البابا تواضروس الثاني

البابا الأنبا تواضروس الثاني (4 نوفمبر 1952 -)، بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ال118. وُلِد باسم وجيه صبحي باقي سليمان بالمنصورة لأسرة مكونة منه كأخ لشقيقتين، ووالده كان يعمل مهندس مساحة، وتنقلت الأسرة في المعيشة ما بين المنصورة و سوهاج و دمنهور.

في 4 نوفمبر 2012، تم اختياره عن طريق القرعه الهيكلية ليكون بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية رقم 118[1].

م ترشيحه ليكون خليفة البابا شنودة الثالث هو وأربعة آخرين هم الأنبا رافائيل ، القمص رافائيل أفامينا ، القمص باخوميوس السرياني، القمص سارافيم السرياني.[2] ،فاز بمنصب البابا عن طريق القرعة الهيكلية ليصبح البابا تواضروس الثاني 118 يوم الأحد 4 نوفمبر 2012 م

رؤيته لمستقبل الكنيسة يقول الأنبا تواضروس "يجب أن نهتم بفصول التربية الكنسية منذ الصغر، وأن نجعل فصول إعداد الخدام من أولوياتنا، فالخدمة هي التي سوف تصنع نهضة جديدة داخل الكنائس سواء بمصر أو ببلاد المهجر".

ويُطالب الأنبا تواضروس بإنشاء معهد لإعداد خدام كنائس بالمهجر لإطلاعهم على الثقافات المختلفة في الدول الأوروبية وأمريكا وكندا، مُعتبرا أن إقامة قنوات للحوار مع الشباب أمر ضروري، وكذلك يدعو المسيحيين إلى الاندماج في المجتمع من خلال التعليم ووسائل الإعلام.

وقد حصل الأنبا تواضروس على تزكيات من الأنبا دميان أسقف عام ألمانيا والأنبا سوريال أسقف ملبورن، والأنبا مكاريوس اسقف عام المنيا ، والأنبا باخوم أسقف سوهاج، والأنبا اندراوس أسقف أبوتيج والانبا رفائيل الاسقف العام.

تم تجليسه كبابا للإسكندرية وبطريرك للكرازة المرقسية في قداس الأحد 18 نوفمبر 2012 برئاسة القائم مقام البطريرك الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية وباشتراك كافة أعضاء المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية و مشاركة وفود من كل الكنائس في مصر والعالم.

المقالات (282)

24 يوليو 2026

“لَا تُطْفِئُوا الرُّوحَ”

نتائج انطفاء روح الله: وهنا نتساءل ما هي النتائج المُترتِّبة على انطفاء روح الله داخل الإنسان؟ يوجد ثلاث علامات لشكل الإنسان الذي انطفأ فيه روح الله وهي:- أولًا ظلام العقل:- أحيانًا نتقابل مع شخص يكون ذا عقل مُظلِم وليس هذا معناه إنه إنسانٌ قليل التعليم أو الدراسة بل على العكس قد يكون حاصلًا على أعلى الشهادات العلمية، ومع هذا يكون له هذا العقل المُظلِم وصاحب العقل المُظلِم فاقد القُدرة على التمييز والإفراز فالنار تُعطي نورًا وبانطفاء النار يغيب النور وهكذا بانطفاء الروح القدس في الإنسان يفقد الإنسان استنارة نفسه ويُظْلِم عقله وللقدِّيس يوحنا ذهبي الفم هذه العبارة الجميلة [إنَّ اللصوص عند سلبهم بيتًا ما، فإنهم عندما يدخلونه يُطفئون السِّراج الذي فيه حتى يقدروا أن يُحقِّقوا غايتهم وهكذا فإنَّ عمل الشيطان الرئيسي عند اقتحامه قلب المؤمن هو تحطيم عمل الروح فيه حتى يسلبه كلَّ حياته] وهكذا الشيطان فإنه خلال حربه مع الإنسان يُحطِّم عمل الروح فيه أولًا حتى يستطيع أن يسلبه كلَّ حياته فليس هناك استنارة للروح عندما يبدأ الإنسان في الهبوط من سيِّئ إلى أسوأ وحينئذ يضل العقل ويفسد القلب. ثانيًا الفتور الروحي:- النار كما تُعطي نورًا تُعطي أيضًا حرارة فبانطفاء الروح في المؤمن تقل معه حرارته الروحيَّة فيفتر وهذه حالة من حالات الكسل الروحي ومن الفتور يتطوَّر الأمر إلى برودة روحيَّة والبرودة تتحوَّل إلى غُربة تتحوَّل بدورها إلى حالة من حالات العجز الروحي وهنا تبدأ حرارة الإنسان الروحية في التناقُص تدريجيًّا سواء في وقفة الصلاة أو التسبحة أو الإنجيل أو جلسة الاعتراف أو القدَّاس أو في أيٍّ من وسائط النعمة ويبدأ الإنسان في أن يتذكَّر كيف كانت حرارته الروحية قديمًا وما وصل إليه الآن من عجز روحي لذلك يقول القدِّيس بولس الرسول «حَارِّينَ فِي الرُّوحِ» (رو 12: 11) ويُشبِّه القدِّيس الأنبا أنطونيوس الإنسانَ بالطائر من حيث الدفء فيقول [كما إنه بدون تدفئة البيض لا يخرج الفرخ الحي هكذا أيضًا بالنسبة للنفس إذ يُحيط الله بها عندما تُطيعه فترتفع في حياتها الروحيَّة]. ثالثًا الشعور بالتيه:- أمَّا الصفة الثالثة لنتائج انطفاء الروح فهي شعور الإنسان بالتيه بمعنى أنَّ حياته تكون غير مُنظَّمة أو غير واضحة فينتقل من مشكلةٍ إلى مشكلة ومن حكايةٍ إلى حكاية وإن نصحته بالتَّروِّي يُجيب ويقول لم أنتبه لهذا الأمر أو ذاك وهذا ما يُسمِّيه الآباء بالغفلة بمعنى أنَّ هذا الإنسان لا هو مُستيقظ ولا هو نائم في مسيرة حياته فمثلًا إن بدأ حياة ديريَّة فبعد سنة أو سنتين ينقلب على نفسه وإن بدأ حياة أُسريَّة فبعد سنة أو سنتين ينقلب أيضًا على نفسه وهكذا إن بدأ أي مشروع … إلخ فالإنسان التائه دائمًا ما ينقلب على نفسه لأنه شخصٌ لا يضع خطوات أو منهجًا مُحدَّدًا لحياته بمعنى أنه لا يوجد هدف واضح لحياته ومثل هذا الإنسان يجد في النهاية أنه لا يوجد معنى لحياته وقد يتطوَّر هذا الأمر إلى أن يُنهي مثل هذا الشخص حياته بيده وينتحر. علاج انطفاء الروح: كيف يُشعِل الإنسان في نفسه الحرارة الروحيَّة؟ أو كيف يتجنَّب هذا الضعف الروحي؟ وكيف ينتبه إلى أنَّ نار الروح القدس التي تعمل فيه تكون عاملة ومُتأجِّجة على الدوام؟ وكيف يكون له هذا القلب المُلتهب والذهن المُستنير دائمًا؟ إنَّ علاج انطفاء الروح يتمُّ عن طريق ثلاث نقاط رئيسية هي:- 1 – روح الصلاة:- اعلم أنَّ النار إن لم تجد وقودًا فلا بدَّ أنها ستنطفئ ومن أنواع الوقود التي تُشعِل نار الروح فينا هي الصلاة فأكثر فعل نجده في حياتنا وفي إيماننا هو فعل الصلاة، كما علَّمنا ربنا يسوع المسيح «وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا مَثَلًا فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلَا يُمَلَّ» (لو 18: 1) ففعل الصلاة هو الذي يُشعِل نار الروح فينا وهذا ما يختبره الآباء في الديرففي بداية التسبحة قد يشعر أحدهم بالتعب أو الرغبة في النوم أو أي شكل من أشكال الضعف ثم بعد أن يبدأ في الغوص في أجزاء التسبحة، تبدأ حرارة الروح تدبُّ في جسده وبوصوله إلى نهاية التسبحة يكون قد وصل إلى حالة من النشاط والفرح ويبدأ يومه الجديد وهو يشعر بدفقة من دفقات الروح بداخله لذلك يقول مُعلِّمنا داود النبي «عِنْدَ لَهَجِي اشْتَعَلَتِ النَّارُ تَكَلَّمْتُ بِلِسَانِي» (مز 39: 3) وكلمة ”لهجي“ إشارة إلى الصلاة المُتواترة فأيُّ نارٍ هذه التي يتكلَّم عنها المُرنِّم؟ هذه النار هي الله «لأَنَّ ”إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ“» (عب 12: 29) فطالما الإنسان قريبًا من مسيحه من خلال روح الصلاة فإنَّ عمل الروح يكون دائمًا مُشتعلًا فيه وهُنا تزداد حرارة القلب ويزداد التهاب الروح فكلما تعمَّقت الصلاة داخل القلب كلما ازداد القلب حرارة وللشيخ الروحاني هذه العبارة الجميلة ”بالصلاة تَتَّقِد في النفس نار محبة المسيح“ويصف بعض الآباء الصلاة بهذا الوصف الجميل، فيقولون ”إنَّ الصلاة عِشْقٌ إلهيٌّ“ ويقول الأب ثيئوفان الناسك ”حافظ دائمًا على اشتعال موقِدك الداخلي بتلاوة الصلوات القصيرة ومُراقبة مشاعرك لئلَّا تتبدَّد حرارتها“ومن التقاليد النُّسكيَّة والكنسيَّة الجميلة التي وضعها لنا الآباء الصلاة القصيرة ”يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ“ لأن هذه الصلاة من المُمكن تلاوتها في كلِّ وقت وفي كلِّ مكان وهذا يُساعد الإنسان على ألَّا تبرد حرارته الروحيَّة وأن تصير مشاعره وروحه دائمًا دافئة وحارَّة بعمل الله فيها. 2 – المحبَّة:- المحبَّة تُعطي حرارةً في القلب فالمحبَّة نفسها نار قيل عنها في سِفْر النشيد هذه العبارة الجميلة: «مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ الْمَحَبَّةَ» (نش 8: 7) لأنه حيثما يوجد الحُبُّ الحقيقي يوجد الله يقول القدِّيس بولس الرسول «الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ» (غل 5: 6) بمعنى الإيمان الذي يُترجَم إلى المحبَّة مثل شخص حرارته تكون مُرتفعة فلكي ما نعرف مقدار هذه الحرارة نستعين بجهاز الترمومتر الذي يكشف لنا مقدار هذه الحرارة وبذلك نُعبِّر عن الحرارة بالأرقام 38 أو 39 أو وهكذا نستطيع أن نعرف حالة الشخص وهكذا الإيمان فوسيلة التعبير عنه هي المحبة فالترمومتر الذي يقيس درجة الإيمان هو أعمال المحبة فلا يوجد مقياس للإيمان إلَّا من خلال المحبَّة فالمحبَّة هي التي تجعل حرارة الروح مُشتعلة دائمًا في الإنسان فكما غفر الله لنا نغفر نحن للآخرين وكما صالحنا نتعلَّم أن نتصالح مع الآخرين وكما سامحنا نتسامح مع كلِّ أحد فالإنسان الذي لا يستطيع أن يُسامح يكون الروح بداخله مُنطفئًا ولذلك انتبه أيها الإنسان المُعانِد فإن كنتَ لا تستطيع أن تُسامح أخاك فاعلم أنَّ الروح الذي بداخلك كاد أن ينطفئ فعلينا أن نحبَّ الله، أي أن يكون الله حاضرًا في أذهاننا كلَّ حين فلا ننسى الله حينما نُخطِّط لحياتنا ولا ننسى الله في حلِّ مشاكلنا وفي إبداعاتنا الأمانة في محبة الله هي ألَّا نخون الله فالله يطلب منَّا في محبته أمانة العروس لعريسها وهذا الخيانة تحدث عندما توجد آلهة أُخرى في حياتنا فنسقط في غوايتها ونخضع لها مثل غواية المال وإغراء الشيطان والمحبة أيضًا عطاء وعطاء المحبة بذل فماذا نُعطي الله في محبتنا له وماذا نبذل من أجل الله؟ الله يُريد أن نحبَّه من كلِّ النفس فلا ننسى الله في كلِّ نَفَس نتنفَّسه ونمجِّد الله في كلِّ عملٍ لنا إنَّ محبَّة الله في حياتنا تكون بأن يُستعلَن الرب في كلِّ أعمالنا. 3 – التوبة:- داود النبي عندما وقع في الخطيَّة مع امرأة أوريا الحثِّي وتسبَّب في قتله وأخذ امرأته أرسل الله ناثان النبي له وأعلمه ببشاعة خطيئته فاعترف داود بخطيئته أمام ناثان النبي وقال ”أخطأتُ إلى الربِّ“ ولمَّا أقرَّ بخطيئته قال له ناثان النبي «الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ» (2صم 12: 13) إلَّا أنَّ الأمر لم ينتَهِ عند هذا الحدِّ فداود اكتشف أن هناك مشكلة في قلبه وتغيير قلبه أمرٌ لا يتمُّ هكذا فبدأ يبكي على خطيئته ويطلب رحمة الله وقدَّم مزمور التوبة الذي كشف عن صدق توبته فقال «اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي» (مز 51: 1 – 11) إنَّ الخطيَّة تُطفئ عمل الروح، وبالتوبة يسترجع الإنسان حرارته الروحيَّة وقوَّته وبذلك يمكننا القول إنَّ الندم على الخطيَّة لا يكون بمشاعرنا فقط ولكن بأفعالٍ عمليَّة وروحيَّة لذلك تُصلِّي الكنيسة وتُنادي بالتوبة باستمرار وكأنَّ الكنيسة تُنبِّهنا ألَّا نُطفئ الروح فلا تُطفئ الروح في حياتك ونسمع في نبوَّات الصوم المقدَّس قول الكتاب «وَلكِنِ الآنَ يَقُولُ الرَّبُّ ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ» (يؤ 2: 12) وعندما يتحوَّل الندم إلى صلاة طلبًا للرحمة فإننا نمتلئ طاقةً روحيَّة كبيرة ترفعنا إلى السماء وتُبعدنا عن طريق الخطية فتوبة الإنسان تجعل قلبه دائمًا عامرًا بعمل الروح فلا تنسَ أنَّ نار الروح القدس تُعطيك نورًا في الظلام واستنارة النفس وراحة القلب. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
17 يوليو 2026

“لَا تُطْفِئُوا الرُّوحَ”

«لَا تُطْفِئُوا الرُّوحَ» (1تس 5: 19). الكتاب المقدَّس مملوءٌ برموز عن الروح القدس، فرُمِز إليه مرَّة بالحمامة، ومرَّة بالزيت، وأُخرى بالماء أو النار. وتأمُّل اليوم: «لَا تُطْفِئُوا الرُّوحَ»، المقصود به رمز النار. فالروح القدس يعمل في الكنيسة من خلال المواهب المُتعدِّدة، فهو يمنح مَنْ يخدم في الكنيسة مواهب عديدة، والكتاب تحدَّث عن هذا في مواضع مُختلفة، فهو يعمل في حياة المؤمنين من خلال ثمار الروح القدس، وهذه الثمار مُتاحة للجميع، فينبغي أن تكون شجرة حياتك مُثمرة بهذه الثمار التي ذَكَرَها الكتاب «وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلَامٌ طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلَاحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ» (غل 5: 22 – 23) فالمواهب تُعطَى لتكميل الخدمة ولأجل الخدمة ويُعطيها الله بحسب نِعَمه وبحسب يده الممدودة في حياة الكنيسة وقيادة الكنيسة وقد دخل الروح القدس منذ تأسيس الكنيسة يوم الخمسين بطبيعةٍ نارية إذ حلَّ على التلاميذ كَمِثل ألسنة نار ويُعلِّمنا القدِّيس يوحنا المعمدان قائلًا «أَنَّا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ، وَلكِنْ يَأْتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ» (لو 3: 16) فنوالنا سرَّي المعمودية والميرون وبفعل الروح القدس الذي يعمل فينا يتحوِّل قلب الإنسان إلى نارٍ حارة فالروح القدس أدخل عالمنا الإنساني نارًا تُلْهِب الروح وتُلْهِب الضمير والوجدان وتُشعِل المحبَّة وتُنير البصيرة وعبارة «لَا تُطْفِئُوا الرُّوحَ» المقصود بالروح هنا الروح الذي لله والذي وُلدنا به في المعمودية الولادة الجديدة من الماء والروح وهذا الروح الذي أخذناه أخذناه روحًا متوهِّجًا يعمل فينا فبنوا لنا سرَّي المعمودية والميرون وبفعل الروح القدس الذي يعمل فينا يتحوِّل قلب الإنسان إلى نارٍ حارة قد نسمع هذه العبارة ”فلان حارٌ في الروح“ والعكس صحيح ومن طبيعة النار أنها تُعطي نورًا في الظلام واستنارة في النفس كما إنها تُعطي راحةً ودفئًا للقلب ونُلاحِظ في هذه الكلمات الثلاث تكوين كلمة ”نار“ فإن أخذنا الحرف الأول من الكلمات الثلاث نور واستنارة وراحة نجد أنها تُكوِّن كلمة ”نار“ ومُعلِّمنا بولس الرسول يقول «كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلَهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلَانِ فِي مَعْرِفَتِهِ مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ» (أف 1: 17 – 18) والقدِّيس جيروم شرح هذا الأمر بعبارةٍ بسيطة جدًّا فقال [إنَّ للنار طبيعة مزدوجة تُعطي نورًا وتحرق فإن كنا خُطاةً تحرق خطايانا وإن كنا أبرارًا تُضيء الطريق لنا] إن أردتَ أن تعرف معاني الكلمات الإلهيَّة فاطلب إنارة الروح القدس لذهنك لقد أوضح الربُّ دور الروح القدس في عملية التغيير الجوهري في طبيعة الإنسان فقد قال «جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟» (لو 12: 49) إنَّ نار الروح القدس لا تهدأ حتى تأكل الخطية وتحرقها كما قال إشعياء النبي إنه «رُوح الإِحْرَاقِ» (إش 4: 4) ولكن إذا تُرِكَت الخطية والعداوة لتبيت في القلب انطفأ عمل الروح القدس في الإنسان وبَرَدَت المحبة وأَظْلَمَ الطريق وتاه الإنسان عن مقصده فيسير ولا يعلم إلى أين يسير! إنَّ قوَّة نار الروح القدس التي ألقاها السيِّد المسيح على الأرض نشبت في طبيعة صيَّادي السمك وحوَّلتهم إلى رُسُل وأنبياء ومُبشِّرين أطهار قدِّيسين بلا عيب ولا لوم بقوَّة نار الروح القدس استطاعوا أن ينشروا المسيحيَّة في بقاع كثيرة من العالم فبولس الرسول كان الروح القدس مُشتعلًا فيه فلذا كان يُبشِّر ويكتب يكتب رسائل حتى وهو في السجن والإنسان الذي يعمل فيه روح الله تجده حارًّا في صلاته حارًّا في توبته حارًّا في خدمته بل حرارته وناره تنتقل لمَنْ حوله وللقدِّيس الأنبا أنطونيوس هذه العبارة الجميلة [بسبب هذه النار يشنُّ الشيطان هجماتٍ كثيرة لعلَّه يحرمكم منها، وهو يعرف أنه لا غلبة له عليكم ما دام لكم هذه النار] وهذا يعني أنَّ النار وسيلةٌ دفاعية فطالما قلب الإنسان مُلتهبًا بنار الروح القدس فهو يستطيع أن يطرد الشيطان فالقلب المُلتهب والمُتوهِّج بنار الروح القدس يصدُّ ويطرد دائمًا هجمات الشيطان. أسباب انطفاء الروح: هُنا نسأل: لماذا ينطفئ أحيانًا الروح في الإنسان؟ إنَّ لهذا ثلاثة أسباب وهي: أولًا: محبة الماديَّات: إنَّ الإنسان المادي عندما يُريد أن يُحقِّق ذاته قد يسعى لذلك عن طريق امتلاك بعض الماديَّات مثل جَمْع المال واقتناء الممتلكات أو الشهرة ومحبة الماديَّات في الأصل هي محبة للذات فالماديون يحاولون أن يربحوا العالم حتى ولو خسروا أنفسهم يجمعون المال على حساب سلامتهم الروحية والنفسية ويبنون علاقاتهم على المصالح لا على المحبة ويسعون لتحقيق مكاسب شخصيَّة من وراء علاقاتهم ولأن علاقاتهم قائمةٌ على المكاسب لذلك يكثر بينهم الحسد والخصام والتحزُّب والانشقاق والتعصُّب والذي يُحب الماديَّات هو إنسانٌ أناني أو مادي أو إنسانٌ نرجسي وبتعبير عِلْم النفس هو إنسانٌ مُحِبٌّ لذاته والإنسان النرجسي كما تقول الأساطير اليونانية هو إنسانٌ أحب شكل وجهه فبدأ يذهب إلى النهر ويجلس أمامه أوقاتًا كثيرة لكي ما يرى وجهه على صفحة الماء للدرجة التي بها عشق وجهه فاستمرَّ جالسًا أمام الماء حتى مات وهو على هذه الحال فمثل هذا الإنسان لا يستطيع أن يرى في الوجود غير ذاته فقط فمحبة الماديَّات والمكاسب والمصالح الشخصيَّة تُطفئ نار الروح التي بداخله، وصعبٌ عليه أن يهتمَّ بأبديَّته وحياته مع الله مثال شاول الملك طلب صموئيل النبي من شاول الملك أن يُحارب عماليق كأمر الربِّ ويقضي عليه لأنه شعبٌ شرير فلا يستبقي منهم أحدًا ويقتل كلَّ ما يتعلَّق بهم وبالفعل حارب شاول عماليق وانتصر عليهم وأَسَر أجاج أكبر ملوك عماليق وقتل كلَّ الشعب بحدِّ السيف ولكنه خالف أَمْر الرب بتحريم كلِّ شيء ولم يقتل أجاج كما كان مُتَّبعًا قديمًا لكي ما يفتخر أنه قد أَسَرَ ملكًا عظيمًا كأجاج وأيضًا احتفظ ببعض الغنائم وهذا أيضًا مخالف لوصايا الرب وهذا يُظهِر مدى انشغاله بالماديَّات والممتلكات أكثر من طاعة الله فذهب إليه صموئيل النبي ووبَّخه بسبب غضب الله على أفعاله وقال له هذه العبارة المشهورة «هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَ ذَا الاِسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ» (1صم 15: 22) بمعنى أنَّ الطاعة أفضل من تقديم الذبيحة وعندما أراد صموئيل أن ينصرف من أمام شاول هَمَّ شاول باللِّحاق به مُعتذرًا فجذب صموئيل من الجُبَّة (ردائه الخارجي) فتمزَّق ذيل الرداء فقال له صموئيل «يُمَزِّقُ الرَّبُّ مَمْلَكَةَ إِسْرَائِيلَ عَنْكَ الْيَوْمَ وَيُعْطِيهَا لِصَاحِبِكَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ» (1صم 15: 28) إنَّ الشيطان دائمًا ما يُحاول إغراء البشر بالماديَّات في كلِّ يوم بصورٍ متنوعة لذلك افحص قلبك لئلَّا يكون مُتمسِّكًا بالماديَّات بصورةٍ مُزعجة وهناك مَثَل لاتيني يقول ”الكفن ليس له جيوب“ فالإنسان سيخرج من هذا العالم وليس معه أيُّ شيء كما يقول أيوب «عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ» (أي 1: 21). ثانيًا: الشهوات: هناك بعض الناس لا تلتزم بالقِيَم التي تحكُم غرائزها وتُشبه البهائم في التعبير عن غرائزها فتُسيطر على البعض فمثلًا الشهوات الجسدية تقف على قمتها شهوة الأكل فأكثر الأمراض انتشارًا في العالم الآن هو مرض السّمْنَة فهو يمثِّل 20٪ من سكَّان مصر فهناك مَنْ لا يكفُّ عن التفكير في الطعام طوال الوقت ويقضي أوقاتًا طويلة في الحديث عن الطعام كما يوجد مَنْ يُسرِف في الإنفاق على الطعام وشهوات الجسد كثيرة جدًّا ولها صور عديدة وأحيانًا الشهوة تتحوَّل إلى صورةٍ من صور العنف مثل الشخص البلطجي حيث إنه يفتخر بعمله هذا! وهناك البعض من أجل إشباع شهوتهم الجنسية يتخلَّون عن الكثير من القِيَم في مقابل تحقيق نزواتهم وبالتالي تُضعِف الشهوة إرادتهم فسواء كانت هذه الشهوات جسديَّة أو جنسيَّة أو شهوة طعام أو شهوات لشراء أشياء كثيرة إلخ فكلُّ هذه الشهوات تجعل روح الله العامل في الإنسان ليس مُتوهِّجًا مثال شمشون الجبَّار كان لا مثيل له في القوَّة في زمنه وكان يتباهى ويفتخر بهذه القوَّة كما كان قاضيًا لإسرائيل وكان نذيرًا للربِّ ولكن بسبب الشهوة أذلَّته امرأة خاطئة وهي دليلة فعرفت سرَّ قوَّته وَوَشَتْ به حتى سقط بين أيدي أعدائه «فَقَالَتْ دَلِيلَةُ لِشَمْشُونَ ”أَخْبِرْنِي بِمَاذَا قُوَّتُكَ الْعَظِيمَةُ؟ وَبِمَاذَا تُوثَقُ لإِذْلَالِكَ؟“» (قض 16: 6) وكانت النتيجة أنه فَقَدَ نذره والربُّ تركه. ثالثًا: الفلسفات المُجرَّدة: إنَّ كلمة ”فلسفة“ لها معنى جميل جدًّا وهو ”محبة الحكمة“ وهذا شيءٌ رائعٌ ولكن توجد طائفة من الفلاسفة لهم فلسفات مُجرَّدة تصل بالإنسان إلى إنكار وجود الله والإلحاد وأحيانًا تصل به إلى الأفكار الشَّاذة على سبيل المثال عاشت البشرية منذ أن خلقها الله في أيام آدم وحواء لا تعرف إلَّا شكلًا واحدًا للزواج هو الزواج بين رَجُلٍ وامرأة أمَّا الآن فبدأت تظهر صيحة جديدة وهي الزواج المِثْلي وبدأ يحدث نوعٌ من الضغط على بعض الحكومات للاعتراف بهذا الزواج وللأسف أَخَذَ هؤلاء الشَّواذ علامة ”قوس قزح“ التي هي علامة مُقدَّسة أوجدها الله في الكتاب المقدَّس واعتبروها عَلَم الزواج المِثْلي أو رمز الشواذ ولا نعلم كيف استطاعوا أن يصلوا إلى هذا الفكر الغريب! وهذا هو أحد أنواع الفلسفات التي تُطفئ الروح. ولكن توجد أيضًا فلسفات روحيَّة عميقة، فمثلًا نُطلِق على القدِّيس بولس الرسول أنه أحد الفلاسفة الروحانيين أو فيلسوف المسيحيَّة ولكم أن تتخيَّلوا كيف سيصير العالم إن أصبح فيه هذا النوع من الزواج المِثْلي؟ فظهور مثل هذه الفلسفات والمذاهب وبعض الموضات الحديثة التي أصبحت تظهر الآن كثيرًا هي التي تُطفئ روح الله. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
10 يوليو 2026

«اشكرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ»( اتس ٥: ١٨)

موضوع الشكر من الموضوعات المرتبطة بحياة الإنسان ووجوده وكأن الإنسان غير الشاكر هو إنسان غير موجود بمعنى أنه لا يشعر بإنسانيته وكنيستنا تعلمنا أنه في بداية أي صلاة يجب أن نتلو ثلاثة أجزاء أساسية تسميها "لباس الصلاة" فنبدأ بصلاة أبانا الذي في السموات " وتسمى "لوب الصلاة" ثم يليها "صلاة الشكر" وتسمى "المنطقة" حزام يدور حول الوسط وفي هذا إشارة إلى أن الشكر يجب أن يشمل حياتنا كلها ثم تصلي الجزء الثالث المزمور الخمسين"، وهو مزمور التوبة الذي يمثل "الحذاء" لأن الإنسان التائب خطيئته تكون مثل الشوك المنتشر في الأرض فلا يستطيع السير عليه بدون حذاء وهذا يذكرنا بقصة "الابن الضال" وكيف أن أباه قدم له حذاء بعد توبته ورجوعه إلى بيته فقال الأب لعبيده «أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأولى وأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِداءٌ في رِجْلَيْهِ» (لو ٢٢:١٥). 1- اشكر الله على كونك إنسانا:- اشكر الله على كونك إنسانًا موجودًا فوجودك هو فضل من الله وهبة منه فوجودنا أعطي لنا مجانا بدون مقابل فمن منا دفع شيئًا مقابل وجوده؟ ما هو الثمن الذي دفعناه؟ لا شيء! وهذا ما نسميه "نعمة" فالنعمة هبة مجانية وهناك سؤال يتردد دائما لماذا خلقني الله؟ وإجابة هذا السؤال لأن الله يحبني ويمكن تشبيه هذا الأمر بفنان في ذهنه لوحة جميلة يريد أن يرسمها فأحضر اللوحة والألوان والفرشاة وبدأ يضع بعض الخطوط الرسم هذه اللوحة واستمر في العمل حتى أكمل هذه اللوحة البديعة التي تنبهر وتندهش من روعتها لذلك اشكر الله لأنه أوجدك وأعطاك الحياة والعقل والفكر والعمل والحرية والإبداع. 2- اشكر الله لأنك جنت في هذا الزمان:- بغض النظر عن سلبيات هذا الزمن لكن أقول لك اشكر الله على إيجابيات هذا الزمان التي تتمتع بها يوجد كثير من الاختراعات والابتكارات والتقدم في وسائل المواصلات والاتصالات فأنت تستطيع أن تصل لأي مكان في زمن قصير فمثلا الأديرة التي كانت لا أحد يستطيع أن يصل إليها إلا بالجمال تستطيع الآن في ساعة أو ساعتين أن تكون في قلب الدير وتأخذ بركة رهبانه وقديسيه وفي هذا الزمان توجد ثورة اتصالات فأنت في عصر الراحة تستطيع باستخدام الأجهزة الحديثة بضغطة مفتاح أن تصل للغرض المطلوب لذلك فأنت في عصر المعرفة والمعلومات تستطيع أن تصل للمعرفة بكل أشكالها المرئية والمسموعة والمقروءة فتوجد ملايين المواقع على النت وملايين الكتب في كل فروع العلم منذ القديم وحتى الآن في هذا الزمان أيضًا توجد أدوية لكثير من الأمراض وتوجد مسكنات لكثير من الآلام ويوجد طب متقدم وكثير من العمليات الجراحية وعمليات المناظير المتقدمة فنحن نعيش في زمان منح الله لنا فيه نعما كثيرة جدا وهذه النعم متعددة وكثيرة. 3- اشكر الله لأنك تعيش في هذا المكان:- اشكر الله لأنه أوجدك مصريا تعيش على أرض مصر فقد كان من الممكن أن يوجدك في أي بلد أخرى قد لا تعرف اسمها فالله قد أعطاك نعمة خاصة بانتمائك إلى أرض مصر لقد اختار ربنا يسوع المسيح أرض مصر لكي تكون البلد الوحيد التي تباركت بزيارته واختارها الله للهروب من هيرودس الملك فهي التي باركها الله وقال عنها الكتاب «مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ» (إش ۱۹ :۲5) وهذه أيضًا نعمة خاصة فلك أن تفتخر أنك مصري وقد نشأت على هذه الأرض ذات التاريخ القديم والعريق أيضا مصر التي تمتعت بظهورات السيدة العذراء مصر بلد متدين يضع الدين في حسبانه فهناك بلاد تعتبر الدين تخلفا وكبنا لحرية الإنسان كل مصري مرتبط ارتباطا وثيقا بنهر النيل فنهر النيل يبدأ من أقصى الصعيد بمجرى واحد وعند القاهرة يتفرع إلى فرعين وهذا الشكل إن رأيته من ارتفاع مثل الطائرة تراه يشبه رجلا يرفع يديه للصلاة!! 4- اشكر الله لأنك تحيا في هذا الإيمان: اشكر الله لأنه أعطانا نعمة الإيمان المسيحي لكي تحيا في الإيمان المسيحي المستقيم إيمانًا تعيش به وتحيا نفس نقاوة الإيمان الذي سلمه الرسل للآباء فنحن ننتمي إلى واحدة من أقدم كنائس العالم ففي بداية تأسيس المسيحية كان يوجد أربعة كراسي رسولية في العالم كله وهي كرسي أورشليم (أم الكنائس) وكرسي أنطاكية وكرسي الإسكندرية وكرسي روما ثم أضيف إليهم كرسي القسطنطينية بعد ذلك وبذلك تكون كنيسة الإسكندرية من أقدم كنائس العالم ويمكن تسميتها حاليا بـ "أم الكنائس" فمثلا الكنيسة الإثيوبية والكنيسة الإريترية قد تكونتا من خلال الكنيسة المصرية فالكنيسة المصرية هي أول كنيسة في أفريقيا وهي المسؤولة عن الخدمة بهذه القارة وبالفعل لنا خدمات كثيرة بها فهي كنيسة رسولية أسسها القديس مار مرقس الرسول أيضًا كنيستنا كنيسة شهداء فما زالت تقدم شهداء حتى اليوم وهي أيضًا كنيسة قديسين تلد قديسين حتى يومنا هذا فمؤخرا اعترفت كنيستنا بقداسة البابا كيرلس السادس وبالأرشيدياكون حبيب جرجس وتم إضافة سيرتهما الطاهرة إلى سنكسار كنيستنا وبالإضافة إلى ذلك فإن كنيستنا كنيسة رهبنة فالكنيسة المصرية هي التي قدمت الرهبنة كهدية إلى العالم كله وأي راهب في العالم يعلم أن جده الأكبر هو الأنبا أنطونيوس الراهب المصري فأنت تنتمي إلى كنيسة عامرة بحلول روح الله فيها وبعملها ونشاطها هذه هي الأربع نقاط الأساسية التي يجب أن تشكر الله عليها: وهي أن الله خلقك إنسانا في هذا الزمان وفي هذا المكان وبهذا الإيمان. ولكن لماذا لا يشكر بعض الناس الله ؟ فعلا يوجد أشخاص لا يشكرون الله، وهذه هي الأسباب (۱) نسيان نعم الله:- هناك بعض الأشخاص قد ينسون نعم الله عليهم وحينما ننسى أعمال الله معناء تبرد محبتنا له ويسكن عدم الشكر في قلوبنا مثال شعب بني إسرائيل (سفر الخروج ١٥ ، سفر العدد ١٤) الذي يتذكر أعمال الله السابقة معه يقول مع داود النبي «باركي يَا نَفْسِي الرَّبِّ وَلا تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ» (مز ۲:۱۰۳) اذكر أعمال الله السابقة معك، فتشكر الله ويزداد إيمانك. (۲) تذمر الإنسان:- الإنسان المتذمر إنسان لا يعرف الشكر فهو دائما ما يكون متذمرا على كل شيء فلا شيء يسبب له الرضا فهو يتذمر على وضعه وعلى مكانه وعلى زمانه وعلى بيته وعلى أسرته وعلى كل شيء حوله وعلى كل شخص معه فإذا أَخَذَ يُريد أكثر كما إنه يحب الأخذ أكثر من العطاء قال أحد المختبرين "كنت أتذمر على الله دائما لأنه ليس عندي حذاء ولكني وجدت ذات يوم إنسانا بلا قدمين حينئذ شكرت الله"إن التذمر يُدمر أية نعمة أعطاها لنا الله ويُعلمنا الكتاب المقدس قائلا «وَأَمَّا التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةً لأنَّنَا لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ بِشَيْءٍ وَوَاضِحٌ أَنَّنَا لَا نَقْدِرُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتُ وَكِسْوَةً فَلْتَكْتَفِ بهما» (١ تي ٦: ٦ - ٨) مثال قورح ودانان وأبيرام (سفر العدد ١٦) إن القناعة والرضا دلالة على الشكر ويقول معلمنا بولس الرسول «وَأَمَّا التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ لأنَّنَا لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ بِشَيْءٍ وَوَاضِحٌ أَنَّنَا لَا نَقْدِرُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ، فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةً، فَلْتَكْتَفِ بِهِمَا» (١ تي ٦: ٦ - ٨). (۳) المقارنة بالآخرين:- إن السبب الثالث لعدم الشكر هو المقارنة بالآخرين ودائما ما تكون المقارنة ظالمة وهذا خطأ شائع في تربية أولادنا فأحيانا يُقارن الأب أو الأم درجات ابنهم في بعض الامتحانات ببعض أصدقائهم فإن كان الابن قد حصل على درجات أقل من زميله ينال من أبيه كثيرا من التوبيخ حتى وإن كانت نتيجته مرضية في حين أنه إذا استخدم الأب أسلوب التشجيع فإنه سيؤدي إلى نتائج أفضل في الامتحانات التالية فالمقارنة دائما ما تضيع الإنسان فالله عندما خلق أصابع اليد الواحدة لم تكن جميعها متشابهة وإن حاولت أن تتخيل أن جميع أصابع اليد الواحدة متشابهة حجما ونوعا فإنك لن تستطيع أن تعمل بيدك أي عمل فالله قد نوع شكل وحجم أصابع اليد الواحدة لكي ما يتألفوا ويتناغموا ويتمكنوا من عمل كل شيء وهذا هو جمال وروعة الاختلاف والتنوع الذي أراده الله للإنسان. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
03 يوليو 2026

"صَلُّوا كل حين"(لو ۱۸: ۱)(۲)

الصلاة الدائمة يكون فيها الإنسان في حالة يقظة روحية دائمة، وإحساس مستمر بالله، مع سيطرة كاملة على الأفكار والشهوات وتاريخها تاريخ قديم، فأول ما نسمع عنها نسمعه في تعاليم الآباء الكبار، أمثال: القديس مكاريوس الكبير، والقديس إسحق تلميذ الأنبا أنطونيوس رغم بساطة ومرونة هذه الصلاة إلا أن لها قوة وفاعلية، ففيها تذكر اسم الرب يسوع في إخراج الشياطين، وشفاء المرضى هي صلاة تلقائية يمكن أن ترددها ونحن نزاول أنشطتنا اليومية، فهي لا تحتاج إلى مجهود في حفظها، مثل الصلوات والمدائح الطويلة. وهذه الصلاة من الممكن أن تستخدمها وأنت تقوم بأي عمل آخر، مثل الأم وهي تطهي الطعام، وأيضًا الآباء الرهبان يصلون هذه الصلاة أثناء تأدية أي أعمال يدوية أو خدمة الزوار في المائدة وهي عكس الصلوات القانونية التي تكون تأديتها صعبة في مثل هذه الأوقات هذه الصلاة ينطبق عليها قول الأب ثينوفان الناسك اليدان منشغلتان في العمل، والذهن (العقل) والقلب مع الله ترديد هذه الصلاة يجعلها عادة في اللاوعي، وتجعلك دائما في وجود دائم في حضرة الله. ومن هنا نفهم وصية السيد المسيح حين قال: «وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا مَثَلًا فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يصلى كل حينٍ وَلا يُمَل» (لو ۱۸: ۱) ولكن كيف يمكن أن تصلي كل حين، بالرغم من وجود مسؤوليات لكل فرد منا من عمل أو دراسة ... إلخ؟ إجابة هذا السؤال: إنه طالما حياتك حاضرة أمام الله باستمرار، فهذه تعتبر صلاة، فلا يقطع صلوات الإنسان إلا خطاياه. فمثلا من يستذكر دروسه، فهو يقوم بعمل إيجابي لحياته وحياة الإنسانية كلها، وهذه تعتبر صلاة؛ وهكذا من يقوم بعمله بأمانة، فهو بمثابة من يمارس حياة الصلاة وأيضا من له علاقة جيدة بأفراد أسرته، فهذه صلاة فاجعل دائما قلبك مرفوعا الله خلال كل عمل تقوم به. وهناك آية جميلة تقول: «فإذا كنتم تأكلون أو تقربون أو تفعلون شيئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجدِ الله» (۱) کو ۱۰ :۳۱)، بمعنى أنك تحوّل وتمزج كل أفعالك بروح الصلاة الدائمة. ولكن احذر لأن عدو الخير لا يمل من محاربة الإنسان. فيبعث إليه بأفكار تشتت ذهنه أثناء الصلاة، وكذلك حروباً مختلفة قد تكون خفيفة أو ثقيلة من أجل تشتيت الدهن أو ترك الصلاة. والوسيلة الوحيدة لطرد حروب الفكر الشديدة التي يحاربنا بها عدو الخير، هي الصلاة السهمية. ومن هنا سميت سهمية، لأنها تكون كالشهم في إصابته للعدو. وللقديس يوحنا الدرجي هذه العبارة الجميلة اهزموا واجلدوا أعداءكم باسم الرب يسوع، لأنه ليس هناك أقوى منه، لا في السماء ولا على الأرض". الترديد التلقائي لاسم ربنا يسوع المسيح، المرونته وبساطته، يساعدنا على الصلاة بلا انقطاع. الأنبا إيليا: قيل عنه المحبته في الوحدة أقام في بربا خربة، فأتاه الشياطين قائلين: "اخرج من هذا المكان لأنه موضعنا". فأجابهم الشيخ: "أنتم ما لكم مكان". فبددوا خوصه، وقالوا له: "اخرج من ههنا. فقام وجمعه، وجلس يضفر وهو صامت، فبددوه له أيضا قائلين: "أخرج من موضعنا". فقام أيضا وجمعه وجلس صامنا. ثم إن الشياطين أمسكوا بيده، وبدأوا يجرونه إلى خارج قائلين: "لا تقم ههنا، لأنه موضعنا". فلما بلغ الباب أمسكه بيده وصرخ قائلا: "يا يسوع المسيح إلهي أعني"، وللوقت هربت عنه الشياطين، فابتدأ الشيخ يبكي، فجاءه صوت الرب قائلاً له: "لماذا تبكي"؟ فقال الشيخ: كيف لا أبكي وهؤلاء يتجاسرون هكذا على محاربة خليقتك"؟ فقال له الرب: "إنك أنت الذي توانيت، فلما طلبتني وجدتني". صلاة يسوع تجعل الإنسان في حديث دائم مع الله، فبينما الإنسان يجسده مع الناس، يكون عقله وقلبه منشغلين بالله وكل الذين مارسوا تلك الصلاة واستمروا فيها، أصبحت عندهم حساسية نحو أقل خطية، خشية أن يفقدوا تلك العشرة مع السيد المسيح، فجعلتهم أكثر النصافا به. السائح الروسي من أبرز الذين تقرأ عنهم في تطبيقهم لصلاة يسوع السائح الروسي"، فالروس - كما قلنا - طبقوا هذا المنهج بأمانة وإخلاص حتى بلغوا فيه شأنا. والسبب في أن هذا السائح طبق هذا المنهج، كان هذه الآية التي هي محور تأملنا: صلوا بلا انقطاع". لقد وجدت القصة في التاريخ الرهباني بعنوان: سائح روسي على دروب الرب". وكلمة سائح، ليس المقصود بها شخصا قادما للنزهة أو التجوال في بلد ما؛ ولكن المقصود بها درجة عليا في الحياة الروحية، أو الحياة الرهبانية المسيحية. هذا السائح الروسي قرأ في الكتاب المقدس الآية التي تقول: «ينبغي أن يصلى كل حين وَلَا يُمَلَّ» (لو ۱۸ :۱) فنقلت هذه الكلمات - عن كل ما عداها - إلى أعماقه، وبدأ يفكر: كيف يمكن أن يُصلّي بلا انقطاع وهو منشغل بمهام كثيرة. وهنا جال باحثا عن معنى الصلاة كل حين وبلا انقطاع، وكيف يمكنه أن يطبق هذه الآية ؟! فأخذ هذا السائح البسيط على عائقه أن يتنقل بين الآباء في براري روسيا، لعله يجد إجابة لسؤاله كيف يمكنه أن يصلي في كل حين ؟! وبعد أن جال كثيرا باحثا عن تطبيق عملي لوصية الصلاة كل حين، دله أحد الآباء بأن الصلاة الدائمة غير المنقطعة، هي مناداة اسم الرب يسوع بالشفاه وبالفكر وبالقلب. وتغرس هذه العاطفة بترديد هذه العبارة: "يا ربي يسوع المسيح ابن الله ارحمني أنا الخاطئ". وقال له: أجبر نفسك على أن تقولها دائما فإذا نجحت إلى زمن، حينئذ سينفتح قلبك للصلاة الدائمة. وقال له: إن هذا هو تعليم الآباء، فأطع إرشادي من الآن فصاعدا، وكرر صلاة يسوع ۳۰۰۰ مرة في اليوم أثناء قيامك وجلوسك ورقادك ومشيك وعملك وراحتك. وقلها بهدوء وبدون إسراع، ولا تحاول أن تنقص أو تزيد في العدد والله سيساعدك، وبتلك الطريقة ستصل إلى صلاة القلب غير المنقطعة، فقبل الأمر بسرور ومضى إلى كوخه، فوجد أن الأمر صعب في اليومين الأولين، ولكن بعد ذلك سهل عليه لدرجة أنه كلما توقف شعر بما يدفعه إلى الاستمرار فذهب إلى مرشده فأمره بالمزيد، وفي كوخه ردد هذه الصلاة أسبوعا آخر دون أن يتضايق، وتعلم كيف يركز ذهنه وكيف لا ينشئت عقله إلى الأفكار الأخرى وشعر أنه إن توقف عن هذه الصلاة فكأنه فقد شيئًا. وعندما قابل مرشده وأخبره عن فرحه وارتياحه، فقال له: هذه نتيجة طبيعية للمجهود المتواصل والروح اليقظة. ولذلك يمكن للإنسان أن يفرد وقتًا خلال يومه لكي ما يُصلّي فيه هذه الصلاة السهمية، وإن قدمت هذه الصلاة مصحوبة بالميطانيات، يكون تأثيرها أقوى. فالإنسان يقول وهو منتصب: "يا ربي يسوع المسيح"، مع رشم ذاته بعلامة الصليب؛ ثم يسجد إلى الأرض قائلا: "ارحمني أنا الخاطئ". وكأن الإنسان في كل ميطانية، يقول للرب بسجوده إلى الأرض: "إن خطيئتي قد أوصلتني إلى أسفل، إلى الأرض"؛ ثم بقيامه مرة أخرى للوقوف كأنه يقول للرب: "إن فداءك وقيامتك قد أقاماتي من الخطية". ولكن لا مانع من ترديد هذه الصلاة والإنسان جالس، فكل واحد حسب ظروفه الصحية. وهذه الصلاة الدائمة تحتاج إلى نوع من التدريب، وذلك بمشورة أب الاعتراف. وتحتاج أيضًا إلى نوع من التركيز، ويمكن أن تصلبها في ضوء خافت (على ضوء شمعة) والبعد عن الأجهزة الكهربائية. قد تتعثر في بداية التدريب عن ممارسة هذه الصلاة، ولكن مع الجهاد والاستمرار سیمتلئ قلبك فرحا وأمنا العذراء مريم وصفها ملاك البشارة بأنها "الممتلئة نعمة"، وقد نالت هذه النعمة بسبب جهادها في الصلاة. ومن مميزات هذه الصلاة أنها لا تحتاج إلى أي نوع من التعليم أو الدراسة. ويقول أحد الآباء: "ليس هناك فضيلة من الفضائل تشبه فضيلة مداومة الصلاة والتضرع باسم ربنا يسوع المسيح في كل وقت. ويمكن أن تصلى هذه الصلاة بصوت خافت يمكنك أن تسمعه، وذلك إن كنت في معزل عن الناس؛ أما إن كنت وسط الناس، فيمكنك أن تصليها بقلبك فقط، كما يقول الكتاب: «أَنَا نَائِمَةً وَقَلْبِي مُسْتَيْقِظَ» (نش ٢٥). وستجد أن نبضات قلبك وحركات التنفس، تتماشيان مع مقاطع الصلاة: "يا ربي يسوع المسيح ارحمي أنا الخاطئ". قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
26 يونيو 2026

«صَلُّوا بِلَا انْقِطَاعِ»(۱ تس ١٧:٥)

هناك ارتباط شديد بين الفرح والصلاة والشكر، حتى إنه تم ذكرهم في ثلاث آيات متتالية: «افْرَحُوا كل حين. صلوا بلا انقطاع اشْكُرُوا في كل شيء» (١ تس ١٦:٥ - ١٨). وهذه الفضائل الثلاث لها ارتباط زمني وثيق؛ بمعنى أنه لا أستطيع أن أفرح، بدون أن أصلي، ولا توجد صلاة بدون شكر ... وهكذا. ما هي الصلاة؟ الصلاة هي لقاء مع السيد المسيح وحديث من القلب للقلب. الصلاة هي تنفس الروح. الصلاة هي الخط المفتوح دائما للاتصال بين الله وبيننا. . الصلاة هي كوب فارغ يوضع أمام الله ليملأه. الصلاة تغيرنا، وتغير الآخرين، وتغير الأحوال والظروف. مراحل الصلاة يقول الأب تينوفان الناسك عن مراحل حياة الصلاة 1 - أول مراحل الصلاة هي الصلاة بالجسد، والتي تتركب من مجموعة قواعد مثل القراءة، والصلاة والوقوف بخشوع، وعمل المطانيات، ورفع الأيادي .... إلخ، فلكل صلاة النظام الخاص بها. فمثلا صلوات المزامير لها نظام معين وصلوات القداسات لها نظام آخر، وصلوات العشية لها نظام .... وهكذا. وهذا ما يسمى بطقس الكنيسة. وفي هذه المرحلة يستخدم الجسد في الصلاة، مثل رفع الأيدي، عمل المطانيات الوقوف .... إلخ؛ أما العقل فكثيرا ما يتشتت، وتشتيت الفكر هو أحد المشاكل الرئيسية للصلاة. - المرحلة الثانية: تكون فيها الصلاة على قدر كبير من الانتباه الداخلي، حيث يركز ذهن الإنسان في كلمة الصلاة لكي ما يكون منتبها لكل كلمة ينطق بها، فلا يصلي كما يقول المثل: "كما لقوم عادة" (عب (۱۰: (٢٥) !! فهناك شخص يركز في كلمات الصلاة ويستوعبها جدا. ومن ضمن التداريب التي ينصح بها الآباء لكي نستطيع أن تتنبه لكلمات الصلاة، هو أن من يصلي يقوم بقراءة المزمور الواحد مرتين متتاليتين، بحيث إنه إن لم يستطع أن يركز في كلمات المزمور في المرة الأولى، يمكنه أن يركز في المرة الثانية. - المرحلة الثالثة: يسميها الآباء صلاة القلب، فيها تتجد أفكار الذهن مع مشاعر القلب لينتج عنها الشعور الدافئ بالوجود الدائم في حضرة الله، وقد تأمل وكتب فيها كثير من الآباء فقلب الإنسان من أهم الأمور في الحياة الروحية، لأنه يكون معبرا عن الكيان الإنساني كله، فيشعر الإنسان في هذه اللحظة أنه متواجد في الحضرة الإلهية، ولا يشعر بمن يتواجد حوله من الناس؛ ولكن بالطبع هذه المرحلة هي مرحلة متقدمة جدا في الحياة الروحية. لذلك عندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، فإنه يكون قد وصل إلى الصلاة بلا انقطاع: "الصلاة الدائمة". الصلاة الدائمة هي الصلاة التي لا تتوقف، يُصلّي فيها الإنسان بلا انقطاع، يترنم بشكر، بمجد الله منذ اللحظة التي يفتح فيها الإنسان عينيه وحتى المساء. هي صلاة عفوية تخرج من القلب، هي تعمل كما يعمل القلب باستمرار، إذ توقفه يعني الموت هي كالتنفس الذي لم يتوقف منذ ولادتنا، أو مثل الدم الذي يجري في عروقنا بدون انقطاع، وتوقف دورانه يعني الموت. الصلاة بلا انقطاع هي شركة مع الله لا تنفصل عنه، لا تفصلها سوى الخطية. عندما سئل القديس باسيليوس الكبير : كيف أن الرسل كانوا يصلون بلا انقطاع ؟ أجاب في كل أعمالهم كانوا يتفكرون في الله، فكانت هذه الحياة الروحية هي صلاتهم الدائمة. قال أحد الآباء: "إن داومت كل حين على طعام الحياة الذي للاسم القدوس، اسم ربنا يسوع المسيح بغير فتور، فهو حلو في فمك وفي حلقك، وبترديدك إياه تتقدس نفسك، وبذلك يمكن أن تقتني الحياة "(1). محور الصلاة الدائمة يرتكز في اسم يسوع المسيح، وهذا الاسم إن أكثرت في ترديده يصل إلى الحلاوة في فمك، كما نقول في إبصالية السبت: "اسمك حلو ومبارك في أفواه قديسيك"، وأيضا: أعطى فرحًا لنفوسنا تذكار اسمك القدوس". فبمجرد ذكر اسم يسوع يشعر الإنسان بالفرح، وهذا هو ارتباط الصلاة بالفرح وبالشكر، كما ذكرنا سابقا. والصلاة الدائمة يربطها الآباء بالتنفس، حيث إن الصلاة الدائمة عبارة عن جملة تتكون من كلمات معدودة، هذه الكلمات مثل السهم له مقدمة، هذه المقدمة هي اسم يسوع. ومن الأمور الجميلة في التاريخ الكنسي، أن الآباء الذين عاشوا الحياة المسيحية النسكية ابتكروا الصلاة القصيرة أو الصلاة السهمية، ويُعتبر هذا من الابتكارات الرائعة. ومنذ القرن الرابع امتدت الصلاة الدائمة عند كافة الكنائس الشرقية وفي البراري المصرية فتظهر في تعليم نيلس السينائي ويوحنا الدرجي، وتظهر واضحة في تعاليم مار إسحق السرياني. وانتقل كل هذا التراث القديم بكل غناه إلى الآباء الروس الذين قاموا بتطبيقه بكل أمانة وإخلاص وشغف حتى بلغوا فيها شأنا كبيرا. ويظهر هذا بوضوح في قصة السائحالروسي التي سنتعرض لها فيما بعد. وإذا تتبعنا تاريخ الصلاة الدائمة، نجد أن الله نفسه طلبها من الآباء في العهد القديم، فيقول في سفر التثنية: «وَلتَكُنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أوصيك بها اليوم على قلبك، وقصها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وجين تمشي في الطريق، وحين تنام، وحين تقوم، واربطها علامة على يدك، ولتكن عَصَالِبَ بين عينيك» (نت ٦: ٦ - ٨). وفي العهد الجديد يظهر منهج الصلاة الدائمة بتكرار اسم الرب يسوع باستمرار: "يا ربي يسوع المسيح ابن الله ارحمني أنا الخاطئ"، مع استخدام الفم والعقل والقلب وجميع الحواس. ولقد تعود الشرقيون أن يستعملوا هذه العبارة، ويمكن أن يقال باختصار: "يا ربي يسوع ...... فلتكن كلمة الرب في قلبك وتحكيها دائما لأولادك، كما يقول داود النبي: أخْبِرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي فِي وَسَطِ الْجَمَاعَةِ أَسَبِّحُكَ» (مز ۲۲: ۲۲). ولتكن كلمة الرب هي محور حديثك في البيت، وسط كل الأسرة. صلاة يسوع: فكرة الصلاة القصيرة تعتمد على فضيلة ترك القلب عند الله، فاترك قلبك دائما عند الله، فهو الذي خلقك وأعطاك الحياة، ثم فداك، وهو الذي يدبر لك أمورك في كل يوم بل في كل لحظة، وكما يعلمنا الكتاب: «حيث يكون كترك هناك يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا» (مت ٦: ٢١). فاسأل نفسك أين هو قلبي ؟ كما يقول الكاهن في القداس: "أين هي قلوبكم"؟ ونجيب جميعا: "هي عند الرب". واسأل أيضا أمنا العذراء: "أين هو قلبك"؟ بالطبع ستكون الإجابة: "إن قلبي عند مسيحي". فاترك قلبك عند الله دائما، والله يستحق هذا لأنه هو الذي أوجدك وأعطاك هذا القلب. وقد أوصانا الله في الكتاب قائلا: يا ابني، أعطني قلبك، ولتلاحظ عيناك طرقي» (أم ۲۳ (٢٦)، ومن هنا جاءت الصلاة القصيرة التي تقول: "يا ربي يسوع المسيحابن الله ارحمني أنا الخاطئ". الصلاة الدائمة هي الصلاة السهمية"، ولأن كلماتها قليلة تسمى: "الصلاة القصيرة"؛ ولأن كلماتها تتكرر تسمى: "الصلاة الدائمة"، وتسمى أيضا: "صلاة يسوع". وكنيستنا القبطية غنية جدا بالصلاة، ويوجد بها كثير من الصلوات المتنوعة. فمثلا كلمة "كيرياليسون" تعتبر صلاة، وقطع الأجبية عبارة عن صلوات، ويوجد صلوات طويلة مثل العشيات والقداسات والتسبحة والمدائح مثل الإبصاليات والتيتوطوكيات ، وكلها صلوات ملحنة ومنعمة بالموسيقى لكي ما ترتفع بمشاعر الإنسان. فكلمة الصلاة تصدر من العقل والفم، ووجود موسيقى أو نغم أو كلمات موزونة تعتبر أرقى ما يمكن أن يقدمه الإنسان الله. فقد أعطى الله للإنسان موهبة النطق، لكي ما يسبحه بها، كما إنه أعطاه آلة موسيقية طبيعية وهي الحنجرة، كما أعطاه الوتر الصوتي وهي الأحبال الصوتية، وهي من أرقى الأعضاء في جسم الإنسان ومن هنا نجد أن التسابيح والصلوات والألحان، تقدم في الكنيسة كتعبير حب الله. الهدف من حياة الصلاة الدائمة الشعور الدائم بوجود الله. . إنها تصل بالإنسان للسكينة، وتعمل على التخلص الكامل من ضجيج العالم والجسد والعواطف. يقول عنها القديس إسحق تلميذ الأنبا أنطونيوس: "إن الصلاة الدائمة في تلاوتها ثقة وسلام وأدوية شفاء من الهموم والأحزان والضيقات فاجعلها لك رفيق الطريق اجعلها على عتبة فمك واربطها على صفحات قلبك". ويروي لنا عن معلمه الأنبا أنطونيوس قائلا: "كيف كان عقله يسبى وهو يصلي طول الليل حتى إذا بدأت الشمس في الظهور، قال لها وهو منقد بالروح لماذا تعوقيني ؟ أتشرفين لكي تأخذيني من أشواق النور الحقيقي (٢)؟! لقد واظب الأنبا أنطونيوس على الصلاة الدائمة، حتى قيل عنه: إنه كان يتنفس بالمسيح. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
19 يونيو 2026

«افْرَحُوا كُلَّ حِينٍ»(١ تس ١٦:٥)

كلمة "إنجيل" معناها "بشارة مفرحة" أو "فرح"، والعهد الجديد هو الكتاب الأكثر بهجة بين جميع الكتب ولو تتبعنا آيات الفرح في العهد الجديد، تجدها تمثل أربعة أضعاف آيات الحزن فالصورة الرئيسية أو النغمة الرئيسية في الكتاب المقدس هي نغمة الفرح والرجاء والأمل والسرور والبهجة والمسرة إلخ وكل هذه المعاني مذخرة في هذه الوصية: «افرحوا كل حين». إن أجمل رسالة كتبها القديس بولس الرسول وتكلم فيها عن الفرح، هي رسالته إلى أهل فيلبي، حيث قال: «إفرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضا: الفرحوا» (في ٤:٤). وما يدعو إلى العجب أن القديس بولس الرسول كتب هذه الرسالة وهو في السجن وهنا المعادلة الصعبة للمسيحية، فبالرغم من السجن، والضيق، والتعب ..... إلا أن روح الفرح هي الظاهرة الواضحة في حياة هذا القديس، فكيف يفرح وقدماه مقيدتان بالسلاسل ؟ إن فرح بولس الرسول لا يعتمد على الظروف الخارجية، بل فرحه في علاقته مع الرب. الفرح الزائف الفرح الزائف ينحصر في أمور الأرض، فيه يسعى الإنسان للجسد وكل شهوة، مثل: الفرح بزيادة وكثرة المال: مثال: الغني الغبي (لو ۱۲ : ۱۸ - ۲۰) الفرح بقوة الجسد يوجد من يفرحون بقوة الجسد وبالقتال والحروب، فيقول داود النبي: «شئت الشُّعُوبَ الَّذِينَ يُسَرُّونَ بِالْقِتَالِ» (مز ۳۰:۱۸). هؤلاء يفرحون إذا غلبوا، وإذا ظلموا، ومن هؤلاء من يفرح بمصائب البشر وبضيقات الآخرين، فيرد عليهم داود قائلا: «لِيَخْرُ وَلْيَخْجَلُ مَعَا الْفَرِحُونَ بمصيبتي» (مز ٣٥: ٢٦). الفرح بإشباع الشهوات الجسدية يقول عنها سليمان: «بنيت لنفسي بُيُوتًا، غرست لنفسي كرُومًا. عَمِلَتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ و فراديس، وَغَرَسْتُ فِيهَا أَشْجَارًا مِن كُل نوع ثمرٍ .... اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّبَاتٍ وَتَنْعُمَاتِ بَنِي الْبَشَرِ، سَيِّدَةً وَسَيِّدَاتٍ ... وَمَهُمَا اشْتَهَنَّهُ عَيْنَايَ لَمْ أَمْسِكَهُ عَنْهُمَا، لَمْ أَمْنَعْ قَلْبِي مِنْ كُلِّ فَرح، لأن قلبي فرح بكل تعبي. وهذا كان نصيبي مِنْ كُلِّ تَعْبِي. ثُمَّ الْتَفَتُ أَنَا إِلَى كل أعمالي البي عملتها يداي، وإلى التعب الذي تعبته في عملِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبَضْ الريح، ولا منفعة تحت الشمس» (جا ٢: ٤ - ١١). . الفرح بالبعد عن الله: مثل الابن الضال (لو (١٥). وكذلك الوجوديون يشعر الوجوديون أن فرحهم هو في البعد عن الله، لأنهم يشعرون أنه قيد عليهم: «فَيَقُولُونَ اللهِ: ابْعُدْ عَنَّا، وَبِمَعْرِفَةِ طَرفكَ لا نُسَر " » (أي ١٤:٢١). ه الفرح بأباطيل العالم هناك من يفرح بأباطيل العالم من إدمان الخمور والمخدرات والأغاني والأفلام غير النقية، وهناك من يفرح بأمور الخلاعة، حتى أنه ظهرت فلسفة جمعت كل هذه الأباطيل وقالت: «فلنَاكُل وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَدًا نَمُوتُ (۱) کو ۱۵ : ۳۲). هذه فلسفة بسيطة جدا، نأكل ونشرب لأننا سنموت غدا، بمعنى أن الإنسان لا ينظر إلا للحظة التي يعيشها؛ فلا ينظر إلى السماء، ولا إلى الأبدية، ولا إلى الدينونة، ولا إلى أي شيء آخر من هذا القبيل. كل ما سبق من أمثلة تمثل فرح الإنسان الذي لا يدوم. فالإنسان سيفرح، ولكنه فرحمؤقت ينتهي يوما؛ أما وصية الكتاب، فهي تتكلم عن الفرح الدائم الذي لا ينتهي: افرحوا كل حين». الفرح الحقيقي هو ثمرة من ثمار الروح القدس في النفس، فهو فرح دائم وثابت في القلب، لأن مصدره الله كوعد الرب: «ولكني سأراكم أيضا فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم» (يو ٢٢:١٦). إن الفرح الحقيقي الذي من الرب هو مملوء بالسلام والهدوء وراحة البال، هو فرح لا يتأثر بالظروف أو بأية متاعب. إن الروح القدس هو المصدر الوحيد للفرح الحقيقي، والعزاء الدائم لكل مؤمن. إن الإنسان الروحي فرحه ليس فقط بسبب صحة جيدة، ولا بسبب خلاص من مرض أو ضيفة أو هدوء الأحوال، أو بسبب نجاح أرضي؛ وإنما أفراحه بسبب أمور عالية وسامية. هناك أربعة أنواع أساسية لهذا الفرح الدائم: (۱) فرح الخلاص إن فرح الإنسان المسيحي هو فرحه بالخلاص، الخلاص الذي جعل الصليب والفداء في حياتنا. فالإنسان بحسب تاريخ البشرية، وبحسب العقاب الذي أخذه آدم وحواء من الله وبحسب تركهما للفردوس الذي كانا به إذ إنهما كسرا وصية الله؛ بسبب ذلك عاش الإنسان باحثا ومحتاجا لمن يمسح له هذه الخطية التي ورثها من أبويه الأولين آدم وحواء، حتى جاء السيد المسيح في ملء الزمان، وفي الوقت المعين وقدم لنا الغداء، وقال على الصليب: «قد أكمل» (يو (۱۹ (۳۰)، وتقت قصة الله مع الإنسان التي بدأت في جنة عدن، وانتهت على الصليب، وهذا هو فرح الخلاص: الشَّعْبُ السَّالِك في الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا الْجَالِسُونَ في أرض ظلال الموت الشرق عليهم نور. أكثرت الأمة، عظمت لها الفرخ» (اش ۹: ۲ - ۳) وهذا هو الفرح الأساسي للإنسان. (۲) فرح التوبة هو الفرح الثاني الذي يحافظ به الإنسان على نعمة الخلاص، فالصليب يشبه اليدين الممدودتين، وكان السيد المسيح يمد يده لنا لنصنع فرح التوبة: «على غضب أغذائي تمد يدك، وتُخلصُنِي يَمِينُكَ» (مز (۱۳۸ (۷) فالمسيح بمد يده دائما لكي ما ينتشل الإنسان من الخطية. فرح التوبة الحقيقية، هو الذي تكلم عنه الكتاب قائلا: «هكذا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بخاطِي وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ نِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَة» (لو ٧:١٥). فالإنسان قد لا يشعر بتوبة غيره من البشر، لكن السماء تفرح بتوبة الخاطئ، وتهتز لهذه التوبة أعتاب السماء. فإن كانت الخطبة عبودية، فالحرية فرح، والحرية عبد. (۳) فرح الخدمة: النوع الثالث من الفرح تسميه: "فرح الخدمة"، أو "فرح الانفتاح على الآخر"، أو "فرحالتخلي عن الأنانية". إن الخدمة على كافة مستوياتها ودرجاتها تتطلب تعبا وسهرا، إلا أنه يوجد العزاء الذي يفيض به الروح القدس في قلوب خدامه. فليس بالضرورة أن يكون الخادم مستريحا ليفرح، بل نجده في عمق الفرح وهو يذرف الدموع مثلما قال بولس الرسول: «كَحَرانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ» (٢) كو ٦: ١٠). وهو ممتلئ بالفرح وهو في وسط التجارب والضعفات العالم يرى الخدام ويظن أنهم حزاني ويصفهم بالكتابة؛ أما داخلهم، الذي لا يراه العالم، فهو الفرح الدائم. وهكذا التلاميذ عندما تعرضوا لمتاعب كثيرة، وذلك في بداية نشأة الكنيسة الأولى، يقول عنهم الكتاب: «وأما هُم فذهبوا فرحين من أمام المجمع، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أن يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ» (أع ٥: ٤١). ومعلمنا بولس الرسول له عبارة رائعة جدا يعبر بها عن آلام كل كاهن أو خادم، فيقول: «الآن أفرح في الامي لأجلكم» (كو ١: (٢٤)، بمعنى أن هذه الآلام والضيقات لا تنزع الفرح من الخادم أو الأب الكاهن. (٤) فرح التسبيح التسبيح هو لغة السماء، التسبيح الله هو سبب السرور والفرح: «أَمَسْرُور أحَدٌ؟ فَلْيُرَتِّلْ» يع ١٣:٥). ففرح التسبيح، هو الجو المفرح الذي شرحه لنا هذا المزمور: «هَلُونَا. غَنُوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةٌ جَدِيدَة تَسْبِيحَتَهُ في جَمَاعَةِ الأَنْقِيَاء ... لِيُسَبِّحُوا اسْمَهُ بِرَقْص بدفُ وَعُودٍ لِيُرَتِّمُوا لَهُ» (مز (١:١٤٩ - ٣ يقول المزمور: «سبحوا الله في جميع قديسيه»، ثم يبدأ يتكلم عن الآلات الموسيقية في كنيستنا الجميلة التي تشترك في هذا التسبيح مع الآلة الطبيعية التي أعطاها لنا الله، وهي الحنجرة والشفتان. وهنا نجد طاقة فرح وطاقة حب، وكأن من يقف يسبح تكبر وتمتد قامته الروحية حتى تصل إلى عنان السماء. أسباب فقدان الفرح توجد ثلاثة أسباب رئيسية من الناحية الروحية التي تفقدنا حياة الفرح، وهي: ١ - الخطية: إن أول سبب يجعل الإنسان دائما فاقدا لحياة الفرح في حياته هو وجود الخطية، وقد تكون هذه الخطية خطية واحدة أو عدة خطايا في صور مختلفة، مثل: خطايا الفكر أو القول أو الفعل ... إلخ. لذا ابحث في حياتك وذاكرتك القديمة، وإن وجدت خطية اطردها واعترف بها أمام ضميرك، وأمام مسيحك، وأمام أب اعترافك، وتعهد أمام الله بطرد هذه الخطية من داخلك إن كانت قولا أو فعلا أو ... إلخ. ٢ - غياب روح الرضا وحالة التذمر) إن الطموح المادي وما يترتب عليه من صراعات سواء بين أشخاص أو دول، وتفضيل النفس على الغير؛ يقود لمشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية. هذا النوع من الطموح يجعل الإنسان دائما في حالة تذمر وعدم رضا عن كل شيء، ووجود حالة التأمر في قلب الإنسان يفقده فرحه ويجعله لا يرى النقاط الحلوة والمضيئة في حياته. - الابتعاد عن مصادر الفرح من أسباب فقدان روح الفرح أيضًا، البعد عن المصادر التي تجلب للإنسان الفرحمثل: البعد عن أسرار الكنيسة، أو البعد عن قراءة الكتاب المقدس، أو البعد عن وسائط النعمة المعزية للنفس. الإنسان الروحي في أحزانه يلجأ إلى الكنيسة والصلاة طلبا للعزاء؛ أما الإنسان الجسداني في أحزانه قد يلجأ للإدمان والخمور والتدخين، ويظن أنه معها سيجد عزاءه وفرحه. فالشخص الذي لا يقرأ الكتاب المقدس، كيف يمكنه أن يفرح؟ وهكذا الإنسان البعيد عن الصلاة، والاعتراف، وكل الممارسات الروحية، مثل: الأصوام، وفترات الخلوة، والألحان والتسابيح، كيف يستطيع أن يفرح ؟ أخيرا، يا صديقي، لكي تقتني الفرح 1. تواجد مع الله دائما. . اعمل أعمال الخير. اسلك طريق الفضيلة. تواجد مع صحبة مفرحة. أنت، كإنسان مسيحي، تحتاج أن تكون دائما إنسانًا مفرحًا، فالعالم جائع لهذا الفرح. ومن المعروف أن الفرح هو من أول ثمار الروح القدس بعد المحبة: «وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحفهو: محبة فرح سلام، طول أناة لظف صلاح ، إيمان ودَاعَة تعفف» (غل ٥: ٢٢ - ٢٣). فالمحبة هي الأرضية، ثم يأتي منها الفرح والإيمان والسلام ... إلخ. فالفرح يعد من الثمار الأولى لعمل الروح القدس فينا، فليعطنا مسيحنا أن تكون حياتنا في هذا الفرح الدائم، ولنقتني هذه اللؤلؤة الثمينة "الفرح": «افرحوا كل حين». قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل