المقالات
20 مارس 2026
“أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلَا تَرْتِيبٍ”
فضيلة النظام، فضيلة هامة في حياتنا، بل في حفظ كيان الكون كله. الله هو المَثَل الأعلى في النظام، فالكون مُنظَّم بترتيبٍ عجيب، يظهر في الجماد والنبات والحيوان والإنسان والقوانين وُضِعَت لحفظ النظام في أيِّ مجتمع، فلا يمكن لأيِّ مجتمع أن يعيش إذا كان كل أفراده يفعلون ما يروق لهم دون مُراعاة لحقوق الآخرين. فالقانون حَفظَ النظام، الذي يُعرِّف الإنسان ما له وما عليه والنظام هو وضع هيكل تنظيمي للعمل، وتحديد المسؤوليات، واختيار الأصلح للقيام بكلِّ عمل، وغياب النظام هو مُعطِّل لكثير من الإنجازات ويسبق التنظيم مرحلة تُسمَّى التخطيط، وهي مرحلة الدراسة والتفكير المُسبَق لسير العمل، فمثلما قال السيِّد المسيح: «وَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بُرْجًا لَا يَجْلِسُ أَوَّلًا وَيَحْسِبُ النَّفَقَةَ، هَلْ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُ لِكَمَالِهِ؟ لِئَلَّا يَضَعَ الأَسَاسَ وَلَا يَقْدِرَ أَنْ يُكَمِّلَ، فَيَبْتَدِئَ جَمِيعُ النَّاظِرِينَ يَهْزَأُونَ بِهِ، قَائِلِينَ: هذَا الإِنْسَانُ ابْتَدَأَ يَبْنِي وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُكَمِّلَ» (لو 14: 28 – 30) ويتبع التنظيم مرحلة التوجيه والمُتابعة والتقييم، وهي التأكُّد من أنَّ العمل يتمُّ وفق الخطة، والتعرُّف على ما تمَّ أو ما لم يتمَّ إنجازه، وتحليل النتائج وتجنُّب الأخطاء في المستقبل وتعديل الخطط.
أبعاد النظام:
أولًا: النظام وصية كتابية:
الله يُبارك النظام، ولا يُبارك الفوضى، ولا بدَّ أن تعرف أنَّ النظام وصية إنجيليَّة: «لأَنَّ اللهَ لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ بَلِ إِلَهُ سَلَامٍ» (1كو 14: 33). وكلمة ”تشويش“ هنا تعني: فوضى، أو أمرًا ليس له شكل مُعيَّن وأيضًا يقول معلِّمنا بولس الرسول: «وَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ» (1كو 14: 40). وهذه الوصية لم تُذكَر لاتِّباعها داخل الكنيسة فقط، ولكنها وصية للحياة كلها: «وَأَمَّا الأُمُورُ الْبَاقِيَةُ فَعِنْدَمَا أَجِيءُ أُرَتِّبُهَا» (1كو 11: 34). فأول شيء لا بدَّ أن تعرفه أنَّ النظام وصية كتابية، وكَسْر النظام خطية.
ثانيًا: النظام احتياجٌ إنساني:
فمثلًا أجهزة جسم الإنسان تعمل بنظام مُعيَّن، والإنسان عندما يتناول طعامه بدون نظام يمرض، ويُشخِّص الطبيب الحالة بأنها تلبُّك معوي، وذلك لأن الجهاز الهضمي له نظام يعمل به، وإذا تمَّ مُخالفة هذا النظام يُصاب بالتعب. وأيضًا من مظاهر النظام، أنَّ الإنسان يقف أمام المرآة قبل أن يُغادر بيته، لكي ما يرى ترتيب ملابسه ومظهره. وتوجد في كلِّ بلد قوانين في جميع المجالات مثل قوانين المرور مثلًا، وهذا لكي يستطيع الإنسان أن يعيش في نظام فالنظام هو احتياجٌ إنساني لأيِّ شخص في حياته اليومية. فمثلًا عندما يتناول الإنسان دواءً معينًا، فإنه يأخذه بنظام وفي توقيتٍ مُعيَّن، وهكذا في أمورٍ كثيرة من أمور حياتنا اليومية. فالنظام ليس وصية إنجيليَّة فقط، ولكنه احتياجٌ إنساني أيضًا.
ثالثًا: النظام نجاحٌ للحياة:
الحياة لا تنجح إلَّا بالنظام، وكلمة ”نجاح“ تبدأ بحرف النون إشارة إلى ”النظام“، فمثلًا الطالب المُرتَّب في وقته ودراسته وإجاباته في الامتحان سيحصل على النجاح.
مَنْ هم الذين بلا ترتيب؟
1 – غير الخاضعين لأيِّ قانون على أيِّ مستوى.
2 – الذين يسلكون بأفكارهم الخاصة، كما يقول المَثَل: ”خالِف تُعرَف“، وبالطبع هذا مبدأ غير صحيح.
3 – مُحبُّو الفوضى (الفوضويون)، أي الإنسان الذي يستمتع بالفوضى. والفوضى من المُمكن أن تتسلَّل إلى أيِّ مجتمع أو شركة أو مصنع أو خدمة أو كنيسة.
4 – الذين يعملون بما يُضاد إرادة الله، بمعنى الشخص الذي يستبعد مشيئة الله من فكره ومن حياته. لذلك نقول في الصلاة الربَّانيَّة: ”لتكن مشيئتك“، ولكن مثل هذا الشخص يقول: ”لتكن مشيئتي“!
5 – المُنحرفون عن أيِّ ترتيب أو نظام كنسي، أو غير كنسي.
6 – الذين يُفسِدون جمال الحياة بأعمالهم، فالله قد خلق الحياة جميلة، وخلقها أيضًا بنظام في كلِّ شيء، من مواعيد الزراعة إلى حركة النجوم والكواكب … إلخ. أمَّا الذين بلا نظام، فإنهم يُفسِدون جمال الطبيعة، وجمال الإنسان، ويُفسِدون أيضًا جمال الحياة كلها.
7 – أصحاب الأعمال الطائشة الشاذَّة، بمعنى الذين يفعلون أعمالًا دون عمل حساب لنتائجها.
8 – الذين يخرجون عن مسار التاريخ الإنساني، مثال لذلك ما يحدث الآن في بعض بلاد الغرب، فمنذ بدء التاريخ الإنساني نعلم أنَّ الأسرة مكوَّنة من آدم وحواء، أي من رجل وامرأة. ولكن، للأسف، نجد الآن مَنْ يُنادي بأنَّ الأسرة تتكوَّن من آدم وآدم، أو حواء وحواء، وهذا هو معنى الخروج عن مسار التاريخ الإنساني.
9 – الذين يُهملون تربية أبنائهم، فالأبناء وزنات في حياة آبائهم.
10 – الذين يكسرون سلام المجتمع، فالمُجتمعات تُريد أن تعيش في سلام، ولكن قد يأتي البعض ويكسر هذا السلام، ويُكدِّر صفو المجتمع الذي يعيش فيه، أي يُعكِّر السلام الاجتماعي للمجتمع.
معنى ”أنذروا“:
كلمة ”أنذروا“ تعني: ”علِّموا وانصحوا“، ولكن بكلِّ حزم ووضوح. وتعني أيضًا ”أنذروا بكلِّ سُلطة“، فالأب والأم لهما سُلطة على أولادهما، ونُسمِّيها السُّلطة الوالدية. لذلك ”أنذروا“ كلمة خطيرة وهامة في عبارات الكتاب المقدَّس، وأيضًا الإنذار يكون بكلِّ مسؤولية، بمعنى المسؤولية على العمل الذي يوكَّل إلى الإنسان.
مشاهد للنظام من الكتاب المقدَّس:
النظام له تاريخ في الكتاب المقدَّس، والأمثلة التي تحثُّ على النظام في حياة رجال الكتاب المقدَّس كثيرة، سنأخذ منها مَثَلًا في العهد القديم، وآخر من العهد الجديد:
1. في العهد القديم:
موسى النبي:
يُحدِّثنا الكتاب المقدَّس عن موسى النبي الذي عاش ما يقرب من 120 عامًا، حيث قاد خلالها شعب بني إسرائيل في رحلة خروجه من أرض مصر وفي حياته ظهرت مواقف النظام والترتيب، منها:
( أ ) مشورة يثرون لموسى:
فقال يثرون لموسى: «لَيْسَ جَيِّدًا الأَمْرُ الَّذِي أَنْتَ صَانِعٌ … لأَنَّ الأَمْرَ أَعْظَمُ مِنْكَ. لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصْنَعَهُ وَحْدَكَ … وَعَلِّمْهُمُ الْفَرَائِضَ وَالشَّرَائِعَ، وَعَرِّفْهُمُ الطَّرِيقَ الَّذِي يَسْلُكُونَهُ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ. وَأَنْتَ تَنْظُرُ مِنْ جَمِيعِ الشَّعْبِ ذَوِي قُدْرَةٍ خَائِفِينَ اللهَ، أُمَنَاءَ مُبْغِضِينَ الرِّشْوَةَ، وَتُقِيمُهُمْ عَلَيْهِمْ رُؤَسَاءَ أُلُوفٍ وَرُؤَسَاءَ مِئَاتٍ وَرُؤَسَاءَ خَمَاسِينَ وَرُؤَسَاءَ عَشَرَاتٍ، فَيَقْضُونَ لِلشَّعْبِ كُلَّ حِينٍ…» (خر 18: 17 – 23) لقد قام موسى بوضع بناء مُنظَّم في العمل، لكي يستطيع كل فرد من الشعب أن يجد ما يحتاجه من قضاء أو نصيحة أو تعليم … إلخ، ويُعتَبَر هذا الحَدَث أول صورة هرمية للقيادة الناجحة.
(ب) الوصايا والشرائع (خر 20 – 23):
الله أعطى موسى الوصايا العشر والشرائع ليمشي عليها شعبه بنظامٍ وسط الشعوب الوثنية، وهذه أول صورة لمجموعة من القوانين تحكم السلوك الإنساني.
(ج) الإحصاء (عد 1):
قال الربُّ لموسى: «أَحْصُوا كُلَّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعَشَائِرِهِمْ وَبُيُوتِ آبَائِهِمْ، بِعَدَدِ الأَسْمَاءِ، كُلَّ ذَكَرٍ بِرَأْسِهِ» (عد 1: 2) أي حَصْر الذكور القادرين على الحرب، وقد حدَّدهم الله بمَنْ هم فوق سنِّ العشرين. وقد كلَّف الرب موسى وهارون أن يستعينا باثني عشر رجلًا هم رؤساء الأسباط لإتمام هذا الحصر.
إنَّ الله يُعلِّمنا هنا أمرين:
الأول: هو التنظيم والتخطيط لأيِّ عملٍ نقوم به.
الثاني: الاستعانة بالآخرين وتوظيف إمكانياتهم حتى يتم العمل بأكثر سرعة وأقل مجهود.
( د ) خيمة الاجتماع (عد 2):
وَضَع الربُّ نظامًا دقيقًا لكلِّ شيء في إقامة خيمة الاجتماع، وكذلك في تقسيم الاثني عشر سبطًا حول الخيمة، وذلك بأن تكون كل مجموعة تتكوَّن من ثلاثة أسباط ولها راية تُميِّزها، وذلك عند الاستقرار وعند الارتحال، فقد خصَّص الله مَنْ له الحق في الفَّكِ والحَمْلِ وهكذا التزم الشعب بهذا النظام الموضوع ما يقرب من 40 سنة عند ارتحالهم واستقرارهم. إنَّ النظام يوفِّر الوقت ويمنع الهرج والمرج، وتيهان الأطفال وسط الشعب الكبير، والرايات العالية لهداية كل مَنْ ضَلَّ عن أهله أثناء الرحلة.
2. في العهد الجديد:
السيِّد المسيح:
( أ ) معجزة إشباع الجموع:
تظهر الصورة للنظام في معجزة الخمس خبزات والسمكتين، حيث طلب السيِّد المسيح من تلاميذه إطعام الجموع التي كانت مُجتمعة لسماع تعاليمه!!
وأَمَر المسيح تلاميذه أن يُتكِئوا الشعب فِرقًا خمسين خمسين (لو 9: 14)، ثم بارك الخمس خبزات والسمكتين، وأعطى التلاميذ ليعطوا الجموع من هذا الطعام الذي تبارَك وتكاثَر!!
(ب) في الخدمة:
في بداية خدمة السيِّد المسيح، علَّمنا أنَّ الخدمة هي خدمة البشر قبل الحَجَر، وبناء على ذلك اختار اثني عشر تلميذًا لكي ما يُعدَّهُم ثم بعد ذلك، اختار سبعين رسولًا لكي ما يُعدَّهم للكرازة والخدمة، وقد أرسلهم اثنين اثنين: «وَبعْدَ ذلِكَ عَيَّنَ الرَّبُّ سَبْعِينَ آخَرِينَ أَيْضًا، وَأَرْسَلَهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَمَامَ وَجْهِهِ إِلَى كُلِّ مَدِينَةٍ وَمَوْضِعٍ حَيْثُ كَانَ هُوَ مُزْمِعًا أَنْ يَأْتِيَ» (لو 10: 1) ويُعلِّمنا الكتاب في سِفْر الأمثال: «اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ، لأَنَّ لَهُمَا أُجْرَةً لِتَعَبِهِمَا صَالِحَةً. لأَنَّهُ إِنْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا يُقِيمُهُ رَفِيقُهُ. وَوَيْلٌ لِمَنْ هُوَ وَحْدَهُ إِنْ وَقَعَ، إِذْ لَيْسَ ثَانٍ لِيُقِيمَهُ» (جا 4: 9 و10) فوجود اثنين ذلك لكي ما يُساعد أحدهما الآخر، ويكون نجاحهما معًا، ويُقدِّما بعضهما بعضًا في الكرامة، لأن هذا يحفظهما ويحميهما من خطية الذات. وعندما أراد السيِّد المسيح أن يرسم للتلاميذ خطَّة الكرازة وذلك قبل صعوده إلى السموات، وبعد أن تتلمذوا على يديه ثلاث سنوات، قال لهم: «وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهَودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ» (أع 1: 8). وهذه خطة مُحكَمَة جغرافيًّا، فأورشليم هي الدائرة الصغيرة جدًّا، ثم تتَّسع هذه الدائرة إلى اليهودية، ثم تتَّسع أكثر إلى السامرة (الجيران)، ثم تتَّسع أكثر وأكثر فتَصِل إلى العالم كلِّه وعند دراسة سِفْر أعمال الرُّسل، نجد أنَّ أول أصحاحاته تتكلَّم عن أورشليم باعتبارها أول مكان للخدمة، وفي نهاية الأصحاحات تتكلَّم عن روما كمكان للخدمة. وروما في هذا الوقت كانت تُعتَبَر آخر العالَم (في بُعْد المسافة)، وكانت عاصمة للإمبراطورية الرومانية والمسافة من أورشليم إلى روما هي سِفْر الأعمال، وتُمثِّل ما يقرب من ثلاثين عامًا، من صعود السيِّد المسيح في سنِّ الثلاثة والثلاثين إلى استشهاد القدِّيس بولس الرسول عام 67م وإن كان بعض الناس قد اعتادوا على ترديد عبارة: ”خلِّيها بالبركة“! لكن البركة في النظام من الجميل أن تدرس الكتاب المقدَّس من باب النظام، فابحث عن مشاهد النظام في الأسفار المقدَّسة، وستجد أنَّ هذه المشاهد كثيرة، ثم قُمْ بدراستها والتأمُّل فيها.
الكنيسة:
ومن ضمنها الكنائس الرسولية، ومنها كنيستنا القبطية الأرثوذكسية:
( أ ) في الرعاية:
يتمُّ فيها العمل بلياقةٍ وترتيب، فالكنيسة عند تكوينها تكوَّنت على قدرٍ عالٍ جدًّا من النظام:
وضعت نظامًا هرميًّا في القيادة والتدبير، يبدأ بالقمة وينتهي بالقاعدة، فهو يبدأ بـ:
1. البطريرك 2. الآباء الأساقفة 3. الآباء الكهنة
4. الخُدَّام/ الشمامسة 5. الشعب
وضعت الكنيسة شروطًا واختصاصات لكلٍّ من الأسقف والكاهن والشماس. فنجد مثلًا الأسقف مسؤولًا عن التدشين ورسامة الكهنة والشمامسة ونقاوة التعليم، والكاهن مسؤول عن إقامة الأسرار ويُساعده الشمَّاس.
عندما نفتح كتاب الخولاجي، نجده مكتوبًا بنظام بديع، فهو مكتوب بطريقةٍ توضِّح ما يجب أن يُصلِّيه الكاهن، وما هي مردَّات الشماس، وما هي مردَّات الشعب، فلكل واحد دورٌ في الصلاة تضع الكنيسة نظامًا في إجراءات شهادات خلو الموانع، أو في تنظيم العطاء للمُحتاجين في خدمة التربية الكنسيَّة: نجد المخدوم والخادم وأمين الخدمة.
(ب) في الطقس:
كلمة ”طقس“، كلمة يونانية تعني نظام أو ترتيب، وكلمة طقس في كنيستنا تعني النُّظُم والترتيبات الكنسيَّة، سواء صلوات أو أصوام أو أعياد، بما فيها شكل المبنى الكنسي ومحتوياته وقد أصبحت عبارة ”طقس الكنيسة“، من أدبيات الكنيسة في خدماتها المختلفة، فمثلًا نقول: طقس اليوم، أو طقس الصيام، أو طقس العيد، أو طقس الميرون، أو … إلخ. وصارت الكلمة اليونانية ”طقس“، لا تعني مُجرَّد النظام، بل أصبحت تعني ”منهج حياة“ علينا أن نحترم النظام: الصلاة بنظام، قراءة الكتاب المقدَّس بنظام، الاعتراف بنظام وانتظام، وأيضًا الخدمة بنظام.
مجالات النظام:
هناك ثلاثة مجالات للنظام في حياتنا اليومية وهم:
[1] مجال الأسرة:
فلا تغفل عن تصرُّفات ابنك أو ابنتك، أو تقول إنه ما يزال صغيرًا، فلا بدَّ من الانتباه لتصرُّفات الأبناء، وأن يكون ذلك بحساب وحكمة، فيُمكن أن يبدأ خطأ مُعيَّن، أو انحراف صغير ثم يكبر مع الوقت. فحاول أن تكون أبًا حكيمًا، أو تكوني أُمًّا حكيمة أثناء تربية أبنائكم، وتذكَّروا هذه الآية: «أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلَا تَرْتِيبٍ»، فلا بدَّ للابن أن ينشأ على ترتيب وعلى نظام وعلى منهج حياة.
[2] مجال الكنيسة
للكنيسة مجالات كثيرة للنظام، فمثلًا في مجال العقيدة عندما يكسر الإنسان العقيدة أو الإيمان، تراه الكنيسة أنه خرج وانحرف وضلَّ، فتحكُم عليه أنه صار مُهرطقًا، أو ابتدع في الإيمان.
فـ «أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلَا تَرْتِيبٍ»، يمكن أن تُطبَّق في الأمور العقائدية، وأيضًا تُطبَّق في أمور العبادة والطقس، بمعنى أنَّ كلَّ أب كاهن وكل خادم في مجال خدمته مسؤول عن توبة النفوس. فلا يجب أن ترى الخطأ وتصمت عنه، بل يجب أن يجد هذا الخطأ منك كل نصيحة أو توجيه وإنذار، وأن يجد أيضًا منك بابًا مفتوحًا للتوبة. فمَنْ يكسر قانون أو وصيَّة أو نظام بالكنيسة يحتاج إلى توبة أيضًا في الرهبنة يُطبَّق النظام، باعتبار الرهبنة كيانًا مسيحيًّا وكنسيًّا، وكيانًا روحيًّا بالدرجة الأولى. فالرهبنة لها نظامٌ، وحياة الراهب أو الراهبة له نظام ومعايير مُعيَّنة، وله درجات في التقدُّم الروحي والحياة الروحية، وله أيضًا نمو وخضوع وطاعة.
[3] مجال المجتمع:
«أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلَا تَرْتِيبٍ»، هي وصية موجَّهة لأيِّ شخصٍ يكسر القانون. فالمجتمع دائمًا يحتاج إلى قوانين تضبط حياته وحركته قرأتُ في إحدى المرات عن ابن ملكة في إحدى الدول تعدَّى السرعة المُقرَّرة في قيادته لسيارته، وكان ذلك في يوم خُطبته، فما كان من ضابط المرور إلَّا أنه أوقفه ووضعه في السجن، وذلك بعد أن اكتشف أنه كان مُتعاطيًا لمادة كحولِّيَّة قبل القيادة، ولم يُعمَل له أي استثناء باعتبار أنه ابن الملكة، وكان هذا من أجل سلامة المجتمع الإنسان المسيحي يجب عليه أن يحفظ القانون.
والخُلاصة، يا إخوتي، إنَّ النظام، هو جمال وسلامة الحياة، بمعنى سلامة حياة الإنسان يومًا بعد يوم، والنظام به التزام أيضًا. فنحن نتعلَّم من الكون مواعيد الفصول المختلفة من شتاء وصيف وربيع وخريف، ونتعلَّم أيضًا من شروق الشمس وظهور القمر، نحن نتعلَّم من النظام الكوني ككل. ونتعلَّم أيضًا من جسم الإنسان، وكيف تعمل جميع أجهزته بنظامٍ بديع ودقيق، ومن هذا النظام ظهرت العلوم الكثيرة في كلِّ جيلٍ وكلِّ زمان.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
13 مارس 2026
“شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ”
التشجيع فضيلةٌ ساميةٌ جدًّا، قد تتواجد في بعض الأشخاص وتغيب في البعض الآخر. فالبعض يستطيع مُلاحظة الشيء الجيِّد ويُشجِّع عليه، وهناك مَنْ يُلاحظ الشيء نصف الجيِّد، وأيضًا يُشجِّع عليه، أو يُشجِّع حتى على الأمور البسيطة جدًّا؛ لكن البعض الآخر، ليست من ثقافته التشجيع، فمهما رأى من أمورٍ جيِّدة وحسنة، لا يعرف أن يُشجِّع عليها.
أهمية التشجيع:
1. تقديم الدَّعم والثقة والأمل في النفوس، مثل: الوقود اللازم لإدارة مُحرِّك السيَّارة.
2. تأثير الكلمات قويٌّ جدًّا، فيمكنها أن تبني أو أن تُدمِّر. فالكلمات التي تتفوَّه أنت بها لها قدرة، إمَّا أن تجرح أو أن تشفي: «الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسَانِ، وَأَحِبَّاؤُهُ يَأْكُلُونَ ثَمَرَهُ» (أم 18: 21).
3. كلمات التشجيع تجعل الناس يشعرون بالرِّضا والثقة بأنفسهم، وترفع الروح المعنوية، وتُطمئن النفس المُحتاجة. إنَّ كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا، وقد تُغلِق أبوابًا.
مَنْ هم صغار النفوس؟
عندما نقرأ وصيَّة: «شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ. أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ» (1تس 5: 14)، فإنَّ أول سؤال يتبادر إلى أذهاننا: مَنْ هُمْ صغار النفوس؟ وسوف نتكلَّم هنا عن سبعة أنواع من صغار النفوس، وهم:
1 – صِغار السِّن:
صغار السِّن أو الأطفال يُمكن تشجيعهم على أبسط الأشياء، وتشجيع الطفل الصغير هو احتياجٌ يساوي احتياجه للطعام والشَّراب، وقد يفوق هذا الاحتياج هناك قصة لطيفة عن طفلٍ بدأ أبوه يُعلِّمه الصلاة. فقال الأب لابنه: ردِّد ورائي هذه الصلاة: ”أبانا الذي في السَّموات“. فردَّد الطفل هذه العبارة، ولكنه أخطأ في النُّطق، وقال: ”أبانا الذي في السنوات“. فكان أمام هذا الأب أحد اختيارين: إمَّا أن يُعنِّف ابنه على هذا الخطأ في النُّطق ”السنوات“، أو أن يُلاطفه ويقول له: ردِّد ورائي مرَّةً أُخرى هذه العبارة، ويُردِّد الأب الجملة مرَّةً ثانية مع توضيح كلمة ”السَّموات“. وبالطبع كان الاختيار الأفضل هو تشجيع الطفل على النُّطق السليم عن طريق ترديد العبارة مرَّاتٍ ومرَّات حتى يستطيع الابن النُّطق بطريقةٍ سليمة، وذلك بدون أيِّ نوعٍ من التوبيخ أو الانتهار.
2 – صِغار المكان:
يُسمُّونهم علماء الاجتماع ”الذين بلا صوت“، أو ”المُهمَّشين“، مثل: الفقراء والمُعدمين أو كما يُطلق عليهم أحيانًا، في كُتُب الأمم المُتَّحدة: ”الذين يعيشون على حافة الحياة“.
3 – صِغار القامة النفسيَّة:
ليس المقصود هنا القامة الجسديَّة، فقد يكون إنسانٌ له قامة جسديَّة عالية، ولكن قامته النفسيَّة صغيرةٌ جدًّا!! ويظهر ذلك في سرعة الغضب، أو الحساسيَّة العالية من أبسط الكلمات. وصِغار القامة النفسيَّة نستطيع أن نصفهم بأنهم ذوو نفسيَّاتٍ هشَّة.
4 – صِغار القامة الجسديَّة:
بمعنى الذين صحَّتهم الجسديَّة ليست في تمامها، مثل ذوي الاحتياجات الخاصة، فهم يحتاجون إلى تشجيعٍ خاص. وقد رأيتُ منذ فترةٍ قريبة فيلمًا عن فتاة مُعاقة إعاقة كاملة، وقد بدأت تتحرَّك بضع خطواتٍ قليلة بمُساعدة أجهزة كثيرة، فقام الجميع بالتصفيق لها وتشجيعها. ونتيجة لذلك، وجدوها ترفع يديها لتحيتهم، وكان هذا بمثابة إنجازٍ عظيم، باعتبار أنَّ هذه الفتاة كانت لا تستطيع تحريك يديها قبل هذا الوقت، وهذا ما يفعله التشجيع.
5 – صِغار الرُّوح:
هم الذين لهم إيمانٌ ضعيف، أو إيمانٌ مُهتز. ومثل هذا الإنسان الصغير الروح قد يتناسَى كثيرًا أنَّ الله هو الذي يُدبِّر هذه الحياة، وأنه هو صاحب هذا الكون، وهو ضابط الكل. لذلك إنْ حدث لمثل هذا الإنسان أي مكروه، فإنه يهتز نفسيًّا جدًّا، وهذا الاهتزاز النفسي قد يصل أحيانًا إلى ترك الإيمان.
6 – صِغار العزيمة:
مثل الشخص قليل الحيلة، ويندرج تحت هذا النوع الإنسان الواقع في الخطية، ولا يستطيع القيام منها حتى إن تقدَّم أحدٌ لمُساعدته وصِغار العزيمة، مثل الخُطاة والساقطين، يحتاجون منَّا إلى نوعٍ من التقوية، لذلك نُصلِّي في القدَّاس ونقول: ”الساقطين أقمهم، والقيام ثبِّتهم“. فالإنسان الخاطئ لا يجب إدانته، لأنه هكذا علَّمنا السيِّد المسيح حين قال: «لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ» (مت 9: 13)، وكأنه يقول: ”لقد أتيتُ إلى العالم لكي ما آخُذ بيد الخاطئ“. ومَنْ يقرأ في سِفْر إشعياء النبي، يجد هذا التعبير الجميل: «بَلْ يَدُهُ مَمْدُودَةٌ بَعْدُ!» (إش 10: 4)، وهذه الآية تُعتَبَر نبوَّة عن الصليب. فيدا السيِّد المسيح ما زالتا ممدودتين على الصليب، لكي ما تُقيما كل خاطئ أو ساقط.
7 – صِغار الإمكانيات:
أي الشخص الذي ليس لديه إمكانيات عقليَّة، ماديَّة، عِلْميَّة، نفسيَّة … إلخ.
هذه هي سبعة أنواع لمَنْ تُسمِّيهم الآية: ”صِغار النفوس“، وهم مُتواجدون في كلِّ مُجتمع. وقد نتقابل معهم في الخدمة، في العمل، في البيت … إلخ، وهم يعيشون مع بعض الأُسَر. وقد يكون صغير النَّفْس هذا هو الزوج أو الزوجة، أو الأخ أو الابن أو الابنة أو … إلخ. لذلك أوصانا الكتاب المقدَّس أنْ نعيش وصيَّة: «شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ».
مشاهد من الكتاب المقدَّس عن التشجيع:
الله مع أولاده:
1. نحميا النبي:
نحميا كان ساقيًا للملك أرتحشستا، كما كان نبيًّا ومُصلِحًا وقائدًا في جيله، ورغم مركزه المرموق وقتها، ورغم وجوده في السَّبي في منطقة بابل (العراق حاليًّا)، إلَّا أنَّه عندما سمع أنَّ بلاده أورشليم أسوارها مهدومة وأبوابها محروقة بالنار، فضَّل أن يترك القصر ويذهب إلى شعبه ويسندهم ويُشجِّعهم في بناء سور المدينة. كان يقوم بتوزيع المسؤولية لكلِّ واحد على حسب مواهبه وقدراته، ويدفع الجميع للعمل الجماعي، وقال هذا التعبير الجميل والمُشجِّع: «هَلُمَّ فَنَبْنِي سُورَ أُورُشَلِيمَ وَلَا نَكُونُ بَعْدُ عَارًا» (نح 2: 17) ونُلاحظ هنا، أنَّه وَضَعَ عبارة تحفيز وهي: «وَلَا نَكُونُ بَعْدُ عَارًا» لكي ما تكون وسيلة للتشجيع على العمل والبناء. ثم قال هذه الآية الجميلة التي نعرفها ونحفظها جميعًا: «إِنَّ إِلهَ السَّمَاءِ يُعْطِينَا النَّجَاحَ، وَنَحْنُ عَبِيدُهُ نَقُومُ وَنَبْنِي» (نح 2: 20) وفي هذه الآية نجد موسيقى رائعة، فقد بدأ من إله السماء أي من فوق، وبدأ أيضًا بالنجاح، وفي النهاية ذَكَرَ العمل، وكأنه أراد أن يقول: ”إنِّي على ثقةٍ تامة «إِنَّ إِلهَ السَّمَاءِ يُعْطِينَا النَّجَاحَ» مكافأة لنا على اهتمامنا بأورشليم، لذلك يجب علينا مقابلة هذه المُكافأة العظيمة بالبناء والعمل“. وكأنه يُشجِّع ويُحفِّز نفسه، فيصرخ في صلاته قائلًا: «وَأَعْطِ النَّجَاحَ الْيَوْمَ لِعَبْدِكَ» (نح 1: 11). ورغم الإحباطات التي واجهته وواجهت الشعب من الأعداء، إلَّا أنَّه كان يُحفِّزهم ويُشجِّعهم قائلًا: «لاَ تَخَافُوهُمْ بَلِ اذْكُرُوا السَّيِّدَ الْعَظِيمَ الْمَرْهُوبَ» (نح 4: 14).
2. موسى النبي:
عندما دعاه الله لقيادة شعبه، «فَقَالَ مُوسَى لِلرَّبِّ: ”اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلَا أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ، وَلَا مِنْ حِينَ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ، بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ“» (خر 4: 10). وهنا بدأ الله يُشجِّعه وقال له: «مَنْ صَنَعَ لِلإِنْسَانِ فَمًا؟ أَوْ مَنْ يَصْنَعُ أَخْرَسَ أَوْ أَصَمَّ أَوْ بَصِيرًا أَوْ أَعْمَى؟ أَمَا هُوَ أَنَا الرَّبُّ؟ فَالآنَ اذْهَبْ وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَأُعْلِّمُكَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ» (خر 4: 11 – 12) ومع كلِّ هذا الكلام المُشجِّع، إلَّا أنَّ موسى اعتذر ثانيةً للرب، فقال له الرب: سأُرسِل معك هارون أخاك «أَلَيْسَ هَارُونُ اللَّاوِيُّ أَخَاكَ؟ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ هُوَ يَتَكَلَّمُ، وَأَيْضًا هَا هُوَ خَارِجٌ لاسْتِقْبَالِكَ فَحِينَمَا يَرَاكَ يَفْرَحُ بِقَلْبِهِ، فَتُكَلِّمُهُ وَتَضَعُ الْكَلِمَاتِ فِي فَمِهِ، وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَمَعَ فَمِهِ، وَأُعْلِمُكُمَا مَاذَا تَصْنَعَانِ» (خر 4: 14 – 15) وهكذا استمرَّ الله يُشجِّع موسى النبي، لكي ما يقود الشعب ويُخرِج بني إسرائيل من أرض مصر.
3. يشوع بن نون:
كان يشوع مشغولًا بالحرب مع أريحا، خاصة أنها كانت مدينة حصينة، وإن هَزَمَته لا يقدر أن يُحارب مدنًا أُخرى، كما إنَّ الشعب لا يقدر أن يتراجع، فأصبح محصورًا بين نهر الأردن من خلفه وأريحا أمامه. حينئذ تدخَّل الله فأرسل رئيس ملائكته أو ظهر هو بنفسه كما يرى الآباء «وَحَدَثَ لَمَّا كَانَ يَشُوعُ عِنْدَ أَرِيحَا أَنَّهُ رَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ، وَإِذَا بِرَجُلٍ وَاقِفٍ قُبَالَتَهُ، وَسَيْفُهُ مَسْلُولٌ بِيَدِهِ. فَسَارَ يَشُوعُ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: ”هَلْ لَنَا أَنْتَ أَوْ لأَعْدَائِنَا؟“ فَقَالَ: ”كَلَّا، بَلِ أَنَا رَئِيسُ جُنْدِ الرَّبِّ. الآنَ أَتَيْتُ“. فَسَقَطَ يَشُوعُ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ، وَقَالَ لَهُ: ”بِمَاذَا يُكَلِّمُ سَيِّدِي عَبْدَهُ؟“» (يش 5: 13 – 14) وقال الرب ليشوع: «انْظُرْ. قَدْ دَفَعْتُ بِيَدِكَ أَرِيحَا وَمَلِكَهَا جَبَابِرَةَ الْبَأْسِ» (يش 6: 2).
4. السيِّد المسيح:
عندما ندرس العهد الجديد كاملًا، ونتعمَّق في تفاصيل مُقابلات السيِّد المسيح ومُعجزاته التي صنعها، نجده هو المُشجِّع الأعظم قيل عنه: «قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لَا يُطْفِئُ، حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ» (مت 12: 20) وهو يُشجِّع الأولاد ويقول عنهم عندما أتى إليه الأولاد الصِّغار وانتهرهم التلاميذ، قال لهم: «اُنْظُرُوا، لَا تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ» (مت 18: 10) وأيضًا قال لهم: «دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلَا تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ» (مت 19: 14؛ مر 10: 14 – 16؛ لو 18: 16 – 17) كذلك كانت له طريقته المُشجِّعه في علاج الخطايا، وهكذا فعل عندما تقابَل مع المرأة السامرية، فقال لها: «حَسَنًا قُلْتِ لَيْسَ لِي زَوْجٌ» (يو 4: 17)، فلم يُعاملها بخطئها وخطيتها.
ختامًا:
إنَّ وسائل التَّشجيع عديدة، منها: الابتسامة وكلمات المديح والتصفيق، وتقديم شهادة التقدير، والحضن والقُبلة، وتقديم هدية، ووجود مُرافق مع الإنسان، والتحدُّث بإعجاب عن الآخرين في غيابهم، وغير ذلك الكثير وقصة اكتشاف البابا ألكسندروس (البطريرك الـ 19) للطفل أثناسيوس، الذي أخذه وشجَّعه وعلَّمه وتلمذه حتى صار فيما بعد البابا أثناسيوس الرسولي (البطريرك الـ 20)، هي قصة توضِّح معنى التَّشجيع وكيف بالتَّشجيع يصير الصغير كبيرًا!
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
06 مارس 2026
“سالموا بعضكم بعضًا”
«سَالِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا» (1تس 5: 13):
خلق الله الإنسان ليعيش في سلام، فآدم وحواء كانا يتمتَّعان بمعيَّة الله في سلام، ولم يكن هناك ما يُفسِد سلامهما، وكانا يتمتَّعان بحياتهما الفردوسيَّة. فمنذ البدء جعل الله الطبيعة تخدمهما، والحيوانات تُطيعهما وتخضع لهما؛ ولكن عندما دخلت الخطية إلى العالم بحسد إبليس، وعندما كَسَرَ آدم وحواء الوصية، وكسرا أيضًا قلب الله مُعطي الوصية، لُعِنَت الأرض بسببهما، وصارت الحيوانات تتصارع، وحُرِم آدم من أمان الوحوش، واختفى السلام من الطبيعة، فصارت الزلازل والبراكين والطوفان وبمجيء الخطية إلى العالم وفسد العالم، كان من أهم وأصعب نتائج هذه الخطية هو غياب السلام، وبدأنا نسمع أنَّ آدم وحواء يختبئان من وجه الله: «فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: ”أَيْنَ أَنْتَ؟“» (تك 3: 9). فأجاب آدم: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ» (تك 3: 10)، فكانت الخطية هي وصمة العار التي وصمت الإنسان، وخصوصًا أنَّ مَنْ ارتكبها هو رأس البشر!!
وكانت النتيجة: إنَّ الخطية قد امتدَّت إلى العالم كلِّه، وفَقَدَت الأرض السلام!!
وأصبح الإنسان لا يحتمل أخاه الإنسان، والدليل على ذلك أنَّه في بدء الخليقة، وبينما كانت الأرض خربة، ولا يوجد بها معالم للحياة، لا شوارع ولا طُرُق … إلَّا أننا نجد قايين لا يحتمل أخاه هابيل ويقتله، بالرغم من أنه لم يكن معهما أحدٌ على سطح الكُرة الأرضيَّة. «وَحَدَثَ إِذْ كَانَا فِي الْحَقْلِ أَنَّ قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ» (تك 4: 8)، ”القتل“ يا لها من كلمةٍ مُرعِبة!! كيف يستطيع أخٌ أن يقتل أخاه؟! أين كان عقله؟! لقد أفقدته الخطية عقله، وسلامه، ورابطة الدم والأُخوَّة، التي بينه وبين أخيه!!
قِسْ على هذا، ما حدث في العالم ابتداءً من قايين وهابيل، وامتدادًا إلى الحروب والصراعات في هذا العالم حتى يومنا هذا، فهل كان الله يقصد أن تكون خليقته بهذه الصورة؟ بالطبع لا، فكلُّ هذا من صُنع الإنسان، حتى صار الإنسان لا يحتمل أخاه الإنسان!
وبذلك فَقَد الإنسان السلام، وصارت حياته مُتعبة، ونتيجة لذلك أُصيب بالكآبة والقلق والهمِّ … إلخ، من أمراض العصر!! إنَّ الإنسان بخطيته، دخل على هذا العالم الخالي من السلام.
أولًا: مجالات صُنع السلام مع الآخرين:
1. في البيت:
يُذكِّرنا سِفْر الأمثال، بهذه الآية اللطيفة والمُعبِّرة جدًّا عن حياتنا وهي: «لُقْمَةٌ يَابِسَةٌ وَمَعَهَا سَلَامَةٌ، خَيْرٌ مِنْ بَيْتٍ مَلأْنٍ ذَبَائِحَ مَعَ خِصَامٍ» (أم 17: 1)، وهي آية تحمل تعبيرًا بسيطًا يُمكننا جميعًا فهمه، فهي تعني ببساطة أنه يمكننا أن نأكل عيشًا وملحًا، ويكون بيتنا مليئًا بالسلام، أفضل من أن نأكل أكلًا دسمًا وبيتنا مليء بالخصام ففي وسط الخصام لا يستطيع الإنسان أن يتمتَّع بشيء، لا بذبائح ولا بقصر ولا بصُحبة. لذلك ما أجمل البيت الذي يحلُّ فيه السلام، ومن أجل ذلك كانت أولى وصايا ربنا يسوع المسيح لتلاميذه: «وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلًا: سَلَامٌ لِهذَا الْبَيْتِ» (لو 10: 5).
2. في الكنيسة:
وهي المحطة الثانية لمُمارسة السلام، فنجد أنه من أكثر الكلمات تكرارًا داخل الكنيسة، كلمة ” Irhnh paciإيريني باسي“ (بمعنى السلام لجميعكم). ويردُّ الشعب على الكاهن قائلًا: ”ولروحِكَ أيضًا“ وأكثر صلاة تتكرَّر في طقوسنا عندما نُصلِّي في الأواشي من أجل سلام الكنيسة قائلين: ”اذكر يا رب سلام كنيستك، الواحدة الوحيدة المقدَّسة الجامعة الرسولية، هذه الكائنة من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها … احفظها بسلام“ كذلك تُصلِّي الكنيسة قائلة: ”السلام الذي من السموات أنزله على قلوبنا جميعًا، بل وسلام هذا العمر أيضًا“. إنَّ الكنيسة تُصلِّي يوميًّا من أجل سلام العالَم، من أجل أن يحلَّ السلام على الأرض، لكن سلام العالَم يبدأ بالسلام الصغير الذي في قلب الإنسان ونُلاحظ أن أكثر كلمة تتكرَّر في الأديرة عندما يتقابل الرهبان هي كلمة ”سلام“. فيقول أحدهم: ”سلام“، فيرد الآخر: ”سلام ونعمة“ من القصص الجميلة التي وردت في تاريخ الكنيسة عن الأنبا بولا أوَّل السوَّاح،، أنه عندما زاره الأنبا أنطونيوس، كان أول سؤال سأله الأنبا بولا للأنبا أنطونيوس هو: ماذا عن سلام الكنيسة؟
فالقدِّيس الأنبا بولا الذي عاش في السياحة والوحدة، وكانت له سنوات كثيرة بعيدًا عن هذا العالَم وأخباره، كان أول شيء يسأل عنه هو سلام الكنيسة، حتى إنه اهتم بسؤال الأنبا أنطونيوس عن هذا السلام.
3. في المجتمع:
المجتمعات التي نعيش فيها اليوم صارت ممتلئة بالمتاعب والصراعات والمشكلات والخصومات بين الناس، وبالتالي صارت تحتاج إلى سلام، لكن هذا السلام لا يُبنَى في المجتمع إلَّا بعد أن يُبنَى في القلوب أوَّلًا، ثم البيت، ثم الكنيسة، ثم بعد ذلك المجتمع. وصار السلام من واجبات المواطنة، بمعنى أنه واجبٌ على المواطن في أيِّ مجتمع أن يصنع سلامًا. فكما إنَّ للمواطن حقوقًا، عليه أيضًا واجبات. وبناءً على ذلك، فإنَّ المواطن الذي يتخلَّى عن مُشاركته في سلام مجتمعه، يُعتَبَر مُقصِّرًا في واجبات المواطنة لذا كُنْ حريصًا على حفظ السلام مع مَنْ حولك حتى لو كلَّفك ذلك التنازُل عن بعض حقوقك، أو احتمال بعض الإهانات. فالسلام أغلى من أيِّ شيء مادي، لأنك لو خسرتَ سلامك، ستخسر علاقاتك. يقول القدِّيس بولس الرسول: «فَلْنَعْكُفْ إِذًا عَلَى مَا هُوَ لِلْسَّلَامِ، وَمَا هُوَ لِلْبُنْيَانِ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ» (رو 14: 19).
ثانيًا: كيف نصنع سلامًا مع الآخرين؟
1. اللسان الحلو والكلمة الطيِّبة:
من العجب، يا إخوتي الأحبَّاء، أنَّ الإنسان دائمًا ما يختار ملابسه بألوانها وأشكالها وأنواعها المختلفة، ولكن من الأكثر عجبًا أنه لا يستطيع أن يختار ألفاظه وكلماته يقول سِفْر النشيد عن العروس (النفس البشرية): «شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُ تَقْطُرَانِ شَهْدًا» (نش 4: 11). وقد نَصِف شخصًا ما في تعبيراتنا الشعبيَّة ونقول عنه: ”فلان لسانه بينقَّط سُكَّر“، فيا بخت وطوبى للإنسان الذي لسانه ينقَّط سُكَّر في بيته، وفي مجتمعه، وفي وسط أصدقائه. لذلك فإنَّ أول وسيلة تستطيع أن تصنع بها سلامًا، هو لسانك الحلو أو كلماتك الطيِّبة. ولأن اللسان الحلو يُراعي الذوق واللياقة في الحديث مع الآخرين، فنجد صاحبه دائمًا مُسالمًا للآخرين.
2. النظرة الوديعة وتجنُّب الغضب:
تجنَّب الغضب، وليكن لكَ النظرة الوديعة، فقد يقولون عن شخصٍ ما: ”فلان عينه بطَّلع شرار“!! رغم أنَّ العين رقيقة خلقها الله لكي يرى الإنسان بها أخاه الإنسان، ولكن هذه النار أو هذا الشرار هو نار الغضب! فلن تستطيع أن تَنْعَم بالسلام داخل نفسك وأنت في خصامٍ وغضب مع أيِّ إنسان. فاعلم، أيها الأخ الحبيب، أنَّ غضبك «لَا يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ» (يع 1: 20)، ولا يُحقِّق راحة الله في قلبك وقد علَّمنا الكتاب المقدَّس: «لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاِسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ» (يع 1: 19). فاستمع جيِّدًا لمَنْ يتحدَّث إليك، وقبل أن تتكلَّم فكِّر جيِّدًا، وقبل أن تغضب فكِّر مرَّةً أُخرى، لئلَّا غضبك يُفسِد أمورًا جيِّدة في حياتك يقول معلِّمنا بولس الرسول: «إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ» (رو 12: 18)، ودائمًا يُقال: إنَّ الغضب كالنار، ولا تُطفأ النار بالنار، النار تُطفأ بالماء. لذلك إن وجدتَ مَنْ أمامك بَدَا وكأنه في حالة غضب، فلا تستمر في المجادلة معه لئلَّا تدخل أنت أيضًا في حالة غضب. فتوقَّف وابدأ في استخدام وداعتك وحلمك ونظرتك الوديعة.
3. المغفرة والمُسامحة:
المغفرة دليلٌ على وجود المسيح داخل القلب، فنحن نغفر لأنه من شروط حصولنا على الغفران أن نغفر نحن أيضًا. وعدم الغفران يجعل في النفس شعورًا بالمرارة الشديدة تجاه مَنْ أساء إلينا. قد تجد إنسانًا يقول: ”إني لا أستطيع النوم بهدوء أو بسلام، فبداخلي مرارة شديدة تجاه فلان. هذا الأمر يجعلني غير مرتاح، ليتني أشعر بالراحة والسلام“. طالما يوجد عدم غفران، لا يوجد سلام ولا راحة والقدِّيس مار إسحق يقول: ”إن لم تكن صانعًا للسلام، فعلى الأقل لا تكن مُثيرًا للمتاعب“. فصُنع السلام هو بداية السلوك المسيحي. فتعلَّم صُنْع السلام في بيتك، في كنيستك، في مجتمعك، في علاقاتك بين أصدقائك إنَّ كلمة السلام تعني سَعْي الإنسان الدائم لأجل تحقيق هذه الحقيقة في حياة الآخر، وهي أنَّ الله يُحبُّه. إنه محبوب الله، فإن شعر الإنسان بهذه المحبة الإلهيَّة، سيعيش في سلام فلْيُعطِنا مسيحُنا أن تكون حياتنا في هذا السلام، ونكون صانعي السلام: «طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ» (مت 5: 9).
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
27 فبراير 2026
“الصلاة قوَّة الكنيسة”
مَنْ يقرأ التاريخ ويرى ما تعرَّضت له الكنيسة القبطية، من موجاتٍ عالية وقاسية، منذ أن أسَّسها القدِّيس مار مرقس منذ ما يقرب من ألفين عام، يتعجَّب كيف ما زالت الكنيسة المصرية حيَّة حتى الآن؟! ولكن السرَّ في ذلك هو الصلوات المرفوعة دائمًا، لأنها هي قوَّة الكنيسة والمقصود هنا هو الصلاة الحقيقية القلبية التي من أعماق الإنسان، فالسيِّد المسيح قال للتلاميذ: «أَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي» (لو 24: 49)، وكان يقصد بهذه القوَّة حلول الروح القدس، وأيضًا قال في سِفْر الأعمال: «لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهَودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ» (أع 1: 8) وهذه القوَّة هي عمل الروح التي ننالها في كلِّ صلاة، لذلك قال: ”أقيموا في أورشليم“، بمعنى ”اعتكفوا“. وهذا ما نصنعه عند رسامة كاهن جديد، فنُرتِّب له خلوة لمدَّة أربعين يومًا في أحد الأديرة بعيدًا عن الضوضاء، ونُعلِّمه أنَّ فترة الاعتكاف هذه مع الصلاة ستُعطيه قوَّة، وستكون هي العماد الأساسي له في خدمته.
الصلاة هي الوسيلة الجوهرية التي ينحدر بها روح الله على عمل الكنيسة كلها. فالكنيسة لا تعمل بدون قوَّة الصلاة، والصلاة ليست لها شكلٌ واحد بل عدَّة أشكال: فتوجد الصلوات السرائرية أي صلاة الأسرار، والصلوات الطقسية مثل طقس الجنَّاز، وتوجد الصلوات النظامية – سواء الجماعية أو الفردية – مثل صلوات الأجبية. وتوجد عندنا صلوات مُلحَّنة أي تُستخدَم فيها الموسيقى كالألحان والتسابيح وتوجد صلوات فردية خاصة، وأيضًا توجد صلوات الصمت وهي تنبع من القلب، وصلوات الدموع وهي تنبع من أعماق القلب. وهذه كلها أشكال للصلاة، وبذلك تصير الحياة صلاة، وهناك صلوات الكتاب المقدَّس وداود النبي قال: «أَمَّا أَنَا فَصَلَاةٌ» (مز 109: 4). فداود هذا النبي العظيم، لم يجد تعريفًا لذاته غير هذا!! فمثلًا لم يَقُل: أنا الملك أو القاضي أو الشاعر، بل قال: «أَمَّا أَنَا فَصَلَاةٌ». وتعبير ”كاهن“ أي قس بمعنى مُصلِّي، أي إنه شخصٌ صار عمله هو الصلاة.
ما معنى الصلاة قوَّة الكنيسة؟
نتحدَّث عن معنى الصلاة قوَّة الكنيسة في أربع نقاط هامة، وهي:
أولًا: الصلاة تصنع الشركة بين المؤمنين:
فالرعيَّة في أيِّ كنيسة تكون قادمة من أماكن مختلفة، وبها الكبير والصغير، والرجل والمرأة، الشاب والشابة، ويوجد أيضًا الصحيح والمُتوجِّع من الآلام الجسدية. وقديمًا في طقس الكنيسة، كان الرجال يدخلون من الباب البحري، والنساء من الباب القبلي، وعند الخروج من الكنيسة، يخرج الجميع من الباب الغربي. وهذا يعني أنَّ الجميع قد توحَّد وأصبح كله كيانًا واحدًا فالصلاة تصنع الشركة بين المؤمنين، وتخلق نوعًا من أنواع المُشاركة الحقيقية بين الجميع، والقدِّيس يوحنا ذهبي الفم يقول [يلزمنا أن نُصلِّي بكلِّ الطُّرُق، يليق بنا أن نسلك بالروح. فالله يطرق في كلِّ الأحوال القلب، حتى إذا دخلتَ مخدعك وأغلقتَ الباب، صانعًا هذا من أجل التظاهُر، فإنَّ الأبواب المُغلقة لن تنفعك شيئًا. الله يرغب في أن تُغلق أبواب الذهن، أفضل من أن تُغلِق أبواب المخدع] وهذا يُذكِّرنا بذلك الناسك، الذي كان في وقت النهار يتقابل مع أُناسٍ كثيرين، وعند رجوعه إلى قلايته مساء، يقف على باب القلاية ويُفرِّغ أُذُنيه من كلِّ ما سمعه، لكي ما يدخل قلايته – التي هي مخدع صلاته – وهو صافي الذهن.
وهنا نتساءل: كيف تُصنع الشركة بين المؤمنين؟
عندما نأتي للكنيسة نقول: «أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ. أَسْجُدُ فِي هَيْكَلِ قُدْسِكَ بِخَوْفِكَ» (مز 5: 7)، بمعنى الشعور بالوجود في الحضرة الإلهيَّة. ويُعجبني كثيرًا الأُمهات التي تقول لأولادها: رايحين بيت ربنا، وهذا ما يُعلِّمه لنا الكتاب: «حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ» (مت 18: 20). ودائمًا تُعلِّمنا الكنيسة أن نُصلِّي تجاه الشَّرق، الذي هو مصدر النور، فنُصلِّي في اتجاهٍ واحد، وتكون رؤيتنا متعلِّقة بهدفٍ واحد: الملكوت.
وأيضًا الصلاة تصنع الشركة بين المؤمنين، لأنها تُوجِد مناخًا روحيًّا واحدًا، فالصلاة لها نظام وترتيب. فالكاهن والشماس والشعب يصنعون منظومة جميلة، وهذا كله يوجِد مناخًا روحيًّا. فالبخور يوجِد المناخ الروحي: فالأُذن تسمع، والعين ترى، والأنف يستنشق رائحة ذكيَّة، وبعد التناول نقول بعضنا لبعض: ”آنستك النعمة“، فهناك نعمة أُضيفت في القدَّاس. وقديمًا كانوا يقولون لمَنْ يحضر القدَّاس: ”يا مقدِّس“، بمعنى أنه يوجد جوٌّ روحيٌّ من القراءات والعظات والصلوات والألحان والمردَّات والنظام الطقسي عمومًا.
وأيضًا الصلاة تجعل منَّا نفسًا واحدة، فنسأل أي مسيحي: من أيِّ كنيسة أنت؟! لأنه صار عضوًا بهذه الكنيسة، وأنَّ هناك رباطًا غير منظور بينه وبين هذه الكنيسة، وبذلك تصنع الصلاة فينا النَّفْس الواحدة، ويقول الكتاب: «كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلَاةِ وَالطِّلْبَةِ، مَعَ النِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ … وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ» (أع 1: 14؛ 2: 46).
ثانيًا: الصلاة هي أقوى تعبير عن محبة الإنسان لله:
فاسأل نفسك: ماذا تفعل تجاه محبتك لله؟ فمثلًا ملاطفتك لطفل صغير هو تعبير عن حُبِّك له؛ لكن كيف تُعبِّر لله عن محبتكَ له؟! إنَّ الصلاة هي أقوى تعبير عن حبِّ الإنسان لله، وذلك لثلاثة أسباب وهي:
1. الذي نحبه، نُقدِّم له الوقت وهو أغلى عطية.
2. الذي نحبه، نتحاور معه.
3. الذي نحبه، نشتاق إليه دائمًا.
فالصلاةُ نقدِّم فيها وقتًا لله، وهي حوار مع الله، ونتذكَّر القصة التي وقف فيها إنسان نقي القلب وقال: ”أبانا الذي في السموات“، فيسمع صوت يقول له: ”أنا سامعك يا ابني!!“. وصارت الصلاة الربَّانية كأنها نوعٌ من الحوار المُتبادَل وكنيستنا تتميَّز بطريقة المُرابعة في الصلاة، بمعنى: يوجد خورس بحري، وآخر قبلي. وهذه هي طريقة الحوار، ويقول داود النبي: «كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اَللهُ» (مز 42: 1). ففي الصلاة نشكر الله، ونطلب منه ونتوسَّل إليه، ونبتهل ونتشفَّع بأُمِّنا العذراء لكي تُساعدنا.
فالصلاة شكل من أشكال التسابيح، والصلاة هي قوَّة الكنيسة لأنها أقوى تعبير نعيشه جميعًا لكي نُعبِّر به عن محبتنا لله.
ثالثًا: الصلاة سلاحنا ضد حروب عدو الخير:
ليس لنا وسيلة أو قوَّة أو سلاح ضد عدو الخير سوى الصلاة، فالشيطان يُحاربنا لكي يحرمنا من السماء. فالصلاة قوَّة الكنيسة، لأنها أقوى سلاح فعَّال ضد الشيطان، ويقول الكتاب: «اِسْمُ الرَّبِّ بُرْجٌ حَصِينٌ» (أم 18: 10). فمجرَّد أن تذكر اسم الرب في صلواتك، تكون وكأنك تبني برجًا حصينًا يحميك من ضربات عدو الخير ونتذكَّر قصة القدِّيسة الشهيدة يوستينا، التي أُغرِم بها شاب من الشباب وأراد أن يصل إليها، فلما رفضت استعان ببعض السَّحَرة، وكان مجرَّد اسم يوستينا يحرق الشيطان!! وقد وردت هذه القصة في السنكسار يوم 21 توت. فالصلاة سلاحٌ فعَّال ضد الشيطان. ولهذا السبب تُعلِّمنا الكنيسة أن نبدأ كل يوم بالصلاة لكي ما نقدِّس يومنا فقدِّس يومك بالصلاة، قدِّس بيتك بالصلاة، فأحيانًا يكون سبب الخلافات في البيوت هو عدم الصلاة، ويمكن أن تقدِّس عملك ودراستك بالصلاة، ويمكن أن تقدِّس سَفَرك بالصلاة. وكلمة تُقدِّس تشبه كلمة تُنقِّي، فعبارة تُقدِّس البيت تعني تُنقِّي جو البيت، بمعنى أن يفهم الجميع بعضهم بعضًا بطريقةٍ صحيحة. فالصلاة تجعل البيت والنفس هادئين ومُستعدَّيْن لأيِّ حرب من عدو الخير.
رابعًا: الصلاة تصنع المستحيل:
نحن جميعًا بشر ولدينا إمكانيات محدودة في مجالات مختلفة، ولكن الصلاة تصنع المُستحيلات، ونتذكَّر قصصًا كثيرة عن البابا كيرلس السادس، وماذا كان يصنع مع الطَّلَبة في أيام الامتحانات! ويذكُر لنا الكتاب كيف أنَّ إيليا النبي أغلق السماء بصلاته ثلاث سنين وستة أشهر!
وأيضًا يُحدِّثنا الكتاب عن دانيال النبي، ذلك الشاب القوي الذي وُضِعَ في جُبِّ الأسود، وكيف أنه عندما أتى الملك ليسأل عنه ووجده حيًّا!! أجابه: «إِلهِي أَرْسَلَ مَلَاكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّنِي» (دا 6: 22). وقد نتساءل: هل الأُسُود هي التي كانت خائفة من دانيال، أم دانيال هو الخائف من الأُسُودِ؟! الطبيعي أنَّ الإنسان هو الذي يخاف من الوحوش؛ ولكن الصلاة صنعت المستحيل، فجعلت الوحوش هي التي تخاف من الإنسان.
وأيضًا مَنْ يستطيع نقل جبل المقطَّم؟! ولا حتى في أيامنا هذه بكلِّ الوسائل التكنولوجية نستطيع نقل جبل؟! لكن بالصلوات انتقل الجبل، ونعيش في معجزة من القرن العاشر الميلادي، ونُسجِّلها في الكنيسة من خلال صوم ثلاثة أيام أُضيفت لصوم الميلاد الذي هو 40 يومًا ليصبح الصوم 43 يومًا.
ويقول القدِّيس يوحنا الدَّرَجي [كلُّ مَنْ يتوكَّأ على عُكَّاز الصلاة لا تزِل قدماه. اسم يسوع سلاح ولا يوجد ما هو أقوى منه، الصلاة مثل الوردة التي تفتَّحت لتملأ هيكل النفس بالرائحة الذكيَّة دائمًا] ويقول القدِّيس غريغوريوس الكبير[الصلاة هي التصاق بالله في جميع لحظات الحياة ومواقفها، فتصبح الحياة صلاة واحدة بلا انقطاع أو اضطراب].
الخلاصة، يا إخوتي، أنَّ الصلاة هي قوَّة الكنيسة، القوَّة التي تجعل الكنيسة دائمًا حيَّة، وتجعل الكنيسة دائمًا مؤثِّرة. والكنيسة المُمتلئة من الصلوات، والبيت المُمتلئ من الصلوات، والنفس التي تمتلئ من الصلوات؛ هي قويَّة ولذلك فالصلاة هي قوَّة الكنيسة، وهذا هو عملها. ونحن واثقون بإيمانٍ ورجاء، أنَّ الصلاة تصنع كلَّ شيء: «طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا» (يع 5: 16).
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
20 فبراير 2026
“الإنجيل عقل وفكر الكنيسة”
«فَلْنَجْتَهِدْ أَنْ نَدْخُلَ تِلْكَ الرَّاحَةَ، لِئَلَّا يَسْقُطَ أَحَدٌ فِي عِبْرَةِ الْعِصْيَانِ هذِهِ عَيْنِهَا.لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ» (عب 4: 11 – 12) الإنجيل هو عقل وفكر الكنيسة، فحينما نقول كلمة ”كنيسة“ قد يُقصَد بها أكثر من معنى. فقد يُقصَد بها: المؤمنون أي شعب الكنيسة بكلِّ أجناسهم وأعمارهم وقد يُقصَد بها: الإكليروس أي أصحاب الدرجات والرُّتب الكهنوتية: بدءًا من الأب الأسقف، والأب الكاهن، والشماس، وكل واحد في رُتبته حسب خدمته. وقد يُقصَد بكلمة الكنيسة: المبنى الذي تُقام فيه الصلوات، وتُمارَس فيه الطقوس والليتورجيات وعندما أقول: ”الإنجيل عقل الكنيسة“، أقصد أنه الفكر الذي يشغل الكنيسة، سواء مؤمنين أو إكليروس ونتذكَّر هنا سؤال السيِّد المسيح لتلاميذه، عن ماذا يقول الناس عنه؟! ثم سألهم سؤالًا آخر وهو في قيصريَّة فيلبُّس قائلًا: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا» (مت 16: 15)؟! فاندفع بطرس الرسول كعادته وقال: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ»! وهنا قال له المسيح: «أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي» (مت 16: 16،ـ 18) ويقصد المسيح أنه على صخرة الاعتراف بالإيمان أبني كنيستي، وهذا الإيمان نجده في الكتاب المقدَّس، والسؤال الذي يتردَّد كثيرًا: أيهما أوَّلًا الكنيسة أم الإنجيل؟
يذكر لنا التاريخ أنه حتى وقت اعتراف الإمبراطور قسطنطين بالمسيحية كديانة مُعترف بها في الإمبراطورية الرومانية، كان هناك اضطهاد للمسيحيين في مشرق الأرض وغربها. وبالتالي لم تكن تُشَيَّد الكنائس كما هو الحال بعد ذلك. وأريدك أن تعرف أنَّ أوَّل كنيسة كانت هي بيت مار مرقس، وذلك قبل كتابة الإنجيل. ولذلك يمكن أن نقول: إنَّ الكنيسة سبقت الإنجيل؛ ولكن أيضًا كلمة الإنجيل، ليس معناها الورق أو الكتاب، ولكن معناها: الخبر السار، وبالتالي معناها: البشارة المُفرحة وبذلك تكون البشارة بخلاص ربنا يسوع المسيح على الصليب هي البداية. وهناك علاقة وثيقة جدًّا ما بين الإنجيل والكنيسة، وما بين البشارة والكيان الذي يضمُّ كل المؤمنين والإكليروس، وهذه البشارة كُتِبَت بالوحي. فكلُّ الكتاب هو مُوحًى به من الله، وقد قُنِّنَت هذه الأسفار بواسطة المجامع الكنسيَّة الأولى والأسفار كُتِبَت بالوحي، وقُنِّنَت بالكنيسة، وفُسِّرت بآباء الكنيسة، وحُفِظَت في عقل الكنيسة، وتمَّ الكرازة بها بعمل الروح القدس في كلِّ العالم. فأصبح الكتاب هو العقل أو الفكر الذي ينتقل من جيلٍ إلى جيل لكلِّ أحدٍ في العالم كله من خلال كرازة الآباء وعَبْر الزمان الإنجيل هو عماد التعليم في الكنيسة والأسرة والمجتمع، فـ «كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ. لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلًا، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ» (2تي 3: 16 – 17)، وعلى هذه الصورة وعلى هذا الأساس، يكون للكتاب المقدَّس هذه الأفعال الخمسة التي قرأناها في الآية: «لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ» (عب 4: 12).
”حيَّة“ بمعنى: إنها تُعطي حياةً للكنيسة؛ و”فعَّالة“ تعني: إنَّ لها دورًا وتأثيرًا مستمرَّيْن، فهي فعَّالة في الماضي والحاضر والمستقبل. فالكلمة المقدَّسة تحمل قوَّتها فيها فمثلًا: عندما تقرأ أيَّ كتابٍ، فإنك تقرأ فكر الكاتب؛ أمَّا عندما تقرأ الكتاب المقدَّس، فإنك تَشْتَمُّ أنفاس الله لأنه هو الكاتب وصاحب الكلمة.
وكلمة ”فعَّالة“ تعني أيضًا: إنها تقتدر في فعلها كثيرًا: «هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لَا تَرْجِعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِيمَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ» (إش 55: 11).
والقدِّيس بطرس الرسول، بعد ليلة صيد فاشلة، قال للسيِّد المسيح عندما أَمَره أن يرمي الشَّبكة مرَّة أخرى في المياه: «تَعِبْنَا الَّليْلَ كُلَّهُ وَلَمْ نَأْخُذْ شَيْئًا» (لو 5: 5). ولنا أن نتخيَّل مشاعر بطرس بعد ليلةٍ كاملة في البحر ولم يجد ولا سمكة! ومع هذا قال للسيِّد المسيح: «وَلكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ» (لو 5: 5).
ونعلم النتيجة المُبهرة التي حصل عليها بطرس، كما قال الكتاب: «فَصَارَتْ شَبَكَتُهُمْ تَتَخَرَّقُ» (لو 5: 6). فالعمل والقدرة والفعل كلها موجودة في كلِّ كلمة من الإنجيل، وفي كلِّ وصية. وهذه الفاعلية يقول عنها بولس الرسول: إنها «أَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ» (عب 4: 12). بمعنى أنَّ كلمة الله تعمل في المُتكلِّم والسامع معًا قال القدِّيس يوحنا ذهبي الفم، عندما سُئِل عن كلماته الذهبية: ”إنَّ ما أتكلَّم به هو لي قبل أن يكون لكم“، بمعنى: إنني أتعلَّمه وأعرفه قبل أن أقوله لأيِّ مُستمع.
وعبارة ”خارقة إلى مَفْرق النَّفْس“، بمعنى أنَّ الكلمة ليست سطحية، ولكنها تخترق أعماق الإنسان وروحه ومفاصله وما بداخل العظام. فمثلًا عندما نُصلِّي قدَّاس اللقَّان، نُصلِّي بآياتٍ وألحان، وهنا كلمة الله الفعَّالة تخترق المياه، وتصير لها القدرة والقوَّة على طرد عدو الخير، وحِفْظ الإنسان، ومقاومة الأرواح الشريرة … فكلمة الله خارقة إلى مَفْرق النَّفْس وعندما وقف بولس الرسول، وهو سجين، أمام فيلكس الوالي، وبدأ يتحدَّث عن الدينونة وعن خلاص المسيح وعن أنَّ الله يُعطي كل واحد حسب أعماله؛ يقول الكتاب: إنَّ فيلكس الوالي ارتعب من كلمات بولس الرسول!! التي صارت خارقة إلى مَفْرق النَّفْس. وهكذا في التربية يجب علي كل أب وأم، أثناء تربيتهم لأولادهم أن يستخدموا عبارات من الإنجيل، لأنها تخترق النَّفْس، وتُسمَّى التربية في هذه الحالة ”تربية بالنعمة“. فهناك أُسرة تُربِّي بالنعمة، وأُخرى تُربِّي بالدَّلع، وأُخرى بالخوف أو الضرب، وأُخرى بالقهر أو الأوامر، وهكذا … لكن الأُسرة الناجحة هي التي تُربِّي بالإنجيل.
وأيضًا ”كلمة الله مُميِّزة“، تعني أنها تقدر أن تُميِّز في عقل الإنسان ما هو صحيح وما هو خطأ؟ ما هو خير وما هو شر؟ فيقول الكتاب: «مُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ». فمَنْ يستطيع أن يعرف نيَّة الإنسان؟! فكلمة الله أي الإنجيل، لأنه هو العقل، فإنه يستطيع أن يُميِّز بين كلِّ الضعفات. وللقدِّيس يوحنا ذهبي الفم هذه العبارة الجميلة: ”كلمة واحدة من الكُتُب الإلهيَّة هي أكثر فاعلية من النار، إنها تُليِّن قسوة النفس وتهيئها لكلِّ عملٍ صالح“ لهذا إن تقابلتَ مع شخصٍ قاسٍ، اعلم أنه بعيدٌ عن الإنجيل، لأن كلمة الله من صفاتها الجميلة، أنها تجعل الانسان ليِّنًا؛ أمَّا القاسي والعاصي والمُتمرِّد و … فهو إنسانٌ بعيدٌ عن كلمة الإنجيل وعن عمل كلمة الكتاب في حياته. فالقدِّيسة مريم أُم مار مرقس الرسول، رَبَّت ابنها جيِّدًا؛ كما قرأت عن يوكابد أُم موسى النبي، وكيف أنها غرست في ابنها الإيمان السليم؛ وأيضًا تعلَّمت من حنَّه أُم صموئيل الصلاة والدموع؛ وتعلَّمت أيضًا من المرأة الشونمية في العهد القديم، وكيف أنها بَنَتْ عِلِّيَّة لأليشع رجل الله. لهذا صار بيت القدِّيسة مريم أُم مار مرقس هو أول عِلِّيَّة، وأول كنيسة في العالم تحمل اسم المسيح.
أمثلة على أنَّ الكتاب هو فكر الكنيسة:
والكنيسة تنشر الإنجيل على مدار أيام السنة، بحيث نتعلَّم من خلاله. فالسنة الكنسيَّة بها خمس مراحل: أولًا: أيام الأسبوع بدءًا من الاثنين حتي السبت؛ ثانيًا: الآحاد، ثالثًا: فترة الصوم الكبير، رابعًا: أسبوع الآلام؛ خامسًا: الخمسون المقدَّسة. وتُقدِّم كل هذا من خلال كتاب القطمارس.
أولًا: الأيام:
وفيه نقرأ مقاطع من الكُتُب المقدَّسة، و نربطها بسنكسار اليوم لكي نفرح بالقدِّيسين، فأيام الأسبوع مرتبطة بقدِّيسي السنكسار، أي بحالات ونماذج وتذكارات. وعندما سمح الله باستشهاد بعض أبنائنا، كنَّا مُتعزِّين، وقد تعجَّب البعض من هذا الفرح! ولكن الكنيسة قد ربَّت بداخلنا هذا الفكر، وهو الفرح بالقدِّيسين، من خلال القراءات الإنجيلية والسنكسار الذي نستمع إليه كل يوم ونُعيِّد فيه بتذكار الشهداء والقدِّيسين.
ثانيًا: الآحاد:
عادةً يوجد في السنة 52 يومَ أحدٍ، وهذه الآحاد كلها يكون الحديث فيها مخصَّصًا عن شخص السيِّد المسيح، بصفته رأس الجسد. فالكنيسة هي جسد المسيح، والمسيح هو رأس الكنيسة، لذلك وجب أن نتكلَّم فيها عن إيماننا بالثالوث الأقدس. هذا الإيمان القوي، وكأننا نفرح بعمل الثالوث الآب والابن والروح القدس في حياتنا.
الآب المُحب، والابن المحبوب، والروح القدس روح الحب، وهذا هو الإيمان الذي نعيش فيه، ويتكرر علينا كل يوم أحد، وتُختار له قراءات من الإنجيل موزَّعة ومُختارة بحكمة الروح القدس، لتُشكِّل فكر الكنيسة التي كل فرد منَّا هو أحد أعضائها. إذًا، طوال أيام الأسبوع نفرح بالقدِّيسين، وفي يوم الأحد نفرح بالثالوث الأقدس.
ثالثًا: الصوم الكبير:
نقرأ في أيام الصوم الكبير نبوَّات من العهد القديم، ليُشكِّل فكر الكنيسة. وقد نتساءل: ما الذي تُريد أن تقدِّمة الكنيسة لنا في الصوم الكبير؟ نُجيب: هي تريد أن تُقدِّم لنا شيئًا واحدًا، وهو الفرح بالتوبة، مِثل: مَثَل الابن الضال، والسامرية، والمولود أعمي، والمفلوج … وهي قراءات التوبة وفرح التوبة، هذا هو فكر الكنيسة.
رابعًا: أيام البصخة وأسبوع الآلام:
نفرح بالآلام المُحيية المُخلِّصة، وبالمسيح الذي صُلِب علي الصليب من أجلنا ومن أجل افتدائنا، وبدمه الثمين الذي رَفَع خطايانا. ونستطيع أن نُسمِّي هذه الأيام رحلة الفرح بالآلام!! لعل هذه الجملة تكون غير متناسقة، فكيف يكون فرحٌ وآلامٌ؟! كما نقرأ في الجمعة العظيمة قطعه تُسمَّى ”أمانة اللص“! فكيف يكون للِّص أمانة؟! ولكن هذا عمق فكر الكنيسة، لذلك فقراءات أيام البصخة هي رحلة فرح في الآلام المُحيية.
خامسًا: الخمسون المقدَّسة:
وهي رحلة فرح بالنصرة والمسيح القائم من بين الأموات: ”بالموت داس الموت، والذين في القبور أنعم لهم بالحياة الأبدية“. فالكنيسة من الممكن أن نقول عنها: مؤسَّسة فرح. ففي فترة نفرح بالقدِّيسين، وأخرى بالإيمان بالثالوث الأقدس، وأخرى بالتوبة، وأخرى بالآلام المُحيية، وأخرى بنُصرة المسيح القائم من بين الأموات. ويصير عقل الكنيسة وفكرها، هو فكر فرح على الدوام. وهذه الرؤية هي التي تجعلنا نرى عمق الإنجيل داخل الكنيسة، ونستطيع أن نعيش فيه ونتمتع به وعند بناء أيِّ كنيسة جديدة، نضع في حَجَر الأساس الإنجيل، وأيضًا لا بدَّ من وَضْع البشارة على المذبح، ولا بدَّ من وجود المنجلية التي يوضع عليها الإنجيل في كلِّ كنيسة ويوجد رُتبه في الشموسية تُسمَّى ”القارئ“، وبسبب كرامة الإنجيل فإننا عند قراءته نمسك بالشموع، ويقول الشمَّاس: ”قفوا بخوفٍ أمام الله وأنصتوا لسماع إنجيله المقدَّس“. ونعيش بالكتاب المقدَّس والكتاب يعيش فينا، ويقول مُعلِّمنا بولس الرسول: «فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ» (في 1: 27).
فالكتاب المقدَّس في الكنيسة، هو عقلها وفكرها، وهو مصدر كلِّ الليتورجيات من قدَّاسات وعشيَّات وأسرار، وهو مصدر كلِّ التسابيح. فالهوس الأول من أصحاح من الكتاب المقدَّس (خروج 15)؛ والهوس الثاني هو مزمور الشكر 1٣٦؛ و هكذا فالألحان كلها قِطَع مأخوذة من الكتاب المقدَّس فالكتاب المقدَّس، هو مصدر لكلِّ الصلوات، ويقول القدِّيس يوحنا ذهبي الفم: ”إنَّ عدم معرفتنا بالكُتُب المقدَّسة هو عِلَّة كلِّ الشرور“.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
13 فبراير 2026
“التاريخ فخر الكنيسة”
«كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ، لأَنَّهُ قَالَ: “لَا أُهْمِلُكَ وَلَا أَتْرُكُكَ” حَتَّى إِنَّنَا نَقُولُ وَاثِقِينَ: “الرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلَا أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ؟” اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ» (عب 13: 5 – 7) كلمة ”التاريخ“ History معناها his story أي ”قصة الإنسان“. والآيات السابقة تُمثِّل مشاهد من التاريخ الإنساني. وبمناسبة العام القبطي الجديد وعيد النيروز، نتأمَّل كيف أنَّ التاريخ فخر الكنيسة!
أولًا: الله سيِّد التاريخ:
الله هو صاحب التاريخ، وكلُّ ما نراه على الأرض صاحبه ومُحرِّكه هو الله، حتى لو ظهر في الصورة بعض الأشخاص، وكأنهم هم مُحرِّكون الأمور والأحداث؛ لكن الله هو سيِّد التاريخ، وهو ضابط الكل. ومن هنا تأتي الطمأنينة عند الإنسان، طالما الإيمان الحقيقي يسكن قلبه. مثال لذلك: مشهد لأب يمسك بيد ابنه الصغير، ويسير في شارع مُزدحم بالناس والسيارات، فنُلاحظ أنَّ هذا الابن لا يُفكِّر في شيء إطلاقًا، مثلًا: إلى أين سيذهب؟ أو هل الطريق صحيح؟ أو ما الذي سيتعرَّض له؟ ذلك لأنه مُمسكٌ بيد أبيه الذي يقوده من دقيقة لدقيقة، فهو يشعر بالاطمئنان الكامل وهكذا صنع الله عَبْر التاريخ، من أول أبينا آدم، مرورًا بشخصياتٍ عديدة، وصولًا لأبينا إبراهيم أبي الآباء، إلى أن جاء ملء الزمان وتجسَّد ربنا يسوع المسيح. لذا نضع أمامنا أولًا أنَّ الله هو سيِّد التاريخ، وبما إنَّ الله حيٌّ، فالتاريخ أيضًا حيٌّ ولا يموت، وبذات التاريخ المقدَّس.
ثانيًا: التاريخ هو الحياة:
فهو حياة الإنسان، وهو كل التفاصيل. والتاريخ لأنه حياة، فهو يُعطي قوَّةً للإنسان. ومن المعارف الهامة جدًّا، أنَّ الإنسان عندما يتقلَّد أيَّ منصبٍ، عليه أن يعرف تاريخ المكان الذي سيعمل فيه. فالتاريخ دائمًا هو الذي يُعلِّم ويُرشِد وأحيانًا نسمع عبارة: ”التاريخ يُعيد نفسه“، وهذه العبارة إلى حدٍّ ما صحيحة. فالتاريخ هو الحياة، أي معرفة للحياة، ولدينا أنواعٌ من التاريخ مثل تاريخ المسيحية في العالم كلِّه، بدأ من تجسُّد المسيح، وما كان قبله وما هو بعده. تاريخ الكنيسة بعصوره المختلفة، وليس تاريخ كنيستنا فقط، بل تاريخ كلِّ الكنائس التي في العالم، وتاريخ الكنيسة المحليَّة، أي تاريخ الكنيسة التي ينتسب إليها أي فرد منَّا وتاريخ الكتاب المقدَّس، والتاريخ الكتابي من أروع أنواع التاريخ، لأنه يمتدُّ عَبْر قرونٍ كثيرة. وهناك تاريخ الوطن، أي تاريخ مصر. وهي من الدول التي تاريخها مقدَّس، لأنه ارتبط بالعبادة وبالأبديَّة، فقدماء المصريين لم يتركوا لنا سوى المعابد والمقابر بمعنى عبادة وخلود، ومن المعروف أنَّ أخناتون هو أول مَنْ نادَى بالإله الواحد ثم جاءت المسيحية في الإسكندرية بترتيبٍ من الله، وهي مدينة مُتعدِّدة الثقافات، كاليونانية والرومانية، وغيرها من الثقافات؛ ثم بدأت التحوُّل التدريجي إلى أن صارت الإسكندرية كلها مسيحية، والتاريخ يشهد بذلك فكانت المنطقة كلها تحت الاستعمار الروماني من الناحية العسكرية، وتحت الاستعمار اليوناني من الناحية الثقافية. فالإمبراطورية اليونانية استعمرت العالم باللغة، والإمبراطورية الرومانية استعمرت العالم بالجُند. وهذا هو ما نُسمِّيه اليوم القُوَى الناعمة وهي اللغة، والقوَّة الجامدة وهي القوَّة العسكرية. ونحن في كنيستنا حتى الآن نستخدم كلماتٍ تعود إلى اللغة اليونانية واللغة اللاتينية وتاريخ مصر بدأ من الفراعنة، ثم المسيحية التي استمرَّت وامتدَّت وانتشرت، وكانت الإسكندرية هي أول مدينة في قارة إفريقيا تقبل الإيمان بالمسيح. فالقديس مار مرقس الرسول ليس كاروز مصر فقط، لكنه كاروز إفريقيا أيضًا. فمن الإسكندرية انتشرت المسيحية إلى أن وصلت إلى جنوب إفريقيا وشمالها أيضًا هذا هو التاريخ الذي تعيشه مصر، لذلك نقول إنَّ تاريخ مصر تاريخٌ مقدَّس. فمصر من الناحية الجغرافية ذُكِرَت في الكتاب المقدَّس ما يقرب من 700 مرة!! وهي الدولة الوحيدة التي ذُكِرَت بهذا التكرار في الكتاب، وذلك لأن تاريخها مقدَّس.
وهناك أنواعٌ أخرى من التاريخ، مثل: تاريخ العلوم، وتاريخ الفلسفات، وهناك تاريخ أشمل وهو تاريخ الإنسانية. وكلُّ إنسانٍ هو جزء من هذا التاريخ، لذلك من المهم أن نعيش التاريخ ونقرأ، فالتاريخ هو الحياة.
ثالثًا: التاريخ مُعلِّم الإنسان:
إنَّ التاريخ هو أقوى معلِّم للإنسان، والتاريخ بالنسبة للكنيسة هو عمل الخلاص الذي بدأ من آدم ثم التجسُّد والفداء، ثم الكنيسة وانتشارها، وأخيرًا محطة الأبديَّة. فالتاريخ يحكي لنا رحلة الخلاص من الخطية، وهو تاريخ مقدَّس وأقوى معلِّم. ونعتَبِر السيِّد المسيح هو مفتاح التاريخ كله، وبسببه انقسم الزمن إلى قبل الميلاد وبعد الميلاد. فهو العنصر الرئيسي في قصة التاريخ كلها، فمثلًا كنيستنا تحرص بشدَّة على كتاب السنكسار الذي يحوي تاريخ يومي يأخذ صفة الفرح فيقول الأب الكاهن في بداية قراءة السنكسار: ”نُعيِّد في هذا اليوم بـ …“، حتى لو كان الحَدَث به حزن أو ألم. ويتكرَّر هذا التاريخ عَبْر أيام السنة كلها (ما عدا فترة الخمسين، لكي ما نعيش خبرة فرح القيامة) بهذا يصبح التاريخ مؤدِّيًا للفرح والغِنَى في حياة الإنسان. والسنكسار كتابٌ مفتوح وليس كتابًا مُغلقًا، بمعنى أنه يُضاف إليه دائمًا أحداث وآباء وقدِّيسون جُدُد، وكما نعلم جميعًا أنَّ سِفْر أعمال الرُّسل هو السِّفْر الذي لم ينتهِ بكلمة ”آمين“، ويُستَكمَل من خلال السنكسار ورسامة الآباء الأساقفة تتمُّ بعد الإبركسيس والسنكسار، وكأنَّ رسامة كلِّ أب من الآباء الأساقفة هي استكمال التاريخ، وهي صفحة من صفحات التاريخ، وهنا تأتي عِظَم المسؤولية الخطيرة التي تُلقَى على الأب الأسقف. لكن عند رسامة الأب الكاهن، يكون ذلك بعد صلاة الصُّلح، لأن عمله الأساسي هو قيادة الصلاة مع المؤمنين وجَذْب النفوس للتوبة ومن التداريب الجميلة لكلِّ أُسرة مسيحية، قراءة كتاب السنكسار في البيت. وعند حضور مولودٍ جديد للأسرة، يتمُّ تسميته من خلال كتاب السنكسار. ومن اللطيف أن يقوم الوالدان بحكاية السنكسار لأطفالهم كل يوم كمثل حكاية قبل النوم، بما يتناسب مع استيعاب كل طفل. والمقابل لكتاب السنكسار، كتاب الدفنار الذي يُقرأ في نهاية التسبحة اليومية، وهو جزءٌ تسبيحي عن قدِّيسي اليوم، نتذكَّر فيه جهاد القدِّيس وتعبه وأقواله ومن صور التاريخ الكنسي أيضًا مجمع القدِّيسين. ففي القدَّاس نُركِّز على مَنْ حفظوا الإيمان، بدًأ من أُمِّنا العذراء كمُمثِّلة للمرأة، ثم نذكر مجموعة من القدِّيسين: بعضهم من داخل مصر، والبعض الآخر من خارج مصر من جنسيَّاتٍ مختلفة ونحن في حياتنا الكنسيَّة، نستخدم التاريخ بصورٍ كثيرة، فمثلًا من الأمور الهامة، اللوحة الرخاميَّة التي تُسجِّل كلَّ حدث. فقديمًا كانوا يُسجِّلون زيارات الآباء البطاركة للأديرة على جدران الكنائس، وذلك إمَّا بالنحت أو بالكتابة قبل الكتابة على الرخام. وأيضًا من الأشياء المؤثِّرة جدًّا كتابة المذكِّرات، وأتذكَّر أنَّ الفنان الكبير يوسف وهبي كتب مذكِّراته تحت عنوان لطيف اسمه: ”عشت ألف عام“!! بالطبع هو لم يَعِش ألف عام، لكن كل شخصية قام بتمثيلها اعتبر أنَّ عمرها قد أُضيف على عمره فالمذكِّرات هي خبرة الحياة التي تُسلَّم للأجيال. والأستاذ الدكتور بطرس بطرس غالي عبَّر عن سنوات وجوده في الأمم المتحدة بكتابٍ أسماه: ”خمس سنوات في بيتٍ من زجاج“. فكتابة السِّيرة ليس تخليدًا، ولكنها أيضًا نقل للخبرة، فكتابة السِّيرة من الأشياء المحبوبة والمُعلِّمة للإنسان أيضًا الأيقونات مشاهد من التاريخ، وقد رعينا هذا في أيقونات الكاتدرائية بالعباسية، فوضعنا أيقونة لعودة رفات القدِّيس البابا أثناسيوس سنة 1973م، وأخرى لظهور العذراء في الزيتون سنة 1968م، وأُخرى للاعتراف بالبابا كيرلس السادس قدِّيسًا سنة 2013م، وهكذا تكون أحداث التاريخ فوجود الأيقونة هو مشهدٌ تاريخي؛ والصورة تصبح أيقونة بعد تدشينها بالميرون، لأنها ترسم لنا صورة روحية لحياة القدِّيس أو القدِّيسة. فالتاريخ جزءٌ لا يتجزَّأ من العبادة الكنسيَّة وأيضًا من وسائل تسجيل التاريخ، كتاب بستان الرهبان، إذ يقول الكتاب: ”سأل أخٌ شيخًا …“، أو ”قُلْ لي، يا أبي، كلمة منفعة …“. فلم تكن توجد قديمًا وسائل تسجيل (ريكوردر) أو موبايل، لكن تسجيل هذه العبارات كان يتمُّ بالكتابة. وعندما كان يأتي السائحون والزوَّار لزيارة الأديرة ويتقابلون مع النُّسَّاك، كانوا يكتبون شيئًا من أقوالهم. فمثلًا في سيرة القدِّيس الأنبا بولا أبي جميع السوَّاح، لا نعرف عن سيرته إلَّا عبارة: ”مَنْ يهرب من الضيقة يهرب من الله“!! فتسجيل التاريخ هامٌ للأجيال، وكلمة المنفعة هامة للتاريخ، فمثلًا اعترافات القدِّيس أُغسطينوس هي وسيلة للتعليم وقديمًا كان الأطفال يتربّون في بيوت الأجداد، وهنا يأتي دور الجِدّ أو الجدَّة في سرد قصص من تاريخ الكنيسة لهؤلاء الأطفال، وكانت هذه إحدى وسائل نقل التاريخ. ومن أقوى التداريب في التربية، هو وضع الأطفال مع الأجداد، وخصوصًا إذا كانت الحالة الصحيَّة لهم تسمح بذلك، ولهم من طول البال ما يتناسب مع تربية الأطفال.
الخُلاصة: إنَّ التاريخ جزءٌ لا يتجزَّأ من جواهر العبادة الكنسيَّة، ولا نستطيع أن نفهم تاريخ الكنيسة دون أن نفهم تاريخ العقيدة والطقس؛ وعندما نعرف التاريخ ونعيش فيه، هنا نستطيع أن نفتخر بكنيستنا التي قدَّمت إيمانها المستقيم من خلال ثلاث فئات، وهم:
أولًا: معلِّمو اللاهوت الذين ظهروا وبَرَعوا، وقد كتبوا الإيمان وسجَّلوه بأفواههم.
ثانيًا: من خلال الشهداء الذين كتبوا إيمانهم بدمهم وحياتهم.
ثالثًا: من خلال النُّسَّاك والرهبنة التي قدَّمت الإيمان بالنُّسك والزهد.
فتاريخنا هو إيماننا الذي قدَّم في صورة المُعلِّمين والشهداء والنُّسَّاك، وهذا يجعلنا نفهم أنَّ الاهتمام بالتاريخ هو أقوى معلِّم. فمن المهم أن يعرف الإنسان تاريخه، وكيف عاش أجداده؟! وكيف كانوا يواجهون المواقف المختلفة في حياتهم؟!
التاريخ، بالحقيقة، هو فخر كنيستنا. والحديث عن التاريخ، ليس حديثًا عن شيء منتهي، ولكنه شيءٌ مُعاش. وفي أديرتنا القديمة، نشعر أنَّ الحوائط قد امتصَّت الصلوات والتسابيح والألحان التي رُفِعَت خلال مئات السنين. وعند البحث في بطون التاريخ، سنكتشف كيف يعمل الله! وكيف ينطبق علينا قول الكتاب: «حَتَّى إِنَّنَا نَقُولُ وَاثِقِينَ: “الرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلَا أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ؟”» (عب 13: 6).
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
06 فبراير 2026
ثـلاثـيـات سـفـر يــونـان الــنـبـي
قصة يونان النبى من أحب القصص لدينا فى كتابنا المقدس كما أننا فى سفر يونان نجد أقدم إشارة له فى قانون الإيمان عندما نقول "قام فى اليوم الثالث كما فى الكتب" (مت 40:12) أما صوم الثلاثة أيام فله محبة عجيبة من شعب كنيستنا المقدسة ولذا نود أن نصحبك فى رحلة شيقة لتتمتع بالترابط الثلاثى المدهش فى أحداث السفر وشخصياته وملامحه التى كلها تشير إلى أيام القبر الثلاثة وإلى إيماننا القويم بالثالوث القدوس
أولاً: ثلاثة أسماء لأشخاص
يونان : كلمة عربية، وبالعبرية "يونا" وتعنى "حمامة" وهو شخصية حقيقة كما هو واضح من سفر الملوك الثانى (2مل 25:14) عاش فى القرن الثامن قبل الميلاد فى بلدة "جت حافر" وتعنى حفرة أو بئر.
أمتاى : اسم عبرى معناه حقيقى وهو والد يونان النبى.
زبولون : وهو اسم عبرى معناه "سكن أو إقامة" (تك 30) وهو الإبن السادس ليعقوب من ليئة وهو السبط الذى ينتمى إليه يونان النبى.
ثانياً: ثلاثة أسماء لمدن
نينوى : عاصمة مملكة آشور (الموصل بالعراق حالياً) على الضفة الشرقية لنهر دجلة على بعد 800 ك.م شمال شرق إسرائيل وكان أهلها يعبدون الآلهة عشتاروت وقد نهبوا ممالك أخرى لأنهم اعتقدوا أن العالم كله هو عبد لنينوى يمدها بكل ما تحتاجه.
يافا : اسم كنعانى معناه "جمال" وهى ميناء يقع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وقد ركب منها يونان السفينة قاصداً الهروب.
ترشيش : وهو اسم فنيقى معناه "معمل للتكرير" مدينة فى جنوب أسبانيا قرب جبل طارق، وقد كانت غنية بالثروة المعدنية.
ثالثاً: ثلاثية العظمة فى مدينة نينوى
كانت عظيمة جداً فى قصورها وشوارعها وهياكلها وأسوارها وكذلك مكتبتها العظيمة.
كانت عظيمة جداً فى شرها وفسادها حتى سماها ناحوم النبى "مدينة الدمار ملآنة كذباً وخطفاً"(دا 1:3).
صارت عظيمة جداً فى توبتها الرائعة، الشاملة، إذ صارت مثالاً قوياً على توبة شعب بأكمله دفعة واحدة
رابعاً: ثلاثية الطبيعة الخاضعة (النصف الأول من السفر)
أرسل الرب ريحاً شديداً إلى البحرفحدث نوء عظيم (يونان 4:1)
أعد الرب حوتاً عظيماً، ليبتلع يونان ( يونان 17:1)
أمر الرب الحوت فقذف يونان إلى الشاطئ ( يونان 10:2)
خامساً: ثلاثية الخليقة الخاضعة (النصف الثانى من السفر)
أعد الرب الإله يقطينة لترتفع فوق يونان كظل له ( يونان 6:4)
أعد الرب دودة لتضرب اليقطينة وتنشف عند الفجر ( يونان 7:4)
أعد الرب ريحاً فضربت الشمس بقوة على رأس يونان ( يونان 8:4)
سادساً: ثلاثية النزول فى حياة النبى الهارب
نزل إلى يافا حيث وجد السفينة الذاهبة إلى ترشيش ودفع أجرتها .
ونزل قاصداً ترشيش فى الإتجاه العكسى لمدينة نينوى هارباً من وجه الرب.
نزل إلى جوف السفينة وأضطجع ونام نوماً ثقيلاً فى قاعها كل هذا تقرأ عنه فى ( يونان 53:1).
سابعاً: ثلاثية الصعود فى حياة نينوى
آمن أهل نينوى بالله لسبب كرازة يونان وهذا يمثل أنجح إرسالية كرازية على الإطلاق فى التاريخ البشرى.
نادوا بصوم وهو سلاح التوبة وأقوى تدريب للإرادة وكما يقول الآباء إذا أردت أن تبدأ جهادك فأبدأ بالصوم.
لبسوا مسوحاً من كبيرهم إلى صغيرهم. وكان هذا تعبير عن السلوك العملى اللائق بالتوبة. كل هذا تقرأ عنه فى ( يونان 5:3).
ثامناً: ثلاثية الأسماء التى تطلق على السفر
سفر الرجاء : فهناك باباً مفتوحاً لكل إنسان ولكل أمه أن تعود وتؤمن.
سفر الفداء : إذ الله يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون.
سفر الاعتناء : إذ يد الله تعتنى بكل أحد بداءاً من بحارة السفينة وركابها ثم شعب نينوى من صغيرهم إلى كبيرهم وأخيراً بيونان نفسه النبى الهارب.
تاسعاً: ثلاثية الهدف الروحى فى صوم يونان
تنقية القلب : إذ أن الصوم لتنقية القلب من كل المفاسد والشرور التى لحقت به عبر الأيام الماضية وإذا ينادى إلهنا قائلاً: "يا أبنى أعطنى قلبك ولتلاحظ عيناك طرقى" (أم 23) فيجيب الإنسان "قلباً نقياً أخلق فىّ يا الله وروحاً مستقيماً جدده فى أحشائى" ( مز 10:51).
تدريب الحواس : الصوم فرصة لنزع التواء الفم وإنحراف الشفتين والبعد بأرجلنـا عـن طريق الشر ومحاولة إمتلاك عيون بسيطة حتى يصير كل الجسد نيراً ( أم 24:4-27).
تقديس الإرادة : الإرادة المقدسة هى الهدف الأول من وراء تدريب الصوم وبهذه الإرادة يستطيع الإنسان الذى قال للطعام "لا" أن يقول "لا" للخطية التى تحاربه
عاشراً: ثلاثية عينات التائبين:
التوبة الجماهيرية : وهى توبة شعب بأكمله، كما صنع أهل نينوى، وهذا يرمز لتوبة شعب أى كنيسة.
التوبة الجماعية : وهى توبة مجموعة مثلما صنع بحارة السفينة وركابها، وهذا يرمز لتوبة أى أسرة أو جماعة بأفرادها.
التوبــــــــــة الفرديـــــــة :
وهى توبة فرد بعينـه مثلما أجتـاز يونـان النبى هذا الإختبـار وبالتالى فهـو يرمـز لكل إنسان يتـوب ويعـود من طريق الإنحراف. أليس هذا عجيباً أن نجد كل هذه الثلاثيات فى قصة واحدة وردت فى سفر واحد فى العهد القديم. أنها بالضرورة إشارة خفية لعظمة الرقم (3) الذى هو إيماننا بالثالوث الأقدس.
قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
30 يناير 2026
“القدَّاس حيويَّة الكنيسة”
«قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ.مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌّ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ.مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ» (يو 6: 53 – 56) إذا كانت الصحة تعني التوافُق الكامل بين الوظائف الحيويَّة في الجسم؛ بمعنى أنَّ عدم التوافُق في هذه الوظائف سواء: الجسديَّة أو النفسيَّة أو الذهنيَّة، هو ”المرض“ سواء: أمراض جسديَّة أو نفسيَّة أو ذهنيَّة؛ وتصير الحيويَّة هي صحة الجسم الشاملة؛ فبالمثل، يصير القدَّاس الإلهي الذي هو قمَّة الصلوات الليتورجيَّة، هو حيويَّة الكنيسة وصحتها وعندما شرح القديس بولس الرسول مفهوم أنَّ المسيح هو رأس الكنيسة، والكنيسة هي جسد المسيح، وذلك في كافة رسائلهِ وعلى الأخص في رسالتيه إلى أهل أفسس وأهل كولوسي؛ وَضَعَ أمامنا كيف صار يوم الرب (يوم القيامة يوم الأحد) هو رأس الأسبوع (1كو 16: 2)، وصارت قراءات الآحاد عَبْر السنة الكنسيَّة تدور حول خلاص المسيح وخدمته وعنايته بالإنسان، وصارت بقية أيام الأسبوع الستة تُقدِّم لنا مفهوم الكنيسة، جسد المسيح، من خلال قراءات السنكسار اليومي الذي يُقدِّم لنا صورة الكنيسة عَبْر الزمان وهكذا فإنَّ ”الكنيسة هي مجتمع المؤمنين المتَّحد بالرأس الذي هو المسيح“، ويُعبِّر عن ذلك كثيرٌ من الآباء مثل: القديس إيرينيئوس، فيقول: ”حيث توجد الكنيسة فهناك روح الله، وحيث يوجد روح الله فهناك الكنيسة“. ويقول القديس كبريانوس: ”مَنْ لا يتَّخذ الكنيسة أُمًّا، لا يمكنه أن يأخذ الله أبًا“. وكذلك القديس أُغسطينوس القائل: ”يمكننا أن نحصل على كلِّ شيءٍ خارج الكنيسة ما عدا الخلاص“، وهو يقصد المسيح الفادي والمُخلِّص الذي هو قوَّة المؤمن وقوَّة الكنيسة وصلوات القدَّاس الإلهي هي قمَّة الصلوات، وسرُّ الأسرار وسرُّ الكنيسة، كما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم، لأنَّ فيه النِّعَم غير المنظورة والتي تُعطَى لنا تحت أعراضٍ منظورة، حيث يحضر المسيح ذاتيًّا في كلِّ الكنيسة من خلال الخبز وعصير الكرمة، ليصير جسد المسيح ودَمهُ الأقدسَيْن. وقد شرح القديس كيرلس عامود الدين هذا حين قال: إن ذلك يكون ”كما أنَّ الشمس تُرى في أماكن متفرِّقة من كثيرين وهي واحدة“ القدَّاس الإلهي هو منظومة مُتكاملة من العبادة والتسبيح والشكر والفرح والتهليل والطلب والوحدة والتقوى، في قالبٍ من الألحان والطقوس والصلوات التي تُشكِّل صورةً سمائيةً، كقولنا: ”كما في السماءِ كذلك على الأرضِ“. ومعاني دراسة هذا السرِّ – سر الإفخارستيا – كثيرةٌ جدًّا، والتأمُّلات فيه تكاد لا تُحْصَى. لكنَّنا سنُركِّز على معنى ”القدَّاس حيويَّة الكنيسة“، وذلك من خلال خمسة ملامح أساسيَّة:
أولًا: القدَّاس الإلهي يحفظ وجود الكنيسة:
فالكنيسة ليست هي مجموعة الاجتماعات المختلفة، مثل اجتماع الشباب أو الشابات أو السيدات أو …؛ لكن الكنيسة هي صلوات القدَّاس. ولذلك فإن صلوات القدَّاس يسبقها تمهيدات كثيرة: من تسبحة وعشية وصلوات نصف الليل ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم في ذلك: ”جعلنا أعضاء جسدهِ من لحمه ومن عظامهِ. ومن أجل حُبِّه، مَزَجَ نفسه بنا. عَجَنَ جسده بجسدنا لكي نصير معه واحدًا، لنصير جسدًا واحدًا وهو الرأس“ فالقدَّاس يحفظ وجود الكنيسة لتبقى دائمًا حيَّة، بمعنى أنها لا تشيخ، فعمرها الآن عشرون قرنًا من الزمان، ومع هذا فهي ما زالت بكامل حيويتها، وذلك بفضل القدَّاس! ويقول الآباء: ”إن المسيحيين يُقيمون سرَّ الإفخارستيا، وسرُّ الإفخارستيا يُقيم المسيحيين“ ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم، وهو يتكلَّم بفكر القرن الرابع الميلادي: ”الحصون تشيخ مع الزمن، أمَّا الكنيسة فلا تشيخ. الحصون يُحطِّمها البرابرة، أمَّا الكنيسة فلا تقدر عليها حتى الشياطين. كثيرون هاجموا الكنيسة فهلكوا، أمَّا هي فتُحلِّق في السماء“ وقديمًا كان القدَّاس يمكن أن يُقام في أيِّ مكانٍ، في المقابر، في شقوق الأرض، في الحقول. ونقرأ أنَّ الشماس كان يقف ويضع على يدهِ الَّلوح المقدَّس، ويصلِّي الأب الكاهن والشعب القدَّاس في الهواء الطلق، سواءٌ كان ذلك في الحقل أو في الجبل أو في أيِّ مكان؛ وهكذا تفعل الكنيسة الآن؛ فبمجرَّد استخدام الَّلوح المقدَّس في أيِّ مكانٍ، يصير كمذبح، ويمكن أن نُقيم القدَّاس في أيِّ مكان.
ثانيًا: القدَّاس يحفظ جمال الكنيسة:
الإنسان عندما يكون مريضًا، ويوجد عضوٌ من أعضاء جسدهِ لا يعمل جيِّدًا، فلا يكون في كامل لياقته، لكن إن كانت كل أعضاء جسده سليمة، يكون في حالة تناغُم، وهذا التناغُم يُعبَّر عنه دائمًا بالجمال. لذلك القدَّاس الإلهي يحفظ جمال الكنيسة في صلواتها وطقسها. مثال ذلك: عندما يصرخ الشمَّاس ويقول: ”قبِّلوا بعضكم بعضًا بقبلةٍ مقدَّسة“، فقد تعوَّدنا أن تكون هذه القُبلة الرسوليَّة من خلال أن نُسلِّم بعضنا على بعضٍ بأيدينا. وقُبلة المُصالحة هذه يُقدِّمها كل شخصٍ للشخص الذي يجلس بجوارهِ، وهذا يرمز إلى أنه يُقدِّمها للعالم كُلِّهِ، وكأنَّ الإنسان يتصالح مع العالم كُلِّهِ، وهذا شكلٌ من أشكال الجمال. وعبارة ”قبِّلوا بعضكم بعضًا“ تعني أيضًا: إن الإنسان لا يحمِل في قلبهِ ضغينة لأحدٍ، وبها تعهُّدٌ لله أن يكون القلب نقيًّا فالكنيسة ناصعة البياض، وهذا البياض هو توبة الإنسان، ونسمع في القدَّاس الشمَّاس يقول: ”أيُّها الجلوس قفوا“. المقصود هنا ليس الوقوف المادي، لكنه وقوف الإنسان بعيدًا عن أيِّ خطية، والوقوف هو علامة استعداد، وكأنَّ نداء الشماس: ”أيها الجلوس قفوا“ هو نداء توبة ثم يُتابع الشمَّاس بقولهِ: ”إلى الشرق انظروا“، وفي هذا النداء علامة استعداد لمجيء المسيح الذي سيأتي من المشارق. كل هذا يُمثِّل جمال الكنيسة من خلال القدَّاس، ولذلك كثيرٌ من الآباء يُسمُّون القدَّاس ”سرّ الشركة“. فالكاهن له دور، والشمَّاس له دور، والشعب له دور. وكأنَّ وحدتنا مع المسيح هي اتِّحادٌ لنا جميعًا في ”شركة المحبة“.
ثالثًا: القدَّاس يحفظ قداسة الكنيسة:
الكاهن هو الإنسان الذي يُصلِّي القدَّاس، ويجب أن يكون مُشرطنًا بسرِّ الكهنوت، والشعب يأتي إلى الكنيسة في حالة توبة. وقديمًا كان الجلوس في مقاعد الكنيسة يُقسَّم إلى خورس التائبين وخورس المؤمنين وخورس الباكين. ويتقدَّم الإنسان عندما يقول الأب الكاهن: ”القُدْسات للقدِّيسين“. وهذا يعني أنَّ الإنسان نقَّى قلبه تمامًا، والنقاوة في فكر الكنيسة هي شكلٌ من أشكال القداسة، كما يقول الكتاب: «لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ» (1بط 1: 16) ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم عن القدَّاس الإلهي: ”بهذه العطيَّة تتزيَّن نفوسُنا وتتجمَّل“. ويقول أيضًا: ”إن كنتَ لا تقدر أن تُقَبِّل مَلِكًا بفمٍ قذِر، أتُقبِّل ملك السموات بنفسٍ دنسة؟!“، فيا له من انتهاكٍ للقُدْسات! فلا نستطيع أن نستخدم آنية ملوَّثة في تقديم الأسرار، فنُقدِّم الأسرار في أوانٍ لامعةٍ حتى تصير نفوسُنا أيضًا لامعة فالقداسة هي أن يقترب الإنسان من شخص المسيح أكثر فأكثر، كما نقول في صلاة باكر: ”بنورِكَ يا ربُّ نُعاين النور“. فالنقطة الرئيسية في صلاة القدَّاس هي عمل التوبة، والقدَّاس ليس عملًا ميكانيكيًّا، لكنه حضورٌ حيٌّ وفعَّالٌ للمسيح. ونحن نتقدَّم لكي نتناول جسد المسيح ودمَهُ الأقدسَيْن: «مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ» (يو 6: 56). وتقول بعض الكتابات إنَّ العمل الليتورجي يجعلنا ملائكة عِوَض عن كوننا بشرًا. وفي أثناء التوزيع نُرتِّل قائلين: ”سبِّحوا الله في جميع قديسيه“. ومن العبارات الشعبية المشهورة: ”آنستك النعمة“، أي ”صارت النعمة فيك“.
رابعًا: القدَّاس يحفظ مسكونية الكنيسة:
كلمة ”مسكونية“ تُعبِّر عن العالم كُلِّه، أو العالم الذي يسكنه البشر. فالعمل المسكوني أو الحركة المسكونيَّة هي عمل يشمل الكنيسة عَبْرَ العالم كُلِّه. والكنيسة عندما تُصلِّي القدَّاس، لا تُصلِّي محليًّا فقط، أي لا تُصلِّي من أجل حدود جغرافيَّة، لكنها تُصلِّي من أجل العالم كُلِّه؛ فهي تُصلِّي من أجل المياه والهواء والعُشب والزروع. وتُصلِّي أيضًا من أجل رئيس الأرض وكافة المسؤولين والمرضى. وتُصلِّي في الأواشي قائلة: ”اذكر يا رب سلامة كنيستك الواحدة الوحيدة المقدَّسة الجامعة الرسولية“، وأيضًا: ”اذكر يا رب هذه الكائنة من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها“. فالكنيسة لها مسؤولية عن كل المسكونة ونحن نُصلِّي من أجل المُسافرين والراقدين. فصلوات الكنيسة في القدَّاس تشمل الحياة كلها، لذلك نقول إن القدَّاس يحفظ مسكونيَّة الكنيسة. والكنيسة نفسها في ترتيبها تصلِّي صلواتٍ شاملةً من أجل كلِّ أحد. فالكنيسة تُصلِّي من أجل العالم كلِّهِ، وهذه نظرة مهمة جدًّا. لأن المسيحيَّة لا تعرف الجغرافيا، فالمسيحيَّة للعالم كُلِّهِ والمسكونة كلِّها، وحلول الروح القدس لم يكن باللغة المحلية، ولكن بلغاتٍ عديدة (حوالي ست عشرة لغة)، لأن الكنيسة للعالم كُلِّه. ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: ”أتُريد أن تُكرِّم جسد يسوع؟ لا تتغافل عنه وهو عُريان. لا تُكرِّمه هنا في الكنيسة بثيابٍ فاخرة، وفي الخارج تغفل عنه وهو يموت من البرد والعُري“. بمعنى أن الإنسان يأتي إلى الكنيسة بثيابٍ فاخرة، وهو ينسى المُحتاج الذي يُريد أن يحتمي من البرد. وقال ذهبي الفم أيضًا: ”أنتَ تكسو المذبح بكسوةٍ فاخرة، وتترك المذبح الحي“، أي تترك الفقير والعُريان. فصلوات القدَّاس تدفع الإنسان إلى خدمة أيِّ إنسانٍ، وخصوصًا: الفقير والمُحتاج والبائس.
خامسًا: القدَّاس يحفظ وظيفة الكنيسة:
القدَّاس عبارة عن مستودع فيه العقيدة والطقس واللحن والتعبير اللاهوتي، والتعليم والكرازة والعبادة وكل شيء. القدَّاس يحفظ دور الكنيسة، فتبقى الكنيسة حيَّة من جيلٍ إلى جيل. فمثلًا لا توجد آية في الكتاب المقدَّس تُعلِّمنا كيف نرشم الصليب! لكن من خلال الليتورجية نتعلَّم كيف يتمُّ رَشْم الصليب؛ وهكذا نتعلَّم كثيرًا من خلال القدَّاس الإلهي. فالقدَّاس هو مستودع عقائدنا، فمثلًا عقيدة الثالوث القدوس واضحة في كلِّ مراحل القدَّاس، وكأنَّ القدَّاس هو الذي حفظ لنا هذه العقيدة فعقيدة الثالوث واضحة من أول رفع بخور عشية وباكر والقدَّاس، ودورة الحَمَل، وتحليل الخُدَّام. وفي البركة الختامية نقول: ”محبَّة الله الآب ونعمة الابن الوحيد ربنا وإلهنا ومخلِّصنا يسوع المسيح وشركة وموهبة وعطيَّة الروح القدس، تكون مع جميعكم“ فصلوات القدَّاس هي نسيجٌ من عقائدنا، ويتَّضح هذا من خلال الطقس الذي نُصلِّي به في القدَّاس، فنحضر في صحن الكنيسة ونستمع إلى القراءات والعظات؛ ثم ننتقل بعد القراءات والعظات لندخل في صُلب القدَّاس والتقديس؛ ثم ننتهي بأن نتناول الجسد والدم من على المذبح المقدَّس. إذن، فالقدَّاس يحفظ دور الكنيسة ووظيفتها وعملها في حياة الإنسان.
الخُلاصة: إن القدَّاس الإلهي هو حيويَّة الكنيسة. فاحضرْ، أيُّها الحبيب، القدَّاس وعِشْ فيه وادخل إلى أعماقهِ، ليس كمجرَّد طقوس أو عقائد، لكن كحياة، كما يُعلِّمنا الكتاب: «مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ» (يو 6: 54) وفي آخر القدَّاس، يقول الأب الكاهن الاعتراف الذي يحوي هذه الثلاثية الهامة: ”يُعطَى عنَّا خلاصًا، وغُفرانًا للخطايا، وحياةً أبديَّة لكلِّ مَنْ يتناول منه“. وهذا التواصُل بين السماء والأرض: ”يُعطَى عنَّا خلاصًا“، أي خلاص المسيح الذي تمَّ منذ قرون؛ ”وغُفرانًا للخطايا“، أي الخطايا التي يصنعها الإنسان؛ ثمَّ ”وحياةً أبديَّة لكلِّ مَنْ يتناول منه“. وكأنَّ القدَّاس الإلهي هو على مرِّ الزَّمن، في الماضي والحاضر والمستقبل. إنه حيويَّة الكنيسة وصحَّتها.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
23 يناير 2026
الأسرة أيقونة الكنيسة
«تَمِّمُوا خَلَاصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ. اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلَا دَمْدَمَةٍ وَلَا مُجَادَلَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا بِلَا لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلَادًا للهِ بِلَا عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيلٍ مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ. مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ لاِفْتِخَارِي فِي يَوْمِ الْمَسِيحِ، بِأَنِّي لَمْ أَسْعَ بَاطِلًا وَلَا تَعِبْتُ بَاطِلًا» (في 2: 12 – 16).
عنوان ”الأسرة أيقونة الكنيسة“ كتبه القديس يوحنا ذهبي الفم منذ القرن الرابع الميلادي، فنحن نضع على الحائط أيقونات لقديسين سبقونا إلى السماء، أمَّا الأسرة فهي أيقونة الكنيسة الحاضرة وزينة المجتمع. فالأسرة لها تأثيرٌ كبير على المجتمع الذي تعيش فيه، وهي الكيان الذي يستطيع أن يُعبِّر عن قوة بناء المجتمع.
وحدة الأسرة المسيحية وتماسكها:
الأسرة المسيحية تعتمد على وجود المسيح فيها، لذلك نقول إن الأسرة أيقونة شاهدة للمسيح، ونحن نؤمن أن الأسرة رابطة ثلاثية مكوَّنة من: السيد المسيح، وهو، وهي. فهي ليست رابطة ثنائية فقط، يقول الكتاب: «الْخَيْطُ الْمَثْلُوثُ لَا يَنْقَطِعُ سَرِيعًا» (جا 4: 12) والأسرة هي كيان حب، فالأب والأُم يستمدُّون الحب من المسيح، ثم يُقدِّموه لأبنائهم وبناتهم، كما يقول الكتاب: «مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاِثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ» (مت 19: 5 – 6). ويعيش هذا الكيان، ويُسمَّى كيانًا زيجيًّا، وتصبح هي زوجةً وهو زوجًا وهذا الاتحاد الزيجي هو اتحادٌ بحضور المسيح فيه. لذلك فالأسرة هي الأيقونة الشاهدة لعمل المسيح، وهي أيقونة مُدشَّنة بالكنيسة، بمعنى أنها مُخصَّصة أو مُكرَّسة للكنيسة. ونقول في الترنيمة: ”كنيستي كنيستي كنيستي هي بيتي، هي أُمي، هي سر فرح حياتي“وتعبير هي أُمي يعني أن الأسرة وُلِدَت في الكنيسة. ومن الطقوس الجميلة في الكنيسة المقدَّسة أن العريس والعروسة يقومان بالركوع أمام المذبح، ثم ينطلقون من المذبح إلى البيت الجديد، وكأنَّ نقطة الانطلاق هي المذبح أي قلب الكنيسة.
ثانيًا: إن أيَّ شخصٍ يولد في الكنيسة من خلال سرِّ المعمودية وتصير الكنيسة هي أُمه؛ ثالثًا: لأنني تثبَّتُ من خلال سرِّ الميرون في الكنيسة، فالأسرة أيقونة مُدشَّنة داخل الكنيسة، وتصير الأسرة مدرسة لها مسؤولية فائقة وممتدَّة عَبْر الزمن وليس عبثًا أن أول معجزة للسيد المسيح، كانت في عُرْس قانا الجليل (يو 2: 1 – 11). فالأسرة هي الأساس لتكوين أيِّ إنسانٍ، فالأسرة مدرسة بها ثلاثة علوم رئيسية وهي:
أولًا: علم الصلاة:
فيتعلَّم الطفل الصلاة داخل الأسرة، ومحظوظٌ هو الطفل الذي ينشأ في وسط والدَيْن يُصلُّون أمامه سويًّا، لأن هذا يُعلِّمه الصلاة بطريقةٍ تلقائية، وتصير حياته صلاة فالأسرة مدرسة صلاة، وذلك خلال الحياة اليومية، ومن خلال كل ما يواجه الأسرة من مشاكل أو ضيقات، وأيضًا من خلال البركات التي يُعطيها الله، فتقف الأسرة تُقدِّم الشكر الله. وهي مدرسة صلاة في الاحتفال بأعياد القدِّيسين وعمل التماجيد لهم.
ثانيًا علم الإيمان:
فالطفل يتعلَّم الإيمان من خلال والديه، وما أجمل أن يتعلَّم الطفل في البيت الصلاة من أجل معرفة إرادة الله في أمرٍ ما، أو في الصلاة من أجل أن يتدخل الله لحلِّ مشكلةٍ ما. وهنا قصة عن أحد ملاجئ الأطفال أو كما نُسمِّيها ”بيوت الضيافة“، وقد ضاق المكان بأطفاله، فذهب الأطفال مع المُشرفة إلى الأب الأسقف لحلِّ هذه المشكلة، وبدأ الأطفال يُصلُّون أن يُعطي الله لهم بيتًا كبيرًا بحديقة (على حدِّ تعبير الأطفال) وبعد فترة قليلة سمع الله لصلواتهم ورتَّب لهم بيتًا كبيرًا بحديقة، وهذا نتيجة الصلاة بإيمان. فالإيمان هو الذي يجعلنا نثق أن الله سيعمل ويُدبِّر الأمر بصورةٍ لا نعرفها. وهكذا عندما تُشجِّع الأُم ابنها في الامتحانات وتقول له إنها ستُصلِّي من أجله، طوال فترة أدائه الامتحان، وأن عليه أن يثق أنَّ الله لن يُضيِّع تعبه باطلًا؛ وهذا في سائر المواقف الحياتية.
ثالثًا: علم الخدمة:
البيت المسيحي الناجح يخلو من الأنانية والذاتية ويكون منفتحًا على الآخرين، وهذا يساعد الأطفال أن يتعلَّموا ما هي الخدمة، فمثلًا هناك آباء يُقدِّمون المصروف للطفل في يوم مدارس الأحد حتى يتمكَّن الطفل من تقديم العطاء من مصروفه ويتدرَّب على ذلك وعلى الآباء أن يُعلِّموا أطفالهم كيف يُمكنهم مساعدة زميلٍ إن كان لا يستطيع شراء بعض مستلزمات الدراسة البسيطة، مثل: القلم أو المسطرة أو غير ذلك. كما أن الآباء والأُمهات لهم دور في خدمة الكنيسة بأيِّ صورة إذن، الأُسرة التي هي أيقونة مُدشَّنة للكنيسة، هي مدرسة نتعلَّم منها الصلاة والإيمان والخدمة والأسرة أيضًا قدوة لأعضائها وقدوة للمجتمع، ومن تقاليد مجتمعنا أننا قد نسأل عن أسرة معيَّنة: هي من أيِّ عائلة؟ فيقولون: من عائلة فلان، فيكون التعليق: هم أُناس طيِّبون، أو العكس فمثلًا أيقونة العذراء هي قدوة لنا في هدوئها ووداعتها وجمالها وصمتها و… فالأسرة هي قدوة، فمثلًا قد نسأل الطفل: ماذا تريد أن تكون عندما تكبر؟! يقول: أريد أن أكون مثل أبي. وفي هذا دليلٌ على قدوة الأب أو الأم لأبنائهم فمثلًا في سيرة القديس مار مرقس قد نتساءل: من أين أتى بالشجاعة التي جعلته يذهب للكرازة في ليبيا ثم إلى أورشليم ومنها لروما ثم يعود إلى ليبيا مرَّةً أخرى، ثم يأتي للكرازة في مصر؟! والإجابة: إن أُمَّه كانت خادمة مؤمنة سخيَّة العطاء، فأخذ منها القدوة التي ساعدته في رحلاته التبشيرية ونسمع عن القديس تيموثاؤس تلميذ بولس الرسول الذي قال عنه القديس بولس إنه تعلَّم من الإيمان الذي سكن في جدَّته لوئيس وأُمه أَفنيكي (2تي 1: 5)، فقد تعلَّم القديس تيموثاؤس من القدوة التي رآها في أسرته وأتذكَّر أنني كنتُ في زيارة لأحد البلاد الثلجية، وأثناء الزيارة ذهبتُ لافتقاد إحدى الأُسَر، وكان البيت مكونًا من ثلاثة أدوار، وقد لاحظتُ أن المنزل كل أنواره مُضاءة؛ فقلتُ لربِّ البيت: لماذا كل الأدوار مُضاءة ونحن نجلس جميعًا في الدور الأول؟
فقال لي: إن أبي علَّمني أنه إذا جاء سيِّدنا لزيارتنا، يجب أن تُضاء أنوار البيت كله كنوعٍ من الفرح أو السرور، رغم أنَّ هذا الشخص قد ترك مصر منذ أكثر من ثلاثين عامًا! فالقدوة هي أحد سمات الأيقونة المُدشَّنة التي هي الأسرة المسيحية إننا نحتفل في شهر مارس من كلِّ عام ببداية الربيع ومعه عيد الأُم وعيد الأسرة، وجيِّد أن تحتفل كلُّ أُسرةٍ بعيد تكوينها في المسيح (يوم الزواج)، ويكون يومًا مُبهِجًا روحيًّا بأيقونة الكنيسة الحيَّة. كما أننا نحتفل في هذا الشهر بتذكارات عديدة لآباء وقدِّيسين، وهم جميعًا نتاج أُسَر مُباركة عاشت كأيقوناتٍ حيَّة في الكنيسة، وأنجبت هؤلاء القدِّيسين الذين صاروا شموعًا مُضيئة في تاريخ الكنيسة المُعاصر.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد