كيرلس الكبير

Large image

المدينة الأصلية له : الإسكندرية
الاسم قبل البطريركية:كيرلس
من أبناء دير : دير أبو مقار
تاريخ التقدمة:20 بابه 128 للشهداء - 17 أكتوبر 412 للميلاد
تاريخ النياحة : 3 أبيب 160 للشهداء - 27 يونيو 444 للميلاد
مدة الإقامة على الكرسي: 31 سنة و8 أشهر و10 أيام
مدة خلو الكرسي : شهرًا واحدًا
محل إقامة البطريرك : المرقسية بالإسكندرية
محل الدفن : كنيسة بوكاليا
الملوك المعاصرون: ثيؤدوسيوس الثاني
حياة القديس كيرلس :
ولد القديس كيرلس على الأرجح حوالي سنة 375م بالأسكندرية . وهو ابن أخت البابا ثاوفيلس بطريرك الأسكندرية الـ23 . تعلم كيرلس في الأسكندرية برعاية البطريرك ثاوفيلس ، وواظب على حضور اجتماعات الكنيسة اليومية حيث كان الكهنة والشمامسة يعلمون الشعب أصول الإيمان. قضي كيرلس حوالي خمس سنوات في برية شيهيت (394ـ399). وكان عمره حين ذهب للبرية حوالي عشرين سنة ، وهناك قرأ العهدين القديم والجديد على يدي الأب سرابيون الشيخ خليفة القديس مقاريوس الكبير ، وربما يشير القديس كيرلس إلى هذه الفترة من حياته بقوله : ” منذ الصغر تعلمنا الكتب المقدسة على أيدي آباء أرثوذكس وقديسين ” كان كيرلس يحفظ النص بمجرد قراءته مرة واحدة . وكان يقضي الليل ساهرًا يحفظ الكتب المقدسة لكي يسمّع في الصباح ما حفظه أمام أبيه الروحي . وقد تقابل كيرلس مع القديس مقاريوس الأسكندري قبل نياحته في سنة 394م . وحضر كيرلس دروس المدرسة اللاهوتية بالأسكندرية على يدي ديديموس الضرير ثم استدعاه خاله البطريرك ثاوفيلس ليكون شماسًا معه في الأسكندرية ورسمه قارئًا وطلب منه أن يشرح الكتب المقدسة للشعب . وبدأ يظهر نبوغه ومقدرته في التعليم وشرح الكتب المقدسة وفي سنة 403م أخذه البطريرك ثاوفيلس معه إلى القسطنطينية حيث اشترك كشماس في أعمال مجمع السنديانة الذي عزل القديس يوحنا ذهبي الفم (من المعروف أن القديس كيرلس أعاد ذكر اسم القديس يوحنا ذهبي الفم في قائمة الآباء القديسين الذين تذكرهم الكنيسة في صلاة المجمع في القداس ، وكان إجراء إلغاء الحرم على ذهبي الفم بتأثير القديس إيسيذوروس الفرمي سنة 417م ، أي بعد أن صار بطريركًا بخمس سنوات) وفي سنة 404م رُسم كيرلس قسًا بكنيسة الأسكندرية وانطلق كيرلس يعظ ويعلم الشعب ويفسر الكتب المقدسة ، ويوضح من خلالها تعليم الإيمان الصحيح ، وبدأت تظهر في تلك الفترة موهبته التعليمية وشخصيته الروحانية درس القديس كيرلس مؤلفات آباء الأسكندرية مثل أوريجينوس ، وأثناسيوس ، وديديموس الضرير. كما أطلع أيضًا على مؤلفات القديسين باسيليوس القيصري وغريغوريوس النيزينزي . كما درس القديس كيرلس اللغات القديمة الشائعة في أيامه وهي العبرية والسريانية ولكنه كتب باليونانية وربما القليل بالقبطية .
اختياره بطريركًا للأسكندرية
لما خلا الكرسي البطريركي بنياحة الأنبا ثاوفيلس في 15 أكتوبر سنة 412م اتجهت أنظار الجميع إلى القديس كيرلس ابن شقيقته . وعبثًا حاول الوالي ابوداكس أن يثني الشعب عن انتخابه ، وعبثًا هددهم فلم يخضعوا ولم يرهبوا إذ كانوا متيقنين أن كيرلس هو الشخص الوحيد الذي يصلح لرعاية كنيسة الأسكندرية بعد البطريرك ثاوفيلس . فتم انتخابه وقام الأساقفة برسامته أسقفًا للأسكندرية وبطريركًا لكرازة مار مرقس رقم 24 في نفس السنة وله من العمر حوالي 38 سنة واصل البطريرك كيرلس جهاده في تعليم المؤمنين بالوعظ وتفسير الكتب المقدسة ، وتعليمهم أصول الإيمان المستقيم ، وكان ينبه الشعب لكي يحذروا من تأثير الكتابات الوثنية التي لم تكن بقاياها قد تلاشت تمامًا بعد . وربما بسبب كفاحه الصلب ضد بقايا الوثنية ، نسب إليه بعض المؤرخين ظلمًا بعض المسئولية عن مقتل الفيلسوفة الوثنية الشهيرة هيباشيا التي مزقها بعض من غوغاء المسيحيين في الأسكندرية في عصره سنة 415م ولكن لا يوجد أي دليل على مسئولية القديس كيرلس عن تصرف هؤلاء الغوغاء وجريمتهم وابتداء من 428م بدأ القديس كيرلس يظهر كعلامة بارزة وعامل حاسم في تاريخ العقيدة الأرثوذكسية وتاريخ العلاقات الكنسية ، وذلك بظهور هرطقة نسطوريوس بطريرك القسطنطينية إذ قام كيرلس بدور المدافع الأول عن الأرثوذكسية ضد البدعة النسطورية .
كان نسطوريوس يؤكد في عظاته بكنيسة القسطنطينية أنه يوجد شخصان في المسيح شخص إلهي هو اللوغوس الكلمة ، الذي يسكن في شخص إنسان هو الإنسان يسوع وأن العذراء القديسة مريم لا يمكن أن تدعي ” والدة الإله ثيئوطوكوس Theotokos “. وقد رد القديس كيرلس على تعاليم نسطوريوس هذه ابتداء من ربيع 329م في رسالته الفصحية لتلك السنة . وحدثت مراسلات بين البطريرك كيرلس والبطريرك نسطوريوس منذ ذلك الحين، انتهت بانعقاد مجمع أفسس المسكوني الثالث سنة 431م الذي دعا إليه الإمبراطور ثاؤدوسيوس الصغير . وحكم المجمع بعزل نسطوريوس وحرمه لانحراف إيمانه وإصراره على أفكاره غير المستقيمة . وثبت المجمع المسكوني حروم القديس كيرلس الأثني عشر . وحكم على تعاليم نسطوريوس بالضلال . وأيد استعمال لقب “ثيئوطوكوس (أي) والدة الإله ” للعذراء مريم . وهذا اللقب كان استخدامًا قديمًا سابقًا على ظهور البدعة النسطورية بكثير وقد تعرض القديس كيرلس للسجن لعدة شهور أثناء فترة وجوده في أفسس بسبب دفاعه عن الإيمان . وعند عودته إلى الأسكندرية في 30 أكتوبر سنة 431م ، استُقبل في الأسكندرية استقبال الأبطال ، إذ نظر إليه المؤمنين على أنه أثناسيوس جديد وهكذا لقبه الأقباط بلقب ” عمود الدين “ وبعد كفاح طويل وصمود شامخ في الدفاع عن الإيمان ضد أخطر بدعتين تمسان الإله المتجسد يسوع المسيح وهما الآريوسية والنسطورية ، وبعد جهاد متواصل وسهر ويقظة روحية في رعاية المؤمنين وتعليمهم وحفظهم في الإيمان المستقيم ، رقد القديس كيرلس في الرب في يوم 3 أبيب سنة 160 ش الموافق 10 يوليو 444م .
2 ـ كتابات القديس كيرلس :
القديس كيرلس هو واحد من أعظم رموز الفكر المسيحي في القرون الأولي . فكتاباته تملأ عشرة مجلدات ضخمة من مجموعة Migne اليونانية (مجلدات من 68 إلى 77 Mg أي ما يعادل حوالي 150 كتاب كل منها 100 صفحة حجم متوسط أو يزيد) وذلك حتى بعد أن فُقد الكثير من كتاباته . وقد بدأت ترجمة كتاباته من اليونانية إلى لغات أخرى وهو لا يزال على قيد الحياة فقد قام :
1 ـ ” ماريوس مركاتور Marius Mercator ” بترجمة بعض كتاباته إلى اللاتينية .
2 ـ ترجم ” رابولا الرهاوي ” بعضها إلى اللغة السريانية .
وبعد ذلك ظهرت ترجمات أرمينية وقبطية ثم عربية لبعض كتاباته .
وتتميز كتابات القديس كيرلس بالعمق وثراء الأفكار ، والدقة والوضوح في النقاش مما يثبت موهبته التأملية والجدلية ، ومما يجعل من كتاباته مصادر من الدرجة الأولي في الأهمية لتاريخ العقيدة والتعليم الإيماني . ودرج علماء الآباء على تقسيم كتابات القديس كيرلس إلى مرحلتين :
المرحلة الأولي : تنتهي بظهور البدعة النسطورية سنة 428م ، وهذه المرحلة كانت مكرسة لتفسير أسفار الكتاب المقدس بعهديه والدفاع عن الإيمان ضد البدعة الآريوسية .
المرحلة الثانية : تبدأ من سنة 428م بظهور البدعة النسطورية وتنتهي بنياحة القديس كيرلس ، ومعظم كتابات هذه المرحلة مكرسة للدفاع عن التعليم الصحيح في التجسد ، ضد البدعة النسطورية .
أ ـ الكتابات التفسيرية : لأسفار العهدين القديم والجديد ، وتشكل الجزء الأكبر من إنتاجه اللاهوتي ، إذ تشغل 7 مجلدات من مجموعة ميني (MG 75is 68 – 74) وهي المجلدات من 68 ـ 74 من بترولوجيا جريكا . تشغل شروحاته على أسفار العهد القديم خمس مجلدات منها (من68 ـ 72) بينما تشغل شروحه للعهد الجديد مجلدي 73 ، 74 من مجموعة ميني وشذرات في مجلد 72 ، وجزء صغير من مجلد 77 . وأهم شروحه للعهد الجديد هو شرحه لإنجيل القديس يوحنا الذي يشغل مجلد 73 كله ونصف مجلد 74 . أما تفسيره لإنجيل لوقا فلم يبق من الأصل اليوناني سوى 3 عظات كاملة وبعض شذرات متفرقة . ولكن وصلتنا نسخة مترجمة للسريانية ترجع إلى القرن السادس الميلادي تحوي 156 عظة على إنجيل لوقا وهي التي ترجمها Payne Smith ” باين سميث ” إلى الإنجليزية ونشرها بأكسفورد سنة 1859م ( والتي نشر منها مركز دراسات الآباء ، 3 أجزاء من تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس بالعربية في 1990 ، وسنة 1992 ، وسنة 1996 ، والجزء الرابع يصدر قريبًا بمشيئة الله) . ويحوي مجلد 74 عدة أجزاء من تفاسير مفقودة للقديس كيرلس على رسالة رومية وعلى رسالتي كورنثوس ، وعلى الرسالة إلى العبرانيين وعلى إنجيل متى .
ب ـ كتاباته العقيدية ـ الدفاعية ضد الآريوسيين :
كتابان : 1ـ الكنز في الثالوث .
2ـ حوارات حول الثالوث (الجزء الأول من هذه الحوارات يجهزه مركز دراسات الآباء حاليًا للنشر) ويشغلان معظم مجلد 75 .
ج ـ كتاباته العقيدية ـ الدفاعية ضد النسطورية :
وهي ثمانية كتب :
1 ـ ضد تجاديف نسطوريوس .
2 ـ قاعدة الإيمان De Recta Fide .
3 ـ الحروم الأثني ضد نسطوريوس (ترجمها نيافة الأنبا غريغوريوس في ” مذكرة النسطورية ” ، ثم ترجمها ونشرها مركز دراسات الآباء سنة 1988م) .
4 ـ الاحتجاج لدي الإمبراطور ثاؤدوسيوس الصغير .
5 ـ شرح تجسد الابن الوحيد (نشره باللغة العربية د. جورج بباوي سنة 1975م بالقاهرة) .
6 ـ ضد من ينكرون أن العذراء مريم هي والدة الإله .
7 ـ ضد ديودوروس الطرسوسي وثيئودوروس أسقف المصيصة معلمي نسطوريوس .
8 ـ المسيح واحد : وهو حوار حول وحدة شخص المسيح . (نشره مركز دراسات الآباء بالعربية سنة 1987م بالقاهرة .
وتشغل هذه الكتب جزءً من مجلد 75 وجزءً من مجلد 76 .
د ـ الرد على كتب يوليانوس الجاحد ضد المسيحيين : ويشغل جزءً من مجلد 76 ويرجح أنه كتب بين سنتي 433و441م .
هـ ـ الرسائل الفصحية : وعددها 29 رسالة للسنوات من 414 إلى 442 وتشغل جزءً كبيرًا من مجلد 77 .
و ـ العظات : لم يتبق من كل العظات التي ألقاها القديس كيرلس طوال سنين بطريركيته الطويلة (412 إلى 444) سوى 22 عظة ، وقد وضعها الناشرون تحت عنوان ” عظات متنوعة ” للتمييز بينها وبين العظات الفصحية أو الرسائل الفصحية العظات الثمانية الأولي من هذه المجموعة ألقاها القديس كيرلس في صيف سنة 431م أثناء انعقاد مجمع أفسس المسكوني ، العظة رقم 4 هي العظة الشهيرة جدًا عن والدة الإله التي ألقاها في كنيسة القديسة مريم بأفسس في 23 يونية 431م . وهذه العظات تشغل جزءًا صغيرًا من مجلد 77 .
ز ـ الرسائل : عدد كبير من مراسلات القديس كيرلس لا تزال باقية، فقد نُشرت في مجلد رقم 77 من مجموعة ميني Migne 105 رسالة ؛ 88 رسالة منها أرسلها القديس كيرلس و17 مرسلة إليه من آخرين. كما نشر شوارتز E. Shwartz خمس رسائل أخرى فتكون جملة الرسائل 110 رسالة.
هذه الرسائل هامة جدًا بالنسبة لتاريخ ” الكنيسة والدولة ” وبالنسبة للتعليم الكنسي ، والقانون الكنسي ، وللعلاقات بين الشرق والغرب والتنافس القائم بين المدارس اللاهوتية والكراسي الأسقفية :
1 ـ رسالة رقم 55 تحوي شرحًا لقانون الإيمان . نشرها مركز دراسات الآباء سنة 1984م .
2 ـ بينما هناك 3 رسائل لها الأهمية الأولي في تاريخ العقيدة المسيحية وهي الرسالتان الثانية والثالثة إلى نسطوريوس (رقم4 ورقم17) والرسالة إلى يوحنا الأنطاكي (رقم39) . هذه الرسائل الثلاثة تسمي الرسائل المسكونية . رسالة رقم (4) سميت بالرسالة العقائدية . وقد اعتمدها مجمع أفسس بالإجماع في جلسته الأولي في 22 يونيو 431م وشهد لها الجميع بأنها تتفق تمامًا مع قانون إيمان مجمع نيقية. ورسالة رقم (17) تحوي الحروم الأثني عشر وقد ضمت إلى أعمال مجمع أفسس المسكوني ، وقد اعتمدها مجمع خلقيدونية أيضًا فيما بعد سنة 451م أما الرسالة رقم 39 والتي سميت ” قانون إيمان أفسس ” فتحوي بيان الإيمان بخصوص طبيعة المسيح الذي على أساسه تم الاتحاد بين يوحنا الأنطاكي وكنيسة أنطاكية من جهة وبين القديس كيرلس وكنيسة الأسكندرية من جهة أخرى سنة 433م بعد انشقاق استمر سنتين بعد مجمع أفسس المسكوني ، ولذلك سميت ” رسالة الاتحاد ” . وهذه الرسائل الثلاثة ترجمت إلى العربية ونشرها مركز دراسات الآباء بالقاهرة سنة 1988م في كتاب واحد .
3 ـ وفي 1989م نشر مركز دراسات الآباء الجزء الثاني من رسائل القديس كيرلس الأسكندري من (1 ـ 32) . وفي سنة 1995م نُشر الجزء الثالث (32ـ50) ، ونُشر الجزء الرابع (51 ـ إلخ) سنة 1997م .
كتاب شرح إنجيل يوحنا : هذا الكتاب هو أضخم كتب القديس كيرلس التفسيرية بل اضخم كل كتبه على الإطلاق . وهذا الشرح له طابع عقائدي دفاعي. فقد اهتم فيه القديس كيرلس أن يبرهن من الإنجيل الرابع أن ابن الله هو من نفس جوهر الآب وأن كل منهما له أقنومه الخاص ، ويرد فيه على تعاليم الآريوسيين والأنوميين وعلى التعليم الخريستولوجي لمدرسة أنطاكية ، ولكن لم يرد فيه اسم نسطوريوس كما لم يرد فيه تعبير “ثيئوطوكوس ـ والدة الإله ” ولا التعبيرات المستعملة في كتابات القديس كيرلس المتأخرة . لذلك فمن المؤكد أن القديس كيرلس قد كتب هذا الشرح قبل ظهور بدعة نسطور أي قبل 429م . ويتكون هذا الشرح الضخم (مجلد 73 ونصف مجلد 74 من مجموعة ميني Migne) من 12 كتاب كل منها منقسم إلى فصول ، ويقوم المركز بنشر ترجمة عربية لهذا التفسير الضخم علي اجزاء.

المقالات (5)

10 أبريل 2020

جمعة ختام الصوم

لوقا 30:13ـ35 ” في ذلك اليوم تقدم بعض الفريسيين قائلين له ، أخرج وأذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك ، فقال لهم امضوا وقولوا لهذا الثعلب ، هاأنا أخرج شياطين وأشفى اليوم وغدًا وفى اليوم الثالث أًكمَّل ، بل ينبغي أن أسير اليوم وغدًا وما يليه لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجًا عن أورشليم . يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها ، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا ، هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا ، والحق أقول لكم إنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه مبارك الآتي باسم الرب ” . إن جماعة الفريسيين كانوا أشرارًا ومصممين ومتلهفين إلى الخداع والغش، ويصرون بأسنانهم على المسيح وتشتعل قلوبهم بنيران الحسد حينما يرون الناس يبدون إعجابهم به، مع أن واجبهم كان بالأولى ـ بصفتهم قادة للشعب ويرأسون جموع العامة ـ هو أن يقودوهم إلى الاعتراف بمجد المسيح، لأن هذا كان هو الغرض من سن الشريعة وكرازة الأنبياء القديسين، ولكنهم في شرهم العظيم لم يتصرفوا هكذا، بل بالعكس فإنهم بكل طريقة، أثاروا سخطه باستمرار، ولذلك قال المسيح لهم: ” ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة، ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم” (انظر لو52:11). لأنه يمكن للمرء أن يرى أنهم قد سقطوا في حالة الخبث هذه، وفى وضع مُضاد تمامًا لمحبة الله، حتى أنهم لم يكونوا يرغبون أن يقيم في أورشليم خوفًا من أن يفيد الناس، سواء بملئهم بالدهشة بسبب معجزاته الإلهية أو بإنارتهم بنور الرؤية الصحيحة لله بواسطة تعليم الحقائق التي هي أعلى من تعاليم الناموس. هذه هي الأفكار التي تقودنا إليها الدروس الموضوعة أمامنا الآن إذ يقول النص: ” في ذلك اليوم تقدم بعض الفريسيين قائلين له: اخرج واذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك” . تعالوا لنثبّت عين الذهن الفاحصة على ما قالوه هنا، لنفحص بتدقيق لكي نرى هل الذين قالوا هذا الكلام هم من بين الذين يحبونه أم هم ضمن من يقاومونه. ولكن كما هو واضح فمن السهل أن ندرك أنهم كانوا يقاومونه بشدة. فمثلاً أقام المسيح الميت من القبر مستخدمًا في ذلك قوة هي قوة الله، لأنه صرخ: ” لعازر هلم خارجًا” (يو43:11)، وقال لابن الأرملة: ” أيها الشاب لك أقول قم” (لو14:7)، أما هم فقد جعلوا المعجزة وقودًا لحسدهم، بل إنهم قالوا حين اجتمعوا معًا: ” ماذا نصنع فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة، إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمتنا. فقال لهم واحد وهو قيافا ـ الذي كان يخطط لقتله ـ أنتم لستم تعرفون شيئًا، ولا تفكرون أنه خيرٌ لنا أن يموت إنسان واحد ولا تهلك الأمة كلها ” (أنظر يو47:11ـ50). وهم قاوموه أيضًا بطرق أخرى، أحيانًا بمعاملته بازدراء والاستهزاء بقوته المعجزية، بل والتجاسر على سلطانه الإلهي قائلين إن كل ما يعمله هو بواسطة بعلزبول، بل وسعوا في مرة أخرى إلى تسليمه إلى سلطات القيصر، فلكي يتهموه أنه يمنع الإسرائيليين من دفع الجزية لقيصر، اقتربوا منه بخبث ومكر قائلين: ” أيجوز أن تُعطى جزية لقيصر أم لا ؟” (لو22:20). فهل يمكن إذًا لكل من وضعوا له أنواع الفخاخ هذه، الذين في وقاحتهم وقساوتهم لم يتورعوا حتى عن القتل، الذين لكونهم بارعين في الشر، هاجموه بعنف شديد القسوة، ومارسوا باجتهاد كل هذه الحيل لأنهم يكرهونه كراهية مُطلقة، هل يمكن أن نعتبرهم ضمن من أحبوه ؟ فلماذا إذًا تقدموا إليه قائلين: ” اخرج واذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك؟”، وما هو غرضهم من هذا الكلام ؟ إن البشير يخبرنا عن هذا بقوله: “ في ذلك اليوم (تلك الساعة) تقدم إليه“، وما معنى هذه اللهجة المدققة ؟ لماذا كان هذا الإتقان (في التحديد)؟ أو أي يوم (حرفيًا ساعة) يقصد أن الفريسيين قالوا فيه هذا الكلام ليسوع؟ كان يسوع مُنشغلاً في تعليم جموع اليهود، عندما سأله أحدهم إن كان كثيرون هم الذين يخلصون، ولكنه عبر على السؤال كأمر غير مفيد، واتجه إلى ما كان مناسبًا أن يخبرهم به إذ أخبرهم عن الطريق الذي ينبغي للناس أن يسيروا فيه ليصيروا ورثة لملكوت السموات إذ قال: ” اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق” وأخبرهم أنهم لو رفضوا أن يفعلوا هذا، فإنهم “سيرون إبراهيم واسحق ويعقوب وجميع الأنبياء في ملكوت الله وهم يُطرحون خارجًا” وأضاف بعد ذلك قوله: ” حيث إنهم كانوا أولين، فسيصيرون آخرين” بسبب دعوة الوثنيين . أثارت هذه الملاحظات غضب الفريسيين إذ رأوا الجموع تتوب بالفعل، وتقبل الإيمان به بحماس، وأنهم لم يعودوا يحتاجون سوى قليل من التعليم أيضًا ليعرفوا مجده وعظمة سر تجسده الذيٍ يستحق السجود، لذلك إذ كان من المحتمل أن يفقد (الفريسيون) وظيفتهم كرؤساء للشعب، بل وإذ كانوا قد سقطوا بالفعل وطُردوا من سلطانهم على الشعب، وحُرموا من المنافع التي يجنونها منه، لأنهم كانوا محبين للمال وجشعين وباعوا أنفسهم للربح الحرام ـ نراهم وقد تظاهروا بالمحبة له، فتقدموا إليه قائلين: ” اخرج واذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك” . لكن أيها الفريسي صاحب القلب الحجري، لو كنت حكيمًا، لو كنت على دراية حسنة بشريعة موسى الحكيم جدًا، لو أنك ثبّت ذهنك على إعلانات الأنبياء القديسين، لمَا غاب عنك أنه مادام ذهنك مملوءًا مرارةً وحقدًا، فلابد أن تنكشف مشاعرك الكاذبة. إنه لم يكن مجرد إنسان وواحد من الذين يشبهوننا حتى يكون بذلك مُعرضًا للخداع، بل هو الله في شبهنا، هو الله الذي يفهم كل شئ، كما هو مكتوب: ” يعرف الأسرار وفاحص القلوب والكلى” (مز21:43س، مز 1:7)، وهو الذي ” كل شئ عريان ومكشوف له” (عب13:4)، والذي لا يُخفى عليه شئ، لكنك لم تعرف هذا السر الثمين والعظيم، وظننت أنه يُمكنك أن تخدع حتى ذلك الذي قال:” من الذي يُخفى عنى فكره ويُغلق على الكلمات في قلبه ويظن أنه أخفاها عنى؟” (أي 2:38س). فكيف أجاب المسيح عن هذه الأشياء ؟ إنه أجابهم برفق وبمعنى خفي كما هي عادته، إذ قال: ” امضوا وقولوا لهذا الثعلب“. أصغوا بانتباه إلى قوة التعبير، لأنه يبدو أن الكلمات المستخدمة كانت موجهة لشخص هيرودس، لكنها بالحرى تشير أيضًا إلى دهاء الفريسيين، لأنه بينما كان من الطبيعي أن يقول: ” قولوا لذلك الثعلب“، فإنه لم يفعل هكذا، بل استخدم بمهارة فائقة نوعًا وسيطًا من التعبير، وأشار إلى الفريسي الذي كان بالقرب منه وقال: ” هذا الثعلب“، وهو يقارن الإنسان بثعلب، لأنه من الثابت أنه حيوان ماكر جدًا، ولو كان لي أن أقول، فهو خبيث تمامًا كما كان الفريسيون، لكن ماذا أوصاهم أن يقولوا (لهيرودس)؟: ” هاأنا أخرج شياطين وأشفى اليوم وغدًا وفى اليوم الثالث أُكمَّل“. أنتم ترون أنه يُعلن قصده في أن يعمل ما يعرف أنه سيُحزن معشر الفريسيين، الذين يريدون طرده من أورشليم لئلا بعمل الآيات يربح كثيرين إلى الإيمان به، لكن حيث إن هدفهم هنا لم يُخفَ عليه لكونه الله، فإنه يعلن قصده في عمل ما يبغضونه ويقول إنه: ” سينتهر الأرواح النجسة ويخلص المرضى من أتعابهم وأنه سيُكمَّل، والتي تعنى أنه بمشيئته سوف يحتمل الآلام على الصليب لأجل خلاص العالم. لذلك كما يبدو، فإنه عرف كيف ومتى سيحتمل الموت بالجسد . لكن الفريسيين تخيلوا أن سلطان هيرودس سيرعبه، وسوف يخضعه للمخاوف رغم أنه رب القوات الذي يولد فينا شجاعة روحية بكلماته التي تقول:” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها” (مت28:10)، وأوضح أنه لا يضع اعتبارًا لعنف الناس، بقوله: ” بل ينبغي أن أسير اليوم وغدًا وما يليه“. وبقوله: ” ينبغي لي” فإنه لا يعني بأنها ضرورة حتمية ـ قد وُضعت عليه، بل بالحرى تعنى أنه بسلطان مشيئته الخاصة، وبحرية وبدون تعرض للخطر فإنه سيمضى إلى حيث أراد أن يمضى ويجتاز اليهودية دون أن يقاومه أحد أو يتآمر ضده، إلى أن يقبل نهايته بإرادته الخاصة بالموت على الصليب الثمين. لذلك فليمتنع قتلة الرب هؤلاء عن التباهي بأنفسهم أو أن يتشامخوا بعجرفة عليه. أنت أيها الفريسي، لم تحرز النصرة على شخص هارب من الألم، أنت لم تمسكه رغمًا عنه، ولم تبسط سيطرتك على من رفض أن يُضبط في شِباك مكرك، بل هو الذي بمحض إرادته ارتضى أن يتألم لأنه متيقن جدًا أنه بموت جسده سيلاشى الموت ويعود ثانية إلى الحياة، فإنه قام من الأموات وقد أقام معه الطبيعة الإنسانية كلها وأعاد صياغتها من جديد إلى حياة لا تفسد. لكنه يُظهِر أن أورشليم ملوثة بدماء كثير من القديسين فيقول: ” لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجًا عن أورشليم” وما الذي ينتج من هذا؟ ينتج من هذا أنهم كانوا على وشك أن يسقطوا من عضويتهم في عائلة الله الروحية، وأنهم كانوا على وشك أن يُرفضوا من رجاء القديسين ويُحرَموا تمامًا من ميراث تلك البركات المُذخرة لمن قد خَلصوا بالإيمان. أما عن كونهم كانوا ناسين تمامًا لعطايا الله وجامحين ومتكاسلين من جهة كل شئ يمكن أن ينفعهم، فهذا أظهره بقوله: “ يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها ، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا، هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا” (لو34:13ـ35). لأن الله علّمهم بواسطة موسى الحكيم جدًا ورتب لهم ناموسًا ليوجههم في سلوكهم ويكون قائدهم ومرشدهم في حياة جديرة بالإعجاب، والذي رغم أنه ليس سوى ظلال لكنه كان يحوى رمز العبادة الحقيقية. فالله قد نصحهم بواسطة الأنبياء القديسين، وكان سيجعلهم تحت الحماية أي تحت سلطانه، لكنهم فقدوا هذه البركات الثمينة بكونهم أردياء في دوافعهم وغير شاكرين ومستهزئين. ثم يقول الرب: ” إنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه مبارك الآتي باسم الرب” (تابع لو35:13) . فماذا يعنى هذا أيضًا ؟ الرب ينسحب من أورشليم، ويترك أولئك الذين قالوا له اخرج واذهب من ههنا، لأنهم غير مستحقين لحضوره بينهم. وبعد ذلك إذ اجتاز اليهودية وخلّص كثيرين، وأجرى معجزات كثيرة يعجز الكلام عن وصفها بدقة، عاد ثانية إلى أورشليم، هذا حدث عندما دخل جالسًا على أتان وجحش ابن أتان، بينما الجموع المحتشدة والأطفال يحملون في أيديهم سعف النخيل وساروا أمامه وهم يسبحونه قائلين: ” أوصانا لابن داود، مبارك الآتي باسم الرب” (مت9:21). لذلك إذ قد تركهم بسبب أنهم غير مستحقين، يقول إنهم لن يروه إلاّ حينما يكون وقت آلامه قد حل، لأنه مضى أيضًا إلى أورشليم ودخلها وسط التهليل، وفى تلك المرة ذاتها كابد آلامه المُخلِّصة نيابة عنا، لكي بالآلام يُخلص ويجدد ـ إلى عدم فساد ـ سكان الأرض. لأن الله قد خلصنا بالمسيح، الذي به وله مع الآب والروح القدس التسبيح والسلطان إلى دهر الدهور. آمين . للقديس كيرلس الاسكندري
المزيد
15 مارس 2020

الأحد الثالث للصوم الكبير مثل الابن الضال

من تفسير القديس كيرلس (لوقا 15 : 11- 32)” وقال : إنسان كان له ابنان. فقال أصغرهما لأبيه يا أبى أعطني القسم الذي يصيبني من المال. فقسم لهما معيشته. وبعد أيام ليست بكثيرة جمع الابن الأصغر كل شئ وسافر إلى كورة بعيدة وهناك بذر ماله بعيش مُسرف. فلما أنفق كل شئ حدث جوع شديد في تلك الكورة فابتدأ يحتاج . فمضى والتصق بواحد من أهل تلك الكورة . فأرسله إلى حقوله ليرعى خنازير. وكان يشتهى أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله. فلم يعطه أحد. فرجع إلى نفسه وقال: كم من أجير لأبى يفضل عنه الخبز وأنا أهلك جوعًا. أقوم وأذهب إلى أبى وأقول له يا أبى أخطأت إلى السماء وقدامك. ولست مستحقًا أن أدعى لك ابنًا. اجعلني كأحد أجراك. فقام وجاء إلى أبيه. وإذ كان لم يزل بعيدًا رآه أبوه فتحنن ورقد ووقع على عنقه وقبله . فقال له الابن يا أبى أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقًا بعد أن أدعى لك ابنًا . فقال الأب لعبيده أخرجوا الحُلة الأولى وألبسوه واجعلوا خاتمًا في يده وحذاء في رجليه. وقدموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح. لأن ابني هذا كان ميتًا فعاش وكان ضالاً فوجد. فابتدأوا يفرحون. وكان ابنه الأكبر في الحقل فلما جاء وقرب من البيت سمع آلات طرب ورقصًا. فدعا واحدًا من الغلمان وسأله ما عسى أن يكون هذا. فقال له: أخوك جاء فذبح أبوك له العجل المسمن لأنه قبله سالمًا. فغضب ولم يرد أن يدخل. فخرج أبوه يطلب إليه. فأجاب وقال لأبيه: ها أنا أخدمك سنين هذا عددها وقط لم أتجاوز وصيتك. وجديًا لم تعطني قط لأفرح مع أصدقائي. ولكن لما جاء ابنك هذا الذي أكل معيشتك مع الزوانى ذبحت له العجل المسمن. فقال له يا بنى أنت معي في كل حين وكل ما لي فهو لك ولكن كان ينبغي أن تفرح وتسر لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش وكان ضالاً فوجد “. مقدمة عن مثل الابن الضال:- محبة الأب : يوضح الرب فى المثل محبة الأب للابن الأصغر إذ يذكر أن الابن بعد رجوعه بدأ يقول ” أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقًا أن أدعى لك ابنًا ” وهنا لم يعطه الأب فرصة لكى يكمل بقية قوله الذى كان عازمًا أن يقوله “اجعلنى كأحد أجراءك” !! بل قال لعبيده بسرعة “أخرجوا الحلة الأولى وألبسوه …” هذه صورة لمحبة المسيح العجيبة للخطاة وحنانه الفائق نحوهم. فإن المسيح الذى يقابل الأب فى المثل يغمر الإنسان التائب بمحبته ولايقبل أن يعامله كأحد الأجراء رغم أنه قد أخطأ . فعندما نتوب ونرجع إلى حضن محبته يفرح بنا ويدعونا أبناء رغم شعورنا بعدم استحقاقنا أن نكون أبناء . الحلة الأولى: الحلة الأولى هى حلة البنوة أى هى الحلة الأصلية التى كانت للابن الأصغر وفقدها بالابتعاد عن أبيه. هكذا كل من اعتمد باسم المسيح هو ابن لله بالمعمودية وحتى إن ضيع الإنسان كل ما ناله من الله فإنه عند رجوعه يظل فى نظر الله المحب ابنًا. لذلك يقول الأب ” ألبسوه الحلة الأولى “، ألبسوه اللباس الخاص بالابن. ولأن الابن الوحيد الحقيقى لله هو المسيح نفسه فإن الإنسان يصير ابنًا لله بأن يلبس المسيح كما يقول الرسول ” لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح ” (غلا 26:3،27). فالإنسان إذًا يلبس المسيح بالمعمودية باسمه وعندما يتوب الابن عائدًا إلى حضن الأب فإنه يستعيد جمال طبيعة المسيح الذى اتحد به فى المعمودية رغم أنه كان قد ضيع هذا الجمال عندما تغرب عن أبيه. التوبة الحقيقية: فى الواقع أن التوبة الحقيقية ليست مجرد شعور الإنسان ببعض الأخطاء الصغيرة أو السطحية، بل هى شعور عميق جدًا يصاحبه إدراك الإنسان أن كيانه الداخلى قد فسد، وأن طبيعته قد تشوهت، وأنه حرم نفسه من محبة الله، وأضاع الغنى الإلهى الذى كان له. وهكذا تكون توبته هى أحساس عميق جدًا وإنكسار للقلب عند قدمى المسيح وفى نفس الوقت يكون هناك رجاء شديد جدًا يملأ قلبه أن المسيح المحب لايمكن أن يرفض قبوله. التوبة الحقيقية حبً جارف يتحرك فى قلب الإنسان . ومصدر هذا الحب هو الله الذى يحب الإنسان قبل أن يتوب الإنسان ويستيقظ من غفلته، ومحبة المسيح التى أظهرها للخطاة بمجيئه وتعامله معهم وموته من أجل الجميع هى التى تحرك قلب الإنسان فيرجع إلى المسيح. وليمة الفرح السماوى: وبعد ذلك يقول الأب فى المثل: ” قدموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح “. هذه إشارة إلى فرح الله وملائكته القديسين برجوع الخطاة التائبين. فإن الله يشبع ويفرح وهكذا تفرح ملائكته بتوبتهم. وهذا يكشف لنا قوة المحبة الإلهية فى ترحيبها بالإنسان الراجع إليها. وهذه المحبة تجعل الإنسان الراجع يشترك فى هذا الفرح السماوى الذى تعبر عنه الوليمة. ابنى هذا: ثم بعد ذلك يذكر الأب كلمة مُلفته فيقول ” لأن ابنى هذا” وهذا يعنى أنه رغم ضلال الابن الأصغر وابتعاده لكنه يظل ابنًا عند أبيه وإن كان ابنًا ميتًا ثم عاد إلى الحياة ” ابنى هذا كان ميتًا فعاش وكان ضالاً فوُجد “. فكأنه يقول هذا هو ابنى وهو أحشائى حتى إن كان قد ضل. ومهما قال هو عن نفسه أنه لايستحق أن يكون ابنى لكنى أقول ” هو ابنى “هذه هى النعمة العظيمة التى وهبها لنا المسيح ـ بموته عنا وقيامته وبسكب روحه القدوس علينا ـ أى أن يجعلنا أبناء وهو يريدنا دائمًا أن نكون أبناء نحيا فى حضن محبته الإلهية الابن الأكبر: يخبرنا مثل الابنين أن الابن الأكبر لما رجع من الحقل وقرب من البيت سمع صوت آلات طرب ورقص. ولما سأل واحدًا من الغلمان عما حدث عرف أن أباه عمل وليمة فرحًا بعودة ابنه الأصغر. فغضب الابن الأكبر ولم يرد أن يدخل. فلما خرج أبوه يطلب إليه أن يدخل قال الابن الأكبر لأبيه ” ها أنا أخدمك سنين هذا عددها وقط لم أتجاوز وصيتك وجديًا لم تعطنى قط لأفرح مع أصدقائى ولكن لما جاء ابنك هذا الذى أكل معيشتك مع الزوانى ذبحت له العجل المسمن “موقف الابن الأكبر هذا يُشبه موقف الكتبة والفريسيين فى تذمرهم على المسيح لأنه كان يقبل الخطاة ويأكل معهم. ويظهر من كلامه أنه لم يكن متمتعًا بمحبة أبيه التى كان يحبه بها رغم أنه كان فى البيت ولم يغادره. والأب يؤكد له هذه المحبة بقوله له ” يا ابنى أنت معى فى كل حين وكل مالىّ فهو لك “، ولكن الابن الأكبر لم يكن عنده اليقين بمحبة أبيه ونصيبه عند أبيه. لأنه يقول ” وجديًا لم تعطنى قط لأفرح مع أصدقائى “. ورغم أن أباه يؤكد أن كل ما للأب فهو له إلا أنه بسبب نقص المحبة فى داخله والثقة فى محبة أبيه لم يأخذ شيئًا من أبيه رغم أن الأب يقدم له كل شئ. فلأن الابن الأكبر لم يأخذ طبيعة المحبة من أبيه ، لذلك ليس عنده قلب مُحب مثل أبيه يحب به أخاه ويفرح بعودته مثل فرح الأب. وحالة الابن الأكبر هى أيضًا ابتعاد عن محبة الله وإن كانت صورة أخرى للابتعاد غير صورة الابن الأصغر. ولكن أى ابتعاد عن محبة الله يحتاج إلى توبة ورجوع إلى ينبوع المحبة الذى هو الله . تفسير مثل الابن الضال للقديس كيرلس الأسكندري:- إني أسمع أحد الأنبياء القديسين وهو يحاول أن يربح البعيدين عن الله إلى التوبة. فيقول ” أرجع يا إسرائيل إلى الرب إلهك لأنك قد تعثرت بإثمك خذوا معكم كلامًا وأرجعوا إلى الرب ” (هو2،1:14). لذلك فأي نوع من الكلام يأمرهم بإرشاد الروح، أن يأخذوه معهم ؟ ألا يكون لائقًا بالذين يرغبون أن يتوبوا، أن يرضوا الله، الذي هو شفوق ويحب الرحمة؟ لأنه قد قال بواسطة أحد الأنبياء القديسين، ” ارجعوا أيها البنون العصاة لأشفى عصيانكم” (إر22:3). وأيضًا يقول بصوت حزقيال ” ارجعوا، توبوا وارجعوا عن كل معاصيكم يا بيت إسرائيل، اطرحوا عنكم كل معاصيكم التي عصيتم بها، لكي لا تصير لكم مهلكة .. لأني لا أسر بموت الخاطئ. بل أن يرجع ويحيا ” (حز31،30:18). ونفس هذا الحق يعلمه لنا المسيح هنا في هذا المثل الجميل، الذي سأحاول أن أبحثه بأقصى طاقة ممكنة عندي، وسأجمع نقاطه الهامة باختصار وسأشرح وأدافع عن الأفكار التي يحويها يرى البعض أن الابنين في المثل يشيران إلى الملائكة القديسين، من ناحية وإلينا نحن سكان الأرض من الناحية الأخرى. وأن الابن الأكبر، الذي عاش بتعقل، يمثل مجموع الملائكة القديسين، بينما الابن الأصغر المنحرف يمثل الجنس البشرى. وهناك آخرون بيننا يعطون المثل تفسيرًا مختلفًا، قائلين إن الابن الأكبر السالك حسنًا يشير إلى إسرائيل حسب الجسد، بينما الابن الأصغر الذي اختار أن يعيش في الشهوات والملذات والذي ابتعد بعيدًا عن أبيه، إنما يشير إلى جمهور الأمم الوثنيين. هذه الشروحات أنا لا أوافق عليها وأرجو ممن يحب التعلم، أن يبحث ما هو حقيقي وما ليس عليه اعتراضات لأن ما أقوله هو كما يأتي “ أعط فرصًا للحكيم، وقدم معرفة للأبرار ” (أم9:9) كما يوصى الكتاب، لأنهم من الشروحات التي تعطى لهم سوف يفحصون عن المعنى المناسب، فإن كنا، نشير بالابن المستقيم إلى الملائكة، فإننا لا نجده يتكلم الكلمات التي تليق بالملائكة، ولا نجده يشارك الملائكة فرحهم بالخطاة التائبين الذين يرجعون من حياة دنسة إلى حياة وإلى سلوك جدير بالإعجاب. لأن مخلص الجميع يقول ” إنه يكون فرح في السماء قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب” (لو7:15)، بينما الابن الموصوف لنا في هذا المثل، باعتباره مقبولاً من أبيه، ويسلك حياة بلا لوم، يظهر أنه غاضب، بل ويصل في مشاعره غير الحبية إلى درجة أنه ينسب اللوم إلى أبيه بسبب محبته الطبيعية لابنه الذي خلص. فالمثل يقول ” إنه لم يرد أن يدخل البيت“. لأنه أغتاظ بسبب قبول الابن التائب ومن ذبح العجل المسمن ولأن أباه صنع له وليمة. ولكن هذا كما قلت ، يختلف عن مشاعر الملائكة القديسين. لأنهم يفرحون ويسبحون الله حينما يرون سكان الأرض يخلصون. لأنه حينما أخضع الابن نفسه ليولد بالجسد من امرأة في بيت لحم، حمل الملاك عندئذ الأخبار السارة إلى الرعاة قائلاً: ” لا تخافوا فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب ، لأنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب“، والملائكة يتوجون الذي ولد بالتمجيد والتسابيح قائلين ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفى الناس المسرة” (لو10:2،11،14) ولكن إن كان أي أحد يقول، إن إسرائيل حسب الجسد هو المقصود بالابن الأكبر في المثل الذي كان متمسكًا بوصية أبيه فإننا أيضًا لا نستطيع أن نوافق على هذا الرأي، ذلك لأنه من غير المناسب على الإطلاق أن نقول عن إسرائيل أنه عاش حياة بلا لوم. ففي كل الأسرار الموحى بها نجد شعب إسرائيل متهمين بأنهم متمردون وعصاة؛ لأنهم قد أُخبروا بصوت إرميا ” ماذا وجد فيَّ آباؤكم من جور حتى ابتعدوا وساروا وراء الباطل وصاروا باطلاً؟” (إر5:2). وتكلم الله أيضًا بعبارات مشابهة بصوت إشعياء: “ هذا الشعب قد اقترب بفمه، وأكرمني بشفتيه، وأما قلبه فأبعده عنى، وهم يعلّمون تعاليم هي وصايا الناس” (إش13:29). فكيف يستطيع أحد أن يطبق على أولئك الذين يُوجه إليهم اللوم هكذا، الكلمات المستعملة فى المثل عن الابن الأكبر المتمسك بوصية أبيه؟ لأنه قال ” هاأنا أخدمك سنين هذا عددها، وقط لم أتجاوز وصيتك“، لأنهم لم يكونوا ليلاموا على طريقة حياتهم لو لم يتعدوا الوصايا الإلهية، وبذلك أدوا بأنفسهم إلى حياة مستهترة مدنسة وأيضًا يقول البعض إن العجل المسمن الذي ذبحه الأب حينما رجع ابنه إنما يشير إلى مخلصنا. ولكن كيف يمكن للابن الأكبر الذي يوصف أنه حكيم وفطين ومتمسك بواجبه والذي يشير به البعض إلى الملائكة القديسين ـ كيف يمكن لذلك الابن أن يعتبر ذبح العجل سببًا للغضب والغيظ؟ كما أننا لا نستطيع أن نجد برهانًا على أن القوات السماوية قد حزنت حينما احتمل المسيح الموت بالجسد أي حينما ذُبح المسيح لأجلنا. إنهم بالحرى فرحوا، كما قلت عندما رأوا العالم يخلص بدمه المقدس، وأيضًا ما هو السبب الذي جعل الابن الأكبر يقول ” جديًا لم تعطني قط“. فأي بركة كانت تنقص الملائكة القديسين، إذ أن رب الكل قد أنعم عليهم ـ بيد سخية بفيض من المواهب الروحية؟ وهل كانوا يحتاجون إلى أية ذبيحة فيما يخص حالتهم؟ لأنه لم يكن هناك احتياج أن يتألم عمانوئيل أيضًا نيابة عنهم. ولكن إن تخيل أحد كما سبق أن قلت، إن المقصود بالابن الأكبر هو إسرائيل حسب الجسد، فكيف يستطيع أن يقول بالحق “جديًا لم تعطني قط؟“، لأنه، سواء دعوناه عجلاً أم جديًا فالمسيح هو الذي يجب أن يُفهم أنه هو الذبيحة المقدمة لأجل الخطية. ولكنه قُدِمَ ذبيحة ليس لأجل الأمم فقط، بل أيضًا لكي يفدى إسرائيل، الذي بسبب تعدياته الكثيرة للناموس، قد جلب على نفسه لومًا عظيمًا، وبولس الحكيم يشهد لهذا الأمر قائلاً: ” لذلك يسوع أيضًا لكي يقدس الشعب بدم نفسه تألم خارج الباب ” (عب12:13) فما هو موضوع المثل إذن؟ دعونا نفحص المناسبة التي قادت إليه، فإننا بذلك سنتعلم الحقيقة. لذلك فإن لوقا المبارك نفسه قد تكلم قليلاً عن المسيح مخلصنا قبل هذا المثل فقال: “ وكان جميع العشارين والخطاة يدنون منه ليسمعوه. فتذمر الفريسيون والكتبة قائلين هذا الإنسان يقبل الخطاة ويأكل معهم ” (لو2،1:15). لذلك فلأن الفريسيين والكتبة اعترضوا على رحمته ومحبته للإنسان، وبشرٍ وبعدم تقوى لاموه على قبول وتعليم الناس الذين كانت حياتهم مدنّسة، فكان من الضروري أن يضع المسيح أمامهم هذا المثل، ليريهم هذا الأمر ذاته بوضوح: إن إله الكل يريد من الإنسان الثابت والراسخ، والذي يعرف أن يعيش حياة مقدسة وقد وصل إلى ما يستحق أعلى مديح لأجل تعقله في السلوك، يريد من هذا الإنسان أن يكون مخلصًا في اتباع مشيئته، لكن حينما يرى أي واحد قد دُعِيَ إلى التوبة حتى إن كان من الذين يعيشون حياة ملومة جدًا، فإنه ينبغي بالحرى أن يفرح ولا يكون عنده غيظ مضاد للمحبة من جهة التائبين لأننا نحن أحيانًا نختبر شيئًا من هذا النوع لأنه يوجد البعض الذين يعيشون حياة كاملة مكرمة ثابتة، ويمارسون كل نوع من أعمال الفضيلة، ويمتنعون عن كل شئ مخالف لشريعة الله، ويتوجون بمديح كامل في نظر الله والناس. بينما البعض الآخر ربما يكونون ضعفاء عاثرين، ومنحطين إلى كل نوع من الشر ومذنبين بأفعال رديئة، محبين للدنس والطمع وملوثين بكل اثم، ومع ذلك يحدث كثيرًا أن يرجع هؤلاء إلى الله في سن متقدم ويطلبون غفران خطاياهم السابقة: إنهم يصلون لأجل الرحمة، ويتركون جانبًا استعدادهم للسقوط في الخطية، وتشتعل فيهم الرغبة للحياة الفاضلة، أو ربما حينما يوشك بعضهم على الاقتراب من نهاية حياته، فإنه يطلب المعمودية الإلهية ويغتسل من خطاياه تاركًا شروره، فإن الله عندئذٍ يكون رحيمًا بهم. وقد يحدث أحيانًا أن يتذمر بعض الأشخاص من هذا، بل ويقولون ” هذا الإنسان الذي كان مذنبًا بكذا وكذا من الأعمال الشريرة، وقد تكلم بكذا وكذا من الكلمات، هذا الإنسان لم يفِ دين سلوكه الرديء أمام قاضى العدل، بل إنه حُسب أهلاً لنعمة سامية وعجيبة وقد حُسب بين أبناء الله، وكُرم بمجد القديسين ” مثل هذه الشكوى ينطق بها الناس أحيانًا نتيجة ضيق العقل الفارغ. وشكواهم لا تتفق مع غرض أب الجميع. لأن الآب يفرح فرحًا عظيمًا حينما يرى الذين كانوا ضالين يحصلون على الخلاص، وهو يرفعهم ثانية إلى ما كانوا عليه في البداية، معطيًا لهم ثياب الحرية مزينًا إياهم بالحُلة الأولى، ويضع خاتمًا في يدهم، ويعطيهم السلوك المرتب الذي يرضى الله ويناسب الأحرار لذلك فإن واجبنا أن نخضع أنفسنا لما يريده الله، لأنه يشفى الذين هم مرضى، وهو يرفع الساقطين، ويمد يده بالمعونة للذين يعثرون، ويرد إليه الذين ابتعدوا عنه، وهو يُشكَّل من جديد في شكل حياة ممدوحة وبلا لوم أولئك الذين كانوا يتمرغون في وحل الخطية، إنه يفتش عن أولئك الذين ضلوا، وهو يقيم من الموت الذين كانوا يعانون من الموت الروحي دعونا نفرح أيضًا، هيا نفرح، مع الملائكة القديسين ونسبح الله لأنه صالح ومحب للبشر، ولأنه رحيم ولا يذكر الشر، لأنه إن كنا نفكر هكذا فالمسيح سوف يقبلنا، الذي به ومعه لله الآب كل تسبيح وسيادة مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين. القديس كيرلس الكبير
المزيد
08 مارس 2020

الأحد الثاني للصوم الكبير صوم المسيح وتجربته فى البرية

” أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس. وكان يُقتاد بالروح فى البرية. أربعين يومًا يُجرب من إبليس. ولم يأكل شيئًا فى تلك الأيام. ولما تمت جاع أخيرًا ” (لوقا4: 1و2)حينما يتكلم الأنبياء المباركون عن كلمة الله الوحيد ـ الذى هو مساوٍ لله فى المجد، وشريك عرشه، الذى يضيء معه بمساواة كاملة ـ فإنهم أى الأنبياء يقودوننا إلى الاقتناع أنه أُظهر كمخلَّص ومحرَّر لأولئك الذين على الأرض، وذلك بقولهم“قم يارب، أعنى” (مز26:44) لذلك قام وأعان، وذلك باتخاذه صورة عبد، إذ قد صار فى شبه الناس، فإنه كواحد منا قد أقام نفسه كمنتقم بدلاً منا، منتقم من تلك الحية القاتلة والمتمردة، التى أدخلت الخطية إلينا وبذلك جعلت الفساد والموت يملكان الأرض، لكى بواسطة المسيح وفيه نحصل على النصرة بينما كنا فى القديم مهزومين وساقطين فى آدم لذلك تعالوا بنا لنسبح الرب ونرتل مزامير لله مخلصنا، هلموا لندوس الشيطان تحت أقدامنا، لنرفع صوت النصر على الذى هو الآن مطروح وساقط، هيا لنرتفع فوق الزحاف الخبيث الذى أُمسك فى فخ لا فكاك منه، ولنقل عنه نحن أيضًا بكلمات إرميا النبى” كيف كسرت مطرقة الأرض كلها وضربت فقد وُجدت وأُخذت، لأنك وقفت ضد الرب” (إر23:1س) لأنه منذ القدم، أى قبل زمن مجيء المسيح مخلص الكل، فإن عدو الجميع كانت له تصورات كبيرة ومخيفة عن نفسه. لأنه كان يفتخر متعظمًا على ضعف سكان الأرض قائلاً ” سأمسك العالم فى يدى كعش وكبيض مهجور آخذه، ولن يهرب أحد منى أو يتكلم ضدى” (إش14:10س) وفى الحقيقة لم يكن أحد من أولئك الذين على الأرض يستطيع أن يقوم ضد قوته، ولكن الابن قام ضده وتصارع معه إذ قد صار مثلنا. لذلك كما قلت فإن الطبيعة البشرية بسبب انتصارها في المسيح تربح الإكليل. وهذا ما أنبأ به الابن نفسه فى الزمن القديم حينما خاطب الشيطان بواسطة أحد الأنبياء القديسين هكذا ” هاأنذا عليك أيها الجبل المهلك ـ الملك كل الأرض ” (إر25:51) تعالوا إذن وهيا بنا لنرى ماذا يقول الإنجيلي المبارك، حينما كان المسيح ذاهبًا ليحارب لحسابنا ضد ذلك الذى أهلك الأرض كلها” أما يسوع فرجع ممتلئًا من الروح القدس“. انظروا هنا، أرجوكم، طبيعة الإنسان ممسوحة بنعمة الروح القدس فى المسيح كباكورة، ومتوجة بأعلى الكرامات. لأنه منذ القديم قد وعد إله الكل قائلاً ” ويكون فى تلك الأيام إنى سأسكب من روحى على كل جسد” (يؤ28:2). وقد تحقق الوعد لأجلنا فى المسيح أولاً. وبينما يقول الله عن أولئك الذين فى القديم، الذين استسلموا لشهوة الجسد بلا ضوابط، ” لا يسكن روحى فى هؤلاء الناس لأنهم جسد ” (تك3:4س). أما الآن فلأن كل الأشياء قد صارت جديدة فى المسيح وقد اغتنينا بالميلاد الجديد الذى بواسطة الماء والروح ـ لأننا لم نعد أولاد اللحم والدم، بل بالحرى ندعو الله أبًا لنا ـ لذلك إذ صرنا الآن فى كرامة بحق، وإذ نمتلك امتياز التبنى المجيد، فقد صرنا شركاء الطبيعة الإلهية بواسطة حصولنا على الروح القدس. ولكن الذى هو البكر فى وسطنا، حينما صار هكذا بكرًا بين اخوة كثيرين وأعطى نفسه للإخلاء فإنه كان أول من حصل على الروح، رغم أنه هو نفسه معطى الروح، لكى تصل إلينا بواسطته هذه الكرامة ونعمة الشركة مع الروح القدس. والرسول بولس يعلمنا مثل هذا حينما يتحدث عنه وعنا ويقول ” لأن المقدس والمقدَسين جميعهم من واحد، فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم اخوة قائلاً أخبر باسمك اخوتى” (عب11:2 ،12). ولأنه لم يستحِ بالمرة أن يدعونا اخوة نحن الذين أخذ شكلنا لذلك إذ قد نقل فقرنا إلى نفسه، فإنه يتقدس معنا رغم أنه هو نفسه مقدِّس الخليقة كلها. وذلك لكى لا تراه أنت رافضًا لمستوى الطبيعة البشرية، هو الذى رضى من أجل خلاص وحياة الكل أن يصير إنسانًا لذلك، حينما يقول الإنجيلى الحكيم عنه ” أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح“، فلا تعثروا ولا تخطئوا فى أفكاركم الداخلية وتحيدوا عن تعليم الحق، فيما يخص الطريقة والكيفية التى بها تقدس الكلمة ذلك الذى هو الله، بل بالحرى افهموا حكمة التدبير التى بسببها، صار هو موضوع إعجابنا. لأنه قد صار جسدًا وأصبح إنسانًا، لا لكى يتحاشى كل ما يختص بحالة الإنسان ويحتقر فقرنا، بل لكى ما نغتنى نحن بما هو له، وذلك بأنه قد صار مثلنا فى كل شئ ما خلا الخطية. لذلك فهو يتقدَّس كإنسان، ولكنه يُقَدِّس كإله، لأنه إذ هو بالطبيعة إله صار إنسانًا. لذلك يقول الإنجيلى: “وكان يُقتاد بالروح فى البرية أربعين يومًا يُجرب من إبليس“. فما هو إذن معنى كلمة “يُقتاد”؟ إنها لا تعنى توصيله إلى هناك. لأننا نحن أنفسنا أيضًا اعتدنا أن نقول عن أى واحد يحيا بالتقوى، إن فلانًا أو فلانًا أيًا كان الشخص إنما يحيا حياة صالحة. ونحن نعطى لقب مربى لا لنشير به بحسب معناه الحرفى إلى أولئك الذين يقودون الأطفال فعلاً، بل نعنى أنهم يعتنون بهم ويدربونهم بطريقة حسنة جديرة بالثناء، مربين إياهم ومعلمين لهم أن يسلكوا بطريقة لائقة إذن فهو قد أقام فى البرية بالروح، أى روحيًا، فإنه صام، ولم يمنح أى طعام إطلاقًا لحاجات الجسد. ولكنى أتخيل أن البعض قد يعترضون على هذا قائلين وما هو الضرر الذى يلحق يسوع من الإقامة الدائمة فى المدن؟ وما هو الذى يفيده حتى يختار الإقامة فى البرية؟ فليس هناك شئ حسن يحتاج إليه. وأيضًا لماذا هو يصوم؟ وما الذى كان يلزمه لكى يتعب وهو الذى لا يعرف أى إحساس بتحرك أى رغبة منحرفة؟ فنحن نمارس الصوم كوسيلة نافعة جدًا لكي نميت اللذات بواسطته ونقاوم قانون الخطية الذى فى أعضائنا، ونقتلع تلك العواطف التى تؤدى إلى الشهوة الجسدية. أما المسيح فأى حاجة له إلى الصوم؟ فهو الذى بواسطته يبيد الآب الخطية فى الجسد. وبولس الإلهى إذ عرف هذا كتب: ” لأن الناموس فيما كان عاجزًا عنه بسبب ضعفه بواسطة الجسد فإن الله إذ أرسل ابنه فى شبه جسد الخطية ولأجل الخطية، دان الخطية فى الجسد لكى يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح ” (رو3:8و4). لذلك فهو الذى يميت حركات الجسد فينا نحن أنفسنا الكائنات البائسة، وقد أباد الخطية، فأى صوم يمكن أن يحتاجه فيما يخصه هو نفسه؟ إنه قدوس وغير مدنّس بالطبيعة، وهو نقى تمامًا وبلا عيب. وهو لا يمكن أن يحدث له ولا ظل تغيير. فلماذا إذن جعل إقامته فى البرية وصام وجُرِّبَ ؟ يا أحبائى إن المسيح كمثال لنا يهتم بنا، فهو يضع أعماله أمامنا كنموذج لنا، ويؤسس مثالاً للحياة الفضلى والعجيبة التى يمكن أن تُمارس فى وسطنا، وأنا أعنى حياة الرهبان القديسين. لأنه منذ متى كان ممكنًا للناس على الأرض أن يعرفوا أن عادة السكن فى الصحارى هى نافعة لهم ومفيدة جدًا للخلاص؟ لأنهم يعتزلون من أمام الأمواج والعواصف ومن الاضطراب الشديد وارتباكات هذا العالم الباطلة، وهكذا كما لو كانوا مثل يوسف المبارك، فإنهم يتجردون ويتركون للعالم كل ما هو خاص به. وبولس الحكيم يقول شئ مثل هذا أيضًا عن أولئك الذين يريدون أن يعيشوا هكذا: “ ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات ” (غل24:5). وهو يبين لأولئك الذين يختارون هذه الطريقة للحياة أن الإمساك ضرورى، الذى ثمرته الصوم وقوة الاحتمال، والإمساك عن الطعام أو أخذ القليل منه. فإنه عندئذ حينما يجربهم الشيطان فإنه سينهزم لاحظوا هذا بنوع خاص أن الرب اعتمد أولاً وامتلأ من الروح القدس، وبعد ذلك ذهب إلى البرية، ومارس الإمساك، أى الصوم كما لو كان سلاحًا له. وهكذا إذ كان مستعدًا فحينما اقترب منه الشيطان انتصر عليه، وبذلك فقد وضع نفسه أمامنا كنموذج فأنت، لذلك ينبغى أيضًا أن تلبس سلاح الله، وترس الإيمان، وخوذة الخلاص. ينبغى أولاً أن تلبس قوة من الأعالى، أى ينبغى أن تصير مشتركًا فى الروح القدس بواسطة المعمودية الثمينة، وحينئذ يمكن أن تسلك الحياة المحبوبة والمكرمة لدى الله، وحينئذ يمكنك ـ بشجاعة روحية ـ أن تسكن فى الصحارى، وحينئذ تحفظ الصوم المقدس وتميت الأهواء وتهزم الشيطان حينما يجربك. لذلك، فإننا فى المسيح قد حصلنا على كل الأشياء ياللعجب فإنه يظهر بين المصارعين وهو نفسه كإله يمنح الجائزة، يظهر بين أولئك الذين يلبسون إكليل النصر، وهو الذى يكلل هامات القديسين، لذلك فلننظر ولنلاحظ مهارته فى مصارعته وكيف هزم خبث الشيطان وشره. فحينما قضى أربعين يومًا صائمًا فإنه جاع أخيرًا ولكنه هو نفسه يعطى الجياع طعاما؛ وهو نفسه الخبز النازل من السماء الواهب حياة للعالم وهو الذى به تقوم كل الأشياء. ولكن من الجهة الأخرى، بسبب أنه كان من الضرورى لذاك الذى لم يرفض فقرنا، أن لا ينسحب من أى شئ يخص حالة الإنسان، لذلك فقد وافق أن يحتاج للمؤونة الطبيعية. وهذا هو سبب القول ” إنه جاع “. ولكنه مع ذلك لم يجع إلاّ بعد أن صام مدة كافية، وبقوته الإلهية قد حفظ جسده من الخوار، رغم امتناعه عن الطعام والشراب، لكى يسمح لجسده أن يشعر بالإحساسات الطبيعية كما هو مكتوب: ” إنه جاع“. ولأى سبب هذا؟ لكى بمهارة بواسطة الاثنين، فإن ذلك الذى هو إله وإنسان معًا فى نفس الوقت يمكن أن يُعرف بهاتين الصفتين فى نفس الشخص الواحد: أى أعلى منا بطبيعته الإلهية، ومساوٍ لنا فى بشريته. تجربة الخبز :- لوقا4:4 ” وقال إبليس: إن كنت ابن الله فقل لهذا الحجر أن يصير خبزًا ” حينئذٍ يقترب الشيطان لكى يجربه، متوقعًا أن إحساس الجوع سيساعده فى خطته الخبيثة: فإن الشيطان كثيرًا ما ينتصر علينا باتخاذه ضعفاتنا كمساعد لمكائده ومغامراته. لقد تصور الشيطان أن الرب يسوع سيقفز حالاً نحو الرغبة فى رؤية الخبز جاهزًا للأكل، ولذلك قال: ” إن كنت ابن الله، فقل لهذا الحجر أن يصير خبزًا“. إذن فهو يقترب منه، كإنسان عادى وكواحد من القديسين: ومع ذلك فهو لا يزال متشككًا فى أمره، إنه ربما يكون هو المسيح. فبأى طريقة أراد أن يعرف هذا؟ لقد اعتبر الشيطان أن تغيير طبيعة شئ إلى طبيعة أخرى إنما هو فعل قوة إلهية وعملها، لأن الله هو الذى يصنع هذه الأشياء وهو الذى يحوّلها. لذلك، قال فى نفسه إن فعل هذا، فإنه يكون هو بالتأكيد ذلك الشخص المنتظر الذى سيبطل قوتى، ولكن إن رفض أن يعمل هذا التغيير، فإنى بذلك أتعامل مع إنسان وأطرح الخوف بعيدًا، وأنجو من الخطر. لذلك فإن المسيح، لمعرفته بحيلة الشيطان، فإنه رفض أن يحوّل الحجر خبزًا، كما أنه لم يقل إنه غير قادر أو غير راغب أن يعمل هذا التغيير، بل بالحرى يصده بسبب إلحاحه وتداخله فيما ليس له، قائلاً: ” إن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده“، وهو يعنى بهذا، أنه إن أعطى الله قوة للإنسان، فإنه يمكن أن يصمد بدون طعام، ويحيا مثل موسى وإيليا اللذان بقوة كلمة الرب صرفا أربعين يومًا دون أن يأكلا شيئًا، لذلك، فإذا كان ممكنًا للإنسان أن يحيا بدون خبز، فلماذا أحوّل الحجر خبزًا؟ ولكن الرب تعمَّد ألاّ يقول، إنى لا أستطيع وذلك لكى لا ينكر قوته الخاصة، كما أنه لم يقل، إنى أستطيع لئلا عندما يعرف المجرب بذلك إنه هو الله الذى عنده وحده كل شئ مستطاع، فإنه يتركه ويهرب وأرجوكم أن تلاحظوا، كيف أن طبيعة الإنسان فى المسيح هى حرة من أخطاء شراهة آدم، فعن طريق الأكل انهزمنا فى آدم وبواسطة الصوم انتصرنا فى المسيح بواسطة الطعام الذى يخرج من الأرض، يتقوى جسدنا الأرضى، ويسعى إلى الحصول على غذائه مما هو مجانس له، أما النفس العاقلة فإنها تتغذى وتنمو إلى الصحة الروحانية بواسطة كلمة الله. لأن الطعام الذى تقدمه الأرض يغذى الجسد الذى هو قريب لها، أما الطعام الذى من فوق ومن السماء فيقوى الروح ويشددها. طعام النفس هو الكلمة الآتية من الله، أى الخبز الروحانى الذى يقوى قلب الإنسان كما يُرنم فى كتاب المزمور. وإننا نؤكد أن طبيعة خبز الملائكة القديسين هى أيضًا الكلمة الإلهية. تجربة ممالك العالم:- لوقا5:4 ” ثم أصعده إبليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك العالم فى لحظة من الزمان ” وأنت أيها الكائن الخبيث الشرير الملعون، كيف تتجاسر أن تُرى الرب ممالك الخليقة كلها وتقول: ” إنها لى؟ فإن سجدت أمامى سأعطيها لك“. فكيف تعد بشيء ليس هو لك؟ من جعلك وارثًا لمملكة الله؟ من جعلك سيدًا على كل ما تحت السماء؟ إنك حصلت على هذه الأشياء بالخداع والاحتيال، لذلك إرجعها، للابن المتجسد، رب الكل. واسمع ما يقوله إشعياء النبى عنك : ” هل قد أعد لك أيضًا أن تملك؟ هى هوة عميقة، ونار، وكبريت، وحطب مرتب، وغضب الرب كهوة مشتعلة بكبريت“. (إش33:30س) فكيف إذن وأنت نصيبك هو اللهيب الذى لا ينطفئ تعد ملك الكل بما هو ليس لك؟ هل تظن أنك تجعله يسجد له وهو الذى ترتعد أمامه كل الكائنات والسارافيم وكل القوات الملائكية تسبحه بمجد؟ إنه مكتوب: ” للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد“. لقد ذكر الرب هذه الوصية فى الوقت المناسب ووجهها إليه فى الصميم. فقبل مجيء الرب، كان الشيطان قد خدع كل من تحت السماء، وكان يُعبد فى كل مكان. أما وصية الله هذه فإنها تطرده من السيادة التى اغتصبها بالخداع، وتوصى الناس أن يعبدوا الذى هو الإله بالطبيعة وبالحق، وأن يقدموا الخدمة والسجود له وحده. تجربة جناح الهيكل:- لوقا9:4 : ” ثم جاء به إلى أورشليم وأقامه على جناح الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح نفسك من هنا إلى أسفل” التجربة الثالثة التى يستخدمها الشيطان هى المجد الباطل قائلاً: ” ألقِ نفسك إلى أسفل“، كبرهان على ألوهيتك. ولكنه لم يستطع أن يسقطه بواسطة الغرور، بل إن سهم الشيطان أخطأ الهدف. فقد أجابه الرب: ” إنه قيل لا تجرب الرب إلهك“. فإن الله لا يمنح معونته لأولئك الذين يجربونه، بل لأولئك الذين يثقون به، ولا ينبغى بسبب تلطفه ورحمته علينا أن نتباهى ونغتر. ولنلاحظ أيضًا أن المسيح لم يعطِ آية لأولئك الذين كانوا يجربونه فيقول: ” جيل شرير يطلب آية ولا تُعطى له آية“. فلنسمع الشيطان وهو يجرب هذه الكلمات. لذلك فنحن قد نلنا الانتصار فى المسيح، أما الذى انتصر على آدم فمضى الآن خجلاً لكيما نستطيع أن نضعه تحت أقدامنا، لأن المسيح كمنتصر قد سلمنا أيضًا القوة أن ننتصر، قائلاً: ” ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو“. لوقا10:4 ” لأنه يوصى ملائكته بك لكى يحفظوك” انظروا كيف يحاول بخبث أن يستخدم الكتاب المقدس لكى يحط من مجد الرب، كما لو كان الرب محتاجًا لمساعدة الملائكة، وكما لو كان سيعثر لو لم تساعده الملائكة. لأن هذا المزمور لا يشير إلى المسيح، والرب العالى لا يحتاج للملائكة. أما جناح الهيكل، فقد كان مبنى مرتفع جدًا مُقام إلى جانب الهيكل والبعض يشير بهذا المزمور خطأ إلى شخص الرب، ويأخذون عباراته معًا التى تقول هكذا “ لأنك، يارب أنت رجائى جعلت العلى ملجأك” (مز9:91) ولذلك، يقولون إن له ملجأ هو العلى، أى الآب الذى فى السماء. وحجتهم فى مثل هذه الطريقة فى الفهم، أن الشيطان فهمها هكذا فقال: ” إن كنت ابن الله فالقِ نفسك إلى أسفل: لأنه مكتوب أنه يوصى ملائكته بك لكى يحفظوك“، فالشيطان لأنه كذاب ومخادع، يطبق ما هو مكتوب عنا نحن على شخص المسيح مخلصنا جميعًا. ولكننا نحن لا نفهمها بطريقة الشيطان، حتى إن كان الآريوسيون قد فهموها هكذا، فليس هناك ما يدعو للدهشة فى موقفهم هذا، لأنهم يتبعون أباهم، الذى هو كذاب، وليس فيه حق، بحسب كلمات المخلّص. فإن كان الحق هو كما يقولون هم، ونحن قد جعلنا المسيح عوننا، وهو قد جعل الآب ملجأه، فعندئذ نكون نحن قد التجأنا إلى واحد هو نفسه محتاج إلى المساعدة ودعونا ذلك الذى يخلص بواسطة آخر مخلّصًا لنا. هذا لا يمكن أن يكون، حاشا لله. لذلك فنحن نقول لأولئك الذين يريدون أن يفكروا هكذا، أنتم تسيرون خارج الطريق الملكى المستقيم، أنتم تسقطون وسط الأشواك والفخاخ، لقد ضللتم بعيدًا عن الحق. فالابن مساوٍ للآب فى كل الأشياء، فهو صورة ورسم جوهره، وهو العلى كما أن الآب أيضًا هو العلى فالشيطان إذن استخدم هذه العبارات كما لو كان المخلّص إنسانًا عاديًا. فلأنه ظلام بكليته، وقد أعمى عقله، فإنه لم يفهم قوة المكتوب فى المزمور أنه يقصد به شخص كل إنسان بار ينال عونًا من السماء. وإلى جانب ذلك، لم يعرف أن الكلمة، الذي هو الله، قد صار إنسانًا، والآن هو نفسه يُجرّب بحسب خطة الخلاص وكما سبق أن قلت، فقد افترض (الشيطان) أن كلمات المزمور قد قيلت كما عن إنسان عادى أو عن واحد من الأنبياء القديسين ولكن بالنسبة لنا نحن الذين نعرف السر تمامًا، والذين نؤمن أنه هو الله وابن الله، وأنه صار من أجلنا إنسانًا مثلنا، فإنه أمرٌ بشع جدًا أن نتصور أن عبارات المزمور هذه تتحدث عنه. إذن فنحن نقول، إن عبارة ” جعلت العلى ملجأك” لا تناسب شخص المخلّص، فإنه هو نفسه العلى، ملجأ الكل, ورجاء الكل، وهو عن يمين الآب الكلى القدرة، وكل من يجعله حصنا له، فلن يقترب منه شر لأنه يأمر الملائكة، الذين هم أرواح خادمة، أن يحرسوا الأبرار فكما أن آبائنا الجسديين حينما يرون الطريق خشنًا ويصعب عبوره، فإنهم يمسكون أطفالهم فى أيديهم، لكى لا تصاب أقدامهم الضعيفة بأذى، لكونهم لا يزالون غير قادرين أن يسيروا على الطرق الصعبة، هكذا أيضاً قوات الملائكة لا يسمحون لأولئك الذين لا يزالون غير قادرين على الجهاد بعد، والذين لا يزال ذهنهم طفوليًا، أن يتعبوا بما يفوق طاقتهم، بل يختطفوهم بعيداً عن كل تجربة. القديس كيرلس الأسكندرى
المزيد
30 ديسمبر 2019

انطباع الصورة الالهية في نفوسنا

الصفة الالهية تُطبَع فينا، وبذلك تُشكَل طريقة حياتنا بممارستنا للصلاح ! فالصلاح فائق بحسب ما يليق بجوهر الله، ورغم ذلك فنحن نستطيع أن نصير صالحين بالاقتداء به، وذلك بفضل طريقة حياتنا، بشرط أن نختار باشتياق وامتداد للأمام كل ما يستحق الاقتداء به، ولأننا نتمتع بذهن صاف ورؤية صائبة فلا يمكن أن ندّعِي أننا لكي تنطبع الحياة الالهية في نفوسنا لابد أن نكون مشابهين لله في الجوهر ! فهذه المشابهة تقودنا الي أن نصير مساويين له في كل صفاته، حاشا ! لأن ذلك سيقودنا الي ان نعطي ذواتنا نفس المقام الالهي بدون أي اختلاف بيننا وبينه علي اعتبار أننا خُلِقنا علي صورته كشبهه ! وهكذا يجب التنويه بأنه رغم أننا خُلِقنا علي صورته ومثاله الا أن الفارق بين الله والانسان فارق شاسع، فالله بسيط في طبيعته وغير مركب بينما نحن نملك طبيعة مركبة، اذ ان طبيعتنا البشرية مكونة من أجزاء متعددة، ونحن من التراب فيما يخص الجسد وهذا يعني أننا معرّضون للفساد والزوال مثل الأعشاب، بينما الله فوق كل ذلك، والنفس الانسانية عرضة لتقلبات كثيرة من الصالح الي الطالح ومن الطالح الي الصالح، ولكن الله هو هو دائماً، صالح الي الأبد ولا يتحول ولا يتغير من حال الي حال، وعدم تغيّر الله ليس صفة عرضية بل يرجع الي جوهره، وهكذا أصبح من الواضح أن البشر الذين أتوا الي الوجود من العدم لا يتشابهون مع الله حسب الطبيعة، بل يمكن أن يتشابهوا معه في نوعية الحياة الجديدة والسلوك المستقيم … لأنه رغم سقوطنا الا انه لا نحن ولا الملائكة الذين سقطوا، لم ننحرف كليّةً عن طبيعتنا، ولم ننحدر الي العدم الكلي، رغم عدم اقتنائنا للفضيلة، ولقد فقدنا القدرة علي المعرفة الصحيحة وفن الحياة وذلك بسبب ميلنا للشر، ولكن المسيح جاء ودعانا الي أن نتشكل من جديد حسب الصورة الأولي بكل بهائها، ولا نقول أبداً ان الوصول الي هذا المجد يعني أن الطبيعة البشرية تصير طبيعة أخري ! ولكن الأمر يتعلق باختيار الارادة في أن يتغير الانسان من حياة شريرة الي حياة مقدسة في القول والفعل … فان صفات الله تضئ في صورتنا، لأننا اخترنا بملء حريتنا أن نسير في الصلاح، ولكننا … لسنا واحداً مع الله في الجوهر لأنه لو صح ذلك كما يدّعُون فما الذي يمنعنا أيضاّ ان نكون من نفس طبيعة خالقنا ؟! ـــــــــــــــــــــــــــــ + ترجمها المركز الارثوذوكسي للدراسات الآبائية عن النص اليوناني + عن الطبعة الثانية بعنوان “حوار حول الثالوث الجزء الأول والثاني” + ترجمت عن المجلد 231 من سلسلة المصادر المسيحية + رُجِعَت من مجموعة ميني اليونانية PG75:657-1124
المزيد
08 أغسطس 2019

العذراء مريم والدة الإله

ولد الكلمة من الآب بطريقة لا ندركها بل هى فوق مستوى الإدراك لكنه فى الزمان الاخير تجسد وولد من امرأة حسب الجسد. والذى حدث انه اخذ من العذراء القديسة جسداً واتحد به اتحاداً حقيقياً. لذلك نعتقد ان العذراء القديسة هى والدة الإله لانها ولدته حسب الجسد لكنه مولود فى ذات الوقت من الآب قبل كل الدهور . اذا كان هناك احد ما يتجرأ او يعلم ان العذراء مريم ولدت الطبيعة الإلهية غير الجسدانية فإن هذا هو الجنون بعينه لإن الطبيعة الإلهية ليست من تراب الأرض حتى تولد منه ولا تلك الخاضعة للفساد (اى العذراء) تصبح أماً لعدم الموت، ولاتلك الخاضعة للموت تلد الذى هو حياة الكل، ولا غير المادى يصبح ثمرة للجسد الذى بطبيعتة خاضع للميلاد وله ابتداء فى الزمان. الجسد لا يمكنه ان يلد الذى لا بداية له. لكننا نؤكد ان الكلمة صار ما نحن وأخذ جسداً و أتحد به اتحاداً حقيقياً بطريقة فوق الإدراك او التعبير وانه تأنس وولد حسب الجسد. ألا تولد النفس البشرية وهى من طبيعة مختلفة عن الجسد لأنها متحدة به، ولا أظن ان احداً سيفترض ان النفس لها طبيعة الجسد او انها تتكون معه، وانما الله بطريقة غير معروفة يغرسها فى الجسد وتولد معه. ولذلك نحن نحدد ان الكائن الحى الواحد المولود هو من اثنين. وهكذا الكلمة هو الله لكنه تجسد، وايضاً ولد حسب الجسد و بطريقة بشرية لذلك تدعى التى ولدته والدة الإله. [1] حيث ان العذراء القديسة ولدت جسدياً الله متحداً بالجسد الإقنوم فنحن نقول انها “والدة الإله” ليس ان طبيعة الكلمة تأخذ بداية وجودها من الجسد لانه (اى الكلمة) كان فى البدء والكلمة كان الله “وكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ” (يو 1:1) وهو نفسه خالق الدهور وهو ازلى مع الآب وخالق كل الاشياء لانه كما قلنا سابقاً انه اذ وحد الانسانى بنفسه اقنومياً فإنه احتمل الولادة الجسدية من بطنها. واذا قد ولدته امرأة موحداً نفسه بالجسد فسوف ترفع اللعنة اذن عن كل الجنس البشرى. من لا يعترف ان عمانوئيل هو الله بالحقيقة ؟! وبسبب هذا فالعذراء هى “والدة الإله” لانها ولدت جسدياً الكلمة الذى من الله، الذى تجسد فليكن محروماً . [2] نعترف ان ربنا يسوع المسيح ابن الله الوحيد هو إله كامل و انسان كامل ذو نفس عاقلة و جسم، وهو مولود من الآب قبل كل الدهور بحسب لاهوته و انه هو نفسه فى الايام الاخيرة من أجلنا ومن أجل خلاصنا ولد من مريم العذراء بحسب ناسوته وهو نفسه من الجوهر نفسه الذى للآب (او مع الآب) حسب لاهوته ومن نفس الجوهر الذى لنا (او معنا) بحسب ناسوته لانه قد حدث اتحاد بين الطبيعتين لاجل هذا نعترف بمسيح واحد، ابن واحد، رب واحد، و بحسب هذا الفهم للإتحاد بدون اختلاط نعترف بأن العذراء القديسة هى “والدة الإله” لان الله الكلمه قد تجسد و تأنس [3] ربما يقول أحد أن اسم “المسيح” لايطلق فقط على عمانوئيل وحده بل سوف نجده يطلق على آخرين ايضاً لان الله قال فى موضع ما عن اولئك الذين اختيروا و تقدسوا بالروح “لاَ تَمَسُّوا مُسَحَائِي وَلاَ تُسِيئُوا إِلَى أَنْبِيَائِي” (مز15:105) وعلى ذلك فان اسم المسيح يجب ان يطلق ليس فقط و بوجه خاص على عمانوئيل بل ايضاً على كل الباقين الذين يمسحون بنعمة الروح القدس. ولكن توجد هوة كبيرة و اختلافات لا تقارن تفصل بين حالتنا و بين مجد و تفوق مخلصنا. فان كان جميع الآخرين هم مسحاء وهذا معقول جداً بسبب انهم مسحوا, اما المسيح وحده فهو الإله الحقيقى “عمانوئيل” وبالحقيقة, فإن احداً لا يخطىء إن إختار ان يقول ان امهات آخرين هم “والدات مسيح” ولكن ليسوا بآى حال “والدات إله”, ايضاً ان العذراء القديسة وحدها بالمقابلة مع اولئك النساء هى كما ندركها و ندعوها “والدة المسيح” و “والدة الإله” معاً لانها لم تلد مجرد انسان بسيط مثلنا بل بالحرى الكلمة الذى من الله الآب الذى تجسد و تأنس, لاننا نحن ايضاً ندعى آلهه بحسب النعمة أما الإبن فليس إلهاً على هذا النحو، بل بالحرى هو إله بالطبيعة و بالحق حتى وان صار جسداً. ولكن ربما تقولون هذا “قل لى اذن ، هل العذراء صارت والدة لاهوته؟” ورداً على هذا نقول ان كلمة الله نفسه الحى، الكائن بإقنومة، ولد من جوهر الله الآب ذاته وان الذى كان بلا بداية صار له بداية فى الزمن وكان دائماً موجوداً مع الذى ولده و كائناً فيه و موجوداً معه ويشاركه فى التفكير فى ازمنة الدهر الأخير حينما صار جسداً اى حينما اتحد بجسد ذى نفس عاقلة قيل انه ولد ايضاً جسدياً من امرأة. ان سر تجسده هو بكيفية ما مماثل لولادتنا لان امهات اولئك الذين على الارض الخاضعات لقوانين الطبيعة فيما يخص الولادة لهم يثني فى الرحمة وهو الذى ينمو قليلاً بحسب افعال الله غير المدركة ويصل الى النضوج . والله لم يرسل الروح فى الكائن الحى بكيفية معروفة له. هذا بحسب قول زكريا النبى لأنه هو “جَابِلُ رُوحِ الإِنْسَانِ فِي دَاخِلِهِ” (زك 12: 1) وكذلك فإن لوغوس كيان النفس آخر و مع ذلك فلو كانت هؤلاء النساء هن فقط امهات للأجساد التى من الأرض إلا انهن يلدن الكائن الحى كله، وانا اعنى كائناً مكون من جسد ونفس, ولا يقال عنهن انهن يلدن جزءاً من الكائن, ولن يقول أحد ان اليصابات مثلاً كانت اماً فقط لجسد وليست اماً ولدت نفساً فى العالم الى جانب الجسد لانها ولدت المعمدان انساناً ذا نفس و كائناً حياً مكوناً من الإثنين, وانا اعنى انساناً له نفس وجسد معاً . اننا سنقبل ان شيئاً مثل هذا قد حدث فى ولادة عمانوئيل ايضاً, لان كلمة الله الوحيد قد ولد من جوهر الله الآب. ولكن حيث ان الكلمة اتخذ له جسداً وجعله خاصاً به فإنه ايضاً حمل اسم “ابن الانسان” وصار مثلنا . وان رغب احد ان يقول ان أم فلان هى أم لجسده فقط و ليست ايضاً أماً لنفسه، فإنه بذلك يفكر بغباء شديد لان الكائن الحى يولد مكوناً من عنصرين غير متماثلين إلا انه لإنسان واحد وكل عنصر منهما يظل كما هو. والإثنان هما معاً كما فى وحدة طبيعية واحدة ، كما لو كانا يفحصان احدهما الآخر ، وكل منهما ينقل الى الآخر ما هو خاص به . [4] ولكن اولئك الذين يجادلون و يقولون “ان كان هو قد جاء فى الجسد فتكون العذراء قد فسدت وان لم تكن قد فسدت فإنه يكون قد جاء بطريقة خيالية فقط” ، هؤلاء نقول لهم ان النبى يعلن ان “الرَّبَّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ دَخَلَ مِنْهُ فَيَكُونُ مُغْلَقا” (حز 2:44) وايضاً ان كان الكلمة قد صار جسداً بدون تزاوج جسدى اذ انه حبل به بدون ذرع بشر فإنه اذن ولد بدون ان تمس عذراويتها. [5] اننى ارى اجتماع القديسين كل الغيورين اجتمعوا معاً مدعوين من أم الله القديسة الدائمة البتولية مريم. كنت اشعر بالحزن الشديد ولكن حضور الاباء القديسين حول هذا الحزن الى فرح و ابتهاج ، الآن كلمات التسبيح الحلوة التى لداود قد تحققت فى حضورنا “هُوَذَا مَا أَحْسَنَ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْكُنَ الإِخْوَةُ مَعاً” (مز 1:133) . نقول “اعظمك يا مريم يا والدة الإله” بل تنبأ الانبياء و تغنى الرعاة بتماجيد إلهية . الملائكة ترقص و رؤساء الملائكة يسبحون بألحان عظيمة. ينحنى المجوس ساجدين فى عبادة و خشوع، تهلل يوحنا فى بطن أمه وسجد المصباح للنور السرمدى. اشرقت النعمة التى لاينطق بها. و النور الحقيقى اتى الى العالم, ربنا يسوع المسيح نوراً اشرق على الجالسين فى الظلمة و ظلال الموت لأجلك و بسببك اعلن الانجيل “مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ” (مت 9:21) بك تأسست الكنائس الارثوذكسية فى كل مكان. اشرق منك قاهر الموت و محطم الجحيم. منك خرج صانع الخليقة الاولى و اصلح فساد الانسان الاول، ذلك الذى فى يده ملكوت السموات. بك أظهر جمال القيامة و زاد تألق، لقد اشرقت معمودية القداسة العظيمة من الاردن، تقدس يوحنا وتقدست مياة نهر الاردن و طرد الشيطان. بك حصلت كل نفس مؤمنه على الخلاص السلام للثالوث القدوس الذى دعانا معاً فى هذة الكنيسة المكرمة على أسم العذراء والدة الإله السلام لك منا يا والدة الإله نعظمك، نعظمك يا والدة الإله الكنز المرهوب الذى اغنى العالم كله. المصباح غير المنطفىء تاج البتولية صولجان الارثوذكسية، الهيكل غير الفاسد، الإناء الذى حوى غير المحوى، الأم و العذراء التى بك قيل فى الأناجيل “مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ” (مت 9:21) السلام لك يا من حويت غير المحوى فى بطنك القدوس البتول. بك سقط الشيطان المجرب من السماء وعادت الخليقة الساقطة الى الفردوس. بك قدمت المعمودية ومسحة الميرون الى المؤمنين. بك تأسست الكنائس فى كل العالم و تغيرت الشعوب ماذا اقول اكثر من ذلك ؟! منك اشرق الإبن الوحيد الجنس مثل نور لأولئك الجالسين فى الظلمة و ظلال الموت، بك تنبأ الانبياء وبك كرز الرسل بالخلاص للامم. بك قام الاموات وحكم العظماء وملك الثالوث القدوس. مَن مِن البشر يقدر ان يمدح مريم المطوبة البطن البتولى، يالهذا العجب ان هذه العجبية تهزنى بشدة فرحاً. هل سمع ان البنّاء منعه احد من ان يسكن فى الهيكل الذى بناه هو نفسه ؟! هل يلام من دعى خادمته لتكون اماً له ؟! “مَا أَجْمَلَ أَقْدَامَ الْمُبَشِّرِينَ بِالسَّلاَمِ” (رو 10: 15) اى سلام هذا ! انه ربنا يسوع الذى ولد من مريم حسبما اراد هو . [6] القديس كيرلس السكندري
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل