فعل "يتأنى" هو أحد الأفعال الإنسانية الراقية فطول الأناة تعني طول الروح أو طول البال وسعة الصدر والصبر والإنسان طويل الأناة لا يتضايق بسرعة ولا ييأس بسرعة ويفشل ولا يفقد الأمل مع الناس.
طول الأناة تعني: ضبط النفس حتى لا يُسرع الإنسان إلى مقابلة الخطأ بالخطا، فلا يقابل الغضب بالغضب أو بالانتقام وهذا الفعل الإنساني يتعلمه الإنسان من الطبيعة قبل أن يتعلمه من الله، ومن قصة علاقة الله بالبشرية كلها إن الله هو صاحب طول الأناة الأول، وصاحب سعة الصدر وضبط النفس وقد علمنا هذا من خلال أمثلة عديدة في الكتاب المقدس، فيقول: «الرَّبُّ طَوِيلُ الرُّوحِ كَثِيرُ الإحسان» (عد ١٤: ١٨) ليتعلم الإنسان طول الأناة من طول أناة الله مع البشر؛ مثلما أظهر طول أناته مع: اليهود، وشعب نينوى، وفرعون مصر وشاول الطرسوسي، وغيرهم يقول القديس مقاريوس الكبير : طول الروح هو الصبر، والصبر هو الغلبة" يقول القديس يوحنا الأسيوطي: "الذي ليس له طول روح، يتضايق".
بركات طول الأناة:
طول الأناة تجعل الإنسان يقتني ثمارًا كثيرة، ويكسب الآخرين، وأيضا يقتني بعض الفضائل الروحية في حياته.
(۱) بطول الأناة نجني الثمار
كما في مثل التينة غير المثمرة (لوقا ۱۳ : ۸) إن العلماء الذين يحصدون الجوائز العالمية على اختراع ما أو على اكتشاف، لم يصلوا إلى ذلك من فراغ بل صبروا سنوات في تجارب بطول أناة، قد تصل لعشرات ومئات المرات حتى يصلوا إلى المطلوب الأثرياء والأغنياء والشرفاء لم يصلوا إلى ثرواتهم هذه إلا بعد سنوات من العمل الشاق ويطول أناة وإصرار حتى يصلوا إلى مكانتهم هذه القادة وأصحاب الشهادات العلمية، لم يحصلوا عليها إلا بعد طول أناة من الدراسة والبحث على مدى سنوات طويلة.
(۲) بطول الأناة نكسب الآخرين
يقول الكتاب: «فأطلب إلَيْكُم، أنا الأسير في الرب أن تسلُكُوا كَمَا يَحِقُ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا بِكُلِّ تَوَاضُع، وَوَدَاعَةٍ، وبطول أناةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ» (أَف ٢٠١٤). فالكتاب يدعونا كل يوم أن نسلك بكل تواضع ووداعة وطول أناة. وتلاحظ هنا أن الفضائل تكون متداخلة ولا يمكن فصلها يقول القديس برصنوفيوس هذا القول الجميل: "إن لم يكن الإنسان صبورا، فلن يستطيع أن يعيش مع الناس في سلام".
مثال على ذلك: داود مع شاول، والغيرة والعداوة التي نشأت بينهما:
فداود مردم إسرائيل الحلو، كان رجلا قلبه حسب قلب الله كما يقول الكتاب: «وجدت داود بن نيتى رَجُلًا حَسَب قلبي (أع ۱۳ :۲۲). لذلك عندما أتيحت له فرصة التخلص من شاول (الملك) وقتله، رفض، لأنه بحق رجل الله فقام بتوبيخ رجاله وقال لهم: «حاشا لي مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ أَنْ أَعْمَلَ هذا الأمر بسيدي، بمسيح الرَّبِّ، فَأَمدَّ يَدِي إِلَيْهِ، لأَنَّهُ مَسِيحُ الرَّبِّ هو» (١صم ٢٤: ٦) ، ثم قام بقطع جزء من رداء شاول الخارجي (جبته)، وذلك لكي يثبت له أنه كان في يده، وكان في استطاعته أن يقتله، ولكنه لم يمد يده بالسوء إليه وهنا رفع شاول صوته وبكي وقال لداود: «أنت أبر مِنِّي، لأَنَّكَ جَازَيْتَنِي خَيْرًا وَأَنَا جازيتك شراء (١ صم ١٧:٢٤).
(۳) بطول الأناة نقتني الفضائل
جميع الفضائل يمكن أن نقتنيها بطول الروح، فالأمر يحتاج إلى جهاد وصبر.
مثال: الأم سارة:
قيل عنها إنها مكثت ثلاث عشرة سنة تقاتل قتالا شديدًا من شيطان الزنا، وبطول الأناة انتصرت عليه لتنال فضيلة الطهارة، حتى أنها صعدت مرة للسطح لتصلي، فرأت روح الزنا متجسمًا، وقال لها: "لقد غلبتني يا سارة". فأجابته: "إني لم أغلبك، لكنه سيدي يسوع المسيح". فانصرف عنها القتال بطول الأناة، وبمعونة السيد المسيح، انتصرت الأم سارة على قتال الزنا، لتنال الطهارة.
(٤) بطول الأناة نهزم الشياطين :
طول الأناة تجعلنا تقابل غلطات وإساءات الآخرين، لا بروح التشفي والانتقام، بل بالعطف.
وهناك قصة مشهورة من قصص آباء البرية عن أب ناسك جاءه الشيطان في أحد الأيام وقال له: "افرح واسترح ، لقد علمت اليوم أنه ما زال أمامك على الأرض خمسين عاما !! فرد عليه هذا الناسك الحكيم قائلا: "حسنا، سأضاعف جهادي من اليوم، لأني كنت أظن أنه أمامي مائة عام، فخزي الشيطان وهرب.
(٥) بطول الأناة تعالج التسرع والاندفاع :
خطية الاندفاع والتسرع أصبحت منتشرة كثيرًا في عالمنا الآن. فقد أصبحنا في عالم السرعة، وذلك بسبب الأجهزة الحديثة الموجودة في أيدينا فهناك مرض يسمي NOWNESS، بمعني أن الإنسان يريد أن يتحقق له كل شيء فوزاء لكن طول أناة الإنسان تحفظه من الاندفاع في تصرف ما، قد يندم عليه فيما بعد. وهكذا الطالب إن تسرع أثناء أدائه الامتحان، فإن هذا قد يتسبب له في نقل رقم خطأ، أو نسيان خطوة معينة أثناء الإجابة على الأسئلة إذن، طول الأناة هي أفضل علاج لمن يتميز بالتسرع والاندفاع في العمل، وإبداء الرأي والحكم على الأشياء، واتخاذ القرارات السريعة في المواقف التي تحتاج لحكمة في التصرف.
مجالات التالي وطول الأناة:
الوصية التي قالها القديس بولس الرسول: «تانوا على الجميع»، هل يقصد بكلمة "الجميع" ، الكبار أم الصغار؟ هل هم الرجال، أم النساء، أم الأطفال، أم ماذا؟
وللإجابة عن هذا السؤال، سنتكلم هنا عن خمسة مجالات نستطيع من خلالها أن نستخدم هذه الفضيلة أو اللؤلؤة.
أولا: في مجال الحياة الروحية:
عندما يريد الإنسان أن يطرد الخطية من حياته، فإنه يحتاج إلى الصبر ووضع برنامج روحي بمشورة أب الاعتراف يتضمن هذا البرنامج بعض التداريب الروحية، وممارسة العبادة والأصوام والصلوات، وحياة التأمل ويقول الآباء: إن الإنسان دائما في بداية ممارساته الروحية يكون وكأنه يأخذ دواء بمعني أنه يكون في حالة من التغصب. وبعد أن يتقدم تدريجيا في حياته الروحية، فإن هذا الدواء يتحول إلى نوع من البقول.
بمعني أنه يتحول إلى طعام يبني باعتبار أن البقول من المواد التي تساعد في بناء الجسم. وإن عاش فترة في هذه المرحلة من التعود على ممارسة حياته الروحية، فإن البقول تتحول إلى الفاكهة، بمعني أنه يبدأ في الاستمتاع والفرح بهذه الممارسات الروحية وبالتالي تصير الحياة الروحية بالنسبة له حلوة المذاق.
فالحياة الروحية تبدأ بمرحلة الدواء، ثم مرحلة البقول، وأخيرا تصل إلى مرحلة الفرحوالسعادة. لذلك نقول في مديحة الصوم الكبير: "يدوبك خمسة وخمسين يوما".
ثانيا: في مجال الحياة الجسدية
أحيانا قد يعاني الإنسان من ألم أو مرض معين، ولتخفيف حدة هذا الألم أو المرض، تنصح مثل هذا الإنسان باقتناء فضيلة طول الأناة والصبر وأتذكر أنني قرأت قصة للأب تادرس يعقوب، ذكر فيها أنه ذهب لافتقاد إنسان ما كان مصابا بأمراض كثيرة جدا، بحيث إنه كان لا يتحرك من كل جسده سوى لسانه!! فسأله أبونا: "كيف استطيع أن أقدم لك المساعدة "؟
"لقد كنت أود أن أحضر لك إنجيلا، ولكن كيف ستقرأه"؟ فأجاب هذا الإنسان قائلا: "شكرا، يا أبي، لقد قرأت الإنجيل". فتعجب أبونا وسأله: "كيف تمكنت من قراءته" ؟
فأجاب: "لقد قرأنه بلساني !! وقد ذكر هذه العبارة وهو متهلل بالروح إن سبب فرح هذا الإنسان أنه كان يتمتع بقدر كبير من طول الأناة والصبر. وتلاحظ أنه حتى في تناولنا لطعامنا اليومي أن من يأكل طعامه بسرعة، فإنه لا يأخذ الفائدة المرجوة من هذا الطعام؛ أما من يعطي الطعام وقتا كافيًا للمضغ، فإنه يتيح الفرصة للعاب لكي ما يختلط به، وبذلك يصل إلى المعدة بصورة جيدة تمكن الجسد من الاستفادة منه.
ثالثا: في مجال الحياة الأسرية:
الكتاب المقدس في أنشودة المحبة يُخبرنا: «المحبة تَتَأَنَّى وَتَرْفُق» (١کو ١٣: ٤). وهذا التأني وهذا الترفق يتضح جدا في مجال الحياة الأسرية، فأحيانا في بداية الحياة الزوجية يكون هناك عدم تفاهم بين الزوجين، وهذا أمر طبيعي ولكن طول الأناة للطرفين يحقق ثبات هذه الزيجة ويعطي نوعا من التكيف، حيث إن كلا من الزوجين عليه أن يتحمل الطرف الآخر قليلا، وأتذكر قصة لطيفة عن زوجين (هو وهي)، لم يعطهما الله نسلا إلا بعد مرور عدة سنوات، وخلال هذه الفترة كنت أتقابل معهما من حين لآخر، وأطمئنهما أن الله سيرزقهما بالنسل الصالح في الوقت المناسب. وبالفعل رزقهما الله بنسل، وهنا قالت لي الزوجة: "إن الله لم يعطنا نسلا في السنين الأولي لأننا لم نكن قد فهمنا بعضنا بعضا بعد، فالله انتظر وأطال أناته علينا حتى استطعنا أن نفهم بعضنا بعضا جيدا، ثم رزقنا بهذا المولود حتى نتمكن من تربيته تربية جيدة" والعامل الرئيسي أيضًا في تربية أولادنا وبناتنا، هو طول الأناة. فإذا استخدم الوالدان الكلمات الحادة أو العنف والضرب أو الإهمال في تربية أولادهما، فستكون النتيجة غير مرضية بالمرة بل وسيئة كذلك مرحلة المراهقة تحتاج إلى طول أناة من المرتيين والآباء، حتى يستطيع أولادنا أن يجتازوا هذه المرحلة بسلام. وهي من سن (۱۳ - ۱۹) سنة. ففي هذه المرحلة يوجد كثير من التغيرات والثورات داخل المراهق وإن لم يحتضن المدرس والأب والخادم والكاهن والمربي المراهق في هذ المرحلة، فلن تمر بسلام، ولن ينجح أولادنا في حياتهم العملية، والدراسية، والاجتماعية، والأسرية ... إلخ، لأن طول الأناة تحفظ الإنسان من الفشل وعندما نقرأ قصة إديسون مخترع المصباح الكهربائي، نرى كيف أنه طرد من المدرسة لعدم استيعابه لدروسه ولكن بسبب طول أناة أمه عليه، ساعدته أن يقرأ ويعلم نفسه. ولذلك أثناء عمله كبائع للجرائد في القطارات، ومع مرور الوقت؛ صار إديسون عالما عظيمًا يُجله العالم كله ويحترمه.
رابعا في مجال الحياة الاجتماعية
في الصداقة والعلاقات الإنسانية دائمًا ما تتعرض لبعض المواقف التي تضايقنا، سواء كان ذلك من صديق أو زميل أو جار.... إلخ، وللحفاظ على هذه العلاقات يحتاج الأمر لطول الأناة.
فالبشر لهم نوعان من العلاقات (۱) علاقة إنسانية غير رسمية تسمي الصداقة؛ (۲) علاقات إنسانية تسمي الزواج. والصداقة في محيط الحياة الاجتماعية تحتاج إلى طول الأناة، لكي ما نستطيع أن نكسب الرفيق الذي معنا. وهناك عبارة لطيفة تقول: "الصداقة تحمي كل علاقة؛ بمعنى أنها تحمي علاقة زوجين إن كانا صديقين، وعلاقة أختين إن كانا أيضا صديقين. فالحياة الاجتماعية تحتاج إلى المحبة التي تتأنى وترفق.
خامسا في محيط الحياة الكنسية:
في الحياة الكنسية، سواء في الخدمة أو في الكنيسة كمجتمع، من المهم أن نتحلى بطول الأناة، سواء مع من تخدمهم أو مع من تخدم معهم، وأن يكون لنا الثقة التامة أن الله يستطيع أن يُغير ويُعدل في النفوس. فهذا شيء هام جدا في علاقات الإنسان داخل الكنيسة واحذر أن تصف إنسانًا بأنه سيء طوال الوقت، وثق أنك إن رفعت الصلاة من أجله وأطلت أناتك في تعاملك معه، فستأتي بثمر وفير، وقد يُغير الله قلبه ويُعدل من حياته من أجل صلاتك عنه إن طول الأناة مطلوبة من الأب الأسقف أو الكاهن، ومن الخادم، ومن أمين الخدمة ومع كل من يعمل في حقل الخدمة. فأحد عوامل النجاح، هي الإدارة بطول أناة، وهذا يأتي بثمر كثير جدا.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد