أبائيات

Large image

كلمه باترولوجيا patrologia مأخوذة من الكلمة اللاتينية pater أي "أب"، فعلم الأبائيات هو العلم الذي يبحث في حياة أباء الكنيسة الأولى وكتاباتهم وأعمالهم وأفكارهم اللاهوتية والروحية.ولابد من دراسة تعاليم كل أب وشروحاته في ضوء صوت الكنيسة الجامعة بكونه عضوا في الجسد الواحد.

المقالات (8)

29 نوفمبر 2022

الوزنات

عندما وزع السيد الوزنات على عبيده، راعى أن يعطي لكل واحد على قدر طاقته (متى 25)، فليس المطلوب من الإنسان أن يحقق نجاحاً بعينه، بل أن يتعب ويجاهد قدر استطاعته، كما أنه ليست هناك مقارنة بين شخص وآخر ولكن المقارنة الحقيقية هي بين ما يستطيعه الإنسان من جهة، وما يقدمه الفعل من جهة ُاخرى. ويلاحظ في مثل الزارع (متى 13) أن الأرض الجيدة قد أعطت في بعض مساحات منها ثلاثين ومساحات ُاخرى ستين وُاخرى مئة، ومع ذلك لا يجوز لنا أن نقارن بين مساحة وُاخرى، وانّما كل مساحة قد أعطت بما يتناسب مع البذور التي ُالقيت فيها وما نالته من حصة في الماء مع بعض عوامل ُاخرى. كذلك الجندي في المعركة، فهو ليس ُمطالباً بتحقيق النصر، بقدر ما هو مطالب بالجهاد إلى آخر لحظة من حياته، بغضّ النظر عما إذا كان جيشه منتصراً أم لا. وليست هناك مقارنة بين شخص وآخر، كما أن الله يضع في الاعتبار الظروف المحيطة، وهل كانت هناك عوامل مساعدة أم عوامل معاكسة وهكذا.. حقاً يقول الكتاب " الفرس معد ليوم الحرب أما النصرة فمن الرب (أمثال21: 31). نيافه الحبر الجليل الانبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها
المزيد
22 يونيو 2022

التواضع في التعليم

صدقوني أكثر ما يتعب كنيستنا حاليًا هو عدم التواضع في التعليم.كل خادم يأتي له فكر جديد في تأملاته أو من قراءاته يحاول يجعله عقيدة ويُدَرِسَه للناس، وهناك نوع من الكُتّاب، ويروق لهم إلغاء المفهوم السائد ليُقَدِّموا بدلًا منه مفهومًا جديدًا وكأنَّ الواحد منهم قد اكتشف ما لا تعرفه الكنيسة كلها والناس جميعًا وكأنَّه يعلم ما لا يعلمون.المشكلة هي تقديم المفاهيم الشخصية وليس تعليم الكنيسة وعقيدتها. ومحاولة للجدل وللإثبات ولإقناع الناس بخطأ المفهوم السائد والبعض قد ينتقد الكنيسة. والبعض يُغَيّر ألفاظ القداس والبعض يُصَرِّحْ بزيجات بعكس قوانين الكنيسة والبعض يُصَلِّى بقداسات غير مألوفة في كنيستنا.وكل واحد من هؤلاء يعتبر نفسه مصدرًا للتعليم.وكأنَّه جبهة مستقلة في تعليمه أو جزيرة قائمة بمفردها في المحيط وإنْ تدخلت الكنيسة لإصلاح الوضع، يقيم الدنيا ويقعدها، ويُحيط نفسه بمجموعة خاصة من تلاميذه لتسانده، ويقف ضد الكنيسة وينادى بأنَّ تعليمه هو السَّليم والكل مخطئ! وقد تجد لكل فرع من التربية الكنسية منهجًا خاصًا.أمين الفرع لا يعجبه المنهج العام، فيُعَدِّل فيه ويُبَدِّل، أو يضع منهجًا خاصًا يرى أنه الأفضل والأصوب.وإن شاء الله سنضع منهجًا موحدًا ونأخذ فيه رأى الآباء وقادة الخدمة فنرجو بعد وضعه أنْ يتواضع الخدام ويعملوا به.. ولا يقف لنا أحد ليقول من حقي أنْ أعترض.. ومن حقي أنْ أرفض، ومن حقي أنْ أسير حسب فكرى وإلاَّ فأين هي الديمقراطية في الكنيسة ولا يقول له أحد أين هو التواضع؟! الكنيسة الأولى تميزت بالفكر الواحد.لأنَّها كانت كنيسة متضعة تخضع لفكر قادتها.أمَّا البروتستانتية التي نادت بالحرية في التفسير والتعليم، فقد تكونت فيه مواهب متعددة زادت فيها مذاهب على المائة، أمَّا الكنيسة المحافظة التقليدية فإنها تحفظ الإيمان سليمًا، ولا تسمح بالمفاهيم الفردية التي تتحول إلى عقائد بل تنصح أصحابها بالاتضاع. الخادم المتواضع أيضًا لا يستعرض معلوماته!! إنَّما يقدم التعليم في أسلوب روحي هادئ. لا يحاول أن يفلسف المعلومات ولا يمسك ببعض الكلمات ويضع أمامها النص العبري أو اليوناني، أو بعض الترجمات الإنجليزية. وقد لا يكون الشعب على علم بشيء من كل هذا. وقد لا يكون كل هذا لازمًا لإثبات الفكرة التي يُقَدِّمْها. وقد لا تكون المراجع التي يستخدمها سليمة وقد يتبع في ذلك بعض المذاهب التي تسير بالمنهج العقلاني لا بالمنهج الروحي الخادم المتواضع ينزل إلى مستوى الخدومين ولا يبهرهم بمعلومات فوق مستواهم لا تفيدهم بشيء. إنَّه لا يُفكر في ذاته والمستوى الذي يريد أنْ يأخذه الناس عنه. إنَّما ينشغل بفائدة الناس الروحية، بينما تختفي ذاته تمامًا.لذلك هو يُحَضِّر درسه أو عظته أو محاضرته ولا مانع عنده أنْ تكون ورقة تحضيره ظاهرة فهو لا يُضَيِّع فائدة السامعين من أجل أنْ يأخذوا عنه فكرة أنَّه يتكلم من الذاكرة.. الخادم المتواضع يهتم بتحضير درسه. ولا يعتمد على معلوماته السابقة ولا على ذاكرته، كما يفعل بعض الخدام الكبار، ولا يُحَضِّرون ما يقولون فتبدو كلماتهم أحيانًا ضعيفة لأنَّهم لم يتواضعوا بل وثقوا بأنفسهم وبقدراتهم أزيد مما يجب. الخادم المتواضع يحترم عقليات السامعين مهما صغروا.ويبذل كل جهده لكي يقدم لهم كلامًا دسمًا يشبعهم. التواضع والذات الخادم المتواضع ينكر ذاته. يختفي لكي يظهر الرب، كما قال القديس المعمدان "ينبغي أنَّ ذلك يزيد وأنِّى أنا أنقص" (يو30:3).أمَّا غير المتواضع فيتخذ الخدمة ليبنى بها ذاته بطريقة خاطئة فهو يفكر كيف يرتقى في الخدمة، وليس كيف يرتقى بالخدمة، ويفكر في مستوى المجالات التي يتكلم فيها، وربما يسعى إلى المناصب وقد يصطدم بقيادات الكنيسة. ويتعوَّد كيف يأمر وينهى وينتقد وربما يفتخر بخدمته ومدتها ومستواها.يقول أنا لي 20 سنة في الخدمة. أنا خرَّجت أجيالًا.. ويكبر في عينيّ نفسه ويريد أنْ يُطاع، لا أنْ يطيع ويصطدم بالأنظمة الموضوعة. ويحكى قصصًا عن ماضيه ويدخله روح العظمة. الخادم المتواضع يكون كالنسيم الهادئ. في دخوله وخروجه لا يشعر به أحد، يكون رقيقًا دمثًا وديعًا، لطيفًا في معاملاته، لا يخدش شعور أحد، لا يجرح إنسانًا، لا يهتم بتولي مناصب في الخدمة، يطيع في كل ما يوكل إليه، "لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته" (مت19:12) "ولا يرتئي فوق ما ينبغي" (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 12: 3). احذر أنْ تُفقدك الخدمة تواضعك.لأنَّ كثيرين كانوا متواضعين قبل الخدمة ثم تغيروا. أمَّا أنت فلا تكن كذلك لأنَّه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟! (مت26:16). قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحي الجزء الأول
المزيد
26 أكتوبر 2019

إبراهيم أبو الآباء ج4

طرد هاجر وإبنها: اسحق معناه (الضحك)، واسماعيل معناه (الله يسمع).." رأت سارة أبن هاجر المصرية الذى ولدته لإبراهيم يمزح، فقالت لإبراهيم أطرد هذه الجارية وأبنها لأن أبن هذه الجارية لا يرث مع ابنى أسحق. فقبح الكلام فى عينى إبراهيم لسبب إبنه، فقال الله لإبراهيم لا يقبح فى عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك، فى كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها، لأنه بإسحق يدعى لك نسل " (تك 21: 9 – 12) موضوع هاجر من البداية خطأ.. الغلطة الاولى: حمى الأسراع وسبق الوقت، إبراهيم لم يستطع حتى ينفذ الله وعده فى الزمن المناسب.. الغلطة الثانية: اللجوء إلى الطرق البشرية فى علاج الموضوع بأن أتخذ هاجر زوجة، ولكن الله ظل على موقفه.. الإبن يكون من سارة!!! طردت هاجر من البيت.. إلى برية بئر سبع.. وعندما تاهت أفتقدها الله إله المساكين والضعفاء والمعوزين، وكبر إسحق وزوجته أمه من مصرية وسكن فى برية فاران بسيناء، وصار لإسماعيل 12 ولدا، صاروا رؤساء قبائل، وعاش إسماعيل 137 سنة (تك 25: 17) ذبح إسحق (22):- " وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم. فقال له يا إبراهيم، فقال هأنذا، فقال خذ إبنك وحيدك الذى تحبه إسحق، واذهب إلى أرض المريا وأصعده لى محرقة على أحد الجبال الذى أقول لك ".. "وفى اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد " (تك 22: 4). سر الثلاثة أيام:- أمر الله موسى أن يطلب مع الشيوخ من فرعون قائلين " الرب إله العبرانيين إلتقانا، فالآن نمضى سفر ثلاثة أيام فى البرية ونذبح للرب إلهنا " (خر 3: 18). ماهو هذا الطريق الذى يقطعه موسى فى ثلاثة أيام للخروج من مصر، والذهاب إلى الموضع الذى ينبغى أن يذبح فيه للرب؟ إنه الرب نفسه القائل " أنا هو الطريق والحق والحياة " يو 14: 6. ينبغى أن نسير فى هذا الطريق ثلاثة أيام، لأنك " إن اعترفت بفمك للرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت " رو 10: 9. هذه هى الأيام الثلاثة التى نقطعها فى الطريق لنصل إلى الموضع الذى يذبح فيه للرب وتقدم " ذبيحة التسبيح " مز 49: 14بخروجنا ثلاثة أيام ندخل إلى معرفة " القيامة " فتستنير بصيرتنا الداخلية، بنور المعرفة الحقيقية خبرة الثلاثة أيام – أى القيامة – مع المسيح، اختبرها إبراهيم، هذا الذى خرج من بيته ثلاثة أيام وعندئذ رأى العلامة فقدم إبنه ذبيحة حب لله، وما هى هذه العلامة إلا علامة قيامة المصلوب،لذا يقول معلمنا بولس: "إذ حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات " عب 11: 19".قال السيد المسيح (أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومى فرأى وفرح) إن تصرف إبراهيم فى هذه الحادثة يعطينا فهما للذبيحة التى قدمها الله لخلاصنا، فإن خضوع إسحق وهو موضوع على المذبح ورقبته معرضة للسكين، يعطينا فكرة أعمق عن طاعة المسيح حتى الموت، وإعادة اسحق حيا كمن قام من الأموات بعد أن صار فى حكم المائت فى نظر والده ثلاثة أيام، يعطينا فكرة عن قيام المسيح من الأموات فى اليوم الثالث. لكن الحقيقة تفوق الرمز، فإن أسحق تألم وهو شاعر تماما بوجود أبيه معه، أما المسيح فقد تصاعدت من جنبه تلك الصرخات المدوية: " إلهى.. إلهى.. لماذا تركتنى"سبق أن أعطى الرب إبراهيم عدة مواعيد ولكن الآن فإنه لأول مرة يقسم " بذاتى أقسمت يقول الرب أنى من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك أبنك وحيدك أباركك مباركة، وأكثر نسلك تكثيرا كنجوم السماء وكالرمل الذى على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه، ويتبارك فى نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أنك سمعت لقولى ". تأملات فى تجربة ذبح إسحق:- الله يريد أن نكون له، ويريد أن يكون هو كل شئ فى حياتنا، ومن أجل ذلك يتبع معنا سياسة التجريد: جرد إبراهيم أولا من أهله ووطنه، ثم جرده من ابيه تارح، ثم جرده من لوط ومن سكناه معه، ثم جرده من هاجر وإبنها حتى لاتكون له محبة حسب الجسد، وبقى مع زوجته العجوز سارة وابنه وفلذة كبده اسحق الذى كان كل شهوة قلبه، وهنا فى هذه التجربة يريد الله أن يجرد إبراهيم من محبته (وتعلقه) بأسحق، وإذا جرده من هذه المحبة تبقى محبته لله وحده، وهذا يذكرنا بقول السيد المسيح " من أحب ابنا أو أبنة أكثر منى فلا يستحقنى "مت 10: 37 الله حينما يريد أن يمتحنا يضع يده على أعز شئ لقلوبنا، لذا قال لإبراهيم " خذ إبنك وحيدك الذى تحبه أسحق..". كان الامتحان شديدا لإبراهيم، لكن لكى تكون تزكية إيمانه، وهى أثمن من الذهب الفانى مع أنه يمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد (1 بط 1: 7)كانت التجربة إمتحانا مثلثا لإبراهيم، كانت إمتحانا لمحبته، وامتحانا لإيمانه، وإمتحانا لطاعته لله، وقد نجح فيها جميعا..وفى ذلك يقول بولس الرسول: " بإلأيمان قدم إبراهيم أسحق وهو مجرب، قدم الذى قبل المواعيد وحيده، الذى قيل له بأسحق يدعى لك نسل. إذ حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات (عب 11: 17 – 19) بقدر ما كانت التجربة شديدة وصعبة، فإن الله لكى يبرهن على فضيلة إبراهيم زادها صعوبة، إذ لم يعلن عن مكان تقديم الذبيحة ولكن أكتفى بقوله " أرض المريا.."، بل أن المكان كان على مسيرة ثلاثة أيام ومع هذا " بكر إبراهيم صباحا " احتفظ إبراهيم بالأمر سرا أمام أهل بيته، حتى لا يحدث شيئا يعطل جديته فى طاعة الله العجيب فى الأمر هو طاعة أسحق الكاملة لأبيه.. فى ذلك كان إسحق رمزا للسيد المسيح. كان كشاة تساق إلى الذبح لم يفتح فاه " فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكا فى الغابة بقرنيه ".. كان كبشا قويا نطاحا، ومربوطا بقرنيه، إشارة إلى قوة المسيح على الصليب الذى ربط لاهوته، ولم ينتقم من صالبيه حتى يتمم عملية الفداء للبشرية. موت سارة (تك 23):- عاشت سارة 127 سنة، وهى المرأة الوحيدة فى الكتاب المقدس التى ذكر عمرها.. ماتت سارة فى قرية أربع وهى حبرون، وتدعى أيضا ممرا – وحاليا مدينة الخليل، ودفنت فى حقل المكفيلة.. وهو نفس المكان الذى دفن فيه إبراهيم وأسحق ويعقوب، ورفقة وليئة، ويقال أن رفات يوسف نقلت إليها ومدينة الخليل على بعد عشرين ميلا جنوبى أورشليم، وفيها الحرم (مسجد الخليل) الذى يقال أنه قائم على مغارة المكفيلة، وكانت قبلا كنيسة مسيحية، وإلى الشمال منها على بعد ميلين موقع بلوطات ممرا من الناحية الرمزية نرى فى موت سارة، إسرائيل – الأمة التى جاء منها المسيح – تختفى لتفتح المجال للعروس، التى هى الكنيسة المسيحية يظهر أن إبراهيم كان متغيبا عن بيته عند وفاة سارة - ربما فى بئر سبع – ولكنه فى الحال " أتى ليندب سارة ويبكى عليها " وهذه أول مرة نسمع فيها عن بكاء إبراهيم، فإننا لا نقرأ عنه أنه بكى عندما عبر نهر الفرات، وطلق الأهل والأصحاب، أو عند أسر لوطا أبن أخيه، أو حتى عندما رأى أبنه أسحق سائرا معه للذبح!!!.كانت سارة شريكته فى الحياة، نحو سبعين أو ثمانين عاما. كانت هى التى تستطيع أن تواسيه إن تكلم عن تارح أو ناحور، أو ذكر حاران وأور الكلدانيين، كانت هى الباقية الوحيدة ممن تحملوا معه مشاق رحلته الخطيرة منذ ثلاثين عاما، وإذ ركع بجوارها انهالت عليه ذكريات الماضى بما فيه من تدابير وآمال، ومخاوف وأفراح، تذكرها كعروس هيفاء فى بدء حياتهم الزوجية، وكشريكة له فى كل رحلاته، وكأمرأة عاقر تضطهد هاجر، تذكرها وقد سباها كل من فرعون وأبيمالك، وتذكرها كأم حنون لأسحق، وكان كلما خطرت فى مخيلته إحدى هذه الذكريات انسابت الدموع من عينيه من جديد يظن البعض أن الدموع لا تتفق مع المسيحية، هذه التعاليم لا تتفق مع روح الأنجيل لأن الحزن محبة، وقد بكى يسوع، وبطرس بكى، وأهل أفسس بكوا لمجرد سماعهم بأنهم لن يروا وجه بولس ثانية، إن المسيح يقف بجانب كل حزين ليكفكف دموعه.وقام إبراهيم من أمام ميته وكلم بنى حث قائلا " انا غريب ونزيل عندكم ".. هذه كلمات خالدة، لم ينسها على الإطلاق نسله من بعده، فعندما تكلم الله لشعبه عن أرض الموعد، على لسان موسى، قال لهم " الأرض لا تباع بتة.. أنتم غرباء ونزلاء عندى " (لا 25: 23). وداود النبى يقول " استمع صلاتى يارب لا تسكت عن دموعى لأنى أنا غريب عندك نزيل مثل جميع آبائى " (مز 39: 12). وهكذا رسخت كلمات إبراهيم هذه فى أعماق جميع شعب الله فى كل الأجيال المتتابعة. زواج إسحق (تك 24):- طلب إبراهيم من عبده (كبير بيته) أن يذهب إلى أرام النهرين إلى مدينة ناحور، موطنه الأصلى، ليخطب لأبنه أسحق، وأستحلفه بالرب إله السماء وإله الأرض أن لا يأخذ زوجة لأبنه إسحق من بنات الكنعانيين: - + يبدو أن المتبع فى تلك الأيام أن يتولى شخصا كبيرا فى الأسرة أجراءات الخطبة للعريس، وهو أمر مازال قائما فى بعض الأسر الريفية حتى الآن.وكان الشخص المرشح هو اليعازر الدمشقى (على ما يبدو) لأمانته، ولثقة إبراهيم فيه رفض إبراهيم أن يختار لأبنه من بنات الكنعانيين حتى لا يميل قلب إسحق لعباداتهم الوثنية، ويبتعد عن عبادة الله إله إبراهيم لم يشأ إبراهيم أن يذهب أسحق إلى مدينة ناحور حتى لا تستهويه الحياة الناعمة هناك ولا يرجع إلى الأرض التى وعد الله أن يعطيها لإبراهيم ونسله من بعده أما رفقة فهى بطلة الرواية فى هذا الفصل، مع إنها كانت إبنة رجل عظيم إلا أنها لم تعرف معنى البلادة فى حياتها، كانت رفقة تعرف كيف تطهى طعاما شهيا، كما تعرف أن ترعى الغنم وإذ وصل ذلك الرسول التقى إلى بئر المدينة نحو المساء " وقت خروج المستقيات " سأل من الرب القدير إله إبراهيم سيده أن يهبه تيسيرا لمهمته لأنه بذلك يصنع لطفا إلى سيده، وما أجمل أن نلاحظ البساطة التامة والثقة الكاملة اللتين تظهران فى صلاته، واللتين تؤكدان كيف انعكست أشعة التقوى والقداسة على حياة كل فرد فى بيت إبراهيم نتيجة التصاقه بالرب وقد استجاب الله لطلب ذلك العبد الأمين حتى أتم إجراءات الخطبة بنجاح وعاد ومعه رفقه الى بيت سيده إبراهيم. سنى إبراهيم الأخيرة (تك 25):- بعد موت سارة " عاد إبراهيم فأخذ زوجة أسمها قطورة "، وكان سنه 140 سنة، ولعله فعل ذلك لأنه وصل إلى هذه السن، ولم يصبح نسله كنجوم السماء كما وعده الله.. وولدت له قطورة ستة بنين.. وعلى نحو ما كان الحال مع هاجر، كذلك كان مع قطورة.. لم يكن بنوها الستة من الله، لأن الأمر لم يكن من الله.من أجل ذلك " أعطى إبراهيم إسحق كل ما كان له. وأما بنو السرارى اللواتى كن لإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا وصرفهم عن إسحق إبنه شرقا إلى أرض المشرق وهو بعد حى "، كان اسحق إبن الموعد، لذا أعطاه إبراهيم كل أمواله ليكون وارثه الوحيد!!!! وفى سن المائة خمسة وسبعين " أسلم إبراهيم روحه ومات بشيبة صالحة شيخا وشبعان أياما وأنضم إلى قومه " (تك 25: 7، 8). هناك بعض التأملات.. قطورة الزوجة الثالثة والأخيرة لإبراهيم، إنما تشير إلى الأمة التى تتسلط على الناس فى آخر الزمان من نسل إبراهيم أيضا.. وكما لم يظهر لهذه المراة ملا ك من الله ولا رسالة ولا ذكر ولا عناية مثل امرأتى إبراهيم الأ ولتين(هاجر وسارة) المشبهتين بالشريعتين القديمة والجديدة. فكذلك هذه الأمة الأخيرة ليس لها شريعة من الله ولا ناموس ولا ذكر، بل ملك دنيوى وتسلط أرضى حينما أعطى إبراهيم لإسحق كل ما كان له، إنما تصرف بعدل، وساوى بين هاجر وقطورة، ودعا الأثنتين جاريتين، فطرد أبنائهما عن إسحق.. لماذا؟ هذه الأمة الأخيرة التى تشبه قطورة تصبح نظير أمة اليهود (هاجر)، وتكون الاثنتان متساويتين فى البعد والتنحى عن الميراث الحقيقى الذى للمسيح بن إسحق بن إبراهيم الوارث كوعد الله وكون إبراهيم يعطى إسحق كل ما كان له، له معنى بعيد وعميق، فهو يشمل كل شئ، ولا يقتصر على الأمور المادية.. أما الآخرون فصرفهم بعطايا مادية، هذا هو عين مايفعله الله مع أهل العالم، أما أولاده فيتعامل معهم على أساس آخر. القمص تادرس يعقوب ملطى
المزيد
05 أبريل 2019

يوم الجمعة اليوم الخامس من الأسبوع الخامس

النبوات: (١٢- ٢٤ ) (أم ١:٥ - ١مل ٢:١٧ ) (٢٧:١٢- (تث ٢٩:١١ (٩- ٥:٣٢ ) (إش ١:٤٣ - (أي ٩:٣٠ القراءات: مزمور باكر: (٨:٨٥،٩) إنجيل باكر: (٣٤- (مر ٢٨:١٢ البولس: ( (عب ٥:١٢،٦ الكاثوليكون: (٥:٥- ١بط ١٥:٤ ) الإبركسيس: (٣:١٦- (أع ٣٦:١٥ مزمور إنجيل القداس: (١:١٣٧) إنجيل القداس: (٢٧- (يو ٢١:٨ إنجيل القداس: حيث أمضي أنا لا تقدرون أن تأتوا "لحمًا ودمًا لا يرثان ملكوت السموات" فالخطية سببت موتنا في خطايانا وهلاكنا بعيدًا عن المجد. والمسيح أتى كسابق لنا ليعد لنا مكانًا في المجد. ومن لا يؤمن بالمسيح سيموت في خطيته ولن يذهب حيث يذهب المسيح. والمسيح أتى حتى لا نموت في خطايانا، ولكي يخلصنا منها فنذهب حيث ذهب هو. مزمور الإنجيل: أعترف لك من كل قلبي= هذا إعتراف بعمل المسيح الذي به سندخل المجد. والإعتراف فيه نوع من إعلان الإيمان الذي بدونه لا خلاص ولا دخول للمجد. إنجيل باكر: يكلمنا الإنجيل عن طريق الخلاص وهو الإيمان والمحبة لله وللقريب. مزمور باكر: كل الأمم الذين خلقتهم يأتون ويسجدون أمامك يا رب إشارة للإنجيل (باكر) الذي يتكلم عن الإيمان بالله؟، فها الأمم تأتي وتؤمن بالمسيح وتسجد له.. ويمجدون إسمك. البولس: لا يكفي الإيمان للوصول للمجد. فطبيعتنا العاصية المتمردة تحتاج لتأديب، وهذا ما يكلمنا عنه بولس الرسول هنا، والتأديب هدفه أن نحيا. :(٥:٣٢- (أي ٩:٣٠ نرى هنا أيوب يكرر ويزيد أنه بلا خطية وبلا عيب وهذا ما جعل أليهو يغضب. فأليهو كان فاهمًا أنه لا يوجد إنسان بلا عيب، بل أن من يحبه الرب يؤدبه وهذا التأديب هو طريق السماء. الكاثوليكون: قراءات الصوم الكبير (يوم الجمعة من الأسبوع الخامس) ٧٠ الرسول يقول فلا يتألم أحدكم كقاتل أو سارق أي لا تعطوا للناس فرصة أن يضربوكم بسبب أخطائكم. ولكن طوبى لمن يهان لأنه مسيحي، فقط لأنه مسيحي وليس بسبب أخطائه. حينئذ يكون إحتماله للألم لأنه مسيحي طريقه للمجد فلا يخجل بل ليمجد الله بهذا الإسم الإضطهاد طريق المجد. الإبركسيس: بعد أيام قال بولس لبرنابا لنرجع ونفتقد الإخوة هذا دور الكنيسة أن تفتقد أولادها المجربين والمتألمين حتى لا يخوروا في الطريق. ولكن إختيار هذا الفصل له معنى مهم. فبولس رفض إصطحاب مرقس اليهودي الأصل والذي نظر كل أعمال المسيح، وذلك لرفضه أن يذهب مع بولس في الرحلة السابقة، ربما لمرضه وربما لصعوبة الكرازة. وأخذ معه تيموثاوس الأممي الذي لم يرى المسيح لكنه آمن دون أن يرى. والمعنى أن من يرفض لا نصيب له في المجد، ومن يقبل له نصيب في المجد. على أن مرقس كما هو معروف عاد وكرز في مصر وفي كل الدنيا، وقال عنه بولس أنه صار نافعًا للخدمة ( ٢تي ١١:٤ ) لكن النص المقصود منه المعنى الرمزي. :(٢٧:١٢- (تث ٢٩:١١ يتكلم هنا موسى النبي عن دخول أرض الميعاد، ولكن هذا رمز لدخول المجد والسماء. وكان شرط دخول الأرض أن يحفظوا الوصايا ويرفضوا العبادة الوثنية، ويقدموا العبادة لله. وطبعًا مفهوم بهذا أن نفس الوصايا هي شرط دخول السماء. :(٢٤- ١مل ٢:١٧ ) هنا نرى عظمة الإيمان، الذي بسببه كانت الغربان تعول إيليا، وبسببه بقيت الأرملة حية، وبسبب الإيمان عاش الولد بعد أن مات. والمعنى أن الإيمان شرط الحياة الأبدية وهذا موضوع إنجيل القداس. :(١٢- (أم ١:٥ نرى الزنا سبب الهلاك والموت والجحيم، والزنا نوعين: زنا روحي عبادة أحد غير الله. وزنا جسدي. وكلاهما يقطع علاقة الإنسان بالله فيهلك الإنسان فتندم في آخرتك عند فناء لحمك وجسدك. :(٩- (إش ١:٤٣ إني قد إفتدتيك.. إذا إجتزت في المياه فإني معك حياة. وإذا سلكت في النار فلا تحترق حياة. فالفداء أعطانا حياة أبدية، ولا الموت (المياه) قادرة أن تهلكنا، ولا النارالجحيم، قادر أن يضمنا.. لماذا لأني أنا الرب إلهك قدوس إسرائيل مخلصك.
المزيد
06 مارس 2019

اليوم الثالث من الاحد الاول من الصوم الكبير

إنجيل القداس : لوقا 6 : 35 – 38 بل احبوا اعداءكم و احسنوا و اقرضوا و انتم لا ترجون شيئا فيكون اجركم عظيما و تكونوا بني العلي فانه منعم على غير الشاكرين و الاشرار فكونوا رحماء كما ان اباكم ايضا رحيم و لا تدينوا فلا تدانوا لا تقضوا على احد فلا يقضى عليكم اغفروا يغفر لكم اعطوا تعطوا كيلا جيدا ملبدا مهزوزا فائضا يعطون في احضانكم لانه بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم لم تأمر الشريعة ببغض العدوّ كوصيّة يلتزم بها المؤمن، في كسرها كسر للناموس وإنما كان ذلك سماحًا أُعطى لهم من أجل قسوة قلوبهم. لقد ألزمت بحب القريب وسمحت بمقابلة العداوة بعداوة مساوية، لكي تمهد لطريقٍ أكمل، أن يحب الإنسان قريبه على مستوى عام، أي كل بشر. يظهر ذلك بوضوح من الشريعة نفسها التي قدّمت نصيبًا من محبّة الأعداء ولو بنصيب قليل، فقيل: "إذا رأيت حمار مبغضك واقعًا تحت حمله وعدلت عن حلّه فلابد أن تحلّ معه" (خر 23: 5). وقيل أيضًا: "لا تكره أدوميًا لأنه أخوك، ولا تكره مصريًا لأنك كنت نزيلاً في أرضه" (تث 23: 7)، مع أن الأدوميّين والمصريّين كان من ألد أعدائهم. هذا من جانب ومن جانب آخر كان الشعب في بداية علاقته بالله غير قادر على التمييز بين الخاطي والخطيّة، لذا سمح الله لهم بقتل الأمم المحيطين بهم رمزًا لقتل الخطيّة، خاصة وأن اليهود كانوا سريعًا ما يسقطون في عبادة آلهة الأمم المحيطين بهم. لقد طالب السيّد المسيح المؤمنين أن يصعدوا بروحه القدّوس على سلّم الحب فيحبّون حتى الأعداء، ويحسنون إلى المبغضين لهم، ويصلّون لأجل المسيئين إليهم. وبهذا يحملون مثال أبيهم السماوي وشبهه. ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد المسيح قد جاء ليرفعنا إلى كمال الحب، الذي في نظره يبلغ الدرجة التاسعة، مقدّمًا لنا هذه الدرجات هكذا: الدرجة الأولى: ألا يبدأ الإنسان بظلم أخيه. الدرجة الثانية: إذا أصيب الإنسان بظلم فلا يثأر لنفسه بظلم أشد، وإنما يكتفي بمقابلة العين بالعين والسن بالسن (المستوى الناموسي الموسوي). الدرجة الثالثة: ألا يقابل الإنسان من يسيء إليه بشر يماثله، إنّما يقابله بروح هادئ. الدرجة الرابعة: يتخلّى الإنسان عن ذاته، فيكون مستعدًا لاحتمال الألم الذي أصابه ظلمًا وعدوانًا. الدرجة الخامسة: في هذه المرحلة ليس فقط يحتمل الألم، وإنما يكون مستعدًا في الداخل أن يقبل الآلام أكثر مما يودّ الظالم أن يفعل به، فإن اغتصب ثوبه يترك له الرداء، وإن سخّره ميلاً يسير معه ميلين. الدرجة السادسة: أنه يحتمل الظلم الأكثر ممّا يودّه الظالم دون أن يحمل في داخله كراهيّة نحو العالم. الدرجة السابعة: لا يقف الأمر عند عدم الكراهيّة وإنما يمتد إلى الحب... "أحبّوا أعداءكم". الدرجة الثامنة: يتحوّل الحب للأعداء إلى عمل، وذلك بصنع الخير "أحسنوا إلى مبغضيكم"، فنقابل الشرّ بعمل خير. الدرجة التاسعة والأخيرة: يصلّي المؤمن من أجل المسيئين إليه وطارديه. هكذا إذ يبلغ الإنسان إلى هذه الدرجة، ليس فقط يكون مستعدًا لقبول آلام أكثر وتعييرات وإنما يقدّم عوضها حبًا عمليًا ويقف كأب مترفّق بكل البشريّة، يصلّي عن الجميع طالبًا الصفح عن أعدائه والمسيئين إليه وطارديه، يكون متشبِّهًا بالله نفسه أب البشريّة كلها. يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن غاية مجيء السيّد إلينا إنّما هو الارتفاع بنا إلى هذا السموّ إذ يقول: [جاء المسيح بهذا الهدف، أن يغرس هذه الأمور في ذهننا حتى يجعلنا نافعين لأعدائنا كما لأصدقائنا.] ليس شيء يفرح قلب الله مثل أن يرى الإنسان المطرود من أخيه يفتح قلبه ليضمّه بالحب فيه، باسطًا يديه ليصلّي من أجله! يرى الله فيه صورته ومثاله! لهذا يختم السيّد الوصيّة بقوله "لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين" [متى 5 : 45]. إن كنّا في مياه المعموديّة ننال روح التبنّي، ننعم بالسلطان أن نصير أولاد الله (يو 1: 12)، فإنّنا بأعمال الحب التي هي ثمرة روحه القدّوس فينا نمارس بنوتنا له، وننمو فيها ونزكِّيها. أبوّته لنا تدفعنا للحب، والحب يزكِّي بنوتنا له، يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هذا هو السبب الذي لأجله ندعوه في الصلاة أبًا، لا لنتذكّر نعمته فحسب، وإنما من أجل الفضيلة فلا نفعل شيئًا غير لائق بعلاقة كهذه.] فيما يلي بعض مقتطفات للآباء عن محبّة الأعداء: + لو لم يكن شريرًا ما كان قد صار لكم عدوًا. إذن اشتهوا له الخير فينتهي شرّه، ولا يعود بعد عدوًا لكم. إنه عدوّكم لا بسبب طبيعته البشريّة وإنما بسبب خطيّته! + كان شاول عدوًا للكنيسة، ومن أجله كانت تُقام صلوات فصار صديقًا لها. إنه لم يكف عن اضطهادها فحسب، بل وصار يجاهد لمساعدتها. كانت تُقام صلوات ضدّه، لكنها ليست ضدّ طبيعته بل ضدّ افتراءاته. لتكن صلواتكم ضدّ افتراءات أعدائكم حتى تموت، أما هم فيحيون. لأنه إن مات عدوّكم تفقدونه كعدوّ ولكنكم تخسرونه كصديق أيضًا. وأما إذا ماتت افتراءاته فإنكم تفقدونه كعدوّ وفي نفس الوقت تكسبونه كصديق. + عندما تعانون من قسوة عدوّكم تذكّروا قول الرب: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو 23: 34) . القدّيس أغسطينوس + لا تفيدنا الصلاة من أجل الأصدقاء بقدر ما تنفعنا لأجل الأعداء!... فإن صليّنا من أجل الأصدقاء لا نكون أفضل من العشّارين، أمّا إن أحببنا أعداءنا وصليّنا من أجلهم فنكون قد شابهنا الله في محبّته للبشر. + يجب أن نتجنّب العداوة مع أي شخص كان، وإن حصلت عداوة مع أحد فلنسالمه في اليوم ذاته... وإن انتقدك الناس (على ذلك) فالله يكافئك. أمّا إن انتظرت مجيء خصمك إليك ليطلب منك السماح فلا فائدة لك من ذلك، لأنه يسلبك جائزتك ويكسب لنفسه البركة. القدّيس يوحنا الذهبي الفم ++إن كانت الرحمة تدفعنا للتشبُّه بالله الرحيم نفسه؛ فإنَّنا إذ نطلب رحمة يلزمنا أن نرحم اِخوتنا ولا ندينهم: "ولا تدينوا فلا تدانوا، لا تقضوا على أحد، فلا يُقضى عليكم" [37]. اهتم الآباء - خاصة آباء البريّة - بالتدقيق في عدم الإدانة، فحسبوا أنه ليس شيء يغضب الله مثلها، إذ تنزع نعمته عمَّن يرتكبها ويرفع رحمته عنه حتى إذا ما ترفَّق بأخيه ينال هو النعمة الإلهيّة ومراحم الله. يرى الأب بومين والأب موسى أن من يدين أخاه ينشغل بخطايا الغير لا بخطاياه، فيكون كمن يبكي على ميِّت الآخرين ويترك ميِّته. يقول الأب دوروثيؤس: [إننا نفقد القوَّة على إصلاح أنفسنا متطلِّعين على الدوام نحو أخينا]، [ليس شيء يُغضب الله أو يعرِّي الإنسان أو يدفعه لهلاكه مثل اغتيابه أخيه أو إدانته أو احتقاره... أنه لأمر خطير أن تحكم على إنسان من أجل خطيّة واحدة ارتكبها، لذلك يقول المسيح: "يا مرائي أخرج أولاً الخشبة من عينك، وحينئذ تُبصر جيِّدًا أن تُخرج القذَى الذي في عين أخيك" [42]. أنظر فإنَّه يشبِّه خطيَّة الأخ بالقذَى أما حُكمك المتهوِّر فيحسبه خشبَة. تقريبًا أصعب خطيَّة يمكن معالجتها هي إدانة أخينا!... لماذا بالحري لا ندين أنفسنا ونحكم على شرِّنا الذي نعرفه تمامًا وبدقة والذي نعطي عنه حسابًا أمام الله! لماذا نغتصب حق الله في الإدانة؟! الله وحده يدين، له أن يبرِّر وله أن يدين. هو يعرف حال كل واحد منَّا وإمكانيَّاتنا وانحرافاتنا ومواهبنا وأحوالنا واستعداداتنا. فله وحده أن يدين حسب معرفته الفريدة. أنه يدين أعمال الأسقف بطريقة، وأعمال الرئيس بطريقة أخرى. يحكم على أب دير، أو تلميذ له بطريقة مغايرة، الشخص القديم (له خبراته ومعرفته) غير طالب الرهبنة، المريض غير ذي الصحَّة السليمة. ومن يقدر أن يفهم كل هذه الأحكام سوى خالق كل شيء ومكوِّن الكل والعارف بكل الأمور؟] يكمل الأب دوروثيوس حديثه عن عدم الإدانة بعرض قصَّة يتذكَّرها عن سفينة كانت تحمل عبيدًا، إذ تقدَّمت عذراء قدِّيسة إلى صاحب السفينة واِشترت فتاة صغيرة حملتها معها إلى حجرتها لتدرِّبها على الحياة التقويّة كابنة صغيرة لها، ولم يمضِ إلا قليلاً حتى جاءت فرقة للرقص، اشترت أخت هذه الفتاة الصغيرة لتدرِّبها على أعمال اللهْو والمُجون والحياة الفاسدة... هنا يقف الأب دوروثيؤس مندهشًا، أن الفتاتين قد اُغْتصِبتا من والديهما، إحداهما تتمتَّع بمخافة الله تحت قيادة قدِّيسة محبَّة وأخرى بغير إرادتها اُغْتُصبت لممارسة الحياة الفاسدة. لهذا يتساءل: أليس لله وحده أن يدين الفتاتين بطريقة يصعب علينا إدراكها؟! فنحن نتسرَّع في الحكم، أما الله فعالم بالأسرار طويل الأناة، وحده قادر أن يبرِّر أو يدين. يعلّق القدِّيس كيرلس الكبير على كلمات السيِّد عن عدم الإدانة، قائلاً: [بينما يطلب منَّا التعمق في فحص أنفسنا حتى ينطبق سلوكنا على أوامر الله وتعاليمه نجد البعض يشغلون أنفسهم بالتدخُّل في شئون الآخرين وأعمالهم، فإذا وقفوا على خطأ في أخلاق الغير عمدوا إلى نهش أعراضهم بألسنة حدَّاد، ولم يدروا أنهم بذم الآخرين يذمون أنفسهم، لأن بهم مساوئ ليست دون مساوئ الغير في المذلَّة والمهانة. لذلك يقول الحكيم بولس: "لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان كل من يدين، لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك، لأنك أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها" (رو 2: 1). فمن الواجب علينا والحالة هذه أن نشفق على الضعيف، ذاك الذي وقع أسيرًا لشهواته الباطلة وضاقت به السُبل، فلا يمكنه التخلُّص من حبائل الشرّ والخطيّة. فلنصلِ عن مثل هؤلاء البائسين القانطين، ولنَمِدْ لهم يدْ العون والمساعدة، ولنَسعَ في ألاَّ نسقط كما سقطوا. فإنَّ "الذي يذم أخاه، ويدين أخاه، يذم الناموس ويدين الناموس" (يع 4: 11). وما ذلك إلا لأن واضع الناموس والقاضي بالناموس هو واحد، ولما كان المفروض أن قاضي النفس الشريرة يكون أرفع من هذه النفس بكثير، ولما كنا لا نستطيع أن ننتحل لأنفسنا صفة القضاة بسبب خطايانا وجب علينا أن نتنحَّى عن القيام بهذه الوظيفة، لأنه كيف ونحن خطاة نحكم على الآخرين وندينهم؟! إذن يجب ألا يدين أحد أخاه، فإن حدَّثتْك نفسك بمحاكمة الآخرين، فأعلم أن الناموس لم يُقِمك قاضيًا ومُحاكمًا، ولذلك فانتحالك هذه الوظيفة يوقِعك تحت طائلة الناموس، لأنك تنتهك حُرمته. فكل من طاب ذهنه لا يتصيَّد معاصي الغير، ولا يشغل ذهنه بزلاَّتهم وعثراتهم، بل عليه فقط أن يتعمَّق في الوقوف على نقائصه وعيوبه. هذا كان حال المرنِّم المغبوط وهو يصف نفسه بالقول الحكيم: "إن كنت تُراقب الآثام يارب يا سيِّد، فمن يقف" (مز 130: 3)، وفي موضع آخر يكشف المرنِّم عن ضعف الإنسان ويتلمَّس له الصفح والمغفرة إذ ورد قوله: "أذكر أننا تراب نحن" (مز 103: 14).]
المزيد
20 فبراير 2019

عظة قداس اليوم الثالث من صوم نينوى

" إذا كان المساء قلتم صحو لأن السماء مجمرة . وفى الصباح اليوم شتاء . لأن السماء محمرة بعبوسة . يامراؤون تعرفون أن تميزوا وجه السماء أما علامات الأزمنة فلا تستطعون "( مت 15 : 32 – 39 و 16 : 1 – 4 )إذا كنا الآن فى عمرنا هذا نبالغ فى اختيار الامور النافعة والمطاعم اللذيذة والرتب العالية والاوقات المعينة على تتابع هوائنا . حتى آل بنا الحرص والاجتهاد إلى النظر فى سير الكواكب وتمييز الأيام ومواقع حدود الكائنات وعمل ما لا ينبغى فما بالنا لا نفعل ذلك فى الاهتمام بالباقيات وما بالنا لا نوفى ديوننا . ونتخلص من غرمائنا قبل أن يحكم علينا الولاة والحكام ؟ وإذا كان ربنا قد ضرب لنا أمثالا بالذين يقصدون الخلاص والذين يهملون ذواتهم ونحن لا نرعوى . فبماذا يكون حالنا ؟ولنفرض الآن أن المخلصين والمهملين يشبهون رجلين تاجرين . سافرا إلى احدى البلاد لإبتياع بعض الأشياء للتجارة . وحينما بلغا سالمين إلى المدينة افترقا عن بعضهما فمضى كل منهما إلى حيث اراد . فالاول منهما شمر عن ساعد العزم والجد . وقام على قدم الاجتهاد . وأخذ يجول فى الأسواق . ويتفقد أماكن التجارة . ويسأل السماسرة وأهل الخبرة بتلك البلاد عن البضاعة النافعة والمتاجر الرابحة . مجتهداً فى الإبتياع ليلا ونهاراً . لا ينظر إلى لذة ولا إلى شهوة . إلى أن اكمل كل ما يحتاج اليه . ثم استراح اخيراً . أما الآخر فإنه عندما وصل إلى المدينة أخذ يسأل عما فيها من البساتين والحمامات والخمر واللهو وأماكن اجتماع المضحكين والحسان من النساء . وظل يقضى الأوقات هكذا : ساعة فى الحمام . وساعة فى البستان . وساعة فى الأكل والشرب . وساعة فى الضحك مع المهرجين وكل ما رأى رفيقه الآخر مجتهداً مفتشاً على أصناف البضائع يخاطبه معنفاً ل على الانهماك فى التعب والإعراض عن اللذات . وهو لا يلتفت اليه واستمر هكذا إلى ان حان الأجل المفروض للتجار . فضرب البوق للرحيل . وأقبل رجال المملكة وحراس المدينة لإخراج الغرباء من مدينتهم حسب إعادة أهل تلك البلاد وعندما سمع ذلك التاجر اللبيب الحازم الرأى صوت بوق السفر نهض فرحاً مسروراً بسرعة العودة إلى الاوطان بما حصل عليه من أصناف البضائع النفسية وللوقت اكترى الدواب والرجال وسافر سالماً غانماً وأما بذلك التاجر الخائب . فانه عندما سمع صوت الرحيل تيقظ من غفلات الجهل ونوم الكسل . وأقبل على ذاته بالبكاء والندم مع الاسف الشديد . وهو يسترحم فلا يجد راحماً . ويستعطف فلا يجد متعطفاً . حيث أصبح بين التجار فقيراً خائباً . إذ لا مال له ولا زاد ولا متاجر . وهو مقبل على البرارى المخيفة والطرقات الهائلة . وخليق بمثل هذا أن يموت جوعاً ويهلك خوفاً وجزعاً وإذا كان مثلنا هذا مطابقاً لهذا الامر بعينه . فما بالنا نوجد فى البلاد الغريبة غافلين مهملين متوانين فى تحصيل متاجرنا . معرضين عن طلب خلاصنا ؟ . وكيف يجوز فى عقولنا أن نضيع أموالنا مجاناً فى البلاد الغريبة ونرجع إلى أوطاننا خائبين ؟ . وكيف يحسن عندنا أن نشتغل بالمآكل والمشارب والملاذ الزائلة مع علمنا بأننا راحلون ومحاسبون ومعاقبون على أعمالنا .فسبيلنا إذن أن نجتهد فى إصلاح أعمالنا . ونبادر إلى الخلاص من أعدائنا . ونستعد بسرعة الرجوع إلى أوصاننا . لنفرح ببضائعنا وأموالنا ونأخذ أرباح تجارتنا فى ملكوت ربنا يسوع المسيح . الذى له المجد الدائم إلى الأبد . آمين . من عظات القديس يوحنا ذهبى الفم
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل