البابا تواضروس الثاني

البابا الأنبا تواضروس الثاني (4 نوفمبر 1952 -)، بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ال118. وُلِد باسم وجيه صبحي باقي سليمان بالمنصورة لأسرة مكونة منه كأخ لشقيقتين، ووالده كان يعمل مهندس مساحة، وتنقلت الأسرة في المعيشة ما بين المنصورة و سوهاج و دمنهور.

في 4 نوفمبر 2012، تم اختياره عن طريق القرعه الهيكلية ليكون بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية رقم 118[1].

م ترشيحه ليكون خليفة البابا شنودة الثالث هو وأربعة آخرين هم الأنبا رافائيل ، القمص رافائيل أفامينا ، القمص باخوميوس السرياني، القمص سارافيم السرياني.[2] ،فاز بمنصب البابا عن طريق القرعة الهيكلية ليصبح البابا تواضروس الثاني 118 يوم الأحد 4 نوفمبر 2012 م

رؤيته لمستقبل الكنيسة يقول الأنبا تواضروس "يجب أن نهتم بفصول التربية الكنسية منذ الصغر، وأن نجعل فصول إعداد الخدام من أولوياتنا، فالخدمة هي التي سوف تصنع نهضة جديدة داخل الكنائس سواء بمصر أو ببلاد المهجر".

ويُطالب الأنبا تواضروس بإنشاء معهد لإعداد خدام كنائس بالمهجر لإطلاعهم على الثقافات المختلفة في الدول الأوروبية وأمريكا وكندا، مُعتبرا أن إقامة قنوات للحوار مع الشباب أمر ضروري، وكذلك يدعو المسيحيين إلى الاندماج في المجتمع من خلال التعليم ووسائل الإعلام.

وقد حصل الأنبا تواضروس على تزكيات من الأنبا دميان أسقف عام ألمانيا والأنبا سوريال أسقف ملبورن، والأنبا مكاريوس اسقف عام المنيا ، والأنبا باخوم أسقف سوهاج، والأنبا اندراوس أسقف أبوتيج والانبا رفائيل الاسقف العام.

تم تجليسه كبابا للإسكندرية وبطريرك للكرازة المرقسية في قداس الأحد 18 نوفمبر 2012 برئاسة القائم مقام البطريرك الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية وباشتراك كافة أعضاء المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية و مشاركة وفود من كل الكنائس في مصر والعالم.

المقالات (278)

26 يونيو 2026

«صَلُّوا بِلَا انْقِطَاعِ»(۱ تس ١٧:٥)

هناك ارتباط شديد بين الفرح والصلاة والشكر، حتى إنه تم ذكرهم في ثلاث آيات متتالية: «افْرَحُوا كل حين. صلوا بلا انقطاع اشْكُرُوا في كل شيء» (١ تس ١٦:٥ - ١٨). وهذه الفضائل الثلاث لها ارتباط زمني وثيق؛ بمعنى أنه لا أستطيع أن أفرح، بدون أن أصلي، ولا توجد صلاة بدون شكر ... وهكذا. ما هي الصلاة؟ الصلاة هي لقاء مع السيد المسيح وحديث من القلب للقلب. الصلاة هي تنفس الروح. الصلاة هي الخط المفتوح دائما للاتصال بين الله وبيننا. . الصلاة هي كوب فارغ يوضع أمام الله ليملأه. الصلاة تغيرنا، وتغير الآخرين، وتغير الأحوال والظروف. مراحل الصلاة يقول الأب تينوفان الناسك عن مراحل حياة الصلاة 1 - أول مراحل الصلاة هي الصلاة بالجسد، والتي تتركب من مجموعة قواعد مثل القراءة، والصلاة والوقوف بخشوع، وعمل المطانيات، ورفع الأيادي .... إلخ، فلكل صلاة النظام الخاص بها. فمثلا صلوات المزامير لها نظام معين وصلوات القداسات لها نظام آخر، وصلوات العشية لها نظام .... وهكذا. وهذا ما يسمى بطقس الكنيسة. وفي هذه المرحلة يستخدم الجسد في الصلاة، مثل رفع الأيدي، عمل المطانيات الوقوف .... إلخ؛ أما العقل فكثيرا ما يتشتت، وتشتيت الفكر هو أحد المشاكل الرئيسية للصلاة. - المرحلة الثانية: تكون فيها الصلاة على قدر كبير من الانتباه الداخلي، حيث يركز ذهن الإنسان في كلمة الصلاة لكي ما يكون منتبها لكل كلمة ينطق بها، فلا يصلي كما يقول المثل: "كما لقوم عادة" (عب (۱۰: (٢٥) !! فهناك شخص يركز في كلمات الصلاة ويستوعبها جدا. ومن ضمن التداريب التي ينصح بها الآباء لكي نستطيع أن تتنبه لكلمات الصلاة، هو أن من يصلي يقوم بقراءة المزمور الواحد مرتين متتاليتين، بحيث إنه إن لم يستطع أن يركز في كلمات المزمور في المرة الأولى، يمكنه أن يركز في المرة الثانية. - المرحلة الثالثة: يسميها الآباء صلاة القلب، فيها تتجد أفكار الذهن مع مشاعر القلب لينتج عنها الشعور الدافئ بالوجود الدائم في حضرة الله، وقد تأمل وكتب فيها كثير من الآباء فقلب الإنسان من أهم الأمور في الحياة الروحية، لأنه يكون معبرا عن الكيان الإنساني كله، فيشعر الإنسان في هذه اللحظة أنه متواجد في الحضرة الإلهية، ولا يشعر بمن يتواجد حوله من الناس؛ ولكن بالطبع هذه المرحلة هي مرحلة متقدمة جدا في الحياة الروحية. لذلك عندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، فإنه يكون قد وصل إلى الصلاة بلا انقطاع: "الصلاة الدائمة". الصلاة الدائمة هي الصلاة التي لا تتوقف، يُصلّي فيها الإنسان بلا انقطاع، يترنم بشكر، بمجد الله منذ اللحظة التي يفتح فيها الإنسان عينيه وحتى المساء. هي صلاة عفوية تخرج من القلب، هي تعمل كما يعمل القلب باستمرار، إذ توقفه يعني الموت هي كالتنفس الذي لم يتوقف منذ ولادتنا، أو مثل الدم الذي يجري في عروقنا بدون انقطاع، وتوقف دورانه يعني الموت. الصلاة بلا انقطاع هي شركة مع الله لا تنفصل عنه، لا تفصلها سوى الخطية. عندما سئل القديس باسيليوس الكبير : كيف أن الرسل كانوا يصلون بلا انقطاع ؟ أجاب في كل أعمالهم كانوا يتفكرون في الله، فكانت هذه الحياة الروحية هي صلاتهم الدائمة. قال أحد الآباء: "إن داومت كل حين على طعام الحياة الذي للاسم القدوس، اسم ربنا يسوع المسيح بغير فتور، فهو حلو في فمك وفي حلقك، وبترديدك إياه تتقدس نفسك، وبذلك يمكن أن تقتني الحياة "(1). محور الصلاة الدائمة يرتكز في اسم يسوع المسيح، وهذا الاسم إن أكثرت في ترديده يصل إلى الحلاوة في فمك، كما نقول في إبصالية السبت: "اسمك حلو ومبارك في أفواه قديسيك"، وأيضا: أعطى فرحًا لنفوسنا تذكار اسمك القدوس". فبمجرد ذكر اسم يسوع يشعر الإنسان بالفرح، وهذا هو ارتباط الصلاة بالفرح وبالشكر، كما ذكرنا سابقا. والصلاة الدائمة يربطها الآباء بالتنفس، حيث إن الصلاة الدائمة عبارة عن جملة تتكون من كلمات معدودة، هذه الكلمات مثل السهم له مقدمة، هذه المقدمة هي اسم يسوع. ومن الأمور الجميلة في التاريخ الكنسي، أن الآباء الذين عاشوا الحياة المسيحية النسكية ابتكروا الصلاة القصيرة أو الصلاة السهمية، ويُعتبر هذا من الابتكارات الرائعة. ومنذ القرن الرابع امتدت الصلاة الدائمة عند كافة الكنائس الشرقية وفي البراري المصرية فتظهر في تعليم نيلس السينائي ويوحنا الدرجي، وتظهر واضحة في تعاليم مار إسحق السرياني. وانتقل كل هذا التراث القديم بكل غناه إلى الآباء الروس الذين قاموا بتطبيقه بكل أمانة وإخلاص وشغف حتى بلغوا فيها شأنا كبيرا. ويظهر هذا بوضوح في قصة السائحالروسي التي سنتعرض لها فيما بعد. وإذا تتبعنا تاريخ الصلاة الدائمة، نجد أن الله نفسه طلبها من الآباء في العهد القديم، فيقول في سفر التثنية: «وَلتَكُنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أوصيك بها اليوم على قلبك، وقصها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وجين تمشي في الطريق، وحين تنام، وحين تقوم، واربطها علامة على يدك، ولتكن عَصَالِبَ بين عينيك» (نت ٦: ٦ - ٨). وفي العهد الجديد يظهر منهج الصلاة الدائمة بتكرار اسم الرب يسوع باستمرار: "يا ربي يسوع المسيح ابن الله ارحمني أنا الخاطئ"، مع استخدام الفم والعقل والقلب وجميع الحواس. ولقد تعود الشرقيون أن يستعملوا هذه العبارة، ويمكن أن يقال باختصار: "يا ربي يسوع ...... فلتكن كلمة الرب في قلبك وتحكيها دائما لأولادك، كما يقول داود النبي: أخْبِرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي فِي وَسَطِ الْجَمَاعَةِ أَسَبِّحُكَ» (مز ۲۲: ۲۲). ولتكن كلمة الرب هي محور حديثك في البيت، وسط كل الأسرة. صلاة يسوع: فكرة الصلاة القصيرة تعتمد على فضيلة ترك القلب عند الله، فاترك قلبك دائما عند الله، فهو الذي خلقك وأعطاك الحياة، ثم فداك، وهو الذي يدبر لك أمورك في كل يوم بل في كل لحظة، وكما يعلمنا الكتاب: «حيث يكون كترك هناك يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا» (مت ٦: ٢١). فاسأل نفسك أين هو قلبي ؟ كما يقول الكاهن في القداس: "أين هي قلوبكم"؟ ونجيب جميعا: "هي عند الرب". واسأل أيضا أمنا العذراء: "أين هو قلبك"؟ بالطبع ستكون الإجابة: "إن قلبي عند مسيحي". فاترك قلبك عند الله دائما، والله يستحق هذا لأنه هو الذي أوجدك وأعطاك هذا القلب. وقد أوصانا الله في الكتاب قائلا: يا ابني، أعطني قلبك، ولتلاحظ عيناك طرقي» (أم ۲۳ (٢٦)، ومن هنا جاءت الصلاة القصيرة التي تقول: "يا ربي يسوع المسيحابن الله ارحمني أنا الخاطئ". الصلاة الدائمة هي الصلاة السهمية"، ولأن كلماتها قليلة تسمى: "الصلاة القصيرة"؛ ولأن كلماتها تتكرر تسمى: "الصلاة الدائمة"، وتسمى أيضا: "صلاة يسوع". وكنيستنا القبطية غنية جدا بالصلاة، ويوجد بها كثير من الصلوات المتنوعة. فمثلا كلمة "كيرياليسون" تعتبر صلاة، وقطع الأجبية عبارة عن صلوات، ويوجد صلوات طويلة مثل العشيات والقداسات والتسبحة والمدائح مثل الإبصاليات والتيتوطوكيات ، وكلها صلوات ملحنة ومنعمة بالموسيقى لكي ما ترتفع بمشاعر الإنسان. فكلمة الصلاة تصدر من العقل والفم، ووجود موسيقى أو نغم أو كلمات موزونة تعتبر أرقى ما يمكن أن يقدمه الإنسان الله. فقد أعطى الله للإنسان موهبة النطق، لكي ما يسبحه بها، كما إنه أعطاه آلة موسيقية طبيعية وهي الحنجرة، كما أعطاه الوتر الصوتي وهي الأحبال الصوتية، وهي من أرقى الأعضاء في جسم الإنسان ومن هنا نجد أن التسابيح والصلوات والألحان، تقدم في الكنيسة كتعبير حب الله. الهدف من حياة الصلاة الدائمة الشعور الدائم بوجود الله. . إنها تصل بالإنسان للسكينة، وتعمل على التخلص الكامل من ضجيج العالم والجسد والعواطف. يقول عنها القديس إسحق تلميذ الأنبا أنطونيوس: "إن الصلاة الدائمة في تلاوتها ثقة وسلام وأدوية شفاء من الهموم والأحزان والضيقات فاجعلها لك رفيق الطريق اجعلها على عتبة فمك واربطها على صفحات قلبك". ويروي لنا عن معلمه الأنبا أنطونيوس قائلا: "كيف كان عقله يسبى وهو يصلي طول الليل حتى إذا بدأت الشمس في الظهور، قال لها وهو منقد بالروح لماذا تعوقيني ؟ أتشرفين لكي تأخذيني من أشواق النور الحقيقي (٢)؟! لقد واظب الأنبا أنطونيوس على الصلاة الدائمة، حتى قيل عنه: إنه كان يتنفس بالمسيح. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
19 يونيو 2026

«افْرَحُوا كُلَّ حِينٍ»(١ تس ١٦:٥)

كلمة "إنجيل" معناها "بشارة مفرحة" أو "فرح"، والعهد الجديد هو الكتاب الأكثر بهجة بين جميع الكتب ولو تتبعنا آيات الفرح في العهد الجديد، تجدها تمثل أربعة أضعاف آيات الحزن فالصورة الرئيسية أو النغمة الرئيسية في الكتاب المقدس هي نغمة الفرح والرجاء والأمل والسرور والبهجة والمسرة إلخ وكل هذه المعاني مذخرة في هذه الوصية: «افرحوا كل حين». إن أجمل رسالة كتبها القديس بولس الرسول وتكلم فيها عن الفرح، هي رسالته إلى أهل فيلبي، حيث قال: «إفرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضا: الفرحوا» (في ٤:٤). وما يدعو إلى العجب أن القديس بولس الرسول كتب هذه الرسالة وهو في السجن وهنا المعادلة الصعبة للمسيحية، فبالرغم من السجن، والضيق، والتعب ..... إلا أن روح الفرح هي الظاهرة الواضحة في حياة هذا القديس، فكيف يفرح وقدماه مقيدتان بالسلاسل ؟ إن فرح بولس الرسول لا يعتمد على الظروف الخارجية، بل فرحه في علاقته مع الرب. الفرح الزائف الفرح الزائف ينحصر في أمور الأرض، فيه يسعى الإنسان للجسد وكل شهوة، مثل: الفرح بزيادة وكثرة المال: مثال: الغني الغبي (لو ۱۲ : ۱۸ - ۲۰) الفرح بقوة الجسد يوجد من يفرحون بقوة الجسد وبالقتال والحروب، فيقول داود النبي: «شئت الشُّعُوبَ الَّذِينَ يُسَرُّونَ بِالْقِتَالِ» (مز ۳۰:۱۸). هؤلاء يفرحون إذا غلبوا، وإذا ظلموا، ومن هؤلاء من يفرح بمصائب البشر وبضيقات الآخرين، فيرد عليهم داود قائلا: «لِيَخْرُ وَلْيَخْجَلُ مَعَا الْفَرِحُونَ بمصيبتي» (مز ٣٥: ٢٦). الفرح بإشباع الشهوات الجسدية يقول عنها سليمان: «بنيت لنفسي بُيُوتًا، غرست لنفسي كرُومًا. عَمِلَتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ و فراديس، وَغَرَسْتُ فِيهَا أَشْجَارًا مِن كُل نوع ثمرٍ .... اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّبَاتٍ وَتَنْعُمَاتِ بَنِي الْبَشَرِ، سَيِّدَةً وَسَيِّدَاتٍ ... وَمَهُمَا اشْتَهَنَّهُ عَيْنَايَ لَمْ أَمْسِكَهُ عَنْهُمَا، لَمْ أَمْنَعْ قَلْبِي مِنْ كُلِّ فَرح، لأن قلبي فرح بكل تعبي. وهذا كان نصيبي مِنْ كُلِّ تَعْبِي. ثُمَّ الْتَفَتُ أَنَا إِلَى كل أعمالي البي عملتها يداي، وإلى التعب الذي تعبته في عملِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبَضْ الريح، ولا منفعة تحت الشمس» (جا ٢: ٤ - ١١). . الفرح بالبعد عن الله: مثل الابن الضال (لو (١٥). وكذلك الوجوديون يشعر الوجوديون أن فرحهم هو في البعد عن الله، لأنهم يشعرون أنه قيد عليهم: «فَيَقُولُونَ اللهِ: ابْعُدْ عَنَّا، وَبِمَعْرِفَةِ طَرفكَ لا نُسَر " » (أي ١٤:٢١). ه الفرح بأباطيل العالم هناك من يفرح بأباطيل العالم من إدمان الخمور والمخدرات والأغاني والأفلام غير النقية، وهناك من يفرح بأمور الخلاعة، حتى أنه ظهرت فلسفة جمعت كل هذه الأباطيل وقالت: «فلنَاكُل وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَدًا نَمُوتُ (۱) کو ۱۵ : ۳۲). هذه فلسفة بسيطة جدا، نأكل ونشرب لأننا سنموت غدا، بمعنى أن الإنسان لا ينظر إلا للحظة التي يعيشها؛ فلا ينظر إلى السماء، ولا إلى الأبدية، ولا إلى الدينونة، ولا إلى أي شيء آخر من هذا القبيل. كل ما سبق من أمثلة تمثل فرح الإنسان الذي لا يدوم. فالإنسان سيفرح، ولكنه فرحمؤقت ينتهي يوما؛ أما وصية الكتاب، فهي تتكلم عن الفرح الدائم الذي لا ينتهي: افرحوا كل حين». الفرح الحقيقي هو ثمرة من ثمار الروح القدس في النفس، فهو فرح دائم وثابت في القلب، لأن مصدره الله كوعد الرب: «ولكني سأراكم أيضا فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم» (يو ٢٢:١٦). إن الفرح الحقيقي الذي من الرب هو مملوء بالسلام والهدوء وراحة البال، هو فرح لا يتأثر بالظروف أو بأية متاعب. إن الروح القدس هو المصدر الوحيد للفرح الحقيقي، والعزاء الدائم لكل مؤمن. إن الإنسان الروحي فرحه ليس فقط بسبب صحة جيدة، ولا بسبب خلاص من مرض أو ضيفة أو هدوء الأحوال، أو بسبب نجاح أرضي؛ وإنما أفراحه بسبب أمور عالية وسامية. هناك أربعة أنواع أساسية لهذا الفرح الدائم: (۱) فرح الخلاص إن فرح الإنسان المسيحي هو فرحه بالخلاص، الخلاص الذي جعل الصليب والفداء في حياتنا. فالإنسان بحسب تاريخ البشرية، وبحسب العقاب الذي أخذه آدم وحواء من الله وبحسب تركهما للفردوس الذي كانا به إذ إنهما كسرا وصية الله؛ بسبب ذلك عاش الإنسان باحثا ومحتاجا لمن يمسح له هذه الخطية التي ورثها من أبويه الأولين آدم وحواء، حتى جاء السيد المسيح في ملء الزمان، وفي الوقت المعين وقدم لنا الغداء، وقال على الصليب: «قد أكمل» (يو (۱۹ (۳۰)، وتقت قصة الله مع الإنسان التي بدأت في جنة عدن، وانتهت على الصليب، وهذا هو فرح الخلاص: الشَّعْبُ السَّالِك في الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا الْجَالِسُونَ في أرض ظلال الموت الشرق عليهم نور. أكثرت الأمة، عظمت لها الفرخ» (اش ۹: ۲ - ۳) وهذا هو الفرح الأساسي للإنسان. (۲) فرح التوبة هو الفرح الثاني الذي يحافظ به الإنسان على نعمة الخلاص، فالصليب يشبه اليدين الممدودتين، وكان السيد المسيح يمد يده لنا لنصنع فرح التوبة: «على غضب أغذائي تمد يدك، وتُخلصُنِي يَمِينُكَ» (مز (۱۳۸ (۷) فالمسيح بمد يده دائما لكي ما ينتشل الإنسان من الخطية. فرح التوبة الحقيقية، هو الذي تكلم عنه الكتاب قائلا: «هكذا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بخاطِي وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ نِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَة» (لو ٧:١٥). فالإنسان قد لا يشعر بتوبة غيره من البشر، لكن السماء تفرح بتوبة الخاطئ، وتهتز لهذه التوبة أعتاب السماء. فإن كانت الخطبة عبودية، فالحرية فرح، والحرية عبد. (۳) فرح الخدمة: النوع الثالث من الفرح تسميه: "فرح الخدمة"، أو "فرح الانفتاح على الآخر"، أو "فرحالتخلي عن الأنانية". إن الخدمة على كافة مستوياتها ودرجاتها تتطلب تعبا وسهرا، إلا أنه يوجد العزاء الذي يفيض به الروح القدس في قلوب خدامه. فليس بالضرورة أن يكون الخادم مستريحا ليفرح، بل نجده في عمق الفرح وهو يذرف الدموع مثلما قال بولس الرسول: «كَحَرانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ» (٢) كو ٦: ١٠). وهو ممتلئ بالفرح وهو في وسط التجارب والضعفات العالم يرى الخدام ويظن أنهم حزاني ويصفهم بالكتابة؛ أما داخلهم، الذي لا يراه العالم، فهو الفرح الدائم. وهكذا التلاميذ عندما تعرضوا لمتاعب كثيرة، وذلك في بداية نشأة الكنيسة الأولى، يقول عنهم الكتاب: «وأما هُم فذهبوا فرحين من أمام المجمع، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أن يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ» (أع ٥: ٤١). ومعلمنا بولس الرسول له عبارة رائعة جدا يعبر بها عن آلام كل كاهن أو خادم، فيقول: «الآن أفرح في الامي لأجلكم» (كو ١: (٢٤)، بمعنى أن هذه الآلام والضيقات لا تنزع الفرح من الخادم أو الأب الكاهن. (٤) فرح التسبيح التسبيح هو لغة السماء، التسبيح الله هو سبب السرور والفرح: «أَمَسْرُور أحَدٌ؟ فَلْيُرَتِّلْ» يع ١٣:٥). ففرح التسبيح، هو الجو المفرح الذي شرحه لنا هذا المزمور: «هَلُونَا. غَنُوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةٌ جَدِيدَة تَسْبِيحَتَهُ في جَمَاعَةِ الأَنْقِيَاء ... لِيُسَبِّحُوا اسْمَهُ بِرَقْص بدفُ وَعُودٍ لِيُرَتِّمُوا لَهُ» (مز (١:١٤٩ - ٣ يقول المزمور: «سبحوا الله في جميع قديسيه»، ثم يبدأ يتكلم عن الآلات الموسيقية في كنيستنا الجميلة التي تشترك في هذا التسبيح مع الآلة الطبيعية التي أعطاها لنا الله، وهي الحنجرة والشفتان. وهنا نجد طاقة فرح وطاقة حب، وكأن من يقف يسبح تكبر وتمتد قامته الروحية حتى تصل إلى عنان السماء. أسباب فقدان الفرح توجد ثلاثة أسباب رئيسية من الناحية الروحية التي تفقدنا حياة الفرح، وهي: ١ - الخطية: إن أول سبب يجعل الإنسان دائما فاقدا لحياة الفرح في حياته هو وجود الخطية، وقد تكون هذه الخطية خطية واحدة أو عدة خطايا في صور مختلفة، مثل: خطايا الفكر أو القول أو الفعل ... إلخ. لذا ابحث في حياتك وذاكرتك القديمة، وإن وجدت خطية اطردها واعترف بها أمام ضميرك، وأمام مسيحك، وأمام أب اعترافك، وتعهد أمام الله بطرد هذه الخطية من داخلك إن كانت قولا أو فعلا أو ... إلخ. ٢ - غياب روح الرضا وحالة التذمر) إن الطموح المادي وما يترتب عليه من صراعات سواء بين أشخاص أو دول، وتفضيل النفس على الغير؛ يقود لمشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية. هذا النوع من الطموح يجعل الإنسان دائما في حالة تذمر وعدم رضا عن كل شيء، ووجود حالة التأمر في قلب الإنسان يفقده فرحه ويجعله لا يرى النقاط الحلوة والمضيئة في حياته. - الابتعاد عن مصادر الفرح من أسباب فقدان روح الفرح أيضًا، البعد عن المصادر التي تجلب للإنسان الفرحمثل: البعد عن أسرار الكنيسة، أو البعد عن قراءة الكتاب المقدس، أو البعد عن وسائط النعمة المعزية للنفس. الإنسان الروحي في أحزانه يلجأ إلى الكنيسة والصلاة طلبا للعزاء؛ أما الإنسان الجسداني في أحزانه قد يلجأ للإدمان والخمور والتدخين، ويظن أنه معها سيجد عزاءه وفرحه. فالشخص الذي لا يقرأ الكتاب المقدس، كيف يمكنه أن يفرح؟ وهكذا الإنسان البعيد عن الصلاة، والاعتراف، وكل الممارسات الروحية، مثل: الأصوام، وفترات الخلوة، والألحان والتسابيح، كيف يستطيع أن يفرح ؟ أخيرا، يا صديقي، لكي تقتني الفرح 1. تواجد مع الله دائما. . اعمل أعمال الخير. اسلك طريق الفضيلة. تواجد مع صحبة مفرحة. أنت، كإنسان مسيحي، تحتاج أن تكون دائما إنسانًا مفرحًا، فالعالم جائع لهذا الفرح. ومن المعروف أن الفرح هو من أول ثمار الروح القدس بعد المحبة: «وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحفهو: محبة فرح سلام، طول أناة لظف صلاح ، إيمان ودَاعَة تعفف» (غل ٥: ٢٢ - ٢٣). فالمحبة هي الأرضية، ثم يأتي منها الفرح والإيمان والسلام ... إلخ. فالفرح يعد من الثمار الأولى لعمل الروح القدس فينا، فليعطنا مسيحنا أن تكون حياتنا في هذا الفرح الدائم، ولنقتني هذه اللؤلؤة الثمينة "الفرح": «افرحوا كل حين». قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
12 يونيو 2026

«اتَّبِعُوا الْخَيْرَ» (اتس ١٥:٥)

عبارة «اتبعوا الخير» عبارة جميلة جدا، وهي تذكرنا بكلمة السيد المسيح مع لاوي العشار القديس متى الرسول قبل أن يدعوه، فعندما ذهب إليه يسوع عند مائدة الضرائب، قال له كلمة واحدة فقط وهي: «اتبعني» ( لو ٥: ۲۷) Follow Me". وعندما نتأمل في عبارة: «اتَّبِعُوا الخير»، نجد أن معلمنا بولس الرسول يتكلم بصيغة الأمر، فيقول: «اتَّبِعُوا الخير»، لأن الخير هو الله لذلك استقر في وجدان العالم كله أن أي إنسان عندما يستيقظ في الصباح يقول لمن حوله: "صباح الخير". فعبارة "صباح الخير"، عبارة جميلة، لأن الخير هو الله، وكأن هذا الصباح منحه الله لك لكي تتبعه وتعمل فيه الخير فهي عبارة تحيي بها بعضنا بعضا في أول النهار كي يدخلنا إحساس أن هذا النهار هو للخير. الكتاب المقدس يحث على صنع الخير: . يقول المزمور: اتَّكل على الرب وافعل الخير» (مز ۳۷: ۳). . يقول سفر عاموس: «أطْلُبُوا الْخَيْرَ لَا الشَّرَّ .... أبْغَضُوا الشر، وَأَحِبُّوا الْخَيْرَ» (عا ٥: ١٤ و ١٥). . يقول القديس بولس الرسول: «ملتصفين بالخير» (رو ۱۲: ۹). . ويقول أيضا: « ولكن لا تنسوا فِعْلَ الْخَيْرِ والتوزيع» (عب ١٦:١٣). ما هو الخير؟ الخير" هو "الله"، وكلمة "الخير" تساوي كلمة "الله". لذلك تصلي ونقول: "فلنشكر صانع الخيرات، ولكن من هو صانع الخيرات إلا الخير نفسه، فالله هو صانع الخيرات. ومن الآيات الجميلة في المزامير: «تفتح بدك فتشبع خيرا» (مز ١٠٤: ۲۸)، فالله بمجرد أن يمد يده يشبع البشر خيرا، والسيد المسيح في إنجيل معلمنا متى البشير يقول: «فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنتُمْ اشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالخري أبوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ، يَهَبُ خيراتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَه (مت ۷ (۱۱). فعمل الخير أو صنع الخبر، هو من يد الله أولا وأخيرا، لأنه هو الخير نفسه. إذن، الخير هو أن نصنع أعمالا ترضي الله، ولكن كيف يعرف الإنسان أن أعماله خيرة ترضي الله؟ لأن أحيانًا يعمل الإنسان عملا يظن أنه خير، ولكنه يغضب الله دون أن يدري. مثال على ذلك ما قاله السيد المسيح لتلاميذه: + سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأْتِي سَاعَةً فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةُ اللهِ» (يو ٢:١٦). إن قانون عمل الخير هو: أن كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعَا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ الله» (رو : (۲۸). بمعنى أن كل الأشياء من عند الله، تعمل لأجل خير الإنسان. لماذا يتوقف الخير؟ رغم أن إرادة الله كلها للخير، إلا أن الخطية تمنع خير الله عن الإنسان الخاطئ وهناك آيات واضحة جدا في الإنجيل توضح ذلك. فمثلا في سفر ارميا يقول: «خطاياكم منعت الخير عنكم (إر ٥: ٢٥)، فأحيانا نجد أحد البيوت يوجد به بعض الأمور غير اللائقة، فنقول عن هذا الشخص فلان حظه قليل). الأمر ليس كذلك، فلا يوجد شخص حظه قليل أو شخص حظه كثيرا إن كلمة "حظ" ليس لها تواجد في مسيحيتنا، ولكنها الخطية التي تمنع الخير عن الإنسان، أو عن بيت معين. مثال: إيليا وأخاب: في العهد القديم نقرأ قصة إيليا النبي وأخاب الملك: «وقال إِيلِيَّا النَّشْبِيُّ مِنْ مُسْتَوْطِنِي جلعاد الأجاب: "حَيُّ هُوَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي وَقَفْتُ أَمَامَهُ، إِنَّهُ لَا يَكُونُ ظَلٌّ وَلَا مَطَرٌ فِي هذه الشنين إلا عند قولي (۱ مل ۱۷ (۱). لقد انغمس شعب بني إسرائيل في الخطية وابتعدوا عن الله بعبادتهم الوثنية، فمنع عنهم الخير، بمنع المطر ثلاث سنوات وسنة أشهر، وعدم نزول المطر يؤدي إلى توقف أعمال الزراعة، وأعمال الرعي، فتموت الحيوانات، وكل هذا يؤدي إلى حدوث مجاعة في البلاد. وكان الجوع شديدًا جدا في الأرض، فلم يكن هناك زراعة ولا حصاد، وعندما تقابل أخاب الملك مع إيليا النبي قال له أجاب: "أنت هُوَ مُكثر إسرائيل ؟ فَقَالَ: "لَمْ أَكَدِّرُ إِسْرَائِيلَ، بَلْ أنت وبيت أبيك بترككم وصايا الرب ويسترك وراء التعليم (امل ۱۸ : ۱۷ - ۱۸). ثم بعد ذلك عاد الخير والمطر بصلاة إيليا النبي، وكان المطر عظيمًا جدا، وكان معه كل الخير: وكان مطر عَظِيمٌ» (۱) مل ١٨: ٤٥). فالمطر يعني الخير، حتى إننا في مصر عندما تمطر السماء نقول: "خيرا"، وبالفعل المطر هو خير، وخصوصا في البلاد التي تعاني من الجفاف. خطايا شعب بني إسرائيل، وشر أخاب الملك وزوجته إيزابل، ترتب عليه أن الله منع عنهم الخير. الهدف من صنع الخير ودرجاته 1. فعل الخير لأجل المصلحة مثال: ما فعله فرعون مع أبرام وساراي امرأته (تك (۱۲). لقد صنع فرعون خيرا مع أبرام لأجل مصلحة، وهي أن يأخذ ساراي. فعل الخير لأجل محبة الخير ذاته هناك من يفعل الخير محبة للخير ومحبة الله ومحبة للإنسان، دون مقابل. مثال: أليشع النبي ولعمان السرياني لقد كان نعمان السرياني مصابًا بالبرص، وعندما جاء إلى البشع، صنع معه أليشع خيرا وأمره أن يذهب إلى نهر الأردن ويغطس سبع مرات، وعندما أطاع أمر البشع شفي. فعاد نعمان إلى البشع وقال له: «خُذْ بَرَكَة مِنْ عَبْدِكَ. فَقَالَ: حَيَّ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَنَا وَاقِفٌ أمَامَهُ، إِنِّي لَا أَخُذُ"، وَأَلَحٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ فَأَبَى» (۲) مل ٥: ١٥ - ١٦). وأنت أيضا لا تمنع الخير عن أهله: «لا تمنع الخير عن أهله، حين يكون في طاقة يدك أَنْ تَفْعَلَهُ» (أم : ۲۷). فعليك أن تعمل الخير، ولا تنتظر ردا له، لأن الله سيرسل لك الكثير أمام هذا الخير الذي فعلته: «فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلَا يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةً له» (بع ١٧:٤). فعل الخير لمقابلة الشر كان المعلم إبراهيم الجوهري مثالاً واضحًا في تاريخ كنيستنا في صنع الخير، فقد عاش أيام المماليك، ووصل في عمله إلى درجة رئيس كتاب القطر المصري" في عهد إبراهيم بك، وهي تعادل رتبة رئاسة الوزراء حاليا. لقد كان يصنع الخير مع الكل، فكان يُرسل للمسلمين في رمضان الشموع والهدايا. وعمرت في أيامه الكنائس والأديرة، كما كان يساعد الفقراء بسخاء. ومن المواقف التي تحكى عنه في مقابلة الشر بالخير حدث أن أخاه المعلم جرجس كان يعاني من إساءة شخص ما له، إذ كان يوجه إليه بعض الألفاظ غير اللائقة كلما مر أمامه، فعندما اشتكى إلى أخيه المعلم إبراهيم الجوهري، قال له: "لا تنزعج ولا تغضب أنا سأقطع لك لسانه". فظن المعلم جرجس أن أخاه سيستخدم سلطانه وسلطته، ولكن المعلم إبراهيم الجوهري أرسل عطايا كثيرة جدا إلى هذا الشخص، ويبدو أنه كان محتاجا. فمر المعلم جرجس أمام هذا الرجل، فوجده يمدحه ويتكلم معه بكلام طيب جدا، فتعجب وعندما سأل أخاه عن السبب، علم ما قدمه المعلم إبراهيم لهذا الرجل من خيرات، وبذلك صار عمل الخير وسيلة طيبة لقطع لسان الشر. وعليك أن تتنبه أنه كما تفعل الخير بالآخرين سيفعل الله بك ويعطيك كل الخير: «أعْطُوا تُغطوا، كَيْلًا جَيْدًا مُلَيَّدًا مَهْزُورًا فَائِضًا يُعْطُونَ في أحضانكم لأنههُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ» (لو ٦: ٣٨). كيف تكون خيرا؟ الوصية تقول: .... كل حين اتَّبِعُوا الخير بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ وللجميع» (اتس ٥: ١٥). بمعنى أن الخير غير محدود لا بالزمان ولا بالمكان، ولا يقتصر على حدود الأسرة أو الخدمة أو الكنيسة .... إلخ، فالخير هو للجميع في أي مكان وفي أي زمان، كما علمنا السيد المسيح: «كُل مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلَا تُطَالِبُهُ» (لو ٦: ٣٠). (1) املأ قلبك بالمحبة حاول أن تملأ قلبك بالمحبة الحقيقية، المحبة التي تكلم عنها الإنجيل والتي دعانا إليها السيد المسيح المحبة التي نأخذها من السيد المسيح على الصليب، بمعنى أن هذه المحبة ليست هي المحبة الاجتماعية أو الدبلوماسية أو الشكلية. وكما يُعلمنا الكتاب: «لا تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ الآخرين أيضا» (في ٤:٢). إن محبة الناس معناها أن نفتش عن خير الآخرين، كما نفتش عن خيرنا. فكر في جارٍ لك محتاجا لشيء، وقدم له هذا الشيء قد تزوره وهو مريض، أو تشتري له شيئا يحتاجه، فهذا خير. (ب) تعلم روح العطاء: لكي تصنع الخير، تعلم روح العطاء، وعلمها لأولادك وبناتك، ولو بشيء بسير، مثل العطاء في المناسبات الصغيرة التي تكون في نطاق الأسرة، مثل أعياد الميلاد فعلم ابنك كيف يُعطي هدية بسيطة لأخيه أو لأخته وهكذا يتعلم الابن أن تكون يده خيرة، وليست يدا ممسكة أو بخيلة. فعلم أولادك العطاء في الحياة، بصفة عامة، وبذلك عندما يكبرون يكون العطاء سمة من سمات شخصيتهم. (ج) الحرص على تنفيذ وصايا الله: سفر إشعياء يُعلمنا قائلا: «تَعَلَّمُوا فَعَلَ الْخَيْرِ اطْلُبُوا الْحَقَّ انْصِفُوا الْمَظْلُومَ اقْضُوا لليتيم. حاموا عن الأرملة» (إش 1: ۱۷). إن الوصية واضحة جدا: «تَعَلَّمُوا فَعْلَ الْخَيْرِ»، بمعنى أن الخير يحتاج إلى تعليم، تماما مثلما تعلم أولادنا القراءة والكتابة. والسيد المسيح قدم لنا هذه الوصية بشكل آخر حين قال: «لأني جُعْتُ فَأطْعَمْتُمُونِي. عطشت فسقيتُمُوني كنتُ غَرِيبًا فَاوَيْتُمُونِي» (مت ٢٥: (٣٥)، فالطعام والماء وكل ما تقدمه هذه كلها أفعال خير يقدمها الإنسان. وفي النهاية، أود أن أذكركم بقول القديس يعقوب الرسول عن الديانة الطاهرة النقية عند الله: «الدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ الله الآب هِيَ هَذِهِ افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالْأَرَامِلِ فِي ضيقَتِهِمْ وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلا دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ» (بع) ۱: ۲۷). ففعل الخير وصية جميلة ترتقي بالإنسان والإنسانية. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
05 يونيو 2026

لا يُجَازِي أَحَدٌ أَحَدًا عَن شَرَّ بِشَر» (۱تس ٥: ١٥)

الشر هو عدم وجود الخير تماما كما نقول إنه لا يوجد كيان وجودي للظلام ولكن غياب النور يمكن أن تسميه ظلاما؛ كما إن غياب الحياة تسميه موتا وغياب الخير نسميه الشر الله لم يخلق عالم الشر. الشر هو شيء سلبي، هو انحراف عن الخير. هناك في الحياة أشياء كثيرة يمكن أن نستخدمها في الخير، والانحراف في استخدامها يكون هو الشر. لماذا يسمح الله بالشر؟ إساءة استخدام الشيء تحوّله إلى شر، فالله لا يريد الشر، ولكنه قد يسمح به كثيرا. وهنا نسأل: لماذا يسمح الله بالشر أو بالانحراف عن الخير؟ ذلك لأن الله أعطى الإنسان حرية ليتصرف، ويختار، ويصنع مصيره. درجات من مجازاة الشر بالشر هناك من يرد على الشر بطرق عدة: 1. بعدم المواجهة أو بالابتعاد عنه: في العهد القديم نقرأ عن موسى النبي عندما أراد أن يمر هو وشعبه في أرض أدوم أبناء عيسو)، أرسل رُسُلًا ليستأذن من ملك أدوم، بأن يسمح له بالمرور دون أن يأكلوا من ثمارهم شيئا، ولن يأخذوا ماءً، ولن يتفحصوا شيئًا مما على يمينهم أو يسارهم؛ فرفض ملك أدوم وقال له: «لا تَمُرُّ بِي لِئَلَّا أَخْرُجَ لِلقَائِكَ بِالسَّيْفِ» (انظر: عد ٢٠: ١٤ - ١٨). فعرض موسى أن يدفع ثمن المياه التي سيستخدمها شعب بني إسرائيل، فرفض ملك أدوم بإصرار وهدد بأن يُحاربه، فكانت النتيجة أن موسى ابتعد عن الشر. ٢. الرد بفكر الشرب إن الإنسان في هذه الحالة عندما يتعرض للشر يواجهه بشر، ولكن هذا الشر يكون على مستوى الفكر فقط. وكمثال لذلك شخص يتعرض لشر أو إساءة من شخص آخر، فيواجه هذا الشر بالغضب الداخلي، بمعنى أن يقول بعض الكلمات الحادة التي تعبر عن هذا الغضب، مثل طلب الانتقام منه أو ما يعبر به عن غضبه. . الرد بفعل مماثل: أي إن الإنسان يواجه الشر بشر مثله بالضبط، بمعنى أنه إن تم توجيه شتائم إليه يرد عليها بشتائم مثلها بالضبط، وإن وجه أحد إليه إهانة يرد عليها بإهانة مثلها، وهكذا .... ولكن كل هذا ليس حسب الوصية المسيحية. . الرد بفعل الشر أي من يواجه الشر بالفعل، مثل اثنين يصل الخلاف في الحوار بينهما إلى حد أن يقوم أحدهما أثناء النزاع مع الآخر ويقتله. وهنا شر الكلام تحول إلى شر أفعالي ووصل إلى مرحلة الإيذاء. وقد يقوم إنسان بشر معين، فيقوم الآخر بشر أصعب منه؛ لكن المسيحية تعلمنا قائلة: «انْظُرُوا أَنْ لَا يُجَازِي أَحَدٌ أَحَدًا عَن شَرِّ بِشَرُ» (۱) تس ٥: ١٥). ه. الرد على الشر بشر أكبر: لقد الدفع شكيم واغتصب دينة ابنة يعقوب، فكان الانتقام برد أكبر، أن أولاد يعقوب قتلوا كل رجال شكيم وسبوا غنائمهم ونساءهم، وذلك انتقاما لما فعله شكيم مع دينة أختهم (تك (٣٤). . أسوا أنواع الشرور من يجازي عن الخير شراء بعد أن كان شاول يخطط في نفسه مرا للتخلص من داود لم يستطع أن يكتم الأمر في نفسه، وخاصة بعد نجاحات داود المتتالية، ولهذا أعلن لابنه يوناثان ولرؤساء جيشه المقربين منه برغبته في أن يقتل داود، رغم أن داود صنع معه خيرا وأنقذه كثيرا من الفلسطينيين (۱صم ۱:۱۹-۷). . أشتم فتبارك المسيحية توصي بمقابلة الشر بالخير: «لا يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغلب الشَّر بالخير» (رو .(۲۱:۱۲ والأكثر من هذا أننا نسمع وصية مكونة من كلمتين والكلمتان عكس بعضهما البعض، وهي مثل: «نَشْتَمُ فَتبارك» (١) كو ٤ (۱۲). فقد ترد على من يشتمك بشتيمة مثلها، ولكن الأجمل أن ترد عليه بعبارة جميلة مثل: "الله يباركك". وهذا هو سمو المسيحية، وبالطبع هذا الرد يحتاج إلى نفس قوية. أسباب الاندفاع للشر (1) الشيطان إن السبب الأول لعمل الشر هو بلا شك الشيطان فالشيطان (سطانائيل) كان ملاك وأراد أن يرفع كرسيه فوق كرسي الله، فانحدر من رتبته: «قد ارتفعَ قُلْبُكَ لِبَهْجَتِكَ أَفْسَدَتَ حكمتك لأجل بهائك (حز ۱۷:۲۸) وصار شيطانا بالاستكبار، كما نقول في مديحة كيهك. ويقول عنه الكتاب المقدس: «ذاك كان قتالا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْء» (يو ٨: ٤٤). فالشيطان هو الذي يُحرك الناس لفعل الشر، فيضع أفكارا في عقل الإنسان تجعله يقع في شرور كثيرة. ويقول القديس دوروثيئوس الذي هزم الانفعال فقد هزم الشياطين. فالشيطان بحث الإنسان على مقاتلة أخيه الإنسان، فيدبر أسبابا ويحبكها ويملأ قلب الإنسان غيطا وحتما ورغبة في القتال. (۲) الكرامة والذات قد يجازي الإنسان شرا بشر من أجل كرامته أو من أجل حقوقه، وهناك عبارة نقولها كمصريين دائما: "كرامتي أهيئت .... حقوقي ضاعت .... أنا سأرد بالمثل". وهذا يكون على كل المستويات، فقد يكون هذا في البيت الواحد أو الخدمة أو الكنيسة أو الدير سواء كان للرهبان أو للراهبات ... إلخ. انظر قصة هامان ومردخاي في سفر أستير. (۳) روح الانتقام الإنسان أحيانا قد يسمح لنفسه أن يتكون في داخله روح الانتقام، وهذا الانتقام ليس شرطا أن يكون في نفس اللحظة، ولكنه قد يكون على مدى فترة طويلة يخطط له روح الانتقام. وهذا ما جعل معلمنا بولس الرسول يقول: «لا تنتَقِمُوا لأنفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِي النَّعْمَةُ أَنَا أَجَازِي يَقُولُ الرَّب» (رو ۱۹:۱۲). مثال: أبشالوم وأمنون (۲) صم (۱۳) بعد أن أخطأ أمنون مع ثامار وهي أخته غير الشقيقة، أخذت تبكي ضياع عذراويتها. وبعد سنتين انتقم لها أبشالوم وقتل أمنون. (٤) عدم الاحتمال: يدفع للشر أيضا عدم الاحتمال، فيوجد شخص هش ويوجد آخر لديه قدر من الاحتمال، ونحن نصلي كل يوم في صلاة باكر قائلين: «محتملين بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح ...» (أف ٢٤ - ٣). فصلاة باكر تذكرنا أن تحتمل بعضنا بعضا وذلك قبل خروجنا من منازلنا، لأننا قد نجد من يضايقنا أو من يحاول أن يصنع معنا شرا أو يقول كلمة شريرة أو غير لائقة أو ... إلخ. وهنا نتذكر الوصية: «مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ». نتائج الاندفاع للشتر وهنا نسأل: لماذا توجد وصية «لا يُجازي أَحَدٌ أَحَدًا عَن شَرِّ بِشَرٌ »؟ الإجابة لأن نتائج صنع الشر أو تبادل الشر هي نتائج مدمرة. (أ) الحرمان من التناول لا يحق للذي يفعل شرا أن يتناول دون توبة واعتراف، فالكتاب يقول: «فَإِنْ قَدَّمْتَ قربائك إلى المديح، وهناك تذكرت أن لأخيك شيئًا عليك، فَاتْرُكَ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قَدَّامَ المَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَولا اصطلح مع أخيك، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وقدم قربانك» (مت ٥: ٢٣ - ٢٤). (ب) الحرمان من الملكوت يُعلمنا الكتاب: «كُل مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةً ثَابِتَةٌ فِيهِ» (١ يو ٣: ١٥). (ج) الاضطراب والقلق الإنسان الذي يصنع شرا لا يجد راحة أبدًا ويفقد سلامه الداخلي والمحبة والفرح، لأنه يكون متوثرًا. وعندما نقرأ عن الجريمة، نعرف أن مرتكب الجريمة يحوم حول مكان الجريمة وذلك بسبب حالة الاضطراب والقلق التي أصابته والتي تصل أحيانًا إلى حد المرض النفسي. فالشر نتيجته تنعكس على الإنسان الذي يصنعه؛ أما الإنسان الذي يصنع خيرا، فإنه يجد راحة. علاج الاندفاع للشر 1 - التمثل بالسيد المسيح في المغفرة اذكر السيد المسيح والآلام التي احتملها من أعدائه دون أن يرد أو يهدد أو يغضب، فقد قيل عنه: «ظلِمَ أمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاه» (إش ۵۳ (۷) ، وغفر لصالبيه قائلا: «يا أبتاه، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» (لو ٢٣ ٣٤). جرب أن تقف بشجاعة أمام نفسك وتحل المشكلة بكلمة طيبة، كما علمنا الكتاب: «كم مرة يُخْطِئ إلى أخي وأنا أغْفِرُ له؟ هل إلى سبع مرات؟» (مت ۱۸: ۲۱) هذه هي مسيحيتنا، وهذا هو الإيمان المسيحي، وهذه هي الوصية الكتابية. ٢ - بالعتاب حتى لا تندفع إلى الشر تعلم العتاب الراقي، بمعنى العتاب الذي يقال في صورة المحبة أي العتاب المبني على أرضية المحبة. فَمَنْ يُعاتب لا بد أن يختار كلماته بعناية فائقة، لأنه قد تفسد كلمة واحدة علاقة كبيرة. فاجعل دائما عتابك هادئا، وهذا ما صنعه السيد المسيح حتى مع الكتبة والفريسيين الذين كانوا يقاومونه كثيرا. - ضبط النفس: ضبط النفس وقتل الغضب يساعدائنا على عدم مقابلة الشر بالشر، فالإبطاء في الغضب يجعل الإنسان يجتاز مرحلة الانفعال. فالكلمات في حالة الغضب تخرج بلا ضابط، وكثيرا ما تكون خاطئة جدا وتسبب المشاكل. ضبط النفس يساعدك على أن لا تجازي عن شر بشر؛ وضبط النفس يسمى Self Control، وهو قادر على أن يحول المشاعر السلبية مثال داود ونابال الكرملي (١ صم ٢٥). قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
29 مايو 2026

«تَأْنَوْا عَلَى الْجَمِيعِ»(١ تس ١٤:٥)

فعل "يتأنى" هو أحد الأفعال الإنسانية الراقية فطول الأناة تعني طول الروح أو طول البال وسعة الصدر والصبر والإنسان طويل الأناة لا يتضايق بسرعة ولا ييأس بسرعة ويفشل ولا يفقد الأمل مع الناس. طول الأناة تعني: ضبط النفس حتى لا يُسرع الإنسان إلى مقابلة الخطأ بالخطا، فلا يقابل الغضب بالغضب أو بالانتقام وهذا الفعل الإنساني يتعلمه الإنسان من الطبيعة قبل أن يتعلمه من الله، ومن قصة علاقة الله بالبشرية كلها إن الله هو صاحب طول الأناة الأول، وصاحب سعة الصدر وضبط النفس وقد علمنا هذا من خلال أمثلة عديدة في الكتاب المقدس، فيقول: «الرَّبُّ طَوِيلُ الرُّوحِ كَثِيرُ الإحسان» (عد ١٤: ١٨) ليتعلم الإنسان طول الأناة من طول أناة الله مع البشر؛ مثلما أظهر طول أناته مع: اليهود، وشعب نينوى، وفرعون مصر وشاول الطرسوسي، وغيرهم يقول القديس مقاريوس الكبير : طول الروح هو الصبر، والصبر هو الغلبة" يقول القديس يوحنا الأسيوطي: "الذي ليس له طول روح، يتضايق". بركات طول الأناة: طول الأناة تجعل الإنسان يقتني ثمارًا كثيرة، ويكسب الآخرين، وأيضا يقتني بعض الفضائل الروحية في حياته. (۱) بطول الأناة نجني الثمار كما في مثل التينة غير المثمرة (لوقا ۱۳ : ۸) إن العلماء الذين يحصدون الجوائز العالمية على اختراع ما أو على اكتشاف، لم يصلوا إلى ذلك من فراغ بل صبروا سنوات في تجارب بطول أناة، قد تصل لعشرات ومئات المرات حتى يصلوا إلى المطلوب الأثرياء والأغنياء والشرفاء لم يصلوا إلى ثرواتهم هذه إلا بعد سنوات من العمل الشاق ويطول أناة وإصرار حتى يصلوا إلى مكانتهم هذه القادة وأصحاب الشهادات العلمية، لم يحصلوا عليها إلا بعد طول أناة من الدراسة والبحث على مدى سنوات طويلة. (۲) بطول الأناة نكسب الآخرين يقول الكتاب: «فأطلب إلَيْكُم، أنا الأسير في الرب أن تسلُكُوا كَمَا يَحِقُ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا بِكُلِّ تَوَاضُع، وَوَدَاعَةٍ، وبطول أناةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ» (أَف ٢٠١٤). فالكتاب يدعونا كل يوم أن نسلك بكل تواضع ووداعة وطول أناة. وتلاحظ هنا أن الفضائل تكون متداخلة ولا يمكن فصلها يقول القديس برصنوفيوس هذا القول الجميل: "إن لم يكن الإنسان صبورا، فلن يستطيع أن يعيش مع الناس في سلام". مثال على ذلك: داود مع شاول، والغيرة والعداوة التي نشأت بينهما: فداود مردم إسرائيل الحلو، كان رجلا قلبه حسب قلب الله كما يقول الكتاب: «وجدت داود بن نيتى رَجُلًا حَسَب قلبي (أع ۱۳ :۲۲). لذلك عندما أتيحت له فرصة التخلص من شاول (الملك) وقتله، رفض، لأنه بحق رجل الله فقام بتوبيخ رجاله وقال لهم: «حاشا لي مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ أَنْ أَعْمَلَ هذا الأمر بسيدي، بمسيح الرَّبِّ، فَأَمدَّ يَدِي إِلَيْهِ، لأَنَّهُ مَسِيحُ الرَّبِّ هو» (١صم ٢٤: ٦) ، ثم قام بقطع جزء من رداء شاول الخارجي (جبته)، وذلك لكي يثبت له أنه كان في يده، وكان في استطاعته أن يقتله، ولكنه لم يمد يده بالسوء إليه وهنا رفع شاول صوته وبكي وقال لداود: «أنت أبر مِنِّي، لأَنَّكَ جَازَيْتَنِي خَيْرًا وَأَنَا جازيتك شراء (١ صم ١٧:٢٤). (۳) بطول الأناة نقتني الفضائل جميع الفضائل يمكن أن نقتنيها بطول الروح، فالأمر يحتاج إلى جهاد وصبر. مثال: الأم سارة: قيل عنها إنها مكثت ثلاث عشرة سنة تقاتل قتالا شديدًا من شيطان الزنا، وبطول الأناة انتصرت عليه لتنال فضيلة الطهارة، حتى أنها صعدت مرة للسطح لتصلي، فرأت روح الزنا متجسمًا، وقال لها: "لقد غلبتني يا سارة". فأجابته: "إني لم أغلبك، لكنه سيدي يسوع المسيح". فانصرف عنها القتال بطول الأناة، وبمعونة السيد المسيح، انتصرت الأم سارة على قتال الزنا، لتنال الطهارة. (٤) بطول الأناة نهزم الشياطين : طول الأناة تجعلنا تقابل غلطات وإساءات الآخرين، لا بروح التشفي والانتقام، بل بالعطف. وهناك قصة مشهورة من قصص آباء البرية عن أب ناسك جاءه الشيطان في أحد الأيام وقال له: "افرح واسترح ، لقد علمت اليوم أنه ما زال أمامك على الأرض خمسين عاما !! فرد عليه هذا الناسك الحكيم قائلا: "حسنا، سأضاعف جهادي من اليوم، لأني كنت أظن أنه أمامي مائة عام، فخزي الشيطان وهرب. (٥) بطول الأناة تعالج التسرع والاندفاع : خطية الاندفاع والتسرع أصبحت منتشرة كثيرًا في عالمنا الآن. فقد أصبحنا في عالم السرعة، وذلك بسبب الأجهزة الحديثة الموجودة في أيدينا فهناك مرض يسمي NOWNESS، بمعني أن الإنسان يريد أن يتحقق له كل شيء فوزاء لكن طول أناة الإنسان تحفظه من الاندفاع في تصرف ما، قد يندم عليه فيما بعد. وهكذا الطالب إن تسرع أثناء أدائه الامتحان، فإن هذا قد يتسبب له في نقل رقم خطأ، أو نسيان خطوة معينة أثناء الإجابة على الأسئلة إذن، طول الأناة هي أفضل علاج لمن يتميز بالتسرع والاندفاع في العمل، وإبداء الرأي والحكم على الأشياء، واتخاذ القرارات السريعة في المواقف التي تحتاج لحكمة في التصرف. مجالات التالي وطول الأناة: الوصية التي قالها القديس بولس الرسول: «تانوا على الجميع»، هل يقصد بكلمة "الجميع" ، الكبار أم الصغار؟ هل هم الرجال، أم النساء، أم الأطفال، أم ماذا؟ وللإجابة عن هذا السؤال، سنتكلم هنا عن خمسة مجالات نستطيع من خلالها أن نستخدم هذه الفضيلة أو اللؤلؤة. أولا: في مجال الحياة الروحية: عندما يريد الإنسان أن يطرد الخطية من حياته، فإنه يحتاج إلى الصبر ووضع برنامج روحي بمشورة أب الاعتراف يتضمن هذا البرنامج بعض التداريب الروحية، وممارسة العبادة والأصوام والصلوات، وحياة التأمل ويقول الآباء: إن الإنسان دائما في بداية ممارساته الروحية يكون وكأنه يأخذ دواء بمعني أنه يكون في حالة من التغصب. وبعد أن يتقدم تدريجيا في حياته الروحية، فإن هذا الدواء يتحول إلى نوع من البقول. بمعني أنه يتحول إلى طعام يبني باعتبار أن البقول من المواد التي تساعد في بناء الجسم. وإن عاش فترة في هذه المرحلة من التعود على ممارسة حياته الروحية، فإن البقول تتحول إلى الفاكهة، بمعني أنه يبدأ في الاستمتاع والفرح بهذه الممارسات الروحية وبالتالي تصير الحياة الروحية بالنسبة له حلوة المذاق. فالحياة الروحية تبدأ بمرحلة الدواء، ثم مرحلة البقول، وأخيرا تصل إلى مرحلة الفرحوالسعادة. لذلك نقول في مديحة الصوم الكبير: "يدوبك خمسة وخمسين يوما". ثانيا: في مجال الحياة الجسدية أحيانا قد يعاني الإنسان من ألم أو مرض معين، ولتخفيف حدة هذا الألم أو المرض، تنصح مثل هذا الإنسان باقتناء فضيلة طول الأناة والصبر وأتذكر أنني قرأت قصة للأب تادرس يعقوب، ذكر فيها أنه ذهب لافتقاد إنسان ما كان مصابا بأمراض كثيرة جدا، بحيث إنه كان لا يتحرك من كل جسده سوى لسانه!! فسأله أبونا: "كيف استطيع أن أقدم لك المساعدة "؟ "لقد كنت أود أن أحضر لك إنجيلا، ولكن كيف ستقرأه"؟ فأجاب هذا الإنسان قائلا: "شكرا، يا أبي، لقد قرأت الإنجيل". فتعجب أبونا وسأله: "كيف تمكنت من قراءته" ؟ فأجاب: "لقد قرأنه بلساني !! وقد ذكر هذه العبارة وهو متهلل بالروح إن سبب فرح هذا الإنسان أنه كان يتمتع بقدر كبير من طول الأناة والصبر. وتلاحظ أنه حتى في تناولنا لطعامنا اليومي أن من يأكل طعامه بسرعة، فإنه لا يأخذ الفائدة المرجوة من هذا الطعام؛ أما من يعطي الطعام وقتا كافيًا للمضغ، فإنه يتيح الفرصة للعاب لكي ما يختلط به، وبذلك يصل إلى المعدة بصورة جيدة تمكن الجسد من الاستفادة منه. ثالثا: في مجال الحياة الأسرية: الكتاب المقدس في أنشودة المحبة يُخبرنا: «المحبة تَتَأَنَّى وَتَرْفُق» (١کو ١٣: ٤). وهذا التأني وهذا الترفق يتضح جدا في مجال الحياة الأسرية، فأحيانا في بداية الحياة الزوجية يكون هناك عدم تفاهم بين الزوجين، وهذا أمر طبيعي ولكن طول الأناة للطرفين يحقق ثبات هذه الزيجة ويعطي نوعا من التكيف، حيث إن كلا من الزوجين عليه أن يتحمل الطرف الآخر قليلا، وأتذكر قصة لطيفة عن زوجين (هو وهي)، لم يعطهما الله نسلا إلا بعد مرور عدة سنوات، وخلال هذه الفترة كنت أتقابل معهما من حين لآخر، وأطمئنهما أن الله سيرزقهما بالنسل الصالح في الوقت المناسب. وبالفعل رزقهما الله بنسل، وهنا قالت لي الزوجة: "إن الله لم يعطنا نسلا في السنين الأولي لأننا لم نكن قد فهمنا بعضنا بعضا بعد، فالله انتظر وأطال أناته علينا حتى استطعنا أن نفهم بعضنا بعضا جيدا، ثم رزقنا بهذا المولود حتى نتمكن من تربيته تربية جيدة" والعامل الرئيسي أيضًا في تربية أولادنا وبناتنا، هو طول الأناة. فإذا استخدم الوالدان الكلمات الحادة أو العنف والضرب أو الإهمال في تربية أولادهما، فستكون النتيجة غير مرضية بالمرة بل وسيئة كذلك مرحلة المراهقة تحتاج إلى طول أناة من المرتيين والآباء، حتى يستطيع أولادنا أن يجتازوا هذه المرحلة بسلام. وهي من سن (۱۳ - ۱۹) سنة. ففي هذه المرحلة يوجد كثير من التغيرات والثورات داخل المراهق وإن لم يحتضن المدرس والأب والخادم والكاهن والمربي المراهق في هذ المرحلة، فلن تمر بسلام، ولن ينجح أولادنا في حياتهم العملية، والدراسية، والاجتماعية، والأسرية ... إلخ، لأن طول الأناة تحفظ الإنسان من الفشل وعندما نقرأ قصة إديسون مخترع المصباح الكهربائي، نرى كيف أنه طرد من المدرسة لعدم استيعابه لدروسه ولكن بسبب طول أناة أمه عليه، ساعدته أن يقرأ ويعلم نفسه. ولذلك أثناء عمله كبائع للجرائد في القطارات، ومع مرور الوقت؛ صار إديسون عالما عظيمًا يُجله العالم كله ويحترمه. رابعا في مجال الحياة الاجتماعية في الصداقة والعلاقات الإنسانية دائمًا ما تتعرض لبعض المواقف التي تضايقنا، سواء كان ذلك من صديق أو زميل أو جار.... إلخ، وللحفاظ على هذه العلاقات يحتاج الأمر لطول الأناة. فالبشر لهم نوعان من العلاقات (۱) علاقة إنسانية غير رسمية تسمي الصداقة؛ (۲) علاقات إنسانية تسمي الزواج. والصداقة في محيط الحياة الاجتماعية تحتاج إلى طول الأناة، لكي ما نستطيع أن نكسب الرفيق الذي معنا. وهناك عبارة لطيفة تقول: "الصداقة تحمي كل علاقة؛ بمعنى أنها تحمي علاقة زوجين إن كانا صديقين، وعلاقة أختين إن كانا أيضا صديقين. فالحياة الاجتماعية تحتاج إلى المحبة التي تتأنى وترفق. خامسا في محيط الحياة الكنسية: في الحياة الكنسية، سواء في الخدمة أو في الكنيسة كمجتمع، من المهم أن نتحلى بطول الأناة، سواء مع من تخدمهم أو مع من تخدم معهم، وأن يكون لنا الثقة التامة أن الله يستطيع أن يُغير ويُعدل في النفوس. فهذا شيء هام جدا في علاقات الإنسان داخل الكنيسة واحذر أن تصف إنسانًا بأنه سيء طوال الوقت، وثق أنك إن رفعت الصلاة من أجله وأطلت أناتك في تعاملك معه، فستأتي بثمر وفير، وقد يُغير الله قلبه ويُعدل من حياته من أجل صلاتك عنه إن طول الأناة مطلوبة من الأب الأسقف أو الكاهن، ومن الخادم، ومن أمين الخدمة ومع كل من يعمل في حقل الخدمة. فأحد عوامل النجاح، هي الإدارة بطول أناة، وهذا يأتي بثمر كثير جدا. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
22 مايو 2026

"غَايَةُ الْوَصِيَّةِ هِيَ الْمَحَبَّةُ" (١ تي ٥:١)

بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين. بولس الرسول كتب رسالتين للقديس تيموثاوس الأولى بها ستة أصحاحات، والثانية أربعة أصحاحات، أي إنه كتب له ما مجموعه عشرة أصحاحات، سنتكلم اليوم عن آية في أول هذه الأصحاحات (۱تي ١: ٥) ، وآية أخرى في آخر هذه الأصحاحات العشرة (٢ تي ٥:٤) قال الرسول بولس في الآية الأولى: «وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ، وَضَمِيرِ صَالِحٍ، وَإِيمَانٍ بِلا رِيَاءٍ» (۱تي ۱ :۵) ، ويقول في الآية الثانية مخاطبا تيموثاوس: «وَأَمَّا أَنْتَ فَاصْحُ فِي كُلِّ شَيْءٍ احْتَمِلِ الْمَشَقَّاتِ اعْمَلَ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ. تَمَّمْ خِدْمَتَكَ»( ٢ تي ٤ :٥) هذه الآية موجهة لكل المؤمنين، ولا سيما نحن الرهبان، فحياتنا مرتبطة ارتباطا وثيقا بالإنجيل. أريد أن أتكلم معكم اليوم عن غاية "الوصية" (اتي ١:٥) ، ومعايشة الوصية" (٢تي ٤ :٥) وقبل الدخول في صلب الموضوع، أود أن أتكلم معكم عن ثلاثة أمور رهبانية يجب وضعها نصب أعيننا باستمرار في حياتنا الرهبانية. أولا: إن كانت بداية الراهب مهمة، فالنهاية أهم البداية يوم أن ترك الراهب العالم خلفه وجاء إلى الدير، مختبرا نفسه، وفي فترة اختباره يطمئن الدير عليه، ومن ثم ينضم إلي مجمع الدير بداية مهمة - فما أروعها - لكن ليست هي الأهم، يقول الكتاب نهاية أَمْرٍ خَيْرٌ مِنْ بَدَايَتِهِ» (جا ۷ :۸) انظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ» (عب ۱۳ :۷) وليست طول مدة الراهب في الدير معيارا لعمق حياته الرهبانية، ولكن المعيار هو هل صار الراهب اليوم أقرب للرب من أمس؟ وهل صار فمه ملاصقا للعبارات الرهبانية؟ أعطني، يا رب النهاية الصالحة، كمل أيام حياتي بسلام". فالبداية الرهبانية مهمة، فيها نصرة وفرحة وأمل ورجاء ونظرة للمستقبل، لكن يجب أن يضع الراهب في اعتباره "النهاية". ثانيا: العمل مهم، ولكن المحبة أهم العمل مهم وهو أحد مكونات الحياة الرهبانية، فمن لا يعمل لا يأكل - حسب الوصية الكتابية (انظر: ۲ تس ۳ :۱۰) - لكن هل تعاملات الراهب أثناء العمل مع إخوته تنتج وتظهر المحبة؟ العمل ركن أساسي في حياة الراهب لكن هل هناك محبة تنشأ وتتولد وتزداد يوما بعد يوم من العمل، وتقرب الراهب من إخوته؟ فهذا هو الأهم أم القلب يتقسى على أخيك وتظهر الأنا وحركات الجسد البغيضة فكل تعب الإنسان وإنجازاته مالها التراب، فكم بالحري عمله الناتج عن حسده وغيرته وصراعاته ومنافسته لأخيه. أما المحبة المتأججة للراهب نحو أخيه، فهي رصيده وكنزه في السماء. لذلك، يا إخوتي الأحباء، إن كان على الراهب أن يعمل وينجح في مشاريع أوكلها له الدير، لكن محبة الراهب لأخيه هي كنزه ورأس ماله. ثالثا: التسبحة مهمة، وعدم حضور التسبحة وعدم مشاركة الراهب للتسبحة بدون أسباب يقلل من قيمته الرهبانية التسبيح جزء من العبادة وركن أساسي من حياة الراهب اليومية في الدير. وإن كان حضور التسبحة مهم، فإنَّ مُعايشة الكتاب المقدس وتطبيق وممارسة الوصية أهم، إلى أن يصير الراهب إنجيلا مقروءا، كما قال القديس بولس (۲کو ۳ :۲)، بل ويقول الرسول في موضع آخر: «فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح» (في 1: ۲۷). ولهذا السبب وضع أبونا متى المسكين عنوانا لكتابه عن القديس أنطونيوس: "القديس أنطونيوس ناسك إنجيلي"، أي إن حياة القديس أنطونيوس الكبير هي الإنجيل المعاش. إذن البداية مهمة، ولكن النهاية أهم العمل مهم، ولكن المحبة أهم التسبحة مهمة، ولكن الكتاب المقدس ومعايشة الوصية أهم. الآيتان موضوع تأملنا من رسالتي بولس الرسول لتيموثاوس تتكلمان عن غاية الوصية( اتي ١ :٥) ومعايشة الوصية (٢ تي ٤ :٥). تعالوا نبحر سويا ونخوض في هاتين الآيتين وتراجع فيهما رهبانيتنا وسلوكياتنا وحياتنا، ونفتح قلوبنا لكلمة الله، التي هي بوصلة الراهب التي تساعده على الإبحار في رحلته، وخريطة طريق ليعيش حياة رهبانية. يضع بولس الرسول تعريفات محددة (definitions) ليس فيها لغو كلام ولا توهان، يقول في (اتي ٥:١): ما هي غاية" الوصية (target) وعلينا تطبيق هذا على حياة الراهب. ۱ - «الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبِ ظاهر»: أي من قلب تائب، فضعفاتنا تتلخص في كلمة واحدة: نقص المحبة. فالشخص الذي يُصاب بالأنيميا تجد لون وجهه شاحبا، مع قصور في الدورة الدموية ونقص في عدد خلايا الدم. هكذا أنيميا الحب، والذي يُسببها ميكروب "الذات". أنا أرى نفسي حسنًا، أنا أفكاري ورؤيتي أفضل من أخي. لكن يقول الرسول: «أما غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبِ طَاهِرٍ». يا أخي الفاضل: إياك وأنيميا الحب، إن كان قلبك يوجد فيه ما يشوبه من نقص محبة لأخيك، فهناك فرصة ونحن قادمون على صوم الرسل نستطيع أن تراجع أنفسنا. ۲ - «وَضَمِيرِ صَالِحٍ»: إن كان القلب يعبر به عن الحياة كلها، فالضمير الذي أوجده الله في هو الحكم على النيات والدوافع والأفكار الداخلية. فهل ضميري صالح ومستيقظ أم إنه نائم أو غائب أو كسلان أم موسوس؟ - «وَإِيمَانِ بِلا رياء»: والرياء هو أشد الآفات الروحية، تنخر عميقا في الجسد وتفتك به وتهدد أمنه واستقراره، وقد حذر منه الرب يسوع مرة ومرات إيمان بلا رياء، أي إيمان حقيقي، كما تقول الليتورجية: والساكنين فيها بإيمان الله، وعلاقة حقيقية بين الراهب والرب يسوع. فالراهب خرج وأتى إلى الدير بمحض إرادته وألقى كل رجائه على الرب، سواء في احتياجاته الجسدية أو الروحية. إذن يا إخوتي، غاية الوصية: «مَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ، وَضَمِيرٍ صَالِح، وإيمَانٍ بلا رياء». وينبغي للراهب أن يقيس نفسه كل يوم بهذا المقياس. هل يتقبل الراهب الإرشاد الروحي، عائشا حياة حقيقية وإيمانًا متجددا غير مزيف كل يوم ؟ يقول داود النبي: «جَعَلْتُ الرَّبِّ أمامي في كُلِّ حِينٍ، لأَنَّهُ عَنْ يَمِينِي فَلا أَنزَعْزَعُ» (مز ٨:١٦). فوضع القديس بولس لتلميذه تيموثاوس التطبيق العملي لغاية الوصية. «أَنَا أَنَا شِدُكَ إِذَا أَمَامَ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الْعَتِيدِ أَنْ يَدِينَ الأَحْيَاء وَالأَمْوَاتَ، عند ظهوره وملكونه أكرر بالكلمة اعكف على ذلك في وقت مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. ونخ، النهر، عط بكل أناة وتعليم لأنه سيكون وقت لا يحتملونَ فِيهِ التَّعْلِيم الصحيحبَل حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَةً مَسَامِعُهُمْ، فَيَصْرِفُونَ مسامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ» (۲تي ١٤ - ٤). وكان بولس الرسول حاضر معنا في هذا الزمان الرديء. فهناك أناس يريدون أن يسمعوا ما يسر مزاجهم وكأن إلههم هو هواهم، فيصرفون مسامعهم عن الحق وينحرفون الى الخرافات لكن الـ paradoxe والمفارقة «أما أنت، أنت مختلف وعليك مسؤولية ودور، يضعها بولس في أربعة تطبيقات: وأما أنت فاضح في كُلِّ شَيْءٍ احْتَمِلِ الْمَشَقَّاتِ اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ تَمْمْ خِدْمَتَكَ» (٢ تي ٥:٤). اضح في كُلِّ شَيْءٍ »: ينبغي أن يظل الراهب يقظا روحيًا، في التسبحة نقول: "قوموا يا بني النور". قم من الكسل والتراحي وتسويف العمر باطلا، كما قيل في تحليل نصف الليل، بمعنى تضييع الوقت مع أشخاص أو مع التكنولوجيا الحديثة، وكما يقول التعبير المصري "السكينة سرقاه". انتبه، أيها الحبيب، لنفسك، وإياك والغفلة لأنها تسبق كل خطيئة. اضح في كل شيء»: اصح فكرياً واجتماعيا ونفسيا وروحيا وجسديا، ومن الناحية الصحية أيضا. اصح في إنجيلك، اصح في تسبيحك، اصح في فكرك ولا تنشغل بالتفاهات التي تخسرك الجعالة، حتى وإن تقدمت في العمر، لكن تظل منتبها، وفيك حيوية الشباب. وهذا له صداه على باقي أفراد المجمع، فتنتقل حيويتك ونضارتك الروحية للآخرين. «احْتَمِلِ الْمَشْقَاتِ»: إن حياتنا ليست مفروشة بالورود، فلا تتذمر؛ لكن تذكر من لبس الأشواك من قبلك الذي مهد طريق الحياة لأجلك نقول في سيامة الراهب يا بُنَيَّ، إِنْ أَقْبَلْتَ لِخِدْمَةِ الرَّبِّ الإله .... فأعْدِدْ نَفْسَكَ لِلتَّجْرِبَةِ» (سي ۲ :۱). يقول الرب لهذا الراهب الذي يحتمل المشقات: «أنا عَارِفُ أَعْمَالك وَمَحَبَّتَكَ وَخِدْمَتَكَ وَإِيمَانَكَ وَصَبْرَكَ» (رو ۲: ۱۹)، «وَقَدِ اختملت ولك صبر وتعبت من أجل اسمي ولم تكل» (رو ۲ :۳)، حتى وإن لم يقدرك الناس ممكن أن يتعرض الراهب لمجهود جسدي ولا يتم تقديره، أو يتأذى نفسيا من شخص ما بسبب تصرفاته القاسية، أو أن يتم تجاهله ولا سيما إذا كان الراهب ذا حساسية مفرطة، فيمر بأزمة نفسية واكتئاب. لكن ينبغي أن يحتمل الراهب المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح. تذكر أنك حلقة في التاريخ الرهباني، هناك من كانوا قبلك وعاشوا بأمانة وهناك من سيكونون بغدك، وأنت الآن خلقة الوصل بين الماضي والمستقبل. فاعلم، أيها الأخ الحبيب، أن دورك مهم جدا للأجيال القادمة قال المهاتما غاندي: "رماني الناس بالحجارة، فجمعتها وبنيت بينا. فالحياة مليئة بالحجارة فلا تتعثر بها بل اجمعها واجعل من الحجارة التي تقذف بها سلما، وابن بها مبنى تصعد به نحو طريق الحياة الأبدية. «اعْمَلَ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ»: الراهب هو الشخص المخبر بالخبر السار، بل ويصير إنسان الـ "هللويا"، والكنيسة في كل مناسباتها لا تخلو صلواتها من الـ "هللويا". فكل مناسبة بل وكل يوم، هو "اليوم الذي صنعه الرب". أخي الحبيب اعذروني على هذا التعبير: "لا تكن سبب النكد وتعكيرصفو الآخرين وافتعال المشكلات والألم في الدير". اجعل وجودك ومناقشتك وكلامك مفرحًا ولا تسبب تعبا للآخر، وتأخذ على خاطرك من فلان، وإلا سنصبح أشقى جميع الناس نحن اخترنا بمحض إرادتنا طريق الرهبنة ولم يخبرنا أحد. واعلم أيها الأخ الحكيم، أن عليك مسؤولية، سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي، مسؤولية تجاه الكنيسة كجسد المسيح. فاعمل عمل المبشر لاحظوا صيغة الأمر، فهو إلزام وليس شيئا اختياريا. انقل الإنجيل "الخبر المفرح" إلى إخوتك، لا بالكلام بل بالقدوة وحسن السيرة. «تَمَّمْ خِدمَتَكَ»: بمعني تقم رسالتك الرهبانية، فلا تكتفي بالصورة والمظهر الرهباني دون تقوى تمم بمعني "أكمل"، لا تترك خدمتك ناقصة. لا تخرج بين الفرقتين (۱ مل ۱۸ :۲۱) وتشوه الرهبنة، لكن عش في مخافة الرب وفي محضره كل أيام حياتك. يقول الكتاب: «تممُوا خلاصكم بخوف ورغدة (في ۲ :۱۲) والتتميم هنا يكون عن طريق التقوى، والتقوى تعني: "المخافة". وكلمة "راهب" تعني: "الذي يرهب وجه الله"، أي يعيش في مخافة الله على الدوام، فتصير حياته الرهبانية لها صدى ومردود ينعكس على كلامه وتصرفاته ربنا يحفظكم وتبارك حياتكم الرهبانية، ولإلهنا كل مجد وكرامة من الآن وإلى الأبد، آمين. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل