المقالات

24 مارس 2026

ليس لي إنسان..

الإنسان لا يمكن أن يخدم الإنسان في قضية الخلاص خلاص الإنسان هو القضية الأولى في المسيحية فالمسيحية برغم أن لها أبعادًا كثيرة منها ما هو اجتماعي وأخلاقي وثقافي ولكنها في حقيقتها وجوهرها هي قصة الخلاص وحتى الكتاب المقدس هو كتاب روحي خلاصي يشرح لنا قصة الخلاص منذ الخلق والسقوط مرورًا بالفداء الذي استلزم التجسد وأثمر انسكاب الروح القدس وتأسيس الكنيسة وينتهي بنا المطاف في الأبدية السعيدة حيث المجد السمائي حول العرش الإلهي فتجديد الإنسان هو هدف الإيمان وخلاص الإنسان هو جوهر رسالة المسيح فالرب يسوع هو المخلص الوحيد الذي ليس بأحد غيره الخلاص ولقد جاءت حياته بالجسد بكل تفاصيلها ومعجزاتها تعبيرًا وإعلانًا عن رسالته الخلاصية فمعجزته الأولى والعظمى هى موته وقيامته (آية يونان النبي) أي صليبه الذى صار لنا سر خلاص وحياة وتجديد المفلوج هنا يُمثِّل إسرائيل الذي ظل تائهًا في البرية ثمانٍ وثلاثين سنة (تث2: 14) وأيضًا يمثّل كل البشرية التي ظلَّت قبل مجيء المسيح عاجزة وقد شلَّتها الخطية وطرحتها بلا قوة وأفقدتها إرادتها لقد طرحت الكثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء تمت هذه المعجزة في عيد لليهود هو عيد الفصح مع أن المسيح كان ساكنا في الجليل إلّا أنه صعد إلى أورشليم في ذلك العيد ودخل من باب الضأن الذى كانت تدخل منه الحملان إلى الهيكل لتُقدَّم ذبائح عن خطايا الشعب فالرب يسوع هنا يعلن عن عجز الناموس والشريعة والأنبياء عن خلاص الإنسان فلا الشريعة استطاعت أن تجدده ولا رسالات الأنبياء نجحت في تهذيبه لا الذبائح خلّصته ولا السبت حرّره ولا الختان جدّده ولا الملائكة يمكن أن تشفيه من مرض الخطية بل فشلوا وعجزوا تمًامًا عن إدراك خلاص الله فالخليقة قاطبة بكل وسائلها عجزت وفشلت في تحريك الإنسان نحو الله ولذلك جاء المخلص الى بركة بيت حسدا (بيت الرحمة) ليصنع رحمة مع المفلوج المطروح والمسلوب الإرادة الخلاص هو مبادرة إلهية تحرُّك إلهي نحو الإنسان العجز الإنساني يقابله تحرُّك إلهي والموت البشري يستلزم حياة إلهية لذلك تحرك مخلصنا الصالح حمل الله الذي يرفع خطية العالم وبينما تعلن البشرية بلسان المفلوج «ليس لي إنسان» يعلن الرب يسوع أنه "ذاك الإنسان الإنسان الكامل" الذي بحثت عنه البشرية طويلًا وعندما ختمت عجزها وانطرحت بلا حراك جاء هو بنفسه ليقرر أن الانسان لا يمكن أن يرتفع ليصل لله ولكن الله يمكن أن يأتي ويتنازل للإنسان في شخص المسيح تتجسد حقيقتان حقيقة الله وحقيقة الإنسان بدون المسيح يبقي الله بعيدًا ووحيدًا ومنفصلًا ومنعزلًا عن بشريتنا وحياتنا وطبيعتنا مجرد فكرة أو قوة وبدون المسيح يظل الإنسان راكدًا في هوة الخليقة الترابية يبقي الإنسان الجديد مجرد حُلم والحياة الجديدة ليست سوى وهم لإنه إن كان أحد في المسيح يسوع فهو خليقة جديدة فالرب يسوع لم يكن مجرد نبي ليتنبأ عن مجيء آخر ولا رسول ينتهي عند إتمام رسالته بل هو بالحقيقة ابن الله بالطبيعة والذي صار بالحقيقية ابنًا للإنسان وشابهنا في كل شيء ما عدا الخطية وحدها حتى يجددننا ويرفعنا أن نكون بالنعمة أبناء لله صائرًا لنا موضعًا في حضنه من هنا ندرك أن المسيح هو حاجتنا الوحيدة ورجاؤنا الذي لا يخيب. القس ابراهيم عازر
المزيد
10 مارس 2026

في الحروب الروحية الكورة البعيدة

كان الاختباء خلف الشجرة هو أول نتائج وعلامات السقوط فآدم استمع لصوت الله ولكنه لم يرد أن يلتقي به أراد أن يكون حيث لا يمكن لله أن يراه أو يلاحظه أو بالأحرى حيث لا يمكن أن يرى هو الله أو يتحدث معه أراد أن يختبئ خلف شجرة الاستقلالية، وأن ينزوي وراء أوراق الانعزالية بعد أن كان عريانًا ومنفتحًا لا يخشي شيئًا ولا يُخفي أمرًا لقد اختار آدم الكورة البعيدة منزويًا ومنحصرًا في ذاته وانفصل كيانيًا عن الله لذلك خروجه من جنة عدن (انفصاله مكانيًا) لم يكن سوى إعلان عن اختياره المُسبق في أن يحيا مستقلاً عن الله (الانفصال الكياني) مشكلة الإنسان قديمًا في تلك الفكرة الشيطانية وهي أن الإنسان لا يمكن أن يحقق وجوده إلا باستقلاله عن خالقه وهذه ازمة الإنسان المعاصر الآن فهو يعتقد أن الله يهدّد وجوده ويحدّ حريته ويسلبه سلطته لذلك كان طبيعيًا أن يتبنّى الانزوء والاختباء ثم الانفصال والذي يؤدي في أغلب الأحيان إلى الرفض والإنكار وقد اتخذ هذا الأمر أشكالًا عدة عبر التاريخ الإنساني فهناك من أنكر وجوده الله فكريًا (الإلحاد القديم) والبعض الآخر تعمّد رفضه كيانيًا (الالحاد المعاصر) وهناك من لم يضع الله في حساباته ولا أعطى اهتمامًا لوجوده (لا أدري) فالقضية لا تهمه لماذا يشغل فكره بها (وهذا هو الشائع الآن في سائر البلاد الغربية)؟ وهناك من تعامل مع الله على أنه مجرد فكرة والآخر اعتبر الله مجرد قوة (فجرّد الإيمان من قوته والعبادة من فرحها) والأخطر أن هناك من خلق وصمّم لنفسه إلهًا على شاكلة أفكاره وخلفية آرائه (الصنمية) حقًا لقد نجح الشيطان في تشويه الصوره الإلهية في ذهن الإنسان فكان الاختباء والهروب في الكورة البعيدة هو الحل (هكذا توهّم الإنسان) كان الابن الضال يعيش في عائلة وتحت رعاية أبيه (أب وأخ وبيت) ولكنه أراد أن يكون مستقلًا أراد أن يحقق وجوده بانعزاله فبدأ بإخراج أبيه وأخيه من قلبه ثم بعد ذلك من أمام عينيه وذهب ليحيا بعيدًا وحيدًا بدون عائلته والسؤال المصيري: كيف يمكن للإنسان أن يحقق وجوده؟ هل حقًا بانفصاله عن خالقه واعتزال خليقته؟ وهل هذا يضمن للإنسان ذلك الوجود الذي يُسعده ويرضيه؟ الحقيقة الواضحة أن الوجود الإنساني بدون الله تشتُّت وضياع (أنفق كل معيشته بعيش مسرف) جوع وعطش (من يشرب من هذا الماء يعطش) ظلام وتوهان (المولود أعمى) وفي النهاية موت (لعازر) لأنه كيف للإنسان أن يحقق وجوده دون أن يفهم عظمة الكيان الإنساني؟ فهو خليقة الله العاقلة، مخلوق بحسب الصورة والمثال وكيف يمكن أن يدرك قيمة وجوده دون أن يعي رسالته ومسئوليته تجاه العالم والخليقة بكل مكوناتها؟ ولا يمكن للإنسان أن يعي هدف الوجود الإنساني بدون الإيمان بالوجود الأبدي والحياة التي لا تنتهي. فتحقيق الوجود يكون من خلال معرفة الأصل (من أنا؟) وإدراك الرسالة (لماذا أنا موجود؟) وضمان النهاية (إلى أين المصير؟) وهذا لا يتحقق إلّا بالله والحياة في محضره ولذلك سيبقى الله دائمَا أبدًا في ضمير الإنسانية هو البداية والنهاية الهدف والغاية المعنى والقيمة وستظل الحياة الحقيقية هي فقط في "حضن الآب" في محضره وبقربه هذا الحضن الأبوي الذي وُهب لنا في المسيح يسوع وبعمل الروح القدس في كنيسته فالمسيحية تعلمنا أن الحياة لا تتحقق بالانعزال والاستقلال ولكن بالاتصال والاتحاد نحن لا نحيا حينما نكون وحدنا ولكن بقدر ما نكون مع بعضنا، وفي شركة روحية (الكنيسة) كأولاد في محضر وحضن أبينا السماوي. القس إبراهيم القمص عازر
المزيد
03 مارس 2026

الصوم والانطلاق نحو الأبدية

خلق الله الإنسان على صورته ومثاله، خلقه لكي يحيا معه للأبد في شركه مجد الحياة الأبدية فمن البداية طُبِعت صورة الله في الإنسان، ولهذا قال إيريناؤس "إن النفس بطبيعتها مسيحية" هذه النعمة (الخلق بحسب الصورة والمثال) تُعطي للإنسان أن يجد في الله وحده الشبع والملء، فيصير الله هو الكل في الكل «فيملأ إلهي كل احتياجكم بحسب غناه» (في4: 19) كما أنها تؤهل الإنسان أن يكون شريكًا في المجد العتيد، وتحقيق ملكوت الله لذلك من البداية كان هناك جوع كياني وإلحاح داخلي نحو الله، فالله خلق الإنسان "كائنًا جائعًا"، والله وحده هو سر شبعه، ومركز حياته، وبدء أولوياته من يده يأكل، فيشبع الجسد (الجوع للطعام)، ومن يده يستلم الخليقة ويفرح بحواء امرأته، فيُشبع جوع النفس (الجوع للحب ولقاء الآخر) وبلقاء الله وسماع صوته تشبع روحه وتغتني، فيمتلأ كيانه الداخلي، ويفرح قلبه، وتتحقق كل احتياجاته وهذا هو ما أراده الله وأعدّه لحبيبه الإنسان دخول الخطية وفساد الطبيعة الإنسانية دخول الخطية وفساد الطبيعة، وإقصاء الله من الحياة الإنسانية كمركز وهدف، جعل الله على هامش الحياة، فتغرّب الإنسان عن كيانه الداخلي واحتياجاته الأساسية وصارت الثانويات أولويات، والوسائل أهدافًا وبدأ الإنسان يلهث وراء المادة ويسعى لإشباع الجسد ومتطلباته، حتى لو كان ذلك على حساب علاقته بالله وحياته الداخلية (الاحتياج الروحي الأساسي) ولا مانع من استخدام واستهلاك الآخر، أو على الاقل عدم الالتفات إليه والإحساس به أو مشاركته ظروف حياته الصوم إعادة ترتيب للأولويات، وصياغة جديدة للحياة عندما تحدث الرب يسوع عن الصوم، أشار اولًا إلى ضرورة تجديد الطبيعة، ولذلك أشار للصوم عندما تكلم عن الرقعة الجديدة والثوب العتيق، والخمر الجديدة في الزقاق العتيق فالصوم المسيحي يلائم الطبيعة الجديدة، التي تجدّدت بموت المسيح وانسكاب الروح القدس وبعد أن يرُفع العريس، يمكن لبني العرس أن يصوموا الصوم هو دعوة للدخول إلى الاعماق الداخلية، واكتشاف الكنز الداخلي، ملكوت الله في داخلنا فالإنسان المعاصر مُشتَّت ومُثقَّل ومهموم، يلهث وراء احتياجات العصر المادية، ومادام الإنسان متغربًا عن كيانه الداخلي، لا يمكن أن يرى ملكوت الله أو يحياه الصوم هو دعوه للانسحاب من العالم الخارجي والوهمي، والدخول غلى العالم الحقيقي «ادخل مخدعك وأغلق بابك»، ولقاء الله الصوم هو إعادة ترتيب الألويات، فيصير الله وملكوته هو وجهتنا ورغبتنا وغايتنا، قبل احتياجاتنا المادية التي سيُشبعها غله الخيرات، بل وسيزيدها «اطلبوا أولًا ملكوت الله وبره» وهذا هو المعنى الحقيقي لأحد الكنوز ولذلك أحد الرفاع، يتكلم عن الصوم ولكن مع الصلاة (الله شبعي) والصدقة (الآخر رسالتي)، صوم بدون الله والآخر لا معنى له ولا قيمة ثم تأتي التوبة في مركز الأحداث بنماذجها المختلفة (الابن الضال، السامرية، المخلع)، فالتوبة هي التي تحافظ على رداء الملكوت، وتغسله باستمرار بدم الحمل، فيصير لائقًا بالعرش والجالس عليه ثم تستنير العيون الداخلية، فنبصر الله (المولود أعمى) الصوم هو دعوة للتوقف، والتقاط الأنفاس، وإعادة صياغة الحياة، فالمادة لا تُشبِع ولا تُروي الصوم هو دعوة لإعادة ترتيب الألويات، فالله أولًا، والآخر جزء من رسالتنا الصوم هو دعوة لاكتشاف الأعماق الداخلية، فنبصر الله، ونحيا الملكوت الداخلي، ونسعى للكنوز السمائية. القس إبراهيم القمص عازر
المزيد
05 فبراير 2026

فصح يونان النبي

يسمي (فطر) صوم يونان ب (فصح) يونان كلمة فصح معناها عبور وتعني عبور يونان من جوف الحوت إلى اليابسة وبالتالي عبوره من الموت إلى الحياة، وعبور أهل نينوى من حياة الشر إلى التوبة فبخروف الفصح عبر الشعب من عبودية فرعون وهلاكه إلى حرية ونجاة وبيونان عبر أهل نينوى للحياة بعد أن كان محكومًا عليهم بالموت (عبور للحياة في الحالتين) وكان يونان رمزاً شخصياً للمسيح في موته وقبره وقيامته، وذلك على لسان السيد المسيح: "لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة ايام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الانسان في قلب الارض ثلاثة ايام وثلاث ليال" (مت 12: 40) فخروج يونان من بطن الحوت رمز لقيامة المسيح وبقيامة المسيح صار لنا حياة وعبور من الموت للحياة، كما عبر يونان الموت للحياة.
المزيد
27 يناير 2026

البيت القبطى

إذا أردنا أن ندرس مسئوليات الكنيسة نحو الأفراد في مراحل نموهم المختلفة ، فلابد أن نبدأ بالبيت . حيث ينشأ الفرد ويتربي وينمو متأثراً بالبيئة الأولى - البيت - وبكل الانطباعات التي يمتصها من بيئة البيت. وسندرس المميزات التقليدية للبيت القبطى ، ثم بعد ذلك العائلة في المجتمع الحديث، والرعاية اللازمة لها ولاستقرارها . الميزات التقليدية للبيت القبطي قديما من النواحي الدينية : تستخدم نظرية أثر انطباعات الطقوس والتقاليد على النفس البشرية في التربية الدينية المباشرة وغير المباشرة . الارتباط بالله والكنيسة : مكان الله فى والبيت : المقصورة - الأيقونة . عادات الصلاة ( الساعات أو الأجبية والمزامير المحفوظة ) . الصلاة على الأكل لبركته ، المدائح والترانيم كوسيلة للترفيه ( أفرح أحد فليرنم ) . عادات الصوم في البيت وأثرها . دخول الكاهن الى البيت في مناسبات : 1- صلاة بركة البيوت الجديدة . 2- صلاة الطشت . 3- صلاة القنديل المرضى ( وفي الدورة السنوية ) . 4- زيارات الافتقاد الدوري، والرعاية المنتظمة . 5- زيارات حل المشاكل .. 6- في الخطوبة ( التى تقام في البيت ) . 7- في الأحزان ( الثالث ....) . عادات الأعياد واعياد القديسين : أفراح العيد وأثرها على الجميع ، كيف يستخدمها المسيحي لإدخال الفرح على الآخرين أيضا ( نصيب الفقراء والمرضى والحزانى ) ارتباط عادات الأعيادات بالمواسم الزراعية والحصاد والمحصولات في النيروز والغطاس والعنصرة . المحصول الجديد، يوزع منه على الفقير، ويفرز نصيب الكنيسة قبل دخول المحصول إلى المخزن - الفاكهة الجديدة كذلك ، قبل أن يتذوقها أصحاب البيت ، يعطون منها للفقراء فطير الملاك وتوزيعه . شفيع العائلة واحتفالات عبده تقيمها العائلة . ولائم المحبة (الاغابي) كل أسبوع بعد القداس ، كل عائلة أسبوع . الميامر الترفيه الديني، ميمركلمة سريانية معناها قصة أو مقالة أو تاريخ ، غالباً سيرة قديس . العائلة عندما تحتفل بمناسبة سعيدة : تجمع الكهنة والعرفاء والشمامسة والأصدقاء والفقراء لعمل ليلة سهرة ، تقرأ فيها أرباع المدائح والترانيم الدينية، ويقرأ ميمر الشهيد أو الشفيع، وعند كل باب أو مقطع تقال الأرباع بالمدائح، يدفع المدعوون نقوطاُ للعرفاء ولرجال الكنيسة ، ويقدم البيت الوليمة ( أو الذبيحة المقدمة ) حسب النظم القديمة . إذا صنعت غداء او عشاء، فلا تدع أصدقاءك ولا أخوتك ولا أقربائك ولا الجيران الأغنياء ، لئلا يدعوك هم أيضا فتكون لك المكافأة ، بل إذا صنعت ضيافة ، فادع المساكين الجدع العرج العمي، فيكون لك الطوبي ، إذ ليس لهم حتى يكافئوك ، لأنك تكافاً في قيامة الأبرار ( لوقا12:14 ) . المجتمع التطور : وكيف نحتفظ بروح هذه التقاليد بوسائل متطورة، تصلح للمجتمع الحضري الجديد وتناسب ظروفه نيافة مثلث الرحمات الانبا صموئيل أسقف الخدمات الاجتماعية مجلة الكرازة العدد الثانى عام 1980
المزيد
19 يناير 2026

عيد الظهور الألهى

عيد الغطاس المجيد هو أحد الأعياد السيدية الكبرى حيث تحتفل الكنيسة بمعمودية الرب يسوع المسيح، الابن الوحيد وكلمة الله المتجسد، في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، حين «انفَتَحَتِ السماءُ، ونَزَلَ علَيهِ الرّوحُ القُدُسُ بهَيئَةٍ جِسميَّةٍ مِثلِ حَمامَةٍ. وكانَ صوتٌ مِنَ السماءِ قائلًا: "أنتَ ابني الحَبيبُ، بكَ سُرِرتُ"» (لوقا 3: 21-22). واحتفال الكنيسة كلها بالأعياد السيدية هو تذكُّر دائم واختبار مستمرة لكل ما فعل إلهنا المتجسد "من أجلنا ومن أجل خلاصنا" كما نردّد في قانون الإيمان ولقد عاشت الكنيسة – وما زالت – هذه الخبرة الحيّة والفرح الدائم وفي إيمان بما قد وَهَبَ لنا في هذا السرّ العظيم، الأمر الذي انعكس على صلواتها وألحانها وكتابات آبائها وها أحد لاهوتيّي كنيستنا العريقة، ويُدعى "بولس البوشي" أسقف مصر (مصر القديمة) في القرن الثالث عشر، يرفع قلبه بالتسبيح مع كل الكنيسة قائلاً: "حينئذ امتلأ فمنا فرحًا ولساننا تهليلاً، لأن ربنا يسوع المسيح تعمّد في نهر الأردن"، ويعبِّر في صلاة ما أجملها وشرح ما أعمقه عن كرامة هذا العيد، وعن فرحه وامتنانه مع كل شعبه بما قد وهبهم إيّاه الله الآب من خلال ابنه الوحيد في شركة الروح القدس: فيقول: "المجد لقدس القديسين الذي قدَّسّنا بالميلاد الثاني وحلول الروح القدس عندما حلّ في نهر الأردن. المجد للأزلي الذي وُلِد جسدانيًا ليلدنا روحانيًا بالمعمودية المقدسة عندما تعمَّد من عبده يوحنا وصار لنا طريقًا للبرّ والإرشاد المجد للذي تواضع وأتى إلى الأردن ليكمل كل برّ. الذي ببرّه تبرّرنا من الدينونة. المجد للذي أظهر لنا سرّ الثالوث على نهر الأردن المجد للذي طهّر المياه بحلوله فيها، وتصويب أخطاء قدَّس العناصر وكل الأرض بمشيه عليها. المجد لك أيها المسيح الرب الذي تواضع من أجل محبته للبشر، وجدَّد الخليقة بالميلاد الثاني، الذي لا يبلى، الذي هو من فوق، من عند أبي الأنوار. لك أبارك وأقدّس يا من نزع عنّا العار، وجعلنا بني نور ونهار. لك أعظّم وأرفع يا من هو فوق كل رئاسة وقوة وسلطان. شاء أن يتواضع ويعتمد من عبده يوحنا. وعلّمنا سيرة الاتضاع الذي به نخلص من مكيدة الشيطان. وهو يُسمّى عيد الظهور لأن فيه ظهر سرّ الثالوث، الواحد في اللاهوت، مبدأ الآشياء وراسمها وكمالها اُستُعلِن لنا اليوم. الابن في الأردن اعتمد. الآب في السماء يشهد... الروح القدس في شبه حمامة بارك، ليدلّ على أن الروح كامل بأقنومه هذه هو الثالوث الذي به آمنّا وباسمه اعتمدنا... ويالهذا الاتضاع الذي لا يُقاس، ولا يستطيع لسان بشري أن يعبِّر عنه. كيف أن الرب الذي يأتي إليه كل البشر كما هو مكتوب، يأتي إلى الأردن ولم يأنف من ذلك؟ وقدوس القدوسين جاء ليعتمد من الذي قدّسه هو وباركه واختاره وأعطاه موهبة روح القدوس وأرسله بشيرًا أمامه، وما كان محتاجًا إلى ذلك، بل من أجلنا نحن المحتاجين، ولا لأجل قبول الروح القدس أيضًا لأنه كائن معه أزليًا في الجوهر الواحد اللاهوتي، بل لكي يعطينا نحن موهبة الروح القدس بالمعمودية على الإيمان باسمه القدوس هذا الذي طهّر المياه بحلوله فيها وقدّسها، طَهَّرَنا نحن أيضًا بهبوط الروح القدس نازلاً عليها. لقد قال يوحنا المعمدان: «أنا المحتاج أن أعتمد منك» وأقول إنك لست محتاجًا إلى شيء من هذا بالجملة لأنك بارٌّ وحدك. بل أنا وأمثالي من كافة البشر محتاجون إلى الاعتماد منك يا معطي مواهب لكافة من يدنو إليه، وفاعل كل التقديسات، ومنك خاصة يتقدّسون ويتباركون يا قدوس القدوسين نحن محتاجون أن نتقدّس منك وليس من أحد سواك يا من بغيره لا نقدر على شيء من الفضل، أيها البار وحده الذي بلا عيب نحن المحتاجون أن نتبرّر منك لكيما نخلص من الإدانة التي صارت لنا من آدم الأول. نحن المحتاجون إليك أن تكزّق كتاب خطايانا نحن المحتاجون إليك أن تحيينا بعد الموت عندما ترسل صوتك فيسمع الأموات ويقوم الكل. نحن محتاجون إليك أن تصنع معنا رحمة في حكمك المرهوب. نحن المحتاجون إليك أن تنقذنا من العذاب الدائم وتحيينا في الملكوت الأبدي لستَ أنت محتاجًا إلى عبادتنا، بل نحن محتاجون إلى ربوبيتك وتحننك." بركة هذا العيد تشملنا جميعًا. د.جوزيف موريس فلتس
المزيد
17 يناير 2026

قصة لحن

لحن أعياد يوحنا المعمدان والغطاس في هذا اللحن نجد ذكر لسان العطر ثيؤدوسيوس وهو يمدح يوحنا المعمدان، ولذلك سنتكلم عن ثيؤدوسيوس أولاً ثم عن اللحن. من هو ثيؤدوسيوس؟ بعد نياحة البابا تيموثاوس الثالث (32) يوم 7 فبراير 535م، وحسب التقاليد تم انتخاب ثيؤدوسيوس ليصير البطريرك 33. وكان البابا ثيؤدوسيوس صديقًا لكل من أنتيموس بطريرك القسطنطينية والقديس ساويرس الإنطاكي. ولم يستمر على كرسيه في سلام طويلاً، فقد سعى أتباع مجمع خلقيدونية لعزل أنتيموس، وقد كان لهم ما أرادوا عند زيارة بابا روما إلى القسطنطينية سنة 536م مبعوثًا عن ملك الغرب، وعندئذ عُزِل أنتيموس وعُيِّن مكانه آخر موافق لمجمع خلقيدونية، ورجع القديس ساويرس الإنطاكي إلى مصر حيث تنيح بعد قليل في سخا. أما ثيؤدوسيوس فقد نُفِي عن كرسيه بسبب عدم موافقته على المجمع المذكور، وقد ظلّ ثيؤدوسيوس في الأسكندرية يواجه أتباع هرطقة يوليانوس، وأرسل إليه الإمبراطور يدعوه إلى الانضمام لمجمع خلقيدونية، ولكن البابا السكندري رفض القبول وذهب إلى القسطنطينية منفيًا، وفي منفاه كان يكتب رسائل إلى رعيته. وقد اعتبرته رعيته معترفًا بالإيمان ليس فقط في مصر ولكن أيضًا في سوريا. وتنيح في المنفى عام 566م ومن حسن الحظ أن سيرة هذا البابا القديس وصلتنا عن طريق العديد من المؤرخين المعاصرين له مثل زكريا الفصيح وغيره، وكذلك من أعدائه، وقد وصلتنا شذرات من حياته بالقبطية. أعماله: وقد وصلنا من أعماله باللغة القبطية: ( عظة عن بداية العام القبطي) كاملة باللغة القبطية. عظة عن يوحنا المعمدان: (وهو ثاني يوم من توت) مخطوطة من مجموعة مورجان، ومخطوطة من الدير الأبيض وهو عبارة عن العظة الأصلية، ويحكى فيها قصة يوحنا المعمدان كما وردت في إنجيل لوقا 1: 8-62 ومتى 3: 53-65، ثم شهادة يوحنا المعمدان. وتوجد منفصلة في مخطوطات صعيدية وبحيرية، والجزء الأخير هو عظة عن العام. عظة عن رئيس الملائكة ميخائيل. عظة عن صعود جسد العذراء مريم. رسالة: ربما تكون الرسالة المكتوبة على البردي والمحفوظة في جامعة ديوك من أعمال ثيؤدسيوس ومن خلال كتابات القديس ثيؤدوسيوس نجد أنه رتب عظات لكل مناسبات السنة، فكتب عظة عن السنة الجديدة يشرح فيه المزمور: «بارك إكليل السنة بصلاحك يارب» (مزمور 64 :12)، وهذا المزمور هو المرد الخاص بعيد النيروز أمّا العظة عن يوحنا المعمدان فقد قيلت بعد العظة السابقة، وقد استشهد بها البابا الأنبا يوأنس الثالث السمنودي المعروف بالرحوم بطريرك الأسكندرية (681-689م) في رده على أسئلة ثيؤدورس. ومن الملاحظ أن هذا البطريرك دائمًا ما يستخدم النصوص المعروفه لسامعه وعلى الرغم من أنه لم تصلنا هذه العظة كاملة إلاّ من خلال مجموعة مخطوطات دير الحامولي بالفيوم والمحفوظة الآن بنيويوك، إلاّ أن الطقس القبطي حفظ لنا هذا التراث الأدبي من خلال هذا اللحن. متى تم تحويل العظة إلى لحن؟ من الصعب الجزم بأجابة قاطعة على هذا السؤال، إلاّ أنه كما سبق أن بينّا أن البابا يوأنس الثالث في القرن السابع أشار إلى هذه العظة مما يدل على أنها كانت معروفة لمحِّدثه، وبالتالي فمن المحتمل أنها قد دخلت في الطقس القبطي أولاً كعظة تُقرأ في عيد القديس يوحنا المعمدان ثم اُختُصِرت لتصبح اللحن المعروف وذلك قبل منتصف القرن السابع بحيث كان يكفي البابا يوأنس الثالث الإشارة فقط إلى النص دون إعطاء تفاصيل لكي يفهم محدِّثه ماذا يقصد. أمّا عن موسيقى اللحن فأترك هذا لمن هم أقدر مني في الموسيقى د.يوحنا نسيم يوسف
المزيد
16 يناير 2026

لقان عيد الغطاس و تقديس مياه نهر النيل

الاحتفال بعيد الثيؤفانيا من أهم المناسبات الليتورجية في كنيسة الإسكندرية) (. وحسب شهادة المؤرخ القبطي الأب ساويرس ابن المقفع فإنَّ عيد الغطاس يُعتبر تقليدًا رسوليًا قديمًا يعود إلى مار مرقس نفسه). ويُسمّى هذا العيد عند الأقباط بعيد الغطاس لأنَّ الرب يسوع قَبِلَ العماد فيه بالتغطيس، ولذلك ارتبطت طقوس هذا العيد بالغطس في نهر الأردن في فلسطين، وفي مياه نهر النيل في مصر، بعد تقديسها مماثَلَةً بنهر الأردن. مصادر القرن الثالث، تؤكِّد على أنَّ معمودية المسيح تمت من يوحنا في الساعة العاشرة مساءً) ومصادر القرن الخامس تُشير إلى أنَّ الساعة العاشرة ليلاً هي الساعة التي كانت تُفتح فيها السماء وينزل منها الروح القدس لكي يُطهِّر المياه من الأرواح النجسة) وهذا يُفسِّر لنا لماذا تتمّ طقوس تقديس المياه (اللقان) في عيد الغطاس ليلاً وذلك لارتباط عيد الغطاس بمعمودية السيد المسيح له المجد وهنا تأتي شهادة البابا يوحنا الثالث بطريرك الإسكندرية مؤكِّدةً أنّ عيد الغطاس كان ضمن الأعياد التي تُعطى فيها المعمودية للمؤمنين) وهي: الثيؤفانيا (الغطاس) والفصح والعنصرة وأقدم الإشارات الآبائية إلى ذلك هي إشارة ترتليان في مقالته عن المعمودية) وإشارة القديس غريغوريوس النيزينزي) في تاريخ طقوس كنيسة الإسكندرية بعائلتيها (القبطية واليونانية) يوجد أربع خدمات طقسية كانت تتم على ضفاف نهر النيل: الأولي: هي خدمة تقديس مياه عيد الثيؤفانيا (لقّان عيد الغطاس). الثانية: خدمة مباركة مياه النيل. الثالثة: خدمة من أجل ارتفاع مياه النيل (عند تأخُّر الفيضان). الرابعة: خدمة تقديس مياه النهر(النيل) في عيد الصليب حسب ترتيب الدير المُحرَّق. بخصوص تاريخ هذه الخدمات لدينا إشارات تاريخية كثيرة أقدمها يرجع إلى القرن الخامس حيث ذُكِر عن القديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين أنه "أخذ تلميذه ويصا وذهب ليصنع قداساً على مياه نهر جيعون (جيحون = نهر النيل) لكى الرب الإله الرحوم يسوع المسيح يصعدها لحدّها (لمقدارها)" أما بخصوص خدمة تقديس مياه عيد الثيؤفانيا (لقان عيد الغطاس) فهي خدمة قديمة جدًا وأصولها اليونانية وترجمتها القبطية المطابقة للأصول تؤكِّد على أنَّها ترجع إلى ما قبل الانشقاق الذي حدث سنة 451م جرّاء مجمع خلقيدونية وهذا ما جعل علماء الليتورجيات ولاسيّما أستاذنا البروفيسور يؤانس فوندولي يؤكِّدون على أنَّ نصوص هذه الخدمة تشبه إلى حدٍ كبير نصوص تقديس مياه المعمودية قديمًا التي كان يغطس فيها الموعوظون) كذلك لدينا إشارات تاريخية ذكرها مؤرِّخو القرون الوسطى) توضِّح كيف كان مسيحيو مصر يحتفلون بهذا العيد احتفالاً كبيرًا بإقامة طقوس الصلوات على ضفاف نهر النيل مع حمل المشاعل والغطس في النهر بعد إتمام الصلوات) وإلقاء الصليب المقدس في النهر ثم فيما بعد يعودون إلى الكنائس لإتمام بقية طقوس الاحتفال بعيد الغطاس وهذا يفسر لنا لماذا لقان الغطاس حتى اليوم يُقام بعد التسبحة وقبل رفع بخور باكر أمّا بقية طقوس اللقانات (الرسل خميس العهد) تُقام بين باكر والقداس كترتيب بقية الخدمات الكنسية الأخرى مثل تقديس زيت مسحة المرضى وغيرها وهكذا استمر هذا الطقس عاليه حتى زمن الحاكم بأمر الله الذي منع مسيحيي مصر من الاحتفال بعيد الغطاس على شاطئ النيل فقد تعرّض الأقباط في ذلك الوقت إلى مضايقات شديدة من الحكام العرب وأصبح إجراء الاحتفال على ضفاف النيل معرضًا للخطر وغير ممكن ولذا صار طقس تقديس المياه في عيد الغطاس يُجرى داخل مبنى الكنيسة فظهر عندئذ "المغطس" كبديل لنهر النيل في هذا الطقس) كما كان نهر النيل بديلاً لنهر الأردن ثم في أواخر القرن العشرين انتقل طقس المغطس إلى "اللقان" الذي يتمّ عمله ليلة عيد الغطاس في جميع الكنائس القبطية الأرثوذكسية. وأخيرًا أريد أن ألفت نظر القارئ العزيز إلى جزء هام يتم في نهاية طقس تقديس المياه وهو تغطيس الأجيازماتاريون “agiasmat£rio” في مياه اللقان، أي تغطيس الصليب الذي يستخدمه الكاهن عندما يرشم علامة الصليب على المياه أثناء التقديس. وبحسب تقليد الكنيسة القبطية هو صليب بسيط من الخشب (غالبًا ما يخلو من الزخارف). وهذا الطقس يرتبط من ناحية بالنبوات والقراءات التي تُقرأ ضمن طقس اللقان، ومن ناحية أخرى برموز الخلاص والصليب في العهد القديم، والتي وردت في سياق نصوص الصلوات. وبذلك يكون تغطيس الصليب هنا في المياه يتم كتصوير أوتشخيص لعماد السيد له المجد، واستنشاق لرائحة العود المقدس، أي صليب المخلِّص). أرشيدياكون د رشدى واصف بهمان
المزيد
12 يناير 2026

لماذا أمر هيرودس بقتل جميع أطفال بيت لحم وتخومها

كان من السهل تحديد البيت الذي وُلِد فيه ملك اليهود في قرية صغيرة، وهو البيت الذي دخله المجوس فلماذا أمر هيرودس بقتل جميع أطفال بيت لحم وتخومها (مت 2: 16)؟ وهل يمكن ارتكاب هذه المذبحة والمؤرخون المعاصرون لها مثل يوسيفوس يصمتون عنها، بالرغم من استعراضهم لذمائم هيرودس؟ يقول "يوسف هريمة" عن مذبحة أطفال بيت لحم " لازال الخيال التوراتي يُلقي بظلاله على كتَّاب الأناجيل بمختلف مشاربهم الفكريَّة والعقائديَّة. وهذه المرة مع إستلهام آخر من هذا الخيال يوظفه متى كعادته، من خلال قصة استوحاها ليؤكد عَبْرها مشروعه في المسيح يسوع... هذه حكاية أخرى من نسيج خيال متى رواها وحده، دون الالتفات إلى غيره من المصادر القانونية أو غير القانونية. فهذه الحادثة لم يذكرها أي شخص آخر غيره في ذلك الزمان. حتى فلافيوس يوسيفوس الذي كتب تاريخ الشعب اليهودي بعد حوالي 100 عام من هذه الحادثة، لم يذكر حكاية قتل جميع أطفال بيت لحم وجوارها، وذلك بالرغم من أن يوسيفوس قد شتم هيرودس ونعته بأسوأ النعوت، إلاَّ أنه لم يذكر حكاية قتل الأطفال. والمتتبع لقصة المسيح زمان هيرودس كما تحدَّث بها متى، يجد الحضور التوراتي منكشفًا، حيث تستلهم القصة مثيلتها في سفر الخروج زمان موسى وفرعون، مع شيء من التحوير في الأحداث والشخصيات. كما كانت القصة تهدف بشكل من الأشكال إلى إثبات النبوة التوراتية بشأن المسيح المنتظر، من خلال مولد يسوع بيت لحم" (339) ويقول "علاء أبو بكر": "س58... وهل ترك هيرودس من استهزؤا به وقتل أطفال قرية بيت لحم كلها، وهيَ قرية صغيرة تقع في دائرة حكمه ويسهل السيطرة عليها، ويسهل عليه معرفة من الذي وُلِد فيها، وإلى أي بيت جاء المجوس... ولماذا تكلف قتل الأطفال في باقي التخوم؟ ولو فعل هيرودس هذا لأصبح من أعداء اليهود على كامل فرقهم، ولكتبها المؤرخون من اليهود وغيرهم، الذين كانوا يكتبون ذمائم هيرودس ويتصفَّحون عيوبه وجرائمه، وهل تقبَّل اليهود إبادة أطفالهم دون أدنى اعتراض أو مظاهرة أو محاولة للانتقام منه؟ ثم فكر معي مرة أخرى!. كان هيرودس هذا نصفه يهوديه ونصفه أرامي، وقد أسدى لليهود خدمات عظيمة جدًا استحق عليها لقلب ملك... ويستحيل معها أن يقتل أبناء شعبه هو نفسه: فقد كان الحاكم الوحيد في فلسطين الذي استطاع أن يحفظ الأمن والسلام في تلك البلاد المضطربة، وكان صاحب مشروعات عمرانية كبيرة، فقد بنى الهيكل في أورشليم، كما خفف الضرائب عن الشعب في أوقات الأزمات، وفي وقت المجاعة عام 25 ق.م حوَّل طبقة الذهبي إلى سبيكة باعها ليشتري قمحًا، لينقذ الشعب من الموت جوعًا" (340). ج: 1ــ عُرِف الملك هيرودس الكبير بالقسوة الشديدة والدموية، فعندما عارضه مجمع السنهدريم في تطبيق القوانين والأوامر الرومانية أعدم منهم 46 عضوًا من 71 عضوًا، وأعدم زوجته المحبوبة "مريمن" وأمها "السكندرا" بعد أن أغرق "أرسطوبولس الثالث" شقيق مريمن، ثم قتل ابنيه من مريمن "اسكندر" و"أرسطوبولس"، وأيضًا قتل ابنه "أنتيباتر" بعد أن اختاره ليخلفه في العرش، وقبض على أراخنة كثيرين من اليهود وأمر بإعدامهم عند موته لتعم الأحزان مملكته إلاَّ أن أمره هذا لم يُنفَذ، وشخص مثل هذا ليس بمستبعد عنه أن يأمر بذبح أطفال بيت لحم ليضمن قتل المولود ملك اليهود، ظنًا منه أنه جاء لينافسه المُلك ويسترد عرش داود المغتصب. 2ــ سبق أو أوضحنا أن هيرودس الكبير مَلَكَ نحو (37 - 4 ق.م) مرَّ خلالها بثلاث مراحل أساسية، الأولى (37 - 27 ق.م) وقد اهتم فيها بتثبيت مُلكه على اليهودية والجليل، والثانية (27 - 13 ق.م) مرحلة الازدهار والتعمير، مع أن قصره الذي ضم عشر زوجات له لم يخلو من الدسائس والمؤامرات، وبسبب الضغوط التي تعرَّض لها وجد متنفسه في التعمير والبناء، فجدد الهيكل وضاعف مساحته، وأنشأ ميناء قيصرية وأقام معابد لآلهة الأمم... إلخ. أما المرحلة الثالث (13 - 4 ق.م) فهيَ مرحلة الأزمات داخل القصر وخارجه، وكنوع من السياسة كان يقف بجوار الشعب وقت الشدة والأزمة، فعندما حلَّت بالبلاد مجاعة شديدة، استورد كميات ضخمة من القمح من مصر لينقذ حياة الكثيرين، وفي أواخر مُلكه وُلِد يسوع المسيح (راجع مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (1) س12). 3ــ كان من الممكن تحديد شخصية المولود في بيت لحم، لأنها قرية صغيرة،ودخول المجوس إليها كان أمرًا مُلفتًا، فهم غرباء، ملابسهم الفارسية تُظهرهم، يبدو عليهم الثراء، ولكن لأن هيرودس يملأه الشك، وصار يتمسك بتلابيت عرشه أكثر من محبته لأولاده، لذلك أصدر قراره البشع بقتل جميع أطفال بيت لحم الأبرياء، بل امتد قراره إلى تخوم بيت لحم لئلا يكون الطفل وُلِد في إحدى هذه التخوم أو انتقل إليها مع أسرته، وأحاط قراره بالسرية التامة، ولم يأخذ الأهالي حذرهم، إنما فوجئوا بجنود هيرودس على رؤوسهم يسألون ليس عن مجرمين عتاة ولا عن ثوَّار ضد الملك، إنما عن أطفال صغار من سن سنتين فما دون. 4ــ لو صمت المؤرخون (أو هكذا تصوّرنا) عن ذِكْر حادثة معينة معروفة لا يعني هذا عدم وقوعها، فكون القديس متى يذكر هذه الحادثة في إنجيله، وانتشار هذا الإنجيل بين الشعب اليهودي وصمت الجميع وعدم تكذيب أحد منهم لهذا الخبر، فمعنى هذا أنه تأكيد على حدوثه، وصاحب هذا الاعتراض هو فولتير الفيلسوف الفرنسي، وكعادة النُقَّاد هذا يأخذ من ذاك، هكذا تتناقل الاعتراضات من جيل إلى جيل، وقد سبق أن ردَّ "كتاب الهداية" على هذه الاعتراضات سنة 1900م في أربعة أجزاء كبيرة قبل أن يُولَد يوسف هريمة وعلاء أبو بكر، فأورد صاحب كتاب الهداية الأدلة الكافية الشافية على صحة هذه الحادثة: " أولًا: أن "سلسوس" (كلسوس) الفيلسوف وهو من ألد أعداء الديانة المسيحية وكان في أواخر الجيل (القرن) الثاني ذكر هذه الحادثة، فلو لم تكن حقيقية لردَّ عليها ونقضها، بل (ولاسيما) كان يقرع ويشنع في متى البشير. ثانيًا: أن "ماكروبيوس" وهو من المؤلفين الوثنيين ذكر هذه الحادثة ونص عبارته ما يأتي: وهو لما بلغ "أغسطس" (الإمبراطور أغسطس قيصر) بأن هيرودس ملك اليهود أمر بذبح الأطفال الذين عمرهم سنتان في سورية وأنه ذبح أيضًا أحد أولاده قال: إن خنزير هيرودس هو أحسن (حالًا) من ابنه. إنتهى كلامه. ومعنى هذا الكلام هو أنه لما كان هيرودس متمسكًا بالديانة اليهودية كانت ديانته تنهيه عن ذبح الخنازير لأنها تحرم أكل لحمه، وعلى هذا يكون خنزيره في أمنٍ، بخلاف ابنه فأنه قتله. فهذه الأقوال تدل على اشتهار هذه الحادثة الشنيعة التي نُسبت إليه. ثالثًا: لا يتوقع أن يوسيفوس يذكر كل حادثة كلية وجزئية بل لابد أن يترك شيئًا ويذكر أشياء، ولا يُتوقَع أن المؤرخين المعاصرين لبعضهم يذكرون عين الحوادث التي يوردونها، فالمؤرخ "سواتونيس" ذكر أشياء كثيرة لم يذكرها المؤرخ "تاسيتس"، فأتى "ديون كاسيوس" واستدرك ما فاتهما وذكره. رابعًا: إن هذه الفعلة المُنكَرة لم تكن بشيء بالنسبة إلى باقي فظائع هيرودس، فبيت لحم هيَ قرية صغيرة حقيرة ولم يكن لها اسم يُذكَر، وكانت المنكرات التي اقترفها أفظع وأشنع من هذه الفعلة الوخيمة فلذا ضرب يوسيفوس عنها صفحًا. خامسًا: ربما كان الأمر الذي أصدره هيرودس سريًَّا ولم يكن معروفًا عند يوسيفوس، على أنه لماذا لا نصدق ما رواه "متى" ونصدق غيره. أليس البشير متى جدير بالاعتماد كغيره. سادسًا: اشتهر هيرودس بالقسوة وسفك الدماء بحيث أن قتل الأطفال لم يكن شيئًا بالنسبة إلى منكراته" (341). (راجع أيضًا نيافة المتنيح الأسقف إيسيذورس - مشكاة الطلاب في حل مشكلات الكتاب ص447 - 449) أ. حلمي القمص يعقوب
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل