مجموعة مؤلفين أخرى

الكتب (98)
القديس كيرلس عامود الدين مجموعة مؤلفين أخرى
من قصائد مار يعقوب مجموعة مؤلفين أخرى
المئويات الأربع للقديس مكسيموس المعترف(للأب منيف حمصي) مجموعة مؤلفين أخرى
معاينة الله كما هو مجموعة مؤلفين أخرى
مراقي الكمال الرهباني مجموعة مؤلفين أخرى
مدخل إلى اللاهوت الأدبي مجموعة مؤلفين أخرى
مختارات تعليمية للمنفعة الروحية مجموعة مؤلفين أخرى
القديس مار افرام السرياني مجموعة مؤلفين أخرى
المقالات (99)
19 مايو 2026
المناهج الروحية الثلاثة في حياة الشهيدة دميانه
القدیسة دمیانه لكي ما تصل إلى ما ھي فیه بالتأكید كانت لھا مناھج في حیاتھا سنركز على ثلاثة منھا:
منھج الحیاة الأول: "قَد جَاھَدْتُ الْجِھَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ حَفِظْتُ الإِیمَانَ وَأَخِیرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِیلُ الْبِرِّ" ( ۲ تي ٤: 7-8) جھاد، وسعي وحفظ للإیمان ھذا ھو الطریق الذي سلكته الشھیدة
دمیانه إن لم تكن القدیسة دمیانه منذ صغرھا تعیش بجدیة، وإن لم یكن لھا جھاد في حیاتھا لما استطاعت أن تترك العالم وتطلب الرھبنة إن جھادھا ھو الذي أوصلھا لقرار ترك العالم ولم یكن من السھل أن تجتذب أربعین عذراء یتبعنھا ویتركن العالم مثلھا بالتأكید أنھن رأین فیھا القدوة التي جعلتھن یتمسكن بھا كیف استطاعت أن یكون لھا ھذا التأثیر على أربعین عذراء فجعلتھن یعشن نفس الحیاة التي اختارت أن تعیشھا في عزلة عن العالم؟ إنھا القدوة في الجھاد والجدیة وھي لم تكن فقط ابنة والي طلبت قصرًا تعیش فیه كعروس للمسیح بعیدًا عن العالم واكتفت بھذا بل عاشت في الطریق بجدیة وأكملت جھادھا للنھایة ولم تتوقف عند نقطة أخذ القرار بترك العالم والأكثر من ذلك ھو إنھا استطاعت أن تقود أربعین عذراء للاستشھاد وھذا بلا شك كان یتطلب منھا أن یكون لھا فعلاً الإیمان القوي الذي حفظته واستطاعت أن تسلمه إلیھن جمیعًا یقول الآباء عن الشھید إنه "قبل أن یكون شھیدًا كان شاھدًا للمسیح بحیاته"وھكذا كانت القدیسة دمیانه شاھدة للمسیح بحیاتھا وبجھادھا حتى النھایة ونحن علینا أن نتعلم منھا كیف أخذت الطریق بجدیة وأن نجعل منھجھا في الجھاد أمامنا باستمرار والجھاد لیس له سقف یحده فلیس من الصواب أن یكتفي أحد بعدد من المزامیر أو المیطانیات أو ساعات الصوم أو أي جھاد یقوم به كما إن الجھاد یحتاج إلى نفس طویل، لذلك یقول معلمنا بولس الرسول "أَخِیرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِیلُ الْبِرِّ" یجب أن ننتبه لكلمة "أَخِیرًا" قال الآباء إنه لیست ھناك نصرة أو غلبة بدون جھاد فلكي أغلب یجب أن أجاھد والأمر لیس سھلاً فلیعطنا الله نعمة لنأخذ الطریق بجدیة ویكون لنا في حیاتنا جھاد حقیقي ونصرة.
ملحوظة: البعض یشتھون الشھادة بالدم لكن الصواب ھو أن نترك الأمر ﻟﻠﮫ لو سمح لنا بالاستشھاد ستكون فیه بركة أما لو لم یسمح فلا نطلب لئلا نتراجع في اللحظة الحاسمة فقد ذُكر في كثیر من سیر الآباء أن البعض ممن كانوا یشتھون الاستشھاد وطلبوا ذلك لما وصلوا لمكان الاستشھاد تراجعوا وأنكروا الإیمان.
منھج الحیاة الثاني "كُنْ أَمِینًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِیكَ إِكْلِیلَ الْحَیَاةِ"(رؤ ۲: 10)
حیاتنا الروحیة عبارة عن التزام وجدیة، تغلفھما الأمانة الله یعطینا وزنات لابد أن نكون أمناء فیھا ومھما عملنا نشعر بتقصیرنا یجب أن نكون أمناء في الوقت أمناء في صلواتنا أمناء في الاعتراف أمناء في الكتاب المقدس أمناء في الصوم أمناء في الفكر أمناء في الحواس أمناء في الكلام أمناء في العلاقات أمناء في الوزنات أمناء في كل شيء ویقول أحد الآباء "إیاك أن تعیب أحدًا لئلا یبغض لله صلاتك" فالأمانة
تدخل في ھذا النطاق أیضًا لأننا كثیرًا ما نفتح أعیننا على أخطاء الآخرین في الوقت الذي نغلق فیه أعیننا عن أخطائنا الخاصة القدیس الأنبا موسى الأسود حینما دعوه لمحاكمة راھب وضع كیسًا صغیرًا من الرمال أمامه وكیسًا كبیرًا وراء ظھره لكي یعطیھم درسًا وقال أحد الآباء "من یلتفت إلى
أخطائه لن یجد وقتًا لیرى أخطاء غیره" یجب أن تكون لنا أمانة في كل شيء حینما أكون في القداس یكون القداسه هو كل ما یشغلني وھكذا التسبحة إلخ.
منھج الحیاة الثالث: "أَن آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِیدِأَنْ یُسْتَعْلَنَ فِینَا" (رو ۸: 18)
لقد دعانا الله للدخول من الباب الضیق وقال "اجْتَھِدُوا أَنْ تَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّیِّقِ" (لو ۱۳:۲٤ ) لم یقل لنا الله إن الباب واسع أو إن الطریق رحب والتجارب بالنسبة لنا ھي امتحان إیمان وامتحان رجاء وامتحان محبة أحیانًا یظھر الإنسان العتیق في بعض المواقف وتختفي قوة الاحتمال وطول الأناة واختیار الباب الضیق مع إن معلمنا بولس الرسول قال "إِن كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَه لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَیْضًا مَعَه" (رو ۸: 17)كلنا نحب أن نسمع كلمة تشجیع وتحفیز لكن لابد أیضًا أن یكون لنا قدرة احتمال الضیقات ونكون طویلي الأناة ویعلمنا الآباء أن احتمال المدیح أصعب بكثیر من احتمال الإھانة لأن المحقرة قد تضایق في البدایة لكنھا تجعل الإنسان یفكر كیف یمكنه أن یستفید منھا أما المدیح فقد یصل بالشخص إلى الكبریاء والكبریاء حینما یدخل القلب ھذا یستدعي أن یخاف الإنسان على نفسه.
الخلاصة:
نستخلص من ھذه المناھج الثلاثة إن أي شھید أو قدیس أخذ إكلیل البر(لجھاده) وإكلیل الحیاة (لأمانته) وإكلیل المجد (لاحتماله) فإن كنا نرید أن تكون لنا ھذه الأكالیل لابد أن یكون لنا جھاد وأن نعیش بأمانة وأن نحتمل من أجل اسم المسیح لیتنا نجعل ھذه المناھج الثلاثة منھجًا لحیاتنا وطوبى لمن یُذكِّر نفسه بھا في كل حین.
نيافة الحبر الجليل الأنبا ماركوس أسقف دمياط وكفر الشيخ والبرارى ورئيس دير القديسة دميانة بالبرارى
المزيد
11 مايو 2026
وداعاً أيها الموت
أيها الموت متى ولدت ؟! ومتى فارقتك الحياة؟!
من من الناس لا يسمع عنك ؟! بالتأكيد الكل يعرفك ينزعج من حضورك يرتعب من قساوتك لما تصنعه في البشر أنت تكسر قلب البشرية بالحزن عندما تخطف من تريد وبلا تفاهم أنت الذي تأتي لمن على السطح فلا ينزل ليأخذ من بيته شيئاً أنت الذي تأتى لمن في الحقل فلا يرجع ورائه ليأخذ ثيابه أيها الموت هل أنت ولدت يوم سقط آدم الأول في الخطية ؟! "لأنه بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع (روه: 12) أيها الموت كم من العمر استمر سلطانك على آدم وعلى
كل نسله هذا هو تاريخك متى ولدت ؟! ماذا عملت ؟! ومتى مت؟! تاريخ ميلادك يوم سقط أبونا آدم وفارقتك الحياة يوم صلب ومات وقام المسيح آدم الثاني لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة هكذا أيضاً بإطاعة الواحد سيجعل كثيرون أبراراً (روه :۱۹) أيها الموت لقد فارقتك الحياة يوم قام المسيح وقال أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية (اكو ١٥ :٥٥) أيها الموت لقد قام المسيح بسلطانه وحده من ديارك وأماتك أنت بقيود أبدية تحت الظلام قبل أن يدخل إليك المسيح في ديارك سبق وأخبر التلاميذ الأطهار مطمئنا إياهم قائلاً لهم انظروا لا ترتاعوا لأنه لابد أن تكون هذه كلها ولكن ليس المنتهى بعد الموت ليس المنتهي بعد القيامة هي المنتهى الذي لا ينتهى حيث جميع قبائل الأرض يبصرون آدم الثاني المسيح ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوة ومجد عظيم (مت ٢٤ :٣0).
أيها الموت كنا لا نقدر أن نتكلم معك ولكن بعد قيامة المسيح أقدر أن أسألك ؟! قل لي ماذا تبقى لك بعدما غلبك المسيح ؟!
أنا الموت وبعدما صارعتنى القيامة وغلبتني أريد أن أطمئن قلوب البشرية أريد أن أتكلم مع اليتيم ومع الأرملة مع كل الذين فارقهم أعز وأغلى وأحن وأرق الناس لهم أريد أن أقول للكل أنا الموت ولم يعد لي سلطان كما كنت قبل قيامة المسيح تبقت لى ديار فقط ولكن ليس لي سلطان على العابرين فيها كل البشر يدخلون إلى دياري لأنهم من تراب الأرض وإلى التراب يعودون دیاری تحولت وأصبحت مكان لتغيير الثياب فالموتى المنتقلين من عالمكم يخلعون في مسكني الترابي كل ثيابهم الزائلة وينتظرون الجديد الفاخر لأن الجسد يزرع في فساد ويقام في عدم فساد انظروا واسمعوا ما قاله لكم الرسول بولس الإنسان الأول من الأرض ترابي والإنسان الثاني الرب من السماء وكما لبست البشرية صورة الترابي سوف تلبس أيضاً صورة السماوي (١ كو ١٥: ٤٧ )
أنا الموت ولا أكون فيما بعد أنا الموت الأول" وفي مسكني تخلع البشرية الثوب التي لبسته عندما خلقت
أود أن أقول لكل من يريد أن يسمع بالحقيقة القيامة مبهجة ولا مقياس لوصف جمالها المسيح أقام مفاهيم جديدة عندي لذا أشتاق أن يستيقظ ويجاهد كل أحد حتى لا يؤذيه موت أخي الأكبر الموت الثاني الذي يأتي بعد قيامة الأموات إلى حياة الدهر الآتي جاهد لكى تغلب الموت الثاني باتضاعك ومحبتك الصادقة ورحمتك بالحق فلا يكون في قلبك حزن ولا صراخ ولا وجع (رؤ ٤:٢١) أيها الموت ترى ماذا قلت للقيامة بعدما غلبتك ؟! أنا الموت الأول الذي أتى من الخطية وبي صارت ينابيع دموع كثيرة ولكن بالقيامة التي في المسيح تمسح كل دمعة أنا الموت الأول كنت قاسي القلب وقبضة يدى مزعجة ونورى ظلام وصمتى عنف ورعب وأحكامي قيود وقيودي أحكام لكن أنت أيتها القيامة ما أطيب قلبك وأعذب صوتك وفرحة حضورك وضياء استقبالك وجمال ثيابك وأحلى مساكنك وحلاوة ونقاوة سكانك وشمسك لا تغرب أبداً وحرية مجد أولادك وحقا طوبى لمن يسكن في ديارك أيتها القيامة إلى الأبد.
نيافة المتنيح مثلث الرحمات الحبر الجليل الأنبا كيرلس أسقف ميلانو
المزيد
04 أبريل 2026
الدخول المسياني
كان الرب يسوع يتجنب في خدمته محاولات الجموع بأن يجعلوه ملكًا، وكان يتحاشى دائمًا محاولات القادة الدينين لاصطياده بكلمة أو الايقاع به. ولكننا هنا نرى موقفًا مختلفًا تمامًا! فملء الزمان قد وصل إلى نهايته، ولابد للنبوات المسيانية أن تتحقق "علانية"، أمام أعين الشعب والرؤساء. هكذا قرر الرب يسوع، مُحدِّدًا الزمان والمكان والطريقة. موجِّها تلاميذه، ومُشرِفًا بنفسه على أدق التفاصيل؛ حتى يظهر دخوله بصورة مسيانية. هكذا فهمت الجموع، فنطقوا بالنبوة بكل حماس. وهكذا أدرك القادة الدينون، فامتلأوا غيظًا وقرروا القضاء عليه. دخول الرب يسوع أورشليم بهذه الطريقة والكيفية، له ثلاثة أبعاد هامة، تشرح معنى العيد وهدفه.أولًا: البُعد النبوي، دخول نبويلم يكن دخول المسيح اورشليم بهذه الكيفية مفاجأة تاريخية، ولكنه تحقيق لنبوة زكريا النبي. وهذا الأمر جاء بالحقيقة تعبيرًا عن رؤية الرب يسوع للعهد القديم، فهو كتاب موحى به من الله، يحوي حقائق تاريخية تحمل أبعادًا نبوية، فيه رأى الرب يسوع الإنباء المسبق عن شخصه وأعماله وخلاصه. فالرب يسوع هو أول من فسّر العهد القديم بطريقة مسيانية، وأوضح لنا واحدًا من أهم وظائف العهد القديم وأهدافة وهو أنه يشهد عنه. فكل الأحداث التاريخية تجد كمالها ومعناها في شخص الرب يسوع. فهو آدم الثاني، نوح العهد الجديد، هو إبراهيم الذي في نسله تتنارك جميع أمم الأرض، وموسى قائد العبور. هو المن المخفي وماء الصخرة. هو الخيمة وتابوت العهد. هو القاضي المخلص، والملك الحامي، والنبي صاحب الرسالة. إن أسفار العهد القديم قد فُهِمت عند المسيح كمقدمة تمهيدية لسر الخلاص، وكإنجيل يمهّد لسر الفداء. لذا لجأ المسيح بلا تردد إلى أسفار العهد القديم التي تتنبأ عنه كـ"مسيا"، ليعلن بكل وضوح عن شخصه، ويشرح طبيعه عمله، وهدف مجيئه.ثانيًا: البُعد المسياني، دخول مسيانييربط متى الإنجيلي هذا الحدث بنبوة زكريا المسيانية (زكريا9:9). فالرب يسوع هنا يُعلن عن نفسه الملك المسيا. فدخول الرب يسوع بتسابيح ومزامير، بالسعف وأغصان الزيتون، جاء في سياق مسياني. ولكن بمفهوم يختلف عن الذي فهمه اليهود. فمُلكه روحي وليس عالمي، أبدي وليس زمني. الصليب هو عرشه وفخره ومجده «عرشك يالله إلى دهر الدهور»، وملكوته هو الإنسان، فهو القصد والغاية والهدف. فدخول الملك "ابن داود" هو للخلاص (أُوصنَّا). وسيادته تُبنَى على موته ودمه المسفوك، فهي لا تأتي من الإجبار والإكراه. فصليبه وجنبه المفتوح يبقيان أقوى وسيلة لاصطياد النفوس وضمان استمرارها، كما يقول القديس أغسطينوس: "عندما يرى الجندي الشهم، سيده مجروحًا في الحرب، يرتمي في المعركة بضراوة أكبر".ثالثًا: البعد الأخروي، دخول انقضائي يمثّل سبت لعازر وأحد الشعانين، تذوقًا مُسبَقًا لما سوف يلي في أسبوع الآلام وعلى رأسه أحد القيامة. هما تذوُّق مُسبَق للقيامة والحياة الجديدة. فإقامة لعازر هي إعلان موت الموت، وانطلاق الحياة الجديدة. فكما أتى الرب إلى قبر لعازر وأقامه، هكذا سيأتي إلى قبر خطايانا ويقيمنا من فسادنا، ويعبر بنا إلى أورشليم السماوية، إذا نحن حقًا صرخنا بصدق "هوشعنا" أي "يا الله خلصنا"، وقبلنا أن نصلب معه. كما أن تطهير الهيكل يحمل في طياته معنى انقضاء الزمان والدينوية الآتية على النفوس الغير أمينة.
القس إبراهيم القمص عازر
المزيد
31 مارس 2026
معرفة الله
في إنجيل "المولود أعمى"، تُعدنا الكنيسة وتهيّئنا وتفتح عيوننا على شخص الرب يسوع، قبل أن يدخل إلى أورشليمنا الداخلية أي القلب (أحد الشعانين). حتى إذ ما عرفناه وتذوقنا عشرته، نقبل بشكر شركة آلامه (أسبوع الآلام) ومن ثَمّ يصير لنا نصيب في قيامته (أحد القيامة)، فنؤهَّل لشركة روحه القدوس (يوم الخمسين)، ونُتوَّج بمعاينة ملكوت الله (الحياة الأبدية) هذا الملكوت الذي نختبره الآن عندما يلمس الله عيون أذهاننا، فتتجدد طبيعتنا وتستنير (الاستنارة) وكلمة السر هنا هي "معرفة الله" وتقدم لنا القراءات ثلاثة مستويات من المعرفة، اجتازها المولود أعمى حتى صار بالحقيقة بصيرًا، بعدما استرد بصره
المستوى الأول عندما سألوه عن السيد المسيح، قال «إنسان يُقال له يسوع» (مستوى السمع عنه).
المستوى الثاني ثم قال عنه ثانيًا إنه مجرد نبي (مستوى الانبهار بمعجزاته).
المستوى الثالث: جاء له المسيح وعرّفه بذاته، ودعاه للإيمان به
(مستوى الاختبار).
1) معرفة الله تقتضي الإعلان لم يكن ممكنًا للمولود أعمى أن يعرف المسيح، ما لم يأتِ المسيح بنفسه ويخلق له عينين، واهبًا إيّاه نعمة معرفته هكذا لم يكن ممكنًا للإنسان أن يعرف الله، دون أن يأتي الله، ويكشف "reveal" عن ذاته، فيؤمن الله هو صاحب المبادرة، ونحن لا نعرف الله في ذاته وجوهره، ولكننا نعرفه في محبته، بمقدر ما يكشف ويعلن لنا عن ذاته وما الإيمان به سوى قبول وتصديق إعلانات الله لنا «إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (مت16: 17).
2) لا نعرف الله إلّا في المسيح الرب يسوع المسيح هو الإعلان الكامل عن الله نعم هو إنسان، وقد أخذ وظيفة نبي، ولكن هذا يخص ناسوته الظاهر أمامنا، وإنسانيته التي اتخذها لأجلنا، عندما تجسد وصار إنسانًا وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية أمّا عن لاهوته وطبيعته الأزلية، فهو الابن الكلمة، القائم في وحدانية كاملة ودائمة، أزلية أبدية مع الآب والروح القدس هو أقنوم الإعلان، الذي كشف عن ذاته قديمًا، ثم اكتمل إعلانه بتجسده من مريم العذراء في ملء الزمن ولهذا من رآه فقد رأى الآب، وكل من آمن به صار له شركة مع الله الثالوث «إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا» (يو14: 23) لذلك لا معرفه ولا خلاص ولا حياة ولا أبدية خارج دائرة الإيمان بالرب يسوع المسيح، هو وحده فقط الطريق والحق والحياة.
3) لا نعرف المسيح إلّا بالشركة معه لكي نعرف المسيح معرفة حقيقية يجب أن نتحد به، فمعرفة المسيح لا تكتمل إلّا بالاتحاد معه والثبات فيه فمجرد السماع عنه، ومعرفة صفاته، أو حتى الحديث عنه، أو التأمل فيه، لا يمكن أن يكون كافيًا فالمطلوب هو الشركة والاتحاد به، أن نصير أعضاء في جسده، من لحمه وعظامه، جزء من عائلته هذا تحققه لنا الكنيسة (جسد المسيح) وتهبه لنا في الاسرار فبالمعمودية نلبس المسيح، وبالميرون نمتلئ من روحه القدوس، وبالإفخارستيا نثبت فيه، فنصير واحدًا معه، وهو يكون فينا، فنثبت فيه كثبات الغصن والكرم، والعضو في الجسد عندها تكون شركة المحبة قوية ومتينة لا يفصلها حتى الموت، لأنه من سيفصلنا عن محبة المسيح.
القس إبراهيم القمص عازر
المزيد
24 مارس 2026
ليس لي إنسان..
الإنسان لا يمكن أن يخدم الإنسان في قضية الخلاص خلاص الإنسان هو القضية الأولى في المسيحية فالمسيحية برغم أن لها أبعادًا كثيرة منها ما هو اجتماعي وأخلاقي وثقافي ولكنها في حقيقتها وجوهرها هي قصة الخلاص وحتى الكتاب المقدس هو كتاب روحي خلاصي يشرح لنا قصة الخلاص منذ الخلق والسقوط مرورًا بالفداء الذي استلزم التجسد وأثمر انسكاب الروح القدس وتأسيس الكنيسة وينتهي بنا المطاف في الأبدية السعيدة حيث المجد السمائي حول العرش الإلهي فتجديد الإنسان هو هدف الإيمان وخلاص الإنسان هو جوهر رسالة المسيح فالرب يسوع هو المخلص الوحيد الذي ليس بأحد غيره الخلاص ولقد جاءت حياته بالجسد بكل تفاصيلها ومعجزاتها تعبيرًا وإعلانًا عن رسالته الخلاصية فمعجزته الأولى والعظمى هى موته وقيامته (آية يونان النبي) أي صليبه الذى صار لنا سر خلاص وحياة وتجديد المفلوج هنا يُمثِّل إسرائيل الذي ظل تائهًا في البرية ثمانٍ وثلاثين سنة (تث2: 14) وأيضًا يمثّل كل البشرية التي ظلَّت قبل مجيء المسيح عاجزة وقد شلَّتها الخطية وطرحتها بلا قوة وأفقدتها إرادتها لقد طرحت الكثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء تمت هذه المعجزة في عيد لليهود هو عيد الفصح مع أن المسيح كان ساكنا في الجليل إلّا أنه صعد إلى أورشليم في ذلك العيد ودخل من باب الضأن الذى كانت تدخل منه الحملان إلى الهيكل لتُقدَّم ذبائح عن خطايا الشعب فالرب يسوع هنا يعلن عن عجز الناموس والشريعة والأنبياء عن خلاص الإنسان فلا الشريعة استطاعت أن تجدده ولا رسالات الأنبياء نجحت في تهذيبه لا الذبائح خلّصته ولا السبت حرّره ولا الختان جدّده ولا الملائكة يمكن أن تشفيه من مرض الخطية بل فشلوا وعجزوا تمًامًا عن إدراك خلاص الله فالخليقة قاطبة بكل وسائلها عجزت وفشلت في تحريك الإنسان نحو الله ولذلك جاء المخلص الى بركة بيت حسدا (بيت الرحمة) ليصنع رحمة مع المفلوج المطروح والمسلوب الإرادة الخلاص هو مبادرة إلهية تحرُّك إلهي نحو الإنسان العجز الإنساني يقابله تحرُّك إلهي والموت البشري يستلزم حياة إلهية لذلك تحرك مخلصنا الصالح حمل الله الذي يرفع خطية العالم وبينما تعلن البشرية بلسان المفلوج «ليس لي إنسان» يعلن الرب يسوع أنه "ذاك الإنسان الإنسان الكامل" الذي بحثت عنه البشرية طويلًا وعندما ختمت عجزها وانطرحت بلا حراك جاء هو بنفسه ليقرر أن الانسان لا يمكن أن يرتفع ليصل لله ولكن الله يمكن أن يأتي ويتنازل للإنسان في شخص المسيح تتجسد حقيقتان حقيقة الله وحقيقة الإنسان بدون المسيح يبقي الله بعيدًا ووحيدًا ومنفصلًا ومنعزلًا عن بشريتنا وحياتنا وطبيعتنا مجرد فكرة أو قوة وبدون المسيح يظل الإنسان راكدًا في هوة الخليقة الترابية يبقي الإنسان الجديد مجرد حُلم والحياة الجديدة ليست سوى وهم لإنه إن كان أحد في المسيح يسوع فهو خليقة جديدة فالرب يسوع لم يكن مجرد نبي ليتنبأ عن مجيء آخر ولا رسول ينتهي عند إتمام رسالته بل هو بالحقيقة ابن الله بالطبيعة والذي صار بالحقيقية ابنًا للإنسان وشابهنا في كل شيء ما عدا الخطية وحدها حتى يجددننا ويرفعنا أن نكون بالنعمة أبناء لله صائرًا لنا موضعًا في حضنه من هنا ندرك أن المسيح هو حاجتنا الوحيدة ورجاؤنا الذي لا يخيب.
القس ابراهيم عازر
المزيد
10 مارس 2026
في الحروب الروحية الكورة البعيدة
كان الاختباء خلف الشجرة هو أول نتائج وعلامات السقوط فآدم استمع لصوت الله ولكنه لم يرد أن يلتقي به أراد أن يكون حيث لا يمكن لله أن يراه أو يلاحظه أو بالأحرى حيث لا يمكن أن يرى هو الله أو يتحدث معه أراد أن يختبئ خلف شجرة الاستقلالية، وأن ينزوي وراء أوراق الانعزالية بعد أن كان عريانًا ومنفتحًا لا يخشي شيئًا ولا يُخفي أمرًا لقد اختار آدم الكورة البعيدة منزويًا ومنحصرًا في ذاته وانفصل كيانيًا عن الله لذلك خروجه من جنة عدن (انفصاله مكانيًا) لم يكن سوى إعلان عن اختياره المُسبق في أن يحيا مستقلاً عن الله (الانفصال الكياني) مشكلة الإنسان قديمًا في تلك الفكرة الشيطانية وهي أن الإنسان لا يمكن أن يحقق وجوده إلا باستقلاله عن خالقه وهذه ازمة الإنسان المعاصر الآن فهو يعتقد أن الله يهدّد وجوده ويحدّ حريته ويسلبه سلطته لذلك كان طبيعيًا أن يتبنّى الانزوء والاختباء ثم الانفصال والذي يؤدي في أغلب الأحيان إلى الرفض والإنكار وقد اتخذ هذا الأمر أشكالًا عدة عبر التاريخ الإنساني فهناك من أنكر وجوده الله فكريًا (الإلحاد القديم) والبعض الآخر تعمّد رفضه كيانيًا (الالحاد المعاصر) وهناك من لم يضع الله في حساباته ولا أعطى اهتمامًا لوجوده (لا أدري) فالقضية لا تهمه لماذا يشغل فكره بها (وهذا هو الشائع الآن في سائر البلاد الغربية)؟ وهناك من تعامل مع الله على أنه مجرد فكرة والآخر اعتبر الله مجرد قوة (فجرّد الإيمان من قوته والعبادة من فرحها) والأخطر أن هناك من خلق وصمّم لنفسه إلهًا على شاكلة أفكاره وخلفية آرائه (الصنمية) حقًا لقد نجح الشيطان في تشويه الصوره الإلهية في ذهن الإنسان فكان الاختباء والهروب في الكورة البعيدة هو الحل (هكذا توهّم الإنسان) كان الابن الضال يعيش في عائلة وتحت رعاية أبيه (أب وأخ وبيت) ولكنه أراد أن يكون مستقلًا أراد أن يحقق وجوده بانعزاله فبدأ بإخراج أبيه وأخيه من قلبه ثم بعد ذلك من أمام عينيه وذهب ليحيا بعيدًا وحيدًا بدون عائلته والسؤال المصيري: كيف يمكن للإنسان أن يحقق وجوده؟ هل حقًا بانفصاله عن خالقه واعتزال خليقته؟ وهل هذا يضمن للإنسان ذلك الوجود الذي يُسعده ويرضيه؟ الحقيقة الواضحة أن الوجود الإنساني بدون الله تشتُّت وضياع (أنفق كل معيشته بعيش مسرف) جوع وعطش (من يشرب من هذا الماء يعطش) ظلام وتوهان (المولود أعمى) وفي النهاية موت (لعازر) لأنه كيف للإنسان أن يحقق وجوده دون أن يفهم عظمة الكيان الإنساني؟ فهو خليقة الله العاقلة، مخلوق بحسب الصورة والمثال وكيف يمكن أن يدرك قيمة وجوده دون أن يعي رسالته ومسئوليته تجاه العالم والخليقة بكل مكوناتها؟ ولا يمكن للإنسان أن يعي هدف الوجود الإنساني بدون الإيمان بالوجود الأبدي والحياة التي لا تنتهي. فتحقيق الوجود يكون من خلال معرفة الأصل (من أنا؟) وإدراك الرسالة (لماذا أنا موجود؟) وضمان النهاية (إلى أين المصير؟) وهذا لا يتحقق إلّا بالله والحياة في محضره ولذلك سيبقى الله دائمَا أبدًا في ضمير الإنسانية هو البداية والنهاية الهدف والغاية المعنى والقيمة وستظل الحياة الحقيقية هي فقط في "حضن الآب" في محضره وبقربه هذا الحضن الأبوي الذي وُهب لنا في المسيح يسوع وبعمل الروح القدس في كنيسته فالمسيحية تعلمنا أن الحياة لا تتحقق بالانعزال والاستقلال ولكن بالاتصال والاتحاد نحن لا نحيا حينما نكون وحدنا ولكن بقدر ما نكون مع بعضنا، وفي شركة روحية (الكنيسة) كأولاد في محضر وحضن أبينا السماوي.
القس إبراهيم القمص عازر
المزيد