المقالات

13 فبراير 2026

“التاريخ فخر الكنيسة”

«كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ، لأَنَّهُ قَالَ: “لَا أُهْمِلُكَ وَلَا أَتْرُكُكَ” حَتَّى إِنَّنَا نَقُولُ وَاثِقِينَ: “الرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلَا أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ؟” اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ» (عب 13: 5 – 7) كلمة ”التاريخ“ History معناها his story أي ”قصة الإنسان“. والآيات السابقة تُمثِّل مشاهد من التاريخ الإنساني. وبمناسبة العام القبطي الجديد وعيد النيروز، نتأمَّل كيف أنَّ التاريخ فخر الكنيسة! أولًا: الله سيِّد التاريخ: الله هو صاحب التاريخ، وكلُّ ما نراه على الأرض صاحبه ومُحرِّكه هو الله، حتى لو ظهر في الصورة بعض الأشخاص، وكأنهم هم مُحرِّكون الأمور والأحداث؛ لكن الله هو سيِّد التاريخ، وهو ضابط الكل. ومن هنا تأتي الطمأنينة عند الإنسان، طالما الإيمان الحقيقي يسكن قلبه. مثال لذلك: مشهد لأب يمسك بيد ابنه الصغير، ويسير في شارع مُزدحم بالناس والسيارات، فنُلاحظ أنَّ هذا الابن لا يُفكِّر في شيء إطلاقًا، مثلًا: إلى أين سيذهب؟ أو هل الطريق صحيح؟ أو ما الذي سيتعرَّض له؟ ذلك لأنه مُمسكٌ بيد أبيه الذي يقوده من دقيقة لدقيقة، فهو يشعر بالاطمئنان الكامل وهكذا صنع الله عَبْر التاريخ، من أول أبينا آدم، مرورًا بشخصياتٍ عديدة، وصولًا لأبينا إبراهيم أبي الآباء، إلى أن جاء ملء الزمان وتجسَّد ربنا يسوع المسيح. لذا نضع أمامنا أولًا أنَّ الله هو سيِّد التاريخ، وبما إنَّ الله حيٌّ، فالتاريخ أيضًا حيٌّ ولا يموت، وبذات التاريخ المقدَّس. ثانيًا: التاريخ هو الحياة: فهو حياة الإنسان، وهو كل التفاصيل. والتاريخ لأنه حياة، فهو يُعطي قوَّةً للإنسان. ومن المعارف الهامة جدًّا، أنَّ الإنسان عندما يتقلَّد أيَّ منصبٍ، عليه أن يعرف تاريخ المكان الذي سيعمل فيه. فالتاريخ دائمًا هو الذي يُعلِّم ويُرشِد وأحيانًا نسمع عبارة: ”التاريخ يُعيد نفسه“، وهذه العبارة إلى حدٍّ ما صحيحة. فالتاريخ هو الحياة، أي معرفة للحياة، ولدينا أنواعٌ من التاريخ مثل تاريخ المسيحية في العالم كلِّه، بدأ من تجسُّد المسيح، وما كان قبله وما هو بعده. تاريخ الكنيسة بعصوره المختلفة، وليس تاريخ كنيستنا فقط، بل تاريخ كلِّ الكنائس التي في العالم، وتاريخ الكنيسة المحليَّة، أي تاريخ الكنيسة التي ينتسب إليها أي فرد منَّا وتاريخ الكتاب المقدَّس، والتاريخ الكتابي من أروع أنواع التاريخ، لأنه يمتدُّ عَبْر قرونٍ كثيرة. وهناك تاريخ الوطن، أي تاريخ مصر. وهي من الدول التي تاريخها مقدَّس، لأنه ارتبط بالعبادة وبالأبديَّة، فقدماء المصريين لم يتركوا لنا سوى المعابد والمقابر بمعنى عبادة وخلود، ومن المعروف أنَّ أخناتون هو أول مَنْ نادَى بالإله الواحد ثم جاءت المسيحية في الإسكندرية بترتيبٍ من الله، وهي مدينة مُتعدِّدة الثقافات، كاليونانية والرومانية، وغيرها من الثقافات؛ ثم بدأت التحوُّل التدريجي إلى أن صارت الإسكندرية كلها مسيحية، والتاريخ يشهد بذلك فكانت المنطقة كلها تحت الاستعمار الروماني من الناحية العسكرية، وتحت الاستعمار اليوناني من الناحية الثقافية. فالإمبراطورية اليونانية استعمرت العالم باللغة، والإمبراطورية الرومانية استعمرت العالم بالجُند. وهذا هو ما نُسمِّيه اليوم القُوَى الناعمة وهي اللغة، والقوَّة الجامدة وهي القوَّة العسكرية. ونحن في كنيستنا حتى الآن نستخدم كلماتٍ تعود إلى اللغة اليونانية واللغة اللاتينية وتاريخ مصر بدأ من الفراعنة، ثم المسيحية التي استمرَّت وامتدَّت وانتشرت، وكانت الإسكندرية هي أول مدينة في قارة إفريقيا تقبل الإيمان بالمسيح. فالقديس مار مرقس الرسول ليس كاروز مصر فقط، لكنه كاروز إفريقيا أيضًا. فمن الإسكندرية انتشرت المسيحية إلى أن وصلت إلى جنوب إفريقيا وشمالها أيضًا هذا هو التاريخ الذي تعيشه مصر، لذلك نقول إنَّ تاريخ مصر تاريخٌ مقدَّس. فمصر من الناحية الجغرافية ذُكِرَت في الكتاب المقدَّس ما يقرب من 700 مرة!! وهي الدولة الوحيدة التي ذُكِرَت بهذا التكرار في الكتاب، وذلك لأن تاريخها مقدَّس. وهناك أنواعٌ أخرى من التاريخ، مثل: تاريخ العلوم، وتاريخ الفلسفات، وهناك تاريخ أشمل وهو تاريخ الإنسانية. وكلُّ إنسانٍ هو جزء من هذا التاريخ، لذلك من المهم أن نعيش التاريخ ونقرأ، فالتاريخ هو الحياة. ثالثًا: التاريخ مُعلِّم الإنسان: إنَّ التاريخ هو أقوى معلِّم للإنسان، والتاريخ بالنسبة للكنيسة هو عمل الخلاص الذي بدأ من آدم ثم التجسُّد والفداء، ثم الكنيسة وانتشارها، وأخيرًا محطة الأبديَّة. فالتاريخ يحكي لنا رحلة الخلاص من الخطية، وهو تاريخ مقدَّس وأقوى معلِّم. ونعتَبِر السيِّد المسيح هو مفتاح التاريخ كله، وبسببه انقسم الزمن إلى قبل الميلاد وبعد الميلاد. فهو العنصر الرئيسي في قصة التاريخ كلها، فمثلًا كنيستنا تحرص بشدَّة على كتاب السنكسار الذي يحوي تاريخ يومي يأخذ صفة الفرح فيقول الأب الكاهن في بداية قراءة السنكسار: ”نُعيِّد في هذا اليوم بـ …“، حتى لو كان الحَدَث به حزن أو ألم. ويتكرَّر هذا التاريخ عَبْر أيام السنة كلها (ما عدا فترة الخمسين، لكي ما نعيش خبرة فرح القيامة) بهذا يصبح التاريخ مؤدِّيًا للفرح والغِنَى في حياة الإنسان. والسنكسار كتابٌ مفتوح وليس كتابًا مُغلقًا، بمعنى أنه يُضاف إليه دائمًا أحداث وآباء وقدِّيسون جُدُد، وكما نعلم جميعًا أنَّ سِفْر أعمال الرُّسل هو السِّفْر الذي لم ينتهِ بكلمة ”آمين“، ويُستَكمَل من خلال السنكسار ورسامة الآباء الأساقفة تتمُّ بعد الإبركسيس والسنكسار، وكأنَّ رسامة كلِّ أب من الآباء الأساقفة هي استكمال التاريخ، وهي صفحة من صفحات التاريخ، وهنا تأتي عِظَم المسؤولية الخطيرة التي تُلقَى على الأب الأسقف. لكن عند رسامة الأب الكاهن، يكون ذلك بعد صلاة الصُّلح، لأن عمله الأساسي هو قيادة الصلاة مع المؤمنين وجَذْب النفوس للتوبة ومن التداريب الجميلة لكلِّ أُسرة مسيحية، قراءة كتاب السنكسار في البيت. وعند حضور مولودٍ جديد للأسرة، يتمُّ تسميته من خلال كتاب السنكسار. ومن اللطيف أن يقوم الوالدان بحكاية السنكسار لأطفالهم كل يوم كمثل حكاية قبل النوم، بما يتناسب مع استيعاب كل طفل. والمقابل لكتاب السنكسار، كتاب الدفنار الذي يُقرأ في نهاية التسبحة اليومية، وهو جزءٌ تسبيحي عن قدِّيسي اليوم، نتذكَّر فيه جهاد القدِّيس وتعبه وأقواله ومن صور التاريخ الكنسي أيضًا مجمع القدِّيسين. ففي القدَّاس نُركِّز على مَنْ حفظوا الإيمان، بدًأ من أُمِّنا العذراء كمُمثِّلة للمرأة، ثم نذكر مجموعة من القدِّيسين: بعضهم من داخل مصر، والبعض الآخر من خارج مصر من جنسيَّاتٍ مختلفة ونحن في حياتنا الكنسيَّة، نستخدم التاريخ بصورٍ كثيرة، فمثلًا من الأمور الهامة، اللوحة الرخاميَّة التي تُسجِّل كلَّ حدث. فقديمًا كانوا يُسجِّلون زيارات الآباء البطاركة للأديرة على جدران الكنائس، وذلك إمَّا بالنحت أو بالكتابة قبل الكتابة على الرخام. وأيضًا من الأشياء المؤثِّرة جدًّا كتابة المذكِّرات، وأتذكَّر أنَّ الفنان الكبير يوسف وهبي كتب مذكِّراته تحت عنوان لطيف اسمه: ”عشت ألف عام“!! بالطبع هو لم يَعِش ألف عام، لكن كل شخصية قام بتمثيلها اعتبر أنَّ عمرها قد أُضيف على عمره فالمذكِّرات هي خبرة الحياة التي تُسلَّم للأجيال. والأستاذ الدكتور بطرس بطرس غالي عبَّر عن سنوات وجوده في الأمم المتحدة بكتابٍ أسماه: ”خمس سنوات في بيتٍ من زجاج“. فكتابة السِّيرة ليس تخليدًا، ولكنها أيضًا نقل للخبرة، فكتابة السِّيرة من الأشياء المحبوبة والمُعلِّمة للإنسان أيضًا الأيقونات مشاهد من التاريخ، وقد رعينا هذا في أيقونات الكاتدرائية بالعباسية، فوضعنا أيقونة لعودة رفات القدِّيس البابا أثناسيوس سنة 1973م، وأخرى لظهور العذراء في الزيتون سنة 1968م، وأُخرى للاعتراف بالبابا كيرلس السادس قدِّيسًا سنة 2013م، وهكذا تكون أحداث التاريخ فوجود الأيقونة هو مشهدٌ تاريخي؛ والصورة تصبح أيقونة بعد تدشينها بالميرون، لأنها ترسم لنا صورة روحية لحياة القدِّيس أو القدِّيسة. فالتاريخ جزءٌ لا يتجزَّأ من العبادة الكنسيَّة وأيضًا من وسائل تسجيل التاريخ، كتاب بستان الرهبان، إذ يقول الكتاب: ”سأل أخٌ شيخًا …“، أو ”قُلْ لي، يا أبي، كلمة منفعة …“. فلم تكن توجد قديمًا وسائل تسجيل (ريكوردر) أو موبايل، لكن تسجيل هذه العبارات كان يتمُّ بالكتابة. وعندما كان يأتي السائحون والزوَّار لزيارة الأديرة ويتقابلون مع النُّسَّاك، كانوا يكتبون شيئًا من أقوالهم. فمثلًا في سيرة القدِّيس الأنبا بولا أبي جميع السوَّاح، لا نعرف عن سيرته إلَّا عبارة: ”مَنْ يهرب من الضيقة يهرب من الله“!! فتسجيل التاريخ هامٌ للأجيال، وكلمة المنفعة هامة للتاريخ، فمثلًا اعترافات القدِّيس أُغسطينوس هي وسيلة للتعليم وقديمًا كان الأطفال يتربّون في بيوت الأجداد، وهنا يأتي دور الجِدّ أو الجدَّة في سرد قصص من تاريخ الكنيسة لهؤلاء الأطفال، وكانت هذه إحدى وسائل نقل التاريخ. ومن أقوى التداريب في التربية، هو وضع الأطفال مع الأجداد، وخصوصًا إذا كانت الحالة الصحيَّة لهم تسمح بذلك، ولهم من طول البال ما يتناسب مع تربية الأطفال. الخُلاصة: إنَّ التاريخ جزءٌ لا يتجزَّأ من جواهر العبادة الكنسيَّة، ولا نستطيع أن نفهم تاريخ الكنيسة دون أن نفهم تاريخ العقيدة والطقس؛ وعندما نعرف التاريخ ونعيش فيه، هنا نستطيع أن نفتخر بكنيستنا التي قدَّمت إيمانها المستقيم من خلال ثلاث فئات، وهم: أولًا: معلِّمو اللاهوت الذين ظهروا وبَرَعوا، وقد كتبوا الإيمان وسجَّلوه بأفواههم. ثانيًا: من خلال الشهداء الذين كتبوا إيمانهم بدمهم وحياتهم. ثالثًا: من خلال النُّسَّاك والرهبنة التي قدَّمت الإيمان بالنُّسك والزهد. فتاريخنا هو إيماننا الذي قدَّم في صورة المُعلِّمين والشهداء والنُّسَّاك، وهذا يجعلنا نفهم أنَّ الاهتمام بالتاريخ هو أقوى معلِّم. فمن المهم أن يعرف الإنسان تاريخه، وكيف عاش أجداده؟! وكيف كانوا يواجهون المواقف المختلفة في حياتهم؟! التاريخ، بالحقيقة، هو فخر كنيستنا. والحديث عن التاريخ، ليس حديثًا عن شيء منتهي، ولكنه شيءٌ مُعاش. وفي أديرتنا القديمة، نشعر أنَّ الحوائط قد امتصَّت الصلوات والتسابيح والألحان التي رُفِعَت خلال مئات السنين. وعند البحث في بطون التاريخ، سنكتشف كيف يعمل الله! وكيف ينطبق علينا قول الكتاب: «حَتَّى إِنَّنَا نَقُولُ وَاثِقِينَ: “الرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلَا أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ؟”» (عب 13: 6). قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
06 فبراير 2026

ثـلاثـيـات سـفـر يــونـان الــنـبـي

قصة يونان النبى من أحب القصص لدينا فى كتابنا المقدس كما أننا فى سفر يونان نجد أقدم إشارة له فى قانون الإيمان عندما نقول "قام فى اليوم الثالث كما فى الكتب" (مت 40:12) أما صوم الثلاثة أيام فله محبة عجيبة من شعب كنيستنا المقدسة ولذا نود أن نصحبك فى رحلة شيقة لتتمتع بالترابط الثلاثى المدهش فى أحداث السفر وشخصياته وملامحه التى كلها تشير إلى أيام القبر الثلاثة وإلى إيماننا القويم بالثالوث القدوس أولاً: ثلاثة أسماء لأشخاص يونان : كلمة عربية، وبالعبرية "يونا" وتعنى "حمامة" وهو شخصية حقيقة كما هو واضح من سفر الملوك الثانى (2مل 25:14) عاش فى القرن الثامن قبل الميلاد فى بلدة "جت حافر" وتعنى حفرة أو بئر. أمتاى : اسم عبرى معناه حقيقى وهو والد يونان النبى. زبولون : وهو اسم عبرى معناه "سكن أو إقامة" (تك 30) وهو الإبن السادس ليعقوب من ليئة وهو السبط الذى ينتمى إليه يونان النبى. ثانياً: ثلاثة أسماء لمدن نينوى : عاصمة مملكة آشور (الموصل بالعراق حالياً) على الضفة الشرقية لنهر دجلة على بعد 800 ك.م شمال شرق إسرائيل وكان أهلها يعبدون الآلهة عشتاروت وقد نهبوا ممالك أخرى لأنهم اعتقدوا أن العالم كله هو عبد لنينوى يمدها بكل ما تحتاجه. يافا : اسم كنعانى معناه "جمال" وهى ميناء يقع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وقد ركب منها يونان السفينة قاصداً الهروب. ترشيش : وهو اسم فنيقى معناه "معمل للتكرير" مدينة فى جنوب أسبانيا قرب جبل طارق، وقد كانت غنية بالثروة المعدنية. ثالثاً: ثلاثية العظمة فى مدينة نينوى كانت عظيمة جداً فى قصورها وشوارعها وهياكلها وأسوارها وكذلك مكتبتها العظيمة. كانت عظيمة جداً فى شرها وفسادها حتى سماها ناحوم النبى "مدينة الدمار ملآنة كذباً وخطفاً"(دا 1:3). صارت عظيمة جداً فى توبتها الرائعة، الشاملة، إذ صارت مثالاً قوياً على توبة شعب بأكمله دفعة واحدة رابعاً: ثلاثية الطبيعة الخاضعة (النصف الأول من السفر) أرسل الرب ريحاً شديداً إلى البحرفحدث نوء عظيم (يونان 4:1) أعد الرب حوتاً عظيماً، ليبتلع يونان ( يونان 17:1) أمر الرب الحوت فقذف يونان إلى الشاطئ ( يونان 10:2) خامساً: ثلاثية الخليقة الخاضعة (النصف الثانى من السفر) أعد الرب الإله يقطينة لترتفع فوق يونان كظل له ( يونان 6:4) أعد الرب دودة لتضرب اليقطينة وتنشف عند الفجر ( يونان 7:4) أعد الرب ريحاً فضربت الشمس بقوة على رأس يونان ( يونان 8:4) سادساً: ثلاثية النزول فى حياة النبى الهارب نزل إلى يافا حيث وجد السفينة الذاهبة إلى ترشيش ودفع أجرتها . ونزل قاصداً ترشيش فى الإتجاه العكسى لمدينة نينوى هارباً من وجه الرب. نزل إلى جوف السفينة وأضطجع ونام نوماً ثقيلاً فى قاعها كل هذا تقرأ عنه فى ( يونان 53:1). سابعاً: ثلاثية الصعود فى حياة نينوى آمن أهل نينوى بالله لسبب كرازة يونان وهذا يمثل أنجح إرسالية كرازية على الإطلاق فى التاريخ البشرى. نادوا بصوم وهو سلاح التوبة وأقوى تدريب للإرادة وكما يقول الآباء إذا أردت أن تبدأ جهادك فأبدأ بالصوم. لبسوا مسوحاً من كبيرهم إلى صغيرهم. وكان هذا تعبير عن السلوك العملى اللائق بالتوبة. كل هذا تقرأ عنه فى ( يونان 5:3). ثامناً: ثلاثية الأسماء التى تطلق على السفر سفر الرجاء : فهناك باباً مفتوحاً لكل إنسان ولكل أمه أن تعود وتؤمن. سفر الفداء : إذ الله يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. سفر الاعتناء : إذ يد الله تعتنى بكل أحد بداءاً من بحارة السفينة وركابها ثم شعب نينوى من صغيرهم إلى كبيرهم وأخيراً بيونان نفسه النبى الهارب. تاسعاً: ثلاثية الهدف الروحى فى صوم يونان تنقية القلب : إذ أن الصوم لتنقية القلب من كل المفاسد والشرور التى لحقت به عبر الأيام الماضية وإذا ينادى إلهنا قائلاً: "يا أبنى أعطنى قلبك ولتلاحظ عيناك طرقى" (أم 23) فيجيب الإنسان "قلباً نقياً أخلق فىّ يا الله وروحاً مستقيماً جدده فى أحشائى" ( مز 10:51). تدريب الحواس : الصوم فرصة لنزع التواء الفم وإنحراف الشفتين والبعد بأرجلنـا عـن طريق الشر ومحاولة إمتلاك عيون بسيطة حتى يصير كل الجسد نيراً ( أم 24:4-27). تقديس الإرادة : الإرادة المقدسة هى الهدف الأول من وراء تدريب الصوم وبهذه الإرادة يستطيع الإنسان الذى قال للطعام "لا" أن يقول "لا" للخطية التى تحاربه عاشراً: ثلاثية عينات التائبين: التوبة الجماهيرية : وهى توبة شعب بأكمله، كما صنع أهل نينوى، وهذا يرمز لتوبة شعب أى كنيسة. التوبة الجماعية : وهى توبة مجموعة مثلما صنع بحارة السفينة وركابها، وهذا يرمز لتوبة أى أسرة أو جماعة بأفرادها. التوبــــــــــة الفرديـــــــة : وهى توبة فرد بعينـه مثلما أجتـاز يونـان النبى هذا الإختبـار وبالتالى فهـو يرمـز لكل إنسان يتـوب ويعـود من طريق الإنحراف. أليس هذا عجيباً أن نجد كل هذه الثلاثيات فى قصة واحدة وردت فى سفر واحد فى العهد القديم. أنها بالضرورة إشارة خفية لعظمة الرقم (3) الذى هو إيماننا بالثالوث الأقدس. قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
30 يناير 2026

“القدَّاس حيويَّة الكنيسة”

«قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ.مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌّ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ.مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ» (يو 6: 53 – 56) إذا كانت الصحة تعني التوافُق الكامل بين الوظائف الحيويَّة في الجسم؛ بمعنى أنَّ عدم التوافُق في هذه الوظائف سواء: الجسديَّة أو النفسيَّة أو الذهنيَّة، هو ”المرض“ سواء: أمراض جسديَّة أو نفسيَّة أو ذهنيَّة؛ وتصير الحيويَّة هي صحة الجسم الشاملة؛ فبالمثل، يصير القدَّاس الإلهي الذي هو قمَّة الصلوات الليتورجيَّة، هو حيويَّة الكنيسة وصحتها وعندما شرح القديس بولس الرسول مفهوم أنَّ المسيح هو رأس الكنيسة، والكنيسة هي جسد المسيح، وذلك في كافة رسائلهِ وعلى الأخص في رسالتيه إلى أهل أفسس وأهل كولوسي؛ وَضَعَ أمامنا كيف صار يوم الرب (يوم القيامة يوم الأحد) هو رأس الأسبوع (1كو 16: 2)، وصارت قراءات الآحاد عَبْر السنة الكنسيَّة تدور حول خلاص المسيح وخدمته وعنايته بالإنسان، وصارت بقية أيام الأسبوع الستة تُقدِّم لنا مفهوم الكنيسة، جسد المسيح، من خلال قراءات السنكسار اليومي الذي يُقدِّم لنا صورة الكنيسة عَبْر الزمان وهكذا فإنَّ ”الكنيسة هي مجتمع المؤمنين المتَّحد بالرأس الذي هو المسيح“، ويُعبِّر عن ذلك كثيرٌ من الآباء مثل: القديس إيرينيئوس، فيقول: ”حيث توجد الكنيسة فهناك روح الله، وحيث يوجد روح الله فهناك الكنيسة“. ويقول القديس كبريانوس: ”مَنْ لا يتَّخذ الكنيسة أُمًّا، لا يمكنه أن يأخذ الله أبًا“. وكذلك القديس أُغسطينوس القائل: ”يمكننا أن نحصل على كلِّ شيءٍ خارج الكنيسة ما عدا الخلاص“، وهو يقصد المسيح الفادي والمُخلِّص الذي هو قوَّة المؤمن وقوَّة الكنيسة وصلوات القدَّاس الإلهي هي قمَّة الصلوات، وسرُّ الأسرار وسرُّ الكنيسة، كما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم، لأنَّ فيه النِّعَم غير المنظورة والتي تُعطَى لنا تحت أعراضٍ منظورة، حيث يحضر المسيح ذاتيًّا في كلِّ الكنيسة من خلال الخبز وعصير الكرمة، ليصير جسد المسيح ودَمهُ الأقدسَيْن. وقد شرح القديس كيرلس عامود الدين هذا حين قال: إن ذلك يكون ”كما أنَّ الشمس تُرى في أماكن متفرِّقة من كثيرين وهي واحدة“ القدَّاس الإلهي هو منظومة مُتكاملة من العبادة والتسبيح والشكر والفرح والتهليل والطلب والوحدة والتقوى، في قالبٍ من الألحان والطقوس والصلوات التي تُشكِّل صورةً سمائيةً، كقولنا: ”كما في السماءِ كذلك على الأرضِ“. ومعاني دراسة هذا السرِّ – سر الإفخارستيا – كثيرةٌ جدًّا، والتأمُّلات فيه تكاد لا تُحْصَى. لكنَّنا سنُركِّز على معنى ”القدَّاس حيويَّة الكنيسة“، وذلك من خلال خمسة ملامح أساسيَّة: أولًا: القدَّاس الإلهي يحفظ وجود الكنيسة: فالكنيسة ليست هي مجموعة الاجتماعات المختلفة، مثل اجتماع الشباب أو الشابات أو السيدات أو …؛ لكن الكنيسة هي صلوات القدَّاس. ولذلك فإن صلوات القدَّاس يسبقها تمهيدات كثيرة: من تسبحة وعشية وصلوات نصف الليل ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم في ذلك: ”جعلنا أعضاء جسدهِ من لحمه ومن عظامهِ. ومن أجل حُبِّه، مَزَجَ نفسه بنا. عَجَنَ جسده بجسدنا لكي نصير معه واحدًا، لنصير جسدًا واحدًا وهو الرأس“ فالقدَّاس يحفظ وجود الكنيسة لتبقى دائمًا حيَّة، بمعنى أنها لا تشيخ، فعمرها الآن عشرون قرنًا من الزمان، ومع هذا فهي ما زالت بكامل حيويتها، وذلك بفضل القدَّاس! ويقول الآباء: ”إن المسيحيين يُقيمون سرَّ الإفخارستيا، وسرُّ الإفخارستيا يُقيم المسيحيين“ ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم، وهو يتكلَّم بفكر القرن الرابع الميلادي: ”الحصون تشيخ مع الزمن، أمَّا الكنيسة فلا تشيخ. الحصون يُحطِّمها البرابرة، أمَّا الكنيسة فلا تقدر عليها حتى الشياطين. كثيرون هاجموا الكنيسة فهلكوا، أمَّا هي فتُحلِّق في السماء“ وقديمًا كان القدَّاس يمكن أن يُقام في أيِّ مكانٍ، في المقابر، في شقوق الأرض، في الحقول. ونقرأ أنَّ الشماس كان يقف ويضع على يدهِ الَّلوح المقدَّس، ويصلِّي الأب الكاهن والشعب القدَّاس في الهواء الطلق، سواءٌ كان ذلك في الحقل أو في الجبل أو في أيِّ مكان؛ وهكذا تفعل الكنيسة الآن؛ فبمجرَّد استخدام الَّلوح المقدَّس في أيِّ مكانٍ، يصير كمذبح، ويمكن أن نُقيم القدَّاس في أيِّ مكان. ثانيًا: القدَّاس يحفظ جمال الكنيسة: الإنسان عندما يكون مريضًا، ويوجد عضوٌ من أعضاء جسدهِ لا يعمل جيِّدًا، فلا يكون في كامل لياقته، لكن إن كانت كل أعضاء جسده سليمة، يكون في حالة تناغُم، وهذا التناغُم يُعبَّر عنه دائمًا بالجمال. لذلك القدَّاس الإلهي يحفظ جمال الكنيسة في صلواتها وطقسها. مثال ذلك: عندما يصرخ الشمَّاس ويقول: ”قبِّلوا بعضكم بعضًا بقبلةٍ مقدَّسة“، فقد تعوَّدنا أن تكون هذه القُبلة الرسوليَّة من خلال أن نُسلِّم بعضنا على بعضٍ بأيدينا. وقُبلة المُصالحة هذه يُقدِّمها كل شخصٍ للشخص الذي يجلس بجوارهِ، وهذا يرمز إلى أنه يُقدِّمها للعالم كُلِّهِ، وكأنَّ الإنسان يتصالح مع العالم كُلِّهِ، وهذا شكلٌ من أشكال الجمال. وعبارة ”قبِّلوا بعضكم بعضًا“ تعني أيضًا: إن الإنسان لا يحمِل في قلبهِ ضغينة لأحدٍ، وبها تعهُّدٌ لله أن يكون القلب نقيًّا فالكنيسة ناصعة البياض، وهذا البياض هو توبة الإنسان، ونسمع في القدَّاس الشمَّاس يقول: ”أيُّها الجلوس قفوا“. المقصود هنا ليس الوقوف المادي، لكنه وقوف الإنسان بعيدًا عن أيِّ خطية، والوقوف هو علامة استعداد، وكأنَّ نداء الشماس: ”أيها الجلوس قفوا“ هو نداء توبة ثم يُتابع الشمَّاس بقولهِ: ”إلى الشرق انظروا“، وفي هذا النداء علامة استعداد لمجيء المسيح الذي سيأتي من المشارق. كل هذا يُمثِّل جمال الكنيسة من خلال القدَّاس، ولذلك كثيرٌ من الآباء يُسمُّون القدَّاس ”سرّ الشركة“. فالكاهن له دور، والشمَّاس له دور، والشعب له دور. وكأنَّ وحدتنا مع المسيح هي اتِّحادٌ لنا جميعًا في ”شركة المحبة“. ثالثًا: القدَّاس يحفظ قداسة الكنيسة: الكاهن هو الإنسان الذي يُصلِّي القدَّاس، ويجب أن يكون مُشرطنًا بسرِّ الكهنوت، والشعب يأتي إلى الكنيسة في حالة توبة. وقديمًا كان الجلوس في مقاعد الكنيسة يُقسَّم إلى خورس التائبين وخورس المؤمنين وخورس الباكين. ويتقدَّم الإنسان عندما يقول الأب الكاهن: ”القُدْسات للقدِّيسين“. وهذا يعني أنَّ الإنسان نقَّى قلبه تمامًا، والنقاوة في فكر الكنيسة هي شكلٌ من أشكال القداسة، كما يقول الكتاب: «لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ» (1بط 1: 16) ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم عن القدَّاس الإلهي: ”بهذه العطيَّة تتزيَّن نفوسُنا وتتجمَّل“. ويقول أيضًا: ”إن كنتَ لا تقدر أن تُقَبِّل مَلِكًا بفمٍ قذِر، أتُقبِّل ملك السموات بنفسٍ دنسة؟!“، فيا له من انتهاكٍ للقُدْسات! فلا نستطيع أن نستخدم آنية ملوَّثة في تقديم الأسرار، فنُقدِّم الأسرار في أوانٍ لامعةٍ حتى تصير نفوسُنا أيضًا لامعة فالقداسة هي أن يقترب الإنسان من شخص المسيح أكثر فأكثر، كما نقول في صلاة باكر: ”بنورِكَ يا ربُّ نُعاين النور“. فالنقطة الرئيسية في صلاة القدَّاس هي عمل التوبة، والقدَّاس ليس عملًا ميكانيكيًّا، لكنه حضورٌ حيٌّ وفعَّالٌ للمسيح. ونحن نتقدَّم لكي نتناول جسد المسيح ودمَهُ الأقدسَيْن: «مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ» (يو 6: 56). وتقول بعض الكتابات إنَّ العمل الليتورجي يجعلنا ملائكة عِوَض عن كوننا بشرًا. وفي أثناء التوزيع نُرتِّل قائلين: ”سبِّحوا الله في جميع قديسيه“. ومن العبارات الشعبية المشهورة: ”آنستك النعمة“، أي ”صارت النعمة فيك“. رابعًا: القدَّاس يحفظ مسكونية الكنيسة: كلمة ”مسكونية“ تُعبِّر عن العالم كُلِّه، أو العالم الذي يسكنه البشر. فالعمل المسكوني أو الحركة المسكونيَّة هي عمل يشمل الكنيسة عَبْرَ العالم كُلِّه. والكنيسة عندما تُصلِّي القدَّاس، لا تُصلِّي محليًّا فقط، أي لا تُصلِّي من أجل حدود جغرافيَّة، لكنها تُصلِّي من أجل العالم كُلِّه؛ فهي تُصلِّي من أجل المياه والهواء والعُشب والزروع. وتُصلِّي أيضًا من أجل رئيس الأرض وكافة المسؤولين والمرضى. وتُصلِّي في الأواشي قائلة: ”اذكر يا رب سلامة كنيستك الواحدة الوحيدة المقدَّسة الجامعة الرسولية“، وأيضًا: ”اذكر يا رب هذه الكائنة من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها“. فالكنيسة لها مسؤولية عن كل المسكونة ونحن نُصلِّي من أجل المُسافرين والراقدين. فصلوات الكنيسة في القدَّاس تشمل الحياة كلها، لذلك نقول إن القدَّاس يحفظ مسكونيَّة الكنيسة. والكنيسة نفسها في ترتيبها تصلِّي صلواتٍ شاملةً من أجل كلِّ أحد. فالكنيسة تُصلِّي من أجل العالم كلِّهِ، وهذه نظرة مهمة جدًّا. لأن المسيحيَّة لا تعرف الجغرافيا، فالمسيحيَّة للعالم كُلِّهِ والمسكونة كلِّها، وحلول الروح القدس لم يكن باللغة المحلية، ولكن بلغاتٍ عديدة (حوالي ست عشرة لغة)، لأن الكنيسة للعالم كُلِّه. ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: ”أتُريد أن تُكرِّم جسد يسوع؟ لا تتغافل عنه وهو عُريان. لا تُكرِّمه هنا في الكنيسة بثيابٍ فاخرة، وفي الخارج تغفل عنه وهو يموت من البرد والعُري“. بمعنى أن الإنسان يأتي إلى الكنيسة بثيابٍ فاخرة، وهو ينسى المُحتاج الذي يُريد أن يحتمي من البرد. وقال ذهبي الفم أيضًا: ”أنتَ تكسو المذبح بكسوةٍ فاخرة، وتترك المذبح الحي“، أي تترك الفقير والعُريان. فصلوات القدَّاس تدفع الإنسان إلى خدمة أيِّ إنسانٍ، وخصوصًا: الفقير والمُحتاج والبائس. خامسًا: القدَّاس يحفظ وظيفة الكنيسة: القدَّاس عبارة عن مستودع فيه العقيدة والطقس واللحن والتعبير اللاهوتي، والتعليم والكرازة والعبادة وكل شيء. القدَّاس يحفظ دور الكنيسة، فتبقى الكنيسة حيَّة من جيلٍ إلى جيل. فمثلًا لا توجد آية في الكتاب المقدَّس تُعلِّمنا كيف نرشم الصليب! لكن من خلال الليتورجية نتعلَّم كيف يتمُّ رَشْم الصليب؛ وهكذا نتعلَّم كثيرًا من خلال القدَّاس الإلهي. فالقدَّاس هو مستودع عقائدنا، فمثلًا عقيدة الثالوث القدوس واضحة في كلِّ مراحل القدَّاس، وكأنَّ القدَّاس هو الذي حفظ لنا هذه العقيدة فعقيدة الثالوث واضحة من أول رفع بخور عشية وباكر والقدَّاس، ودورة الحَمَل، وتحليل الخُدَّام. وفي البركة الختامية نقول: ”محبَّة الله الآب ونعمة الابن الوحيد ربنا وإلهنا ومخلِّصنا يسوع المسيح وشركة وموهبة وعطيَّة الروح القدس، تكون مع جميعكم“ فصلوات القدَّاس هي نسيجٌ من عقائدنا، ويتَّضح هذا من خلال الطقس الذي نُصلِّي به في القدَّاس، فنحضر في صحن الكنيسة ونستمع إلى القراءات والعظات؛ ثم ننتقل بعد القراءات والعظات لندخل في صُلب القدَّاس والتقديس؛ ثم ننتهي بأن نتناول الجسد والدم من على المذبح المقدَّس. إذن، فالقدَّاس يحفظ دور الكنيسة ووظيفتها وعملها في حياة الإنسان. الخُلاصة: إن القدَّاس الإلهي هو حيويَّة الكنيسة. فاحضرْ، أيُّها الحبيب، القدَّاس وعِشْ فيه وادخل إلى أعماقهِ، ليس كمجرَّد طقوس أو عقائد، لكن كحياة، كما يُعلِّمنا الكتاب: «مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ» (يو 6: 54) وفي آخر القدَّاس، يقول الأب الكاهن الاعتراف الذي يحوي هذه الثلاثية الهامة: ”يُعطَى عنَّا خلاصًا، وغُفرانًا للخطايا، وحياةً أبديَّة لكلِّ مَنْ يتناول منه“. وهذا التواصُل بين السماء والأرض: ”يُعطَى عنَّا خلاصًا“، أي خلاص المسيح الذي تمَّ منذ قرون؛ ”وغُفرانًا للخطايا“، أي الخطايا التي يصنعها الإنسان؛ ثمَّ ”وحياةً أبديَّة لكلِّ مَنْ يتناول منه“. وكأنَّ القدَّاس الإلهي هو على مرِّ الزَّمن، في الماضي والحاضر والمستقبل. إنه حيويَّة الكنيسة وصحَّتها. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
23 يناير 2026

الأسرة أيقونة الكنيسة

«تَمِّمُوا خَلَاصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ. اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلَا دَمْدَمَةٍ وَلَا مُجَادَلَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا بِلَا لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلَادًا للهِ بِلَا عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيلٍ مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ. مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ لاِفْتِخَارِي فِي يَوْمِ الْمَسِيحِ، بِأَنِّي لَمْ أَسْعَ بَاطِلًا وَلَا تَعِبْتُ بَاطِلًا» (في 2: 12 – 16). عنوان ”الأسرة أيقونة الكنيسة“ كتبه القديس يوحنا ذهبي الفم منذ القرن الرابع الميلادي، فنحن نضع على الحائط أيقونات لقديسين سبقونا إلى السماء، أمَّا الأسرة فهي أيقونة الكنيسة الحاضرة وزينة المجتمع. فالأسرة لها تأثيرٌ كبير على المجتمع الذي تعيش فيه، وهي الكيان الذي يستطيع أن يُعبِّر عن قوة بناء المجتمع. وحدة الأسرة المسيحية وتماسكها: الأسرة المسيحية تعتمد على وجود المسيح فيها، لذلك نقول إن الأسرة أيقونة شاهدة للمسيح، ونحن نؤمن أن الأسرة رابطة ثلاثية مكوَّنة من: السيد المسيح، وهو، وهي. فهي ليست رابطة ثنائية فقط، يقول الكتاب: «الْخَيْطُ الْمَثْلُوثُ لَا يَنْقَطِعُ سَرِيعًا» (جا 4: 12) والأسرة هي كيان حب، فالأب والأُم يستمدُّون الحب من المسيح، ثم يُقدِّموه لأبنائهم وبناتهم، كما يقول الكتاب: «مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاِثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ» (مت 19: 5 – 6). ويعيش هذا الكيان، ويُسمَّى كيانًا زيجيًّا، وتصبح هي زوجةً وهو زوجًا وهذا الاتحاد الزيجي هو اتحادٌ بحضور المسيح فيه. لذلك فالأسرة هي الأيقونة الشاهدة لعمل المسيح، وهي أيقونة مُدشَّنة بالكنيسة، بمعنى أنها مُخصَّصة أو مُكرَّسة للكنيسة. ونقول في الترنيمة: ”كنيستي كنيستي كنيستي هي بيتي، هي أُمي، هي سر فرح حياتي“وتعبير هي أُمي يعني أن الأسرة وُلِدَت في الكنيسة. ومن الطقوس الجميلة في الكنيسة المقدَّسة أن العريس والعروسة يقومان بالركوع أمام المذبح، ثم ينطلقون من المذبح إلى البيت الجديد، وكأنَّ نقطة الانطلاق هي المذبح أي قلب الكنيسة. ثانيًا: إن أيَّ شخصٍ يولد في الكنيسة من خلال سرِّ المعمودية وتصير الكنيسة هي أُمه؛ ثالثًا: لأنني تثبَّتُ من خلال سرِّ الميرون في الكنيسة، فالأسرة أيقونة مُدشَّنة داخل الكنيسة، وتصير الأسرة مدرسة لها مسؤولية فائقة وممتدَّة عَبْر الزمن وليس عبثًا أن أول معجزة للسيد المسيح، كانت في عُرْس قانا الجليل (يو 2: 1 – 11). فالأسرة هي الأساس لتكوين أيِّ إنسانٍ، فالأسرة مدرسة بها ثلاثة علوم رئيسية وهي: أولًا: علم الصلاة: فيتعلَّم الطفل الصلاة داخل الأسرة، ومحظوظٌ هو الطفل الذي ينشأ في وسط والدَيْن يُصلُّون أمامه سويًّا، لأن هذا يُعلِّمه الصلاة بطريقةٍ تلقائية، وتصير حياته صلاة فالأسرة مدرسة صلاة، وذلك خلال الحياة اليومية، ومن خلال كل ما يواجه الأسرة من مشاكل أو ضيقات، وأيضًا من خلال البركات التي يُعطيها الله، فتقف الأسرة تُقدِّم الشكر الله. وهي مدرسة صلاة في الاحتفال بأعياد القدِّيسين وعمل التماجيد لهم. ثانيًا علم الإيمان: فالطفل يتعلَّم الإيمان من خلال والديه، وما أجمل أن يتعلَّم الطفل في البيت الصلاة من أجل معرفة إرادة الله في أمرٍ ما، أو في الصلاة من أجل أن يتدخل الله لحلِّ مشكلةٍ ما. وهنا قصة عن أحد ملاجئ الأطفال أو كما نُسمِّيها ”بيوت الضيافة“، وقد ضاق المكان بأطفاله، فذهب الأطفال مع المُشرفة إلى الأب الأسقف لحلِّ هذه المشكلة، وبدأ الأطفال يُصلُّون أن يُعطي الله لهم بيتًا كبيرًا بحديقة (على حدِّ تعبير الأطفال) وبعد فترة قليلة سمع الله لصلواتهم ورتَّب لهم بيتًا كبيرًا بحديقة، وهذا نتيجة الصلاة بإيمان. فالإيمان هو الذي يجعلنا نثق أن الله سيعمل ويُدبِّر الأمر بصورةٍ لا نعرفها. وهكذا عندما تُشجِّع الأُم ابنها في الامتحانات وتقول له إنها ستُصلِّي من أجله، طوال فترة أدائه الامتحان، وأن عليه أن يثق أنَّ الله لن يُضيِّع تعبه باطلًا؛ وهذا في سائر المواقف الحياتية. ثالثًا: علم الخدمة: البيت المسيحي الناجح يخلو من الأنانية والذاتية ويكون منفتحًا على الآخرين، وهذا يساعد الأطفال أن يتعلَّموا ما هي الخدمة، فمثلًا هناك آباء يُقدِّمون المصروف للطفل في يوم مدارس الأحد حتى يتمكَّن الطفل من تقديم العطاء من مصروفه ويتدرَّب على ذلك وعلى الآباء أن يُعلِّموا أطفالهم كيف يُمكنهم مساعدة زميلٍ إن كان لا يستطيع شراء بعض مستلزمات الدراسة البسيطة، مثل: القلم أو المسطرة أو غير ذلك. كما أن الآباء والأُمهات لهم دور في خدمة الكنيسة بأيِّ صورة إذن، الأُسرة التي هي أيقونة مُدشَّنة للكنيسة، هي مدرسة نتعلَّم منها الصلاة والإيمان والخدمة والأسرة أيضًا قدوة لأعضائها وقدوة للمجتمع، ومن تقاليد مجتمعنا أننا قد نسأل عن أسرة معيَّنة: هي من أيِّ عائلة؟ فيقولون: من عائلة فلان، فيكون التعليق: هم أُناس طيِّبون، أو العكس فمثلًا أيقونة العذراء هي قدوة لنا في هدوئها ووداعتها وجمالها وصمتها و… فالأسرة هي قدوة، فمثلًا قد نسأل الطفل: ماذا تريد أن تكون عندما تكبر؟! يقول: أريد أن أكون مثل أبي. وفي هذا دليلٌ على قدوة الأب أو الأم لأبنائهم فمثلًا في سيرة القديس مار مرقس قد نتساءل: من أين أتى بالشجاعة التي جعلته يذهب للكرازة في ليبيا ثم إلى أورشليم ومنها لروما ثم يعود إلى ليبيا مرَّةً أخرى، ثم يأتي للكرازة في مصر؟! والإجابة: إن أُمَّه كانت خادمة مؤمنة سخيَّة العطاء، فأخذ منها القدوة التي ساعدته في رحلاته التبشيرية ونسمع عن القديس تيموثاؤس تلميذ بولس الرسول الذي قال عنه القديس بولس إنه تعلَّم من الإيمان الذي سكن في جدَّته لوئيس وأُمه أَفنيكي (2تي 1: 5)، فقد تعلَّم القديس تيموثاؤس من القدوة التي رآها في أسرته وأتذكَّر أنني كنتُ في زيارة لأحد البلاد الثلجية، وأثناء الزيارة ذهبتُ لافتقاد إحدى الأُسَر، وكان البيت مكونًا من ثلاثة أدوار، وقد لاحظتُ أن المنزل كل أنواره مُضاءة؛ فقلتُ لربِّ البيت: لماذا كل الأدوار مُضاءة ونحن نجلس جميعًا في الدور الأول؟ فقال لي: إن أبي علَّمني أنه إذا جاء سيِّدنا لزيارتنا، يجب أن تُضاء أنوار البيت كله كنوعٍ من الفرح أو السرور، رغم أنَّ هذا الشخص قد ترك مصر منذ أكثر من ثلاثين عامًا! فالقدوة هي أحد سمات الأيقونة المُدشَّنة التي هي الأسرة المسيحية إننا نحتفل في شهر مارس من كلِّ عام ببداية الربيع ومعه عيد الأُم وعيد الأسرة، وجيِّد أن تحتفل كلُّ أُسرةٍ بعيد تكوينها في المسيح (يوم الزواج)، ويكون يومًا مُبهِجًا روحيًّا بأيقونة الكنيسة الحيَّة. كما أننا نحتفل في هذا الشهر بتذكارات عديدة لآباء وقدِّيسين، وهم جميعًا نتاج أُسَر مُباركة عاشت كأيقوناتٍ حيَّة في الكنيسة، وأنجبت هؤلاء القدِّيسين الذين صاروا شموعًا مُضيئة في تاريخ الكنيسة المُعاصر. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
09 يناير 2026

الرسالة البابوية لعيد الميلاد المجيد

باسم الآب والابن والروح القدس، إله الواحد، آمين. سنة سعيدة وعيد ميلاد مجيد. أهنئكم أيها الأحباء في كل مكان في كنائسنا القبطية. أهنئكم بالعام الجديد وأيضًا بعيد الميلاد المجيد، أول الأعياد المباركة في السنة الميلادية. أهنئ كل الآباء المطارنة والآباء الأساقفة، والآباء الكهنة، القمامصة والقسوس، والشمامسة. وأهنئ مجالس الكنائس وأهنئ كل الأسر القبطية، وكل الشباب والأطفال في كل بقاع الأرض بعيد الميلاد المجيد الذي نستقبل فيه السيد المسيح طفلاً صغيراً. فالله عندما أراد أن يدخل إلى العالم اختار الطفولة. ومن خلال هذا الطفل الصغير تمت أعمال عظيمة. والحقيقة عندما ندرس أحداث الميلاد، نكتشف حقيقة مهمة جدا. أن كل الأمور الصغيرة عندما نضعها في يد الله تصير عظيمة. سأعطيك امثلة لذلك. في قصة الميلاد نتقابل مع القرية الصغيرة بيت لحم. قرية صغيرة ومغمورة وغير معروفة. توجد آلاف القرى في أماكن كثيرة في العالم. ولكن عندما استقبلت هذه القرية السيدة القديسة مريم العذراء والقديس يوسف النجار، كانت النتيجة مع ميلاد السيد المسيح إن هذه القرية صارت أشهر قرية في العالم كله، قرية بيت لحم. الحاجة الصغيرة في يد ربنا تصير كبيرة جداً. ليست القرية فقط، لكن الفتاة الصغيرة، أمنا السيدة العذراء مريم. هي صبية صغيرة، بسنوات محدودة، ولكن الله ملأها بالنعمة، وقال لها الملاك: “الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ” (لوقا 1: 35). هذه الفتاة الصغيرة، المتواضعة، التي عاشت في الهيكل، صارت فيما بعد أشهر قديسة في الحياة المسيحية. وصرنا نطلق على هذه القديسة أنها فخر جنسنا، جنس البشر كله، الرجال والنساء في كل مكان. وكما ذكرتُ: فتاة صغيرة عندما تتعامل مع الله وتمتلئ بالنعمة تصير بهذه العظمة. مثال ثالث: النجم الصغير الذي ظهر في السماء، وكان يتحرك حركة ربما غير معتادة بحسب علوم الفلك. وكان مرشدًا لجماعة المجوس القادمين من الشرق. هؤلاء المجوس وهم في الطريق كان مرشدهم ودليلهم الوحيد في الطريق هو هذا النجم. وهذا النجم كان يتحرك مع حركتهم، وكان يقف عندما يقفوا. إنه صار معجزة. السماء تمتلئ بنجوم كثيرة ولكن هذا النجم، نجم الميلاد، صار معجزة وصار معروفا ومشهورًا. وعندما نرسم أيقونات الميلاد، لابد أن نرسمه في الأيقونات على اختلاف أنواعها. أمثلة كثيرة، الصغير في يد المسيح يصير عظيماً والقليل في يد المسيح يصير كثيراً. ليست هذه الأمثلة فقط لكن يوجد مثال آخر وهو مثال التسبحة التي أنشدها الملائكة في وقت الميلاد. تسبحة قصيرة جدًا ولكنها صارت عنوانًا لمسيحيتنا: “الْمَجْدُ لِلَّهِ فِي الأَعَالِي وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ” (لوقا 2: 14). تسبحة قليلة الكلمات ولكنها عظيمة الأثر. وصارت هي العنوان المعبر عن مسيحيتنا. لماذا؟ لأن هذه التسبحة تشمل السماء والأرض والناس. ولذلك صارت تسبحة شاملة. السماء: المجد لله في الأعالي. الأرض: وعلى الأرض السلام. الناس: وبالناس المسرة. فأصبحت تسبحة ثلاثية ومتكاملة وشاملة. وصارت هي عنوانًا لعمل المسيح ولعمل المسيحية. كأنها خطة وبرنامج لحياة الإنسان. النماذج كثيرة جدًا، ولكن المهم إنك عندما تضع القليل في يد الله يصير عظيماً. ونحن نطلق عليه في لغتنا “تحل فيه البركة” مع إنه قليل. بعيداً عن قصة الميلاد، ممكن ان نذكر أمثلة أخرى. مثلا الطفل الصغير الذي كان يحمل خمسة خبزات وسمكتين في وسط جموع بالآلاف. وعندما يطلب السيد المسيح من تلاميذه أن يشبعوا الجموع، قالوا، ليس عندنا شيء غير طفل صغير معه خمسة خبزات وسمكتين. ربما كانوا طعامًا لهذا الطفل. ولكن التلاميذ أخذوا هذا الطعام القليل جدا ووضعوه في يد المسيح ليبارك عليه. فصار كثيراً جدا يشبع خمسة آلاف رجل ماعدا النساء والأولاد. وأيضًا يتبقى منه اثنتي عشر قفة مليئة بالكسر. ما هو هذا الفيض؟ وما هي هذه البركة العظيمة؟ مثال آخر، عندما كان بطرس الرسول يعمل صيادًا قبل رسوليته، خرج للبحر . ومن يعمل صيادًا، كما نقول “رزقه على ربنا”. اليوم ربما يوجد رزق، وغدًا ربما لايوجد رزق. وكانت ليلة صيد فاشلة. انتظروا طول الليل ليصطادوا سمكًا ولكنهم فشلوا. فظهر المسيح مع بداية الفجر وقال لهم: القوا الشباك. فبطرس الرسول قال عبارته المشهورة: “قد تعبنا الليل كله ولم نصطاد شيئا ولكن على كلمتك نلقي الشبكة (لوقا 5: 5). يقول الكتاب: “أَمْسَكُوا سَمَكاً كَثِيراً جِدّاً فَصَارَتْ شَبَكَتُهُمْ تَتَخَرَّقُ” (لوقا 5: 6). كانت الشباك تتخرق لأنها امتلأت وفاضت بكلمة المسيح. ” عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ” (لوقا 5: 5). مثال آخر من الأمثلة الجميلة، الأرملة الفقيرة التي ألقت الفلسين. هذان الفلسان قيمتهما ضعيفة جدا حسب زمان السيد المسيح. ولكنها قدمتهما من أعوازها ومن احتياجها. وكانت النتيجة أن الله يمدحها ويشير إليها. وصارت المرأة صاحبة الفلسين مشهورة في أسفار العهد الجديد. في حين أنه كان يوجد آخرون يضعون مبالغ كثيرة. والعملة في ذلك الوقت كانت من المعدن. والصندوق الذي كان يوضع فيه المال كان مصنوعًا من المعدن أيضًا. وعندما توضع العملة في الصندوق كانت تصدر صوتاً. وان كانت العملة ذو قيمة كبيرة، كانت تصدر صوتاً كبيرًا. وان كانت العملة ذو قيمة قليلة، كانت تصدر صوتاً أقل. وتقريبا هذان الفلسان لم يكن لهما أي صوت. ولكن المسيح يمدحها ويطوبها ويشير إليها. وصارت عنواناً لنا. حتى في قصص اختيار خدام المسيح. كما في قصة اختيار داود النبي. فقد كان فتى صغيرًا. أصغر إخوته. وكان ضعيف البنية. ربما نرى نفس القصة مع القديس الأنبا بيشوي، بنفس الطريقة، كان صغيرًا. وعندما يطلبه الله لكي ما يصير خادماً له ورسولاً له يعترض الكبار ويقولون “خذوا واحد أكبر.” ولكن الله يختار الصغير ويصنع منه إنساناً قديساً عظيماً، ويصنع منه داود النبي بكل حياته وبكل مزاميره، بمزمور التوبة المعروف. هذه الصورة الجميلة تجعلنا، ونحن نستقبل ميلاد السيد المسيح، نعلم تماماً إننا عندما نقدم القليل من أجل الله يصير كثيراً جداً. ليس القليل في المال فقط ولكن أيضاً القليل في الوقت. عندما تقدم وقتاً محدوداً جداً في يومك من أجل الله، في الصلاة، في الإنجيل، في الخلوة، في التأمل، ستجد هذه الأوقات القليلة التي تقدمها من أجل الله، تبارك كل اليوم وكل الأسبوع وكل الشهر. عندما تقدم جهداً، أو خدمة، أو فكراً، أو ابتكاراً، أو إبداعا، مهما كان القليل الذي ستقدمه، هذا سيصير عظيماً. رسالة الميلاد التي أقدمها لكم اليوم أيها الأحباء، أنك لا تستصغر شيئاً مهما كان شكل حجمه. أطفالنا الصغار سيصيرون عظماءً فيما بعد. الجهد الذي تقدمه، ووقتك، ومالك، وفكرك وتعبك ودموعك، كل هذا سيصير في يد الله عظيماً، ما دمت تقدمه من أجل الله. أنا أهنئكم جميعاً. أهنئ كل الإيبارشيات القبطية في كل بقاع الأرض، في أفريقيا، في آسيا، في أوروبا، في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وفي أستراليا. وأيضًا في الكرسي الأورشليمي، في مدينة إلهنا العظيم أورشليم. أهنئكم جميعًا من القاهرة من مصر. أهنئكم وأنقل لكم تحيات كل الكنيسة القبطية في مصر وأرجو لكم عاماً جديداً سعيداً. وأرجو لكم عيد الميلاد المجيد وفرحة الميلاد في حياتكم. والمجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة (لوقا 2: 14). قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
06 يناير 2026

أصحاب القلوب الدافئة

أهنئكم جميعًا بعيد الميلاد المجيد، وأصلي أن يملأ الله حياتكم بنعمته وسلامه، وأنتهز الفرصة لكى ما أهنئ كل الكنائس المسيحية التى تحتفل فى هذا اليوم ،كما أهنئ جميع الايبارشيات والكنائس والأديرة القبطية المنتشرة فى جميع قارات العالم ، هذا اليوم الذي أضاء فيه نور السماء على الأرض، وتجلت محبة الله للبشر من خلال ميلاد السيد المسيح، ميلاده الذي صار نقطة تحول في تاريخ الإنسانية، وفتح باب السماء أمام البشرية جمعاء، انه يوم يذكّرنا بحقيقة الخلاص ويزرع في قلوبنا الفرح والرجاء إن قصة الميلاد ليست مجرد حدث تاريخي أنما يجب أن نقف أمام أحداث الميلاد لنستلهم منها دروسًا لحياتنا. فهى رسالة حية لكل واحد منا ، فوسط البساطة التي أحاطت بميلاده ، نتأمل حول طبيعة القلوب البشرية التى أحاطت الحدث ، نجدهم أشخاص حملوا أنواع قلوب متنوعه بعضهم يحمل قلوباً بارده لا تقبل كلمه الله ولا تحفظها ، والأخر قلوباً دافئة تفتح حياتها للإيمان وتثمر بوفرة ، ولا أجد وصف لنوعيات القلوب أفضل من مثل الزارع الذى قصه السيد المسيح على الشعب وفصل فيه القلوب كنوعيات من الارض التى تسقط عليها البذور: أرض الطريق: كما قال السيد المسيح “كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ كَلِمَةَ الْمَلَكُوتِ وَلاَ يَفْهَمُ، فَيَأْتِي الشِّرِّيرُ وَيَخْطَفُ مَا قَدْ زُرِعَ فِي قَلْبِهِ. هذَا هُوَ الْمَزْرُوعُ عَلَى الطَّرِيقِ” (متى 13: 19).هذه القلوب مغلقة، منشغلة بالعالم، لا تعطي فرصة للكلمة الإلهية أن تدخل أو تنمو. مثل هؤلاء كانوا موجودين في أحداث الميلاد، كقلب هيرودس الذي امتلأ بالخوف والغيرة، فلم يرَ في ميلاد المسيح إلا تهديدًا لسلطانه الأرضي. أرض الحجر: “وَالْمَزْرُوعُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ وَيَقْبَلُهَا حَالًا بِفَرَحٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ، بَلْ هُوَ إِلَى حِينٍ” (متى 13: 20-21).هذه القلوب تفرح بالكلمة مؤقتًا، لكنها تتراجع سريعًا عند مواجهة التجارب. مثل هؤلاء نراهم في العالم اليوم حين يكون إيمانهم سطحيًا، لا يقوى على مواجهة الضغوط والتحديات . أرض الشوك: “وَالْمَزْرُوعُ بَيْنَ الشَّوْكِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ، وَهَمُّ هَذَا الْعَالَمِ وَغُرُورُ الْغِنَى يَخْنُقَانِ الْكَلِمَةَ فَيَصِيرُ بِلاَ ثَمَرٍ” (متى 13: 22). هذه القلوب تختنق بالهموم والشهوات، فلا تدع الكلمة تنمو وتثمر. وهؤلاء يشبهون الكتبة والفريسيين في قصة الميلاد، الذين عرفوا النبوات ولم يتحركوا للإيمان. أما القلوب الدافئة، فهي التي تشعر بالأنسانية وتتجاوب معها ، وتقبل الكلمة بفرح، وقد أشار السيد المسيح إلى ثلاث درجات من هذه الثمار: الأرض التي أثمرت ثلاثين: تمثل النفوس التي تؤمن لكنها تحمل بعض الخوف أو الشك. ورغم ذلك، فهي تُثمر. يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: “القلب الخائف يُثمر، لكنه يحتاج إلى النعمة ليزيل عنه الخوف ويمنحه جرأة الإيمان.”يمكننا أن نرى هذا النوع في حياة الرعاة. فقد كانوا في البداية خائفين من رؤية الملاك، لكنهم تحركوا بإيمانهم البسيط، وجاءوا ليسجدوا للطفل الإلهي. الأرض التي أثمرت ستون: تمثل النفوس التي تعمل بدافع الأجر، لكنها ما زالت تحمل محبة لله. هي قلوب تجتهد وتثمر، لكنها تنتظر مكافأة سماوية. يقول القديس كيرلس الكبير: “النفوس التي تعمل برجاء الثواب هي في طريقها للكمال، لأنها بدأت السير في طريق المحبة.” يمكننا أن نجد هذا النوع في المجوس، الذين قدموا هداياهم بسخاء وسجدوا للمسيح، مدفوعين برغبتهم في لقاء الملك المخلص. الأرض التي أثمرت مائة: هذه القلوب تمثل النفوس التي تمتلئ بمحبة الله الكاملة، ولا تخاف ولا تنتظر أجرًا. هي النفوس التي تعطي كل ما لديها بدافع الحب الخالص. يقول القديس أغسطينوس: “القلب الذي يحب الله بلا حدود هو الأرض المثمرة التي تفرح السماء بثمرها.”هذا النوع من القلوب نجده في العذراء مريم، التي قدمت ذاتها بالكامل لله، قائلة: “هوذا أنا أمة الرب ليكن لي كقولك” (لوقا 1: 38). إن ميلاد المسيح يدعونا أن نفحص قلوبنا إذا كنا نحمل قلوبًا باردة، فلنطلب من الرب أن يمنحنا نعمة التوبة، لأن الكلمة الإلهية تستطيع أن تحول أرضًا قاحلة إلى بستان مثمر.وإذا كنا نحمل قلوبًا دافئة، فلنجتهد لننتقل من ثمرة الثلاثين إلى المائة، لأن الله يدعونا دائمًا إلى الكمال.لنتأمل في كلمات القديس يوحنا الرسول: “اَلْمَحَبَّةُ تَطْرَحُ ٱلْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ” (1 يوحنا 4: 18). فإذا امتلأت قلوبنا بالمحبة، سنثمر كما أثمرت الأرض الجيدة. أن ميلاد المسيح هو دعوة لكل واحد منا أن يجعل قلبه مذودًا يولد فيه . فإذا كانت قلوبنا تحمل الخوف، فليشرق عليها نور السماء كما أشرق على الرعاة. وإذا كنا نتعب ونعمل منتظرين أجرًا، فلنطلب من الله أن يملأ قلوبنا بالمحبة. وإذا كنا نحمل حبًا لله، فلنجعل هذا الحب بلا حدود، فنثمر مائة ونكون نورًا للعالم ولكن ما هى صفات أصحاب القلوب الدافئة ؟ اولاً الحياة البسيطة: أصحاب القلوب البسيطة يتميزون بالقدرة على المرور بالمشاكل دون أن يتأثروا بها، إذ يلقون همومهم على الله الذي يحملها عنهم. نقبل الأحداث بصدر رحب، دون أن نسمح للقلق أو التعقيد أن يسيطر علينا، معتمدين على الله في كل خطوة. ويعلمنا السيد المسيح “سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا،” (مت 6: 22). الرعاة كانوا يعيشون حياتهم اليومية في الحقول، بعيدًا عن صخب المدن، يعملون في رعاية أغنامهم بقلوب نقية وقانعة. هؤلاء البسطاء لم يكن لديهم الكثير، لكنهم كانوا أصحاب قلوب مفتوحة ومهيأة لسماع صوت الله. سهروا وكانوا يعملون بكل جدية وضمير صالح وأجتهاد، وحينما ظهر لهم الملاك ببشارة الميلاد، لم يترددوا، بل أسرعوا ليجدوا الطفل الإلهي في المذود.لذلك أستحقوا ان يختبروا ويروا حضور الله. لقد كانت قلوبهم دافئة بالمشاعر رغم برودة الطقس وقتها . ثانياً الباحثون عن الحقيقة: القلوب الدافئة تبحث دائمًا عن الحقيقة ولا تنجرف وراء الترندات أو النميمة او الاخبار الكاذبة او الشائعات. هؤلاء لا يجدون راحتهم إلا في اكتشاف الحقائق، . يدركون أهمية التوقف عن الانشغال بالاحداث بل البحث عن ما هو للبناء، ما هو للفائدة، ما هو للملكوت، والسعي لإيجاد الحقيقة والتمسك بها بشجاعة. من الشرق البعيد، جاء المجوس، قادهم نجم سماوي ليصلوا إلى المسيح الوليد . كانت رحلتهم طويلة وشاقة، لكنها كانت مليئة بالإصرار والشوق لمعرفة الحق. عندما وجدوا الطفل يسوع، سجدوا له وقدّموا له الذهب واللبان والمر، رموز الإكرام والعبادة والفداء.إن المجوس يمثلون كل إنسان يبحث عن الحقيقة في هذا العالم، ومنهم نرى أن البحث الجاد والإخلاص في السعي يؤدي دائمًا إلى لقاء المسيح، الذي هو الطريق والحق والحياة، لقد كانت قلوبهم دافئة بالأصرار رغم مشقة الطريق وصعوبته . ثالثاً الصمت فى العمل: أصحاب القلوب الدافئة لا يصنعون ضجيجًا حولهم، بل يعملون في هدوء وصمت، مؤثرين في محيطهم بأفعالهم لا بأقوالهم. مبتعدين عن التفاخر أو البحث عن التقدير، وتركيزهم دائما على العمل الجاد والإخلاص بصمت. يوسف النجار كان رجلًا صامتًا، لكنه مليء بالإيمان والعمل ، فقبِل أن يكون حارسًا لسر التجسد من خلال رعايته للعذراء مريم وللطفل يسوع، فقد كان دائمًا يضحي براحته لأجل أمان عائلته المقدسة. لم يبحث يوسف عن مكانة أو مجد، بل كان همه الوحيد هو أن يتمم إرادة الله بأمانة وتفانٍ.القديس يوسف النجار يعلمنا أن الخدمة الحقيقية ليست في الكلام الكثير، بل في الأفعال الصادقة وفي الصمت المملوء بالإيمان، لقد كان ذو قلب دافئ يشعر بمسؤليته ويؤديها فى صمت . رابعاً الطاعة القلبية : الطاعة الحقيقية تنبع من القلب، لا من الإجبار، هذه الطاعة القلبية تلهمنا أن نقبل المهام والمسؤوليات بروح إيجابية دون تذمر، ونتعلم الثقة بأن لله خطة أعظم من إدراكنا البشري. العذراء مريم، تلك الفتاة النقية التي اختارها الله ليحلّ في أحشائها كلمة الله المتجسد. حينما أُرسلت إليها البشارة، أجابت بتواضع: “هوذا أنا أمة الرب. ليكن لي كقولك.”إن طاعة العذراء ليست مجرد طاعة ظاهرية، بل كانت طاعة نابعة من قلب نقى. علمتنا العذراء أن الطاعة لله تفتح أبواب النعمة، وأن الاتكال الكامل على الله هو مصدر القوة الحقيقية في حياتنا، لقد كانت تحمل قلب دافئ فأستحقت كل الأكرام والتطويب . خامساً العطاء البسيط: أصحاب القلوب الدافئة راضين بما لديهم ، بل ويستخدمونه في خدمة الآخرين بفرح، مدركين أن العطاء لا يُقاس بالكثرة بل بالقلب الذي يُقدَّم به، مهما كانت إمكانياتهم محدودة، فيبارك الله في قليلهم. فوسط أحداث الميلاد، يظهر صاحب المذود، ذلك الشخص البسيط الذي أتاح مذوده ليولد فيه الطفل، الطفل يسوع . ربما لم يكن لديه الكثير ليقدمه، لكنه أعطى ما عنده بمحبة ، فصار المذود رمزًا أبديًا لعمل الله في البساطة.إن هذا الرجل يعلّمنا أن الله لا ينظر إلى حجم ما نقدمه، بل إلى المحبة التي تملأ قلوبنا عند العطاء. حتى أبسط الإمكانيات يمكن أن تصبح عظيمة عندما نقدمها بصدق وإخلاص. ورغم أننا لا نعرفه الا انه بسبب قلبه الدافئ فأن الله يعرفه جيداَ وهكذا فأن صفات اصحاب القلوب الدافئة تظهر فى شخصيات الميلاد لكنهم جميعا يجمعهم ثلاث فضائل، ترتبط ببعضها ارتباطًا وثيقًا الحب الحب هو الأساس الذي يجعل القلوب قادرة على أستقبال النعمة الإلهية. الرعاة أحبوا الله ببساطتهم، فقبلوا البشارة بفرح وأسرعوا إلى المذود ، المجوس أحبوا الحق، فبحثوا عنه وقدموا أغلى ما لديهم تعبيرًا عن حبهم ، العذراء مريم، نموذج الحب الكامل، قدمت حياتها لله طاعةً وتسليمًا. وكما يقول الكتاب: “اَللّٰهَ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتُ فِي ٱلْمَحَبَّةِ يَثْبُتُ فِي ٱللّٰهِ، وَٱللّٰهُ فِيهِ” (1 يوحنا 4: 16). الحكمة هى التي تقود في قراراتنا وأفعالنا، الحكمة هي التي تجعلنا نميز إرادة الله وننفذها ،كما يقول الكتاب:”بِٱلْحِكْمَةِ يُبْنَى ٱلْبَيْتُ، وَبِٱلْفَهْمِ يُثَبَّتُ” (أمثال 24: 3).المجوس يمثلون الحكمة في بحثهم المستمر عن الحقيقة. قادهم النجم ليس فقط إلى طفل المذود، بل إلى ملك الملوك، يوسف النجار كان مثالًا للحكمة الهادئة، أطاع الملاك، وقاد العائلة المقدسة بحكمة وصبر بعيدًا عن الخطر، العذراء مريم كانت ممتلئة بالحكمة الإلهية، حيث قالت”تعظم نَفْسِي ٱلرَّبَّ” (لوقا 1: 46)، وهو ما ينم عن وعي عميق بخطه الله الرحمة الرحمة هي التعبير العملي عن الحب والحكمة، بالرحمة تجاه الآخرين ، تقدم لهم ما تحتاجه حياتهم بروح العطاء والمحبة. “فالقلب الرحيم هو عرش الله.” صاحب المذود أظهر رحمة عندما قدم مكانًا بسيطًا للعائلة المقدسة في ليلة الميلاد، الرعاة أظهروا رحمة بمشاركتهم البشارة وفرحهم مع الآخرين. الله نفسه، الذي تجسد وحل بيننا، أظهر الرحمة العظمى عندما قدم خلاصه للعالم .وكما يقول الكتاب:”فَكُونُوا رُحَمَاءَ، كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ” (لوقا 6: 36). أنها دعوة للبشرية أن تحمل قلوبا دافئه مملوئه بهذه الفضائل الثلاث.ليكن حبنا لله وللآخرين صادقًا، في كل كلمة وفعل. لتكن حكمتنا قادرة على تمييز صوت الله وسط ضوضاء العالم.ولتكن رحمتنا تجسيدًا عمليًا لمحبتنا لله ولإخوتنا.لنجعل حياتنا انعكاسًا لهذه القلوب ، فالنستقبل السيد المسيح، ليس فقط في يوم ميلاده، بل في كل يوم من أيام حياتنا . ما أحوج عالم اليوم الى هذة الصفات الثلاثة ، فالصراع الدائر فى مناطق كثيرة يحتاج الحكمة ، والبشرية المشرده جراء الحروب تحتاج الرحمة ، والعالم كله يحتاج الحب الذى يتناقص تدريجيا ليحل محله الانانية والظلم ، فيجد الانسان نفسه فجأه بلا ملجأ بلا أمان ، داخل حرب دائرة ليس له فيها يد أو قرار ، انها فرصة لنا جميعا فى بداية هذا العام ان نرفع قلوبنا الى الله ليتدخل فى القلوب ، ويزرع الحب فيها لتحصد البشرية الحكمة والرحمة ، ويحرك قلوب المسؤلين نحو السلام فى العالم كله ، وكما أشرق نجم الميلاد في سماء بيت لحم، نصلى أن يشرق النور الالهى في حياتنا، ويقودنا لنكون نورًا للعالم من حولنا. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
26 ديسمبر 2025

“الرهبنة جوهرة الكنيسة”

«إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبِعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي» (مت 19: 21) «وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتَا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولًا مِنْ أَجْلِ اسْمِي، يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ. وَلكِنْ كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ، وَآخِرُونَ أَوَّلِينَ» (مت 19: 29، 30) هذه الآيات هي جذور الحياة الرهبانية في الكتاب المقدَّس، حيث صارت الرهبنة بالحقيقة هي جوهرة الكنيسة الثمينة، لأنها تُمثِّل الحياة المسيحية النقيَّة وقد ظهرت على أرض مصر المُباركة في القرن الثالث الميلادي، وصار افتخارنا بأنَّ أول راهب كان مصريًّا هو القديس أنطونيوس الكبير أب جميع الرهبان في العالم ومن مصر انتشرت الرهبنة إلى معظم ربوع العالم وصارت بالآلاف، وفي بلادنا مصر هناك أكثر من خمسين ديرًا عامرًا غير عشرة أديرة قبطية خارج مصر وبالطبع هناك مئات من الأديرة المُندثرة والتي ما زالت أطلالًا أو آثارًا تنتظر التعمير والتجديد ولأن الرهبنة، حسب الطقس القبطي، تبدأ بصلاة الراقدين (الأموات)، نُسمِّيها ”رهبنة الكفن“. حيث يتغطَّى الراهب أو الراهبة أثناء إقامته بسِتر وكأنه كفنٌ، ولهذا ثلاثة معانٍ روحية ورمزية: الرهبنة هي صومٌ عن الناس بالمعنى المادي للكلمة فالإنسان بعد أن يُقام راهبًا يبتعد عن العالم ولا يشتهي أيَّ شيءٍ فيه ولا يميل لأيِّ إنسانٍ. الرهبنة هي صومٌ عن الذات لأن الذات هي الأنا أو Ego التي تتحكَّم في الإنسان فيتكبَّر وينتفخ ويسقط بعيدًا عن الاتضاع والمسكنة الروحية. الرهبنة هي صومٌ عن الأرض لتكون السماء حاضرة أمامه كل حين كاختبار بولس الرسول «لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا» (في 1: 23) هذا ما نُسمِّيه ”الحنين إلى السماء والاشتياق الدائم نحو الملكوت“. وفلسفة الحياة الرهبانية تقوم علي ثلاث دوائر هي التي تتحكَّم في حياة الإنسان وهي: شهوة المال/ شهوة الجسد/ وشهوة السلطة والسيطرة: الدائرة الأولي: شهوات المال والقنية والتملُّك والتي في البشر وصراعاتهم. وجاءت الرهبنة بفلسفة الفقر الاختياري، فالراهب يترك كل شيء ولا يتملَّك شيئًا ولا يرث شيئًا ويعيش في ديره الذي يُقدِّم له كل احتياجاته الأساسية حتي لا ينشغل بأيِّ أمـــــــــرٍ آخر … ومن القصص الرهبانية عندما تنيَّح أحد الآباء ووُجِدَ في قلَّايته دينارًا، حينئذ قرر الشيوخ أن يُدفَن الدينار مع الراهب لأنهم استهجنوا وجود مال معه!! الدائرة الثانية: شهوات الجسد والجنس الآخر والتي تعصف بالحياة الأبدية في سقطاتٍ أخلاقية عديدة، حيث جعلت الرهبنة فلسفة العفَّة والتبتُّل سبيلًا لحفظ نقاوة القلب والسلوك. وهذا ليس عداوة للزواج بقدر ما هو اختيار شخصي محض بكامل الحرية والإرادة، ليكون كل الوقت لله بلا مُنافس من زوجة أو أبناء أو مشغوليات. الدائرة الثالثة: شهوات الذات وحُبُّ السلطة والسيطرة، ومَنْ يرى نفسه دائمًا على صواب وهو الأعظم المُتقدِّم، ويحيا في كبرياء وتفاخُر بدون أيِّ إنكارٍ لنفسه أو ذاته. وقد عالجت الرهبنة ذلك بفلسفة الطاعة القلبية للوصية الكتابية والديرية والطاعة لأب الدير. وتُعتَبَر الطاعة هي المبدأ الرهباني الأول ونُسمِّيه: ”قَطْع الهوي“، وبغيره لا يمكن أن تستقيم حياة الراهب، ودائمًا نقول: ”على ابن الطاعة تحلُّ البركة، والمُخالف حاله تالف“. وكثيرًا ما يختصرون الحياة الرهبانية في كلمتين: حاضر وأخطيت. ومن المعروف أن الحياة الرهبانية نشأت في ظروفٍ معيشية متقشِّفة جدًّا خلال القرون الثالث والرابع والخامس الميلادي. وفي نفس الوقت كانت حياة مُتهلِّلة جذبت أنظار العالم، وكثيرون زاروا البريَّة وكتبوا عنها ومجَّدوها واتخذوها حياةً وعنوانًا وسبيلًا. وقد ظهرت الرهبنة بعد عصورٍ من الاستشهاد والاضطهاد، ثم جاءت عصورٌ من الراحة بعد منشور ميلان للتسامح الديني في عصر الملك قسطنطين عام 313م، وبدأ المؤمنون يعيشون في راحةٍ وسلام، وربما بردت الحياة الروحية عند البعض مِمَّا جعلهم يشتهون حياةً فيها الزُّهد والنُّسك بديلًا عن أزمنة الاضطهاد والتي كانت فيها حرارتهم الروحية عالية وسماوية. بمعنى أنهم سَعَوْا بسبب حماسهم الروحي إلى الطريق الرهباني حتى يُعالجوا أيَّ فتورٍ أو جفافٍ في حياتهم الروحية. وهذا نمطٌ تقليدي في حياة الكنيسة، فمثلًا صومَا الأربعاء والجمعة من كل أسبوع هو من أجل يقظة الإنسان إذا عاش الكسل أو الإهمال في أيام الأسبوع الأخرى؛ وهكذا فترة الأصوام الكنسيَّة هي لتقوية الوازع الديني والروحي وحفظ الحرارة الروحية، وكذلك صوم الاستعداد للتناول من الأسرار المقدَّسة. وللرهبنة الحقيقية عدَّة جوانب تُشكِّل الكيان الروحي لكل دير: الجانب الأول: حياة التوبة: «تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَوَاتِ» (مت 4: 17). وكل دير هو بمثابة جماعة رهبانية يعيشون معًا بهدف التوبة ولتشجيع بعضهم البعض على ذلك. والذين يزورون الأديرة يحتاجون أن يروا تائبين من سيرتهم ومنظرهم وأقوالهم، لأن الأديرة هي مواضع توبة أصيلة. الجانب الثاني: حياة الصلاة: ”صلُّوا كلَّ حين ولا تملُّوا“ (انظر: لو 18: 1) فهذا هو العمل الرئيسي للراهب، حيث التسبحة اليومية والقدَّاسات والمزامير والألحان والصلوات الخاصة، كما نقول في التسبحة: ”قلبي ولساني يُسبِّحان الثالوث“. والصلاة الدائمة تعني حُبَّ الإنسان لله، لأن أغلى هدية يُقدِّمها الإنسان إلى آخر هي الوقت، والراهب يُقدِّم عمره وأيامه حُبًّا في الله من خلال الصلاة الداخلية مع الخارجية في السكون والهدوء، والذي هو سِمَهٌ مُميَّزة في التقليد الرهباني حيث سكون الحواس أحد جهادات الحياة الرهبانية. الجانب الثالث: حياة الإنجيل: «فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ» (في 1: 27). فالراهب هو إنسانٌ متخصِّص روحيًّا في الإنجيل: يدرسه ويقرأه ويتأمَّل فيه، ويمتصُّ الوصية منه ويعيشها في حياته، حتى يصير إنجيلًا مقروءًا من جميع الناس. ويذكُر لنا التاريخ أن آلافًا من الناس وحتى البابا القبطي كانوا يقطعون المسافات من أجل كلمة منفعة من فم أحد آباء البريَّة فعندما تقابل الأب البطريرك مع أحد النُّسَّاك، والذي ظلَّ صامتًا في حضرة البابا، وعندما طلب منه أحد تلاميذه أن يقول كلمة حتى ينصرف الأب البطريرك، قال له: [إن لم ينتفع من صمتي فلن ينتفع من كلامي]. وأخذها البطريرك واعتبرها كنزًا روحيًّا. الجانب الرابع: العمل اليدوي أو الجماعي: وهو وسيلة مُكمِّلة لحياة الصلاة وحياة القراءة وحياة العمل، وتربط بينها حياة التوبة. والأديرة برهبانها أو راهباتها يقومون بأعمالٍ عديدة سواء زراعية أو صناعية بهدف خدمة المجتمع واستغلال المواهب التي يتمتَّعون بها، فضلًا عن اهتماماتهم بالبحث والقراءة والدراسة وتحقيق المخطوطات والكُتُب القديمة دون أي هدف للربح أو تحقيق فائدة مادية. والمعروف أن منتجات الأديرة تُساهم في سدِّ احتياجات المواطنين بصورةٍ جيدة يشهد لها الجميع. في الحقيقة، الرهبنة جوهرة الكنيسة التي يجب أن نُحافظ عليها وعلى حياة الآباء الرهبان أو الأُمهات الراهبات، ولا نكُن سببًا في تعكير حياتهم أو إفسادها بالزيارات والضوضاء وعدم احترام خصوصياتهم. إنها مسؤولية كبيرة على الجميع. أتذكَّر عبارة القديس يوحنا ذهبي الفم عندما زار البريَّة في مصر وكتب عنها: [السماء بكلِّ نجومها ليست في جمال بريَّة مصر بكلِّ نُسَّاكها] فلنحفظ جمال البريَّة وقداسة البريَّة، ونصون حياة ساكنيها، ونفرح بصلواتهم الدائمة من أجلنا ومن أجل بلادنا وكل العالم. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
19 ديسمبر 2025

“التسبيح بهجة الكنيسة”

«فَقَامَتْ مَرْيَمُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَذَهَبَتْ بِسُرْعَةٍ إِلَى الْجِبَالِ إِلَى مَدِينَةِ يَهُوذَا، وَدَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا وَسَلَّمَتْ عَلَى أَلِيصَابَاتَ. فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلَامَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَصَرَخَتْ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَتْ: مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ فَهُوَ ذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلَامِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي. فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ» (لو 1: 39 – 45). «فَقَالَتْ مَرْيَمُ: تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَ ذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي …» (لو 1: 46 – 48). إن كلمة البهجة كلمة أشمل وأعمق من كلمة الفرح، وكلمة البهجة ذُكِرَت في جزء الإنجيل السابق مرتين. إنَّ التسبيح هو الصورة الأرقى والأرفع التي نقدِّمها في الصلاة، قد تكون الصلاة مجرَّد كلمات ننطق بها باعتبار أن الإنسان كائن ناطق، فالله هو الذي أعطاه قدرة النطق ثم جاءت اللغة، وتعدَّدت لغات كثيرة في بلاد مختلفة ويبقى التسبيح هو الصورة الأرفع مقامًا في مُخاطبة الله، عندما نُخاطب الله نستخدم لغة التسبيح، والتسبيح باختصار هو الصلاة التي يُصاحبها الموسيقى أو النغمة، والتسبيح في الكنيسة يأخذ المساحة الأكبر في العبادة. فكل صلواتنا عبارة عن تسبيح، مثال صلاة العشية هي عبارة عن تسبيح سواء في ألحان الشمامسة وصلوات الكاهن والشعب في مشاركته ومرداته وكل هذه أشكال من التسبيح، وأيضا القداس تسبيح وهناك تسبحة نصف الليل وهناك التسبحة الكهكية وهناك تسابيح الأعياد والترانيم والألحان … فهناك زَخَم وتُراث كبير في كنيستنا القبطية. لماذا التسبيح بهجة الكنيسة؟ أولًا: التسبيح صلاة حيَّة متجدِّدة ترسم العقيدة في القلوب: فالتسبيح يجعل الصلاة التي نقدِّمها متجدِّدة في كل مرة لأنه إذا كانت الصلاة مجرَّد كلمات ستكون مع الوقت غير مُستساغة للأذن فالتسبيح عماده الألحان، فكنيستنا بها أكثر من ١٠٠ لحن، منها ألحان صغيرة جدًّا مثل كيرياليسون، ونقولها بطُرُق كثيرة أو هللويا نقولها أيضا بطُرُق كثيرة، لكن التسبيح الذي عماده الألحان هو أكثر وسيلة تحافظ على العقيدة فالتسبيح ليس مجرد كلمات حلوة، لكن الألحان التي في التسبيح أحد الوسائل التي تحافظ على العقيدة الأرثوذكسية التي نعيشها ونؤمن بها، والتسبيح لأننا نكرِّره في كثير من المناسبات حسب كل مناسبة يكون التكرار وسيلة لحفظ العقيدة من الانحراف أو النسيان، وتكون العقيدة ماثله أمامنا باستمرار إن التسبيح يشرح العقيدة والإيمان وهو يرسم العقيدة في وجداننا، بمعنى أنه يجعل المسيحي يعي معنى الحياة القبطية الأرثوذكسية ويكون له حساسية كبيرة لها، بحيث أنه إذا جاءت فكرة غريبة أو تعليم غريب يشعر به ويرفضه كذلك عندما نُعمِّد الطفل وهو في عمر الأيام تُعلَّم الأُم أن تُحضِر الطفل الصغير إلى الكنيسة، حتى تنسكب ألحان الكنيسة داخل وجدانه بحيث ينمو الطفل رويدًا رويدًا وفى داخل وجدانه الحياة الكنسية ويكبر الطفل وهو ابن النعمة ويكون مليئًا بالروح وتكون الكنيسة بالنسبة له الحضن الكبير الذي يحتضنه فالتسبيح هو الصلاة الحية المتجدِّدة، التي تشرح العقيدة وترسمها في الوجدان بسهولة خلال مراحل العُمر. ثانيًا: التسبيح يُنشِّط الروح وهو دواء لسلامة النفس: عندما تدخل أي كنيسة أو أي دير قديم قد تشبَّعت جدرانه بآلاف التسابيح على مدى مئات السنوات، تشعر بالخشوع، فالتسبيح هو تنشيط للروح، ومن التداريب الجميلة في أديرتنا: صلاة التسبحة التي يقوم بها الرهبان في الساعة الرابعة صباحًا وتنتهي التسبحة في حدود الساعة السادسة صباحًا!! وهنا يصبح الإنسان أكثر نشاطًا ومن الأمور اللطيفة التي نتعلَّمها في الدير، أنه عند ضرب جرس نصف الليل، يقوم الراهب برشم نفسه بعلامة الصليب ويقول: ”قدوس قدوس قدوس أقوم قبل ما الشيطان يدوس“، ويقول القديس باسيليوس: [الألحان هي هدوء للنفس وراحة للروح وسلطان السلام الذي يُسكِّن الأمواج، ويُسكِّت عواصف حركات قلوبنا] ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [لا شيء يُعطي للنفس أجنحة وينزعها من الأرض، ويخلِّصها من رباطات الجسد ويُعلِّمها احتقار الأمور الزمنية مثل التسبيح بالنغمات الموزونة]. وهناك دراسات كثيرة في العالم تتكلَّم عن معالجة بعض الأمراض بالموسيقى، فالتسبيح يُنشِّط الروح وهو أيضًا دواء للنفس. ثالثًا: التسبيح يُحوِّل الإنسان إلى قيثارة: القيثارة هي آلة وترية بها حوالي عشرة أوتار وتُعطي نغمًا جميلًا. وحرف اليوتا هو الحرف العاشر في اللغة القبطية، وهو أول حرف في اسم إيسوس (يسوع)، فأحد الألقاب التي نُخاطب بها السيد المسيح هو اليوتا ”اليوتا التي دلَّتنا على اسم الخلاص يسوع“ ونقرأ في إحدى التأملات، أن للإنسان جسدًا ونفسًا، الجسد له خمسة حواس والنفس لها خمسه قدرات مثل العقل والوجدان والعواطف … فيصبحوا عشرة: خمسة للنفس وخمسة للجسد!! وكأن كل إنسان عبارة عن قيثارة، عندما تعزف بالألحان والتسابيح يشعر الإنسان بالسعادة الداخلية فالقيثارة هي رمز للإنسان الذي له عشرة أوتار والتسبيح يضبط هذه الأوتار العشرة فيشعر الإنسان وهو يُسبِّح أنه ونفسه وروحه وعقله وقدراته كلها متناغمة مع بعضها، كما نقول في تسبحة كيهك: ”قلبي ولساني يُسبِّحان الثالوث“ فالقلب تعبير عن الروح و الحياة الداخلية، واللسان يُعبِّر عن النُّطق والعقل بمعنى أن كل كيان الإنسان يشترك في التسبيح، فالتسبيح هو الذي يُحوِّل الإنسان إلى حالة فرح داخلي، ويشعر الإنسان بحالة من السعادة الداخلية، ويتحوَّل كيانه كله إلى قيثارة وهي التي تُعطيه الراحة النفسية. لذلك يستخدم الأطباء الموسيقى، التي تُعطي نوعًا من الراحة الداخلية مثل موسيقى التسبيح التي نسبح بها ويقول القديس جيروم: [إنَّ المؤمنين قد صاروا أنهارًا تفيض عليها المياه من النهر الأصلي ربنا يسوع، تُصفِّق بالعمل الروحي المستمر كما بالأيدي، تُسبِّح للثالوث القدوس بالسلوك الحي]، وهذه هي بركات التسبيح الثلاثة، تعطينا صلاة متجدِّدة، ونشاطًا للروح، وتُعطينا بهجة وفرحًا داخليًّا تقول أمنا العذراء مريم: «تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي» فعندما نربط بين كلمة تبتهج ومُخلِّصي نسميها: ”بهجة الخلاص“، ونقول في الأجبية في صلاة الساعة السادسة: ”ملأت الكل فرحًا أيها المُخلِّص لما أتيت لتُعِين العالم يا رب المجد لك“. فعندما يُسبِّح الإنسان ويعيش بهجة الخلاص، يمتلئ بهذه البهجة الداخلية وهذا ما نسميه السعادة الروحية. ماذا سنصنع عندما نذهب إلى السماء؟ وهنا نتساءل ماذا سنفعل في السماء؟!! إننا سنعيش حالة من التسبيح الجديد المستمر، مثل الإنسان عندما يستخدم شيئًا جديدًا لأول مرة، فإنه يتكوَّن لديه إحساس بالسعادة، وهذه السعادة والبهجة هي حياة السمائيين تمامًا مثل فرحة الطفل الصغير بلبس العيد ولكن هذا الإحساس الجديد يظل جديدًا دائمًا، بمعنى أنه لن يأتي وقت يشعر فيه الإنسان بالملل، فيظل هذا الإحساس بالسعادة في كل لحظة وكل وقت، لذلك نُسمِّي الحياة الأبدية بالحياة الجديدة، لأنها جديدة دائمًا، فلا تأتي لحظة نشعر فيها أن هذه الحياة أصبحت قديمة!! فصلاة التسبيح عبارة عن كلمة ونغمة. الكلمة تخرج من العقل واللسان والنغمة تخرج من القلب. والكلمة مع النغمة تُكوِّن المشاعر والأحاسيس. فمثلًا عندما نسمع لحن ”ابؤرو“، نشعر بالفرح، في المقابل عندما نسمع لحن ”أمونوجنيس أو غولغوثا“ نشعر بالحزن والخشوع وبعض الألحان ترجع للموسيقى الفرعونية، فالكنيسة القبطية حفظت الموسيقى الفرعونية مع تغير الكلمات، فالموسيقى هي أقدم الفنون ويقول سفر المزامير: «سَبِّحِيهِ يَا أَيَّتُهَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. سَبِّحِيهِ يَا جَمِيعَ كَوَاكِبِ النُّورِ» (مز ١٤٨: 3) فالموسيقى التي هي عماد التسبيح هي من أقدم الفنون، وهي علم له قواعد ونظريات وحروف تُدرَّس وهي لغة تُكتَب وتُقرأ وتُسمَع ويتعلَّمونها في كليات التربية الموسيقية، وهناك ما يُسمَّى النوتة الموسيقية. ومن المعروف أن أول آلة موسيقية عُرِفَت في تاريخ البشر هي الصفارة. والثانية هي التصفيق ثم تطوَّرت إلى أن وصلت لدرجة الغناء بكل أشكاله وأنواعه، والموسيقى المُصاحبة للألحان عادة ما يُستخدَم فيها الآلة الموسيقية الطبيعية أي الحنجرة والأحبال الصوتية التي من المعروف أنها أكثر أعضاء جسم الإنسان حساسية، بمعنى أن الإنسان عليه أن ينتبه لها، فلا يشرب ما هو بارد جدًّا أو ساخن جدًّا أو حار جدَّا الحنجرة والأحبال الصوتية لها طريقة في التمدد وطريقة في الاستخدام يتعلَّمها من يعمل في الغناء وقد يكون التسبيح في الكنيسة باستخدام آلة من الآلات الموسيقية الموجودة في الكتاب المقدَّس، مثل الناقوس أو المثلث، وهي آلات بسيطة وبصورة عامة النغمات البطيئة تُعطي مشاعر الحزن، والنغمات السريعة تُعطي مشاعر الفرح والمرح والنغمات المُثيرة مثل الأغاني العسكرية تُعطي نوعًا من الحماس ومن أشهر طرق الترتيل في كنيستنا الترتيل من خلال خورسين بحري وقبلي فأحد الخورسين يقوم بترتيل ربع، ويقوم الخورس الثاني بالرد عليه وهكذا … وفترة الصمت لكل خورس لها فائدتان أولًا الراحة وثانيًا الصلاة أي رفع القلب في صلاة صامتة. وتُسمَّى طريقة المرابعة (طريقة الأنتيفون)، وهي أشهر وأسهل طريقة. وهناك طريقة ثانية وهي أن شخصًا يقول والجموع ترد عليه مثل بعض تسابيح كيهك، وهناك طريقة ثالثة وهي أن الجميع يشارك وهي طريقة تُستَخدم كثيرًا، وهناك طريقة رابعة، وهي أن شخصًا يُرتِّل والباقي يستمع إليه، ولكن هذه الطريقة غير مستحبة في الكنيسة ما عدا ما يحدث في صلاة القداس الإلهي، حيث يوجد مرد للأب الكاهن وحده ومرد للشماس وحده وعمومًا طالما هذه التسابيح سواء طويلة أو قصيرة يُغلِّفها روح الاتضاع تصير صلاةً مرتفعةً، ولكن عندما يقع الإنسان في فخ الإعجاب بنفسه أو بصوته هنا يقع في فخ الذات، فلا تصير صلاةً ولا تصير تسبيحًا وإذا أخذت مديح الناس لا تصعد إلي الله ولا حتى إلى سقف الكنيسة!! وقد ذكر لنا الكتاب المقدَّس، أسماء كثيرٍ من المُسبِّحين مثل: يوبال وتوبال ومريم أخت موسى، وداود النبي وآساف والملائكة، إلخ … وسفر الرؤيا مليء بتسابيح كثيرة وهو السفر الذي يؤهِّلنا للسماء، ولكن من المُلاحظ أن جميع تسابيح سفر الرؤيا هي تسابيح جماعية وهي تعبير عن الحياة في السماء لذلك نحن نعيش التسبيح على الأرض، لكي ما نُكمِّله في السماء إنَّ الناقوس من الآلات الموسيقية البسيطة، وهو يُمثِّل الشفتين، وهو تمثيل أيضًا للنغمات التي تخرج من الحنجرة والأحبال الصوتية أمَّا المُثلَّث فهو آلة موسيقية لضبط الإيقاع، لكي ما تكون الفترات الزمنية في اللحن متوازنة، والكلام متماشي النغمة، فينساب اللحن لأعماق الإنسان. الخلاصة أنه يجب على الإنسان أن يعيش في التسبيح بتوافقية، بمعنى أن ذهنه يكون مشغولًا بكلمات التسبحة، بحيث يعيش فيها، وتنساب نغماتها في داخله فنلاحظ أن تسابيح شهر كيهك أخذت الصورة الشعبية، وسُمِّيت سهرات سبعة وأربعة، وهي تسمية شعبية والمقصود بها أن الكنيسة تُرتِّل في هذه السهرات السبع ثيؤطوكيات الخاصة بالعذراء مريم، وكل يوم له ثيؤطوكية خاصة بها، وهذا يجعلنا نعيش مع أمنا العذراء، كل أيام الأسبوع. وأيضا نفهم العبارة التي قالتها في تسبحتها: «تَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي»، وكأن أمنا العذراء وضعت عنوان: ”بهجة الخلاص“ ونحن نعيش هذه البهجة من خلال التسبيح. أما الأربعة، فالمقصود بها الأربعة هوسات، و”هوس“ هي كلمة قبطية معناها تسبحة وأربعة هوسات التسبحة هي قطع من الكتاب المقدَّس الهوس الأول عبارة عن تسبحة مریم النبيَّة أخت موسی النبي وهو جزء من سفر الخروج ١٥ الهوس الثاني عبارة عن مزمور الشكر ١٣٦، الهوس الثالث هو صلاة الفتية الثلاثة وهم في أتون النار، وكيف يدعون الخليقة كلها للتسبيح، أما الهوس الرابع فهو عبارة عن آخر ثلاثة مزامير ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠ وهذه التسابيح تُعِد للإنسان مكانًا وسط القديسين ويتخلَّل هذه الهوسات ألحان غاية في الإبداع من حيث الموسيقى أو الكلمات، وهذه الهوسات الأربع تُصليها الكنيسة مع بعض المدائح التي وُضِعَت بطريقة شعرية وأحيانا أبجدية، لكي ما تجعل المؤمنين يتمتَّعون ويشعرون بالبهجة وخصوصًا في شهر كيهك وهو الشهر الرابع في السنة القبطية، حيث نفرح فيه بأمنا العذراء ونعيش الاختبار ببهجة الخلاص وقد بدأت بهجة الخلاص مع تجسُّد ربنا يسوع المسيح وميلاده العجيب حين سبَّحت الملائكة النشيد الخالد: «الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلَامُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ» (لو 2: 14) وصار العهد الجديد هو مسيرة التسبيح وبهجة القلوب حتى إلى السماء وطننا الغالي. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
12 ديسمبر 2025

“الصوم وصيانة جهازنا الروحي”

نقرأ فصلًا من إنجيل معلِّمنا متى البشير (ص 13: 1 – 9): «فِي ذلِكَ الْيَوْمِ خَرَجَ يَسُوعُ مِنَ الْبَيْتِ وَجَلَسَ عِنْدَ الْبَحْرِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى إِنَّهُ دَخَلَ السَّفِينَةَ وَجَلَسَ. وَالْجَمْعُ كُلُّهُ وَقَفَ عَلَى الشَّاطِيءِ. فَكَلَّمَهُمْ كَثِيرًا بَأَمْثَالٍ قَائِلًا: ”هُوَ ذَا الزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ، وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ، فَجَاءَتِ الطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ، فَنَبَتَ حَالًا إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ. وَلكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ احْتَرَقَ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الشَّوْكِ، فَطَلَعَ الشَّوْكُ وَخَنَقَهُ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَرًا، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلَاثِينَ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ“». هذا الفصل من الإنجيل تتكرَّر قراءته في الأحد الأوَّل والأحد الثاني من شهر هاتور الذي يبدأ صوم الميلاد في منتصفه، وسنركِّز على آية واحدة هامة فيه، وهي آية: «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ». من الأشياء الهامة في مسيرة حياتنا الروحيَّة، ما نسمِّيه بالجهاز الروحي في الإنسان، فالله عندما خلق الإنسان، خلق له مجموعة من الأجهزة الجسديَّة المتناسقة لكي تعمل بتناغم معًا، وأهم هذه الأجهزة الجسديَّة: الجهاز الهضمي، والجهاز التنفُّسي، والجهاز العصبي وغيرها. كذلك أيضًا يوجد بالإنسان جهازٌ نفسِيٌّ يلزم أن يعمل بتناغم ليكون الإنسان كائنًا سويًّا، حتى إنَّ أيَّ خللٍ أو عدم توافق في عمل الجهاز النفسي للإنسان، يُصَيِّره مُعتَلًّا نفسيًّا. وهناك أيضًا جهاز روحي يقود الإنسان، وهذا الجهاز يتمثَّل في: الأذُن، والعَيْن، والفم، والقلب. والثلاثة أعضاء الأوائل في هذا الجهاز تتواجد في رأس الإنسان، ويصبُّون جميعهم في القلب. ويقول الآباء، إنَّه كما أنَّ للإنسان أُذنًا خارجية، فإنه يوجد للقلب أذُنٌ داخلية، وكما أنَّ للإنسان عينًا خارجية، هكذا للقلب عينٌ داخلية، وبالمثلِ، كما أن للإنسان فمًا خارجيًّا، كذلك يوجد للقلب فمٌ داخلي، فالقلب هو مركز التجمُّعِ لهذه الأجهزة الروحية وهو المسؤول عن إداراتها. والشيء الجميل هنا، أن كنيستنا المجيدة تعلِّمنا عبر تاريخها وبأصوامها أمرًا هامًّا؛ فقد وضعت لنا مجموعة من الأصوام: أربعة أصوام كبيرة هي: صوم الميلاد، والصوم الكبير، وصوم الآباء الرسل، وصوم السيِّدة العذراء، وكذلك أربعة أصوام صغيرة وهي: الأربعاء والجمعة وصوم البرامون وصوم نينوى. والأمر الرائع في هذا أن فلسفة الكنيسة من ترتيب هذه الأصوام – خاصة الكبيرة – هو في إنها فرصة جادَّة وحقيقية لإصلاح وتجديد وصيانة أعضاء الجهاز الروحي للإنسان؛ والكنيسة تُخصِّص كلَّ صوم من هذه الأصوام الأربعة لمخاطبة عضوٍ معيَّن من أعضاء الجهاز الروحي الأربعة. والآن، لنبدأ معًا رحلتنا مع الصوم من أجل صيانة أعضاء جهازنا الروحي: صوم الميلاد: الكنيسة بحكمة بالغة تُخَصِّص صوم الميلاد البتولي من أجل إصلاح وتجديد الأذن الروحية وتنشيطها، ودليلنا على ذلك أنَّها ترتِّب لنا قراءات الأحد الأول والثاني من هاتور – قبل بدء الصوم مباشرة – لتحدِّثنا في فصول الإنجيل الخاص بهما عن مَثَل الزارع والزرع، والذي فيه تنتهي قراءة المَثَل بالعبارة الشهيرة: «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ» (مت 13: 43، لو 8: 8). فالكنيسة تسأل كُلًّا منَّا وتنبِّهه: هل أذُنك تسمع؟ وهل تطيع ما تسمعه؟ هل أُذنك تُميِّز صوت الله في مخدعك أو قلايتك أو حياتك؟ هل تفهم وتستوعب رسائل الله لك وتطيعها؟ أم أنَّك تسمع وسرعان ما تنسى أو تتناسى؟ أو ربما لا تسمع قط؟ أو إنك بعدما سمعت مضيت حزينًا ولم تعمل شيئًا؟ (مت 19: 22). ولعلَّ من أشهر العبارات الرهبانيَّة عند الآباء قولهم: ”على ابن الطاعة تحلُّ البَركة“، والطاعة هي بالسمع (الأُذن الروحية)، وهي مدخل الحياة الروحيَّة. فإن كانت أُذن الإنسان مريضة فلا قيمة ولا جدوى لما بعد ذلك. ثمَّ تأتي قراءات الأحد الثالث من هاتور (الأحد الأول في صوم الميلاد) تكرارًا للوصية «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ» (لو 14: 35)، وفي آخر آحاد شهر هاتور تُقدِّم لنا الكنيسة الحكيمة إنجيل الشاب الغني، ذلك الشاب المهذَّب واللطيف الذي تقدَّم إلى الربِّ يسوع، وسَجَدَ له بكلِّ وقار، وسأله سؤالًا كبيرًا على شابٍّ في مثلِ سنه: «مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟» (مر 10: 17)، ويا له من سؤالٍ ينمُّ عن شخصٍ مهتم بخلاصه! يدعونا أن نفرح به. ثمَّ بدأ يسوع يسأله إن كان قد حفظ الوصايا؟ فأجابه بأنَّه حفظها كلها منذ حداثته، وكان هذا أيضًا أمرًا جيِّدًا. حينئذٍ لمس الربُّ موضع أوجاعه، فقال له: «يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ. اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلًا الصَّلِيبَ». فيقول عنه الكتاب: «مَضَى حَزِينًا، لأَنَّه كَانَ ذَا أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ» (مر 10: 21، 22)، ولذلك يسمِّي البعض هذا الشاب ”بالشاب الحزين“ عوضًا عن ”الشاب الغني“. لقد مضى حزينًا لأنَّه لم يستطع أن يسمع، إذ كان ما سمعه غير موافقٍ لرغباته أو طموحاته. وهكذا البعض منَّا، لا يمكنهم أن يسمعوا ما ليس على هواهم، ولا يستجيبون للدعوة إن كانت لا تُلبِّي شهواتهم وتُحقِّق طموحاتهم، بل يسدُّون آذانهم فلا تسمع ما لا يعجبهم. وهناك الكثيرون الذين يستمعون لحديثك الطويل معهم، ولكن لا يتذكَّرون منه سوى كلمتين فقط يسمعونهما، إمَّا لكي يحاسبوك عليهما، أو ليستغلوها، تاركين باقي الكلام الجيِّد لأنه لا يعنيهم، أو لا يعجبهم، فالسمع عندهم سمعٌ انتقائي SELECTIVE LISTENING. لهذا كان هذا الصوم مخصَّصًا لإصلاح الأُذن وإعادة الحساسية الروحية لها، لتصير أُذُنًا سامعة صحيحة. بعد ذلك يأتي شهر كيهك بقراءاته المفرِحة، فالكنيسة بعدما أعطتنا مثالًا للأذن المريضة وغير المستَمِعة، تُقدِّم لنا مثالًا رائعًا للأُذن المستمعة والمطيعة في شخص أُمِّنا القديسة العذراء مريم. فالفضيلة الأولى والعظمى للسيِّدة العذراء، بجانب قداستها وطهارتها وكونها والدة الإله وغيرها من الفضائل والصفات الرائعة – هي أنها امتلكت أُذنًا جيِّدة، فقد استطاعت أن تسمع جيِّدًا، وأن تطيع جيِّدًا، حينئذٍ قالت: «هُوذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ» (لو 1: 38)، وذلك رغم كَوْن الرسالة المُرسَلة لها أمرًا خطيرًا بالنسبة لفتاة صغيرة في مثل عمرها. وتظل الكنيسة طوال شهر كيهك تُطوِّب أُمَّنا العذراء، لا لسببٍ سوى لأنَّها امتلكت الأُذُن الجيِّدة. تُرى يا أخي الحبيب، هل أُذنك تسمع كلمة الله بطريقة صحيحة؟ هل تسمع الوصيَّة جيِّدًا؟ هل تنصت للإرشاد الروحي جيِّدًا؟ هل في صمتك وخلوتك تقول «تَكَلَّمْ يَا رَبُّ لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِعٌ» (1صم 3: 10)؟ احذر أن تكون أُذنك متعطِّلة عن السمع أو مريضة، أو أنها تسمع ما يروق لها فقط؟ أو أنها لا تسمع إطلاقًا! لذلك تهتمُّ الكنيسة بأن تجعل صوم الميلاد كلَّه مخصَّصًا لهذا الأمر – إصلاح الأذن الروحية – وتُقدِّم الكنيسة على مدى شهر كيهك كلِّه، التسابيح الروحيَّة الجميلة للسيِّدة العذراء، صاحبة الأُذُن المفتوحة. بَقِىَ ملحقٌ صغير هنا، وهو أنَّنا بعد صوم الميلاد نعبر على أعياد الظهور الإلهي كلها حتى نصل إلى صوم نينوى، وهذا الصوم أيضًا قائمٌ على الأُذُن، فهو يختص بإنسانٍ (يونان) قاوم صوت الله ودعوته للكرازة لأهل نينوى، ولاقته تجارب شديدة بسبب ذلك، وبعدما نجَّاه الله منها، عاد ليسمع ويذهب مُتضرِّرًا، ولكنَّ الله أراه كيف أنَّه عفا عن المدينة بأسرها من أجل سماعهم الجيِّد لصوت الله فهبُّوا للتوبة ونالوا المغفرة والنجاة. وهكذا نرى أنَّ صوم الميلاد قد جعلته الكنيسة فرصة لنا لإصلاح أُذُننا الداخليَّة وتجديدها. فالأذن هي العضو الأوَّل في الجهاز الروحي الذي يبدأ به الإنسان مسيرته الروحيَّة. وفي التدبير الرهباني والحياة الرهبانيَّة تعتمد المسيرة على قاعدة هامة، وهي التسليم الأبوي، من الأب أو الشيخ إلى تلميذه، وهذا الأمر لا يتم إلَّا من خلال التعليم المنطوق من الأب، والأُذن السامعة والمطيعة للابن. وطوبى لمن يملك الأُذُن الجيِّدة القادرة على السمع والطاعة والعمل. الصوم الكبير: هذا الصوم خصَّصته الكنيسة من أجل إصلاح عَيْن الإنسان وصيانتها، وتجديد نظرته الداخليَّة. ففي أحد الرفاع نقرأ من الأصحاح السادس لإنجيل متى الرسول، الآيات من (1- 18)، ثمَّ نكمِّل الفصل السادس في الأحد التالي له؛ أي في الأحد الأوَّل من الصوم، وفي هذا الجزء يُكلِّمنا الربُّ يسوع عن العَين البسيطة والعَين الشريرة فيقول: «سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا» (مت 6: 23،22). فهناك عينٌ شهوانيَّة، وعينٌ ناقدة، وعينٌ حاسدة، وعينٌ ذات نظرة معكوسة للأمور، وأيضًا هناك العين صاحبة النظرة السوداويَّة والعين الناقلة للأخبار والمحبَّة للنميمة، والعَين الديَّانة والشريرة. تُرى من أيِّ نوعٍ هي عينُك يا أخي؟ يأتي بعد ذلك الأحد الثاني، أحد التجربة، ونقرأ فيه عن تجربة العَين: ”أراه كلَّ ممالك العالم“ ويحاول الشيطان إغراءه بها إن خرَّ وسجد له، وهكذا في تجربة تحويل الحجارة خبزًا، فالثلاث تجارب كانت بإغراءات منظورة بالعَين، وعلَّمنا الربُّ يسوع كيف نغلبها. ونصل إلى الأحد التالي مع مَثَل الابن الضال، ذاك الذي نظر إلى ثروة أبيه ولم ينظر إلى أبيه، أو يستمع له، فدخل في تجربة مُرَّة. ونصل إلى الأحد الرابع مع المرأة السامريَّة، ونقرأ كيف انطلقت هذه المرأة لتكرز لأهل مدينتها وعشيرتها قائلة: «هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ». وقبل أسبوع الآلام تُقدِّم لنا الكنيسة إنجيل شفاء المولود أعمى (مريض العينين)، وكيف فتَّح الربُّ يسوع عينيه، وأعطاه البصر والبصيرة أيضًا، كمثال لما نبتغيه نحن في الصوم المقدَّس من نَيْل البصيرة والاستنارة والتجديد لعيون قلوبنا الداخليَّة. إنَّ أهمَّ عَيْن علينا اقتناؤها في هذا الصوم هي العَين الرحيمة، لذلك تلحُّ الكنيسة على ذلك بتكرارها لمديحة ”طوبى للرحما على المساكين“، والمساكين هنا تشمل أي صورة من أشكال المسكنة؛ فربما الفقراء أو الضعفاء أو الخطاة، او البعيدين وهكذا. فهل عينُك يا أخي عينٌ رحيمة؟ علينا كآباء أن تكون أعيننا ممتلئة بالرحمة، والعَين الرحيمة تُنجِّينا من خطايا كثيرة، ومن دينونة وإمساك للسيرة، ومن أكثر صلوات الكنيسة التي تُردِّدها خلال هذا الصوم طلبة ”يا ربُّ ارحم“، ”ارحمنا يا الله كعظيم رحمتك“، ”ارحمنا يا الله ثمَّ ارحمنا“، وهي تضرُّعات من أجل نَيْل الرحمة، فكم بالحرى نكون في حاجة أن نقتني نحن العَيْن الرحيمة. ولنتذكَّر حال المرأة الخاطئة التي أُمسِكتْ في ذات الفعل، وكيف أحاطتها الجموع أصحاب العيون الشريرة تريد رجمها، فما كان من الربِّ يسوع الحنون إلَّا أن انحنى على الأرض، وبدأ يكتب خطايا كلِّ واحدٍ منهم على الأرض، فابتدأوا يعبرون ويقرأ كلُّ واحدٍ خطيته مكتوبة أمام عينيه، فيُلقي الحجر من يده ويمرُّ خَجِلًا تاركًا المرأة مع يسوع، أمَّا يسوع فلم يشأ أن يُشهِّر بأحدٍ، أو يكشف هوية أيًّا منهم، بل تركهم لينظروا رحمته وسِتره عليهم، ويتعلَّموا معنى عَيْن الرحمة، ثمَّ قال للمرأة: أين أولئك المشتكون عليكِ، أَمَا دانك أحدٌ، وأنا لا أُدينكِ، اذهبي ولا تُخطئي أيضًا. هذا هو المسيح، وهذا هو الإنجيل، إنها عَين الرحمة. إذن، الصوم الكبير كلُّه هو من أجل إصلاح وتجديد العّيْن. وفي نهاية هذا الصوم الكبير تعود الكنيسة لتُذكِّرنا بتعليمها الأوَّل عن إصلاح وتجديد الأُذُن، عند قراءة سفر الرؤيا، بالعبارة الجميلة والمنيرة والمتكرِّرة: «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ»، حتى نقرن ما تعلَّمناه في صوم الميلاد بتعليم إصلاح وتجديد العين في الصوم الكبير. ونستمر في رحلة الإصلاح. صوم الرُسل: هو الصوم الثالث، وهو صوم الخدمة لإصلاح الفم، ونسمِّيه أيضًا صوم الكرازة، والكرازة هي بالفم: «فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ» (مز 19: 4)، وأيضًا: «بِكَلَامِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلَامِكَ تُدَانُ» (مت 12: 37). لهذا ظهرت في الرهبنة فلسفة الصمت «ضَعْ يَا رَبُّ حَافِظًا لِفَمِي، وبَابًا حَصِينًا لِشَفَتَيَّ» (مز 140)، وقول القديس أرسانيوس: ”كثيرًا ما تكلَّمت وندمت، أمَّا عن صمتي فلم أندم قط“. الفم إذن، هو العضو الذي علينا أن نُكرِّسه للشهادة والكرازة، ولِنُطق كل ما هو للبنيان، ولتمجيد اسم الله وتسبيحه، فالفم لم يُعطَ لنا لننطق كلامًا سيئًا أو رديئًا، أو كلامًا مُعثِرًا وهادمًا، أو لنلعن به الناس المخلوقين على صورة الله، أو ننقل أخبارًا خاصة عن الناس أو نُسبِّب عثرة لهم. والعالم اليوم يعاني من كثرة الكلام الذي لا يخلو من معصية، نتيجة سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي (SOCIAL MEDIA)، فالجميع صار يتكلم، مَنْ يعرف ومَنْ لا يعرف، في الأمور المفيدة والضارة، ويتداول آلاف الأخبار الصحيحة والكاذبة، والمعلومات الأمينة والدقيقة وأيضًا غير الصادقة، فالجميع صار يُلقي بدَلوِه في عالَم يُغلِّفه الكذب والزيف والخِداع. ونتذكَّر هنا أن الكذب هو إحدى الفئات الثمانية التي أشار إليها الروح في سفر الرؤيا والتي لن تدخل ملكوت السموات (انظر: رؤ 21: 8). إذن ففلسفة الكنيسة في ترتيب هذا الصوم، هي إصلاح الفم واللسان ليكون كلامنا مُملَّحًا بملح، لأن الفم هو وسيلة الخدمة والشهادة والكرازة، فهو بالحقِّ صوم الخدمة والكرازة وزرع اسم المسيح في كلِّ قلب. وبهذه الصورة الحلوة يصير هذا الصوم مُعينًا شديدًا للإنسان لكي يشهد للمسيح «أُخَبِّرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي»، وهو ضروري لكلِّ مسيحي وليس للكهنة والرهبان فقط. صوم السيِّدة العذراء: صوم السيِّدة العذراء هو من أجمل الأصوام في الكنيسة، وهو أقصر الأصوام الكبيرة وأَحبُّها لقلوب الجميع، وقد رتَّبته الكنيسة من أجل إصلاح القلب وتجديده. فجهادنا الرئيسي في هذا الصوم هو لإصلاح وتجديد قلبنا، بعدما نكون قد جدَّدنا القنوات الروحية الموصِّلة له، أي الأُذن والعين والفم، وذلك بمحاوله اقتناء القلب النقي. فنحن نجاهد من أجل أن نصل إلى نقاوة القلب، ليكون قلبنا هو القلب المسبِّح، المُصلِّي، الفرِح بالله. ونحن الذين كرَّسنا حياتنا لله، وانطلقنا إلى البريَّة محبةً في اسمه القدوس، وبدأنا جهادنا مع الأذُن ثُمَّ مع العَين ثُمَّ مع الفم، مثابرين على ذلك كلَّ يوم لنقتني القلب النقي، مصلِّين كل يوم قائلين: ”قلبًا نقيًّا اخلق فيَّ يا الله وروحًا مستقيمًا جدِّده في أحشائي“ (قطع الساعة الثالثة)؛ هل نَعي هذه الكلمات التي نُصلِّي بها؟ فنحن نُجاهد لأن يكون قلبنا نقيًّا: «طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ» (مت 5: 8)، فهل صارت عينك الداخليَّة مستعدَّة أن ترى الله وتُعاينه في الأحداث وفي الأشخاص وفي كلِّ موقف في هذا الزمان الذي تعيشه؟ كثير من الآباء قالوا: إنَّ هدف الحياة الواحد هو نقاوة القلب. فكلُّ إنسان يجاهد في حياته الموهوبة من الله لاقتناء نقاوة القلب في مخدعه وفي حياته، حتى يصير مؤهَّلًا لسكنى الله فيه، ومعاينته والحياة معه، وهذا هو ما يريده الله منَّا «يَا ابْنِي، أَعْطِنِي قَلْبَكَ» (أم 23: 26)، وعندما يأتي الوقت ويقف الإنسان قدَّام الله يقول له: ها قلبي أمامك يا ربُّ نقيًّا كما أردته مني، بمداخله الثلاثة: الأذُن والعَين والفم. ويصير قلب الإنسان في صوم السيِّدة العذراء – ذلك الصوم الجميل – مسكنًا لله يُظهِر حياة النقاوة والتسبيح، كما قال القديس أوغسطينوس: ”نحن لا نطوِّب العذراء مريم لأنها حملت المسيح في بطنها، بل نحن نطوِّب العذراء مريم لأنها قبل أن تحمله في بطنها حملته في قلبها“. فخلاصة جهادنا أن يحلَّ المسيح في القلب، ولا ينازعه آخر أو فكرة أو شهوة أو صورة أو أي خطيَّة تعوقه عن التربُّعِ على هذا العرش، ويكون جهاد الإنسان لحفظ القلب نقيًّا هدفًا ساميًا لنا في هذا الصوم، حسب القول: «فَوْقَ كُلِّ تُحْفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ» (أم 4: 23). وأُذكِّركم أيها الأحباء بالآية الواردة في سفر نشيد الأناشيد: «مَا دَامَ الْمَلِكُ فِي مَجْلِسِهِ أَفَاحَ نَارِدِينِي رَائِحَتَهُ» (نش 1: 12)، أي: مادام المسيح مستريحًا على عرش قلبك، وفرِحًا به ومالكًا عليه، فإن رائحتك الخاصة (نارديني)، والمتمثِّلة في كلِّ كلمة أو سلوك أو نظرة، سوف تفوح برائحة المسيح الذكيَّة؛ كما يكتب بولس الرسول لنا بالروح : «لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةُ للهِ» (2كو 2: 15). وهكذا تصير غاية رحلة حياتنا الطويلة هي أن يملك المسيح على قلوبنا، ليجعلها قلوبًا مقدَّسة. وحينما يأتي وقت انتقالنا للسماء نُرنِّم ونُسبِّح بالفرح، إذ نكون قد أكملنا تقديس كلِّ أجهزتنا الروحيَّة، فصارت أواني لمجد الله. هذه هي فلسفة الكنيسة في الأصوام الكبيرة، وبالطبع هناك معانٍ أخرى روحيَّة للأصوام الصغيرة، فكلٌّ منها له هدفٌ ومعنى خاص، وجميعها للمساندة في مسيرتنا الروحيَّة. ونحن على أعتاب بداية مسيرة الصوم الأوَّل من الأصوام الكبيرة، صوم الميلاد، علينا أن نبدأ هذا الصوم ونحن مُدركون لأهميَّة الصوم في صيانة أعضاء جهازنا الروحي؛ وأوَّل هذه الأعضاء هو الأذُن، فنُعِد القراءات والآيات والأقوال التي تُفيدنا وتدعونا لتقديس السمع، ويقظة الذهن والطاعة للوصيَّة في صوم الميلاد. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل