الراهب القمص بطرس البراموسي

راهب بدير السيدة العذراء البراموس العامر
المقالات (46)
28 أبريل 2026
اهتفوا.. لأن الرب قام
لقد ظهر الملاك للمريمات قائلًا لهن: "لِمَاذَا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الأَمْوَاتِ؟" (لو24: 5) لقد بحثن عنه النساء الصالحات، وذهبن إلى القبر "وَبَعْدَ السَّبْتِ عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ الأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى لِتَنْظُرَا الْقَبْرَ" (مت28: 1) يطلبن القائم من الأموات كانت دموعهن ما زالت تسيل من عيونهن بينما كان من الواجب عليهن أن يبتهجن ويفرحن من أجل الذي قام من الموت ذهبت مريم المجدلية طالبة إياه، ولكنها لم تجده.. ثم سمعت بعد ذلك من الملائكة أنه قام، وبعدها رأت السيد المسيح فقد تمثلت المجدلية بعذراء النشيد عندما قالت: "فِي اللَّيْلِ عَلَى فِرَاشِي طَلَبْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ" (نش3: 1) هكذا حدث من المجدلية "وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِرًا وَالظّلاَمُ بَاقٍ فَنَظَرَتِ الْحَجَرَ مَرْفُوعًا عَنِ الْقَبْرِ" (يو1:20) وعندما رأت المجدلية الملاك قالت له " إِنَّهُمْ أَخَذُوا سَيِّدِي وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ" (يو20: 13) لكن الملائكة عالجوا جهلها بالأمر وبقوة لاهوت السيد المسيح فقال لها الملاك "لِمَاذَا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الأَمْوَاتِ؟" (لو24: 5) فيريد أن يقول لها لم يقم هو فقط بل قام وأقام معه أمواتًا آخرين لكنها جهلت الأمر ولم تفهمه أو تصدقه وهذا ما قالته عذراء النشيد "وَجَدَنِي الْحَرَسُ الطَّائِفُ فِي الْمَدِينَةِ فَقُلْتُ "أَرَأَيْتُمْ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي؟" فَمَا جَاوَزْتُهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا حَتَّى وَجَدْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي فَأَمْسَكْتُهُ وَلَمْ أَرْخِهِ حَتَّى أَدْخَلْتُهُ بَيْتَ أُمِّي وَحُجْرَةَ مَنْ حَبِلَتْ بِي" (نش3: 3-4) لذلك بعد رؤية الملائكة حضر السيد المسيح بمفرده إذ يقول الإنجيل "وَفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ إِذَا يَسُوعُ لاَقَاهُمَا وَقَالَ "سَلاَمٌ لَكُمَا" فَتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ" (مت28: 9) وأمسكتا بقدميه لكي يتم ما قيل في نشيد الأنشاد "فَأَمْسَكْتُهُ وَلَمْ أَرْخِهِ" (نش3: 4) وبعد ذلك قال الملاك لهن "اذْهَبَا سَرِيعًا قُولاَ لِتَلاَمِيذِهِ إِنَّهُ قَدْ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ هَا هُوَ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ هُنَاكَ تَرَوْنَهُ هَا أَنَا قَدْ قُلْتُ لَكُمَا" (مت28: 7) فخرجتا سريعًا لتعلن وتهتف أن الرب قام وأنت أيها الموت ماذا كان ردك أو موقفك؟
لقد هرول الموت سريعًا ارتعب الموت وهو يرى إنسانًا جديدًا نازلًا إلى الجحيم بدون أن يكون مقيدًا بقيوده الموجودة هناك على البشر جميعًا.
فلأي سبب يا حراس الهاوية ترتعبون حينما رأيتموه آتيًا إليكم.. إلى جحيمكم؟
أي خوف غريب قد استحوذ عليكم؟
لقد هرول الموت مسرعًا وهرب. وهذا يدل على جبنه وضعفه.. فهو لم يقدر أن يقف أمام القائم.. لم يقدر أن يمسك مَنْ بيده الموت والحياة.
لقد فدى السيد المسيح جميع الأبرار الذين ابتلعهم الموت لأنه كان ينبغي لذاك الذي كُرز بأنه ملك يصير محررًا للذين كرزوا به فافرحي يا أورشليم بل كل المسكونة وكل نفس بشرية افرحوا يا جميع الذين تحبون يسوع لأنه قام من الأموات افرحوا يا مَنْ كنتم قبلًا حزانى وأنتم تسمعون عن كل الشرور والجرائم التي فعلها اليهود بوقاحة لأن الذي كان مهانًا ومحتقرًا من اليهود قام من بين الأموات مثلما كان محزنًا كل ما سمعتموه عند الصليب، هكذا بشارة القيامة الحسنة تملأ كل الحاضرين بالسرور ليت الحزن يتحول إلى ابتهاج والنوح إلى فرح وليمتلئ فمنا فرحًا وسرورًا لأن الرب بعد قيامته المجيدة قال "سَلاَمٌ لَكُمَا" (مت28: 9) حقًا لقد قام الذي مات والحر بين الأموات "وَلِصِهْيَوْنَ يُقَالُ "هَذَا الإِنْسَانُ وَهَذَا الإِنْسَانُ وُلِدَ فِيهَا وَهِيَ الْعَلِيُّ يُثَبِّتُهَا" (مز87: 5) فتعالوا بنا نبشر للجميع ونقول لهم "اهتفوا لأن الرب قام" صارخين جميعًا قائلين "أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟" (1كو15: 55) أخرستوس آنيستى Χριστός ἀνέστη.. آليثوس آنيستى Ἀληθῶς ἀνέστη
وكل عيد قيامة وحضراتكم بخير ولإلهنا كل المجد والإكرام من الآن وإلى الأبد آمين.
الراهب القمص بطرس البراموسي
المزيد
17 مارس 2026
بادروا بالرحمة لكل أحد
"لتكون لكم الرحمة والسلام والمحبة"(يه 1: 2)هكذا بدأ القديس يهوذا الرسول(ليس الأسخريوطي) رسالته المكونة من 25 عددًا داعيًا لنا بهذه الثلاثية الرائعة (الرحمة والسلام والمحبة) فمحبة الكل ومحبة الله تولد داخل قلب الانسان السلام الداخلي هذا أمر طبيعي فمن احبه اسالمه لأنه لا يمكن أن يكون بيني وبين آخر أي عداوة وأدعي زورًا وكذبًا أنني أحبه هكذا من احبه واسالمه أمد له يد الرحمة والمساعدة وذلك لأن المحبة والسلام الداخلي تجعل قلب الإنسان رحيمًا على غيره دائمًا ولنلاحظ ان السيد المسيح قد أعطى الطوبى للرحماء "طوبى للرحماء لأنهم يرحمون" (مت 5: 7) وقد حذرنا القديس يعقوب الرسول من عدم الرحمة اننا سوف نحاسب كما نفعل تمامًا بقوله "لأن الحكم هو بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة والرحمة تفتخر على الحكم" (يع 2: 13) هذا ما أرادت الكنيسة تذكيرنا به دائمًا في مستهل الصوم الكبير المقدس قائله "بادروا بالرحمة لكل أحد لا تنظروا فيما بعد فإن قيل لا تهتموا بالغد فالرزق مضمون فيما هو آت" هذا من أجل ما يحدث مع كثيرين بسبب الظروف الإقتصادية الصعبة التي نمر بها من غلاء معيشي بكل جوانبه وقلة فرص العمل وإن وجدت نجدها غير متناسقة مع عدد ساعات العمل وما إلى ذلك فالكل يشكوا هذه الأيام من كل ذلك فالفارق الطبقي الواضح بين أثرياء وفقراء أحدث صراعًا نفسيًا داخليًا للجميع فالغني لا ينظر إلى اخوته والمحتاجين وتحول كل شغله على كيفية استثمار هذه الثروة بافضل طريقة لكي تأتي بأرباح أكثر وأكثر إنشغل الغني بذلك وكأنه أخذ المهدئ الروحي تأتي بثمر "ثلاثين وآخر بستين وآخر بمئة" (مر 4: 8) وحوله إلى مبدأ أرضي سوف يزول سريعًا من جهة ثروته وأمواله وتناسى تمامًا أن من حق الفقراء أن يتمتعوا معه بهذه الثروة فالله لم يعطه إياها ولم يكثرها له لذاته فقط ولكن هو الذي قال "اعطوا تعطوا كيلًا جيدًا ملبدًا مهزوزًا فائضًا تعطون في أحضانكم لأنه بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم" (لو 6: 38) فالسيد المسيح قد أعطانا المعادلة التي يجب أن نحيا بها في العطاء وأوضح انه كما نعطي للآخر سوف يعطينا هو من غنى مراحمه وقد ضرب لنا مثل الخراف والجداء (مت 25: 31-46) لكي يوضح لنا أهمية أعمال الرحمة فهي التي تهيئ البعض لدخول السماء فهم سوف يسمعون "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم لأني جعت فأطعمتموني عطشت فسيقتموني كنت غريبًا فآويتموني عريانًا فكسوتموني مريضًا فزرتموني محبوسًا فأتيتم إليَّ" (مت 25: 34-36) وفي حال استغرابهم لهذا الكلام لأنهم لم يفعلوا ذلك مع رب المجد نفسه يوضح لهم ما يريده منا كلنا بقوله "فيجيب الملك ويقول لهم الحق أقول لكم بما انكم فعلتموه بأحد اخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم" (مت 25: 40) أما ما يفعله رافضي الرحمة والقساة والمتجبرين والأنانيين الذين لا يهمهم سوى أنفسهم وثروتهم وغناهم الفاحش الذي حول قلوبهم إلى القساوة والجبروت وانهم لا يبالون بالآخرين الجوعى والعطاشى والعريانين والمحبوسين والمرضى ينظروا كل هؤلاء ويقولون مالنا ولهم الذي خلقهم وأوجدهم في هذه الظروف هو الكفيل بهم سوف يسمعون من فم رب المجد "اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته لأني جعت فلم تطعموني عطشت فلم تسقوني كنت غريبًا فلم تأووني عريانًا فلم تكسوني مريضًا ومحبوسًا فلم تزوروني" (مت 25: 41-43) وفي حال اعتراضهم على هذا الكلام وكأنهم ظلموا من الخالق الديان العادل وكأن لسان حالهم يقول له لماذا هذا الظلم؟ متى رأيناك جائعًا أو عطشانًا أو يقول لهم بنفس ما تفوه به مع المطوبين "فيجيبهم قائلًا: الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي لم تفعلوا" (مت 25: 45) نهاية هذا وذاك يكون الحكم الأبدي من فم الحاكم الديان العادل "فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية" (مت 25: 46) لذلك فالأنجيل على لسان رب المجد وكنيسته المجيدة التي أسسها بدمه الذكي دائمًا يذكروا المؤمنين بأنهم لا يهتموا للغد فقد ذكرت كلمته (لا تهتموا) في الثلاثة أناجيل الأولى ثماني مرات "لذلك أقول لكم لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون ليست الحياة أفضل من الطعام ولا الجسد أفضل من اللباس" (مت 6: 34،31) (مت 1: 19) (مر 13: 11) (لو 12: 11)، "وقال لتلاميذه: من أجل هذا اقول لكملا تهتموا لحياتكم بما تأكلون ولا للجسد بما تلبسون" (لو 12: 22) (لو 21: 14) هكذا يجب أن نحيا الأنجيل ونتمتع بفترة الصوم التي أسماها الأباء "خزين السنة" فمنها نتعلم الكثرة في العطاء وتكون نقطة بداية لإنطلاقة في كل أعمال الرحمة وتكون منهج حياة طول السنة وطوال العمر فلا نربط الرحمة بالصوم فقط الله هو الذي يعول الكل وهو الذي يعطي الجميع القوت والكسوة وهو قادر ان يغني الجميع ولكنه يسمح بوجود الفقر والغنى وأوجد المحتاجين لكي يعطيهم الأغنياء فيأخذوا بركة العطاء وأيضًا الفقراء لكي يصلوا من أجل من يعطونهم ولينالوا بركة احتمال الضيق والشكروهذه أعظم من كل غنى وأموال العالم الزائل التي سرعان ما تنتهي مثل البخار الذي يظهر قليلًا ويضمحل سريعًا.
الراهب القمص بطرس البراموسي
المزيد
25 يناير 2025
قراءة في حياة آباء الرهبنة القديسين الروميين مكسيموس ودوماديوس
إن القداسة التي نقرا عنها كثيرا لا ترتبط بطول العمر والسنيين ولكن بالجدية والاتضاع ومعهما الغربة عن كل شيء. المثل الواضح الحقيقي لهذه القداسة المبكرة ما نقرأه عن الشابان الصغيران الروميان مكسيموس ودوماديوس أولاد الملك فالنتينوس فقد أكملا حياتهما المملوءة بكل فضيلة بعد أن أتمَّا كل وصايا الإنجيل كما ذكر عنهم فهم طبقوا المقولة الصغيرة "فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح" (في 27:1) فالحياة حسب إنجيل المسيح تستلزم (المحبة – إنكار الذات – الاحتمال – الصبر علي الضيقات – الوداعة – طول الأناة – الاتضاع – المغفرة – المصالحة – السلام الداخلي – محبة الأعداء – الجهاد علي الدم – نقاوة النفس والفكر – طهارة الجسد والسيرة – الشكر – ضيافة الغرباء – كل ما ذكر في ( رو 12) – تعليم المسيح في (مت 5 و6 و7) إذا فالحياة حسب الإنجيل هي تعني حياه القداسة ولذلك كان الإنجيل لهج لسان القديسين ليل ونهار. عاشوا ما فيه قبل أن يحفظوا كلماته ويتكلموا بها... عاشوا الجنة المغلقة والينبوع المختوم لذلك حينما سئل القديس فيلوكسينوس عن ملك هؤلاء الشابين الصغيرين ولماذا كان لا يذهبا إلى القديس أبو مقار المدبر الروحي لهم وكانوا يذهبون يوم الأحد لحضور القداس والتناول من الأسرار المقدسة في صمت تام ثم يرجعوا إلى مغارتهم في هدوء الملائكة لمده ثلاث سنين قال (لأن الكبير كان عمَّالًا كاملا متضعًا ولو كان قد مضي إليه لظهر كماله كما فكان يمجده، وأما الصغير فكان يتعلم من الكبير).
هي عبارة من عده كلمات ولكنها تحوي الكثير من المعاني العميقة وتعبر عن فلسفه حياتهما المخفية وعن الحكمة السماوية التي تكلم عنها معلمنا يعقوب الرسول كان عمالًا ليس في عمل اليدين فقط ولكن عمالا في فلاحه الملكوت في أرضه القلبية ينتهي ويفرز ما هو جيد ويروي بدموع عيني قلبه وتوبته المستمرة ويسهر يرعي البذرة النبتة إلى أن تصبح شجره (فضيلة) فارعه الجزع كثيرة الورق ومتعددة الثمار الناضجة أي ثمار الفضيلة وكان كاملا فالكمال المطلق هو لله وحده ولكن كلنا نعلم الفارق بين النسبي (البشري) والمطلق (الإلهي). فقد طلب السيد المسيح منا "فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل" (مت 28:5). ولقد جاهد القديس مكسيموس الشاب ذو العشرين عامًا في تحقيق الآية والوصية التي أعطاها معلمنا بولس الرسول إلى أهل كورونثوس في قوله "أيها الإخوة لا تكونوا أولادا في أذهانكم بل كونوا أولادًا في الشر وأما في الأذهان فكونوا كاملين" (1كو 20:14) فالكمال البشري يتحقق في كمال تنفيذ وصيه السيد المسيح والحياة حسب الناموس الروحي الذي يبني الإنسان بناء روحيًا شامخًا وراسخًا علي قاعدتيّ الإنجيل وسيد الآباء الأوليين،فهذين هما ضفتي النهر الذين يحفظان مياهه من الضياع .. فعاشا في العمل الروحي الذي يعضده وصيه الإنجيل المحيية وتعاليم الآباء الشيوخ ليصل إلى الكمال المطلوب في نمو مستمر بسبب الاتضاع الذي كان نهجًا مشتركًا بينهما بل عاشوا بعمق ما قاله لسان العطر بولس "ولكنني اطلب إليكم أيها الإخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تقولوا جميعكم قولا واحدا ولا يكون بينكم انشقاقات بل كونوا كاملين في فكر واحد ورأى واحد (1كو 10:1) و لذلك كان الأصغر مطيعا للأكبر يتعلم منه كماله واتضاعه ويذكر الأب بيشوي كاتب سيرتهما والذي كان يعرفهما فتره من الزمن ( متى كان هذان القديسان يذهبان إلى الكنيسة لو يكونا يرفعان بعدها لينظرا وجه احد، بل كان وجهيهما إلى أسفل علي الدوام حتى يعودا إلى مغارتهما بسرعة وانتباه ولو رايتهما بهذا المنظر لقلت أن الله بالحقيقة يسكن في هذين الرجلين وفي الحقيقة كانا مثل إيليا ويوحنا المعمدان تسكن فيهما نار الروح القدس التي تحرق الشيطان الفاسد الذي للأرواح الشريرة التي تحارب جنسنا كل وقت دون خجل .... فحقا لساني ينطق ويقول طوباكم يا أبهات .. يا أولاد مقاريوس.. يا كواكب جبل شيهات ومصابيح دير البرموس.
الراهب القمص بطرس البراموسي
المزيد
06 ديسمبر 2022
غاية التجسد
أما عن غاية التجسد فيحدثنا القديس كيرلس الكبير فى تفسيره لأنجيل القديس يوحنا (4: 26) "قال لها يسوع أنا الذى أكلمك هو" فيقول لقد صار جسداً جاعلاً نفسه مشابهاً لنا لكى يوحد بالله بواسطة نفسه ما كان بحسب الطبيعة منفصلاً جدا عنه وفى تفسره لـ (يو17: 20) "ولست اسأل من أجل هؤلاء فقط بل أيضاً من أجل الذين يؤمنون بى بكلامهم" يقول "لقد صار الإبن الوحيد الذى من جوهر الآب جسداً لكى يوحد ويؤلف بطريقة ما فى نفسه بين الأشياء المتخالفة بحسب طبعها الخاص، والتى لم يكن ممكاً أن تتجمع (اللاهوت والناسوت) "إذاً فالسر الحاصل فى المسيح قد صار بداية ووسيلة لأشتراكنا فى الروح وإتحادنا بالله وفى تفسيره لـ (يو1: 14) "والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً"يقول القديس كيرلس "لكى نرى فى وقت واحد، الجرح والدواء، المريض والطبيب، ذاك الذى سقط تحت قبضة الموت والذى يقيمه للحياة ذاك الذى ساد عليه الفساد والذى طرد الفساد ذاك الذى أمسك به الموت والذى هو أسمى من الموت، ذاك الذى له عدم الحياة وذاك الذى هو واهب الحياة" ويقول القديس كيرلس " إن تجسد الكلمة لم يحدث لغاية أخرى إلا لكى نغتنى نحن أيضاً بشركة الكلمة بواسطة الروح القدس فنستمد منه غنى التبنى" ففى فكر القديس كيرلس إن التجسد الذى هو إتحاد اللاهوت بطبيعتنا البشرية لا يمكن أن يكون بعده إفتراق فيقول "لقد ولد بحسب الجسد من امرآة آخذاً منها جسده الخاص لكى يغرس نفسه فينا بإتحاد لا يقبل الأفتراق"وفى تفسيره لـ (يو20: 17) "قال لها يسوع لا تلمسينى لأنى لم أصعد بعد إلى أبى ولكن أذهب إلى أخوتى وقولى لهم أنى أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهى وإلهكم"يقول فى تعليقه على قول المخلص (ها أنا صاعد إلى أبى وأبيكم وإلهى وإلهكم)"يا من تقرأ هذه الكلمات حاول أن تقبل هذا السر العجيب والعظيم ولا تدع قلبك يبتعد عن الحق الكامن فى التعاليم الإلهية تأمل كيف جاء الإبن الوحيد كلمة الله وسكن بيننا لكى نكون نحن مثله على قدر ما نحتمل طبيعتنا أن تأخذ منه فى نعمة الخلق الجديد. لقد أتضع هو لكى يرفع ما هو أصلاً وضيع إلى مقامة العالى. وليس شكل العبد رغم إنه بالطبيعة الرب وإبن الله لكى يرفع من الطبيعة مستعبد إلى كرامة البنوة وسموها جاعلاً إياها على صورته ومثاله..."ونختم موضوعنا هنا بعد أن تمتعنا بفكر وإيمان القديس كيرلس وشرحه الوافى عن عقيدة التجسد بنقطة ختامية وهى
4- لماذا التجسد
لم يكن تجسد إبن الله هدفاً فى ذاته بل كان وسيلة لتحقيق أهداف عظمى وهى:-
1- فداء الإنسان:-
إذ بذل إقنوم الإبن جسده فداء عن الإنسان الساقط
2- تجديد خلقه الإنسان:-
إذا جاء إبن الله الكلمة المتجسد ليتحد بطبيعتنا الساقطة ويقيمها من ضعفها ويجددها بل ويعيد خلقتها لتصير طبيعة مقدسة
3- تعليم الإنسان الفضيلة والكمال وتقديم المثل الأعلى:-
إذ أتى أقنوم الإبن وعلم الإنسان الفضيلة والكمال ليس بكلامه فقط بل بشخصه أيضاً فعاش كاملاً مقدماً مثلاً وقدوة يسير عليها المؤمنون لأن الله غير قابل للموت بلاهوته أخذ جسداً قابلاً للموت فبه ذاق الموت من أجل الجميع "يامن ذاق الموت بالجسد فى وقت الساعة التاسعة من أجلنا نحن الخطاة. " (قطع الساعة التاسعة)
إذاً عندما نقول السؤال.فلماذا التجسد؟ لابد من التجسد لكى يتم الخلاص وفداء الإنسان
القمص بطرس البرموسى
المزيد
28 سبتمبر 2021
الصليب والجمال الحقّ
لا نخاطب الأطفال بما قد يخيفهم وذلك في سنيهم الأولى لأنّ ما قد نزرعه رهبة يرسب في الوجدان ويشكل الوعي والحياة فيما بعد. إلاّ أنّه في الحياة الروحيّة تبدأ قامة الطفولة بإعلان الصليب شعارًا للحياة ولكنّه الصليب المتفجِّر بضياء القيامة.
لا تكرز المسيحيّة بصليب مجرّد، بصليب نهائي، بصليب ختامي للرواية الإلهيّة المدوّنة بأحبار الزمن البشري. الصليب في المسيحيّة في حالة تجلٍّ، لأنّ منه تقطر قطرات دمٍ هي هي واهبة للحياة. ليس موتًا صارمًا يختم العقيدة الفكريّة التي نعتنقها بأختام الألم ولكنّه حياة تجدّد معنى الموت برسمه بأقلام النور والفجر والضياء السرمدي. حينما نعانق الصليب ونُقبِّله، لا نُقبِّل موتنا بل حياتنا، وإن كنّا نَقْبَل مسيرة الموت إلى الحياة. حينما نرشم جباهنا وأجسادنا به لا نعلن خضوعنا للألم بل خضوعنا لله وإن كان عبر الألم. نحن لا نرى الصليب وحده، بقدر ما نتلمّس ببصائرنا الجديدة، المصلوب، كربّ الحياة وسيد الخليقة ومالك مفاتيح البرّ ودافع حركة الوجود إلى البهاء الدهري في مُلْكٍ مزركش بزينة الروح.
لقد دعا المسيح الكنيسة لتتبعه حاملة صليبها. يرى البعض أن ملمح الألم ونغمة الحزن هي السائدة على هذا النمط من التبعيّة، ولكن دعنا نتساءل، إلى أين سيقودنا؟؟ أليس إلى المجد.. إلى القيامة.. لذا فالتبعيّة ليسوع حاملين صليبه تعني أن نسير وراءه نحو المجد المُعدّ لقابلي خلاصه بالروح والحقّ. وهنا يظهر الوجه الآخر لعملة التبعيّة؛ فهي ليست آلام السائرين على الطريق ولكنّها ضمان الوصول إلى المجد طالما نتحرّك على آثار يسوعنا المحبوب. تلك الصورة نحو المجد وإن كان من خلال بعض أنّات الطريق تفسّر أنغام التهلُّل الصادر من الجمع المتحرّك نحو الأبديّة البَهِجَة. من أين يأتي التهلُّل لمن يرزحون تحت وطأة الصليب؟؟؟؟ إنه يأتي من التبعيّة للراعي الحقّ للقطعان الملكيّة. لذا فإن وجدت أن نغمات الحزن تغلف عالمك اعلم أنك لا تدرك وراء من تسير وإلى وجهة تتّجه. انحسارك في قسوة الصليب وطول الطريق يحرمك من تجدُّد قواك كنسرٍ محلِّق بحريّة الروح الداخليّة، في شباب وفتيّة دائمة..
الصليب لنا ليس جهالة ولكنّه يقين الواقع الجديد ووعي بآليات تحقُّه فينا. الصليب لنا شريعة خطّها الربّ يسوع بقبوله المُجدِّد لقبحه وللعنته؛ فخشبّة الصليب تحوّلت بارتفاع المصلوب عليها إلى عرش ملكي، هذا ما نراه؛ السيد مرتفعًا على عرشٍ من خشب يجدّد عليه واقع الإنسان المنهزم بجمالات الحياة زائفة. من هنا ننطلق في تكوين وعي جمالي مسيحي خاص؛ فالجمال في المسيحيّة ليس ذهبٍ وفضة وثياب ملكيّة وبهرجة إمبراطوريّة.. إلخ ولكن التجلِّي الحادث بسكنى الله وإن كان المسكن قبيح بدرجة الصليب ما قبل ارتفاع السيّد. الصليب بيسوع صار جمالاً. لقد استقطب ذاك الأبرع جمالاً من كلّ البشر أفئدة الخليقة لتترنّم للجمال المجروح من أجل حياة العالم.
أبونا الراهب سارافيم البرموسي
المزيد
14 سبتمبر 2021
المسيحية والاستشهاد
إن قصة الاستشهاد هي قصة المسيحية كلها فالاستشهاد والمسيحية صديقين متلازمين لا يفترقان عن بعضهما فالاستشهاد هو قصة الكرازة بالإنجيل في كل العالم لأن الإيمان المسيحي كان ينتشر في كل مكان، وكانت جذوره تدب في أعماق البشرية.. فكان يمتد في المسكونة طولًا وعرضًا وعمقًا، وذلك بشهادة الدم أكثر من الوعظ والتعليم فنجد مُعلِّمينا الكبار بطرس وبولس كليهما استشهد من أجل انتشار الإيمان الأول مصلوبًا منكس الرأس، والآخر بحد السيف، ونالا إكليل الشهادة من أجل تمسكهم بالسيد المسيح وهذا هو الفكر السامي في الكرازة والتبشير في المسيحية أن المبشر والكارز هو الذي يستشهد من أجل الإيمان، وليس مَنْ لا يؤمن بالدين هو الذي تقطع رقبته فلم تعرف البشرية في كل عصورها شهداء مثل شهداء المسيحية من حيث شجاعتهم وإيمانهم ووداعتهم وشجاعتهم واحتمالهم وجدّهم وفرحهم بالاستشهاد فنجدهم يعانقون الموت في فرح وهدوء ووداعة عجيبة تزهل مَنْ يعذبونهم ومضطهديهم!! مما يجعلهم في آخر هذه المرحلة الأليمة يؤمنون بالسيد المسيح الذي يعبده النصارى، عندما يرون إيمانهم وجدّهم واحتمالهم للعذابات لآخر نَفَس!!
فقد وجدنا "إريانوس" أشرس الولاة الذين قاموا بالتفنن في تعذيب المسيحيين، وكل مَنْ احتاروا في أمره أوصلوه إلى إريانوس القاسي القلب فتارة يعذبهم بالهنبازين، وتارة بالحرق، وتارة بتعليقهم على ساري المركب، وتارة أخرى بتمشيط أجسادهم ثم وضعهم في جير حي وتبارى في أنواع التعذيب. وأخيرًا نجد إريانوس هذا يؤمن بالسيد المسيح بل ينال إكليل الشهادة من أجل إيمانه!!
يا ترى ما هو السبب في ذلك؟!
وما الذي جعل الشهداء يحتملون هذا العذاب؟
لقد نظروا إلى العالم نظرة وقتية.. فهذا العالم الفاني لا يُقاس بالحياة الأبدية التي سوف يحيون فيها.. وذلك لأنهم عاشوا الإنجيل وتعاليم الآباء الرسل"لأنَّ خِفَّةَ ضيقَتِنا الوَقتيَّةَ تُنشِئُ لنا أكثَرَ فأكثَرَ ثِقَلَ مَجدٍ أبديًّا.ونَحنُ غَيرُ ناظِرينَ إلَى الأشياءِ التي تُرَى، بل إلَى التي لا تُرَى لأنَّ التي تُرَى وقتيَّةٌ، وأمّا التي لا تُرَى فأبديَّةٌ" (2كو4: 17-18) وقد عاشوا حياة الغربة على الأرض، وشعروا أنهم غرباء ونزلاء في هذا العالم فالنزيل أو الغريب لا يمكنه أن يمتلك شيئًا إلاَّ في وطنه وفي أرضه "أيُّها الأحِبّاءُ، أطلُبُ إلَيكُمْ كغُرَباءَ ونُزَلاءَ، أنْ تمتَنِعوا عن الشَّهَواتِ الجَسَديَّةِ التي تُحارِبُ النَّفسَ" (1بط2: 11) إن حياتنا على الأرض مهما طالت فلا بد أن نرجع إلى وطننا السماوي مستقرنا الأخير بيتنا الأصلي، وإلى ميراثنا المحفوظ لنا في السموات وهذا ما أكّده لنا مُعلِّمنا بولس عندما قال "في الإيمانِ ماتَ هؤُلاءِ أجمَعونَ، وهُم لم يَنالوا المَواعيدَ، بل مِنْ بَعيدٍ نَظَروها وصَدَّقوها وحَيَّوْها، وأقَرّوا بأنَّهُمْ غُرَباءُ ونُزَلاءُ علَى الأرضِ" (عب11: 13) وقد شعروا أن هذا العالم قد وُضع في الشرير، وأن الحياة فيه كلها حزن وألم وضيق ولكن هذا الضيق والألم سرعان ما سوف يتحول إلى فرح، عندما نصل إلى السماء وهذا ما قاله السيد المسيح له المجد "الحَقَّ الحَقَّ أقولُ لكُمْ إنَّكُمْ ستَبكونَ وتنوحونَ والعالَمُ يَفرَحُ أنتُمْ ستَحزَنونَ، ولكن حُزنَكُمْ يتحَوَّلُ إلَى فرَحٍ" (يو16: 20) ولمعرفتهم أيضًا أن نهاية ضيقات وأحزان وآلام هذا العالم الذي نعيش فيه سوف تؤول إلى مجد عظيم في السماء ولذلك صبروا واحتملوا الآلام مُفضلين الضيقات الأرضية التي تؤهلهم إلى المجد السماوي الذي لا يوصف عاملين بما ذكره مُعلِّمنا بولس الرسول "صادِقَةٌ هي الكلِمَةُ: أنَّهُ إنْ كُنّا قد مُتنا معهُ فسَنَحيا أيضًا معهُ إنْ كُنّا نَصبِرُ فسَنَملِكُ أيضًا معهُ" (2تي2: 11-12) "فإني أحسِبُ أنَّ آلامَ الزَّمانِ الحاضِرِ لا تُقاسُ بالمَجدِ العَتيدِ أنْ يُستَعلَنَ فينا" (رو8: 18) ولذلك زهدوا كل شيء في أيديهم وفي العالم، عائشين حياة التجرد والاختلاء من كل ممتلكات العالم، سائرين على خُطى بولس الرسول الذي قال "لأنَّنا لم نَدخُلِ العالَمَ بشَيءٍ، وواضِحٌ أنَّنا لا نَقدِرُ أنْ نَخرُجَ مِنهُ بشَيءٍ فإنْ كانَ لنا قوتٌ وكِسوَةٌ، فلنَكتَفِ بهِما" (1تي6: 7-8) وذلك لأن مُعلِّمنا بولس اعتبر أن الغنى هو غنى الروح وليس الجسد(أي الغنى الروحي وليس الجسدي)لذلك اشتهوا أن ينطلقوا من الجسد لكي يكونوا مع المسيح "ليَ اشتِهاءٌ أنْ أنطَلِقَ وأكونَ مع المَسيحِ، ذاكَ أفضَلُ جِدًّا" (في1: 23). وما شجعهم على هذا هو قول السيد المسيح " في بَيتِ أبي مَنازِلُ كثيرَةٌ، وإلاَّ فإني كُنتُ قد قُلتُ لكُمْ أنا أمضي لأُعِدَّ لكُمْ مَكانًا، وإنْ مَضَيتُ وأعدَدتُ لكُمْ مَكانًا آتي أيضًا وآخُذُكُمْ إلَيَّ، حتَّى حَيثُ أكونُ أنا تكونونَ أنتُمْ أيضًا" (يو14: 2-3) من أجل هذا اشتهى آباءنا القديسين الاستشهاد لأنه هو الذي يُؤهلهم لهذا اللقاء مع عريسهم السمائي،وقد فعلوا كل ذلك من محبتهم العجيبة للسيد المسيح، مُفضلين الحياة معه عن سواه،واضعين أمام أعينهم الآية القائلة "مَنْ أحَبَّ أبًا أو أُمًّا أكثَرَ مِني فلا يَستَحِقُّني، ومَنْ أحَبَّ ابنًا أو ابنَةً أكثَرَ مِني فلا يَستَحِقُّني" (مت10: 37)فكانت حياتهم في الجسد وليست للجسد، وحياتهم في العالم وليست للعالم عاشوا في العالم دون أن يعيش العالم في داخلهم وفي قلبهم لذلك أحبوا الموت أفضل من الحياة في الخطية سفكوا دمائهم من أجل محبتهم في الملك المسيح الذي بذل نفسه على عود الصليب من أجلهم.
فيا إلهنا الصالح..
الذي أعنت آباءنا الشهداء على احتمال الآلام والعذابات من أجل تمسكهم باسمك المبارك أعنَّا نحن أيضًا لكي نستطيع أن نشهد لاسمك القدوس المبارك ونقدم للكل مَثلًا حيًا للإنسان الذي يشهد للمسيح في كل مكان ليروا أعمالنا الصالحة فيمجدوك أنت الذي لك كل المجد والإكرام من الآن وإلى الأبد آمين.
الراهب القمص بطرس البراموسي
المزيد