البابا تواضروس الثاني

البابا الأنبا تواضروس الثاني (4 نوفمبر 1952 -)، بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ال118. وُلِد باسم وجيه صبحي باقي سليمان بالمنصورة لأسرة مكونة منه كأخ لشقيقتين، ووالده كان يعمل مهندس مساحة، وتنقلت الأسرة في المعيشة ما بين المنصورة و سوهاج و دمنهور.

في 4 نوفمبر 2012، تم اختياره عن طريق القرعه الهيكلية ليكون بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية رقم 118[1].

م ترشيحه ليكون خليفة البابا شنودة الثالث هو وأربعة آخرين هم الأنبا رافائيل ، القمص رافائيل أفامينا ، القمص باخوميوس السرياني، القمص سارافيم السرياني.[2] ،فاز بمنصب البابا عن طريق القرعة الهيكلية ليصبح البابا تواضروس الثاني 118 يوم الأحد 4 نوفمبر 2012 م

رؤيته لمستقبل الكنيسة يقول الأنبا تواضروس "يجب أن نهتم بفصول التربية الكنسية منذ الصغر، وأن نجعل فصول إعداد الخدام من أولوياتنا، فالخدمة هي التي سوف تصنع نهضة جديدة داخل الكنائس سواء بمصر أو ببلاد المهجر".

ويُطالب الأنبا تواضروس بإنشاء معهد لإعداد خدام كنائس بالمهجر لإطلاعهم على الثقافات المختلفة في الدول الأوروبية وأمريكا وكندا، مُعتبرا أن إقامة قنوات للحوار مع الشباب أمر ضروري، وكذلك يدعو المسيحيين إلى الاندماج في المجتمع من خلال التعليم ووسائل الإعلام.

وقد حصل الأنبا تواضروس على تزكيات من الأنبا دميان أسقف عام ألمانيا والأنبا سوريال أسقف ملبورن، والأنبا مكاريوس اسقف عام المنيا ، والأنبا باخوم أسقف سوهاج، والأنبا اندراوس أسقف أبوتيج والانبا رفائيل الاسقف العام.

تم تجليسه كبابا للإسكندرية وبطريرك للكرازة المرقسية في قداس الأحد 18 نوفمبر 2012 برئاسة القائم مقام البطريرك الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية وباشتراك كافة أعضاء المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية و مشاركة وفود من كل الكنائس في مصر والعالم.

المقالات (286)

21 أغسطس 2026

زمن الاستعجال والاستسهال

رغم أن مصطلح “الثقافة” مصطلح إنساني راقي الاستخدام في مجالات الهوية والانتماء والتاريخ والتقليد الإنساني بين الشعوب والأمم والدول وبين الأفراد والجماعات إلا إنه في الآونة الأخيرة ظهرت عدة ثقافات غريبة عن المفهوم الأصلي للكلمة مثل ثقافة التيك أواي take away وثقافة العجلة (السرعة) وثقافة التريند Trend وثقافة المتعة الفورية وثقافة الريلز Reels (الفيديو القصير) وغيرها من ثقافات يعيشها إنسان هذا الزمان بل ويغرق فيها وصار في حالة استعجال دائم ولم يعد المنتج الأكثر جودة هو الأفضل بل الأسرع وبذلك تحوَّل الزمن إلى سلعة وهو نمط حياة جديد على سلوك الإنسان وعلاقاته وقيَمه ولم تعد وتيرة الحياة تقاس بعمق التجربة بل بسرعة إنجازها وبالطبع هذا له تأثير عميق على المفاهيم الكتابية والاختبارات الروحية والخبرات الرعوية في حياة الكنيسة بصفة عامة وعلى مؤسسات التنشئة الاجتماعية مثل الأسرة والمدرسة والجامعة بصفة خاصة وهذا أدى إلى انفلات خيوط الضبط الاجتماعي حتى في علاقات الصداقة والتربية والأخوة والزواج والارتباط وصارت علامات وظواهر الاستعجال والاستسهال والرغبة في السباق مع الزمن مع تطلعات غير مسبوقة وغير حقيقية وهذا أدى إلى تغيير المعنى والقيم وراء السلوك والأفكار لدى الأفراد وهذا ما نشاهده في الأجيال الحديثة منذ بداية الألفية الثالثة إن عالمنا صار يتغير بشكل يومي تقريبًا وصار الهوس بالتكنولوجيا هو السمة الأولى فمن الأجهزة الرقمية الذكية إلى شبكات التواصل الاجتماعي إلى ألعاب الفيديو إلى الأفلام القصيرة والقصيرة جدًا إلى خدمات البث المباشر وصارت حياتنا مشبعة بالشاشات ولذلك قال أحد خبراء الميديا والتكنولوجيا وتأثيرها على الثقافة إن التكنولوجيا سريعة ورخيصة ومؤثرة ولطيفة وهذا هو الجزء الجيد في الأمر أما الجزء السلبي فهو أنها سريعة ورخيصة ومؤثرة ولطيفة!!! وربما تتساءل عزيزي القارئ عن أسباب تفشي ثقافة السرعة وثقافة الاستعجال في كل شيء؟! وأقول لك عن بعض الأسباب: 1- التحول التكنولوجي والرقمنة بحيث صار كل شيء بشكل “فوري”. 2- اقتصاد السرعة ورأسمالية المنصات التي جعلت من الزمن موردًا اقتصاديًا. 3- عززت وسائل التواصل الاجتماعي ثقافة الاختزال والمحتوى السريع. 4- صارت بيئة العمل أو التعليم تفرض مؤشرات أداء زمنية صارمة. 5- حل التواصل السريع محل التفاعل العميق وازدادت الفردانية على حساب الروابط الاجتماعية. إن التسارع المحموم والعيش في استعجال مستمر له آثار كبيرة على مجموعة القيَم التي تحمي السلوك الإنساني وتنظمه ومن أهمها قيمة التجويد في العمل والتفاني في إتقانه والتي تراجعت في مجالات عديدة. لقد خلق الله كل إنسان ولديه احتياجات أساسية عميقة وهي: الأمان الهوية الانتماء الغاية الكفاءة. ويجب أن تسدد هذه الاحتياجات بطرق سوية وحقيقية وملموسة ولكن الآن تحوَّل الإنسان إلى التكنولوجيا والثقافة الرقمية ليسدد احتياجاته الأساسية العميقة بمعنى أن التكنولوجيا هي بمثابة البديل المزيف والذي لن ينجح في إشباع هذه الاحتياجات. وتعال صديقي القارئ نتابع هذه الاحتياجات: أولاً الأمان: والسؤال: من أثق فيه؟! ولا يوجد أحد سوى شخص المسيح يسوع الذي “هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ” (عبرانيين 13: 8) وفيه نجد الغفران الذي يمنح الأمان فقط للإنسان من يثق بالتكنولوجيا يثق بالشيء ومن يثق بالله يثق بالشخص الذي هو الفادي والمخلص والأمين على الدوام إن الأجهزة الإلكترونية لا تستطيع أن تسد احتياج أي شخص للأمان ولكن يمكنها أن تمثل أدوات مساعدة في تطوير علاقة الإنسان مع الله ومع الآخرين. ثانيًا الهوية: والسؤال: من أنا؟! الإنسان خليقة يد الله العظيم وجعل فيه نسمة حياة يستمد هويته من كونه “إِنْسَانُ اللهِ” (تيموثاوس الثانية 3: 17) وليس إنسان التكنولوجيا وإنسان الله يقوم على المثابرة والاجتهاد وطول البال والصبر وقابلية التعلم والتفكر والإبداع أما منصات التواصل فهي وقتية وهوائية وكثيرًا ما تكون مزيفة وفي غضون دقائق تنتقل من تصديق شيء إلى تصديق شيء آخر مما يجعل نفس الإنسان متذبذبة من أقصى اليمين لأقصى اليسار هذا نسميه “ارتباك الهوية” بينما الإنسان مخلوق على صورة الله (تكوين 1: 27) وأنه محبوب لله جدًا (يوحنا الأولى 10:4)، وقد اشتراه بثمن عظيم (كورنثوس الأولى 7: 23). ثالثًا الانتماء: والسؤال: من يريدني؟! إن الانتماء يعتمد على شعورنا بالأمان وبالهوية أما الانتماء إلى التكنولوجيا والعلاقات الرقمية فهو انتماء قصير المدى ولا يشبع إن الوقت المنقضي أمام الشاشات يمكن أن يضعف انتماء الإنسان إلى عائلته أو كنيسته أو حتى إلى الله فيصير وحيدًا في العالم الذي وضع في الشرير (يوحنا الأولى 5: 19)، وفي وقت ما سيشعر بغربة روحية وانعزالية وهذا يفسر كثرة حالات الاكتئاب والانتحار خاصة مع التربية ونمو الشخصية في مرحلة المراهقة والشباب. رابعًا الغاية: والسؤال: لماذا العيش؟! ما هي الغاية من وجودي وخلقتي؟!! إن العثور على الغاية الشخصية هو من أصعب تحديات العصر إننا نعيش حتى نمجد الله من خلال هويتنا وسلوكياتنا ونفرز نقاط قوتنا ونقاط ضعفنا ونقبل التحديات لنكون أفضل دائمًا “وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ” (يوحنا 10: 10) إن أحد العوامل الأساسية لإيجاد الغاية في الحياة هو الأمل من الآثار النفسية لظاهرة الحياة السريعة هو الشعور الدائم بالجري وراء هدف بلا أهمية أو دون أهمية وأن التطور الثقافي لعصر السيولة وعصر ما بعد الرقمنة هو ناتج من تطور الثقافة الاستهلاكية التي اتسعت في كل شؤون الحياة حتى قضت على بساطة الحياة وفنونها الجميلة وثقافتها الرفيعة. خامسًا الكفاءة: والسؤال: ما الذي أتقنه؟ حتى يصير لوجودي معنى. إن الاجتهاد يقوي عضلة الإيمان والثقة في الله أمام التحديات الجديدة من خلال المسيح نستطيع أن نفعل كل شيء (فیلبي 4: 13). اعرف يا صديقي: إن الأمان هو في شخص المسيح فقط. وأن الهوية هي في وصايا كتابك المقدس. وأن الانتماء هو في حضن أسرتك وكنيستك. وأن الغاية هي في ملكوت السموات. وأن الكفاءة هي في النعمة وعمل الروح فيك. جرِّب يا صديقي أن تقضي وقتًا فيه تعيش الانفصال الواعي عن الحياة السريعة وأن تعطي فرصة للأفكار والمشاعر الداخلية والتأمل والسكون الذي به تخلص “بِالرُّجُوعِ وَالسُّكُونِ تَخْلُصُونَ بِالْهُدُوءِ وَالطُّمَأْنِينَةِ تَكُونُ قُوَّتُكُمْ” (إش 30: 15). وقديمًا قالوا في العجلة الندامة وفي التأني السلامة وقالوا أيضًا السرعة ضارة في كل شيء إلا في التوبة. قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
14 أغسطس 2026

مختارات قصصية قصيرة

(1) ”أنه يعرف الراعي“ كان هناك فنان مشهور حضر الكنيسة فطلبوا منه أن يقول مزمور "الرب راعيّ فلا يعوزني شيء" فقام وفعلًا كان يحفظ المزمور وصفق الناس له تصفيقًا شديدًا ثم طلبوا من رجل مسنّ أن يقول نفس المزمور فقام هذا المسن وكان صوته بالكاد يُسمع وبدأ في المزمور ولما انتهى من المزمور وجدوا أن الحاضرين جميعهم دموعهم تسيل من أعينهم فقام واحد من الحاضرين يسأل الفنان المشهور "ما الفرق بينك وبين هذا الرجل الذي أبكى الجميع؟!!" رد الفنان قائلًا "أنا أعرف المزمور ولكن هذا الرجل يعرف الراعي" يا ليت كل واحد فينا يسأل نفسه هل يعرف المزمور أم يعرف الراعي؟؟ (2) ما هو الحب؟؟ سُئِلت امرأة عجوز عن الحب وما هو معناه؟ أجابت "أول مرة سمعت هذه الكلمة كنت طفلة صغيرة وكانت من والدي الذي قبّلني وقال إني أحبكِ فقلت الحب هو الحنان والأمان وحضن دافئ عندما بلغت سن الرشد وجدت رسالة تحت باب المنزل أرسلها ابن الجيران عنوانها اسمي ومحتواها إني أحبكِ فقلت الحب هو جرأة وجنون وعندما خُطِبت لابن الجيران وتعرّفت عليه أول كلمة قالها لي هي أحبكِ فقلت الحب هو طموح وعمل وهدف وإرادة تزوجت وفي ثاني يوم زواج قبّلني زوجي على رأسي وقال لي إني أحبكِ فقلت الحب هو شوق وحنين مرّت سنة فولدت أول أولادي كنت متعبة ملقاة على سريري فجائني زوجي وأمسك يدي وقال إني أحبكِ فقلت الحب هو شكر وتقدير وعطف وحنان بعد مرور السنين شاب شعر الرأس وتزوج الأبناء فنظر زوجي لشعري مبتسمًا وقال لي أحبكِ فقلت الحب هو رحمة وعطف طال العمر وصرنا عجزة وفي كل مرة زوجي العزيز يقول لي أحبكِ فأقول الحب هو وفاء وصدق وإخلاص وعطاء هذا هو الحب كلما زدنا في العمر كلما اكتشفنا أسراره هذا هو الحب يبدأ صغيرًا فيكبر شيئًا فشيئًا الحب من الله يأتي وإليه يعود الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله. (3) قصة وعبرة يحكى أن فلاحًا كان يمتلك حمارين قرر في يوم من الأيام أن يحمل على أحدهما ملحًا وعلى الآخر صحونًا وقدورًا أنطلق الحماران بحمولتهما وفي منتصف الطريق شعر الحمار حامل الملح بالتعب والإرهاق حيث إن كمية الملح كانت أكثر وأثقل من القدور الفارغة بينما كان حامل القدور سعيدًا بحمولته حيث كانت أقل وأخفّ على كل حال قرر الحمار حامل الملح من شدة الإعياء أن ينغمس في بركة من الماء كانت بجوار الطريق كي يستعيد قواه التي خارت من وطأة الملح فلما خرج من البركة شعر كأنه بُعِث حيًا من جديد فقد ذاب الملح المحمّل على ظهره في البركة وخرج نشيطًا كأن لم يمسه تعب من قبل لما رأى حامل القدور ما نزل على صاحبه من النشاط قفز بدوره في البركة لينال ما نال صاحبه فامتلأت القدور بالماء فلما أراد أن يخرج من البركة كان ظهره انقسم قسمين من وطأة القدور المحملة بالماء. العبرة من القصة. ما يفيد غيرك قد لا يفيدك بل يضرك فاحذر أن تتقمص شخصية هي لا تشبهك حافظ على مقاسك. (4) الشيخ والموت بعد أن احتطب شيخ في الغابة وضع حزمة الحطب على ظهره كان عليه أن يحملها بعيدًا عن الغابة وإذ أنهكه التعب وضع حمله وقال "وا أسفاه! ليت الموت يستطيع أن يأتي!" وفجأة جاء الموت وقال "هأنذا ماذا تريد مني؟" أجاب الشيخ وقد تملكه الخوف "أريد أن تساعدني على تحميل هذا الحطب مرة أخرى!" تمت. تعقيب: مهما بلغ الإنسان السوي في إظهار كراهيته للموت لشقاء ألم به تبقى الحياة غالية في نظره ولو عاش الإنسان ألف عام ثم جاء الموت لتمنى أن يعيش ألفًا أخرى. (5) الكرات الخمس الرئيس التنفيذي لشركة جوجل ساندر بيتشاي ألقى خطابًا في 60 ثانية فقط قال فيه تخيل الحياة لعبة من 5 كرات تتلاعب بها في الهواء محاولًا ألا تقع هذه الكرات أحدها مطاطية والباقي من الزجاج الكرات الخمس هي العمل العائلة الصحة الأصدقاء الروح ولن يطول بك الحال قبل أن تدرك أن "العمل" عبارة عن كرة مطاطية كلما وقعت قفزت مرة أخرى بينما الكرات الأخرى مصنوعة من زجاج إذا سقطت إحداهما فلن تعود إلى سابق عهدها وستصبح إما معطوبة أو مجروحة أو مشروخة أو حتى متناثرة. عليك أن تعي ذلك وأن تجاهد في سبيله أدر عملك بكفاءة خلال ساعات العمل واخرج وقت الانصراف لتكون مطمئنًا بإخلاصك وأعطِ الوقت اللازم لعائلتك وأصدقائك وخذ قسطًا مناسبًا من الراحة واهتم بصحتك فإن ذهبت فمن الصعب أن ترجع كما كانت. قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
07 أغسطس 2026

قيمة كلمة الله في الأسرة

الأسرة هي كيان كتابي مقدس تكوينها جاء من خلال وصية كتابية وأيضا هي كيان كنسي لأنها تكونت في الكنيسة من خلال نوال الزوجين سر الزيجة المقدس الكتاب المقدس هو صوت وحضور المسيح في الأسرة، وأيضًا أحد مصادر القوة في البيت المسيحي، لذا فإن إهماله معناه انهيار الحياة الروحية للأسرة فمن أين تأتي القداسة والعفة والنقاوة؟ وكيف نقَوّم سلوكيات الأسرة؟ وكيف نرى الوصية في حياتها؟ الكتاب المقدس: صالح لكل يوم: «يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ» (عب13: 8) لأن كلمة الله لا تتغير إنما متجدّدة وصالحة لكل يوم ولكل إنسان. يتحدث عن الإنسان وطبيعته الإنسان هو الإنسان لم يتغير منذ خلقته. يتحدث عن رسالة الله للبشر فالله يقدم نفسه بلا تغيير هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد كما كان مع أبينا إبراهيم وأمنا سارة هكذا كان مع سائر الآباء في العهدين القديم والجديد ومعنا في زماننا وفي كل زمان. الوصية تقول: «فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيح» (في1: 27) لذا يجب: أولًا: أن تقتنيا الكتاب المقدس ويكون الكتاب المقدس مفتوحًا داخل البيت وقد تنوعت طرق طباعته لتناسب كل إنسان. ثانيًا: قراءته باستمرار بفهم وصلاة: وهذا يحتاج لإرادة بها طاعة واتفاق بين الزوجين ليس المهم الكم لكن تكون قراءتك بنظام وانتظام والتزام لأن كلمة الله يليق بها كل وقار واحترام لذا صلّيا معًا قبل قراءة الكتاب المقدس لكي يفتح الله قلبكما وذهنكما ويرسل رسالته لكما من أجل هذا نقرأه بتركيز وصبر وثبات. تدريب: اجعل أيام السنة جزئين أيام الأصوام ولأنها الأكثر اجعلها لقراءة العهد القديم وأيام الفطار لأنها الأقل اجعلها لقراءة العهد الجديد. إن الكتاب المقدس يساهم في بناء شخصية البيت فيجعل هناك لغة مشتركة هي لغة الإنجيل ويوحّد الفكر داخل الأسرة وهذا يجعلها تعيش بسلام من الجيد أن تقرأ الكتاب المقدس بصوت مسموع داخل البيت وتصلي بكلماته فبهذا يمتلئ البيت بروح العبادة وتساعدكما كلمة الله في فهم بعضكما البعض وفي تربية الأبناء وفي مواجهة المشاكل لذا اجعل قراءتك بفهم وعمق وتركيز أيضًا من المهم أن يكون لديكما مكتبة بالبيت فالمكتبة وسيلة تعليمية وتربوية وتثقيفية فاجعل الكتب كأنها أصدقاؤكما واحرص على اقتناء كتب التفسير داخلها لتساعدك في الفهم والدراسة والتأمل. ثالثًا: احفظ كلمة الله: داود النبي يقول «خَبَأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ» (مز119: 11) حفظ كلمة الله يُطهّر الفكر وربنا يسوع المسيح يعلمنا أن «اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ» (يو6: 63) لذا تكلم مع شريك حياتك بكلمات مبنية على الإنجيل فيها روح وحياة والقديس بولس الرسول يقول إنَّ «كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ» (عب4: 12)إن كلمة الله التي نقرؤها نشتمّ فيها أنفاس الله وعلى الجانب الآخر يقول القديس يوحنا ذهبي الفم "عدم معرفة الكتب المقدسة هو سبب وعلّة كل الشرور". هناك ثلاثة مزامير هي الأكثر حديثًا عن كلمة الله (مزمور 1، ومزمور 19، ومزمور 119) في مزمور 19 يحدثنا عن سبعة صفات لكلمة الله أنها: 1- ترد النفس التائهة. 2- تجعل الإنسان حكيمًا. 3- تُفرح القلب. 4- تنير العينين. 5- تجعل مخافة الله في القلب. 6- تعرّفك أن أحكام الرب حق وعادلة. 7- أشهى من الذهب والإبريز وأحلى من العسل. هذه الصفات على عدد أيام الأسبوع اجعلها أمامك وخذ منها كل يوم واحدة لتقودك في حياتك وفي أسرتك وعلاقاتك. رابعًا: لا تهمل كلمة الله فإن أهمل الإنسان كلمة الله: 1- يصير بلا نجاح حقيقي لأن الوصية غير حاضرة أمام عينيه. 2- يصير بلا سلاح كالأرض الخربة ويكون انحرافه وسقوطه سهلًا لأنه أهمل مصدر التعليم. 3- يصير تائهًا فالكتاب المقدس هو بوصلة البيت المسيحي إن أهمله يتعرض للتيه في هذا العالم. خامسا: أخيرًا في ختام مزمور 19 يقول «لِتَكُنْ أَقْوَالُ فَمِي وَفِكْرُ قَلْبِي مَرْضِيَّةً أَمَامَكَ يَا رَبُّ صَخْرَتِي وَوَلِيِّي» (مز19: 14) روح الله يظهر في فكرك وكلامك وتصرفاتك مع شريكك لذا تفكُّك البيت وعدم وجود الروح التي تضمن استقراره يجعل البيت باردًا وميتًا ليس فيه دفء الروح ليكن كلامكما مرضيًا أمام الله ممسكًا بيديكما لتربيا أبناءكما في مخافة الله ومحبته. قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
31 يوليو 2026

“امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ”

إنَّ كلمة ”امتحان“ كلمة معروفة عند الجميع صغيرًا أو كبيرًا ولعلَّها تبعث شكلًا من أشكال الخوف ولكن الحياة لا تخلو من الامتحانات لأنها أفضل وسيلة لتقييم حياة الإنسان وسلوكه ومسيرته الامتحانات وُضِعَتْ لنختبر بها مدى معرفتنا وثقافتنا فهي تُبيِّن للإنسان كيف أمكنه أن يستخدم هذه المعرفة في مجالات حياته المختلفة من عمل أو أي أمور حياتيَّة أو أن هذا الاختبار يكشف ما يتمتَّع به الإنسان من خبرة وحنْكَة كذلك وُضِعَت الامتحانات لكي نحكم بها على مَدَى استيعابنا وتحصيلنا العلمي والامتحانات أيضًا تكشف جودة الأشياء فمثلًا أثناء تقديم الحَمَل في القُدَّاس يختَبِر الأب الكاهن الخُبز والخمر ويُشاركه أيضًا الشمامسة فإن كان جيِّدًا يقول الشماس ”جيِّد وكريم“ فاكتشاف جودة الأشياء أمرٌ مُتَّبع في العالَم كلِّه وفي جميع المصانع يوجد ما يُسمَّى quality control وهذا للتأكيد على جودة المُنتَج وما يتمتَّع به من أمان والمعادن أيضًا يتمُّ اختبارها بالنار لمعرفة درجة نقاوتها ومعلِّمنا داود النبي يُناجي الربَّ قائلًا «يَا رَبُّ قَدِ اخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ وَاهْدِنِي طَرِيقًا أَبَدِيًّا» (مز 139) فداود النبي يتكلَّم مع الله بصيغة الماضي إنه قد اختبره وهذا في بداية المزمور أمَّا في نهاية المزمور فيطلب من الله أن يختبره ويعرف أفكاره لكي ما يهديه طريقًا أبديًّا وهذا يُبيِّن مدى حياة التدقيق التي كان يعيشها هذا النبي العظيم. مجالات امتحان النفس: هناك خمسة مجالات نستطيع أن نمتحنها في حياتنا وهي:- أولًا امتحان الإيمان:- الإيمان هو الذي يُكَوِّن العقيدة التي تعيش فيها ويُكَوِّن سلوكك الروحي وسلوكك العام في الحياة لذلك يقول مُعلِّمنا بولس الرسول «جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ» (2كو 13: 5) كثيرًا ما نميل لأن نخدع نفوسنا ونعتقد أنَّ مجرَّد الاعتراف باسم المسيح يعني الإيمان به فراجع نفسك دائمًا واسألها هل أنتِ في الإيمان؟ واحذر أن يكون إيمانك شكليًّا أو نظريًّا أو إيمان كما هو مكتوب في الرقم القومي فامتَحِن نفسك في هذا الإيمان فالإيمان ليس هو مُجرَّد الاعتراف باسم المسيح أو هو مجرَّد لحظة الإيمان هو حياة اسأل نفسك هل إيماني بالمسيح هو محور حياتي كلها؟ وهل إيماني بالمسيح هو المُنظِّم لحياتي؟ هل أنت تعيش في المسيح؟ هل المسيح يحيا فيك؟ هل تسلُك بحسب وصاياه؟ هل تلتزم بكلِّ تعاليمه؟ هل تفعل ما يُرضيه؟ فمثلًا إن قُمتَ برسم دائرة بالقلم ستجد أنَّ هذه الدائرة غير مُنتظمة لأن ليس لها مركز لكن إن قمتَ برسمها ببرجل مثلًا ستجد أنها مُنتظمة فيُمكن تشبيه هذا المركز بالمسيح الذي وجوده في مركز حياتنا يجعلها مُنتظمة. ولكي تمتحن إيمانك:- يجب أن يكون إيمانك صحيحًا، مبنيًّا على التعاليم والعقائد التي تسلَّمتها الكنيسة عَبْر تاريخها الطويل من ربِّنا 1- يسوع المسيح مرورًا بالتلاميذ والآباء الرُّسُل إلى انتهاء الدهور ومجيء ربِّنا يسوع المسيح ومُعلِّمنا بولس الرسول يقول لتلميذه تيطس«وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ» (تي 2: 1) لذلك فالذي يُعلِّم يجب أن يُعلِّم تعليمًا صحيحًا ويجب أن تكون الألفاظ والمُصطلحات دقيقة للغاية فالإيمان ليس مُجرَّد معرفة أمور لاهوتيَّة وهناك عبارة لطيفة تقول ”إنه فيما يتجادل دارسو اللَّاهوت في العقائد ويختلفون يتسلَّل البُسطاء إلى الملكوت“. 2- يجب أن يكون الإيمان مرتبطًا بالحياة الطاهرة فالإيمان ليس شكلًا ولكنه فِعْلٌ «أَمَّا الشَّهَوَاتُ الشَّبَابِيَّةُ فَاهْرُبْ مِنْهَا وَاتْبَعِ الْبِرَّ وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالسَّلاَمَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الرَّبَّ مِنْ قَلْب نَقِيٍّ» (2تي 2: 22) وهنا يدعو القدِّيس بولس الرسول الشباب إلى الهروب من الشهوات واتِّباع البر والتقوى فإيمانك يعني حياتك الطاهرة ولتتذكَّر أن جميع الشهداء على مرِّ التاريخ كانوا إمَّا شهداء من أجل الإيمان أو شهداء من أجل العفَّة والأمثلة على ذلك كثيرة في الكتاب المقدَّس وسِيَر القدِّيسين. 3- أن يكون إيمانُكَ مقرونًا بالاهتمام بالآخرين فالإيمان ليس مِلْك الإنسان أي هو بداخله فقط ولكنه يُترجَم إلى اهتمام بالآخرين كما يُعلِّمنا القدِّيس بولس الرسول «الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ» (غل 5: 6) وأيضًا يقول «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ وَلَا سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ» (1تي 5: 8). 4- يجب أن يكون الإيمان بلا رياء كما يقول المَثَل الشعبي ”من برَّه هلَّا هلَّا ومن جُوَّه يعْلَم الله“ بمعنى أن يكون الإنسان له شكل الإيمان وصورة التَّقوى ولكنه من الداخل يُنكر قوَّتها ولا تُوجد قوَّتها فيه وهذا أصعب ما يصل إليه الإنسان لذلك يقول الكتاب «وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ وَضَمِيرٍ صَالِحٍ وَإِيمَانٍ بِلاَ رِيَاءٍ» (1تي 1: 5) ومعلِّمنا يعقوب يقول «لكِنْ يَقُولُ قَائِلٌ أَرِنِي إِيمَانَكَ بِدُونِ أَعْمَالِكَ وَأَنَا أُرِيكَ بِأَعْمَالِي إِيمَانِي» (يع 2: 18) فالأعمال هي التي تكشف قوَّة ونقاوة الإيمان. 5- يجب أن يحفظ المؤمن نفسه من الاشتراك في أعمال الظلمة فالإنسان المؤمن لا يستطيع أن يكذب أو ينظر نظرةً شريرة أو يدخل في صداقة رديئة إلخ «لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟» (2كو 6: 14) صاحب الإيمان القويم لا يشترك في أيِّ أعمال ظُلمة مهما كانت صغيرة لذلك يجب أن تمتحن إيمانك على هذه الصفات الخمس لتَعْلَم ما هو معدن إيمانك؟ وهل هو إيمانٌ صحيح أم ماذا؟ (يتبع) قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
24 يوليو 2026

“لَا تُطْفِئُوا الرُّوحَ”

نتائج انطفاء روح الله: وهنا نتساءل ما هي النتائج المُترتِّبة على انطفاء روح الله داخل الإنسان؟ يوجد ثلاث علامات لشكل الإنسان الذي انطفأ فيه روح الله وهي:- أولًا ظلام العقل:- أحيانًا نتقابل مع شخص يكون ذا عقل مُظلِم وليس هذا معناه إنه إنسانٌ قليل التعليم أو الدراسة بل على العكس قد يكون حاصلًا على أعلى الشهادات العلمية، ومع هذا يكون له هذا العقل المُظلِم وصاحب العقل المُظلِم فاقد القُدرة على التمييز والإفراز فالنار تُعطي نورًا وبانطفاء النار يغيب النور وهكذا بانطفاء الروح القدس في الإنسان يفقد الإنسان استنارة نفسه ويُظْلِم عقله وللقدِّيس يوحنا ذهبي الفم هذه العبارة الجميلة [إنَّ اللصوص عند سلبهم بيتًا ما، فإنهم عندما يدخلونه يُطفئون السِّراج الذي فيه حتى يقدروا أن يُحقِّقوا غايتهم وهكذا فإنَّ عمل الشيطان الرئيسي عند اقتحامه قلب المؤمن هو تحطيم عمل الروح فيه حتى يسلبه كلَّ حياته] وهكذا الشيطان فإنه خلال حربه مع الإنسان يُحطِّم عمل الروح فيه أولًا حتى يستطيع أن يسلبه كلَّ حياته فليس هناك استنارة للروح عندما يبدأ الإنسان في الهبوط من سيِّئ إلى أسوأ وحينئذ يضل العقل ويفسد القلب. ثانيًا الفتور الروحي:- النار كما تُعطي نورًا تُعطي أيضًا حرارة فبانطفاء الروح في المؤمن تقل معه حرارته الروحيَّة فيفتر وهذه حالة من حالات الكسل الروحي ومن الفتور يتطوَّر الأمر إلى برودة روحيَّة والبرودة تتحوَّل إلى غُربة تتحوَّل بدورها إلى حالة من حالات العجز الروحي وهنا تبدأ حرارة الإنسان الروحية في التناقُص تدريجيًّا سواء في وقفة الصلاة أو التسبحة أو الإنجيل أو جلسة الاعتراف أو القدَّاس أو في أيٍّ من وسائط النعمة ويبدأ الإنسان في أن يتذكَّر كيف كانت حرارته الروحية قديمًا وما وصل إليه الآن من عجز روحي لذلك يقول القدِّيس بولس الرسول «حَارِّينَ فِي الرُّوحِ» (رو 12: 11) ويُشبِّه القدِّيس الأنبا أنطونيوس الإنسانَ بالطائر من حيث الدفء فيقول [كما إنه بدون تدفئة البيض لا يخرج الفرخ الحي هكذا أيضًا بالنسبة للنفس إذ يُحيط الله بها عندما تُطيعه فترتفع في حياتها الروحيَّة]. ثالثًا الشعور بالتيه:- أمَّا الصفة الثالثة لنتائج انطفاء الروح فهي شعور الإنسان بالتيه بمعنى أنَّ حياته تكون غير مُنظَّمة أو غير واضحة فينتقل من مشكلةٍ إلى مشكلة ومن حكايةٍ إلى حكاية وإن نصحته بالتَّروِّي يُجيب ويقول لم أنتبه لهذا الأمر أو ذاك وهذا ما يُسمِّيه الآباء بالغفلة بمعنى أنَّ هذا الإنسان لا هو مُستيقظ ولا هو نائم في مسيرة حياته فمثلًا إن بدأ حياة ديريَّة فبعد سنة أو سنتين ينقلب على نفسه وإن بدأ حياة أُسريَّة فبعد سنة أو سنتين ينقلب أيضًا على نفسه وهكذا إن بدأ أي مشروع … إلخ فالإنسان التائه دائمًا ما ينقلب على نفسه لأنه شخصٌ لا يضع خطوات أو منهجًا مُحدَّدًا لحياته بمعنى أنه لا يوجد هدف واضح لحياته ومثل هذا الإنسان يجد في النهاية أنه لا يوجد معنى لحياته وقد يتطوَّر هذا الأمر إلى أن يُنهي مثل هذا الشخص حياته بيده وينتحر. علاج انطفاء الروح: كيف يُشعِل الإنسان في نفسه الحرارة الروحيَّة؟ أو كيف يتجنَّب هذا الضعف الروحي؟ وكيف ينتبه إلى أنَّ نار الروح القدس التي تعمل فيه تكون عاملة ومُتأجِّجة على الدوام؟ وكيف يكون له هذا القلب المُلتهب والذهن المُستنير دائمًا؟ إنَّ علاج انطفاء الروح يتمُّ عن طريق ثلاث نقاط رئيسية هي:- 1 – روح الصلاة:- اعلم أنَّ النار إن لم تجد وقودًا فلا بدَّ أنها ستنطفئ ومن أنواع الوقود التي تُشعِل نار الروح فينا هي الصلاة فأكثر فعل نجده في حياتنا وفي إيماننا هو فعل الصلاة، كما علَّمنا ربنا يسوع المسيح «وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا مَثَلًا فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلَا يُمَلَّ» (لو 18: 1) ففعل الصلاة هو الذي يُشعِل نار الروح فينا وهذا ما يختبره الآباء في الديرففي بداية التسبحة قد يشعر أحدهم بالتعب أو الرغبة في النوم أو أي شكل من أشكال الضعف ثم بعد أن يبدأ في الغوص في أجزاء التسبحة، تبدأ حرارة الروح تدبُّ في جسده وبوصوله إلى نهاية التسبحة يكون قد وصل إلى حالة من النشاط والفرح ويبدأ يومه الجديد وهو يشعر بدفقة من دفقات الروح بداخله لذلك يقول مُعلِّمنا داود النبي «عِنْدَ لَهَجِي اشْتَعَلَتِ النَّارُ تَكَلَّمْتُ بِلِسَانِي» (مز 39: 3) وكلمة ”لهجي“ إشارة إلى الصلاة المُتواترة فأيُّ نارٍ هذه التي يتكلَّم عنها المُرنِّم؟ هذه النار هي الله «لأَنَّ ”إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ“» (عب 12: 29) فطالما الإنسان قريبًا من مسيحه من خلال روح الصلاة فإنَّ عمل الروح يكون دائمًا مُشتعلًا فيه وهُنا تزداد حرارة القلب ويزداد التهاب الروح فكلما تعمَّقت الصلاة داخل القلب كلما ازداد القلب حرارة وللشيخ الروحاني هذه العبارة الجميلة ”بالصلاة تَتَّقِد في النفس نار محبة المسيح“ويصف بعض الآباء الصلاة بهذا الوصف الجميل، فيقولون ”إنَّ الصلاة عِشْقٌ إلهيٌّ“ ويقول الأب ثيئوفان الناسك ”حافظ دائمًا على اشتعال موقِدك الداخلي بتلاوة الصلوات القصيرة ومُراقبة مشاعرك لئلَّا تتبدَّد حرارتها“ومن التقاليد النُّسكيَّة والكنسيَّة الجميلة التي وضعها لنا الآباء الصلاة القصيرة ”يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ“ لأن هذه الصلاة من المُمكن تلاوتها في كلِّ وقت وفي كلِّ مكان وهذا يُساعد الإنسان على ألَّا تبرد حرارته الروحيَّة وأن تصير مشاعره وروحه دائمًا دافئة وحارَّة بعمل الله فيها. 2 – المحبَّة:- المحبَّة تُعطي حرارةً في القلب فالمحبَّة نفسها نار قيل عنها في سِفْر النشيد هذه العبارة الجميلة: «مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ الْمَحَبَّةَ» (نش 8: 7) لأنه حيثما يوجد الحُبُّ الحقيقي يوجد الله يقول القدِّيس بولس الرسول «الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ» (غل 5: 6) بمعنى الإيمان الذي يُترجَم إلى المحبَّة مثل شخص حرارته تكون مُرتفعة فلكي ما نعرف مقدار هذه الحرارة نستعين بجهاز الترمومتر الذي يكشف لنا مقدار هذه الحرارة وبذلك نُعبِّر عن الحرارة بالأرقام 38 أو 39 أو وهكذا نستطيع أن نعرف حالة الشخص وهكذا الإيمان فوسيلة التعبير عنه هي المحبة فالترمومتر الذي يقيس درجة الإيمان هو أعمال المحبة فلا يوجد مقياس للإيمان إلَّا من خلال المحبَّة فالمحبَّة هي التي تجعل حرارة الروح مُشتعلة دائمًا في الإنسان فكما غفر الله لنا نغفر نحن للآخرين وكما صالحنا نتعلَّم أن نتصالح مع الآخرين وكما سامحنا نتسامح مع كلِّ أحد فالإنسان الذي لا يستطيع أن يُسامح يكون الروح بداخله مُنطفئًا ولذلك انتبه أيها الإنسان المُعانِد فإن كنتَ لا تستطيع أن تُسامح أخاك فاعلم أنَّ الروح الذي بداخلك كاد أن ينطفئ فعلينا أن نحبَّ الله، أي أن يكون الله حاضرًا في أذهاننا كلَّ حين فلا ننسى الله حينما نُخطِّط لحياتنا ولا ننسى الله في حلِّ مشاكلنا وفي إبداعاتنا الأمانة في محبة الله هي ألَّا نخون الله فالله يطلب منَّا في محبته أمانة العروس لعريسها وهذا الخيانة تحدث عندما توجد آلهة أُخرى في حياتنا فنسقط في غوايتها ونخضع لها مثل غواية المال وإغراء الشيطان والمحبة أيضًا عطاء وعطاء المحبة بذل فماذا نُعطي الله في محبتنا له وماذا نبذل من أجل الله؟ الله يُريد أن نحبَّه من كلِّ النفس فلا ننسى الله في كلِّ نَفَس نتنفَّسه ونمجِّد الله في كلِّ عملٍ لنا إنَّ محبَّة الله في حياتنا تكون بأن يُستعلَن الرب في كلِّ أعمالنا. 3 – التوبة:- داود النبي عندما وقع في الخطيَّة مع امرأة أوريا الحثِّي وتسبَّب في قتله وأخذ امرأته أرسل الله ناثان النبي له وأعلمه ببشاعة خطيئته فاعترف داود بخطيئته أمام ناثان النبي وقال ”أخطأتُ إلى الربِّ“ ولمَّا أقرَّ بخطيئته قال له ناثان النبي «الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ» (2صم 12: 13) إلَّا أنَّ الأمر لم ينتَهِ عند هذا الحدِّ فداود اكتشف أن هناك مشكلة في قلبه وتغيير قلبه أمرٌ لا يتمُّ هكذا فبدأ يبكي على خطيئته ويطلب رحمة الله وقدَّم مزمور التوبة الذي كشف عن صدق توبته فقال «اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي» (مز 51: 1 – 11) إنَّ الخطيَّة تُطفئ عمل الروح، وبالتوبة يسترجع الإنسان حرارته الروحيَّة وقوَّته وبذلك يمكننا القول إنَّ الندم على الخطيَّة لا يكون بمشاعرنا فقط ولكن بأفعالٍ عمليَّة وروحيَّة لذلك تُصلِّي الكنيسة وتُنادي بالتوبة باستمرار وكأنَّ الكنيسة تُنبِّهنا ألَّا نُطفئ الروح فلا تُطفئ الروح في حياتك ونسمع في نبوَّات الصوم المقدَّس قول الكتاب «وَلكِنِ الآنَ يَقُولُ الرَّبُّ ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ» (يؤ 2: 12) وعندما يتحوَّل الندم إلى صلاة طلبًا للرحمة فإننا نمتلئ طاقةً روحيَّة كبيرة ترفعنا إلى السماء وتُبعدنا عن طريق الخطية فتوبة الإنسان تجعل قلبه دائمًا عامرًا بعمل الروح فلا تنسَ أنَّ نار الروح القدس تُعطيك نورًا في الظلام واستنارة النفس وراحة القلب. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
17 يوليو 2026

“لَا تُطْفِئُوا الرُّوحَ”

«لَا تُطْفِئُوا الرُّوحَ» (1تس 5: 19). الكتاب المقدَّس مملوءٌ برموز عن الروح القدس، فرُمِز إليه مرَّة بالحمامة، ومرَّة بالزيت، وأُخرى بالماء أو النار. وتأمُّل اليوم: «لَا تُطْفِئُوا الرُّوحَ»، المقصود به رمز النار. فالروح القدس يعمل في الكنيسة من خلال المواهب المُتعدِّدة، فهو يمنح مَنْ يخدم في الكنيسة مواهب عديدة، والكتاب تحدَّث عن هذا في مواضع مُختلفة، فهو يعمل في حياة المؤمنين من خلال ثمار الروح القدس، وهذه الثمار مُتاحة للجميع، فينبغي أن تكون شجرة حياتك مُثمرة بهذه الثمار التي ذَكَرَها الكتاب «وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلَامٌ طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلَاحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ» (غل 5: 22 – 23) فالمواهب تُعطَى لتكميل الخدمة ولأجل الخدمة ويُعطيها الله بحسب نِعَمه وبحسب يده الممدودة في حياة الكنيسة وقيادة الكنيسة وقد دخل الروح القدس منذ تأسيس الكنيسة يوم الخمسين بطبيعةٍ نارية إذ حلَّ على التلاميذ كَمِثل ألسنة نار ويُعلِّمنا القدِّيس يوحنا المعمدان قائلًا «أَنَّا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ، وَلكِنْ يَأْتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ» (لو 3: 16) فنوالنا سرَّي المعمودية والميرون وبفعل الروح القدس الذي يعمل فينا يتحوِّل قلب الإنسان إلى نارٍ حارة فالروح القدس أدخل عالمنا الإنساني نارًا تُلْهِب الروح وتُلْهِب الضمير والوجدان وتُشعِل المحبَّة وتُنير البصيرة وعبارة «لَا تُطْفِئُوا الرُّوحَ» المقصود بالروح هنا الروح الذي لله والذي وُلدنا به في المعمودية الولادة الجديدة من الماء والروح وهذا الروح الذي أخذناه أخذناه روحًا متوهِّجًا يعمل فينا فبنوا لنا سرَّي المعمودية والميرون وبفعل الروح القدس الذي يعمل فينا يتحوِّل قلب الإنسان إلى نارٍ حارة قد نسمع هذه العبارة ”فلان حارٌ في الروح“ والعكس صحيح ومن طبيعة النار أنها تُعطي نورًا في الظلام واستنارة في النفس كما إنها تُعطي راحةً ودفئًا للقلب ونُلاحِظ في هذه الكلمات الثلاث تكوين كلمة ”نار“ فإن أخذنا الحرف الأول من الكلمات الثلاث نور واستنارة وراحة نجد أنها تُكوِّن كلمة ”نار“ ومُعلِّمنا بولس الرسول يقول «كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلَهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلَانِ فِي مَعْرِفَتِهِ مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ» (أف 1: 17 – 18) والقدِّيس جيروم شرح هذا الأمر بعبارةٍ بسيطة جدًّا فقال [إنَّ للنار طبيعة مزدوجة تُعطي نورًا وتحرق فإن كنا خُطاةً تحرق خطايانا وإن كنا أبرارًا تُضيء الطريق لنا] إن أردتَ أن تعرف معاني الكلمات الإلهيَّة فاطلب إنارة الروح القدس لذهنك لقد أوضح الربُّ دور الروح القدس في عملية التغيير الجوهري في طبيعة الإنسان فقد قال «جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟» (لو 12: 49) إنَّ نار الروح القدس لا تهدأ حتى تأكل الخطية وتحرقها كما قال إشعياء النبي إنه «رُوح الإِحْرَاقِ» (إش 4: 4) ولكن إذا تُرِكَت الخطية والعداوة لتبيت في القلب انطفأ عمل الروح القدس في الإنسان وبَرَدَت المحبة وأَظْلَمَ الطريق وتاه الإنسان عن مقصده فيسير ولا يعلم إلى أين يسير! إنَّ قوَّة نار الروح القدس التي ألقاها السيِّد المسيح على الأرض نشبت في طبيعة صيَّادي السمك وحوَّلتهم إلى رُسُل وأنبياء ومُبشِّرين أطهار قدِّيسين بلا عيب ولا لوم بقوَّة نار الروح القدس استطاعوا أن ينشروا المسيحيَّة في بقاع كثيرة من العالم فبولس الرسول كان الروح القدس مُشتعلًا فيه فلذا كان يُبشِّر ويكتب يكتب رسائل حتى وهو في السجن والإنسان الذي يعمل فيه روح الله تجده حارًّا في صلاته حارًّا في توبته حارًّا في خدمته بل حرارته وناره تنتقل لمَنْ حوله وللقدِّيس الأنبا أنطونيوس هذه العبارة الجميلة [بسبب هذه النار يشنُّ الشيطان هجماتٍ كثيرة لعلَّه يحرمكم منها، وهو يعرف أنه لا غلبة له عليكم ما دام لكم هذه النار] وهذا يعني أنَّ النار وسيلةٌ دفاعية فطالما قلب الإنسان مُلتهبًا بنار الروح القدس فهو يستطيع أن يطرد الشيطان فالقلب المُلتهب والمُتوهِّج بنار الروح القدس يصدُّ ويطرد دائمًا هجمات الشيطان. أسباب انطفاء الروح: هُنا نسأل: لماذا ينطفئ أحيانًا الروح في الإنسان؟ إنَّ لهذا ثلاثة أسباب وهي: أولًا: محبة الماديَّات: إنَّ الإنسان المادي عندما يُريد أن يُحقِّق ذاته قد يسعى لذلك عن طريق امتلاك بعض الماديَّات مثل جَمْع المال واقتناء الممتلكات أو الشهرة ومحبة الماديَّات في الأصل هي محبة للذات فالماديون يحاولون أن يربحوا العالم حتى ولو خسروا أنفسهم يجمعون المال على حساب سلامتهم الروحية والنفسية ويبنون علاقاتهم على المصالح لا على المحبة ويسعون لتحقيق مكاسب شخصيَّة من وراء علاقاتهم ولأن علاقاتهم قائمةٌ على المكاسب لذلك يكثر بينهم الحسد والخصام والتحزُّب والانشقاق والتعصُّب والذي يُحب الماديَّات هو إنسانٌ أناني أو مادي أو إنسانٌ نرجسي وبتعبير عِلْم النفس هو إنسانٌ مُحِبٌّ لذاته والإنسان النرجسي كما تقول الأساطير اليونانية هو إنسانٌ أحب شكل وجهه فبدأ يذهب إلى النهر ويجلس أمامه أوقاتًا كثيرة لكي ما يرى وجهه على صفحة الماء للدرجة التي بها عشق وجهه فاستمرَّ جالسًا أمام الماء حتى مات وهو على هذه الحال فمثل هذا الإنسان لا يستطيع أن يرى في الوجود غير ذاته فقط فمحبة الماديَّات والمكاسب والمصالح الشخصيَّة تُطفئ نار الروح التي بداخله، وصعبٌ عليه أن يهتمَّ بأبديَّته وحياته مع الله مثال شاول الملك طلب صموئيل النبي من شاول الملك أن يُحارب عماليق كأمر الربِّ ويقضي عليه لأنه شعبٌ شرير فلا يستبقي منهم أحدًا ويقتل كلَّ ما يتعلَّق بهم وبالفعل حارب شاول عماليق وانتصر عليهم وأَسَر أجاج أكبر ملوك عماليق وقتل كلَّ الشعب بحدِّ السيف ولكنه خالف أَمْر الرب بتحريم كلِّ شيء ولم يقتل أجاج كما كان مُتَّبعًا قديمًا لكي ما يفتخر أنه قد أَسَرَ ملكًا عظيمًا كأجاج وأيضًا احتفظ ببعض الغنائم وهذا أيضًا مخالف لوصايا الرب وهذا يُظهِر مدى انشغاله بالماديَّات والممتلكات أكثر من طاعة الله فذهب إليه صموئيل النبي ووبَّخه بسبب غضب الله على أفعاله وقال له هذه العبارة المشهورة «هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَ ذَا الاِسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ» (1صم 15: 22) بمعنى أنَّ الطاعة أفضل من تقديم الذبيحة وعندما أراد صموئيل أن ينصرف من أمام شاول هَمَّ شاول باللِّحاق به مُعتذرًا فجذب صموئيل من الجُبَّة (ردائه الخارجي) فتمزَّق ذيل الرداء فقال له صموئيل «يُمَزِّقُ الرَّبُّ مَمْلَكَةَ إِسْرَائِيلَ عَنْكَ الْيَوْمَ وَيُعْطِيهَا لِصَاحِبِكَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ» (1صم 15: 28) إنَّ الشيطان دائمًا ما يُحاول إغراء البشر بالماديَّات في كلِّ يوم بصورٍ متنوعة لذلك افحص قلبك لئلَّا يكون مُتمسِّكًا بالماديَّات بصورةٍ مُزعجة وهناك مَثَل لاتيني يقول ”الكفن ليس له جيوب“ فالإنسان سيخرج من هذا العالم وليس معه أيُّ شيء كما يقول أيوب «عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ» (أي 1: 21). ثانيًا: الشهوات: هناك بعض الناس لا تلتزم بالقِيَم التي تحكُم غرائزها وتُشبه البهائم في التعبير عن غرائزها فتُسيطر على البعض فمثلًا الشهوات الجسدية تقف على قمتها شهوة الأكل فأكثر الأمراض انتشارًا في العالم الآن هو مرض السّمْنَة فهو يمثِّل 20٪ من سكَّان مصر فهناك مَنْ لا يكفُّ عن التفكير في الطعام طوال الوقت ويقضي أوقاتًا طويلة في الحديث عن الطعام كما يوجد مَنْ يُسرِف في الإنفاق على الطعام وشهوات الجسد كثيرة جدًّا ولها صور عديدة وأحيانًا الشهوة تتحوَّل إلى صورةٍ من صور العنف مثل الشخص البلطجي حيث إنه يفتخر بعمله هذا! وهناك البعض من أجل إشباع شهوتهم الجنسية يتخلَّون عن الكثير من القِيَم في مقابل تحقيق نزواتهم وبالتالي تُضعِف الشهوة إرادتهم فسواء كانت هذه الشهوات جسديَّة أو جنسيَّة أو شهوة طعام أو شهوات لشراء أشياء كثيرة إلخ فكلُّ هذه الشهوات تجعل روح الله العامل في الإنسان ليس مُتوهِّجًا مثال شمشون الجبَّار كان لا مثيل له في القوَّة في زمنه وكان يتباهى ويفتخر بهذه القوَّة كما كان قاضيًا لإسرائيل وكان نذيرًا للربِّ ولكن بسبب الشهوة أذلَّته امرأة خاطئة وهي دليلة فعرفت سرَّ قوَّته وَوَشَتْ به حتى سقط بين أيدي أعدائه «فَقَالَتْ دَلِيلَةُ لِشَمْشُونَ ”أَخْبِرْنِي بِمَاذَا قُوَّتُكَ الْعَظِيمَةُ؟ وَبِمَاذَا تُوثَقُ لإِذْلَالِكَ؟“» (قض 16: 6) وكانت النتيجة أنه فَقَدَ نذره والربُّ تركه. ثالثًا: الفلسفات المُجرَّدة: إنَّ كلمة ”فلسفة“ لها معنى جميل جدًّا وهو ”محبة الحكمة“ وهذا شيءٌ رائعٌ ولكن توجد طائفة من الفلاسفة لهم فلسفات مُجرَّدة تصل بالإنسان إلى إنكار وجود الله والإلحاد وأحيانًا تصل به إلى الأفكار الشَّاذة على سبيل المثال عاشت البشرية منذ أن خلقها الله في أيام آدم وحواء لا تعرف إلَّا شكلًا واحدًا للزواج هو الزواج بين رَجُلٍ وامرأة أمَّا الآن فبدأت تظهر صيحة جديدة وهي الزواج المِثْلي وبدأ يحدث نوعٌ من الضغط على بعض الحكومات للاعتراف بهذا الزواج وللأسف أَخَذَ هؤلاء الشَّواذ علامة ”قوس قزح“ التي هي علامة مُقدَّسة أوجدها الله في الكتاب المقدَّس واعتبروها عَلَم الزواج المِثْلي أو رمز الشواذ ولا نعلم كيف استطاعوا أن يصلوا إلى هذا الفكر الغريب! وهذا هو أحد أنواع الفلسفات التي تُطفئ الروح. ولكن توجد أيضًا فلسفات روحيَّة عميقة، فمثلًا نُطلِق على القدِّيس بولس الرسول أنه أحد الفلاسفة الروحانيين أو فيلسوف المسيحيَّة ولكم أن تتخيَّلوا كيف سيصير العالم إن أصبح فيه هذا النوع من الزواج المِثْلي؟ فظهور مثل هذه الفلسفات والمذاهب وبعض الموضات الحديثة التي أصبحت تظهر الآن كثيرًا هي التي تُطفئ روح الله. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل