المقالات
22 مايو 2026
"غَايَةُ الْوَصِيَّةِ هِيَ الْمَحَبَّةُ" (١ تي ٥:١)
بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين.
بولس الرسول كتب رسالتين للقديس تيموثاوس الأولى بها ستة أصحاحات، والثانية أربعة أصحاحات، أي إنه كتب له ما مجموعه عشرة أصحاحات، سنتكلم اليوم عن آية في أول هذه الأصحاحات (۱تي ١: ٥) ، وآية أخرى في آخر هذه الأصحاحات العشرة (٢ تي ٥:٤) قال الرسول بولس في الآية الأولى: «وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ، وَضَمِيرِ صَالِحٍ، وَإِيمَانٍ بِلا رِيَاءٍ» (۱تي ۱ :۵) ، ويقول في الآية الثانية مخاطبا تيموثاوس: «وَأَمَّا أَنْتَ فَاصْحُ فِي كُلِّ شَيْءٍ احْتَمِلِ الْمَشَقَّاتِ اعْمَلَ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ. تَمَّمْ خِدْمَتَكَ»( ٢ تي ٤ :٥) هذه الآية موجهة لكل المؤمنين، ولا سيما نحن الرهبان، فحياتنا مرتبطة ارتباطا وثيقا بالإنجيل. أريد أن أتكلم معكم اليوم عن غاية "الوصية" (اتي ١:٥) ، ومعايشة الوصية" (٢تي ٤ :٥) وقبل الدخول في صلب الموضوع، أود أن أتكلم معكم عن ثلاثة أمور رهبانية يجب وضعها نصب أعيننا باستمرار في حياتنا الرهبانية.
أولا: إن كانت بداية الراهب مهمة، فالنهاية أهم البداية يوم أن ترك الراهب العالم خلفه وجاء إلى الدير، مختبرا نفسه، وفي فترة اختباره يطمئن الدير عليه، ومن ثم ينضم إلي مجمع الدير بداية مهمة - فما أروعها - لكن ليست هي الأهم، يقول الكتاب نهاية أَمْرٍ خَيْرٌ مِنْ بَدَايَتِهِ» (جا ۷ :۸) انظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ»
(عب ۱۳ :۷) وليست طول مدة الراهب في الدير معيارا لعمق حياته الرهبانية، ولكن المعيار هو هل صار الراهب اليوم أقرب للرب من أمس؟ وهل صار فمه ملاصقا للعبارات الرهبانية؟ أعطني، يا رب النهاية الصالحة، كمل أيام حياتي بسلام". فالبداية الرهبانية مهمة، فيها نصرة وفرحة وأمل ورجاء ونظرة للمستقبل، لكن يجب أن يضع الراهب في اعتباره "النهاية".
ثانيا: العمل مهم، ولكن المحبة أهم العمل مهم وهو أحد مكونات الحياة الرهبانية، فمن لا يعمل لا يأكل - حسب الوصية الكتابية (انظر: ۲ تس ۳ :۱۰) - لكن هل تعاملات الراهب أثناء العمل مع إخوته تنتج وتظهر المحبة؟ العمل ركن أساسي في حياة الراهب لكن هل هناك محبة تنشأ وتتولد وتزداد يوما بعد يوم من العمل، وتقرب الراهب من إخوته؟ فهذا هو الأهم أم القلب يتقسى على أخيك وتظهر الأنا وحركات الجسد البغيضة فكل تعب الإنسان وإنجازاته مالها التراب، فكم بالحري عمله الناتج عن حسده وغيرته وصراعاته ومنافسته لأخيه. أما المحبة المتأججة للراهب نحو أخيه، فهي رصيده وكنزه في السماء. لذلك، يا إخوتي الأحباء، إن كان على الراهب أن يعمل وينجح في مشاريع أوكلها له الدير، لكن محبة الراهب لأخيه هي كنزه ورأس ماله.
ثالثا: التسبحة مهمة، وعدم حضور التسبحة وعدم مشاركة الراهب للتسبحة بدون أسباب يقلل من قيمته الرهبانية التسبيح جزء من العبادة وركن أساسي من حياة الراهب اليومية في الدير. وإن كان حضور التسبحة مهم، فإنَّ مُعايشة الكتاب المقدس وتطبيق وممارسة الوصية أهم، إلى أن يصير الراهب إنجيلا مقروءا، كما قال القديس بولس (۲کو ۳ :۲)، بل ويقول الرسول في موضع آخر: «فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح» (في 1: ۲۷). ولهذا السبب وضع أبونا متى المسكين عنوانا لكتابه عن القديس أنطونيوس: "القديس أنطونيوس ناسك إنجيلي"، أي إن حياة القديس أنطونيوس الكبير هي الإنجيل المعاش.
إذن البداية مهمة، ولكن النهاية أهم العمل مهم، ولكن المحبة أهم التسبحة مهمة، ولكن الكتاب المقدس ومعايشة الوصية أهم.
الآيتان موضوع تأملنا من رسالتي بولس الرسول لتيموثاوس تتكلمان عن غاية الوصية( اتي ١ :٥) ومعايشة الوصية (٢ تي ٤ :٥). تعالوا نبحر سويا ونخوض في هاتين الآيتين
وتراجع فيهما رهبانيتنا وسلوكياتنا وحياتنا، ونفتح قلوبنا لكلمة الله، التي هي بوصلة الراهب التي تساعده على الإبحار في رحلته، وخريطة طريق ليعيش حياة رهبانية. يضع بولس الرسول تعريفات محددة (definitions) ليس فيها لغو كلام ولا توهان، يقول في (اتي ٥:١): ما هي غاية" الوصية (target) وعلينا تطبيق هذا على حياة الراهب.
۱ - «الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبِ ظاهر»: أي من قلب تائب، فضعفاتنا تتلخص في كلمة واحدة: نقص المحبة. فالشخص الذي يُصاب بالأنيميا تجد لون وجهه شاحبا، مع قصور في الدورة الدموية ونقص في عدد خلايا الدم. هكذا أنيميا الحب، والذي يُسببها ميكروب "الذات". أنا أرى نفسي حسنًا، أنا أفكاري ورؤيتي أفضل من أخي. لكن يقول الرسول: «أما غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبِ طَاهِرٍ». يا أخي الفاضل: إياك وأنيميا الحب، إن كان قلبك يوجد فيه ما يشوبه من نقص محبة لأخيك، فهناك فرصة ونحن قادمون على صوم الرسل نستطيع أن تراجع أنفسنا.
۲ - «وَضَمِيرِ صَالِحٍ»: إن كان القلب يعبر به عن الحياة كلها، فالضمير الذي أوجده الله في هو الحكم على النيات والدوافع والأفكار الداخلية. فهل ضميري صالح ومستيقظ أم إنه نائم أو غائب أو كسلان أم موسوس؟
- «وَإِيمَانِ بِلا رياء»: والرياء هو أشد الآفات الروحية، تنخر عميقا في الجسد وتفتك به وتهدد أمنه واستقراره، وقد حذر منه الرب يسوع مرة ومرات إيمان بلا رياء، أي إيمان حقيقي، كما تقول الليتورجية: والساكنين فيها بإيمان الله، وعلاقة حقيقية بين الراهب والرب يسوع. فالراهب خرج وأتى إلى الدير بمحض إرادته وألقى كل رجائه على الرب، سواء في احتياجاته الجسدية أو الروحية. إذن يا إخوتي، غاية الوصية: «مَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ، وَضَمِيرٍ صَالِح، وإيمَانٍ بلا رياء». وينبغي للراهب أن يقيس نفسه كل يوم بهذا المقياس. هل يتقبل الراهب الإرشاد الروحي، عائشا حياة حقيقية وإيمانًا متجددا غير مزيف كل يوم ؟ يقول داود النبي: «جَعَلْتُ الرَّبِّ أمامي في كُلِّ حِينٍ، لأَنَّهُ عَنْ يَمِينِي فَلا أَنزَعْزَعُ» (مز ٨:١٦). فوضع القديس بولس لتلميذه تيموثاوس التطبيق العملي لغاية الوصية.
«أَنَا أَنَا شِدُكَ إِذَا أَمَامَ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الْعَتِيدِ أَنْ يَدِينَ الأَحْيَاء وَالأَمْوَاتَ، عند ظهوره وملكونه أكرر بالكلمة اعكف على ذلك في وقت مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ.
ونخ، النهر، عط بكل أناة وتعليم لأنه سيكون وقت لا يحتملونَ فِيهِ التَّعْلِيم الصحيحبَل حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَةً مَسَامِعُهُمْ، فَيَصْرِفُونَ مسامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ» (۲تي ١٤ - ٤). وكان بولس الرسول حاضر معنا في هذا الزمان الرديء. فهناك أناس يريدون أن يسمعوا ما يسر مزاجهم وكأن إلههم هو هواهم، فيصرفون مسامعهم عن الحق وينحرفون الى الخرافات لكن الـ paradoxe والمفارقة «أما أنت، أنت مختلف وعليك مسؤولية ودور، يضعها بولس في أربعة تطبيقات: وأما أنت فاضح في كُلِّ شَيْءٍ احْتَمِلِ الْمَشَقَّاتِ اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ تَمْمْ خِدْمَتَكَ» (٢ تي ٥:٤).
اضح في كُلِّ شَيْءٍ »:
ينبغي أن يظل الراهب يقظا روحيًا، في التسبحة نقول: "قوموا يا بني النور". قم من الكسل والتراحي وتسويف العمر باطلا، كما قيل في تحليل نصف الليل، بمعنى تضييع الوقت مع أشخاص أو مع التكنولوجيا الحديثة، وكما يقول التعبير المصري "السكينة سرقاه". انتبه، أيها الحبيب، لنفسك، وإياك والغفلة لأنها تسبق كل خطيئة.
اضح في كل شيء»: اصح فكرياً واجتماعيا ونفسيا وروحيا وجسديا، ومن الناحية الصحية أيضا. اصح في إنجيلك، اصح في تسبيحك، اصح في فكرك ولا تنشغل بالتفاهات التي تخسرك الجعالة، حتى وإن تقدمت في العمر، لكن تظل منتبها، وفيك حيوية الشباب. وهذا له صداه على باقي أفراد المجمع، فتنتقل حيويتك ونضارتك الروحية للآخرين.
«احْتَمِلِ الْمَشْقَاتِ»:
إن حياتنا ليست مفروشة بالورود، فلا تتذمر؛ لكن تذكر من لبس الأشواك من قبلك الذي مهد طريق الحياة لأجلك نقول في سيامة الراهب يا بُنَيَّ، إِنْ أَقْبَلْتَ لِخِدْمَةِ الرَّبِّ الإله .... فأعْدِدْ نَفْسَكَ لِلتَّجْرِبَةِ» (سي ۲ :۱). يقول الرب لهذا الراهب الذي يحتمل المشقات: «أنا عَارِفُ أَعْمَالك وَمَحَبَّتَكَ وَخِدْمَتَكَ وَإِيمَانَكَ وَصَبْرَكَ» (رو ۲: ۱۹)، «وَقَدِ اختملت ولك صبر وتعبت من أجل اسمي ولم تكل» (رو ۲ :۳)، حتى وإن لم يقدرك الناس ممكن أن يتعرض الراهب لمجهود جسدي ولا يتم تقديره، أو يتأذى نفسيا من شخص ما بسبب تصرفاته القاسية، أو أن يتم تجاهله ولا سيما إذا كان الراهب ذا حساسية مفرطة، فيمر بأزمة نفسية واكتئاب. لكن ينبغي أن يحتمل الراهب المشقات كجندي صالح
ليسوع المسيح. تذكر أنك حلقة في التاريخ الرهباني، هناك من كانوا قبلك وعاشوا بأمانة وهناك من سيكونون بغدك، وأنت الآن خلقة الوصل بين الماضي والمستقبل. فاعلم، أيها الأخ الحبيب، أن دورك مهم جدا للأجيال القادمة قال المهاتما غاندي: "رماني الناس بالحجارة، فجمعتها وبنيت بينا. فالحياة مليئة بالحجارة فلا تتعثر بها بل اجمعها واجعل من الحجارة التي تقذف بها سلما، وابن بها مبنى تصعد به نحو طريق الحياة الأبدية.
«اعْمَلَ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ»:
الراهب هو الشخص المخبر بالخبر السار، بل ويصير إنسان الـ "هللويا"، والكنيسة في كل مناسباتها لا تخلو صلواتها من الـ "هللويا". فكل مناسبة بل وكل يوم، هو "اليوم الذي صنعه الرب". أخي الحبيب اعذروني على هذا التعبير: "لا تكن سبب النكد وتعكيرصفو الآخرين وافتعال المشكلات والألم في الدير".
اجعل وجودك ومناقشتك وكلامك مفرحًا ولا تسبب تعبا للآخر، وتأخذ على خاطرك من فلان، وإلا سنصبح أشقى جميع الناس نحن اخترنا بمحض إرادتنا طريق الرهبنة ولم يخبرنا أحد. واعلم أيها الأخ الحكيم، أن عليك مسؤولية، سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي، مسؤولية تجاه الكنيسة كجسد المسيح. فاعمل عمل المبشر لاحظوا صيغة الأمر، فهو إلزام وليس شيئا اختياريا. انقل الإنجيل "الخبر المفرح" إلى إخوتك، لا بالكلام بل بالقدوة وحسن السيرة.
«تَمَّمْ خِدمَتَكَ»:
بمعني تقم رسالتك الرهبانية، فلا تكتفي بالصورة والمظهر الرهباني دون تقوى تمم بمعني "أكمل"، لا تترك خدمتك ناقصة. لا تخرج بين الفرقتين (۱ مل ۱۸ :۲۱) وتشوه الرهبنة، لكن عش في مخافة الرب وفي محضره كل أيام حياتك. يقول الكتاب: «تممُوا خلاصكم بخوف ورغدة (في ۲ :۱۲) والتتميم هنا يكون عن طريق التقوى، والتقوى تعني: "المخافة". وكلمة "راهب" تعني: "الذي يرهب وجه الله"، أي يعيش في مخافة الله على الدوام، فتصير حياته الرهبانية لها صدى ومردود ينعكس على كلامه وتصرفاته ربنا يحفظكم وتبارك حياتكم الرهبانية، ولإلهنا كل مجد وكرامة من الآن وإلى الأبد، آمين.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
15 مايو 2026
“أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ”
هي رسالة التزام وشِبْه الأمر، وفيها شيءٌ غريبٌ جدًّا، فنحن البشر دائمًا نميل إلى القوَّة، ومن الكلمات غير المُريحة بالنسبة للإنسان كلمة ”الضعف“، ومن الألعاب المشهورة عند الأطفال ”لعبة القوَّة بالذراع“، ويُحاول كل طفل أن يُثبت قوَّته، وقد يلعبها الطفل مع أبيه. وهنا يترك الأب لابنه أن يغلبه كنوعٍ من التشجيع، فالضعف شيءٌ غير مُستحَبٍّ للجميع وإن كان الكتاب المقدَّس يسرد هذه الآية الجميلة: «اخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ» (1كو 1: 27). فالله يختار مَنْ ينظر لهم العالم كضعفاء، ليُخزي بهم الأقوياء، والقدِّيس بولس الرسول في رسالته للعبرانيين يتحدَّث عن قوَّة الله التي ساندت رجال الله، فيقول: «لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي الْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعَوْنَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيِفْتَاحَ، وَدَاوُدَ، وَصَمُوئِيلَ، وَالأَنْبِيَاءِ. الَّذِينَ بِالإِيمَانِ: قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ، أَطْفَأُوا قُوَّةَ النَّارِ، نَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ، تَقَوَّوْا مِنْ ضَعْفٍ، صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي الْحَرْبِ، هَزَمُوا جُيُوشَ غُرَبَاءَ» (عب 11: 32 – 34) لقد اختار الله إرميا الصغير الضعيف، فعندما دعاه الرب قال عن نفسه: إني ما زلتُ ولدًا: «آهِ، يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لَا أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ» (إر 1: 6). فشجَّعه الرب وقال له: «لَا تَقُلْ إِنِّي وَلَدٌ … هَأَنَذَا قَدْ جَعَلْتُكَ الْيَوْمَ مَدِينَةً حَصِينَةً وَعَمُودَ حَدِيدٍ وَأَسْوَارَ نُحَاسٍ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ» (إر 1: 7، 18) وكان يوسف الصِّدِّيق أضعف إخوته، إلَّا أنَّ الله سنده ليكون مُتسلِّطًا على كلِّ أرض مصر، وصار مُدبِّرًا لشعب مصر وهو ما زال صغير السِّنِّ: «قَالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ: ”انْظُر قَدْ جَعَلْتُكَ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ“» (تك 41: 4)؛ بل جعله الله أبًا لفرعون وسيِّدًا لكلِّ بيته: «فَالآنَ لَيْسَ أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمُونِي إِلَى هُنَا بَلِ اللهُ. وَهُوَ قَدْ جَعَلَنِي أَبًا لِفِرْعَونَ وَسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ وَمُتَسَلِّطًا عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ» (تك 45: 8) لقد أوصى الله في شريعته بالشفقة على العبيد والغريب واليتيم والفقراء والمساكين، وإنصاف المظلومين (خر 20، 23؛ لا 25: 35؛ مز 146: 9؛ يع 1: 27) كانت البشرية كلها في ضعفٍ بسبب خطية آدم، حتى الأبرار منهم كانوا أيضًا في ضعف، فقد كانوا في قبضة الشيطان، إلى أن جاء السيِّد المسيح. ويُقرِّر بولس الرسول صراحةً ويقول: «لأَنَّ الْمَسِيحَ إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ» (رو 5: 6).
أنواع الضعف:
هناك ثلاثة أنواع من الضعف، وهي: الضعف الجسدي (الصحي)، والضعف النفسي، والضعف الروحي. والوصية التي يُعلِّمنا إيَّاها بولس الرسول هي: «أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ»، ويمكن أن نُسمِّيها: ”خدمة السَّنَد“.
الضعف الجسدي:
كان السيِّد المسيح مثالًا في مُساندة الضعفاء جسديًّا، فكان من مظاهر حُبِّه للناس ورحمته بهم، أنه إذا رأى مريضًا شفاه من مرضه مهما كان هذا المرض مُستعصيًا أو مُستحيل الشفاء. فيكتب القدِّيس متى عنه: «فَلَمَّا خَرَجَ يَسُوعُ أَبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وَشَفَى مَرْضَاهُمْ» (مت 14: 14) ومِن ثَمَّ كان يهرع إليه المرضى بكلِّ أنواع المرض من كلِّ مكان لينالوا الشفاء من أوجاعهم. ومن أقوى الأمثلة كمُساندة للضعفاء قصة شفاء ”مريض بِرْكة بيت حِسْدَا“ (يو 5).
أمَّا الضعف النفسي:
فهو قاسٍ جدًّا على الإنسان (انظر: تك 49: 7)، فقد تكون نفس الإنسان هشَّة، لذلك يوجد مرضى النفس والأطباء النفسيُّون. والضعف النفسي قد يكون بسبب الحالة الصحيَّة أو المرض أو الإعاقة وأحيانًا يكون بسبب ضعف في القدرات العقلية كالذكاء والتفكير، بمعنى أنَّ الطفل يكون بطيئًا في التعلُّم، وهذا النوع من الأطفال يحتاج إلى عنايةٍ خاصة، فما يحتاجه هذا الطفل من وقتٍ في التعليم، قد يساوي عشرة أمثال ما يحتاجه الطفل العادي وقد يكون هذا الضعف بسبب ضعف الثقة في النفس والخوف والتردُّد، بمعنى: قد تكون ثقة شخصٍ ما في نفسه ضعيفة، فيُصاب بصِغَر النفس، ويُعتَبَر صِغَر النفس في مقام الخطية والضعف النفسي قد يتسبَّب أحيانًا بمخاوف عند الإنسان، وهذه المخاوف تأخذ شكل المرض. ومن أسباب الضعف النفسي أيضًا وجود قدر من الإحباط أو اليأس أو القلق عند الإنسان. وقد يكون بسبب ظروفٍ اجتماعية وأُسريَّة تربَّى فيها الشخص بأسلوبٍ خاطئ.
أمَّا الضعف الروحي:
فهو يحتاج المُساندة، لأن الروح مُتداخلة ومُتفاعلة في وحدةٍ واحدة مع الجانب المادي في الإنسان، فهي تؤثِّر وتتأثَّر بكلِّ ضعفٍ إنساني، وقد تضعف وتمرض وتسقط مثل الجسد وحينما تعجز الروح عن التواصُل مع الله، تبدأ في الضعف وتقل استنارتها. ومع الأيام تقل سيطرتها على الجسد، وتعجز عن قيادة حياة الإنسان والروح تحتاج إلى ما يُغذِّيها لتستمر في قوَّتها، وغذاء الروح هو اتِّصالها بالله عن طريق وسائط النعمة (الصوم، الصلاة، قراءة الكتاب المقدَّس، التوبة، التناول … إلخ) الروح تَقْوَى بجهاد الإنسان، وبعمل النعمة الإلهيَّة فالمرأة المُنحنية كان بها روح ضعف لمدَّة ثماني عشرة سنة، وكانت منحنية ولم تقدر أن تنتصب البتَّة، فلما رآها يسوع دعاها وقال لها: «يَا امْرَأَةُ، إِنَّكِ مَحْلُولَةٌ مِنْ ضَعْفِكِ» (لو 13: 12). وقال للذين قاوموه لأنه صنع ذلك في سبت: «هذِهِ، وَهِيَ ابْنَةُ إِبْرَاهِيمَ، قَدْ رَبَطَهَا الشَّيْطَانُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُحَلَّ مِنْ هذَا الرِّبَاطِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ؟» (لو 13: 16).
كيف نسند الضعفاء؟
إنَّ ضعفات الإنسان كثيرةٌ جدًّا، فاسأل نفسك: هل فكَّرتُ في يومٍ أن أَسند إنسانًا في ضعفه؟
إذن، يُمكن وَضْع خدمة السَّنَد في خمسة أشكال:
أولاً: الدَّعم المعنوي:
يكون الدَّعم المعنوي من خلال:
(1) الشعور بالقرب للشخص المُراد به الدَّعم:
لأن أحد أمراض هذا الزمان أنَّ الإنسان يشعر أنه مُتغرِّبٌ، وأنه لا يوجد أحدٌ بالقُرب منه. وأيضًا الدَّعم المعنوي يحتاجه الطالب وقت الامتحان.
(2) المحبة:
التعبير عن محبة الله، يكون بمحبة الناس ومُساعدتهم. فأعطِ من قلبك حُبًّا وتعضيدًا ومُساندةً للمحتاجين. أعطِ حبًّا للأطفال، للعَجَزَة، للأيتام، للمُسنِّين، للفقراء، للمُعوَّقين.
(3) الخدمة:
الخدمة هي طريقة من طُرُق مُساندة الضعفاء، كافة أنواع الخدمات.
(4) الاحتمال:
كم مرَّة احتملك الله وسَنَدَكَ في ضعفك وسقطتك وزلَّاتك. كم مرَّة قدَّمتَ توبة واعترفتَ، ثم رجعتَ مرةً أخرى للخطية لقد استطاع موسى النبي أن يحتمل شعبًا صُلْب الرقبة سنواتٍ طويلة في البريَّة، ويقودهم في رِفقٍ، ويسندهم في ضعفاتهم، ويشفع في خطاياهم في احتمالك التمس الأعذار، فـ «لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا (بلا خطية) إِلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ» (مت 19: 17) الكلُّ مُعرَّضٌ للوقوع في الضعف والخطية، فلا تحتقر سقطة الضعيف. فما أسهل أن تقع عليك حروب العدو فتسقط ويكون سقوطك عظيمًا التمس العُذر للآخر، وأسنده في ضعفه، فليس إنسانٌ بلا نقطة ضعف.
ثانيًا: الدَّعم المالي:
نحن دولة من دول العالَم الثالث، وذات اقتصادٍ محدود، ونُعاني جميعًا من متاعب في الاقتصاد، وهذا يكون على مستوى الأفراد والأُسَر والخدمة و … إلخ وهنا يأتي الدَّعم المادي كوسيلة تحت عنوان: ”خدمة الضعفاء“، وهذا الدَّعم يختلف من مكانٍ إلى آخر، فليس له قاعدة مُحدَّدة. فالدَّعم المالي يصلح للأفراد مثل الطلبة، ويصلح للأُسَر والعائلات، ويصلح أيضًا للخدمة الكنسيَّة، ويصلح للمجتمع ككلٍّ مثل صندوق ”تحيا مصر“، أو مستشفى تقوم بعلاج الأطفال، أو مستشفى تقوم بعلاج أمراض خطيرة، وتحتاج الأدوية إلى تكاليف باهظة الثمن. فخدمة السَّنَد يمكن أن تكون في خدمة الوطن، أو تقديم مساندة لمؤسَّسة تسند الجميع، فكلُّ هذا يُساهم في أعمالٍ عظيمة.
ثالثًا: الدَّعم اللفظي:
(1) التشجيع والكلمة الطيِّبة:
الدَّعم اللفظي، بمعنى الكلمة الطيِّبة والرقيقة التي تخرج من الإنسان. والكلمة الطيِّبة تصلُح للصغير والكبير، لكي ما يتقوَّى ويتشجَّع كلاهما. فمثلًا رئيس الدير كان يقول لأيِّ راهب يُرسَل في خدمةٍ مُعيَّنة: ”أنت شاطر“، كنوعٍ من التشجيع لهذا الراهب، وبالطبع هذه الكلمة تحمل قوَّتها وبركتها وأتذكَّر حينما كنتُ في المرحلة الجامعية أعبُر على كنيسة بالقرب من الكليَّة لأصلِّي فيها قبل الذهاب إلى الامتحان. وكان هناك أب كاهن عندما يراني كان يقول لي: ”ربنا معك“، وكنتُ عندما أسمع هذه الكلمات، أشعر أنَّ الامتحان في هذا اليوم سيكون جيِّدًا جدًّا «أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ»، تسبقها وصية: «شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ»، إنها وصية تسبقها وملتحمة بها، فكأنَّ بولس الرسول يقول: ”أسندوا الضعفاء بالتشجيع“إنَّ التشجيع يُعطي قوَّةً ودفعةً للضعيف، فيجعله أفضل من ذي قبل، ويبثُّ فيه الأمل والثقة بالنفس.
(2) التماس الأعذار:
التماس العُذر أيضًا نوعٌ من الدَّعم اللفظي، مثل كلمات: معلهش، ما حصلش حاجة، تتعوَّض، وغيرها من الكلمات التي تُبسِّط الأمور.
رابعًا: الدَّعم الاجتماعي:
يُقصَد بالدَّعم الاجتماعي تسديد احتياج إنسان مثل تقديم الطعام. فمثلًا السيِّد المسيح علَّمنا قائلًا: «لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ» (مت 25: 35 – 36) والمقصود من هذه الآية، هو تقديم خدمة السَّنَد. فالجوعان تُقدِّم له الطعام، والعطشان تسقيه، وهكذا.
خامسًا: الدَّعم الروحي:
هو سَنَدٌ هام جدًّا للضعفاء روحيًّا، فقد يُصاب الإنسان بالفتور أو الجفاف أو العَوَز الروحي، فمثلًا عندما تُقدِّم كتابًا مقدَّسًا لإنسانٍ في احتياج له فأنت تسنده. وإن كان طفلًا، فيُمكنك أن تُقدِّم له الكتاب بخطٍّ كبير أو ملون أو مصوَّر الأهم في السَّنَد الروحي، هو أنك تُسامح الآخرين، تُسامح مَنْ أخطأ في حقِّك، فلا تبتعد عنه أو تُفكِّر في أن تُخاصمه، فعندما عاد الابن الضال إلى بيت أبيه، قدَّم له أبوه خاتمًا وحذاءً وحُلَّةً جديدة، وذَبَحَ له العِجْل المُسمَّن. وكلُّ هذه احتياجات مادية ونفسية؛ ولكن كان الأهم من كلِّ هذا أنَّ الأب أَخَذَ ابنه في حضنه، فيقول الكتاب: «وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ» (لو 15: 20). وكان هذا الحضن بمثابة قول الأب لابنه: ”لقد سامحتك على كلِّ ما بَدَرَ منكَ“ السَّنَد الروحي هو أحد الأمور القويَّة جدًّا في حياة الإنسان، فالإنسان يحتاج إلى مَنْ يغفر خطاياه أنت تستطيع أن تُقدِّم السَّنَد للآخر عن طريق مُكالمة تليفونية أو زيارة افتقاد وعندما تبحث عن أيِّ إنسانٍ ضعيف بأيَّة صورة من صور الضعف، وتقف بجانبه وتسنده في ضعفه وتشعر به؛ فإنك تُقدِّم خدمة السَّنَد: «أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ» هذا يُذكِّرنا بقول أحد الآباء: ”بحثتُ عن الله كثيرًا ولم أجده، وبحثتُ عن نفسي كثيرًا ولم أجدها؛ ولكن عندما بحثتُ عن أخي، وجدتُ الثلاثة: الله، ونفسي، وأخي“ فعندما تبحث عن أخيك، وتكون سَنَدًا له في ضعفه كيفما يكون هذا الضعف، وبما يليق به، وبما يحتاج إليه؛ تكون قد اقتنيتَ هذه اللؤلؤة: «أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ».
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
08 مايو 2026
القدِّيسون شهود الكنيسة
«اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ» (عب 13: 7).
خلال شهر مايو من كلِّ عام نحتفل بأيام القيامة المجيدة والخمسين المقدَّسة التي هي أساس إيماننا وفرح أفراحنا وخلال هذا الشهر تأتي تذكارات عديدة للقدِّيسين من كلِّ النوعيات، هم شهودٌ في تاريخ الكنيسة، وكأنهم مصابيح النور عَبْر مسيرة حياة المؤمنين نحو الملكوت، يحملون نور القيامة لنا من جيلٍ إلى جيل، ويشهدون بحياتهم وإيمانهم، وهذا هو سرُّ بقاء الكنيسة حيَّة عَبْر العصور، خاصةً عصور الضيق والألم، لأنهم يُقدِّمون دموعهم وعرقهم فضلًا عن دمائهم وحياتهم. ويُعبِّر عنهم بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين: «لِذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ، وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ، وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا» (عب 12: 1) ومن هذه التذكارات: مار مرقس الرسول – مار جرجس الروماني – القدِّيس أثناسيوس الرسولي – الملكة هيلانة – القدِّيس باخوميوس أب الشركة – القدِّيس أرسانيوس معلِّم أولاد الملوك – القدِّيسة دميانة العفيفة، وغيرهم كثيرون خلال هذا الشهر يقول الكتاب المقدَّس عنهم: «أَنْتُمْ شُهُودِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَعَبْدِي الَّذِي اخْتَرْتُهُ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا بِي وَتَفْهَمُوا أَنِّي أَنَا هُوَ. قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلهٌ وَبَعْدِي لَا يَكُونُ» (إش 43: 30) ونحن نحتفل بالقدِّيسين كلَّ يوم بصُوَر متنوعة، فمثلًا نذكُرهم في مجمع التسبحة كلَّ يومٍ، وكذلك في الذكصولوجيات، وفي تحليل الخُدَّام، وفي كتاب الدفنار، وفي كتاب السنكسار، وفي مجمع القدَّاس، وألحان الهيتنيَّات (الشفاعات). كما نضع أيقوناتهم في الكنيسة وفي حامل الأيقونات بترتيبٍ مُعيَّن، وفي نهاية كلِّ قدَّاس نقول لحن التوزيع: «سبِّحوا الله في جميع قديسيه». هذا يعني أنَّ الكنيسة مُحاطة بأرواح القدِّيسين، وأنَّ حياة القداسة مزروعة في داخلنا كبذورٍ تنمو مع الأيام، لتصير شجرة الإنسان مُحمَّلة بالفضائل، ومُزيَّنة بالتوبة والتقوى والمخافة. ومهما كان سنُّك كبيرًا أو صغيرًا، ومهما كنتَ رجلًا أو امرأةً، طفلًا أو شابًّا أو مُسِنًّا، فأشكال القدِّيسين كثيرة ونوعياتهم عديدة، وسوف تجد بينهم مَنْ يُشبهك ويكون نموذج حياتك على سبيل المثال: قصة الشهيدَيْن تيموثاوس الشمَّاس وعروسه مورا، وهما من جنوب الوادي ولم يمضِ على زواجهما ثلاثة أسابيع، حيث طلب المُضطهدون منه تسليم كُتُب الكنيسة المخطوطة، ولكنه رفض قائلًا: ”هل يُسلِّم أحدٌ أولاده“؟! وعندما بدأوا بتهديده وتخويفه، اتَّجهوا إلى زوجته العروس التي أجابتهم بنفس إجابة زوجها. وكانت النتيجة عذاباتٍ كثيرة ثم استشهدهما، ورغم أنهما من القرن الرابع إلَّا أنَّ سيرتهما باقية ومُهمَّة لكثيرين حتى الآن.
ويمكننا أن نشرح أنَّ القدِّيسين شهود الكنيسة من خلال أربع نوعيات:
أولًا: شهادة الإيمان:
وهنا نتحدَّث عن الشاهد وليس الشهيد، وفي تاريخ كنيستنا كثيرٌ من شهود الإيمان ، مثل: القدِّيس كيرلس عمود الدين، وهو البابا رقم 24 في بطاركة كنيستنا، وقد كان هذا القدِّيس مُدافعًا قويًّا عن الإيمان، وهو الذي وَضَعَ لقب والدة الإله ”ثيئوطوكوس“. وساعد في تأليف (الثيئوطوكيات)، وهي عبارة عن قِطَع تمدح أُمنا العذراء مريم، وهي موزَّعة على أيام الأسبوع. وصار هذا القدِّيس مُدافعًا عن الإيمان في كلِّ المجامع والمناقشات التي حضرها، وفي الكُتُب التي قام بتأليفها، وصار شاهدًا من شهود الإيمان في الكنيسة وشهود الإيمان كثيرون مثل: القدِّيس أثناسيوس الرسولي، والبابا ديسقوروس. ويوجد عَبْر التاريخ كثيرٌ من الأسماء، بداية من القدِّيس مار مرقس الرسول حتى الآن. وكنيستنا تحفظ الإيمان، فنقول: نحن على إيمان أثناسيوس وكيرلس وديسقوروس. فخط الإيمان المستقيم مستمرٌ، وشهود الإيمان يزدادون كلَّ يومٍ، لذلك فإنَّ كنيستنا حيَّة وشاهدة للإيمان وحضور الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في أيِّ لقاءٍ على مستوى العالم، هو شهادة للإيمان المستقيم. ومنذ سبعين سنة بدأ مجلس الكنائس العالمي يجتمع للتقارُب بين الكنائس، ونحن نُشارك في هذه المجالس العالمية بفاعلية منذ أيام البابا يوساب الثاني (البطريرك 115)، لأننا نحمل الإيمان المستقيم، ولأن المسيح أوصانا أن نكون ملحًا للأرض ونورًا للعالم، والملح والنور لا يختبئان. فالنور يجب أن يوضَع على المنارة لكي يظهر، والملح يوضع في وسط المجتمع لكي ما يأتي بالثمار.
ثانيًا: شهادة التوبة:
القدِّيسون شهودٌ للكنيسة بالتوبة، وهناك باقة كبيرة من قدِّيسي التوبة في الكنيسة، مثل: القدِّيسة مريم المصرية التي ارتبطت سيرتها بالقدِّيس زوسيما القس. ومريم المصرية في بداية حياتها سلكت سلوكًا خاطئًا، وأرادت أن تنقل هذا السلوك الخاطئ إلى فلسطين!! وعندما أرادت أن تدخل الكنيسة في أورشليم شعرت بأنَّ يدًا تمنعها من الدخول. وهنا بدأت تعرف خطيئتها وتتوب، وقد عاشت في براري الأردن. وبتوبتها شهدت وصارت سيرتها عَطِرة بالكنيسة. وأيضًا من قدِّيسي التوبة القدِّيس القوي موسى الأسود، وقد كان سلوكه بعيدًا عن الله، وتعرَّف على القدِّيس إيسيذوروس. وكان القدِّيس موسى (قبل إيمانه) يأكل خروفًا كلَّ يومٍ، فكيف سيعيش في حياة النُّسك؟!
ولكن القدِّيس إيسيذوروس علَّمه وأعطى له قانونًا روحيًّا، فأثناء سيره معه في البريَّة وجد فرع شجرة، فقال له: ”ستأكل مقدار وزن هذا الفرع“، لكن مع مرور الأيام بدأ هذا الفرع يجف ووزنه يقل، وبذلك قلَّت كمية الطعام التي يأكلها موسى، ومع مُضِيِّ الوقت ومن هنا تعلَّم النُّسك. وصار موسى التائب يصوم يومين يومين، وصار قدِّيسًا عظيمًا، نذكُر اسمه حتى اليوم، ونُسمِّي أولادنا على اسمه. فكما أنَّ كنيستنا بها شهودٌ للإيمان، بها أيضًا شهودٌ للتوبة، وفي آخر كلِّ قدَّاس يُصلِّي الأب الكاهن قائلًا: ”اهدنا يا رب إلى ملكوتك“، بمعنى: اجعلنا يا رب دائمًا شهودًا لك في توبتنا وإيماننا.
ثالثًا: شهودٌ للفضيلة:
شهود الفضيلة هم مَنْ يعيشون ويُطبِّقون الحياة المسيحية، كما قال الكتاب: «فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ» (في 1: 27)، بمعنى أنَّ وصايا الإنجيل هي التي تجعل المسيحي شاهدًا للفضيلة، والفضيلة هنا ليست هي الفضائل الإنسانية، ولكن المقصود هو الصفات المسيحية الأصيلة، التي تصل إلى تطبيق وصية محبة الأعداء، كما نقول في صلاة باكر: ”أسألكم أنا الأسير في الرب أن تسلكوا كما يحقُّ للدعوة التي دُعيتُم إليها، بكل تواضع القلب والوداعة وطول الأناة، محتملين بعضكم بعضًا في المحبة، مُسرعين إلى حفظ وحدانية الروح برباط الصُّلْح الكامل …“. وكأن الكنيسة تدعونا وتحثنا كلَّ يومٍ أن نكون شهودًا للفضيلة ويقول القدِّيس مار إسحق السرياني: ”شهيَّةٌ جدًّا هي أخبار القدِّيسين في مسامع الودعاء كالماء للغروس الجديدة“. وإن وُجِدَ في حياة الإنسان بعض الكسل أو الفتور، أنصحه بالقراءة في السنكسار وسِيَر القدِّيسين، لأنهم نماذج للفضيلة فالإنجيل إن كان حاضرًا في حياة الإنسان، تكون الفضيلة أيضًا حاضرة، لأن كلمة الله تزرع في قلبه الفضيلة، فإذا تواجدت كلمة الله في بيته، وفي عباراته وفي فكره، سيكون عقله نقيًّا وخاليًا من أفكار الخطية، فالكتاب المقدَّس هو الوسيلة الفعَّالة لتنقية أفكار الإنسان، كما يُعلِّمنا المسيح قائلًا: «الْكَلَامُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ» (يو 6: 63). فعِش وافهم الإنجيل لكي ما تصير شاهدًا للفضيلة.
رابعًا: شهادة الدم:
وهم الشهداء، وشهداء الدم أعدادهم لا تُحصَى في التاريخ المسيحي، وما تزال حتى يومنا هذا، تُقدِّم المسيحية في مواضع كثيرة من العالم شهداء، وشهادة الدم هي قمة أنواع الشهادة. فالإنسان الذي صار شهيدًا، قد صار شاهدًا بدمائه وبحياته، ومن أمثلة هؤلاء الشهداء: الأمير تادرس، والقدِّيسة مارينا، والقدِّيس أبانوب … إلخ فالقدِّيس أبانوب كان طفلًا، والقدِّيسة مارينا كانت أميرةً، والقدِّيس تادرس كان أميرًا، والقدِّيس موسى القوي كان عبدًا. وقد يظنُّ الناس أنَّ شهادة طفل مثل أبانوب تنتهي سيرته بموته، ولكن هذا غير صحيح، لأن مَنْ شهدوا للكنيسة بدمائهم، صارت سيرتهم حاضرة دائمًا في تاريخ المسيحية. وقديمًا كانوا يبنون الكنائس على قبور الشهداء، وهناك مقولة تقول: ”مقابر خُدَّام المصلوب أروع من قصور الملوك“ فجميعنا نزور مزارات الشهداء مثل: مزار الشهيد مار مينا العجائبي؛ وكذلك نزور مزارات شهود الفضيلة مثل: البابا كيرلس السادس شاهد الفضيلة الذي عاش وسلك بها، فما أعظم بركات صلوات القدِّيسين ونحن نتشفَّع بهم، فنحن هنا على الأرض لنا أصدقاء في السماء ولنا تاريخ حافل وهم يروننا ويسندوننا ويُصلُّون من أجلنا ويُشجِّعوننا على الطريق، وهم شهودٌ في حياتنا اليومية. فصلوات القدِّيسين لها قوَّتها العظيمة في حياتنا، وعندما نطلب صلواتهم وشفاعتهم فإنَّ هذه الصلوات تصير قويَّة جدًّا وهناك قصة تُحكَى عن بيت تمَّت سرقته، وقد قام أهل هذا البيت بالتشفُّع بالقدِّيسين، وزاروا أديرة كثيرة جدًّا. وفي أحد الأديرة تقابلوا مع أبٍ راهب فسألهم عن سبب تعبهم؟!! فقالوا: ”إن البيت تمَّت سرقته“، فقال لهم الأب الراهب أن يتشفَّعوا بقديس كان أصله سارقًا. وبالفعل تشفَّعوا بالقدِّيس الأنبا موسى القوي. وبالفعل عادت المسروقات كلها بعد أيامٍ قليلة.
الخُلاصة، أيها الأحبَّاء، هي أنَّ القدِّيسين هم شهودٌ للكنيسة. فطوبى لمَنْ يعرف عددًا كبيرًا من هؤلاء القدِّيسين، ويعرف سِيَرهم، ويعيش حياتهم، ويُعيِّد أعيادهم، ويزور مواضعهم، ويتبارك برفاتهم، ويطلب شفاعتهم دائمًا.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
01 مايو 2026
لا يُجَازِي أَحَدٌ أَحَدًا عَن شَرَّ بِشَر» (۱تس ٥: ١٥)
الشر هو عدم وجود الخير تماما كما نقول إنه لا يوجد كيان وجودي للظلام ولكن غياب النور يمكن أن تسميه ظلاما كما إن غياب الحياة تسميه موتا وغياب الخير نسميه الشر الله لم يخلق عالم الشر الشر هو شيء سلبي هو انحراف عن الخير هناك في الحياة أشياء كثيرة يمكن أن نستخدمها في الخير والانحراف في استخدامها يكون هو الشر.
لماذا يسمح الله بالشر؟
إساءة استخدام الشيء تحوّله إلى شر فالله لا يريد الشر ولكنه قد يسمح به كثيرا وهنا نسأل: لماذا يسمح الله بالشر أو بالانحراف عن الخير؟ ذلك لأن الله أعطى الإنسان حرية ليتصرف ويختار ويصنع مصيره.
درجات من مجازاة الشر بالشر
هناك من يرد على الشر بطرق عدة:
1- بعدم المواجهة أو بالابتعاد عنه:
في العهد القديم نقرأ عن موسى النبي عندما أراد أن يمر هو وشعبه في أرض أدوم أبناء عيسو) أرسل رُسُلًا ليستأذن من ملك أدوم بأن يسمح له بالمرور دون أن يأكلوا من ثمارهم شيئا ولن يأخذوا ماءً ولن يتفحصوا شيئًا مما على يمينهم أو يسارهم فرفض ملك أدوم وقال له: «لا تَمُرُّ بِي لِئَلَّا أَخْرُجَ لِلقَائِكَ بِالسَّيْفِ» (انظر: عد ٢٠: ١٤ - ١٨) فعرض موسى أن يدفع ثمن المياه التي سيستخدمها شعب بني إسرائيل فرفض ملك
أدوم بإصرار وهدد بأن يُحاربه فكانت النتيجة أن موسى ابتعد عن الشر.
٢- الرد بفكر الشر
إن الإنسان في هذه الحالة عندما يتعرض للشر يواجهه بشر ولكن هذا الشر يكون على مستوى الفكر فقط. وكمثال لذلك شخص يتعرض لشر أو إساءة من شخص آخر فيواجه هذا الشر بالغضب الداخلي بمعنى أن يقول بعض الكلمات الحادة التي تعبر عن هذا الغضب مثل طلب الانتقام منه أو ما يعبر به عن غضبه.
3- الرد بفعل مماثل:
أي إن الإنسان يواجه الشر بشر مثله بالضبط بمعنى أنه إن تم توجيه شتائم إليه يرد عليها بشتائم مثلها بالضبط، وإن وجه أحد إليه إهانة يرد عليها بإهانة مثلها وهكذا ولكن كل هذا ليس حسب الوصية المسيحية.
4- الرد بفعل الشر
أي من يواجه الشر بالفعل مثل اثنين يصل الخلاف في الحوار بينهما إلى حد أن يقوم أحدهما أثناء النزاع مع الآخر ويقتله وهنا شر الكلام تحول إلى شر أفعالي ووصل إلى مرحلة الإيذاء وقد يقوم إنسان بشر معين فيقوم الآخر بشر أصعب منه لكن المسيحية تعلمنا قائلة: «انْظُرُوا أَنْ لَا يُجَازِي أَحَدٌ أَحَدًا عَن شَرِّ بِشَرُ» (۱ تس ٥: ١٥).
ه- الرد على الشر بشر أكبر:
لقد الدفع شكيم واغتصب دينة ابنة يعقوب فكان الانتقام برد أكبر أن أولاد يعقوب قتلوا كل رجال شكيم وسبوا غنائمهم ونساءهم وذلك انتقاما لما فعله شكيم مع دينة أختهم (تك (٣٤).
6- أسوا أنواع الشرور من يجازي عن الخير شراء
بعد أن كان شاول يخطط في نفسه مرا للتخلص من داود لم يستطع أن يكتم الأمر في نفسه وخاصة بعد نجاحات داود المتتالية ولهذا أعلن لابنه يوناثان ولرؤساء جيشه المقربين منه برغبته في أن يقتل داود رغم أن داود صنع معه خيرا وأنقذه كثيرا من الفلسطينيين (۱صم ۱:۱۹-۷).
7- أشتم فتبارك
المسيحية توصي بمقابلة الشر بالخير: «لا يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغلب الشَّر بالخير» (رو۲۱:۱۲) والأكثر من هذا أننا نسمع وصية مكونة من كلمتين والكلمتان عكس بعضهما البعض وهي مثل: «نَشْتَمُ فَتبارك» (١ كو ٤ :۱۲) فقد ترد على من يشتمك بشتيمة مثلها ولكن الأجمل أن ترد عليه بعبارة جميلة مثل "الله يباركك" وهذا هو سمو المسيحية وبالطبع هذا الرد يحتاج إلى نفس قوية.
أسباب الاندفاع للشر
1- الشيطان
إن السبب الأول لعمل الشر هو بلا شك الشيطان فالشيطان (سطانائيل) كان ملاك وأراد أن يرفع كرسيه فوق كرسي الله، فانحدر من رتبته: «قد ارتفعَ قُلْبُكَ لِبَهْجَتِكَ أَفْسَدَتَ حكمتك لأجل بهائك (حز ۱۷:۲۸) وصار شيطانا بالاستكبار، كما نقول في مديحة كيهك.
ويقول عنه الكتاب المقدس: «ذاك كان قتالا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْء» (يو ٨: ٤٤). فالشيطان هو الذي يُحرك الناس لفعل الشر، فيضع أفكارا في عقل الإنسان تجعله يقع في شرور كثيرة.
ويقول القديس دوروثيئوس
الذي هزم الانفعال فقد هزم الشياطين. فالشيطان بحث الإنسان على مقاتلة أخيه الإنسان، فيدبر أسبابا ويحبكها ويملأ قلب الإنسان غيطا وحتما ورغبة في القتال.
2- الكرامة والذات
قد يجازي الإنسان شرا بشر من أجل كرامته أو من أجل حقوقه، وهناك عبارة نقولها كمصريين دائما: "كرامتي أهيئت .... حقوقي ضاعت .... أنا سأرد بالمثل". وهذا يكون على كل المستويات، فقد يكون هذا في البيت الواحد أو الخدمة أو الكنيسة أو الدير سواء كان للرهبان أو للراهبات ... إلخ. انظر قصة هامان ومردخاي في سفر أستير.
3- روح الانتقام
الإنسان أحيانا قد يسمح لنفسه أن يتكون في داخله روح الانتقام، وهذا الانتقام ليس شرطا أن يكون في نفس اللحظة، ولكنه قد يكون على مدى فترة طويلة يخطط له روح الانتقام.
وهذا ما جعل معلمنا بولس الرسول يقول: «لا تنتَقِمُوا لأنفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِي النَّعْمَةُ أَنَا أَجَازِي يَقُولُ الرَّب» (رو ۱۹:۱۲).
مثال: أبشالوم وأمنون (۲) صم (۱۳) بعد أن أخطأ أمنون مع ثامار وهي أخته غير الشقيقة، أخذت تبكي ضياع عذراويتها. وبعد سنتين انتقم لها أبشالوم وقتل أمنون.
4- عدم الاحتمال:
يدفع للشر أيضا عدم الاحتمال، فيوجد شخص هش ويوجد آخر لديه قدر من الاحتمال، ونحن نصلي كل يوم في صلاة باكر قائلين «محتملين بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح » (أف ٢٤ - ٣) فصلاة باكر تذكرنا أن تحتمل بعضنا بعضا وذلك قبل خروجنا من منازلنا، لأننا قد نجد من يضايقنا أو من يحاول أن يصنع معنا شرا أو يقول كلمة شريرة أو غير لائقة أو ... إلخ. وهنا نتذكر الوصية: «مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ».
نتائج الاندفاع للشر
وهنا نسأل: لماذا توجد وصية «لا يُجازي أَحَدٌ أَحَدًا عَن شَرِّ بِشَرٌ »؟ الإجابة لأن نتائج صنع الشر أو تبادل الشر هي نتائج مدمرة.
أ- الحرمان من التناول
لا يحق للذي يفعل شرا أن يتناول دون توبة واعتراف، فالكتاب يقول: «فَإِنْ قَدَّمْتَ قربائك إلى المديح، وهناك تذكرت أن لأخيك شيئًا عليك، فَاتْرُكَ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قَدَّامَ المَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَولا اصطلح مع أخيك، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وقدم قربانك» (مت ٥: ٢٣ - ٢٤).
ب- الحرمان من الملكوت
يُعلمنا الكتاب: «كُل مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةً ثَابِتَةٌ فِيهِ» (١ يو ٣: ١٥).
ج- الاضطراب والقلق
الإنسان الذي يصنع شرا لا يجد راحة أبدًا ويفقد سلامه الداخلي والمحبة والفرح، لأنه يكون متوثرًا. وعندما نقرأ عن الجريمة، نعرف أن مرتكب الجريمة يحوم حول مكان الجريمة وذلك بسبب حالة الاضطراب والقلق التي أصابته والتي تصل أحيانًا إلى حد المرض النفسي فالشر نتيجته تنعكس على الإنسان الذي يصنعه؛ أما الإنسان الذي يصنع خيرا، فإنه يجد راحة.
علاج الاندفاع للشر
1 - التمثل بالسيد المسيح في المغفرة
اذكر السيد المسيح والآلام التي احتملها من أعدائه دون أن يرد أو يهدد أو يغضب، فقد قيل عنه: «ظلِمَ أمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاه» (إش ۵۳ :۷) ، وغفر لصالبيه قائلا: «يا أبتاه، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» (لو ٢٣ :٣٤) جرب أن تقف بشجاعة أمام نفسك وتحل المشكلة بكلمة طيبة، كما علمنا الكتاب: «كم مرة يُخْطِئ إلى أخي وأنا أغْفِرُ له؟ هل إلى سبع مرات؟» (مت ۱۸: ۲۱)هذه هي مسيحيتنا، وهذا هو الإيمان المسيحي، وهذه هي الوصية الكتابية.
٢ - بالعتاب
حتى لا تندفع إلى الشر تعلم العتاب الراقي، بمعنى العتاب الذي يقال في صورة المحبة أي العتاب المبني على أرضية المحبة فَمَنْ يُعاتب لا بد أن يختار كلماته بعناية فائقة، لأنه قد تفسد كلمة واحدة علاقة كبيرة. فاجعل دائما عتابك هادئا، وهذا ما صنعه السيد المسيح حتى مع الكتبة والفريسيين الذين كانوا يقاومونه كثيرا.
3- ضبط النفس:
ضبط النفس وقتل الغضب يساعدائنا على عدم مقابلة الشر بالشر، فالإبطاء في الغضب يجعل الإنسان يجتاز مرحلة الانفعال. فالكلمات في حالة الغضب تخرج بلا ضابط، وكثيرا ما تكون خاطئة جدا وتسبب المشاكل.
ضبط النفس يساعدك على أن لا تجازي عن شر بشر؛ وضبط النفس يسمى Self Control، وهو قادر على أن يحول المشاعر السلبية مثال داود ونابال الكرملي (١ صم ٢٥).
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
24 أبريل 2026
“قيامة المسيح أعطتنا إنسانية جديدة”
المسيح قام … بالحقيقة قام … إنها تهنئة القيامة المجيدة والتي تعيِّد بها جميع كنائس العالم. لقد خَلَقَ الله العالَم في كل نوع من النباتات والحيوانات والطيور أعدادًا كثيرة، وكذلك من الأسماك ومن الزواحف من كل شيء، أمَّا عندما خلق آدم فقد خلقه منفردًا متميزًا، خلقه على صورته ومثاله، ذا ضمير صالح … وقلب طاهر … وعقل متميِّز. وهذه الثلاثة تميز الإنسان عن باقي المخلوقات، وكان آدم يتمتع بالعيش في الجنة مع حواء متمتِّعًا بالحضور الإلهي الدائم، ولكن بدخول الخطية عن طريق الحيَّة حُكِمَ على الإنسان بالموت، وصار هناك احتياج إنساني للقيامة، وبتجسُّد السيد المسيح وموته وقيامته «أَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (أف 2: 6). وصرنا بقيامته نتذوَّق السماء ونحن ما زلنا على الأرض وقامت فينا ما تميَّزت به إنسانيتنا:
أولًا: قيامة الضمير أي الإحساس بالآخر:
منذ بدء الخليقة والإنسان يعيش الأنا، يحب نفسه فوق الجميع، آدم الإنسان الأول برَّر خطيته وقال لله: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي …» (تك 3: 12)، قايين قال: «أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟» (تك 4: 9)، ويعقوب سرق بكورية أخيه، وأبشالوم أراد أن يسرق المُلْكَ من أبيه داود، وعندما أرسَل الله يونان لشعب نينوى خاف أن يتوبوا فلم يرضَ أن يذهب إليهم وعاند نداء الله له. إلى أن وُلِدَ المسيح، فأراد هيرودس الملك قتله لئلَّا يأخذ كرسيه … وهاجمه اليهود معتقدين أنه مَلِكٌ أرضيٌّ، لكنه أعلَنَ قائلًا: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ» (يو 18: 26)، وبدأ يضع تعليمًا جديدًا للإنسانية، ثم أراد الفريسيون والصدوقيُّون التخلُّص منه، وأخيرًا قام اليهود بالشكاية عليه، لأنه يُظهِر ضعفهم وأرادوا صلبه، وعندما خيروهم بين باراباس والسيد المسيح اختاروا إطلاق باراباس القاتل!
بعد القيامة استيقظ ضمير البشرية فصارت تبحث عن المساعدة، عن العطاء، عن الخدمة، عن الفرح الحقيقي، ضمير يعلِّي الأخلاق، السلوك، العمل، الاجتهاد، وكما شرح بولس الرسول في (أعمال الرسل 24: 16): «لِذلِكَ أَنَا أَيْضًا أُدَرِّبُ نَفْسِي لِيَكُونَ لِي دَائِمًا ضَمِيرٌ بِلاَ عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللهِ وَالنَّاسِ». وقد كتب لأهل كورنثوس قائلًا: «لأَنَّ فَخْرَنَا هُوَ هذَا: شَهَادَةُ ضَمِيرِنَا أَنَّنَا فِي بَسَاطَةٍ وَإِخْلاَصِ اللهِ، لَا فِي حِكْمَةٍ جَسَدِيَّةٍ بَلْ فِي نِعْمَةِ اللهِ، تَصَرَّفْنَا فِي الْعَالَمِ، وَلَا سِيَّمَا مِنْ نَحْوِكُمْ» (2كو 1: 12).
لقد كان السيد المسيح محاطًا بأشخاص يخافون فقط على مراكزهم أمثال بيلاطس البنطي ورؤساء الكهنة، والشعب الصارخ «اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!»، والتلاميذ الهاربين، والتلميذ الذي أنكره وغيرهم. أمَّا بعد القيامة اختفت الأنا وظهر الإحساس بالآخر: فصارت المجدلية تبشِّر وبطرس الرسول يُعلِّم وتلميذ آخر يستضيف السيدة العذراء في بيته وشعب يضع كل أمواله عند أقدام الرسل.
والمثال العملي هو مريم المجدلية: وسُمِّيت بالمجدلية نسبة إلى موطنها الأصلي في المجدل على الساحل الغربي لبحر الجليل، على بُعد ثلاثة أميال إلى الشمال من طبرية. ومجدل معناها في العبرية برج مراقبة. كانت مريم المجدلية بعيدة. مُتعَبَة مما أصابها، أخرج الرب منها سبعة شياطين وشفاها، ومن تلك اللحظة تبعته من الجليل وشاهدت حادثة الصلب، وكانت واقفة عند الصليب حتى النهاية، إلى أن رأت مكان القبر، كل هذا من بعيد!
أمَّا بعد القيامة تغيَّر الوضع، كل التلاميذ كانوا خائفين أمَّا هي وفي فجر الأحد باكرًا جدًّا ذهبت إليه حاملة حنوطًا، لذا استحقَّت أن تكون أول مَنْ رأى الرب القائم، وقد صارت أول كارزة بالقيامة ونقلت الخبر إلى التلاميذ والرسل. مريم المجدلية كانت تحتاج الله في حياتها، كانت تعيش الظلمة وبعد القيامة لم تصبح فقط تعيش في النور بل أيضًا تكرز به، لقد استيقظ ضميرها بعد أن كان غائبًا أو نائمًا.
إن قيامة الضمير تعني الإحساس بالآخر في صور متنوعة منها: ضمير العمل: الضمير الذي لا يتأثَّر بالمصالح، الذي يُعَلِّي العام على الخاص وهو الضمير الذي يجعل الشعوب تتقدَّم وتحترم الإنسان كيفما يكون … ضمير السلوك: الضمير الذي لا يتأثر بالشهوة بل ضمير إنسانٍ لديه سلوك مستقيم، يميِّز بين الأبيض والأسود – واضح ولا يسير في الرمادي – يسلك بخوف الله مع كل أحد يتعامل معه. ضمير الخير: الرحمة والشفقة هي أحد أصوات قيامة الضمير، أن تشعر بأخيك، بجارك، بزميلك في العمل، حتى بالآخر الذي لا تعرفه، وبقيامة المسيح صرنا نرفع شعار: «مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ» (يع 4: 17).
ثانيًا: قيامة القلب … اتساع القلب بالحب للكل:
كل إنسان لا يحمل الله في قلبه، يكون قلبه ميتًا، ليس فيه حياة لأن الله قال عن نفسه: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ» (يو 14: 6)، وكل قلب بداخله الله يعيش السماء على الأرض.
الإنسانية بقيامة الرب يسوع أصبح لديها مفهوم «تُحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ» (مت 22: 39) مفهومًا متطورًا تبعًا لوصية السيد المسيح: «وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا» (يو 13: 34)، «لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ» (يو 3: 16).
هكذا صار مفهوم المحبة هو البذل والعطاء والغفران … مفهومًا جديدًا على البشرية، لأن الخطية كانت قد أخفت هذا المفهوم إذ دخلت الخطية إلى العالم ودنَّست خليقة الله وصار الإنسان في حاجة لمَنْ يقيمه، جاء الله متجسِّدًا ليقيمنا من موت الخطية ليثبت لك يوميًّا أن حياتك ثمينة جدًّا عنده: «عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ، كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ» (رو 6: 6). والمثَال العملي هو بطرس الرسول:
قبل الصلب كان سمعان بطرس من بيت صيدا، عاش في كفر ناحوم متزوِّجًا ويعيش من مهنة الصيد، عاش لمدَّة 3 سنوات تلميذًا للسيد المسيح، شخصية مندفعة، أحيانًا يرى نفسه الأفضل: «وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا» (مت 26: 33)، قال: ”لا يمكن أن أنكرك“ لكنه قبل أن يصيح الديك مرتين أنكر الرب يسوع ثلاث مرات وقت الصليب (مت 26: 75). أمَّا بعد القيامة: خجل من السيد المسيح خاصة حين سأله: «أَتُحِبُّنِي؟» فكانت إجابته: «أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ» (يو 21: 17). (عرف حجم نفسه، عرف احتياجه الحقيقي) ثم وفي عظة واحدة كسب ثلاثة آلاف نفس (أعمال الرسل 2). وعمليًّا: حين دخل الهيكل ورأى على باب الهيكل رجلًا أعرج من بطن أُمه يجلس يستعطي، نظر إليه وقال له: «لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلَا ذَهَبٌ، وَلكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ!» (أع 3: 6). العطاء الحقيقي هو محبة ومساعدة وقبول الآخر مهما يكن ونحن سفراء القيامة مطلوب منَّا أن نحيا باتساع القلب والذي يعني: الغفران: نقول في صلواتنا اليومية: «وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا» (مت 6: 12). وتصير طبيعة فينا أننا نغفر للمذنبين إلينا. القبول: نقبل الآخر مهما يكن مختلفًا. يونان النبي لم يقبل أن أهل نينوى يتوبون ويعودون إلى الله ولكن الله قبل الجميع. المحبة: الآب في مَثَل الابن الضال (لوقا 15) مثال رائع على تقديم المحبة، كما وصفها الكتاب المقدَّس: «الْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا» (1كو 13: 8).
ثالثًا: قيامة العقل … الرؤية الإيجابية للأمور:
خلق الله الإنسان بعقلٍ مستنير مميِّزٍ لما حوله، آدم باكورة الخليقة استطاع أن يعطي أسماءً لجميع الحيوانات وهذا إبداء، لأنه يبتكر أسماءً غير موجودة في اللغة. لكن حواء دخلت في حوار مع الحيَّة لتقنعها أن الله أعطاها كل شيء وفي لحظة فكرت واقتنعت أن تصير مساوية هي وآدم لله، وفي هذه اللحظة اظلمَّ عقلهما بكلمات الحيَّة وسقطا في الخطية وفقدا الاستنارة.
وخلال رحلة البشرية نجد كثيرين ابتعدوا عن الله بسبب عقولهم المظلمة، ففكر البشر في بناء برج بابل ليَتَحَدُّوا الله ظنًّا منهم أنهم يقدرون … ثم جاء السيد المسيح ونادى: «مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ» (يو 8: 12). وبقيامته أعطانا الله رؤيةً جديدةً للحياة، رؤية إيجابية للأحداث، لقد أوصانا بولس الرسول: «لَا تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ» (رو 12: 2).
وقصة تلميذي عمواس شاهدة على قيامة العقل: لقد سار تلميذان إلى قرية عمواس التي تبعد قليلًا عن أورشليم وكانا يتناقشان فيما بينهما حول ما حدث في أورشليم يوم القيامة، وظهر لهما السيد المسيح وقصَّا عليه ما سمعاه عن هذا الإنسان النبي المقتدر في الفعل والقول أمام الله وجميع الناس وكيف صلب ومات وكيف شهد تلاميذه والمريمات أنه قام وأن القبر فارغ، فقال لهما: «أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟ ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ» (لو 24: 25 – 27). كان اليهود لهم النظرة الضيقة للخلاص، يعتبرون أن الخلاص لليهود فقط ينتظرون مخلِّصًا أرضيًّا من الاستعمار الروماني، وبصلب المسيح وقيامته تغيَّرت كل المفاهيم، في هذا الحوار ظهر لهم مفهوم جديد لكلام التوراة، مفهوم مختلف عن الخلاص في الذهن اليهودي، استنارت عيونهم بالقيامة.
إنه بقيامته حوَّل عقولنا من السلبية المظلمة إلى الإيجابية المستنيرة: محوِّلًا للمواقف: كسب المرأة السامرية عندما اعترفت بالحقيقة وقال لها: «هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ» (يو 4: 18)، وفي موقف معجزة إشباع الجموع: «اصْرِفِ الْجَمْعَ لِيَذْهَبُوا إِلَى الْقُرَى وَالضِّيَاعِ حَوَالَيْنَا فَيَبِيتُوا وَيَجِدُوا طَعَامًا، لأَنَّنَا ههُنَا فِي مَوْضِعٍ خَلاَءٍ» (لو 9: 12). لكن الرب يسوع حوَّل هذا الموقف العصيب إلى بركة من خمس خبزات وسمكتين لإشباع الآلاف. يمكنك أن تستخدم المواقف الصعبة وتحوِّلها لنجاح، تستطيع أن تكون أقوى من خلال كل ضيقة، عندما يكون لك فكر المسيح الإيجابي.
عقل مبادر للعمل: بدلًا من أن تلعن الظلام أضئ شمعة. نحن لا نشابه العالم في التفكير بل نبحث عن ماذا نستطيع أن نقدِّم للإنسانية، قد رأيت أُناسًا انشغلوا بالسلبيات فلم يحققوا تقدُّمًا بل إنهم حاولوا أن يُعيقوا المتقدِّمين، وأنتَ أين من هؤلاء وأولئك؟ هل تنشغل بما حولنا؟ أم تتقدَّم للعمل؟ تبني ولا تهدم: تفكيرك الكثير في الضيقة والمتاعب يفقدك حياتك «وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ» (رو 8: 28). لذلك ابني ثقة مع الآخرين … ابني جسور محبة … ابني أعمالًا للوطن. هكذا يكون إنسان القيامة الجديد صاحبَ ضميرٍ صالح وقلبٍ طاهر وعقلٍ مستنير … وهكذا تكون قيامة الإنسان. لقد قام ليمنحنا هذه القوة الجديدة لحياتنا الإنسانية.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
20 أبريل 2026
أحد توما (الأحد الجديد)
بعد أن نحتفل بالصوم المقدس ثم أسبوع الآلام بالصلوات والجھادات الكثیرة نصل إلى یوم أحد القیامة الذي تبدأ بعده رحلة الخمسین المقدسة وھي مكوَّنة من سبعة أسابیع تكتمل بعید العنصرة في بدایة الأسبوع الثامن من أهمية عيد القيامة ﻧﺤتفل به ﻋﻠﻰ أربعة مستويات
۱- في بدایة كل یوم: ففي صلاة باكر كل یوم نحتفل بالقیامة لأن القیامة كانت باكرًا جدًا في فجر الأحد.
۲- في كل أسبوع: في یوم الأحد الذي نسمیه "یوم الرب" أو "ھذَا ھُوَ الْیَوْمُ الَّذِي صَنَعُھه الرَّبُّ" (مز24:118) وكلمة "أحد" تعني "نور" لأن القیامة كانت نورًا وھي بالإنجلیزیة Sunday إذن یوم
الأحد ھو التذكار الأسبوعي للقیامة المجیدة.
۳- في كل شھر: نحتفل بتذكار البشارة والمیلاد والقیامة في الیوم التاسع والعشرین من كل شھر قبطي (ماعدا شھري طوبى وأمشیر).
٤- في كل سنة: نحتفل بالقیامة لمدة ٥۰ یومًا ھكذا نحتفظ بتذكار القیامة على كل المستویات ونعیش فیھا لأن القیامة ھي فرح أفراحنا وھي عیدأعیادنا بمعنى أنھا قمة كل شيء في حیاة الإنسان.
ﻟﻤاذا نسمى الأحد الأول "الأحد اﻟﺠديد" أو "أحد توما"؟
یسمى الأحد الأول بعد القیامة بالأحد الجدید لأن فیه تجدید للإیمان أو إعلان للإیمان فقد ظھر السید المسیح لتلامیذه في یوم قیامته إذ كانوا مجتمعین في العلیة والأبواب مغلقة بحرص بسبب الخوف من الیھود لأن أحداث الصلب كانت صعبة ظھر المسیح في وسطھم وقال "سَلاَمٌ لَكُمْ" (یو ۲۰: 19) فكانت فرحة كبیرة جدًا یقول عنھا الكتاب "فَفَرِحَ التَّلاَمِیذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ" (یو ۲۰:20) لكن توما لم یكن معھم ولما عاد قصّوا علیه ما حدث وأخبروه أن المسیح قام لكنه لم یصدِّق وقال "إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي یَدَیْه أَثَرَ الْمَسَامِیرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِیرِ، وَأَضَعْ یَدِي فِي جَنْبِه لاَ أُومِنْ" (یو ۲۰: 25) ثم في الأحد التالي للقیامة ظھر المسیح للتلامیذ ومعھم توما وكأنه ظھور خاص لتوما لأن المسیح قال له "ھَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى ھُنَا وَأَبْصِرْ یَدَيَّ وَھَاتِ یَدَكَ وَضَعْھَا فِي جَنْبِي وَلاَ تَكُنْ غَیْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا" (یو ۲۰: 27) وللوقت صرخ صرخة جمیلة قائلاً "رَبِّي وَإِلھِي" (یو ۲۰: 28) وعبارة "رَبِّي وَإِلھِي" ھي التي تجعلنا نسمي ھذا الیوم "الأحد الجدید" لأنھا إعلان للإیمان لذلك لما صرخ توما وقال "رَبِّي وَإِلھِي" قال له المسیح عبارة جمیلة "لأَنَّكَ رَأَیْتَنِي یَا تُومَا آمَنْتَ طُوبَى (یا بخت) لِلَّذِینَ آمَنُوا وَلَمْ یَرَوْا" (یو ۲۰: 29) ونحن لم نكن موجودین وقت صلب المسیح لكننا عرفنا وآمنا بكل الأحداث من الكتاب المقدس لذلك نحتفل بالقیامة وبالأحد الجدید.
الشيطان حينما ﻳﺤارب الإنسان يحاربه بنوعين من اﻟﺤروب:
۱- حرب الشك: یشك الإنسان في محبة ربنا وحنانه وفي غفران الخطایا وفي كل شيء (في حیاته في عمله في بیته في كنیسته في خدمته) لیحمیكم الله من الشك لأنه مرض لذلك كن دائم الاحتراس منه وكن دائمًا في علاقة قویة مع الله فكلما بعُدَ الإنسان عن الإنجیل تزداد حرب الشك لأن الإنجیل ھو الوسیلة القویة التي تحمینا من حروب الشك.
۲- حرب الیأس: الیأس یعني أن یشعر الإنسان أن الدنیا مظلمة في وجھه وأنه لا یقدر أن یعمل أي شيء ویعبِّرون عن ذلك في اللغة الدارجة بعبارة "مفیش فایدة" فیدخل في الیأس والاكتئاب والقلق لكن الله يقف معنا ويعمل معنا ثلاثة أشياء لأنه:
۱- محب لكل البشر: ھو یحب كل الناس یحب الخاطئ لكنه یكره خطیته یحب كل البشر وفي كل یوم ینظر إلیك لأنه یحبك بالاسم ویحبك بعملك وبطریقتك وبأسلوبك إلخ.
۲- صانع خیرات: الله دائمًا یصنع الخیر مع كل إنسان لذلك في كل یوم صباحًا نقول "صباح الخیر" بمعنى أن ھذا الصباح ھو نھار جدید بكل الخیر من عند ربنا.
۳- ضابط الكل: كل الأمور مضبوطة ولیس ھناك فوضى لذلك نسمي الله ضابط الكل ھو ضابط الفلك فالشمس تشرق في الصباح والقمر والنجوم باللیل وضابط الھواء والبرد والحر والفصول الربیع والصیف والخریف والشتاء إلخ...
أرجوكم لا تقلقوا من شيء لأن إلھكم ضابط الكل ولیس ھناك شيء في الكون كله لم یدبره الله وھو مدبر كل صغیرة وكبیرة في حیاتنا.
القيامة نور
لأن القیامة ھي نور لذلك فإنھا مفرحة ونحن نرتل كل لیلة في التسبحة ونقول "قوموا یا بني النور لنسبِّح رب القوات" لأن كل من یعیش في الإیمان بقیامة المسیح یُعَّد من أبناء النور وبنو النور یأخذون نورھم من نور المسیح الذي قال عن نفسه "أَنَا ھُوَ نُورُ الْعَالَمِ" (یو ۸: 12) وقال لنا "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ" (مت ٥: 14) لذلك نقول "بنورك یا رب نعاین النور".
"لأنك أنت حياتنا ﻛﻠنا خلاصنا ﻛﻠنا رجاؤنا ﻛﻠنا شفاؤنا ﻛﻠنا قيامتنا ﻛﻠنا"
ھذه العبارة یقولھا الكاھن للمسیح في أوشیة الإنجیل ویقولھا بصیغة الجمع (بلساننا كلنا) لذلك أود أن نتأمل في كل عبارة وردت فیھا:
۱- أنت حیاتنا كلنا (بالتجسد) لأنه أتى وتجسد وعاش بیننا كما یقول الإنجیل "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَیْنَنَا" (یو ۱: ۱٤) لقد تجسد المسيح لكي یعطینا حیاة وھو یقول لنا: "مَنْ یَأْكُلْ جَسَدِي وَیَشْرَبْ دَمِي یَثْبُتْ فِيَّ وَأنَا فِیه فَمَنْ یَأكْلْنِي فَھُوَ یَحْیَا بِي" (یو ٦: 56 , 57) ھو الذي یعطینا الحیاة الحقیقیة وبدونه لیس لنا حیاة.
۲- خلاصنا كلنا (بالصلیب): خلاصنا نحن من الخطیة لأن كل خطایا البشر حتى صلب المسیح وحتى الیوم وحتى مجیئه الثاني كل الخطایا حملھا المسیح فوق الصلیب لذلك نقول له أنت خلاصنا كلنا من كل خطایانا وھذا ما جعل القدیس یوحنا الحبیب یقول "دَمُ یَسُوعَ الْمَسِیحِ ابْنِه یُطَھِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِیَّةٍ" ( ۱یو ۱: 7) إیاك أن تكون واقعًا في خطیة ثم تقول كیف سأذھب إلى الكنیسة وماذا أعمل بھا ما ھو دوري فیھا؟ ثم تقرر ألا تذھب إلى الكنیسة وبذلك تكون قد وقعت في الخطأ لأنه مھما كانت خطیة الإنسان فإنه إن تاب عنھا یرفعھا المسیح لذلك نقول له "أنت خلاصنا كلنا" بمعنى أنه أنت تسامحنا وتعطینا الغفران وبدونك سیظل كل إنسان حاملاً خطیته فوق رأسه.
۳- رجاؤنا كلنا (بالإنجیل): المسیح یعطینا الرجاء والأمل بالإنجیل من خلال الوصیة عندك إنجیل لكن ھل إنجیلك مفتوح؟ ھل تقرأ فیه؟ إن الرجاء یعطینا العمل الإیجابي والنظرة الإیجابیة في حیاتنا ویقول معلمنا بولس الرسول "لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَیَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَیْفٍ ذِي حَدَّیْنِ وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ (النخاع الموجود داخل العظم) وَمُمَیِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِیَّاتِه (التمییز بین الخیر والشر)"(عب ٤: 13)
٤- شفاؤنا كلنا (من خلال الأسرار): عندنا في الكنیسة سر التوبة الذي یرفع الخطیة وأثناء الاعتراف یمسك الكاھن بالصلیب فتوضع خطیة المُعترِف علیه، ثم یرفعه الكاھن ویقرأ التحلیل على رأس المُعترِف وأیضًا سر التناول حیث نأخذ جسد الرب ودمه وھناك شفاء من خلال الأسرار لأنھا عمل الروح القدس فینا فإیاك أن تحرم نفسك من الأسرار.
٥- قیامتنا كلنا (لیس على الأرض لكن في السماء) حینما ینادینا الرب "تَعَالَوْا یَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِیسِ الْعَالَمِ"(مت ۲٥: 34) فھو قیامتنا بمعنى أنه یعطینا الإمكانیة أن یكون لنا مكان في السماء ﻛﻞ سنة وأنتم طيبين وقيامة وأنتم طيبين كل خرستوس أنيستى اﻟﻤسيح قام آﻟﻴثوس أنيستى باﻟﺤقيقة قام.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
17 أبريل 2026
من يدحرج لنا الحجر؟
أھنئكم جمیعًا بعید القیامة المجید وأصلي أن یفیض قلبكم بالبھجة ویملأ الله أیامكم بروح الرجاء كما
أتوجه بالتھنئة لكل الكنائس القبطیة الإیبارشیات والأدیرة القبطیة المنتشرة في العالم التي تُعلن الیوم
أعظم رسالة: "المسیح قام! حقًّا قام!" ھذا العید یُجسِّد انتصار الحیاة على الموت والنورعلى الظلمة والمحبةِ على كلِّ شر ففي قیامة السید المسیح تتجدد البشریة وتنفتح أبواب السماء لتدشین عھدٍ جدیدٍ من المصالحة بین الله والإنسان إنه الیوم الذي رأینا فیه القبر فارغًا معلنًا أن المسیح قد غلب الموت وصار الصلیب بابًا للحیاة الأبدیة أقف معكم عند سؤال رددته المریمات وھنّ في طریقھنّ إلى القبر "مَنْ یُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ؟" (مر ۱٦: 3) لقد كان ھذا التساؤل تعبیرًا عن عجز البشریة أمام الحواجز لأن حجرًا كبیرًا كان قد وُضع على باب
القبر كان مستحیلاً على النسوة أن یدحرجنه إنه حجریسدّ طریق الحیاة ھذا التساؤل ھو صرخة للإنسانیة
منذ آدم فآدم خرج من الجنة وحمل معه حجر الخطیة الذي فصل بینه وبین الله وتساءل من یدحرج ھذا
الحجر فالخطیة والشھوة التي حركت آدم وحواء شلّت إرادته وحرمته من متعة الحیاة مع اهلب قایین قتل أخاه ھابیل وبعدھا صرخ قائلاً "ذَنْبيِ أعَظَمُ مِنْ أنَ یحُتمَلَ"َ (تك ٤: 13) ووضع حجرًا بینه وبین كل الناس وصار "تائھِا وَھَارِبًا عَلىَ الأرَضِ" (تك ٤: 12) فكان یھرب من البشر لكي یعیش نوح صلى وسط الطوفان "من یرفع حجر الغرق"؟ فقد كانت الإنسانیة غارقة في الخطیة "وَرَأىَ الرَّبُّ أنَّ شَرَّ الإنِسَانِ قَدْ كَثُرَ فيِ الأَرْضِ وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِه إنِّمَا ھُوَ شِرِّیرٌ كُلَّ یَوْمٍ" (تك ٦: 5) لقد فسدت البشریة وانتشر الشر والعنف
على الأرض وغرق العالم عاش توما أسوأ أسبوع في حیاته یئن تحت حجرالشك والحیرة وعدم الإیمان ثم قال "إِنْ لَمْ أُبْصِرْفيِ یَدَیْه أثَرَ المْسَامِیرِ وَأضَعْ یَدِي فيِ جَنْبه لا أوُمِنْ"(یو ۲۰: 25) إن الحجر الذي تخشاه المریمات ھو حجر الخطیئة الذي یُثقِل ضمیرنا ویُبعدنا عن الهب حجر الألم الذي یظھر في تجارب الحیاة القاسیة حجر الشك الذي یُظلم إیماننا وسط الأزمات وكل یوم تصرخ الإنسانیة من یرفع أحجار المرض الفقر الخیانة الوحدة القلق القساوة الھموم الریاء الكذب الصراع الحرب؟؟؟
ماذا فعلت اﻟﺨطية ﻓﻲ الإنسان؟
۱- الخطیة أصابت الفكر بالظلام
الخطیة تُفسد العقل والفكر معًا كما یقول الرسول
بولس "لأنَّھمُ لمَّا عَرَفوُا الله لمَ یمُجِّدُوه أوَ یَشْكُرُوه كَإلِه بَلْ حَمِقوُا فيِ أفَكَارِھِمْ وَأظَلمَ قَلْبُھُمُ الْغَبيِّ وَبَیْنَمَا ھُمْ
یَزْعُمُونَ أنَّھُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُھَلاءَ" (رو ۱: 21- 22) الخطیة تُشوِّش رؤیتنا فتجعلنا نرى الحق كعدو والشر كخیر ھكذا فعلت الخطیة بفرعون حتى أنه كلما زادت الضربات ازداد عنادًا وظن أن قوته تُضاھي قوة الله!
الخطیة جعلته یرى معجزات الله كتھدید لعرشه لا كرسالة خلاص وھكذا فقد الاستنارة كذلك رأى بیلاطس تھدیدًا له بعد أن طلب منه الیھود "اصلبه اصلبه" لذلك أمر بجلده وصلبه.
۲- الخطیة أصابت الضمیر بالضعف
الضمیر ھو النور الداخلي الذي وضعه الله في الإنسان لیمیز بین الخیر والشر لكن الخطیة تُشوِّه ھذه الھِبة فتصیر النفس كسفینة بلا دفة یھوذا الإسخریوطي بعد خیانة المسیح حاول إسكات ضمیره بإعادة الفضة (متى ۲۷: 3) لكنه لم یجد خلاصًا لأن الخطیة قادته إلى الیأس! وعندما أخطأ داود وقتل أوریا ( ۲ صم ۱۱ ) حاول إسكات ضمیره لكن الصوت ظل یصرخ "أَنْتَ ھُوَ ٱلرَّجُلُ!" ( ۲ صم ۱۲: 7) على لسان ناثان النبي فالخطیة جعلت داود یُطفئ صوت الضمیر!
في محاكمة السید المسیح أمام المجمع الیھوديوالسلطات الرومانیة كان ھدفھم ھو الحصول على شھادة زور تُدین السید المسیح لتبریر حكمھم لكن لم تتفق الشھادات.
۳- الخطیة أصابت القلب بالقساوة
القلب في الكتاب المقدس ھو مركز المشاعر والإرادة والإیمان لكن الخطیة تُحوله إلى "حجر" لا یَرحم!
یقول النبي حزقیال "أَنْزِعْ قَلْبَ الْحَجَرِ من لحمكم وَأُعْطِیَكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ" (حز ۳٦: 26) الفریسیون رأوا معجزات المسیح لكنھم "غَمَّضُوا عُیُونَھُمْ لِئَلاَّ یُبْصِرُوا بِعُیُونِھِمْ وَیَسْمَعُوا بِآذَانِھِمْ وَیَفْھَمُوا بِقُلُوبِھِمْ" (مت ۱۳: 15) وقسوتھم وصلت إلى حد التآمر لصلب السید المسیح بدعوى "حفظ الناموس"! الشعب نفسه صرخ أمام بیلاطس البنطي "اصلبه اصلبه دمه علینا وعلى أولادنا" بل أیضًا طلبوا أن یطلق لھم اللص باراباس أما المسیح فیصلب ھذا ھو حال الإنسانیة كلھا تصرخ تحتاج من یمد یده ویدحرج الحجر وھذا ما حدث عند القیامة النسوة ذھبنّ إلى القبر بقلوب خائفة لكنھنّ وجدنّ الحجر مُدحرجًا والملاك یُعلن "أنتن تطلبن یسوع الناصري المصلوب قد قام! لیس ھو ھھنا!" (مر ۱٦: 6)ھذا ھو عمل القیامة فالحجر الذي لا یقدر علیه
البشر دحرجته ید الله القویة والموت الذي یُرھب الإنسان ھزمه السید المسیح بصلاحه والخطیة التي تستعبدنا محاھا دمه المقدس.
ومن هنا ﻛﺎنت القيامة اﻟﻤجيدة ﻫﻲ عطية اﻟﺨلاص لكل البشر وها ﻫﻲ تصلح ما أفسدته اﻟﺨطية
۱- القیامة تُعید إلى الفكر الاستنارة
بالقیامة تحوَّل ظلام الخطیة إلى نور الحق كما یقول المرتل "لأَنَّ عِنْدَكَ یَنْبُوعَ الْحَیَاةِ بِنُورِكَ نَرَى نُورًا"(مز ۳٦: 9) بطرس الرسول الذي أنكر المسیح بضعف بكى واستعاد فكره المشوش بعد القیامة (لو ۲۲: ٦۲ )
واستنار وبعظة واحدة كسب آلاف النفوس بعد حلول الروح القدس یوم الخمسین أیھا الأحباء قیامة المسیح ھي انتصار النور على ظلام الخطیة وكما دحرج الحجر عن القبر یرید أن یدحرج كل حجر یُظلم عقولنا. لنصرخ مع المرتل "أَنْرِ عَیْنَيَّ فَلَا أَنَامَ نَوْمَ الْمَوْت" (مز ۱۳: 3) لقد انتقل العالم بالقیامة من الظلام إلى النور "سراج لرِجْليِ كَلامُكَ وَنُورٌ لسِبِیليِ" (مز ۱۱۹: 5 ,6) الإنسان بطبیعة مختلفة إذ قیل عنا "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ" (مت ٥: 14) ولذلك نصلى صلاة باكر كل یوم مع بدایة النور تذكارًا للقیامة المجیدة.
۲- القیامة تعید إلى الضمیر الاستقامة
الضمیر المستقیم لیس ضربًا من المثالیة بل واقعًا نعیشه بقوة القیامة فكما حوَّل المسیح الموت إلى حیاة
یُحوِّل انحرافنا إلى استقامة فیكون الضمیر حاضرًا وواضحًا وصوتًا مسموعًا في حیاة الإنسان لنُردد مع
المرتل "ٱخْتَبرِنيِ یَا ٱﻟﻠﮫ وَٱعْرِفْ قَلْبيِ ٱنْظُرْ إنِ كَانَ فيِّ طَرِیقٌ بَاطِلٌ وَاھْدِنيِ طَرِیقًا أبَدِیًّا" (مز ۱۳۹: 23- ۲٤) فالضمیر المستقیم لیس نتیجة جھد بشري بل ھبة إلھیة من ینبوع القیامة القیامة تمنحنا أیضًا رجاءً لا یخیّب ھذا الرجاء یرفع أعیننا فوق ھموم العالم ویجعلنا نسیر باستقامة على طریق الملكوت والقیامة لیست وعدًا بمستقبل مجید بل قوة حاضرة تُصلح كل اعوجاج في حیاتنا وتعید ترتیب أولویاتنا لنضع الله أولاً كما نردد في مزمور التوبة "قَلْبًا نَقِیًّا اخْلُقْ فِيَّ یَا لَلهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِیمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي" (مز ٥۱: 10).
۳- القیامة تعید إلى القلب البساطة
"إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِیرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت ۱۸: 3) البساطة لیست مجرد حالة عقلیة أو أسلوب حیاة بل ھي صفة قلبیة عمیقة تُعید الإنسان إلى صورة الله التي خُلق علیھا وتُعید قلوبنا إلى تلك الحالة من البراءة الروحیة في القیامة نكتشف البساطة من جدید ونتحرر من تعقیدات الحیاة ومن الأفكار المشوشة ونعیش بنقاء نیة وقلب متواضع أمام الله واثقین أن كل ما نحتاجه قد أكمله المسیح لنا على الصلیب وقام لیمنحنا حیاة أبدیة البساطة ھي أن نعیش في سلام مع الله ومع الآخرین وأن نتخلى عن الغش والخداع وأن نُحِب من قلب نقي دون مصالح أو حسابات وكما یقول الكتاب "طُوبَى لِلأَنْقِیَاءِ الْقَلْبِ لِأَنَّھُمْ یُعَایِنُونَ اللهَّ" (مت ٥: 8) لنستقبل القیامة بفكر مستنیر وضمیر مستقیم وقلب بسیط نستقبلھا بقلوب مفتوحة للسماء قلوب خالیة من كل حجر یُبعدھا عن الله ونسیر في نور المسیح القائم من بین الأموات كل قیامة وأنتم بخیر ولتكن الاستقامة والبساطة والاستنارة طریقًا لنا ونورًا یضيء قلوبنا وبیوتنا.
خرستوس أنستي ألیثوس أنیستي
المسیح قام حقًا قام.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
11 أبريل 2026
الرسالة البابوية لعيد القيامة المجيد
باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد آمين.
إخريستوس أنيستي أليسوس أنيستي. المسيح قام بالحقيقة قام.
أهنئكم جميعًا بعيد القيامة المجيد العيد الذي نختم به صومًا مقدسًا استمر على مدى خمسة وخمسين يومًا. ونحتفل بالقيامة المجيدة على مدار الخمسين يومًا القادمة التي نسميها الخماسين المقدسة.
في عيد القيامة المجيد نحتفل بعمل الله معنا حيث منحنا بقيامته بركة ثلاثية منحنا المحبة والنعمة والشركة وهذا ما نعبر به في العبارة الختامية في جميع الصلوات دائمًا نقول محبة الله الآب نعمة الابن الوحيد شركة وموهبة وعطية الروح القدس وهذه البركة الثلاثية نلناها في القيامة المجيدة أو بسبب القيامة المجيدة.
أولا المحبة التي أحبنا بها الله حتى أنه جاء إلى العالم حبا فينا “نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً” (1 يوحنا 4: 19) فكان التجسد المجيد التجسد المجيد هو كان مَعْبَرَ الله إلينا على الأرض لم تكن محبته نظرية ولا شفوية ولا عن بعد ولكن محبة حقيقية حيث جاء وتجسد “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ” (يوحنا 1: 14) هكذا أحب الله العالم فلا يوجد حبٌ أقرب وأقوى من أن يقترب المحب إلى المحبوب فصار كل إنسان فينا محبوبًا لدى الله المحب ثم النعمة الكبيرة نعمة القيامة نعمة الغفران نعمة الفداء نعمة التجديد هذه النعم حصلنا عليها ونلناها من خلال عمل المسيح تجسده على الأرض ثم موته على الصليب المجيد من أجلنا ثم قيامته من أجل خلاصنا هذه النعمة الكبيرة التي تمنح الإنسان نعمة القيامة وكما نعلم أن القيامة فيها “فعل قام” فعل قوي شخص كان جالسًا ثم وقف واستمر في الوقوف هذا علامة على الاستعداد وعلامة أن الإنسان يتمتع بصحة كاملة القيام ولذلك نبدأ في التسبحة اليومية ونقول قوموا يا بني النور لنسبح رب القوات بنو النور هم بنو القيامة ونبدأ بالفعل قوموا هذه هي القيامة المجيدة التي نتمتع بها أيضا شركة الروح القدس الذي يجمعنا جميعًا في كنيسة واحدة في إيمان واحد في عمل واحد في رجاء واحد وبدءاً في محبة واحدة فنصير جميعًا أعضاءً في جسدِ المسيح ويصير المسيح هو رأس هذا الجسد ويصير عمل الروح القدس فينا أنه يجمعنا جميعًا من خلال الأسرار المقدسة من خلال الصلوات من خلال القراءات وكل الممارسات الروحية
هذه هي المحبة وهذه هي النعمة وهذه هي الشركة ولذلك في كل صلاة يختم الأب الكاهن الصلاة بهذه العبارة الختامية حيث يذكِّرنا بأعمال الله معنا من المحبة والنعمة والشركة وهذا هو البرنامج الحياتي لنا في القراءات الكنسية وذلك في أناجيل القداسات عبر السنة القبطية في شهر توت وبابة نتعلم محبة الله في الشهور السبعة بعد ذلك من أول هاتور نتعلم نعمة الابن الوحيد التي عمل فيها معنا ثم في بقية شهور السنة القبطية نتعلم شركة وموهبة وعطية الروح القدس القيامة قوة كبيرة ومن القصص الجميلة التي تحكي بصورة رمزية قوة القيامة أن بعض الأطفال ذهبوا وسألوا النار هل أنت أقوى شيء في الأرض؟ قالت لهم لا المياه أقوى مني فذهبوا وسألوا المياه هل أنت أقوى شيء على الأرض؟ قالت لهم لا الشمس أقوى مني بتبخرني ذهبوا للشمس هل أنت أقوى شيء موجود أمام الأرض؟ قالت لهم لا الغيمة والسحاب يظلل عليّ ويداريني فذهبوا للغيمة سألوها هل أنت أقوى شيء على الأرض؟ قالت لا الهواء يحركني من مكان الى آخر فذهبوا للهواء سألوه هل أنت أقوى شيء على الأرض؟ قال لهم لا الجبل أقوى مني لأن في طريقي أصادف الجبل الذي يغير اتجاهي ولا اقدر أعبره فذهبوا للجبل سألوه هل أنت أقوى شيء على الأرض؟ قال لهم لا الإنسان أقوى مني لأنه يهد في الجبل ويقدر يكسرني فذهبوا للإنسان سألوه هل أنت أقوى شيء على الأرض؟ قال لهم لا الموت أقوى مني لا أستطيع ان أغلب الموت قالوا نذهب لنسأل الموت هل أنت أقوى شيء؟ قال لهم لا المسيح هو الأقوى لأنه بالموت داس الموت بموت المسيح على الصليب داس الموت وكما يعلمنا القديس بولس الرسول “أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟” (1 كورنثوس 15: 55) المسيح مات على الصليب وقام من بين الأموات لكي يهزم الموت وبهذه بالصورة صار لنا الحياة الأبدية فنقول: المسيح قام من الأموات بالموت داس الموت والذين في القبور أنعم لهم بالحياة الأبدية أهنئكم جميعًا بعيد القيامة المجيد أهنئ كل الآباء المطارنة والآباء الأساقفة والآباء الكهنة القمامصة والقسوس أهنئ الشمامسة والأراخنة أهنئ الخدام والخادمات وكل الأسر القبطية التي تحتفل بعيد القيامة أهنئ كل الأطفال والشباب في كل كنيسة وفي كل خدمة في بقاع الأرض كلها أهنئ كل الكنائس القطية أهنئ كل الذين يعملون ويخدمون وأنقل لكم محبة الكنيسة الأم في مصر لكل كنائسنا في أمريكا الشمالية وفي أمريكا الجنوبية في أوروبا وفي أفريقيا وفي الكرسي الأورشليمى وفي أسيا وفي أستراليا أهنئ الجميع وأرجو لكم عيدا مباركا وقيامة مع المسيح وفرحًا يدوم في الحياة كلها ولا ننسى المحبة والنعمة والشركة لإلهنا كل مجد وكرامة من الآن وإلى الأبد آمين.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
27 مارس 2026
“حُبٌّ حتى الموت”
في الوجود الإنساني على سطح الأرض أسرارٌ عديدة، البعض منها نعرفه وكثيرٌ منها نجهله. على قمة أسرار ذلك الوجود نجد ”الحب“ فالحُبُّ شعورٌ وإحساس يفهمه الإنسان بدرجاتٍ مُتفاوتة، ويُعبِّر عنه قولًا أو فعلًا أو سلوكًا أو إحساسًا أو شِعْرًا أو فَنًّا … إلخ، بل ويُعتَبَر ”الحُب“ هو مفتاح قلب أيِّ إنسانٍ، في كلِّ زمان وفي كلِّ مكان الإنسان كائنٌ جائع إلى الحُبِّ يحتاج أن يشبع، و«اَلنَّفْسُ الشَّبْعَانَةُ (من الحُبِّ أساسًا) تَدُوسُ الْعَسَلَ (أي إغراء آخر)» كما يُعلِّمنا سِفْر الأمثال (27: 7) أمَّا ”الموت“ فهو سِرٌّ آخر من أسرار الوجود البشري، به تنتهي رحلة حياة الإنسان إلى الشاطئ الآخر من الحياة والموت هو ذلك الزائر المُزعِج الذي يحمل الإنسان بعيدًا عن الأرض، ويُشَكِّل لُغزًا وسرًّا لا نعرف عنه تفصيلًا ومعرفتنا عن الحياة الجديدة نستقيها من الكُتُب المُقدَّسة واختبارات حياة الآباء والقدِّيسين ثم يأتي ”المسيح المصلوب“ ليُقدِّم لنا بنفسهِ شرحًا عميقًا لهذه الأسرار مجتمعة، فيكون الصليب هو: ”سِرُّ الحُبِّ حتى الموت“ في سنوات خدمة السيِّد المسيح العلنيَّة صنع معجزاتٍ عديدة. وقدَّم تعاليم كثيرة، بعضها أمثالٌ توضيحيَّة وبعضها وصايا وقِيَم كما تقابَل مع الشخصيات، أفرادًا وجماعات، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا. البعض من قمَّة السُّلَّم الاجتماعي، والبعض من متوسِّطي الحال. وكلُّ هذه المقابلات كانت تُشير إلى مقابلة ذلك اليوم العظيم: ”يوم الصليب المجيد“لقد قدَّم حُبَّه العجيب بكلِّ شكل، ولكلِّ مَنْ تقابل وتلامَس معه، ولكن كانت واقعة الصليب هي التعبير الأقوى عن ذلك الحُبِّ، وقد سبقها مباشرة حادثة لها دلالة بالغة وهي: ”غَسْل الأرجُل“ إنه من السهل أن نغسِل أرجُل الذين نحبُّهم، مثل الأُم التي لا تجد حَرَجًا في غَسْل ابنها، أو المُمرِّضة التي تغسِل مريضًا أو مُسِنًّا؛ ولكن غَسْل أرجل مَنْ أهانني أو ضايقني، فبالتأكيد أمرٌ صعب أو حتى مستحيل. وربما رَدّ فعل بطرس الرسول عن هذا الأمر يوضِّح لنا شيئًا، كما نقرأه في (يوحنا 13) في ذلك الحوار الرائع:
بطرس: ”يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَغْسِلُ رِجْلَيَّ“؟!
يسوع: ”لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ“.
بطرس: ”لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا“!
يسوع: ”إِنْ كُنْتُ لَا أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ“.
بطرس: ”يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي“.
يسوع: ”الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَّا إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ“.
وهكذا ظهرت سيمفونية الحُب والتجرُّد التَّام عند الأقدام وبعدها نصل إلى مشهد الصليب القوي، الذي هو قمَّة خطَّة الله لخلاص الإنسان لقد كان مشهدًا مُحاطًا بالضَّعف والعار والإهانات والأشواك والألم والموت، لأنه «بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لَا تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!» (عب 9: 22) ومن مسيح خلاصنا فوق الصليب، نورد العبارات السبع التي ترسِم لنا عالم الفداء الجديد:
«يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» (لو 23: 34) = مغفرة بلا حدود.
«الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ» (لو 23: 43) = فردوس مفتوح بلا حدود.
«هُوَ ذَا ابْنُكِ … هُوَ ذَا أُمُّكَ» (يو 19: 26 و27) = وفاء بلا حدود.
«أَنَا عَطْشَانُ» (يو 19: 28) = خدمة بلا حدود.
«إِلهِي إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي» (مر 15: 24) = رجاء بلا حدود.
«يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي» (لو 23: 46) = سلام بلا حدود.
«قَدْ أُكْمِلَ» (يو 19: 30) = كمال بلا حدود.
والخلاص هو حُبٌّ بلا حدود من المسيح المصلوب صاحب القلب المطعون واليَدَيْن المفتوحتَيْن لكلِّ البشر، تُناديان نداء الراحة.
«تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ» (مت 11: 28 – 30).
لقد انتصر الحُبُّ على الموت، وقام المسيح في اليوم الثالث، ليكون الحُبُّ أقوى من الكراهية، والحياة أقوى من الموت. والصليب هو سِرُّ الحُبِّ الدائم والقائم في حياة المسيحيين عَبْر رحلة الزمن.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد