيت حزينًا ولم تعمل شيئًا؟ (مت 19: 22).
ولعلَّ من أشهر العبارات الرهبانيَّة عند الآباء قولهم: ”على ابن الطاعة تحلُّ البَركة“، والطاعة هي بالسمع (الأُذن الروحية)، وهي مدخل الحياة الروحيَّة. فإن كانت أُذن الإنسان مريضة فلا قيمة ولا جدوى لما بعد ذلك.
ثمَّ تأتي قراءات الأحد الثالث من هاتور (الأحد الأول في صوم الميلاد) تكرارًا للوصية «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ» (لو 14: 35)، وفي آخر آحاد شهر هاتور تُقدِّم لنا الكنيسة الحكيمة إنجيل الشاب الغني، ذلك الشاب المهذَّب واللطيف الذي تقدَّم إلى الربِّ يسوع، وسَجَدَ له بكلِّ وقار، وسأله سؤالًا كبيرًا على شابٍّ في مثلِ سنه: «مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟» (مر 10: 17)، ويا له من سؤالٍ ينمُّ عن شخصٍ مهتم بخلاصه! يدعونا أن نفرح به. ثمَّ بدأ يسوع يسأله إن كان قد حفظ الوصايا؟ فأجابه بأنَّه حفظها كلها منذ حداثته، وكان هذا أيضًا أمرًا جيِّدًا. حينئذٍ لمس الربُّ موضع أوجاعه، فقال له: «يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ. اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلًا الصَّلِيبَ». فيقول عنه الكتاب: «مَضَى حَزِينًا، لأَنَّه كَانَ ذَا أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ» (مر 10: 21، 22)، ولذلك يسمِّي البعض هذا الشاب ”بالشاب الحزين“ عوضًا عن ”الشاب الغني“. لقد مضى حزينًا لأنَّه لم يستطع أن يسمع، إذ كان ما سمعه غير موافقٍ لرغباته أو طموحاته. وهكذا البعض منَّا، لا يمكنهم أن يسمعوا ما ليس على هواهم، ولا يستجيبون للدعوة إن كانت لا تُلبِّي شهواتهم وتُحقِّق طموحاتهم، بل يسدُّون آذانهم فلا تسمع ما لا يعجبهم. وهناك الكثيرون الذين يستمعون لحديثك الطويل معهم، ولكن لا يتذكَّرون منه سوى كلمتين فقط يسمعونهما، إمَّا لكي يحاسبوك عليهما، أو ليستغلوها، تاركين باقي الكلام الجيِّد لأنه لا يعنيهم، أو لا يعجبهم، فالسمع عندهم سمعٌ انتقائي SELECTIVE LISTENING. لهذا كان هذا الصوم مخصَّصًا لإصلاح الأُذن وإعادة الحساسية الروحية لها، لتصير أُذُنًا سامعة صحيحة.
بعد ذلك يأتي شهر كيهك بقراءاته المفرِحة، فالكنيسة بعدما أعطتنا مثالًا للأذن المريضة وغير المستَمِعة، تُقدِّم لنا مثالًا رائعًا للأُذن المستمعة والمطيعة في شخص أُمِّنا القديسة العذراء مريم. فالفضيلة الأولى والعظمى للسيِّدة العذراء، بجانب قداستها وطهارتها وكونها والدة الإله وغيرها من الفضائل والصفات الرائعة – هي أنها امتلكت أُذنًا جيِّدة، فقد استطاعت أن تسمع جيِّدًا، وأن تطيع جيِّدًا، حينئذٍ قالت: «هُوذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ» (لو 1: 38)، وذلك رغم كَوْن الرسالة المُرسَلة لها أمرًا خطيرًا بالنسبة لفتاة صغيرة في مثل عمرها. وتظل الكنيسة طوال شهر كيهك تُطوِّب أُمَّنا العذراء، لا لسببٍ سوى لأنَّها امتلكت الأُذُن الجيِّدة. تُرى يا أخي الحبيب، هل أُذنك تسمع كلمة الله بطريقة صحيحة؟ هل تسمع الوصيَّة جيِّدًا؟ هل تنصت للإرشاد الروحي جيِّدًا؟ هل في صمتك وخلوتك تقول «تَكَلَّمْ يَا رَبُّ لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِعٌ» (1صم 3: 10)؟ احذر أن تكون أُذنك متعطِّلة عن السمع أو مريضة، أو أنها تسمع ما يروق لها فقط؟ أو أنها لا تسمع إطلاقًا! لذلك تهتمُّ الكنيسة بأن تجعل صوم الميلاد كلَّه مخصَّصًا لهذا الأمر – إصلاح الأذن الروحية – وتُقدِّم الكنيسة على مدى شهر كيهك كلِّه، التسابيح الروحيَّة الجميلة للسيِّدة العذراء، صاحبة الأُذُن المفتوحة.
بَقِىَ ملحقٌ صغير هنا، وهو أنَّنا بعد صوم الميلاد نعبر على أعياد الظهور الإلهي كلها حتى نصل إلى صوم نينوى، وهذا الصوم أيضًا قائمٌ على الأُذُن، فهو يختص بإنسانٍ (يونان) قاوم صوت الله ودعوته للكرازة لأهل نينوى، ولاقته تجارب شديدة بسبب ذلك، وبعدما نجَّاه الله منها، عاد ليسمع ويذهب مُتضرِّرًا، ولكنَّ الله أراه كيف أنَّه عفا عن المدينة بأسرها من أجل سماعهم الجيِّد لصوت الله فهبُّوا للتوبة ونالوا المغفرة والنجاة.
وهكذا نرى أنَّ صوم الميلاد قد جعلته الكنيسة فرصة لنا لإصلاح أُذُننا الداخليَّة وتجديدها. فالأذن هي العضو الأوَّل في الجهاز الروحي الذي يبدأ به الإنسان مسيرته الروحيَّة. وفي التدبير الرهباني والحياة الرهبانيَّة تعتمد المسيرة على قاعدة هامة، وهي التسليم الأبوي، من الأب أو الشيخ إلى تلميذه، وهذا الأمر لا يتم إلَّا من خلال التعليم المنطوق من الأب، والأُذن السامعة والمطيعة للابن. وطوبى لمن يملك الأُذُن الجيِّدة القادرة على السمع والطاعة والعمل.
الصوم الكبير:
هذا الصوم خصَّصته الكنيسة من أجل إصلاح عَيْن الإنسان وصيانتها، وتجديد نظرته الداخليَّة. ففي أحد الرفاع نقرأ من الأصحاح السادس لإنجيل متى الرسول، الآيات من (1- 18)، ثمَّ نكمِّل الفصل السادس في الأحد التالي له؛ أي في الأحد الأوَّل من الصوم، وفي هذا الجزء يُكلِّمنا الربُّ يسوع عن العَين البسيطة والعَين الشريرة فيقول: «سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا» (مت 6: 23،22). فهناك عينٌ شهوانيَّة، وعينٌ ناقدة، وعينٌ حاسدة، وعينٌ ذات نظرة معكوسة للأمور، وأيضًا هناك العين صاحبة النظرة السوداويَّة والعين الناقلة للأخبار والمحبَّة للنميمة، والعَين الديَّانة والشريرة. تُرى من أيِّ نوعٍ هي عينُك يا أخي؟
يأتي بعد ذلك الأحد الثاني، أحد التجربة، ونقرأ فيه عن تجربة العَين: ”أراه كلَّ ممالك العالم“ ويحاول الشيطان إغراءه بها إن خرَّ وسجد له، وهكذا في تجربة تحويل الحجارة خبزًا، فالثلاث تجارب كانت بإغراءات منظورة بالعَين، وعلَّمنا الربُّ يسوع كيف نغلبها. ونصل إلى الأحد التالي مع مَثَل الابن الضال، ذاك الذي نظر إلى ثروة أبيه ولم ينظر إلى أبيه، أو يستمع له، فدخل في تجربة مُرَّة. ونصل إلى الأحد الرابع مع المرأة السامريَّة، ونقرأ كيف انطلقت هذه المرأة لتكرز لأهل مدينتها وعشيرتها قائلة: «هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ». وقبل أسبوع الآلام تُقدِّم لنا الكنيسة إنجيل شفاء المولود أعمى (مريض العينين)، وكيف فتَّح الربُّ يسوع عينيه، وأعطاه البصر والبصيرة أيضًا، كمثال لما نبتغيه نحن في الصوم المقدَّس من نَيْل البصيرة والاستنارة والتجديد لعيون قلوبنا الداخليَّة.
إنَّ أهمَّ عَيْن علينا اقتناؤها في هذا الصوم هي العَين الرحيمة، لذلك تلحُّ الكنيسة على ذلك بتكرارها لمديحة ”طوبى للرحما على المساكين“، والمساكين هنا تشمل أي صورة من أشكال المسكنة؛ فربما الفقراء أو الضعفاء أو الخطاة، او البعيدين وهكذا. فهل عينُك يا أخي عينٌ رحيمة؟
علينا كآباء أن تكون أعيننا ممتلئة بالرحمة، والعَين الرحيمة تُنجِّينا من خطايا كثيرة، ومن دينونة وإمساك للسيرة، ومن أكثر صلوات الكنيسة التي تُردِّدها خلال هذا الصوم طلبة ”يا ربُّ ارحم“، ”ارحمنا يا الله كعظيم رحمتك“، ”ارحمنا يا الله ثمَّ ارحمنا“، وهي تضرُّعات من أجل نَيْل الرحمة، فكم بالحرى نكون في حاجة أن نقتني نحن العَيْن الرحيمة. ولنتذكَّر حال المرأة الخاطئة التي أُمسِكتْ في ذات الفعل، وكيف أحاطتها الجموع أصحاب العيون الشريرة تريد رجمها، فما كان من الربِّ يسوع الحنون إلَّا أن انحنى على الأرض، وبدأ يكتب خطايا كلِّ واحدٍ منهم على الأرض، فابتدأوا يعبرون ويقرأ كلُّ واحدٍ خطيته مكتوبة أمام عينيه، فيُلقي الحجر من يده ويمرُّ خَجِلًا تاركًا المرأة مع يسوع، أمَّا يسوع فلم يشأ أن يُشهِّر بأحدٍ، أو يكشف هوية أيًّا منهم، بل تركهم لينظروا رحمته وسِتره عليهم، ويتعلَّموا معنى عَيْن الرحمة، ثمَّ قال للمرأة: أين أولئك المشتكون عليكِ، أَمَا دانك أحدٌ، وأنا لا أُدينكِ، اذهبي ولا تُخطئي أيضًا. هذا هو المسيح، وهذا هو الإنجيل، إنها عَين الرحمة.
إذن، الصوم الكبير كلُّه هو من أجل إصلاح وتجديد العّيْن. وفي نهاية هذا الصوم الكبير تعود الكنيسة لتُذكِّرنا بتعليمها الأوَّل عن إصلاح وتجديد الأُذُن، عند قراءة سفر الرؤيا، بالعبارة الجميلة والمنيرة والمتكرِّرة: «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ»، حتى نقرن ما تعلَّمناه في صوم الميلاد بتعليم إصلاح وتجديد العين في الصوم الكبير.
ونستمر في رحلة الإصلاح.
صوم الرُسل:
هو الصوم الثالث، وهو صوم الخدمة لإصلاح الفم، ونسمِّيه أيضًا صوم الكرازة، والكرازة هي بالفم: «فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ» (مز 19: 4)، وأيضًا: «بِكَلَامِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلَامِكَ تُدَانُ» (مت 12: 37). لهذا ظهرت في الرهبنة فلسفة الصمت «ضَعْ يَا رَبُّ حَافِظًا لِفَمِي، وبَابًا حَصِينًا لِشَفَتَيَّ» (مز 140)، وقول القديس أرسانيوس: ”كثيرًا ما تكلَّمت وندمت، أمَّا عن صمتي فلم أندم قط“.
الفم إذن، هو العضو الذي علينا أن نُكرِّسه للشهادة والكرازة، ولِنُطق كل ما هو للبنيان، ولتمجيد اسم الله وتسبيحه، فالفم لم يُعطَ لنا لننطق كلامًا سيئًا أو رديئًا، أو كلامًا مُعثِرًا وهادمًا، أو لنلعن به الناس المخلوقين على صورة الله، أو ننقل أخبارًا خاصة عن الناس أو نُسبِّب عثرة لهم. والعالم اليوم يعاني من كثرة الكلام الذي لا يخلو من معصية، نتيجة سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي (SOCIAL MEDIA)، فالجميع صار يتكلم، مَنْ يعرف ومَنْ لا يعرف، في الأمور المفيدة والضارة، ويتداول آلاف الأخبار الصحيحة والكاذبة، والمعلومات الأمينة والدقيقة وأيضًا غير الصادقة، فالجميع صار يُلقي بدَلوِه في عالَم يُغلِّفه الكذب والزيف والخِداع. ونتذكَّر هنا أن الكذب هو إحدى الفئات الثمانية التي أشار إليها الروح في سفر الرؤيا والتي لن تدخل ملكوت السموات (انظر: رؤ 21: 8).
إذن ففلسفة الكنيسة في ترتيب هذا الصوم، هي إصلاح الفم واللسان ليكون كلامنا مُملَّحًا بملح، لأن الفم هو وسيلة الخدمة والشهادة والكرازة، فهو بالحقِّ صوم الخدمة والكرازة وزرع اسم المسيح في كلِّ قلب. وبهذه الصورة الحلوة يصير هذا الصوم مُعينًا شديدًا للإنسان لكي يشهد للمسيح «أُخَبِّرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي»، وهو ضروري لكلِّ مسيحي وليس للكهنة والرهبان فقط.
صوم السيِّدة العذراء:
صوم السيِّدة العذراء هو من أجمل الأصوام في الكنيسة، وهو أقصر الأصوام الكبيرة وأَحبُّها لقلوب الجميع، وقد رتَّبته الكنيسة من أجل إصلاح القلب وتجديده.
فجهادنا الرئيسي في هذا الصوم هو لإصلاح وتجديد قلبنا، بعدما نكون قد جدَّدنا القنوات الروحية الموصِّلة له، أي الأُذن والعين والفم، وذلك بمحاوله اقتناء القلب النقي. فنحن نجاهد من أجل أن نصل إلى نقاوة القلب، ليكون قلبنا هو القلب المسبِّح، المُصلِّي، الفرِح بالله. ونحن الذين كرَّسنا حياتنا لله، وانطلقنا إلى البريَّة محبةً في اسمه القدوس، وبدأنا جهادنا مع الأذُن ثُمَّ مع العَين ثُمَّ مع الفم، مثابرين على ذلك كلَّ يوم لنقتني القلب النقي، مصلِّين كل يوم قائلين: ”قلبًا نقيًّا اخلق فيَّ يا الله وروحًا مستقيمًا جدِّده في أحشائي“ (قطع الساعة الثالثة)؛ هل نَعي هذه الكلمات التي نُصلِّي بها؟ فنحن نُجاهد لأن يكون قلبنا نقيًّا: «طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ» (مت 5: 8)، فهل صارت عينك الداخليَّة مستعدَّة أن ترى الله وتُعاينه في الأحداث وفي الأشخاص وفي كلِّ موقف في هذا الزمان الذي تعيشه؟ كثير من الآباء قالوا: إنَّ هدف الحياة الواحد هو نقاوة القلب. فكلُّ إنسان يجاهد في حياته الموهوبة من الله لاقتناء نقاوة القلب في مخدعه وفي حياته، حتى يصير مؤهَّلًا لسكنى الله فيه، ومعاينته والحياة معه، وهذا هو ما يريده الله منَّا «يَا ابْنِي، أَعْطِنِي قَلْبَكَ» (أم 23: 26)، وعندما يأتي الوقت ويقف الإنسان قدَّام الله يقول له: ها قلبي أمامك يا ربُّ نقيًّا كما أردته مني، بمداخله الثلاثة: الأذُن والعَين والفم. ويصير قلب الإنسان في صوم السيِّدة العذراء – ذلك الصوم الجميل – مسكنًا لله يُظهِر حياة النقاوة والتسبيح، كما قال القديس أوغسطينوس: ”نحن لا نطوِّب العذراء مريم لأنها حملت المسيح في بطنها، بل نحن نطوِّب العذراء مريم لأنها قبل أن تحمله في بطنها حملته في قلبها“.
فخلاصة جهادنا أن يحلَّ المسيح في القلب، ولا ينازعه آخر أو فكرة أو شهوة أو صورة أو أي خطيَّة تعوقه عن التربُّعِ على هذا العرش، ويكون جهاد الإنسان لحفظ القلب نقيًّا هدفًا ساميًا لنا في هذا الصوم، حسب القول: «فَوْقَ كُلِّ تُحْفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ» (أم 4: 23). وأُذكِّركم أيها الأحباء بالآية الواردة في سفر نشيد الأناشيد: «مَا دَامَ الْمَلِكُ فِي مَجْلِسِهِ أَفَاحَ نَارِدِينِي رَائِحَتَهُ» (نش 1: 12)، أي: مادام المسيح مستريحًا على عرش قلبك، وفرِحًا به ومالكًا عليه، فإن رائحتك الخاصة (نارديني)، والمتمثِّلة في كلِّ كلمة أو سلوك أو نظرة، سوف تفوح برائحة المسيح الذكيَّة؛ كما يكتب بولس الرسول لنا بالروح : «لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةُ للهِ» (2كو 2: 15).
وهكذا تصير غاية رحلة حياتنا الطويلة هي أن يملك المسيح على قلوبنا، ليجعلها قلوبًا مقدَّسة. وحينما يأتي وقت انتقالنا للسماء نُرنِّم ونُسبِّح بالفرح، إذ نكون قد أكملنا تقديس كلِّ أجهزتنا الروحيَّة، فصارت أواني لمجد الله.
هذه هي فلسفة الكنيسة في الأصوام الكبيرة، وبالطبع هناك معانٍ أخرى روحيَّة للأصوام الصغيرة، فكلٌّ منها له هدفٌ ومعنى خاص، وجميعها للمساندة في مسيرتنا الروحيَّة. ونحن على أعتاب بداية مسيرة الصوم الأوَّل من الأصوام الكبيرة، صوم الميلاد، علينا أن نبدأ هذا الصوم ونحن مُدركون لأهميَّة الصوم في صيانة أعضاء جهازنا الروحي؛ وأوَّل هذه الأعضاء هو الأذُن، فنُعِد القراءات والآيات والأقوال التي تُفيدنا وتدعونا لتقديس السمع، ويقظة الذهن والطاعة للوصيَّة في صوم الميلاد.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
05 ديسمبر 2025
“خدمة الحب”
«طُوبَى لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَجِدُ الْحِكْمَةَ، وَلِلْرَّجُلِ الَّذِي يَنَالُ الْفَهْمَ، لأَنَّ تِجَارَتَهَا خَيْرٌ مِنْ تِجَارَةِ الْفِضَّةِ، وَرِبْحَهَا خَيْرٌ مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ. هِيَ أَثْمَنُ مِنَ اللآلِئِ، وَكُلُّ جَوَاهِرِكَ لَا تُسَاوِيهَا. فِي يَمِينِهَا طُولُ أَيَّامٍ، وَفِي يَسَارِهَا الْغِنَى وَالْمَجْدُ. طُرُقُهَا طُرُقُ نِعَمٍ، وَكُلُّ مَسَالِكِهَا سَلَامٌ. هِيَ شَجَرَةُ حَيَاةٍ لِمُمْسِكِيهَا، وَالْمُتَمَسِّكُ بِهَا مَغْبُوطٌ. الرَّبُّ بِالْحِكْمَةِ أَسَّسَ الأَرْضَ. أَثْبَتَ السَّمَوَاتِ بِالْفَهْمِ. بِعِلْمِهِ انْشَقَّتِ اللُّجَجُ، وَتَقْطُرُ السَّحَابُ نَدًى» (أم 3: 13 – 20).
”القلب عندما يُقدِّم للآخرين خدمة من أجل الرب يسوع، فإن صورة الرب تنطبع عليه، فيستنير بنوره“ (القمص بيشوي كامل)
والآن يا عزيزي خطوتنا هي أن تكون أنت هو الشخص الذي يقود الآخرين في طريقهم نحو الملكوت.
فالإنسان قيمته بقيمة دم المسيح، فحياته غالية ومقدَّسة وأبدية، فجميع البشر لهم قيمة غالية عند الله خالقهم.
تخيَّل معي عزيزي القارئ إن كان يوجد في العالم شخص واحد فقط! كان المسيح سيأتي من أجله ويتجسَّد ويُصلَب ويموت على الصليب، ثم يُدفَن ويقوم من بين الأموات! فالمسيح لم يأتِ لأن العالم به أُناسٌ كثيرون!
دعنا نُعرِّف الخدمة في ثلاث كلمات: وزنة أمانة مسؤولية
وزنة:
فالمسيح يُعطي للإنسان وزنة وهي الخدمة، ولنتذكَّر مَثَل الوزنات (مت 25):«فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ. كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ» (مت 25: 21) يا ليتك تُصلِّي وتشتاق أن تسمع العبارة الجميلة: «اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ» وكلمة وزنة تعني فرصة، أمام أي شخص منَّا قد تسمح ظروفه الآن بالخدمة، لكن مَنْ يعلم ماذا سيحدث في المستقبل؟ وهل ظروفه ستسمح بالخدمة أم لا؟! فليستغل الفرصة التي أعطاها له الله ويخدم.
أمانة:
وهذه الأمانة تستمر حتى نهاية عمر الإنسان. وكما يقول الكتاب: «كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» (رؤ 2: 10)، وهذه الآية تبدأ بصيغة إلزامية وشخصية وهي: «كُنْ»، فلا مجال للتراخي في خدمة الآخرين.
مسؤولية:
إن كلمة مسؤولية، مشتقة من كلمة سؤال، بمعنى أن الله سيسألنا عن هذه الخدمة، فلا بد أن يكون لدى الإنسان المسيحي إحساس بالمسؤولية، إذ أنه يعمل مع الله ذاته بماذا سنُجيب الله، إن سألك عن أُسرتك، عن أولادك؟! عن أصدقائك؟ أو عن كل مَنْ تعاملت معهم؟! والكتاب يقول: «الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ» (رو 2: 6).
ولكن كيف نُطبِّق المفاهيم السابقة عمليًّا؟
أولًا – الصلاة الدائمة:
فأول شيء يجعل الإنسان المسيحي ناجحًا في خدمة الآخرين، أن ينشغل بخدمته، أو على الأدق بالنفوس التي يخدمها وأول علامة تدل على ذلك، أنه دائمًا يذكرهم في صلواته، بل ويصلِّي الخادم من أجل الآخرين أثناء القداس كُلٌّ بحسب احتياجه وهذا يُذكِّرنا بقصة الخروف الضال (لو 15)، وكيف أن الراعي ترك التسعة والتسعين، وذهب يبحث عن هذا الخروف الضال، وهكذا مَنْ يُصلِّي من أجل الآخرين، فهو يهتم بكل فرد منهم.
ثانيًا – وسائط النعمة:
فيشجِّع الإنسان المسيحي الآخرين على الذهاب إلى الكنيسة، وكذلك يُشاركهم صلواتهم وقراءَتهم الروحية، وممارسة الأسرار المقدَّسة بوعي خاصة سر الاعتراف وما فيه من توبة ومخافة، وسر التناول وما فيه من حضور وثبات في المسيح.
ثالثًا – إدراك قيمة الآخرين:
دعني أقُصُّ لك قصَّة: حدث خلاف بين أصابع اليد الخمسة، كل واحد يُريد أن يكون الأعظم، وقف الإبهام ليُعلِن: إن الأمر لا يحتاج إلى بحث، فإني أكاد أن أكون منفصلًا عنكم، وكأنكم جميعًا تمثِّلون كفة، وأنا بمفردي أمثِّل كفة أخرى، إنكم عبيد لا تقدرون أن تقتربوا إليَّ. أنا سيدكم، إني أضخم الأصابع وأعظمها!
في سخرية انبرى السبَّابة يقول: لو أن الرئاسة بالحجم لتسلَّط الفيل على بني آدم وحُسِبَ أعظم منهم. إني أنا السبَّابة، الإصبع الذي يأمر وينهي: عندما يشير الرأس إلى شيء أو يُعلن أمرًا يستخدمني، فأنا أولى بالرئاسة.
ضحك الأصبع الوُسْطَى وهو يقول: كيف تتشاحنان على الرئاسة في حضرتي، وأنا أطول الكل. تقفون بجواري كالأقزام. فإنه لا حاجة لي أن أطلب منكم الخضوع لزعامتي، فإن هذا لا يحتاج إلى جِدال.
تحمَّس البِنْصِر قائلًا: أين مكاني يا إخوة؟ انظروا فإن بريق الخاتم يلمع فيَّ، هل يوضَع خاتم الإكليل في إصبع آخر غيري؟! إني ملك الأصابع وسيدهم بلا منازع!
أخيرًا إذ بدأ الخنصر يتكلَّم، صمت الكل في دهشة، ماذا سيقول هذا الإصبع الصغير، لقد قال: اسمعوني يا إخوتي إني لست ضخمًا مثل الإبهام بل أرفعكم! لست أعطي أمرًا أو نهيًا مثل السبَّابة! ولست طويلًا مثل الإصبع الوسطى بل أقصركم! ولم أنل شرف خاتم الزواج مثل البنصر. أنا أصغركم جميعًا، متى اجتمعتم في خدمة نافعة تستندون عليَّ، فأحملكم جميعًا، أنا خادمكم! انحنى الكل له، وهم يقولون: صدقت، فقد قال كلمة الله: «الأَصْغَرَ فِيكُمْ جَمِيعًا هُوَ يَكُونُ عَظِيمًا» (لو 9: 48).
تذكَّر أن لكل فرد موهبة مميَّزة وقيمة ورسالة.
رابعًا: الارتباط بالسماء:
وهذا هو دور الإنسان المسيحي الأساسي أن يساعد الآخرين للوصول إلى الملكوت، وبولس الرسول يقول: «لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا» (في 1: 23). وكلمة ”اشتهاء“ تعني: ”رغبة قويَّة“.
احرص يا عزيزي أن تُرسِّخ فكر السماء في أذهان مَنْ حولك وقلوبهم.
بقي لي أن أحثّك في نهاية رحلتنا عن مهارة هامة وفضيلة أساسية في خدمتك للآخرين، ألا وهي الحكمة … وتنعكس الحكمة في خدمة الآخرين من خلال ثلاثة أوجه:
أولًا: في العلاقات والمعاملات: هناك قواعد عامة مثل:الاحتراس من العثرة، فيكون خوف الإنسان من العثرة، هو خوفه من الحيَّة ألَّا تكون سببًا في عثرة أحد، وخصوصًا أن الآخرين يرصدون كل تصرُّف وكل كلمة تنطق بها.
اجعل هناك حدودًا بينك وبين الآخرين.
احرص دائمًا أن تكون صانع سلام، فالحكمة هي التي تصنع السلام.
تحكي قصص البرية عن راهب ذهب للسكن في منطقة في البرية، كان يوجد بها راهب آخر … وقد أعطى الراهب القديم الراهب الجديد قلاية كانت له. وبعد فترة بدأ هذا الراهب الجديد يتوافد عليه الزوار. وهنا بدأ يحدث نوع من الغيرة عند الراهب القديم، فأرسل تلميذه إلى الراهب الجديد يطالبه بأن يُعيد إليه قلايته.
ولكن هذا التلميذ الحكيم، ذهب إلى الراهب الجديد وقال له: معلِّمي يُرسل لك السلام، ويسأل إن كنت في احتياج إلى شيء! وعندما عاد إلى مُعلِّمه قال له: الأب يقول أمهلني يومين، حتى أتدبَّر أمري!!
وبعد اليومين أرسل الراهب تلميذه مرَّة أخرى إلى الراهب الجديد، وقال له: قُل لهذا الراهب، إنه يجب أن يترك القلاية ويرحل. فذهب التلميذ وقال للراهب: المُعلِّم يسأل عن أحوالك. وإن كنت في احتياج لشيء، أحضره لك! فشكره الراهب. وفي المرة الثالثة قال الراهب لتلميذه: اذهب وقُل لهذا الراهب، إن لم تغادر سوف آتي وأطردك بنفسي. فأسرع التلميذ إلى الراهب، وقال له: إن مُعلِّمي آتٍ إليك لكي ما يسأل عنك. فخجل الراهب الجديد أن يأتي إليه شيخ كبير، فأسرع لاستقباله في الطريق، وضرب له ميطانية. وهنا أسرع التلميذ إلى معلِّمه، وهمس في أُذنه قائلًا: إني لم أقل له كلمة مما قلته لي.
قد يقول شخص: إن هذا التلميذ قد كذب! بالطبع لا يا عزيزي، فالحكمة في المعاملات تحتاج أن نحترس من العثرة، ونعرف فَنّ الحِفَاظ على الحدود. ونصنع سلامًا بمعنى تجنُّب الخصام.
ثانيًا: في المشورة والإرشاد:
بمعنى إن سأل أحد رأيك في أمرٍ ما، احرص أن يكون خلاص نفسه هو الركيزة الأساسية في إجابتك أي أن تضعه على طريق السماء، ويسمِّي هذا الأمر القديس يوحنا ذهبي الفم: ”هواية خلاص النفوس“ احذر أن تُرشد شخصًا من ذاتك؛ لأن الإرشاد يجب أن يكون مبنيًّا على الإنجيل، وسير الآباء وأقوالهم، فلا يجب أن تُرشد أحدًا بناءً على خبرتك الشخصية فقط وكما قال الأنبا أنطونيوس: ”ليكن لكَ شاهدٌ من الكُتب المقدَّسة على كل عمل تقوم به“.
ثالثًا: البشارة المُفرحة:
الخدمة المسيحية يجب أن تُنْصَب على الفرح، النابع من الصليب نصلِّي ونقول: ”نشكرك، لأنكَ ملأتَ الكل فرحًا أيها المُخلِّص، لمَّا أتيتَ لتُعِين العالم، يا رب المجد لكَ“ عندما نتكلَّم عن الصليب نقول: ”آلام المسيح المُحيية“، فبالرغم من أنه ألم، إلَّا أنه يُعطي حياة! فتخيَّل أن كل فرد منَّا، يحمل قلبه في يده، ويذهب تحت الصليب، ويقول للرب املأني فرحًا. وهنا يمسك المسيح بصليبه ويملأ كل فرد منَّا بالفرح أُمُّنا العذراء تقول: ”أمَّا العالم فيفرح لقبوله الخلاص، وأمَّا أحشائي فتلتهب عند نظري إلى صلبوتك يا ابني وإلهي“ فالحكمة تقتضي الرسالة المفرحة. حضورك بشكل عام يجب أن يكون مُفرحًا، وليس ثقيلًا.
تدريب الحكمة: هو أن تقرأ سفر الأمثال يوميًّا، ويتم قراءته حسب تاريخ اليوم، بمعنى إذا كان اليوم هو 22 من الشهر فعليكَ قراءة الأصحاح الـ 22 وهكذا، لأن هذا السِّفْر يُسمَّى سِفْر تعليم الحكمة.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
28 نوفمبر 2025
“رائحة الحب”
أتدري يا صديقي أنه متى كانت لك حياة روحية حقيقية وقلب ممتلئ بالنعمة لا بد أن ينعكس ذلك على حياتك العملية فتظهر رائحة المسيح في كل تصرفاتك؟ هذا هو ما نود الحديث عنه في موضوعنا هذا في طريقك الروحي وهو ما يعكس نجاحك في الخطوات السابقة «وَلكِنْ شُكْرًا للهِ الَّذِي يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِي الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ، وَيُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةُ للهِ، فِي الَّذِينَ يَخْلُصُونَ وَفِي الَّذِينَ يَهْلِكُونَ. لِهؤُلَاءِ رَائِحَةُ مَوْتٍ لِمَوْتٍ، وَلأُولئِكَ رَائِحَةُ حَيَاةٍ لِحَيَاةٍ. وَمَنْ هُوَ كُفْوءٌ لِهذِهِ الأُمُورِ؟ لأَنَّنَا لَسْنَا كَالْكَثِيرِينَ غَاشِّينَ كَلِمَةَ اللهِ، لكِنْ كَمَا مِنْ إِخْلَاصٍ، بَلْ كَمَا مِنَ اللهِ نَتَكَلَّمُ أَمَامَ اللهِ فِي الْمَسِيحِ» (2كو 2: 14 – 17).
تظهر فينا رائحة المسيح من خلال خمس فضائل:
أولًا: المحبة
الإنسان المسيحي لا يعرف إلَّا المحبة، والعالم اليوم في أشد الحاجة إلى المحبة النقية الحقيقية، تلك المحبة التي يقدِّمها الإنسان المسيحي الحقيقي في معاملاته مع الجميع لذا على الإنسان المسيحي أن يراجع نفسه دائمًا ويسأل نفسه: هل يوجد في قلبه فكر كراهية من جهة أي أحد؟ وما هو مقياس المحبة تجاه كل مَنْ هم حوله؟ والقديس أغسطينوس له هذا القول الجميل: ”أحبَّ الكل فيكون لك الكل ومَنْ يعرف الحب يفهم الحياة“.
ثانيًا: السلام
وتُسمَّى صناعة السلام بالصناعة الصعبة بل إنها أصعب صناعة يحتاجها العالم اليوم، فالعالم أضحى ممتلئًا بالتوتر في كل مكان وبالأخص في منطقة الشرق الأوسط «وَثَمَرُ الْبِرِّ يُزْرَعُ فِي السَّلَامِ مِنَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ السَّلَامَ» (يع 3: 18) فهناك شخص بمجرَّد وجوده يكون سببًا في تهيُّج المشكلات بسبب كلامه غير الحكيم، ولكن نجد شخصًا آخر كلامه يريح الجميع بحكمته وتصرفاته التي تزرع السلام تعلَّم يا صديقي فن حل المشكلات بهدوء بل اجعل نفسَكَ دائمًا من صنَّاع السلام كما يقول الكتاب: «طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ» (مت 5: 9).
ثالثًا: اليقظة
بمعنى التوبة في كل يوم فالإنسان المسيحي إنسان يقظ ومنتبه ومستعد واليقظة أيضًا تعني السهر والاستعداد فمتى تسلَّل الكسل إلى حياتك الروحية عليك أن تتدارك نفسك سريعًا واعلم أن هذا الكسل هو حرب من الشيطان يجب الانتباه لها حتى لا تُفسِد الخطية حياتك بسبب هذا الكسل البُعد الداخلي لليقظة القلبية هو وجود مخافة الله في كيان الإنسان لأن في الأزمنة الحاضرة ومع انتشار التكنولوجيا بكل صورها المتسارعة وتعاظم القدرات الإنسانية وتعاظم الإنسان أمام نفسه … توارت مخافة الله في حياة الإنسان وصار يستبيح كلَّ شيء وصار كلُّ شيء رخيصًا وبلا قيمة حتى المقدَّسات وكأن التكنولوجيا واستخدامها يولِّد ويستنسخ ”يهوذا“ جديدًا كل صباح.
رابعًا: الحكمة
«إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلَا يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ» (يع 1: 5).
فالفضيلة لا تكون فضيلةً إلَّا بالحكمة، والحكمة تتجسَّد في حياة الإنسان بشكلٍ عملي … في حُسن التصرُّف أو في عرض موضوعٍ ما. أو في حل مشكلةٍ … إلخ ويُحكَى في التاريخ أن ملكًا في أحد العصور أقام حفلة كبيرة ودعا إليها جميع كبار رجال الدولة وكان من ضمن المدعوين البابا البطريرك، وفي نهاية الحفل كان كل فرد من رجال الدولة يقوم بتقبيل يد الملك اليمنى فيضع الملك فيه كيسًا من الذهب على سبيل الهدية.
فجاء دور البابا البطريرك فقبل صدر الملك فتعجب الملك وقال له: لماذا صنعت ذلك؟ فقال البابا لأنه يوجد لدينا آية في الإنجيل تقول: «قَلْبُ الْمَلِكِ فِي يَدِ الرَّبِّ» (أم 21: 1). وأنا قبَّلت يد الرب التي تحرس قلبك يا جلالة الملك. فارتاح الملك لهذا الكلام وأعطى البابا كيسين من الذهب، وهذه هي الحكمة. فقد كرز بالإنجيل وقدَّم محبة وتصرَّف بدبلوماسية الإنسان المسيحي الحقيقي عادةً ما يكون إنسانًا حكيمًا. لأنه يتعلَّم الحكمة من حياة ربنا يسوع المسيح. فعندما سألوا السيد المسيح عن الجزية وهل يجب دفعها أم لا؟! طلب أن يرى عُملة ونظر إلى وجهيها ثم قال في حكمة: «لِمَنْ هذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟ قَالُوا لَهُ: “لِقَيْصَرَ”. فَقَالَ لَهُمْ: أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ» (مت 22: 20، 21) وأيضًا في قصة المرأة السامرية (يو 4) تعامل السيد المسيح معها بمنتهى الحكمة وبدأ هو في الحديث معها وكان يشجِّعها في حديثها ببعض الكلمات المشجِّعة. مثل «حَسَنًا قُلْتِ» وبذلك قادها إلى التوبة والإيمان وفي مقابلة زكا تقابل السيد المسيح معه بمنتهى اللطف حتى أن زكا تغيَّر قلبه وتاب. وقال: «هَا أَنَا يَا رَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ» (لو 19: 8) وفي قصة الابن الضال (لو 15) كان من الممكن أن أباه لا يقبل عودته ويطرده. ولكنه تعامل مع ابنه بحكمةٍ وأخذه في حضنه وقبله وهكذا يا عزيزي القارئ الإنسان المسيحي يظهر رائحة المسيح في حكمته في مواجهة المواقف المختلفة.
خامسًا: ينبوع التعزيات
الإنسان المسيحي هو ينبوع التعزيات فحضور المسيح حضور مُفرح، فعندما يأتي الإنسان المسيحي يأتي معه الفرح والبشاشة وهكذا حضور الإنسان المسيحي يعكس حضور الله بالفرح الذي يملأ قلبه.
وبذلك تكتمل هذه المنظومة الخماسية بالفرح الذي يجلبه الإنسان المسيحي في الوسط الذي يعيش فيه سواء بكلامه أو صمته، سواء بمواقفه أو تصرفاته وهذا يفسر لنا تكرار عبارة: ”هللويا“ في صلواتنا وتسابيحنا وألحاننا حيث التهليل لله لكي تنطبع النفس الداخلية بأصول الفرح والبهجة والتعزية وتتحوَّل إلى حياة الرضا والقناعة والشكر.
هذه الفضائل الخمس: المحبة، السلام، اليقظة، الحكمة، وينبوع التعزيات هي مظاهر حضور الله في حياتنا، وإذا أخذنا الحرف الأول في هذه الكلمات الخمس ستظهر كلمة ”مسيحي“.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
21 نوفمبر 2025
قانون الحب
”الكلمات الجميلة والدعوات الصادقة … أشياء بسيطة تزيد الحياة حبًّا وفرحًا وسلامًا“ (عبارة مأثورة)
«فَإِنْ كَانَ وَعْظٌ مَا فِي الْمَسِيحِ. إِنْ كَانَتْ تَسْلِيَةٌ مَا لِلْمَحَبَّةِ. إِنْ كَانَتْ شَرِكَةٌ مَا فِي الرُّوحِ. إِنْ كَانَتْ أَحْشَاءٌ وَرَأْفَةٌ. فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا» (رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي 2: 1، 2).
إن كلمة قانون تعود في أصلها اليوناني إلى الأداة التي تمكِّن الكرمة من التسلُّق إلى أعلى فتصير أكثر إثمارًا وإنتاجية. بمعنى آخر أن كلمة قانون تعني ”فن تنظيم الحياة“ من خلال ثوابت تتسلَّق عليها حياتنا لتنمو وتثبت في المسيح وتصير فيه أكثر إثمارًا وأوفر أفراحًا.
ولكي نفهم قانون الحب يجب علينا أولًا أن نعرف احتياجات الإنسان الأساسية والتي تشكِّل معالم وجوده اليومي في أي زمان وأي مكان فأي شخص منا، مهما كان وضعه وسنه وعمله ومنصبه ودراسته وتكوينه، له احتياجات أساسية أربعة هي:
الاحتياجات الجسدية تتلخَّص في: الأكل والشرب والملبس والنوم، وأحيانًا تسمى بالاحتياجات البيولوجية فكلمة ”بيو“ باللغة اليونانية تعني ”حياة“.
أمَّا الاحتياجات النفسية: فهي الاحتياج إلى التقدير والحنان، والأمان والحرية، وأيضًا يحتاج الإنسان إلى الحب، وهذه الاحتياجات تبدأ منذ بداية ولادة الطفل وتنمو وتتغيَّر بنمو الإنسان.
وبالنسبة للاحتياجات العقلية، فهي الاحتياج إلى تغذية العقل بالقراءة والاطلاع والمعرفة والدراسة والبحث …
أمَّا الاحتياجات الروحية فهي الاحتياج المطلق إلى الله، والاحتياج إلى الغفران، أي احتياج الإنسان لعمل الله في حياته، ومعيَّة الله في كل أعماله.
ويُعَدُّ الاحتياج النفسي أحد أهم هذه الاحتياجات، وهو يتلخَّص في الاحتياج للحب، فيصير الحب هو مفتاح القلوب، فمتى شعر الإنسان بمحبة الآخرين سيتقبَّل منهم أي شيء بحب واهتمام.
لذلك عندما تعامل الله معنا نحن البشر، تعامل معنا من منطلق الحب كما يقول الكتاب: «لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ» (يو 3: 16).
لقد خلقنا الله مختلفين ومُتَفَرِّدين لكن هدفنا في النهاية واحد وهو الاتحاد بالمسيح وتحرير قلوبنا من أي شيء يفصل ما بيننا وبين أن يحيا المسيح فينا. وعلى سبيل المثال نقرأ في التاريخ المسيحي كيف بدأت الحياة الرهبانية في براري مصر وصارت في جماعات لها قانون ينظِّم حياتهم اليومية في الصلاة والقراءة والعمل وكان القديس الأنبا باخوميوس المعروف بأب الشركة (290 – 345م) هو واضع أول نظام قانوني للحياة الديرية وهو الذي يقدِّم الصورة المثالية للحياة المسيحية والتي منها نأخذ الاختبارات والخبرات الروحية التي تفيدنا في أن نعيش قانون الحب ونمارسه في حياتنا اليومية من خلال كافة الوسائط الروحية المتاحة أمامنا كتابيًّا وكنسيًّا وتقويًّا.
ويمتد قانون الحب من الإنسان الفرد في حياته إلى مَنْ يعيش معهم في مجتمعه من خلال ثلاثة أشكال للتواصل مع الآخرين:
الشكل الفردي: أي افتقاد الآخرين سواء في المنزل أو في الكنيسة والسؤال عنهم وإظهار اهتمام الحب لهم في ”جلسة الحب“ أو مكالمة أو مجاملة وغير ذلك.
والشكل الآخر هو الشكل الاجتماعي: من خلال الاجتماعات المنزلية (أفراد الأسرة الواحدة) أو الأسرية (تشكل أكثر من أسرة) أو الكنسية (المتنوعة في كل كنيسة) وهي لقاءات محبة لتشجيع بعضنا البعض وشحذ الهمم الروحية والتي ينطبق عليها قول المسيح: «لَا تَخَفْ أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ، لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ» (لو 12: 32).
كما أن هناك شكلًا اجتماعيًّا آخر يشمل الأنشطة الكنسية المتعددة والتي يسميها الكتاب: «إِنْ كَانَتْ تَسْلِيَةٌ مَا لِلْمَحَبَّةِ» (في 2: 1). وهي تعمل على سد الفراغ النفسي والوجداني في شخصية الإنسان باعتباره كائنًا اجتماعيًّا يحتاج الترفيه الإيجابي لكي تتكامل صحته النفسية بكل مقوِّماتها.
وانطلاقًا من تطبيقات قانون الحب يجب أن يعرف الإنسان كيف يتفاعل مع أخيه الإنسان ويحيا معه من خلال أربعة مبادئ أساسية:
أوَّلها مبدأ القبول:
الإنسان المسيحي يقبل الجميع، ولا يكون له جماعة خاصة به، فقلبه مفتوح للجميع.
المبدأ الثاني هو مبدأ التفاهم أو الاتصال:
بمعنى أنك تستطيع أن تصل إلى الآخر من خلال اتساع القلب والعقل.
المبدأ الثالث هو المبادرة:
فالذي يبادر بالحديث هو الذي يبادر بكسر الحواجز بينه وبين الآخرين، وبذلك يفتح قنوات عديدة للحديث والتفاعل والحب.
المبدأ الرابع هو التشجيع:
والتشجيع هو إحدى الوسائل الأساسية في التفاعل الإنساني مثل الحب تمامًا، وهو أيضًا أحد الأسباب الرئيسية لنجاح التفاعل مع الآخرين.
والآن أود أن أحدثك عن ثلاثة مهارات أساسية في قانون الحب:
1 – المهارة الأولى: هي مهارة الحوار والمناقشة، والسؤال والجواب، بمعنى مهارة الكلام وترتيبه. وتوجد لغتان للكلام: لغة لفظية، ولغة جسدية، أي بدون ألفاظ!
الإنسان يتأثر باللغة اللفظية بنسبة 40٪، أمَّا اللغة الجسدية، فيتأثر بها بنسة 60٪، وهذه اللغة تشمل: نظرات العين، وطريقة الجلوس وغيرها من الحركات والأوضاع التي نعتمد عليها في حديثنا.
مهارة الحوار أيضًا يدخل بها فترات الصمت، بمعنى أنه أثناء حديثك مع شخص آخر، قد يكون هناك فترة صمت لمدة ثوان، فإذا قام الشخص الآخر بالبكاء مثلًا، حاول أن تقدِّر سبب بكائه وحساسية مشاعره.
أيضًا نبرات الصوت لها عامل هام، فإذا أردت أن تعطي اهتمامًا في الحديث، وتُشعِر مَنْ أمامك بأهميته عندك، يجب أن تخفِّض نبرة صوتك وكأنك تهمس في أذنه، وهذا يُعطي نوعًا من الخصوصية للآخر، وكأنك تُعطيه رسالة خاصة، وأنه قريب إليك جدًّا وأن هذه الرسالة لا تريد أن يسمعها أحد غيره، وأنصحك أن تصلِّي في قلبك أثناء حديثك مع الآخر، فصلِّي قائلًا: ”يا رب أرشدني وعلِّمني ماذا أقول، اكشف لي يا رب ما يجب أن أتحدَّث به“.
المهارة الثانية: هي مهارة الاستماع الإيجابي والإنصات الكياني … فاسمع بابتسامة وأَظهِر الاهتمام والتعبير ببعض الكلمات البسيطة، مثل شاطر، أو ماذا فعلت بعد ذلك؟ … وهكذا من كلمات تُبرِز مدى الاهتمام.
كذلك الاهتمام بلغة الجسد فهي تنقل العديد من الرسائل أبلغ وأقوى من الكلمات.
وعلى قدر استطاعتك، عليك أن تضع الإنجيل بينك وبين مَنْ تُحدِّثه بالأخص في المقابلات، ويمكنك أن تستعين به في حديثك، فروح الله يستطيع أن يرشد الإنسان، ويعطيه حكمة في الموضوع الذي يتحدَّث فيه.
المهارة الثالثة: وهي مهارة القراءة والثقافة والاطلاع، فالقراءة توسِّع مدارك الإنسان وتنميها، مثل علم النفس أو علم الشخصيات، أو كيفية مواجهة المواقف والأزمات، ويقول أحد الآباء: ما أمتع السهر على صفحات كتاب.
أخيرًا يا عزيزي أودُّ أن أهمس في أذنك، أن اللمسات الشخصية التي تُقدِّمها للآخرين تصنع فارقًا كبيرًا في كيفية مواجهتهم للمواقف. وتذكَّر أن «رابح النفوس حكيم» (أم 11: 30). الذي هو أساس قانون الحب.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
14 نوفمبر 2025
فيض الحب
”مَنْ يترحَّم على إنسان، يصير باب الرب مفتوحًا لطلباته في كل ساعة“ (الشيخ الروحاني)
«وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ، فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ. ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟ فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقُولُ لَهُمُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ» (مت 25: 31 – 40).
المسيحية والعطاء وجهان لعُملة واحدة، كلاهما حاضر بحضور الآخر في أعماقه وبصفة عامة فإن حياة العطاء مطوَّبة حسب قول الكتاب: «مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنْ الأَخْذِ» (أع 20: 35) في البداية دعنا نرى معنى فيض الحب:
الإنسان بحاجة إلى أن يعطي:
إذ يحقِّق هذا وجوده وكيانه ويُشعره بقيمته وآدميته، وهذا الشعور هو إحدى مكونات الشخصية الناجحة، حتى أن علماء النفس كثيرًا ما يذكرون أن العطاء مصحوب براحة قلبية لذلك عندما يُعطي أب ابنه الصغير مالًا لكي ما يضعه الصغير في صندوق العطاء، فإنه يزرع هذه الفضيلة فيه منذ الصغر، بل وينمِّي شخصيته. وكذلك الأب الذي يساعد أولاده لكي ما يقدِّموا هدية لوالدتهم أو صديق لهم في أي مناسبة فإنه ينمِّي داخلهم هذه الفكرة ويشبع هذه الحاجة.
الله ليس محتاجًا على الإطلاق لما نُعطيه مهما كان ومهما ارتفعت قيمته المادية أو المعنوية، والسبب أن الله هو مصدر كل عطية … فهو الخالق والواجد لهذا العالم، ويعقوب الرسول يُذكِّرنا «كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلَا ظِلُّ دَوَرَانٍ» (يع 1: 17).
فكلما يحبك المسيح أظهر محبتك له بفيض ووفرة.
العطاء وسيلة للتعبير عن مشاعرك نحو الله:
تأمل معي في قصة السامرية حين قابلها رب المجد وقال لها: «أَعْطِينِي لأَشْرَبَ» (يو 4: 7)، فهو له المجد لم يكن محتاجًا للماء، لأن من عنده تجري كل الأنهار، وإنما كان في حاجة أن يعرف حقيقة مشاعرها الداخلية نحوه وفضيلة العطاء أو الصدقة تُشكِّل إحدى ركائز الحياة الروحية (صوم + صلاة + صدقة)، والمعروف أن كلمة ”صدقة“ وكلمة ”صِدِّيق“ من أصل لغوي واحد، فكأن الصِدِّيق هو الذي يصنع الصدقة.
وعندما قال سليمان الحكيم: «اذْكُرْ خَالِقَكَ فِي أَيَّامِ شَبَابِكَ» (جا 12: 1)، إنما كان يتحدَّث بلغة العطاء، لأنه معروف أن حياة الإنسان تنقسم إلى مراحل متتابعة: (الطفولة – النضج/الرجولة – الشيخوخة) المرحلتان الأولى والثالثة هما مرحلتان أخذ، أمَّا المرحلة الثانية وتحوي في داخلها مرحلة الشباب إنما هي مرحلة عطاء بالدرجة الأولى وأنت يا صديقي تستطيع أن تعطي في فترة شبابك ورجولتك أكثر من أي مرحلة أخرى.
لك أن تسألني الآن ماذا أعطي؟ هل مالًا أم وقتًا أم ماذا ؟
إني أجيبك: إن ما تستطيع أن تقدِّمه لا يمكن حصره، إنما تستطيع أن تتخيَّل معي سلمًا عليه خمس درجات في ترتيب تصاعدي تمثل درجات العطاء بل ويمكن أن تمزج بين هذه الدرجات الخمس، فالصلاة هي عطاء وقت وقلب وتسبيح وفي خدمة الآخرين يكمُن عطاء المال والوقت والجهد والحب، وهكذا وهنا لا يمكننا أن ننسى أن قمة العطاء الذي بلا حدود هو في تجسُّد ربنا يسوع فهو الذي أعطانا دمه الثمين على عود الصليب، وها هو كل يوم يقدِّم نفسه ذبيحة لأجلنا من خلال القداس الإلهي.
وإليك هذه القصة:
بالرغم من الطقس البارد والثلج المتساقط، كان يجلس هذا الصبي، خارج منزله الحقير، ولم يرتدِ في رجليه سوى حذاءً رقيقًا، لا يصلح حتى لأيام الصيف. لقد كان يحاول بأقصى جُهده ليفكِّر عمَّا يقدر أن يقدِّمه لأُمه بمناسبة عيد الميلاد، لكن من غير نتيجة، فقد حاول كثيرًا حتى لو استطاع أن يفكر في شيء ما، فليس بحوزته شيء من المال، فمنذ وفاة والده، وهم يعيشون في حالة فقر دائم، فكانت والدته تعمل بأقصى جهدها لأجل أولادها الخمسة. فلم يكن لها إلَّا دخلٌ ضئيلٌ، لكن تلك الأم بالرغم من فقرها، كانت تحب أولادها محبة بلا نهاية كان هذا الصبي حزينًا للغاية، فلقد استطاع إخوته الثلاثة، إعداد هدية لأمه، أمَّا هو وأخيه الصغير، فلم يستطيعا شراء أي شيء، واليوم هو آخر يوم قبل عيد الميلاد. مسح هذا الصبي دموعه، ثم أخذ يسير باتجاه المدينة، ليلقي نظرة أخيرة على الأماكن المزيَّنة والمحلات المليئة بالهدايا والألعاب. كان ينظر من خلال الواجهات، إلى كل ما في الداخل، وعيناه تبرقان، كان كل شيء جميلًا للغاية، لكن لم يكن بمتناوله عمل أي شيء بَدَت الشمس تعلن عن مغيبها، فهَمَّ هذا الصبي بالعودة إلى المنزل، وهو يسير حزينًا مُنكَّس الرأس وفجأة إذ به يرى شيئًا يلمع على الأرض، اندفع هذا الصبي مسرعًا، وإذ به يلتقط 10 قروش من على الأرض ملأ الفرح قلبه، وإذ به يشعر وكأنه ملك كنزًا عظيمًا، ولم يعد يبالي بالبرد، إذ كان في حوزته عشرة قروش دخل أحد المحلات، علَّه يستطيع شراء شيء ما، لكن يا لخيبة الأمل، فقد أعلمه البائع، بأنه لن يستطيع شراء أي شيء بـ 10 قروش، دخل هذا الصبي محلًا آخر لبيع الورود، كان هناك العديد من الزبائن، فانتظر دوره بعد بضع دقائق، سأله البائع عمَّا يريد قدَّم هذا الصبي إلى البائع الـ 10 قروش التي في حوزته، ثم سأل إن كان بإمكانه شراء وردة واحدة لأمه بمناسبة عيد الميلاد. نظر صاحب المحل إلى هذا الولد الصغير مليًّا، ثم أجابه: انتظرني قليلًا سأرى عمَّا باستطاعتي عمله دخل البائع إلى الغرفة الداخلية، ثم بعد قليل عاد وهو يحمل في يديه اثنتي عشرة وردة حمراء، لم يَرَ هذا الصبي نظيرها في الجمال من قبل، ثم أخذ صاحب المحل، يضع بجانبها الزينة وغيرها، ثم وضعها بكل عناية في علبة بيضاء، وقدَّمها إلى ذلك الصبي، وقال: 10 قروش من فضلك أيها الشاب. هل يُعقَل ما يسمع؟ لقد قال له البائع السابق لن تستطيع شراء أي شيء بـ 10 قروش فهل يُعقَل ما يسمعه؟ شعر البائع بتردد الولد فقال له: أنت تريد أن تشتري ورود بـ 10 قروش، أليس كذلك؟ فإليك هذه الورود بـ 10 قروش، فهل تريدها بكل سرور أجاب الولد، معطيًّا كل ما لديه للبائع فتح البائع الباب للصبي، ثم ودَّعه قائلًا عيد ميلاد سعيد يا ابني عاد البائع إلى منزله، وأخبر زوجته بالأمر العجيب الذي حصل معه في ذلك اليوم، فقال لها في هذا اليوم وبينما أُحضِّر الورود جاءني صوت يقول اختر 12 وردة حمراء من أفضل الورود التي لديك، وضعها جانبًا لهدية خاصة لم أدرِ معنى هذا الصوت، لكني شعرت بأنه ينبغي عليَّ أن أطيعه، وقبل أن أغلق المحل، جاءني صبي صغير تبدو عليه علامات الفقر والعوز، راغبًا أن يشتري لأمه وردة واحدة، ومقدِّمًا لي كل ما يملك 10 قروش وأنا إذ نظرت إليه، ذكَّرتُ نفسي، كيف عندما كنت في سنه، كيف لم أملك أي شيء لأُقدِّم لأمي في عيد الميلاد، وذات مرة صنع معي إنسانٌ لم أعرفه من قبل معروفًا لم أنسه إلى هذا اليوم امتلأت عينا الرجل وزوجته بالدموع، ونظرا إلى بعض، وشكرا الله ومن هذه القصة نرى كيف يكون العطاء:
1 – بالمحبة:
أترى كيف كان حب هذا الولد لأمه لا بد أن تكون المحبة هي الدافع الأول وراء صِدق المشاعر التي نُقدِّم بها عبادتنا وعطايانا لله وللآخرين، وكما قال سفر النشيد «إِنْ أَعْطَى الإِنْسَانُ كُلَّ ثَرْوَةِ بَيْتِهِ بَدَلَ الْمَحَبَّةِ، تُحْتَقَرُ احْتِقَارًا» (نش 8: 7) فأنت لا تقدِّم مدفوعًا بشعور الواجب أو الخجل أو الاضطرار، ولا حبًّا في الكرامة والتقدير، أو طلبًا للإعلان أو المديح إنما من قلب فيَّاض بالمحبة.
2 – بسخاء:
طلب الولد الصغير وردة واحدة قيمتها عشرة قروش، فأعطاه البائع اثنتي عشرة وردة من أجمل ما يكون هذا هو العطاء الحقيقي بدون حساب للماديات، لأن الله ينظر ويعرف والكتاب يقول «الْمُعْطِي فَبِسَخَاءٍ» (رو 12: 8) لأننا بذلك نتمثَّل بـ «اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلَا يُعَيِّرُ» (يع 1: 5) والعطاء هذا كالزرع «مَنْ يَزْرَعُ بِالشُّحِّ فَبِالشُّحِّ أَيْضًا يَحْصُدُ» (2كو 9: 6) ولذلك نسميه فيض الحب.
3 – بفرح وسرور:
أترى كيف كان الولد الصغير والبائع سعيدَين بعطائهما يقول الكتاب المقدَّس «الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ» (2كو 9: 7) والوصية تقول «مَنْ سَخَّرَكَ مِيلًا وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ» (مت 5: 41) (والمقصود بالميل الثاني أنك ذهبت راضيًا حرًّا) كلما أعطيت، كلما نِلت فرحًا وسرورًا وسلامًا ولكن عندما تُعطي احرص أن يكون:
1- أفضل ما عندك إن العطاء هو مشاعر قبل أي شيء ومشاعرنا نُعبِّر عنها بأفضل ما عندنا إن هابيل الصدِّيق قدَّم أفضل ما عنده من الذبائح بينما أخوه قايين اختار تقدمة من ثمار الأرض دون أن يدقِّق فيها (تك 4: 4 – 5) إن هذا المبدأ ينطبق في حياتنا العملية بأمثلة كثيرة منها:
اختيار الوقت الأفضل المناسب للصلاة كالصباح الباكر أفضل وقت.
اختيار الذهن النشط المناسب لقراءة الكتاب المقدَّس أفضل تركيز.
تقديم النقود في حالة جيدة، وليس القديم أو المُستهلَك أفضل صورة.
تقديم التسابيح والألحان بأفضل ما عندنا من أنغام وأصوات أفضل نغم.
2- أن تكون في الخفاء وليس هناك أبلغ من قول الكتاب «لَا تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ» (مت 6: 3)،
ويعتبر هذا مبدأ مشترك في كل أركان العبادة أمَّا إن كان العطاء طلبًا للدعاية أو لنوال مركز أو لمدح الذات، فإنه يفقد قيمته بل ويصير دينونة.
3- أن تكون ذا نفع لمَنْ تُعطَى له فليست العبرة أن تعطي وحسب، إنما حسب احتياج الآخرين لهذا العطاء لا تنسَ هذه الوصية كما توضِّحها الآيات التالية:
«لأَنَّ مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ» (1أي 29: 14) «مَنْ يَرْحَمُ الْفَقِيرَ يُقْرِضُ الرَّبَّ، وَعَنْ مَعْرُوفِهِ يُجَازِيهِ» (أم 19: 17) «هَاتُوا جَمِيعَ الْعُشُورِ … وَجَرِّبُونِي» (ملا 3: 10)«أَعْطُوا تُعْطَوْا» (لو 6: 38) «لِيُعْطِكَ (الرب) حَسَبَ قَلْبِكَ» (مز 20: 4).
تدريب: اقرأ بتأمل المزمور 41.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد