نقرأ لأجل تعليمنا المزمور رقم 42 "كَمَا يَشْتَاقُ ٱلْإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ ٱلْمِيَاهِ، هَكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا ٱللهُ. عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى ٱللهِ، إِلَى ٱلْإِلَهِ ٱلْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ ٱللهِ؟ صَارَتْ لِي دُمُوعِي خُبْزًا نَهَارًا وَلَيْلًا إِذْ قِيلَ لِي كُلَّ يَوْمٍ: ” أَيْنَ إِلَهُكَ؟ ” . هَذِهِ أَذْكُرُهَا فَأَسْكُبُ نَفْسِي عَلَيَّ: لِأَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ مَعَ ٱلْجُمَّاعِ، أَتَدَرَّجُ مَعَهُمْ إِلَى بَيْتِ ٱللهِ بِصَوْتِ تَرَنُّمٍ وَحَمْدٍ، جُمْهُورٌ مُعَيِّدٌ. لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟ وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ ٱرْتَجِي ٱللهَ، لِأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ، لِأَجْلِ خَلَاصِ وَجْهِهِ. يَا إِلَهِي، نَفْسِي مُنْحَنِيَةٌ فِيَّ، لِذَلِكَ أَذْكُرُكَ مِنْ أَرْضِ ٱلْأُرْدُنِّ وَجِبَالِ حَرْمُونَ، مِنْ جَبَلِ مِصْعَرَ. غَمْرٌ يُنَادِي غَمْرًا عِنْدَ صَوْتِ مَيَازِيبِكَ. كُلُّ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ طَمَتْ عَلَيَّ. بِٱلنَّهَارِ يُوصِي ٱلرَّبُّ رَحْمَتَهُ، وَبِاللَّيْلِ تَسْبِيحُهُ عِنْدِي صَلَاةٌ لِإِلَهِ حَيَاتِي. أَقُولُ لِلهِ صَخْرَتِي: ” لِمَاذَا نَسِيتَنِي؟ لِمَاذَا أَذْهَبُ حَزِينًا مِنْ مُضَايَقَةِ ٱلْعَدُوِّ؟ ” . بِسَحْقٍ فِي عِظَامِي عَيَّرَنِي مُضَايِقِيَّ، بِقَوْلِهِمْ لِي كُلَّ يَوْمٍ: ” أَيْنَ إِلَهُكَ؟ ” . لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟ وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ تَرَجَّيِ ٱللهَ، لِأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ، خَلَاصَ وَجْهِي وَإِلَهِي" لإلهنا المجد الدائم الى الأبد . آمين
نتحدث اليوم عن الخبزة الثانية وهى الصلاة التي هي لقاء حب ، أو لقاء محبة والمزمور السابق يتكلم عن النفس المشتاقة للوجود مع الله ، والقصيدة الموجودة في هذا المزمور هي من أشهر القصائد الروحية الموجودة في سفر المزامير وتكشف عن النفس التي تعيش شكل من أشكال المرارة لأى سبب ولكنه يترجى وجه الله ، وهذا المزمور نجد أنه ملئ بروح الرجاء وهى الروح الرئيسية في حياة الصلاة فالصلاة في مفهومها الروحي مثلما علمنا الاباء أنها في الاساس لقاء حب بين الله والانسان ، وهذا اللقاء هو لقاء طوعي واختياري ليس فرضاً وليس واجباً وليس من المحتم أن تصنعه ولكنه لقاء حب ونجد أن لقاء الصلاة له الصفات الاتية
1- التحرر من كل شيء
أي أنك عندما تدخل الى الحضرة الإلهية ينبغي أن تنفصل عن أي شيء ، وهذا التحرر ليس بالبسيط فهو عملية بها جهد ودائما الاباء يوصونا أننا لابد قبل الدخول الى الصلاة أننا لابد أن نستعد للصلاة سواء بترنيمة أو لحن ، فيبدأ بالانسحاب بمشاعره من الخارج ويستعد الى جو الصلاة وهذا هو التحرر
2- هذا اللقاء مواجهه
وهذه المواجهة الصغيرة في الصلاة يستعد بها لكى يقف بها في المواجهة الكبيرة يوم الدينونة وكأننا في كل مرة نقف نتحرر من كل انشغال ونقف نتواجه أمام الله وبالتدريج يستعد بهذه المواجهة والوقوف أمام الله يوم الدينونة ، لذلك يسمون الصلاة إنها المقابلة الحية فمها كانت تعبير أو شكل الصلاة فالله يسمع ، يقول القديس مار اسحق ” جاهد أن تدخل حجرتك الداخلية وسوف ترى حجرة السماء ” في الملكوت
هذا اللقاء له أبعاد وطبيعة
أول بعد : أننا في الصلاة أعبر عن مقدار محبتي لله الذى سبق وأحبني ، القلب الذى يتجدد بنعمة الصلاة على الدوام يمتلئ بالمحبة تجاه الله ويصل الانسان الى العشق الروحي والحب الذى نمارسه في الصلاة أو نعبر عنه أحياناً يأخذ صورة الحوار او نعبر عنه بصورة الكلام أو المناجاة أو التسبيح أو صورة الصمت ولكن المهم أنك في الصلاة أنك تقدم عنوان لحبك لشخص المسيح ولعمله ولفدائه وهذا لحب يحتاج الى وقت ، فالحب بدون وقت ليس له معنى لذا يقال ” في ملئ الزمان “
أتذكر قصه عن فلاح كان في قرية بجوارها دير وكان هذا الفلاح يذهب الى الدير كل يوم صباح ويدخل ليجلس في أول مكان وكنيسة الدير فارغه ثم يذهب ، مما ادهش الرهبان ورئيس الدير ، فراقبه رئيس الدير فوجد أن هذا الشخص عندما يجلس في الكنيسة أن ايقونة المسيح في حامل الايقونات تبتسم ، فعرف أن هناك سر فسأل هذا الفلاح لكى يعلم السر فأجابه الفلاح وقال ” أنا أدخل الى الكنيس وأجلس أتطلع اليه وهو يتطلع الىً وطلانا سعداء معاً ” فمجرد الوجود في الحضرة الاليه يجعلنا سعداء
البعد الثاني : أنها تذكار دائم
فلا يغيب عن الانسان وعن قلبه ذكر اسم الله ن فوجودك في الحضرة الالهية يجعلك منشغل بالله وهذه حالة من حالات الدهش وكأنه مسبي وكأن الانسان يريد أن يعرف ويعيش في هذه الحضرة الالهية بكل كيانه وكأن الانسان يفتح قلبه أمام الله ويقوله أفتح قلبي بمحبتك ويبدأ الانسان يشعر كم هو محبوب من الله ن وهذا هو التذكار الدائم
أما البعد الثالث : تطابق المشيئة
فآخذ إرادتي ورغبتي وما اشتهيه وما أفكر فيه وما أنشغل به وأضعه في يد الله واقول لله من فضلك افرز كل ما في وأنزع منى ما لا يتطابق ما مشيئته ، لذا يقال أن الحياه والصلاة متداخلتان ، وأطلب دائماً من الله أن تسمع صوته وتعرف مشيئته ، كما نصلى جميعاً في الصلاة الربانية ونقول ” لتكن مشيئتك ” فقد تكون كلمة عابره ولكن إننا نقولها بمشاعرنا فهذا بعد من الصلاة ، لذا يقال عن الانسان الروحي أنه إنسان الصلاة فلا يمكن أن تعرف مسيحك إلا من خلال صلواتك وأحيانا الشبع من الصلاة يأخذ ملمح جسدي أي أن الانسان من فرحه الروحي يشعر بالشبع الجسدي فيقال ” دوام النعمة من دوام الصلاة “
فما هي طبيعة جو الصلاة لكى تكون بالحقيقة حالة من الحب
أهم شيء هو حالة الصمت التي يعيشها الانسان ، مثل الصمت المادي للصوت المحيط أو الصمت المادي للكلام مع الناس أو الصمت بعدم الاستعجال ، ولذلك لابد أن تفرغ عقلك قبل أن تبدأ صلاتك
الامر الثاني في طبيعة الصلاة : أنها تستدعى كل احترام
فالصلاة تستدعى الخشوع القل المنحنى والملي ورع فأنت موجود في الحضرة الالهية وفى نفس لوقت أنت تحتاج الى الثقة والايمان أن هناك مسيحك الذى يسمعك وأنه لا يسمع صوتك فقط وإنما يسمع مشاعرك ويراها حتى نبضات قلبك مثلما نقول ” تلذذ بالرب فيعطيك سؤل قلبك فالله يسمع ويستجيب ولا تضيع صلاة أبداً مهما كانت قصيرة ومهما كانت صامته ومهما كان شكلها فهي لا تضيع أبداً
الامر الثالث في طبيعة الصلاة :أنه يحتاج لحراره
وكل هذا يحتاج في الاصل في حياة التوبة لأن الانسان لابد أن ينقى قلبه قبل الوقوف أمام الله ، فربما دقائق قليله بحرارة روحية ربما أمام الله اثمن بكثير من وقفات طويلة جداً بدون حرارة فالله لا ينظر الى القليل الذى نقدمه ، بل ينظر الى المشاعر التي تحركنا ” ( القديس اغريغوريوس )
الامر الاخير هو نتائج لقاء الصلاة الحقيقية
أولا : أن الانسان تنفتح أعينه على عيوبه ، فالله يظهر للإنسان ضعفاته بدوام بالحضرة الالهية ، وهذه العيوب نراها بروح الرجاء مثلما يقول المزمور ” ترجى الله ” ويبدأ الانسان عندما يكتشف هذه العيوب أن يتقد الى توبة ويحنن قلب الله وكأنه يقول الصلاة القصيرة ” يا رب يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ ” ، فأحيانا تمر علينا خطايا دون أن نشعر بها مثل ( قلة المحبة ) مثل القول لملاك كنيسة أفسس ” عندي عليك أن تركت محبتك الاولى ” ففي الصلاة نجد أن الانسان يرى ضعفاته وهنا لا يمكن أن تكبر الانسان على آخر فكلما شعر الانسان بهذا الضعف في داخله فكلما أتضع فلا يتجبر بأي صورة من الصور مع إنسان آخر ، لذا يقول القديس مار اسحق ” أعطى نفسك للصلاة ، أسكب كليتك في الصلاة وأنت تحصل على لذه الصلاة ” فإن عشت الصلاة الحقيقة حتماً سوف تشعر بالشبع
الامر الثاني : أن يحدث عند الانسان في وقفته أمام الله نوع من الاستبدال فيعطى الانسان مثله حزنه لله ويأخذ من الله الفرح أو يعطى الله الضعف ويأخذ القوه أو يعطى الإنسان لله الكبرياء ويأخذ الاتضاع وتحدث هذه العملية التبادلية الجميلة فيخرج الانسان بلا حزن أو يأس أو ضعف من شكل الصلاة ويمتلئ فرح وشكراً ، وعمليه الاستبدال التي نتكلم عنها هي بمثابه عمليات تغيير العملة ، مثل قول المزمور أنى أجئ اليك يا رب واطرح نفسي المنحنية ويقول ” بالنهار يوصي الرب رحمته وبالليل تسبيحه عندي صلاة لإله حياتي ، فلك ان تتصور نهار الانسان المصلى وليله ، فالنهار ممتلئ من رحمة الله وليله ممتلئ من الصلاة والتسبيح فما أجمل هذا الارتباط الذى يجعل النفش شبعانة على الدوام
الامر الثالث : أنى في كل مرة في الصلاة أستعد لمجيء ربنا يسوع المسيح ، وكأنه تدريب على يوم الدينونة وأنا منتظر مجيء الرب يسوع ، ففي العذراء الحكيمات والجاهلات في صلاة نصف الليل لكى نتذكر دائماً أنهم كانوا في حالة استعداد ، أما الجاهلات فأضاعوا أعمارهم وأزمانهم وفقدوا روح الاستعداد ويقول عنهم الكتاب انهم من الجاهلات وكأن الانسان المصلى بصلاته يصير من الحكيمات والذى يهمل الصلاة يصير في صفوف الجاهلات لذا لابد أن يقف الانسان أمام الله ويقول له يا رب أريد أن أكون من الحكيمات ، ومهما كانت الصلوات التي يقدمها الانسان لله حتى وإن كانت في القلب ولم تخرج بعد على فم الانسان المهم أن تجعل هذه الخبزة الثانية ( الصلاة ) مثل لقاء حب تقدمه للرب يسوع لكى يقودك في حياتك ويدبر كل حياتك صغيرها وكبيرها وتحس إحساس الطفل الصغير الذى يلهو وهو في يد أبيه ويشعر الانسان ان الله يبادله هذه المشاعر وربما تتذكر وأنت تصلى في يوم من الايام عندما قال ايوب الصديق في نهاية اختباره ” بسمع الاذن سمعت عنك والان رأتك عيناي ” فلابد لك بعينين قلبك أن ترى وجه مسيحك وتشبع بالحقيقة ، لذلك لما تقرأ في سير القديسين وترى إنهم يصومون بالأيام الكثيرة فنجد أن هذا بسبب أن الصلاة في حياته لها فعل الشبع فأجتهد أن تتناول هذه الخبرة باستمرار وأن تعيشها ، أريدك أن تقرأ المزمور 42 وفى عدد 2 يقول ” عطشت نفسي اليك يا الله ” وأجعله روح الصلاة متى أجئ وأتراءي امام الله ، فالإنسان طول اليوم في ممارسات حياته وينتظر بفارغ الصبر وقوفه أمام الله ( وقفة الصلاة ) وان كنت أهملت في صلاتك أو جزء من صلواتك أو ليس لك تدبير في حياتك الروحية ، فلابد أن تبدأ بداية جديدة مع بداية العام الجديد وحاول أن تتقدم فيها يعطيننا مسيحنا أن تكون حياتنا مرضية أمامه ، لألهنا كل مجد وكرامة من الان والى الابد
قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد