«لَا تُطْفِئُوا الرُّوحَ» (1تس 5: 19). الكتاب المقدَّس مملوءٌ برموز عن الروح القدس، فرُمِز إليه مرَّة بالحمامة، ومرَّة بالزيت، وأُخرى بالماء أو النار. وتأمُّل اليوم: «لَا تُطْفِئُوا الرُّوحَ»، المقصود به رمز النار. فالروح القدس يعمل في الكنيسة من خلال المواهب المُتعدِّدة، فهو يمنح مَنْ يخدم في الكنيسة مواهب عديدة، والكتاب تحدَّث عن هذا في مواضع مُختلفة، فهو يعمل في حياة المؤمنين من خلال ثمار الروح القدس، وهذه الثمار مُتاحة للجميع، فينبغي أن تكون شجرة حياتك مُثمرة بهذه الثمار التي ذَكَرَها الكتاب «وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلَامٌ طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلَاحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ» (غل 5: 22 – 23) فالمواهب تُعطَى لتكميل الخدمة ولأجل الخدمة ويُعطيها الله بحسب نِعَمه وبحسب يده الممدودة في حياة الكنيسة وقيادة الكنيسة وقد دخل الروح القدس منذ تأسيس الكنيسة يوم الخمسين بطبيعةٍ نارية إذ حلَّ على التلاميذ كَمِثل ألسنة نار ويُعلِّمنا القدِّيس يوحنا المعمدان قائلًا «أَنَّا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ، وَلكِنْ يَأْتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ» (لو 3: 16) فنوالنا سرَّي المعمودية والميرون وبفعل الروح القدس الذي يعمل فينا يتحوِّل قلب الإنسان إلى نارٍ حارة فالروح القدس أدخل عالمنا الإنساني نارًا تُلْهِب الروح وتُلْهِب الضمير والوجدان وتُشعِل المحبَّة وتُنير البصيرة وعبارة «لَا تُطْفِئُوا الرُّوحَ» المقصود بالروح هنا الروح الذي لله والذي وُلدنا به في المعمودية الولادة الجديدة من الماء والروح وهذا الروح الذي أخذناه أخذناه روحًا متوهِّجًا يعمل فينا فبنوا لنا سرَّي المعمودية والميرون وبفعل الروح القدس الذي يعمل فينا يتحوِّل قلب الإنسان إلى نارٍ حارة قد نسمع هذه العبارة ”فلان حارٌ في الروح“ والعكس صحيح ومن طبيعة النار أنها تُعطي نورًا في الظلام واستنارة في النفس كما إنها تُعطي راحةً ودفئًا للقلب ونُلاحِظ في هذه الكلمات الثلاث تكوين كلمة ”نار“ فإن أخذنا الحرف الأول من الكلمات الثلاث نور واستنارة وراحة نجد أنها تُكوِّن كلمة ”نار“ ومُعلِّمنا بولس الرسول يقول «كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلَهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلَانِ فِي مَعْرِفَتِهِ مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ» (أف 1: 17 – 18) والقدِّيس جيروم شرح هذا الأمر بعبارةٍ بسيطة جدًّا فقال [إنَّ للنار طبيعة مزدوجة تُعطي نورًا وتحرق فإن كنا خُطاةً تحرق خطايانا وإن كنا أبرارًا تُضيء الطريق لنا] إن أردتَ أن تعرف معاني الكلمات الإلهيَّة فاطلب إنارة الروح القدس لذهنك لقد أوضح الربُّ دور الروح القدس في عملية التغيير الجوهري في طبيعة الإنسان فقد قال «جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟» (لو 12: 49) إنَّ نار الروح القدس لا تهدأ حتى تأكل الخطية وتحرقها كما قال إشعياء النبي إنه «رُوح الإِحْرَاقِ» (إش 4: 4) ولكن إذا تُرِكَت الخطية والعداوة لتبيت في القلب انطفأ عمل الروح القدس في الإنسان وبَرَدَت المحبة وأَظْلَمَ الطريق وتاه الإنسان عن مقصده فيسير ولا يعلم إلى أين يسير!
إنَّ قوَّة نار الروح القدس التي ألقاها السيِّد المسيح على الأرض نشبت في طبيعة صيَّادي السمك وحوَّلتهم إلى رُسُل وأنبياء ومُبشِّرين أطهار قدِّيسين بلا عيب ولا لوم بقوَّة نار الروح القدس استطاعوا أن ينشروا المسيحيَّة في بقاع كثيرة من العالم فبولس الرسول كان الروح القدس مُشتعلًا فيه فلذا كان يُبشِّر ويكتب يكتب رسائل حتى وهو في السجن والإنسان الذي يعمل فيه روح الله تجده حارًّا في صلاته حارًّا في توبته حارًّا في خدمته بل حرارته وناره تنتقل لمَنْ حوله وللقدِّيس الأنبا أنطونيوس هذه العبارة الجميلة [بسبب هذه النار يشنُّ الشيطان هجماتٍ كثيرة لعلَّه يحرمكم منها، وهو يعرف أنه لا غلبة له عليكم ما دام لكم هذه النار] وهذا يعني أنَّ النار وسيلةٌ دفاعية فطالما قلب الإنسان مُلتهبًا بنار الروح القدس فهو يستطيع أن يطرد الشيطان فالقلب المُلتهب والمُتوهِّج بنار الروح القدس يصدُّ ويطرد دائمًا هجمات الشيطان.
أسباب انطفاء الروح:
هُنا نسأل: لماذا ينطفئ أحيانًا الروح في الإنسان؟
إنَّ لهذا ثلاثة أسباب وهي:
أولًا: محبة الماديَّات:
إنَّ الإنسان المادي عندما يُريد أن يُحقِّق ذاته قد يسعى لذلك عن طريق امتلاك بعض الماديَّات مثل جَمْع المال واقتناء الممتلكات أو الشهرة ومحبة الماديَّات في الأصل هي محبة للذات فالماديون يحاولون أن يربحوا العالم حتى ولو خسروا أنفسهم يجمعون المال على حساب سلامتهم الروحية والنفسية ويبنون علاقاتهم على المصالح لا على المحبة ويسعون لتحقيق مكاسب شخصيَّة من وراء علاقاتهم ولأن علاقاتهم قائمةٌ على المكاسب لذلك يكثر بينهم الحسد والخصام والتحزُّب والانشقاق والتعصُّب والذي يُحب الماديَّات هو إنسانٌ أناني أو مادي أو إنسانٌ نرجسي وبتعبير عِلْم النفس هو إنسانٌ مُحِبٌّ لذاته والإنسان النرجسي كما تقول الأساطير اليونانية هو إنسانٌ أحب شكل وجهه فبدأ يذهب إلى النهر ويجلس أمامه أوقاتًا كثيرة لكي ما يرى وجهه على صفحة الماء للدرجة التي بها عشق وجهه فاستمرَّ جالسًا أمام الماء حتى مات وهو على هذه الحال فمثل هذا الإنسان لا يستطيع أن يرى في الوجود غير ذاته فقط فمحبة الماديَّات والمكاسب والمصالح الشخصيَّة تُطفئ نار الروح التي بداخله، وصعبٌ عليه أن يهتمَّ بأبديَّته وحياته مع الله مثال شاول الملك طلب صموئيل النبي من شاول الملك أن يُحارب عماليق كأمر الربِّ ويقضي عليه لأنه شعبٌ شرير فلا يستبقي منهم أحدًا ويقتل كلَّ ما يتعلَّق بهم وبالفعل حارب شاول عماليق وانتصر عليهم وأَسَر أجاج أكبر ملوك عماليق وقتل كلَّ الشعب بحدِّ السيف ولكنه خالف أَمْر الرب بتحريم كلِّ شيء ولم يقتل أجاج كما كان مُتَّبعًا قديمًا لكي ما يفتخر أنه قد أَسَرَ ملكًا عظيمًا كأجاج وأيضًا احتفظ ببعض الغنائم وهذا أيضًا مخالف لوصايا الرب وهذا يُظهِر مدى انشغاله بالماديَّات والممتلكات أكثر من طاعة الله فذهب إليه صموئيل النبي ووبَّخه بسبب غضب الله على أفعاله وقال له هذه العبارة المشهورة «هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَ ذَا الاِسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ» (1صم 15: 22) بمعنى أنَّ الطاعة أفضل من تقديم الذبيحة وعندما أراد صموئيل أن ينصرف من أمام شاول هَمَّ شاول باللِّحاق به مُعتذرًا فجذب صموئيل من الجُبَّة (ردائه الخارجي) فتمزَّق ذيل الرداء فقال له صموئيل «يُمَزِّقُ الرَّبُّ مَمْلَكَةَ إِسْرَائِيلَ عَنْكَ الْيَوْمَ وَيُعْطِيهَا لِصَاحِبِكَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ» (1صم 15: 28) إنَّ الشيطان دائمًا ما يُحاول إغراء البشر بالماديَّات في كلِّ يوم بصورٍ متنوعة لذلك افحص قلبك لئلَّا يكون مُتمسِّكًا بالماديَّات بصورةٍ مُزعجة وهناك مَثَل لاتيني يقول ”الكفن ليس له جيوب“ فالإنسان سيخرج من هذا العالم وليس معه أيُّ شيء كما يقول أيوب «عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ» (أي 1: 21).
ثانيًا: الشهوات:
هناك بعض الناس لا تلتزم بالقِيَم التي تحكُم غرائزها وتُشبه البهائم في التعبير عن غرائزها فتُسيطر على البعض فمثلًا الشهوات الجسدية تقف على قمتها شهوة الأكل فأكثر الأمراض انتشارًا في العالم الآن هو مرض السّمْنَة فهو يمثِّل 20٪ من سكَّان مصر فهناك مَنْ لا يكفُّ عن التفكير في الطعام طوال الوقت ويقضي أوقاتًا طويلة في الحديث عن الطعام كما يوجد مَنْ يُسرِف في الإنفاق على الطعام وشهوات الجسد كثيرة جدًّا ولها صور عديدة وأحيانًا الشهوة تتحوَّل إلى صورةٍ من صور العنف مثل الشخص البلطجي حيث إنه يفتخر بعمله هذا!
وهناك البعض من أجل إشباع شهوتهم الجنسية يتخلَّون عن الكثير من القِيَم في مقابل تحقيق نزواتهم وبالتالي تُضعِف الشهوة إرادتهم فسواء كانت هذه الشهوات جسديَّة أو جنسيَّة أو شهوة طعام أو شهوات لشراء أشياء كثيرة إلخ فكلُّ هذه الشهوات تجعل روح الله العامل في الإنسان ليس مُتوهِّجًا مثال شمشون الجبَّار كان لا مثيل له في القوَّة في زمنه وكان يتباهى ويفتخر بهذه القوَّة كما كان قاضيًا لإسرائيل وكان نذيرًا للربِّ ولكن بسبب الشهوة أذلَّته امرأة خاطئة وهي دليلة فعرفت سرَّ قوَّته وَوَشَتْ به حتى سقط بين أيدي أعدائه «فَقَالَتْ دَلِيلَةُ لِشَمْشُونَ ”أَخْبِرْنِي بِمَاذَا قُوَّتُكَ الْعَظِيمَةُ؟ وَبِمَاذَا تُوثَقُ لإِذْلَالِكَ؟“» (قض 16: 6) وكانت النتيجة أنه فَقَدَ نذره والربُّ تركه.
ثالثًا: الفلسفات المُجرَّدة:
إنَّ كلمة ”فلسفة“ لها معنى جميل جدًّا وهو ”محبة الحكمة“ وهذا شيءٌ رائعٌ ولكن توجد طائفة من الفلاسفة لهم فلسفات مُجرَّدة تصل بالإنسان إلى إنكار وجود الله والإلحاد وأحيانًا تصل به إلى الأفكار الشَّاذة على سبيل المثال عاشت البشرية منذ أن خلقها الله في أيام آدم وحواء لا تعرف إلَّا شكلًا واحدًا للزواج هو الزواج بين رَجُلٍ وامرأة أمَّا الآن فبدأت تظهر صيحة جديدة وهي الزواج المِثْلي وبدأ يحدث نوعٌ من الضغط على بعض الحكومات للاعتراف بهذا الزواج وللأسف أَخَذَ هؤلاء الشَّواذ علامة ”قوس قزح“ التي هي علامة مُقدَّسة أوجدها الله في الكتاب المقدَّس واعتبروها عَلَم الزواج المِثْلي أو رمز الشواذ ولا نعلم كيف استطاعوا أن يصلوا إلى هذا الفكر الغريب! وهذا هو أحد أنواع الفلسفات التي تُطفئ الروح. ولكن توجد أيضًا فلسفات روحيَّة عميقة، فمثلًا نُطلِق على القدِّيس بولس الرسول أنه أحد الفلاسفة الروحانيين أو فيلسوف المسيحيَّة ولكم أن تتخيَّلوا كيف سيصير العالم إن أصبح فيه هذا النوع من الزواج المِثْلي؟ فظهور مثل هذه الفلسفات والمذاهب وبعض الموضات الحديثة التي أصبحت تظهر الآن كثيرًا هي التي تُطفئ روح الله.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد