أھنئكم جمیعًا بعید القیامة المجید وأصلي أن یفیض قلبكم بالبھجة ویملأ الله أیامكم بروح الرجاء كما
أتوجه بالتھنئة لكل الكنائس القبطیة الإیبارشیات والأدیرة القبطیة المنتشرة في العالم التي تُعلن الیوم
أعظم رسالة: "المسیح قام! حقًّا قام!" ھذا العید یُجسِّد انتصار الحیاة على الموت والنورعلى الظلمة والمحبةِ على كلِّ شر ففي قیامة السید المسیح تتجدد البشریة وتنفتح أبواب السماء لتدشین عھدٍ جدیدٍ من المصالحة بین الله والإنسان إنه الیوم الذي رأینا فیه القبر فارغًا معلنًا أن المسیح قد غلب الموت وصار الصلیب بابًا للحیاة الأبدیة أقف معكم عند سؤال رددته المریمات وھنّ في طریقھنّ إلى القبر "مَنْ یُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ؟" (مر ۱٦: 3) لقد كان ھذا التساؤل تعبیرًا عن عجز البشریة أمام الحواجز لأن حجرًا كبیرًا كان قد وُضع على باب
القبر كان مستحیلاً على النسوة أن یدحرجنه إنه حجریسدّ طریق الحیاة ھذا التساؤل ھو صرخة للإنسانیة
منذ آدم فآدم خرج من الجنة وحمل معه حجر الخطیة الذي فصل بینه وبین الله وتساءل من یدحرج ھذا
الحجر فالخطیة والشھوة التي حركت آدم وحواء شلّت إرادته وحرمته من متعة الحیاة مع اهلب قایین قتل أخاه ھابیل وبعدھا صرخ قائلاً "ذَنْبيِ أعَظَمُ مِنْ أنَ یحُتمَلَ"َ (تك ٤: 13) ووضع حجرًا بینه وبین كل الناس وصار "تائھِا وَھَارِبًا عَلىَ الأرَضِ" (تك ٤: 12) فكان یھرب من البشر لكي یعیش نوح صلى وسط الطوفان "من یرفع حجر الغرق"؟ فقد كانت الإنسانیة غارقة في الخطیة "وَرَأىَ الرَّبُّ أنَّ شَرَّ الإنِسَانِ قَدْ كَثُرَ فيِ الأَرْضِ وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِه إنِّمَا ھُوَ شِرِّیرٌ كُلَّ یَوْمٍ" (تك ٦: 5) لقد فسدت البشریة وانتشر الشر والعنف
على الأرض وغرق العالم عاش توما أسوأ أسبوع في حیاته یئن تحت حجرالشك والحیرة وعدم الإیمان ثم قال "إِنْ لَمْ أُبْصِرْفيِ یَدَیْه أثَرَ المْسَامِیرِ وَأضَعْ یَدِي فيِ جَنْبه لا أوُمِنْ"(یو ۲۰: 25) إن الحجر الذي تخشاه المریمات ھو حجر الخطیئة الذي یُثقِل ضمیرنا ویُبعدنا عن الهب حجر الألم الذي یظھر في تجارب الحیاة القاسیة حجر الشك الذي یُظلم إیماننا وسط الأزمات وكل یوم تصرخ الإنسانیة من یرفع أحجار المرض الفقر الخیانة الوحدة القلق القساوة الھموم الریاء الكذب الصراع الحرب؟؟؟
ماذا فعلت اﻟﺨطية ﻓﻲ الإنسان؟
۱- الخطیة أصابت الفكر بالظلام
الخطیة تُفسد العقل والفكر معًا كما یقول الرسول
بولس "لأنَّھمُ لمَّا عَرَفوُا الله لمَ یمُجِّدُوه أوَ یَشْكُرُوه كَإلِه بَلْ حَمِقوُا فيِ أفَكَارِھِمْ وَأظَلمَ قَلْبُھُمُ الْغَبيِّ وَبَیْنَمَا ھُمْ
یَزْعُمُونَ أنَّھُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُھَلاءَ" (رو ۱: 21- 22) الخطیة تُشوِّش رؤیتنا فتجعلنا نرى الحق كعدو والشر كخیر ھكذا فعلت الخطیة بفرعون حتى أنه كلما زادت الضربات ازداد عنادًا وظن أن قوته تُضاھي قوة الله!
الخطیة جعلته یرى معجزات الله كتھدید لعرشه لا كرسالة خلاص وھكذا فقد الاستنارة كذلك رأى بیلاطس تھدیدًا له بعد أن طلب منه الیھود "اصلبه اصلبه" لذلك أمر بجلده وصلبه.
۲- الخطیة أصابت الضمیر بالضعف
الضمیر ھو النور الداخلي الذي وضعه الله في الإنسان لیمیز بین الخیر والشر لكن الخطیة تُشوِّه ھذه الھِبة فتصیر النفس كسفینة بلا دفة یھوذا الإسخریوطي بعد خیانة المسیح حاول إسكات ضمیره بإعادة الفضة (متى ۲۷: 3) لكنه لم یجد خلاصًا لأن الخطیة قادته إلى الیأس! وعندما أخطأ داود وقتل أوریا ( ۲ صم ۱۱ ) حاول إسكات ضمیره لكن الصوت ظل یصرخ "أَنْتَ ھُوَ ٱلرَّجُلُ!" ( ۲ صم ۱۲: 7) على لسان ناثان النبي فالخطیة جعلت داود یُطفئ صوت الضمیر!
في محاكمة السید المسیح أمام المجمع الیھوديوالسلطات الرومانیة كان ھدفھم ھو الحصول على شھادة زور تُدین السید المسیح لتبریر حكمھم لكن لم تتفق الشھادات.
۳- الخطیة أصابت القلب بالقساوة
القلب في الكتاب المقدس ھو مركز المشاعر والإرادة والإیمان لكن الخطیة تُحوله إلى "حجر" لا یَرحم!
یقول النبي حزقیال "أَنْزِعْ قَلْبَ الْحَجَرِ من لحمكم وَأُعْطِیَكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ" (حز ۳٦: 26) الفریسیون رأوا معجزات المسیح لكنھم "غَمَّضُوا عُیُونَھُمْ لِئَلاَّ یُبْصِرُوا بِعُیُونِھِمْ وَیَسْمَعُوا بِآذَانِھِمْ وَیَفْھَمُوا بِقُلُوبِھِمْ" (مت ۱۳: 15) وقسوتھم وصلت إلى حد التآمر لصلب السید المسیح بدعوى "حفظ الناموس"! الشعب نفسه صرخ أمام بیلاطس البنطي "اصلبه اصلبه دمه علینا وعلى أولادنا" بل أیضًا طلبوا أن یطلق لھم اللص باراباس أما المسیح فیصلب ھذا ھو حال الإنسانیة كلھا تصرخ تحتاج من یمد یده ویدحرج الحجر وھذا ما حدث عند القیامة النسوة ذھبنّ إلى القبر بقلوب خائفة لكنھنّ وجدنّ الحجر مُدحرجًا والملاك یُعلن "أنتن تطلبن یسوع الناصري المصلوب قد قام! لیس ھو ھھنا!" (مر ۱٦: 6)ھذا ھو عمل القیامة فالحجر الذي لا یقدر علیه
البشر دحرجته ید الله القویة والموت الذي یُرھب الإنسان ھزمه السید المسیح بصلاحه والخطیة التي تستعبدنا محاھا دمه المقدس.
ومن هنا ﻛﺎنت القيامة اﻟﻤجيدة ﻫﻲ عطية اﻟﺨلاص لكل البشر وها ﻫﻲ تصلح ما أفسدته اﻟﺨطية
۱- القیامة تُعید إلى الفكر الاستنارة
بالقیامة تحوَّل ظلام الخطیة إلى نور الحق كما یقول المرتل "لأَنَّ عِنْدَكَ یَنْبُوعَ الْحَیَاةِ بِنُورِكَ نَرَى نُورًا"(مز ۳٦: 9) بطرس الرسول الذي أنكر المسیح بضعف بكى واستعاد فكره المشوش بعد القیامة (لو ۲۲: ٦۲ )
واستنار وبعظة واحدة كسب آلاف النفوس بعد حلول الروح القدس یوم الخمسین أیھا الأحباء قیامة المسیح ھي انتصار النور على ظلام الخطیة وكما دحرج الحجر عن القبر یرید أن یدحرج كل حجر یُظلم عقولنا. لنصرخ مع المرتل "أَنْرِ عَیْنَيَّ فَلَا أَنَامَ نَوْمَ الْمَوْت" (مز ۱۳: 3) لقد انتقل العالم بالقیامة من الظلام إلى النور "سراج لرِجْليِ كَلامُكَ وَنُورٌ لسِبِیليِ" (مز ۱۱۹: 5 ,6) الإنسان بطبیعة مختلفة إذ قیل عنا "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ" (مت ٥: 14) ولذلك نصلى صلاة باكر كل یوم مع بدایة النور تذكارًا للقیامة المجیدة.
۲- القیامة تعید إلى الضمیر الاستقامة
الضمیر المستقیم لیس ضربًا من المثالیة بل واقعًا نعیشه بقوة القیامة فكما حوَّل المسیح الموت إلى حیاة
یُحوِّل انحرافنا إلى استقامة فیكون الضمیر حاضرًا وواضحًا وصوتًا مسموعًا في حیاة الإنسان لنُردد مع
المرتل "ٱخْتَبرِنيِ یَا ٱﻟﻠﮫ وَٱعْرِفْ قَلْبيِ ٱنْظُرْ إنِ كَانَ فيِّ طَرِیقٌ بَاطِلٌ وَاھْدِنيِ طَرِیقًا أبَدِیًّا" (مز ۱۳۹: 23- ۲٤) فالضمیر المستقیم لیس نتیجة جھد بشري بل ھبة إلھیة من ینبوع القیامة القیامة تمنحنا أیضًا رجاءً لا یخیّب ھذا الرجاء یرفع أعیننا فوق ھموم العالم ویجعلنا نسیر باستقامة على طریق الملكوت والقیامة لیست وعدًا بمستقبل مجید بل قوة حاضرة تُصلح كل اعوجاج في حیاتنا وتعید ترتیب أولویاتنا لنضع الله أولاً كما نردد في مزمور التوبة "قَلْبًا نَقِیًّا اخْلُقْ فِيَّ یَا لَلهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِیمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي" (مز ٥۱: 10).
۳- القیامة تعید إلى القلب البساطة
"إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِیرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت ۱۸: 3) البساطة لیست مجرد حالة عقلیة أو أسلوب حیاة بل ھي صفة قلبیة عمیقة تُعید الإنسان إلى صورة الله التي خُلق علیھا وتُعید قلوبنا إلى تلك الحالة من البراءة الروحیة في القیامة نكتشف البساطة من جدید ونتحرر من تعقیدات الحیاة ومن الأفكار المشوشة ونعیش بنقاء نیة وقلب متواضع أمام الله واثقین أن كل ما نحتاجه قد أكمله المسیح لنا على الصلیب وقام لیمنحنا حیاة أبدیة البساطة ھي أن نعیش في سلام مع الله ومع الآخرین وأن نتخلى عن الغش والخداع وأن نُحِب من قلب نقي دون مصالح أو حسابات وكما یقول الكتاب "طُوبَى لِلأَنْقِیَاءِ الْقَلْبِ لِأَنَّھُمْ یُعَایِنُونَ اللهَّ" (مت ٥: 8) لنستقبل القیامة بفكر مستنیر وضمیر مستقیم وقلب بسیط نستقبلھا بقلوب مفتوحة للسماء قلوب خالیة من كل حجر یُبعدھا عن الله ونسیر في نور المسیح القائم من بین الأموات كل قیامة وأنتم بخیر ولتكن الاستقامة والبساطة والاستنارة طریقًا لنا ونورًا یضيء قلوبنا وبیوتنا.
خرستوس أنستي ألیثوس أنیستي
المسیح قام حقًا قام.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد