البابا تواضروس الثاني

البابا الأنبا تواضروس الثاني (4 نوفمبر 1952 -)، بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ال118. وُلِد باسم وجيه صبحي باقي سليمان بالمنصورة لأسرة مكونة منه كأخ لشقيقتين، ووالده كان يعمل مهندس مساحة، وتنقلت الأسرة في المعيشة ما بين المنصورة و سوهاج و دمنهور.

في 4 نوفمبر 2012، تم اختياره عن طريق القرعه الهيكلية ليكون بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية رقم 118[1].

م ترشيحه ليكون خليفة البابا شنودة الثالث هو وأربعة آخرين هم الأنبا رافائيل ، القمص رافائيل أفامينا ، القمص باخوميوس السرياني، القمص سارافيم السرياني.[2] ،فاز بمنصب البابا عن طريق القرعة الهيكلية ليصبح البابا تواضروس الثاني 118 يوم الأحد 4 نوفمبر 2012 م

رؤيته لمستقبل الكنيسة يقول الأنبا تواضروس "يجب أن نهتم بفصول التربية الكنسية منذ الصغر، وأن نجعل فصول إعداد الخدام من أولوياتنا، فالخدمة هي التي سوف تصنع نهضة جديدة داخل الكنائس سواء بمصر أو ببلاد المهجر".

ويُطالب الأنبا تواضروس بإنشاء معهد لإعداد خدام كنائس بالمهجر لإطلاعهم على الثقافات المختلفة في الدول الأوروبية وأمريكا وكندا، مُعتبرا أن إقامة قنوات للحوار مع الشباب أمر ضروري، وكذلك يدعو المسيحيين إلى الاندماج في المجتمع من خلال التعليم ووسائل الإعلام.

وقد حصل الأنبا تواضروس على تزكيات من الأنبا دميان أسقف عام ألمانيا والأنبا سوريال أسقف ملبورن، والأنبا مكاريوس اسقف عام المنيا ، والأنبا باخوم أسقف سوهاج، والأنبا اندراوس أسقف أبوتيج والانبا رفائيل الاسقف العام.

تم تجليسه كبابا للإسكندرية وبطريرك للكرازة المرقسية في قداس الأحد 18 نوفمبر 2012 برئاسة القائم مقام البطريرك الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية وباشتراك كافة أعضاء المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية و مشاركة وفود من كل الكنائس في مصر والعالم.

المقالات (304)

04 ديسمبر 2026

الصوم ومبادئ للحياة الشخصية

بمناسبة صوم الميلاد نقرأ قول إشعياء النبي " اليس هذا صَوْمًا أَخْتَارُهُ حَلْ قُيودَ الشَّرِّ فَكَ عُقْدَ النير وإطلاق المسوقين أحرارًا وقطع كل نير اليس أن تكسر للجائع خبزكَ وأن تدخل المساكين التائهين إلى بيتك؟ إذا رأيت عرْيانًا أَن تَكْسوهُ وَأَنْ لا تتغاضي عن لحمك" (اش ۵۸ : 6-7) صوم الميلاد هو أول أصوام السنة الكنسية التي تبدأ في شهر توت وهو في السنة الميلادية ختام السنة ودائما الصوم يكون الاستقبال لنعمة (التناول القيامة الميلاد) لذلك في هذا الصوم نصوم لكي نستقبل السيد المسيح مولودا ومنحتنا من أجل خلاص العالم والصوم هو فترة استعداد هو ليس أكلا ولا شربا "لأن ليس ملكوت الله أكلا وشربا" (رو ١٤: ١٧) صوم الميلاد يتميز بأمرين: 1- التسبحة الكيهكية شهر كيهك هو شهر التسبيح و به أربعة أحاد فقط وتذكر فيه السيدة العذراء كثيرا من زاوية أنها إنسانة مطيعة لها الأذن الخارجية والأذن الداخلية فعندما جاءتها البشارة قالت "هوذا أنا أمة الرب ليكن لي كقولك" (لو ۱: ۳۸) لذلك تمجدها صباحا ومساء لمدة شهر يقول القديس اغسطينوس "نحن لا نطوب أمنا العذراء لأنها حملت المسيح في بطنها نحن نطوب أمنا العذراء لأنها قبل أن تحمل المسيح في بطنها حملته في قلبها وعبارة حملت المسيح في قلبها تعني عنصر الطاعة وعدم العناد أو التمرد أو الرفض لما حضرت أمنا العذراء عرس قانا الجليل وفرغ الخمر قالت للسيد المسيح ثلاث كلمات فقط ليس لهم خمر ثم قالت للخدام مهمَا قَالَ لَكُمْ فَاقْطُونَ بو (۲) قالت هذا بمنتهى الهدوء لذلك تسميها فخر جنسنا. 2- نقرأ في أحاد شهر كيهك الأصحاح الأول من انجيل معلمنا لوقا (۸۰ أية) تقسمها إلى أربع حلقات بشارة زكريا بشارة أمنا العذراء لقاء العذراء مع اليصابات ولادة يوحنا المعمدان ليكن تدريب هذا الصوم هو قراءة سفر الخروج الذي يتكون من ٤٠ أصحاح وأشهر ما ورد فيه هو العليقة التي رأها موسى في البرية. أربعة مبادئ لحياتك الشخصية من (اش ٥٨: ٧٠٦) 1- جدد علاقتك مع الله بالتوبة في ( البيت العمل، الكنيسة) نصلي قلبا نقيا اخْلُقُ فِي يَا الله وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَددٌه في أحشائي (مز ۱۰:5۱) أطلب من الله أن تتجدد علاقتك به فربما التابها برود أو كسل أو أو نسيان أو جفاف أو شيخوخة من المهم أن تتجدد حياتنا ولا تجديد إلا بالتوبة والتوبة ليست مشاعر فقط بل تجديد العهد مع الله وتقديم وعود وفتح صفحة نقية جديدة مع الله الصوم هو تغيير اتجاه وليس تغيير الطعام فغير الجاهك وجدد علاقتك مع الله بالتوبة لقد صام الفريسي لكنه افتخر بنفسه فخرج مدانا أما العشار فصام لينسحق وقال اللهم ارحمني أنا الخاطئ (لو ۱۸: ۱۳) إن إحساس الإنسان بخطيته وتقصيره هو إحساس رائع جدا الزوج نحو الزوجة الزوجة نحو الزوج والوالدين نحو الأولاد الخ انتبه ... صحح ... جدد! أهل نينوى عندما وصلتهم الرسالة عن طريق يونان النبي جلس الجميع في المسوح والرماد من الملك حتى أصغر شخص في المملكة وقدموا جميعهم توبة فغفر لهم الله ورفع غضبه عنهم يقول القديس يوحنا ذهبي الفم "الصوم ليس في ترك الطعام الصوم في ترك الخطية". 2- تحرر من القسوة وامتلئ من الرحمة اكبر خطية ممكن أن تدخل قلب الإنسان هي خطية القسوة لذلك قال السيد المسيح "إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات: (مت ۱۸:۳) لأن الولد أو الطفل الصغير ليس في قلبه قساوة ولا يعرف القساوة في تسبحة نصف الليل في بداية كل هوس تقول: امين هللويا كيرياليسون كيرياليسون كيرياليسون" أمين قمة الهرم وتعني الكمال وهي آخر كلمة تختم بها كل صلواتنا وفي اللغة العربية أيضا تعني الأمانة هللويا لأن العهد الجديد هو عهد الفرح فكلمة هللويا" وردت أربع مرات في (رؤ ۱۹) لتشير إلى الشمال والجنوب والشرق والغرب أي أن كل الذين يعيشون بالفرح الروحي هم من لهم نصيب في ملكوت السماوات اسمهم "هللويا" كيرياليسون يا رب انزع مني قساوة قلبي التي سببتها الخطية گیربالیسون يا رب املأ قلبي رحمة خذ قلبي الحجري وأعطني قلبا لحميا كيرياليسون يا رب علمني أن أصنع رحمة نحن اليوم من كثرة التعامل مع الأجهزة الإلكترونية فقدنا الحنان لابد أن تعرف كيف التعامل مع الخطأ بحنان وكيف تحل المشاكل بحنان لا بغضب أو بصوت مرتفع أو بخصام الله يسمح بالمشاكل للفهم أكثر ونتقوى أكثر تحرر من القساوة راجع أسلوبك وانتبه لعلاقاتك. 3- اطرد الأنانية من حياتك يقول الكتاب عن الصوم: اليس أن تكسر للجائع خبزك (اش ۵۸ :۷) بمعنى أن أشرك غيري معي في طعامي وأن تدخل المساكين التائهين بيتك؟ إذا رأيت عريانا أن تكسوه وأن لا تتغاضي عن لحمك" (إش ۷:۵۸) ليس شرطا أن يكون عريانا من اللبس هناك شخص عريانا من الاحترام يحتاج من يشجعه فاجعل في أسلوبك دائما كلام تشجيع واطرد الأنانية من حياتك فكلنا نحتاج بعضنا البعض قال أحد الفلاسفة الإنسان قبل أن يخرج من بيته يكون قد تعامل مع على الأقل ۲۰۰ شخص (زارع القمح والحاصد والناقل العاملين في محطة المياه ومحطة الكهرباء والتلفزيون إلخ) كلنا نحتاج بعضنا البعض فاطرد الأنانية واطرد محبة النصيب الأكبر أمثلة لشخصيات كتابية: طابيثا في عصر الرسل كانت تعمل ملابس المحتاجين ولم تهتم بنفسها السامري الصالح كان صائما عن الأنانية وليس الطعام لذلك بمجرد أن قابل إنسانا محتاجا وقف بجانبه وأوصله واطمئن عليه ودفع للفندق الصوم هو فترة لطرد فيها أنانيتك التي يمكن أن تحرمك من السماء يقول القديس باسيليوس الكبير إن كنت لا تشبع الجائع فلا تقل إنك صائم لأن المائدة التي تغلقها عن الفقراء تغلقك أنت عن السماء هناك أنانية في المشاعر مثل شخص بارد المشاعر إن الكلمة الحلوة تشبع الإنسان فاطرد الأنانية وقدم للآخر( في العمل في التعاملات اليومية في الخدمة) والله سيعوضك بكل خير. 4- حول صومك إلى حياة الصوم هو فترة تغيير وإعادة تشكيل يخرج منه الإنسان بحياة جديدة الصوم هو فترة عبادة حقيقية دانيال عندما صلى وصام انفتحت له رؤى السماء وحياة جديدة ويقول إشعياء النبي" حينئذ ينفجر مثل الصبح نورك وتنبت صحتك سريعا (اش ۵۸ :۸) تصبح حياتك كلها منيرة (يومك، عملك، بيتك مسؤولياتك، خدمتك علاقاتك) كلها تصبح منيرة حتى صحتك تتحسن ونفسيتك ترتاح وهذا يشجعك الصوم هو فترة نستغلها لكي نصلح كل شيء في حياتنا لذلك في نفس الأصحاح من سفر اشعياء نجد كلمة "مرمم الثغرة" أي مرمم الضعفات أن حياة كل منا بها ضعفات فلنرممها خلال فترة الصوم اجلس مع نفسك ومع أب اعترافك وخذ تدريبا جاهد مع نفسك أنت لك نفسا واحدة إن خسرتها خسرت كل شيء ويقول الكتاب "بصبركم اقتنوا أنفسكم "(لو ۲۱ :۱۹) جهاد فالصوم يحتاج إلى صبر يقول القديس مكاريوس الكبير حين تصوم وتصلي ليكن قلبك هيكلا لله وليس مطبخاً خاليا اجعل قلبك هو الهيكل لا تجعله مشغولاً بالطعام لكي لا يكون كأنه مطبخاً وهذا أمر غير مقبول غير في حياتك وحول صومك إلى حياة. قداسة البابا تواضروس الثانى من كنيسة القديسة دميانه والشهيد أبانوب في فيينا يوم الأربعاء ٢٦ نوفمبر ٢٠٢٥م
المزيد
18 ديسمبر 2026

علماني أم ديني؟!

هذا السؤال موجه إلى الذكاء الاصطناعي AI؟ ومنه تتفرع العديد من الأسئلة الأخرى لأن التكنولوجيا بدأت تقوم بأدوار كانت الأديان تمارسها لآلاف السنين والتكنولوجيا ليست محايدة أبدًا بل تحمل خصائص من ابتكرها ومولها وطورها واستخدمها وبالتالي سيكون AI علمانيًا تمامًا وقد يضعف المعتقدات الدينية، أو يحل محلها في أسوأ الظروف لأنه يجعل المؤمنين -بصفة عامة- يميلون إلى ممارسة أكثر فردية مما يساعد على ظهور ما يسمى “بالارتجالية الدينية” لقد بدأ بعض الآباء والخدام في تحضير العظات والمحاضرات اعتمادًا على AI دون أن يستخدموا مشاعرهم وصلواتهم وبحثهم الكتابي باجتهاد وعمق وطبعًا قد تتضمن تلك العظات بعض الأخطاء في النصوص الكتابية المقتبسة بشكل خاطئ ومن هذه الزاوية ستظهر “الإنسانية العلمانية” والتي ستؤثر على المعتقدات الإيمانية حيث يتحول العالم كله إلى “النرجسية” أي الانفرادية والإعجاب بالنفس على مستوى فردي لكل أحد مما يخلق ضعفًا في إيمان الناس لأن بناء تكنولوجيا متعددة الأديان سيواجه تحديات عديدة جدًا خاصة أن معظم برامج AI تحذف الدين في الغالب وتستبدل بدلاً منه الأخلاق الدينية العامة والتي يستخدمها الناس من ديانات متعددة أو بلا ديانة على الإطلاق ويصب هذا كله في تسطيح المعتقدات الدينية لتصير على الهامش ومع اتساع الاستخدام تتلاشى رويدًا رويدًا وفي هذا دمار للبشرية إن العمل الرعوي يحتاج علاقات إنسانية حقيقية أما علاقات البشر والآلة فتصلح في العمل الإداري وتسريع المهام الإدارية والبحثية المتعددة مما يوفر وقتًا للرعاية الروحية والتأمل والوقت مع المخدومين في كل قطاعات الخدمة إن AI ليس صديقًا افتراضيًا ولا هو كاتم للأسرار متفرغ دائمًا ولا هو صاحب الحوار الدافئ بل هو مجرد أداة مساعدة في إتمام بعض المهام المطلوبة واحذر يا صديقي من التعلق النفسي السريع أو من الإدمان الرقمي والذي صار حاليًا بمثابة “وباء” يجتاح عقول قطاع كبير من الشباب حول العالم وقد وضع علماء الاجتماع 4 علامات على وجود هذا الإدمان الرقمي:- 1- الانشغال الذهني اليومي بحيث يشعر الإنسان أن حياته قد يصيبها الملل والشلل دونه. 2- الاعتماد المفرط عليه في كل صغيرة وكبيرة حتى في المهام التي يمكنك القيام بها بسهولة وحدك. 3- استخدامه في الهروب من المشاكل وضغوط الحياة والتقليل من الشعور بالقلق أو الحزن بدلاً من التحدث مع آباء أو أصدقاء أو أحباء. 4- مع الاستخدام الزائد للذكاء الاصطناعي يبدأ الإنسان في إهمال الدراسة أو العمل وبالتالي نقص ساعات النوم والأنشطة اليومية. إن الذكاء الاصطناعي هو مساعد للبشر وليس قائدًا لهم أو مسيطرًا على أفكارهم وتصرفاتهم دون وعي أو إدراك إن الخطورة أن يدخل AI إلى مساحة التفكير البديل أو مساحة المشاعر واتخاذ القرار أو اعتبار أن وجوده هو للشعور بالراحة والأمان. ويجب أن نفرق بين أمرين: الاستعانة والاعتماد الاستعانة تعني أن هذه أداة تساعدني في التفكير والاعتماد يعني إنني لا أستطيع التفكير أو اتخاذ القرار دونها نحن الذين خُلقنا على صورة الله ومثاله وكل منا هو صنعة يد الله الخالق العظيم لذا نحن نحتاج الذكاء الإنساني الذي وضعه الله فينا بكل الملكات والمواهب والقدرات والمهارات والإبداعات وواحدًا منها اسمه الذكاء الاصطناعي، فلا يصح أن يهيمن AI على الإنسان بحيث يصير معتمده وصديقه ورفيقه في الحياة إنه مجرد “وسيلة مساعدة” إنه من الخطأ أن نسقط في “الوهم العاطفي” إذ أن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يستمع ويتفاعل معك ويقدم إجابات تبدو متفهمة لكن هذا لا يعني أنه بديل عن العلاقات الإنسانية الواقعية والحقيقية وليس من المنطق أن تصير الآلة بديلاً عن البشر لقد كتبت مقال افتتاحية العدد الماضي تحت عنوان “أنت الصورة الإلهية” تذكيرًا بقيمة الإنسان مهما تعاظمت قدرات اختراعاته في أي مجال نحن لا نخاف من الذكاء الاصطناعي ولا نرفضه بل فقط ندعو إلى الاستخدام الواعي لكل ما يقدمه من تطبيقات وتكنولوجيا. قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
11 ديسمبر 2026

أنت الصورة الإلهية

يقولون إن كل جيل يظن أن عصره هو “الأسرع” في تاريخ البشرية ولكن عصرنا هذا له معطيات مختلفة حقًّا فمنذ سنوات قليلة كانت “الرسالة” تحتاج وقتًا طويلاً في الكتابة وأوراقًا وحبرًا ثم أيامًا لتصل والمعلومة تحتاج مكتبة كاملة كي نعثر عليها أما اليوم فالعالم كله بين أصابعنا في شاشة صغيرة والذكاء الاصطناعي ذلك العلم الذي يحاول أن يحاكي عقل الإنسان في التفكير والتحليل والكتابة والرسم والحديث صار حاضرًا في كل بيت وكل مؤسسة حتى بات حديث الناس في كل مكان وموضع تساؤل عند كثيرين هل تستطيع الآلة أن “تحل محل” الإنسان؟ أو بصورة أعمق هل يمكن أن “تُنسخ” إنسانيتنا؟ هل يستطيع العقل الآلي التفوق على الإنسان؟ كنيستنا لا تخاف من العلم ولا تقف ضد التقدم فالكنيسة منذ فجر تاريخها لم تُعادِ المعرفة بل احتضنتها بحكمة فمدرسة الإسكندرية اللاهوتية التي أسسها مارمرقس الرسول الإنجيلي في كرازته بالإسكندرية قبل استشهاده كانت نموذجًا فريدًا في التاريخ لكنيسة لم تخشَ علوم عصرها بل درست الفلسفة والمنطق والعلوم الطبيعية السائدة في زمانها ووظّفتها لخدمة الإيمان لا لمصادرته ويقول إكليمندس السكندري إن الآباء “صاغوا التعليم باستنارة الروح القدس مع الاستفادة من دراستهم الفلسفية والعلمية التي كانت سائدة في عصرهم” فالعلم أداة في يد الإنسان والأداة تُقاس بمن يستخدمها وبالغاية التي تُستخدم من أجلها ولكن مهما تطورت الآلة ومهما بلغ الذكاء الاصطناعي من دقة وسرعة يبقى هناك خط فاصل لا تستطيع أن تتخطاه أية تقنية هو “الإنسانية” ذاتها فالإنسان ليس مجرد “بيانات Data” تُعالج ولا “خوارزمية Algorithm” تُحلل نفسها وتُعيد إنتاجها بل هو كما يقول سفر التكوين -مخلوق على صورة فريدة لا تتكرر “وَقَالَ اللهُ" نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ" (تك 27 ،26 :1) والصورة هنا ليست شكلاً خارجيًا يمكن تصويره أو نسخه بل هي عقل يفكر وضمير يحاسب وإرادة تختار وروح تشتاق إلى ما هو أبدي وهذه كلها لا تُستنسخ ولا تُبرمَج مهما بلغت التقنية وأحب أن أشارككم بفكرة ثلاثية بسيطة عن ثلاثة أشياء لا تملكها أية آلة مهما بلغت من الذكاء: أولاً: الضمير “Conscience” ذلك الصوت الداخلي الذي يميِّز بين الخير والشر ويحاسب الإنسان على أفعاله من داخله لا من برمجته. ثانيًا: المشاعر الحقيقية “Feelings” فالآلة قد “تُحاكي” التعاطف وتكتب عنه بلغة رقيقة لكنها لا “تشعر” به أما الإنسان فيبكي مع الباكي ويفرح مع الفرح من أعماق قلبه. ثالثًا: الروح “Spirit” تلك النسمة الإلهية التي نفخها اللّٰه في آدم فصار “نَفْسًا حَيَّةً” (تك ٢ :٧) وهي التي تجعل الإنسان قادرًا على الصلاة والعبادة والشوق إلى ما هو أبدي وهنا نسمع كلمات معلمنا بولس الرسول حين تحدث عن المواهب والقدرات مهما بلغت من الروعة والفصاحة فقال “إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِألْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَلَيْسَ لي مَحَبَّةٌ فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يُطَنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ” (1كو ١٣ :1) وهذه الآية وإن كُتبت منذ قرون تصلح أن تكون معيارًا لعصرنا الرقمي بامتياز فالآلة اليوم تستطيع أن “تتكلم بألسنة الناس” بطلاقة وتكتب وتحلل وتجيب بسرعة تفوق العقل البشري ولكنها مهما بلغت فصاحتها – ليس لها محبة والمحبة هي جوهر الإنسانية التي لا تُختصر في معادلة ولا تُبرمَج في خوارزمية لأنها ببساطة “من الله” (ايو ٤ :٧) ومن هنا فإننا في الكنيسة لا نقف موقف الرفض من أدوات هذا العصر بل نستخدمها بحكمة ووعي في خدمة الكلمة ونشر الإيمان وقد شكّل المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية لجنة متخصصة تُعني بدراسة الاستخدام السليم للذكاء الاصطناعي في المحتوى الروحي والكنسي إدراكًا منا أن هذه الأداة الجديدة ككل أداة تحتاج إلى بصيرة وضبط قبل أن تحتاج إلى حماس وقد ساهمت هذه التقنية بالفعل في تسريع عمل كان يستغرق سنوات طويلة مثل ترجمة الكتب الكنسية وفي مقدمتها الكتاب المقدس نفسه إلى لغات متعددة في وقت أقصر بكثير مما كانت تحتاجه الترجمة بالطرق التقليدية وهذا خير عظيم يخدم انتشار كلمة الله بين كل الشعوب والألسنة كما بدأت عدة إيبارشيات في العمل على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي خاصة بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية هدفها أن تكون مصادر التعليم والمعرفة الكنسية مصادر موثقة ودقيقة بعيدًا عن الخلط الذي قد يقع فيه أبناؤنا حين يبحثون عن إجابات روحية في مصادر عامة غير مضبوطة وكل هذا عمل مبارك ومسؤولية نحملها بأمانة تجاه أبنائنا في كل مكان ونحن إذ نشجع هذا الاستخدام الواعي للتكنولوجيا نحذِّر في الوقت ذاته من خطر مقابل وهو أن تُستخدم هذه الأداة لنا نحن فنتحول نحن الخدام والرعاة والشهود الأحياء للإيمان إلى مجرد “أداة نشر” تُعيد إنتاج محتوى دون حياة تسنده ولا حضور ولا صلاة حقيقية خلفه فمهما بلغت دقة الترجمة وسرعة النشر تبقى الكرازة الحقيقية “كلمة” تخرج من قلب حي إلى قلب حي لا نصًا يُنسخ وينتشر بلا روح لكننا في الوقت ذاته نحذِّر أبناءنا وخصوصًا جيل الشباب من خطر أن تستبدل الشاشة باللقاء وأن تحل الرسالة الإلكترونية محل الحضور الحي وأن يظن الإنسان أن “المعرفة” تغنيه عن “الحكمة” وأن “المعلومة” تغنيه عن “الصلاة” فالتكنولوجيا تُقرّب المسافات لكنها وحدها لا تُقرّب القلوب وهذا يحتاج إلى لمسة إنسانية حقيقية ووقت حقيقي وحديث حقيقي وصلاة حقيقية أمام الله الحي لا أمام شاشة. وختامًا أقول تعلّموا واستخدموا كل جديد بوعي وحكمة ولا تخافوا من العلم فهو عطية من الله لخدمة الإنسان ولكن لا تسمحوا لأي تقدم تقني أن يسلبكم إنسانيكم أو علاقتكم الحية مع الله ومع بعضكم البعض فمهما تقدمت الآلة فلن تستطيع أن تصلي بدلاً منكم ولا أن تحب بدلاً منكم ولا أن تحمل صورة الله التي خُلقتم عليها فالإنسان يبقى دائمًا هو “الأولوية” وهو “الغاية” وكل علم وكل تقدم إنما وُجد ليخدمه لا ليُلغيه أو ليُشبهه. قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
27 نوفمبر 2026

زمن الاستعجال والاستسهال

رغم أن مصطلح “الثقافة” مصطلح إنساني راقي الاستخدام في مجالات الهوية والانتماء والتاريخ والتقليد الإنساني بين الشعوب والأمم والدول وبين الأفراد والجماعات.. إلا إنه في الآونة الأخيرة ظهرت عدة ثقافات غريبة عن المفهوم الأصلي للكلمة مثل ثقافة التيك أواي take away وثقافة العجلة (السرعة)، وثقافة التريند Trend ، وثقافة المتعة الفورية، وثقافة الريلز Reels (الفيديو القصير)، وغيرها من ثقافات يعيشها إنسان هذا الزمان بل ويغرق فيها، وصار في حالة استعجال دائم، ولم يعد المنتج الأكثر جودة هو الأفضل بل الأسرع، وبذلك تحوَّل الزمن إلى سلعة، وهو نمط حياة جديد على سلوك الإنسان وعلاقاته وقيَمه، ولم تعد وتيرة الحياة تقاس بعمق التجربة بل بسرعة إنجازها. وبالطبع هذا له تأثير عميق على المفاهيم الكتابية والاختبارات الروحية والخبرات الرعوية في حياة الكنيسة بصفة عامة، وعلى مؤسسات التنشئة الاجتماعية مثل الأسرة والمدرسة والجامعة بصفة خاصة، وهذا أدى إلى انفلات خيوط الضبط الاجتماعي حتى في علاقات الصداقة والتربية والأخوة والزواج والارتباط، وصارت علامات وظواهر الاستعجال والاستسهال والرغبة في السباق مع الزمن مع تطلعات غير مسبوقة وغير حقيقية، وهذا أدى إلى تغيير المعنى والقيم وراء السلوك والأفكار لدى الأفراد، وهذا ما نشاهده في الأجيال الحديثة منذ بداية الألفية الثالثة. إن عالمنا صار يتغير بشكل يومي تقريبًا، وصار الهوس بالتكنولوجيا هو السمة الأولى، فمن الأجهزة الرقمية الذكية، إلى شبكات التواصل الاجتماعي، إلى ألعاب الفيديو، إلى الأفلام القصيرة والقصيرة جدًا، إلى خدمات البث المباشر، وصارت حياتنا مشبعة بالشاشات. ولذلك قال أحد خبراء الميديا والتكنولوجيا وتأثيرها على الثقافة: إن التكنولوجيا سريعة ورخيصة ومؤثرة ولطيفة، وهذا هو الجزء الجيد في الأمر، أما الجزء السلبي فهو أنها سريعة ورخيصة ومؤثرة ولطيفة!!! وربما تتساءل عزيزي القارئ عن أسباب تفشي ثقافة السرعة وثقافة الاستعجال في كل شيء؟! وأقول لك عن بعض الأسباب: 1- التحول التكنولوجي والرقمنة بحيث صار كل شيء بشكل “فوري”. 2- اقتصاد السرعة ورأسمالية المنصات التي جعلت من الزمن موردًا اقتصاديًا. 3- عززت وسائل التواصل الاجتماعي ثقافة الاختزال والمحتوى السريع. 4- صارت بيئة العمل أو التعليم تفرض مؤشرات أداء زمنية صارمة. 5- حل التواصل السريع محل التفاعل العميق وازدادت الفردانية على حساب الروابط الاجتماعية. إن التسارع المحموم والعيش في استعجال مستمر له آثار كبيرة على مجموعة القيَم التي تحمي السلوك الإنساني وتنظمه، ومن أهمها قيمة التجويد في العمل والتفاني في إتقانه والتي تراجعت في مجالات عديدة. لقد خلق الله كل إنسان ولديه احتياجات أساسية عميقة وهي: الأمان – الهوية – الانتماء – الغاية – الكفاءة. ويجب أن تسدد هذه الاحتياجات بطرق سوية وحقيقية وملموسة. ولكن الآن تحوَّل الإنسان إلى التكنولوجيا والثقافة الرقمية ليسدد احتياجاته الأساسية العميقة. بمعنى أن التكنولوجيا هي بمثابة البديل المزيف والذي لن ينجح في إشباع هذه الاحتياجات. وتعال صديقي القارئ نتابع هذه الاحتياجات: أولاً الأمان: والسؤال: من أثق فيه؟! ولا يوجد أحد سوى شخص المسيح يسوع الذي “هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ” (عبرانيين 13: 8)، وفيه نجد الغفران الذي يمنح الأمان فقط للإنسان. من يثق بالتكنولوجيا يثق بالشيء، ومن يثق بالله يثق بالشخص الذي هو الفادي والمخلص والأمين على الدوام. إن الأجهزة الإلكترونية لا تستطيع أن تسد احتياج أي شخص للأمان، ولكن يمكنها أن تمثل أدوات مساعدة في تطوير علاقة الإنسان مع الله ومع الآخرين. ثانيًا الهوية: والسؤال: من أنا؟! الإنسان خليقة يد الله العظيم وجعل فيه نسمة حياة، يستمد هويته من كونه “إِنْسَانُ اللهِ” (تيموثاوس الثانية 3: 17) وليس إنسان التكنولوجيا. وإنسان الله يقوم على المثابرة والاجتهاد وطول البال والصبر وقابلية التعلم والتفكر والإبداع، أما منصات التواصل فهي وقتية وهوائية وكثيرًا ما تكون مزيفة، وفي غضون دقائق تنتقل من تصديق شيء إلى تصديق شيء آخر، مما يجعل نفس الإنسان متذبذبة من أقصى اليمين لأقصى اليسار، هذا نسميه “ارتباك الهوية”، بينما الإنسان مخلوق على صورة الله (تكوين 1: 27)، وأنه محبوب لله جدًا (يوحنا الأولى 10:4)، وقد اشتراه بثمن عظيم (كورنثوس الأولى 7: 23). ثالثًا الانتماء: والسؤال: من يريدني؟! إن الانتماء يعتمد على شعورنا بالأمان وبالهوية، أما الانتماء إلى التكنولوجيا والعلاقات الرقمية فهو انتماء قصير المدى ولا يشبع. إن الوقت المنقضي أمام الشاشات يمكن أن يضعف انتماء الإنسان إلى عائلته أو كنيسته أو حتى إلى الله، فيصير وحيدًا في العالم الذي وضع في الشرير (يوحنا الأولى 5: 19)، وفي وقت ما سيشعر بغربة روحية وانعزالية وهذا يفسر كثرة حالات الاكتئاب والانتحار خاصة مع التربية ونمو الشخصية في مرحلة المراهقة والشباب. رابعًا الغاية: والسؤال: لماذا العيش؟! ما هي الغاية من وجودي وخلقتي؟!! إن العثور على الغاية الشخصية هو من أصعب تحديات العصر. إننا نعيش حتى نمجد الله من خلال هويتنا وسلوكياتنا، ونفرز نقاط قوتنا ونقاط ضعفنا، ونقبل التحديات لنكون أفضل دائمًا: “وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ” (يوحنا 10: 10). إن أحد العوامل الأساسية لإيجاد الغاية في الحياة هو الأمل . من الآثار النفسية لظاهرة الحياة السريعة هو الشعور الدائم بالجري وراء هدف بلا أهمية أو دون أهمية، وأن التطور الثقافي لعصر السيولة وعصر ما بعد الرقمنة هو ناتج من تطور الثقافة الاستهلاكية التي اتسعت في كل شؤون الحياة حتى قضت على بساطة الحياة وفنونها الجميلة وثقافتها الرفيعة. خامسًا الكفاءة: والسؤال: ما الذي أتقنه؟ حتى يصير لوجودي معنى. إن الاجتهاد يقوي عضلة الإيمان والثقة في الله أمام التحديات الجديدة، من خلال المسيح نستطيع أن نفعل كل شيء (فیلبي 4: 13). اعرف يا صديقي: إن الأمان هو في شخص المسيح فقط. وأن الهوية هي في وصايا كتابك المقدس. وأن الانتماء هو في حضن أسرتك وكنيستك. وأن الغاية هي في ملكوت السموات. وأن الكفاءة هي في النعمة وعمل الروح فيك. جرِّب يا صديقي أن تقضي وقتًا فيه تعيش الانفصال الواعي عن الحياة السريعة، وأن تعطي فرصة للأفكار والمشاعر الداخلية والتأمل والسكون الذي به تخلص: “بِالرُّجُوعِ وَالسُّكُونِ تَخْلُصُونَ. بِالْهُدُوءِ وَالطُّمَأْنِينَةِ تَكُونُ قُوَّتُكُمْ” (إش 30: 15) وقديمًا قالوا: في العجلة الندامة وفي التأني السلامة، وقالوا أيضًا: السرعة ضارة في كل شيء إلا في التوبة. قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
20 نوفمبر 2026

نقطة فاصلة

هناك كلمتان في اللغة العربية الفرق بينهما نقطة واحدة في التركيب اللغوي ولكن شتان في المعنى بين الأولى والثانية الكلمتان هما “إيداع وإبداع” الأولى تعني الجمود ووضع الأشياء كما هي دون تطوير أو تجديد والثانية تعني الانطلاق بالفكر نحو التجديد والتطوير والتحديث والابتكار وهذه المعاني يمكن أن تنطبق في مجالات الحياة العديدة كالتربية والتعليم والخدمة والإدارة والمجتمع. وأريد في هذا المقال أن نقف سويًا أمام كل كلمة والتطبيقات المناسبة. أولاً: في مجال التربية داخل الأسرة لكل زمان معطياته في التربية وأدواته ولا يصح أن تكون أساليب قديمة ومفاهيم كانت تناسب أجيال سابقة أن تكون صالحة أو مناسبة بنفس الكيفية فالصيغة التي يربي بها الآباء أبناءهم قائلين مثلاً “أنا لما كنت في سنك كنت أفعل كذا وكذا” لا تستقيم في زماننا الحاضر أجيال هذا الزمان تحتاج إلى مزيد من وقت الوالدين وهذا الوقت يمتلئ بالحوار والحب والتشجيع والإنصات وتبادل الخبرات بين الكبار والصغار والشباب إن أسلوب الأوامر والسيطرة لا يجدي في هذا الزمان بل قد يأتي بنتيجة عكسية المهم مساعدتهم على فهم الحياة والحاضر والعمل للمستقبل بأفكار جديدة ومفاهيم جديدة مبتكرة تناسب تطلعاتهم ورغباتهم. ثانيًا: في مجال التعليم العام بالمدرسة طريقة الإيداع تعني التعليم في اتجاه واحد من المعلم إلى المتعلم، وهذه الطريقة تعني أن المعلم يصب علمه ومعرفته في عقل المتعلم الذي يعتبره فارغًا أو ناقصًا. ويسمى هذا النوع من التعليم “تعليم القهر” لأنه في اتجاه واحد، إنه تعليم التلقين من أعلى (المعلم) إلى أسفل (المتعلم) دون إعطاء أي فرصة للمتعلم أن يتكلم. وهذا النوع من التعليم ينشئ “حافظين” وليس مفكرين، وسرعان ما ينسى المتعلم ماذا تعلم، وتمضي حياته دون أي تقدم أما تعليم الإبداع فهو يتم في اتجاهين بين المعلم والمتعلم، ويعتمد على الحوار والمناقشة والاستماع والتفاعل بين الطرفين، ولذا يسمى “تعليم الحرية”، وهو الذي ينشئ مفكرين مبتكرين، وبالتالي التقدم والابتكار عبر السنين. وعلى سبيل المثال هناك طريقة السؤال والجواب أو السؤال واختيار الإجابة من متعدد، وهذا يمنح فكر المتعلم أن يتفاعل ويختار ويقرر ما هو “صح” وما هو “خطأ”، بالتالي يتعلم كيف يفكر وكيف يبدع ذات يوم طلبت المعلمة من تلاميذ فصلها (الصف الرابع الابتدائي) أن يرسموا وجه إنسان، وكان عددهم 50 تلميذًا. فرسم الجميع وجه إنسان بكل مكوناته من شعر وعينان وأنف وفم وأذنان، ما عدا تلميذًا واحدًا رسم رسمًا غريبًا، فسألته المعلمة: ماذا الذي رسمته؟ فأجاب: إنه رأس وجه إنسان ولكن من الداخل. هكذا فكر وهكذا انفرد بهذا الرسم الذي اعتبرته متميزًا ومفكرًا بخيال واسع ولذا استحق من المعلمة أن تشجعه وتعتبره هو الأول على الفصل. ثالثًا: في مجال الخدمة الكنسية خاصة مجال التربية الكنسية والذي فيه تتشكل عقول وقلوب النشء بما يقدم لهم. وما ينطبق على مجال التعليم العام ينطبق على مجال التعليم الكنسي. ورغم أنه توجد وسائل تعليمية أو وسائل إيضاحية بأفكار عديدة للدروس الكنسية إلا أن النجاح الحقيقي هو في وجود الخادم أو الخادمة الذي يحب المخدومين وتصل لهم رسالة الحب واضحة وحقيقية.. فالوسائل المستخدمة للشرح ورقية كانت أو تكنولوجية لا تفي بالغرض الأساسي إلا من خلال محبة الخادم التي تظهر منه لأبنائه سواء بالابتسامة أو الترحيب أو الاحتواء أو التشجيع أو المشاركة الفعلية معهم مما يسهم في اكتشاف قدراتهم ومواهبهم والاستثمار فيها لنمو شخصياتهم بصورة سوية ومتوازنة أتذكر خادمًا وكان ممتلئ الجسم، فكان يستخدم صدره وبطنه وكأنه “سبورة وبرية”، يضع الصور عليه وهو يتحرك يمينًا ويسارًا بصورة تجعل المخدومين في حالة تفاعل ودهشة معه والإبداع ليس فقط في الدروس والتعليم ولكن أيضًا في الترانيم ذات الروح الكنسية مثل: “كنيستي كنيستي كنيستي هي بيتي وهي أمي وهي سر فرح حياتي”، ومثل ترنيمة “نقطة ميه رايحة وجاية في نهر الأردن وما وقفتش” وغيرها الكثير وخادمة أخرى تأتي في كل مرة ومعها رسم لقلب كبير يمثِّل قلب المسيح وتكتب أسماء بناتها في قلوب صغيرة وتضعها أمامهن في قلب المسيح الكبير عندما تريد أن تأخذ الغياب في فصلها. رابعًا: في مجال الإدارة والعمل الإدارة الإبداعية هي مفتاح النجاح في العمل سواء في الشركات والمصانع الصغيرة أو العملاقة. ودائمًا سوء الإدارة يجلب الخسائر، وحسن الإدارة يأتي بالمكاسب المادية والمعنوية. والمدير المبدع في مجال عمله دائمًا ناجحًا بل وتتخاطف الشركات على جذبه ليعمل لصالحها. أما المدير التقليدي والمتمسك باللوائح والقوانين الجافة فغالبًا لا يحقق نجاحًا أو تقدمًا بل ويشعر أن العمل عبء عليه كما أن العاملين معه لا يستحسنوا وجوده معهم من قصص الإبداع أن شخصًا تم تعيينه “عمدة” في مدينة ألمانية، وقد وجد أنه لا توجد ميزانية عمل معه.. ففكر في فكرة تأتي له بالمال وكانت الفكرة: أن يبيع أسماء الشوارع في تلك المدينة لمن يريد أن يطلق اسمه عليها ولمدة محددة.. وتمم الأمر ووجد قبولاً ونجاحًا وجاء إليه المال الذي أنفقه في تطوير مدينته.. هكذا أبدع بفكرة بسيطة وآخر استغل أن كل إنسان يضع قدمه في الحذاء الجلد حوالي عشر ساعات كل يوم، ففكر كيف يستخدم الحرارة المتولدة من قدمه داخل الحذاء لتكون مصدر للطاقة وشحن الموبايل الخاص به ونجح بإبداعه وثالث في أحد مصانع الأدوية حيث أنتجوا حقن فيتامين سي في زجاج شفاف، وكان هذا بطريق الخطأ لأن الواجب أن ينتج في زجاج عسلي اللون لكي يحفظ المادة الفعالة وقتًا كافيًا، وكان القرار الطبي هو إعدام كل هذه الكمية الكبيرة من الإنتاج وبالتالي خسارة فادحة. وجاء عامل ففكر وحل هذه المشكلة وتفادى إعدام الدواء بأن اقترح لف كل أمبوله حقن بورق شفاف عسلي اللون، وتم إنقاذ كمية الدواء بحل إبداعي بسيط جدًا ونجح بإبداعه. خامسًا: في مجال المجتمع والوطن الإبداع في تطوير المجتمع مطلوب جدًا لصالح الوطن. والمقصود هو أفكار جديدة تضاف لمسيرة الوطن، وعلى سبيل المثال فكرة “تكافل وكرامة” لخدمة ذوي الدخل المحدود، وكذلك مشروع “حياة كريمة” لتطوير الريف المصري ومن الأمثلة الإبداعية البروفيسور مجدي يعقوب واختياره أسوان ليبدأ مشروع مستشفى ومعهد أبحاث القلب وبالمجان، ونجح وامتد المشروع حاليًا إلى القاهرة. ومثال آخر تميز اللاعب محمد صلاح بشخصيته الراقية في مجال كرة القدم على المستوى المحلي والدولي، وغير ذلك أمثلة عديدة دائمًا نبحث عن الطبيب الشاطر أو المهندس الشاطر أو المحامي الشاطر والمدرس الشاطر وغيرهم وكلمة “شاطر” تعني مبدع ويطور نفسه وشخصيته دائمًا، بالقراءة والبحث والالتزام والاجتهاد على الدوام وحقًا قالوا إن “يد الكسلان لا تمسك صيدًا” کن مبدعًا في مجال عملك ومجال دراستك ومجال خدمتك وأيها الحبيب أروم أن تكون ناجحًا في كل شيء . قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
13 نوفمبر 2026

غنى كلمة أب FATHER

الأب هو الوالد أو المربي. وقد ظهرت هذه الكلمة في عدة أشكال أخرى سواء لغوية أو كنسية أو رهبانية مثل: أبَّا abbaبتشديد الباء وهي آرامية النطق. وكذلك كلمة أبوت abbot وهو رئيس أي رهبانية غربية. أيضًا الأبا apa وهي قبطية بمعنى “أب” وتستخدم للنداء في صعيد مصر حتى الآن. ومثلها كلمة أنبا abba وهي قبطية وتعتبر لقب اختص به الآباء الأساقفة في الكنيسة القبطية، والبعض يقول إنها ذات أصل سرياني تعني الأب والمعلم. وهناك أيضًا کلمة “أبونا” وهو اللقب الذي يطلق بوجه عام على الكهنة والرهبان في الكنيسة القبطية، وكذلك يطلق على البطريرك في الكنيسة الإثيوبية. والله أبونا ونخاطبه في الصلاة “أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ…” (متى 6: 9)، لأنه الخالق الذي يعرف كل شيء عنا وكل شيء مكشوف وعريان أمامه، وهو الذي أحبنا قبل تأسيس العالم، بل هو أصل الأبوة التي وهبها لكل أب وكل أم، وبهذا الحب الباذل قدَّم نفسه لأجلنا: “لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ” (يوحنا 3:15). ولذلك فهو قوتنا وحمايتنا وملجأنا في أوقات الشدة والضيق، كما أنه محب البشر، حتى الخطاة فيهم، حيث يطيل أناته على أبنائه في ضعفاتهم وسقطاتهم، ويتحنن كثيرًا ويقبل رجوعهم وتوبتهم. وقمة عطاياه هي المغفرة التي يمنحها لكل تائب وراجع إليه، وهذا غير عطاياه المادية والروحية الكثيرة في كل صباح. الكلمة “أب” بالإنجليزية Father: تتكون من ستة أحرف تحكي وتشمل غنى المعاني في كلمة “أب” كما يلي: الحرف الأول F: وهو اختصار Friend = صديق أو رفیق. الأب هو أولاً الصديق المقرَّب جدًا لابنه، ويعتبر مصدر الحب، والحب هو الاحتياج الأول للإنسان في كل وقت، ويظهر هذا في رفقة الابن دائمًا بالحنان والمودة والتشجيع والإنصات. ويظل عطاء الأب كصديق لابنه طوال حياته وخاصة في صغره. والأب الصديق يرى ابنه امتدادًا طبيعيًا له دون أن يصنع منه نسخة من شخصيته فيه، بل يساعده ويسنده على أن ينمو بكامل شخصيته وفرادته كما خلقه الله، وهذا نراه في قديسين كثيرين تلمذوا آخرين وصاروا أبناء وأصدقاء ولكل منهم شخصيته التي احترمها الأب في مسيرته مع ابنه. الحرف الثاني A: وهو اختصار Adviser= ناصح أو مرشد. وهو الإنسان الذي يحتمل ابنه بطول أناة واحتواء واحتضان لكي يستطيع الابن أن يلجأ إليه طالبًا الإرشاد والنصح والمشورة. والله “لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ” (1تيمو 1: 7). والأب المرشد يعرف فن الإرشاد وتقديم النصيحة التي تبني وتساعد الابن على النمو الهادئ المقنع، بلا عنف أو ضغط، وبلا لعب بالألفاظ أو العبارات، بل بالنعمة والحكمة والرأي السديد. والأب الحكيم يعرف قيمة الوقت وأنه أغلى هدية يمنحها إلى الابن الذي يحبه ويلجأ إليه في سهولة ويسر دون أي خجل. الأب هنا فاتح أحضانه على الدوام. الحرف الثالث T: وهو اختصار Teacher = مدرس أو معلم. المعلم الأب هو الذي ينقل خبرة الحياة إلى ابنه بكل حكمة وتصرف حسن وليس بالأوامر أو بالقرارات. والأب يحتاج هنا أن يكون متزنًا بين اللطف والحزم، بين التشجيع والعتاب، بين التماس الأعذار والتوبيخ. والأب المعلم هو الذي يتعلم من أبنائه خاصة مع تطور الأجيال وظهور الأجيال الرقمية مع التكنولوجيا المتسارعة جدًا. يجب أن يكون الأب مصدرًا للمعرفة والمعلومات وخبرات الحياة، وهذه كلها يقدمها إلى ابنه وهو يعلمه بكل حب وبشاشة وإحساس، في حين أن المواقع الإلكترونية قد تقدِّم نفس المعارف والمعلومات ولكن دون حب. الحرف الرابع H: وهو اختصار Hero = بطل أو قامة عالية. أي ابن ينظر إلى أبيه على أنه بطل يستطيع كل شيء، وهذا يحتاج أن يكون الأب متواضعًا بصورة إيجابية في كلامه وتعليمه وتصرفاته، ويتجنب أن يجرح صورة البطل في عين ابنه بالكذب أو بعدم الشفافية أو التلفظ بما لا يليق أو بالخشونة معه أو مع غيره. وإذا كان الأبناء صغارًا فلا يجب مناقشة المشكلات أو المواقف الصعبة التي تواجه الأسرة أمامهم حتى لا تهتز هذه الصورة لديهم. والأب البطل يحنو على أبنائه ويساعدهم بالهدوء والروية على إنجاز ما يطلب منهم مع إدراك قدراتهم ومهاراتهم المناسبة لذلك. الحرف الخامس E: وهو اختصار Example = مثال أو نموذج دائم. الأب النموذج والمثال هو المشجع دائمًا على أي تصرف يخرج من الابن، ويقدم نفسه مثالاً، يعلِّم الأبوة بالصمت والتصرف الحسن، فإن الابن يتعلم من المثال الذي أمامه في أبيه، خاصة أن الأب في هذا المجال يمثل الله ومحبته وكيف يتعامل وكيف سيتعامل مستقبلاً معه، والمسيح ذاته قال يومًا لنا: “تَعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ” (متى 11: 29). الحرف السادس R: وهو اختصار Role Model = القدوة النقية. الأبوة مشاعر حب نقية نحو الأبناء بلا تمييز، والقدوة هنا خالية من أي غرض شخصي لأن الابن أو الابنة هما أمانه عند الأب يجب الحفاظ عليهم في سيرة نقية طاهرة. ولذلك إن حارب الشيطان الأب بأي فكر غريب نحو أبنائه يجب أن ينتبه لذلك ويقطعه في الحال ويضع حدودًا لكل المعاملات. كثيرون تعلموا بالقدوة فقط دون أية كلمة، تعلموا بالملاحظة والمراقبة والتسليم الهادئ للحياة، وليس من الآخرين أو من الأجهزة التي بين أيدينا، هذه القدوة تكون بلا أنانية أو شهوة أو عنف أو تدليل، وبلا تعلق أو قلق أو اكتئاب. وبالاختصار كلمة “أب” مكونة من حرفين معناهما: “أنا بحبك” يقولها الأب لمن يخدمهم ومن يربيهم وكل من يتعامل معهم، هذا هو الأب. قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل