أبائيات

Bcgkvjckl5wejypdq921

كلمه باترولوجيا patrologia مأخوذة من الكلمة اللاتينية pater أي "أب"، فعلم الأبائيات هو العلم الذي يبحث في حياة أباء الكنيسة الأولى وكتاباتهم وأعمالهم وأفكارهم اللاهوتية والروحية.ولابد من دراسة تعاليم كل أب وشروحاته في ضوء صوت الكنيسة الجامعة بكونه عضوا في الجسد الواحد.

المقالات (6)

05 أبريل 2019

يوم الجمعة اليوم الخامس من الأسبوع الخامس

النبوات: (١٢- ٢٤ ) (أم ١:٥ - ١مل ٢:١٧ ) (٢٧:١٢- (تث ٢٩:١١ (٩- ٥:٣٢ ) (إش ١:٤٣ - (أي ٩:٣٠ القراءات: مزمور باكر: (٨:٨٥،٩) إنجيل باكر: (٣٤- (مر ٢٨:١٢ البولس: ( (عب ٥:١٢،٦ الكاثوليكون: (٥:٥- ١بط ١٥:٤ ) الإبركسيس: (٣:١٦- (أع ٣٦:١٥ مزمور إنجيل القداس: (١:١٣٧) إنجيل القداس: (٢٧- (يو ٢١:٨ إنجيل القداس: حيث أمضي أنا لا تقدرون أن تأتوا "لحمًا ودمًا لا يرثان ملكوت السموات" فالخطية سببت موتنا في خطايانا وهلاكنا بعيدًا عن المجد. والمسيح أتى كسابق لنا ليعد لنا مكانًا في المجد. ومن لا يؤمن بالمسيح سيموت في خطيته ولن يذهب حيث يذهب المسيح. والمسيح أتى حتى لا نموت في خطايانا، ولكي يخلصنا منها فنذهب حيث ذهب هو. مزمور الإنجيل: أعترف لك من كل قلبي= هذا إعتراف بعمل المسيح الذي به سندخل المجد. والإعتراف فيه نوع من إعلان الإيمان الذي بدونه لا خلاص ولا دخول للمجد. إنجيل باكر: يكلمنا الإنجيل عن طريق الخلاص وهو الإيمان والمحبة لله وللقريب. مزمور باكر: كل الأمم الذين خلقتهم يأتون ويسجدون أمامك يا رب إشارة للإنجيل (باكر) الذي يتكلم عن الإيمان بالله؟، فها الأمم تأتي وتؤمن بالمسيح وتسجد له.. ويمجدون إسمك. البولس: لا يكفي الإيمان للوصول للمجد. فطبيعتنا العاصية المتمردة تحتاج لتأديب، وهذا ما يكلمنا عنه بولس الرسول هنا، والتأديب هدفه أن نحيا. :(٥:٣٢- (أي ٩:٣٠ نرى هنا أيوب يكرر ويزيد أنه بلا خطية وبلا عيب وهذا ما جعل أليهو يغضب. فأليهو كان فاهمًا أنه لا يوجد إنسان بلا عيب، بل أن من يحبه الرب يؤدبه وهذا التأديب هو طريق السماء. الكاثوليكون: قراءات الصوم الكبير (يوم الجمعة من الأسبوع الخامس) ٧٠ الرسول يقول فلا يتألم أحدكم كقاتل أو سارق أي لا تعطوا للناس فرصة أن يضربوكم بسبب أخطائكم. ولكن طوبى لمن يهان لأنه مسيحي، فقط لأنه مسيحي وليس بسبب أخطائه. حينئذ يكون إحتماله للألم لأنه مسيحي طريقه للمجد فلا يخجل بل ليمجد الله بهذا الإسم الإضطهاد طريق المجد. الإبركسيس: بعد أيام قال بولس لبرنابا لنرجع ونفتقد الإخوة هذا دور الكنيسة أن تفتقد أولادها المجربين والمتألمين حتى لا يخوروا في الطريق. ولكن إختيار هذا الفصل له معنى مهم. فبولس رفض إصطحاب مرقس اليهودي الأصل والذي نظر كل أعمال المسيح، وذلك لرفضه أن يذهب مع بولس في الرحلة السابقة، ربما لمرضه وربما لصعوبة الكرازة. وأخذ معه تيموثاوس الأممي الذي لم يرى المسيح لكنه آمن دون أن يرى. والمعنى أن من يرفض لا نصيب له في المجد، ومن يقبل له نصيب في المجد. على أن مرقس كما هو معروف عاد وكرز في مصر وفي كل الدنيا، وقال عنه بولس أنه صار نافعًا للخدمة ( ٢تي ١١:٤ ) لكن النص المقصود منه المعنى الرمزي. :(٢٧:١٢- (تث ٢٩:١١ يتكلم هنا موسى النبي عن دخول أرض الميعاد، ولكن هذا رمز لدخول المجد والسماء. وكان شرط دخول الأرض أن يحفظوا الوصايا ويرفضوا العبادة الوثنية، ويقدموا العبادة لله. وطبعًا مفهوم بهذا أن نفس الوصايا هي شرط دخول السماء. :(٢٤- ١مل ٢:١٧ ) هنا نرى عظمة الإيمان، الذي بسببه كانت الغربان تعول إيليا، وبسببه بقيت الأرملة حية، وبسبب الإيمان عاش الولد بعد أن مات. والمعنى أن الإيمان شرط الحياة الأبدية وهذا موضوع إنجيل القداس. :(١٢- (أم ١:٥ نرى الزنا سبب الهلاك والموت والجحيم، والزنا نوعين: زنا روحي عبادة أحد غير الله. وزنا جسدي. وكلاهما يقطع علاقة الإنسان بالله فيهلك الإنسان فتندم في آخرتك عند فناء لحمك وجسدك. :(٩- (إش ١:٤٣ إني قد إفتدتيك.. إذا إجتزت في المياه فإني معك حياة. وإذا سلكت في النار فلا تحترق حياة. فالفداء أعطانا حياة أبدية، ولا الموت (المياه) قادرة أن تهلكنا، ولا النارالجحيم، قادر أن يضمنا.. لماذا لأني أنا الرب إلهك قدوس إسرائيل مخلصك.
المزيد
06 مارس 2019

اليوم الثالث من الاحد الاول من الصوم الكبير

إنجيل القداس : لوقا 6 : 35 – 38 بل احبوا اعداءكم و احسنوا و اقرضوا و انتم لا ترجون شيئا فيكون اجركم عظيما و تكونوا بني العلي فانه منعم على غير الشاكرين و الاشرار فكونوا رحماء كما ان اباكم ايضا رحيم و لا تدينوا فلا تدانوا لا تقضوا على احد فلا يقضى عليكم اغفروا يغفر لكم اعطوا تعطوا كيلا جيدا ملبدا مهزوزا فائضا يعطون في احضانكم لانه بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم لم تأمر الشريعة ببغض العدوّ كوصيّة يلتزم بها المؤمن، في كسرها كسر للناموس وإنما كان ذلك سماحًا أُعطى لهم من أجل قسوة قلوبهم. لقد ألزمت بحب القريب وسمحت بمقابلة العداوة بعداوة مساوية، لكي تمهد لطريقٍ أكمل، أن يحب الإنسان قريبه على مستوى عام، أي كل بشر. يظهر ذلك بوضوح من الشريعة نفسها التي قدّمت نصيبًا من محبّة الأعداء ولو بنصيب قليل، فقيل: "إذا رأيت حمار مبغضك واقعًا تحت حمله وعدلت عن حلّه فلابد أن تحلّ معه" (خر 23: 5). وقيل أيضًا: "لا تكره أدوميًا لأنه أخوك، ولا تكره مصريًا لأنك كنت نزيلاً في أرضه" (تث 23: 7)، مع أن الأدوميّين والمصريّين كان من ألد أعدائهم. هذا من جانب ومن جانب آخر كان الشعب في بداية علاقته بالله غير قادر على التمييز بين الخاطي والخطيّة، لذا سمح الله لهم بقتل الأمم المحيطين بهم رمزًا لقتل الخطيّة، خاصة وأن اليهود كانوا سريعًا ما يسقطون في عبادة آلهة الأمم المحيطين بهم. لقد طالب السيّد المسيح المؤمنين أن يصعدوا بروحه القدّوس على سلّم الحب فيحبّون حتى الأعداء، ويحسنون إلى المبغضين لهم، ويصلّون لأجل المسيئين إليهم. وبهذا يحملون مثال أبيهم السماوي وشبهه. ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد المسيح قد جاء ليرفعنا إلى كمال الحب، الذي في نظره يبلغ الدرجة التاسعة، مقدّمًا لنا هذه الدرجات هكذا: الدرجة الأولى: ألا يبدأ الإنسان بظلم أخيه. الدرجة الثانية: إذا أصيب الإنسان بظلم فلا يثأر لنفسه بظلم أشد، وإنما يكتفي بمقابلة العين بالعين والسن بالسن (المستوى الناموسي الموسوي). الدرجة الثالثة: ألا يقابل الإنسان من يسيء إليه بشر يماثله، إنّما يقابله بروح هادئ. الدرجة الرابعة: يتخلّى الإنسان عن ذاته، فيكون مستعدًا لاحتمال الألم الذي أصابه ظلمًا وعدوانًا. الدرجة الخامسة: في هذه المرحلة ليس فقط يحتمل الألم، وإنما يكون مستعدًا في الداخل أن يقبل الآلام أكثر مما يودّ الظالم أن يفعل به، فإن اغتصب ثوبه يترك له الرداء، وإن سخّره ميلاً يسير معه ميلين. الدرجة السادسة: أنه يحتمل الظلم الأكثر ممّا يودّه الظالم دون أن يحمل في داخله كراهيّة نحو العالم. الدرجة السابعة: لا يقف الأمر عند عدم الكراهيّة وإنما يمتد إلى الحب... "أحبّوا أعداءكم". الدرجة الثامنة: يتحوّل الحب للأعداء إلى عمل، وذلك بصنع الخير "أحسنوا إلى مبغضيكم"، فنقابل الشرّ بعمل خير. الدرجة التاسعة والأخيرة: يصلّي المؤمن من أجل المسيئين إليه وطارديه. هكذا إذ يبلغ الإنسان إلى هذه الدرجة، ليس فقط يكون مستعدًا لقبول آلام أكثر وتعييرات وإنما يقدّم عوضها حبًا عمليًا ويقف كأب مترفّق بكل البشريّة، يصلّي عن الجميع طالبًا الصفح عن أعدائه والمسيئين إليه وطارديه، يكون متشبِّهًا بالله نفسه أب البشريّة كلها. يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن غاية مجيء السيّد إلينا إنّما هو الارتفاع بنا إلى هذا السموّ إذ يقول: [جاء المسيح بهذا الهدف، أن يغرس هذه الأمور في ذهننا حتى يجعلنا نافعين لأعدائنا كما لأصدقائنا.] ليس شيء يفرح قلب الله مثل أن يرى الإنسان المطرود من أخيه يفتح قلبه ليضمّه بالحب فيه، باسطًا يديه ليصلّي من أجله! يرى الله فيه صورته ومثاله! لهذا يختم السيّد الوصيّة بقوله "لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين" [متى 5 : 45]. إن كنّا في مياه المعموديّة ننال روح التبنّي، ننعم بالسلطان أن نصير أولاد الله (يو 1: 12)، فإنّنا بأعمال الحب التي هي ثمرة روحه القدّوس فينا نمارس بنوتنا له، وننمو فيها ونزكِّيها. أبوّته لنا تدفعنا للحب، والحب يزكِّي بنوتنا له، يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هذا هو السبب الذي لأجله ندعوه في الصلاة أبًا، لا لنتذكّر نعمته فحسب، وإنما من أجل الفضيلة فلا نفعل شيئًا غير لائق بعلاقة كهذه.] فيما يلي بعض مقتطفات للآباء عن محبّة الأعداء: + لو لم يكن شريرًا ما كان قد صار لكم عدوًا. إذن اشتهوا له الخير فينتهي شرّه، ولا يعود بعد عدوًا لكم. إنه عدوّكم لا بسبب طبيعته البشريّة وإنما بسبب خطيّته! + كان شاول عدوًا للكنيسة، ومن أجله كانت تُقام صلوات فصار صديقًا لها. إنه لم يكف عن اضطهادها فحسب، بل وصار يجاهد لمساعدتها. كانت تُقام صلوات ضدّه، لكنها ليست ضدّ طبيعته بل ضدّ افتراءاته. لتكن صلواتكم ضدّ افتراءات أعدائكم حتى تموت، أما هم فيحيون. لأنه إن مات عدوّكم تفقدونه كعدوّ ولكنكم تخسرونه كصديق أيضًا. وأما إذا ماتت افتراءاته فإنكم تفقدونه كعدوّ وفي نفس الوقت تكسبونه كصديق. + عندما تعانون من قسوة عدوّكم تذكّروا قول الرب: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو 23: 34) . القدّيس أغسطينوس + لا تفيدنا الصلاة من أجل الأصدقاء بقدر ما تنفعنا لأجل الأعداء!... فإن صليّنا من أجل الأصدقاء لا نكون أفضل من العشّارين، أمّا إن أحببنا أعداءنا وصليّنا من أجلهم فنكون قد شابهنا الله في محبّته للبشر. + يجب أن نتجنّب العداوة مع أي شخص كان، وإن حصلت عداوة مع أحد فلنسالمه في اليوم ذاته... وإن انتقدك الناس (على ذلك) فالله يكافئك. أمّا إن انتظرت مجيء خصمك إليك ليطلب منك السماح فلا فائدة لك من ذلك، لأنه يسلبك جائزتك ويكسب لنفسه البركة. القدّيس يوحنا الذهبي الفم ++إن كانت الرحمة تدفعنا للتشبُّه بالله الرحيم نفسه؛ فإنَّنا إذ نطلب رحمة يلزمنا أن نرحم اِخوتنا ولا ندينهم: "ولا تدينوا فلا تدانوا، لا تقضوا على أحد، فلا يُقضى عليكم" [37]. اهتم الآباء - خاصة آباء البريّة - بالتدقيق في عدم الإدانة، فحسبوا أنه ليس شيء يغضب الله مثلها، إذ تنزع نعمته عمَّن يرتكبها ويرفع رحمته عنه حتى إذا ما ترفَّق بأخيه ينال هو النعمة الإلهيّة ومراحم الله. يرى الأب بومين والأب موسى أن من يدين أخاه ينشغل بخطايا الغير لا بخطاياه، فيكون كمن يبكي على ميِّت الآخرين ويترك ميِّته. يقول الأب دوروثيؤس: [إننا نفقد القوَّة على إصلاح أنفسنا متطلِّعين على الدوام نحو أخينا]، [ليس شيء يُغضب الله أو يعرِّي الإنسان أو يدفعه لهلاكه مثل اغتيابه أخيه أو إدانته أو احتقاره... أنه لأمر خطير أن تحكم على إنسان من أجل خطيّة واحدة ارتكبها، لذلك يقول المسيح: "يا مرائي أخرج أولاً الخشبة من عينك، وحينئذ تُبصر جيِّدًا أن تُخرج القذَى الذي في عين أخيك" [42]. أنظر فإنَّه يشبِّه خطيَّة الأخ بالقذَى أما حُكمك المتهوِّر فيحسبه خشبَة. تقريبًا أصعب خطيَّة يمكن معالجتها هي إدانة أخينا!... لماذا بالحري لا ندين أنفسنا ونحكم على شرِّنا الذي نعرفه تمامًا وبدقة والذي نعطي عنه حسابًا أمام الله! لماذا نغتصب حق الله في الإدانة؟! الله وحده يدين، له أن يبرِّر وله أن يدين. هو يعرف حال كل واحد منَّا وإمكانيَّاتنا وانحرافاتنا ومواهبنا وأحوالنا واستعداداتنا. فله وحده أن يدين حسب معرفته الفريدة. أنه يدين أعمال الأسقف بطريقة، وأعمال الرئيس بطريقة أخرى. يحكم على أب دير، أو تلميذ له بطريقة مغايرة، الشخص القديم (له خبراته ومعرفته) غير طالب الرهبنة، المريض غير ذي الصحَّة السليمة. ومن يقدر أن يفهم كل هذه الأحكام سوى خالق كل شيء ومكوِّن الكل والعارف بكل الأمور؟] يكمل الأب دوروثيوس حديثه عن عدم الإدانة بعرض قصَّة يتذكَّرها عن سفينة كانت تحمل عبيدًا، إذ تقدَّمت عذراء قدِّيسة إلى صاحب السفينة واِشترت فتاة صغيرة حملتها معها إلى حجرتها لتدرِّبها على الحياة التقويّة كابنة صغيرة لها، ولم يمضِ إلا قليلاً حتى جاءت فرقة للرقص، اشترت أخت هذه الفتاة الصغيرة لتدرِّبها على أعمال اللهْو والمُجون والحياة الفاسدة... هنا يقف الأب دوروثيؤس مندهشًا، أن الفتاتين قد اُغْتصِبتا من والديهما، إحداهما تتمتَّع بمخافة الله تحت قيادة قدِّيسة محبَّة وأخرى بغير إرادتها اُغْتُصبت لممارسة الحياة الفاسدة. لهذا يتساءل: أليس لله وحده أن يدين الفتاتين بطريقة يصعب علينا إدراكها؟! فنحن نتسرَّع في الحكم، أما الله فعالم بالأسرار طويل الأناة، وحده قادر أن يبرِّر أو يدين. يعلّق القدِّيس كيرلس الكبير على كلمات السيِّد عن عدم الإدانة، قائلاً: [بينما يطلب منَّا التعمق في فحص أنفسنا حتى ينطبق سلوكنا على أوامر الله وتعاليمه نجد البعض يشغلون أنفسهم بالتدخُّل في شئون الآخرين وأعمالهم، فإذا وقفوا على خطأ في أخلاق الغير عمدوا إلى نهش أعراضهم بألسنة حدَّاد، ولم يدروا أنهم بذم الآخرين يذمون أنفسهم، لأن بهم مساوئ ليست دون مساوئ الغير في المذلَّة والمهانة. لذلك يقول الحكيم بولس: "لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان كل من يدين، لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك، لأنك أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها" (رو 2: 1). فمن الواجب علينا والحالة هذه أن نشفق على الضعيف، ذاك الذي وقع أسيرًا لشهواته الباطلة وضاقت به السُبل، فلا يمكنه التخلُّص من حبائل الشرّ والخطيّة. فلنصلِ عن مثل هؤلاء البائسين القانطين، ولنَمِدْ لهم يدْ العون والمساعدة، ولنَسعَ في ألاَّ نسقط كما سقطوا. فإنَّ "الذي يذم أخاه، ويدين أخاه، يذم الناموس ويدين الناموس" (يع 4: 11). وما ذلك إلا لأن واضع الناموس والقاضي بالناموس هو واحد، ولما كان المفروض أن قاضي النفس الشريرة يكون أرفع من هذه النفس بكثير، ولما كنا لا نستطيع أن ننتحل لأنفسنا صفة القضاة بسبب خطايانا وجب علينا أن نتنحَّى عن القيام بهذه الوظيفة، لأنه كيف ونحن خطاة نحكم على الآخرين وندينهم؟! إذن يجب ألا يدين أحد أخاه، فإن حدَّثتْك نفسك بمحاكمة الآخرين، فأعلم أن الناموس لم يُقِمك قاضيًا ومُحاكمًا، ولذلك فانتحالك هذه الوظيفة يوقِعك تحت طائلة الناموس، لأنك تنتهك حُرمته. فكل من طاب ذهنه لا يتصيَّد معاصي الغير، ولا يشغل ذهنه بزلاَّتهم وعثراتهم، بل عليه فقط أن يتعمَّق في الوقوف على نقائصه وعيوبه. هذا كان حال المرنِّم المغبوط وهو يصف نفسه بالقول الحكيم: "إن كنت تُراقب الآثام يارب يا سيِّد، فمن يقف" (مز 130: 3)، وفي موضع آخر يكشف المرنِّم عن ضعف الإنسان ويتلمَّس له الصفح والمغفرة إذ ورد قوله: "أذكر أننا تراب نحن" (مز 103: 14).]
المزيد
24 فبراير 2019

الله لم يفشل فيك أبدًا

يحكي لنا الكتاب عن شاب صغير السن، وهو يوحنا المُلقَّب مرقس. هذا الشاب مثال لقوة الله التي تفتقد الضعف وتصنع منه جبار بأس. كان يوحنا من أسرة ميسورة الحال، وكانوا يمتكلون بيتًا كبيرًا يجتمع فيه الرسل بعد صعود المسيح (أعمال 12: 12)، وخاله هو برنابا، فهو من عائلة مؤمنة تعرف الرب جيدًا. وفي رحلة الرسول بولس الأولى أخذ مرقس لكي يخدم معهم (أعمال 12: 25)، ولكن في منتصف الرحلة تعثّر مرقس، ولا يذكر لنا الكتاب سبب تعثُّره، فقرّر أن يتركهم ويرجع إلى بيته في أورشليم (أعمال 13: 13). ولما رجع الرسولان من رحلتهما التبشرية قرّرا أن يقوما برحلة أخرى، فقال برنابا لبولس إنه يريد أن يأخذ مرقس مجدّدًا لكي يشجّعه مرة أخرى، لكن الرسول بولس رفض! ويقول الكتاب أنه حدثت بينهما مشاجرة بسبب مرقس (أعمال 15: 39)، وقال بولس إن الذي فارقهما من الأول لا يمكن أن يذهب معهما مرة أخرى (أعمال 15: 38). تخيّل رسولًا مثل بولس يرفض شابًّا متعثّرًا مثل مرقس! ولكن هل تركته نعمة الله؟ بالطبع لا! فالرب أب عظيم، يظل وراء الضغيف إلى أن يصنع منه شخصًا رائعًا. ويقول الكتاب إن برنابا أخذ مرقس وسافر إلى قبرس ليخدما هناك (أعمال 15: 39)، والعجيب أنه بعد فترة قصيرة من الزمان نرى الروح القدس يقود مرقس الشاب المتعثِّر إلى كتابة أول انجيل كُتِب وهو إنجيل مرقس سنة 55م! والعجيب أن الرسول بولس نفسه في نهاية حياته احتاج لمرقس وطلب أن يخدم معه بعد أن شدّده الرب، وقال إنه نافع له للخدمة (تيموثاوس الثانية 4: 11)، ثم في نهاية حياة ذلك الشاب المتعثِّر ذهب إلى مصر ليقدّم يسوع في كل أرض مصر، ثم اُستُشهِد هناك بسبب التبشير، وأُطلِق عليه "كاروز الديار المصرية". تخيل: مِن شخص متعثِّر مرفوض من قائده الروحي، إلى كاتب لأول إنجيل ومبشّر في مصر!وأنت؛ ربما تعثّرت كثيرًا من ضعف معين، ربما رفضك شخص روحي، لكن اطمئن! الرب يقبلك، وسيظل بجانبك إلى أن يُخرِج منك شخصًا عظيمًا بحسب قلبه.فمن عرف رحمة الرب لابد أن يتكل عليه في أصعب أزمنة حياته، واثقًا أنه في أمان لأن الرب لا يمكن أن يترك طالبيه. لذلك لاتخف، الرب يستحيل أن يتركك لأنك ابن له، أنت داخل هذا الملجأ فأنت في أمان. مها طال زمن الضيق الرب ملجأك، إلى أن يعبر بك إلى أرض الراحة.وأنت، ربما تعاني من عيب في شخصيتك، لاتخف! الرب يقبلك، وسيصنع بك شيئًا عظيمًا رغم ضعفك وعيوبك، فهو يحبك، بل هو يحامي عنك. القس أنطونيوس فهمى كاهن كنيسة مارجرجس والأنبا أنطونيوس – محرم بك - الأسكندرية
المزيد
20 فبراير 2019

عظة قداس اليوم الثالث من صوم نينوى

" إذا كان المساء قلتم صحو لأن السماء مجمرة . وفى الصباح اليوم شتاء . لأن السماء محمرة بعبوسة . يامراؤون تعرفون أن تميزوا وجه السماء أما علامات الأزمنة فلا تستطعون "( مت 15 : 32 – 39 و 16 : 1 – 4 )إذا كنا الآن فى عمرنا هذا نبالغ فى اختيار الامور النافعة والمطاعم اللذيذة والرتب العالية والاوقات المعينة على تتابع هوائنا . حتى آل بنا الحرص والاجتهاد إلى النظر فى سير الكواكب وتمييز الأيام ومواقع حدود الكائنات وعمل ما لا ينبغى فما بالنا لا نفعل ذلك فى الاهتمام بالباقيات وما بالنا لا نوفى ديوننا . ونتخلص من غرمائنا قبل أن يحكم علينا الولاة والحكام ؟ وإذا كان ربنا قد ضرب لنا أمثالا بالذين يقصدون الخلاص والذين يهملون ذواتهم ونحن لا نرعوى . فبماذا يكون حالنا ؟ولنفرض الآن أن المخلصين والمهملين يشبهون رجلين تاجرين . سافرا إلى احدى البلاد لإبتياع بعض الأشياء للتجارة . وحينما بلغا سالمين إلى المدينة افترقا عن بعضهما فمضى كل منهما إلى حيث اراد . فالاول منهما شمر عن ساعد العزم والجد . وقام على قدم الاجتهاد . وأخذ يجول فى الأسواق . ويتفقد أماكن التجارة . ويسأل السماسرة وأهل الخبرة بتلك البلاد عن البضاعة النافعة والمتاجر الرابحة . مجتهداً فى الإبتياع ليلا ونهاراً . لا ينظر إلى لذة ولا إلى شهوة . إلى أن اكمل كل ما يحتاج اليه . ثم استراح اخيراً . أما الآخر فإنه عندما وصل إلى المدينة أخذ يسأل عما فيها من البساتين والحمامات والخمر واللهو وأماكن اجتماع المضحكين والحسان من النساء . وظل يقضى الأوقات هكذا : ساعة فى الحمام . وساعة فى البستان . وساعة فى الأكل والشرب . وساعة فى الضحك مع المهرجين وكل ما رأى رفيقه الآخر مجتهداً مفتشاً على أصناف البضائع يخاطبه معنفاً ل على الانهماك فى التعب والإعراض عن اللذات . وهو لا يلتفت اليه واستمر هكذا إلى ان حان الأجل المفروض للتجار . فضرب البوق للرحيل . وأقبل رجال المملكة وحراس المدينة لإخراج الغرباء من مدينتهم حسب إعادة أهل تلك البلاد وعندما سمع ذلك التاجر اللبيب الحازم الرأى صوت بوق السفر نهض فرحاً مسروراً بسرعة العودة إلى الاوطان بما حصل عليه من أصناف البضائع النفسية وللوقت اكترى الدواب والرجال وسافر سالماً غانماً وأما بذلك التاجر الخائب . فانه عندما سمع صوت الرحيل تيقظ من غفلات الجهل ونوم الكسل . وأقبل على ذاته بالبكاء والندم مع الاسف الشديد . وهو يسترحم فلا يجد راحماً . ويستعطف فلا يجد متعطفاً . حيث أصبح بين التجار فقيراً خائباً . إذ لا مال له ولا زاد ولا متاجر . وهو مقبل على البرارى المخيفة والطرقات الهائلة . وخليق بمثل هذا أن يموت جوعاً ويهلك خوفاً وجزعاً وإذا كان مثلنا هذا مطابقاً لهذا الامر بعينه . فما بالنا نوجد فى البلاد الغريبة غافلين مهملين متوانين فى تحصيل متاجرنا . معرضين عن طلب خلاصنا ؟ . وكيف يجوز فى عقولنا أن نضيع أموالنا مجاناً فى البلاد الغريبة ونرجع إلى أوطاننا خائبين ؟ . وكيف يحسن عندنا أن نشتغل بالمآكل والمشارب والملاذ الزائلة مع علمنا بأننا راحلون ومحاسبون ومعاقبون على أعمالنا .فسبيلنا إذن أن نجتهد فى إصلاح أعمالنا . ونبادر إلى الخلاص من أعدائنا . ونستعد بسرعة الرجوع إلى أوصاننا . لنفرح ببضائعنا وأموالنا ونأخذ أرباح تجارتنا فى ملكوت ربنا يسوع المسيح . الذى له المجد الدائم إلى الأبد . آمين . من عظات القديس يوحنا ذهبى الفم
المزيد
07 فبراير 2019

الصوم المقبول ومعناه

الصوم المقبول الصوم هو الركن الثالث من أركان العبادة المسيحية المقبولة ونحاول الآن أن نتعرف على بعض نواحي ومعاني الصوم. معنى الصوم: للصوم معنيان: معنى نسكي ومعنى روحي:- 1 - المعنى النسكي: الصوم هو الانقطاع عن الطعام فترة معينة من النهار ثم تناول أطعمة صيامية خالية من الدسم. وهذا هو المعنى المعروف والمشهور بين المؤمنين، لأن فترة الانقطاع في الصوم هي العمود الفقري للصوم ويمكن تحديد هذه الفترة بالاتفاق مع أب الاعتراف الذي يحدد لكل واحد فترة انقطاع مناسبة لسنة ولعمله ولظروفه ولحالته الصحية وقامته الروحية: الخ. 2 - المعنى الروحي الصوم هو الفرصة الذهبية لانتعاش النفس وانطلاق الروح من رباطات وسلطان الجسد، لكي تتحد بالله وتتلامس معه لأن الله روح ولا يستطيع شيء أن يتلامس معه إلا الروح والعلاقة الروحية بين الإنسان والله. إذا شبهناها بأسلاك التليفون فيكون عمل الصوم في هذه العلاقة هو جلي الأسلاك حتى تصبح جيدة التوصيل للصوت. نيافة الحبر الجليل الانبا متاؤس أسقف ورئيس دير السريان
المزيد
14 يناير 2019

ثانياً: عيد الختان

أما بخصوص زمن التعييد لهذه المناسبة المقدَّسة، فالمعروف أنه كان مرتبطاً بعيد الميلاد ارتباطاً جوهريًّا، بحيث لم توافق الكنيسة منذ البدء على أن تخصِّص له عيداً منفصلاً عن الميلاد. وزمن عيد الميلاد لم تحدِّده الكنائس كلها في زمن واحد. فمعروف أن كنيسة روما في الغرب كانت تُمارس عيد الميلاد، وربما عيد الختان منذ زمن بعيد، كما يقول العلامة ترتليانوس، إذ عَثَرَ عُلماؤها في القرون الأُولى على أرشيف الحوادث المدنية التي حوت ذكر حوادث الاكتتاب أيام أوغسطس قيصر، وفيها اسم يسوع ونسبه وميعاد ميلاده وخلافه، والتي منها استدلَّت الكنيسة على ميعاد ميلاد المخلِّص، وبالتالي حدَّدت زمن عيد الميلاد والختان: [أو كيف يُسمح للمسيح أن يدخل إلى المجمع إذا كان غير معروف سابقاً أو كان ظهوره مفاجئاً ولا يُعرف من أي سبط هو ومن أي بلدٍ ومَنْ هي عائلته؟ وأخيراً تسجيله في الاكتتاب الذي عمله أوغسطس قيصر، وهو الشاهد الصادق على ميلاد الرب، المحفوظ في أرشيف روما. كذلك وبكل تأكيد كان هناك شهود يتذكَّرون إن كان قد اختتن على أيديهم أم لا حتى يُسمح له بالدخول إلى أماكنهم المقدَّسة.]([6]) ويؤكِّد هذه الحقيقة القديس يوحنا ذهبي الفم في عظته التي ألقاها في 25 ديسمبر سنة 376م، حيث يُعلن فيها ضمناً بدء ممارسة كنيسة أنطاكية لعيد الميلاد منفرداً عن عيد الغطاس، اعتماداً على مراسلات جرت له مع كنيسة روما التي كانت قد سبقت أنطاكية في تحديد زمن العيد بوقت كثير. يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [والحقيقة أنه لم يمضِ حتى الآن سوى عشر سنوات منذ أن تعرَّفنا بوضوح على هذا اليوم (يوم الميلاد 25 ديسمبر). وبالرغم من ذلك، ها هوذا قد ازدهر هذا اليوم وانتشر بسبب غيرتكم وكأنه قد تسلَّم لنا منذ البدء. وهكذا لا يخطئ الإنسان لو هو قال إن هذا العيد جديد وقديم معاً، جديد لأننا هوذا قد عرفناه حديثاً، وقديم لأنه هكذا اكتسب مساواة مع الأعياد القديمة ... وهذا اليوم كان معروفاً منذ البدء عند رجال الغرب، غير أنه وصلنا أخيراً منذ مدة وجيزة فقط ... (وهنا يبدأ يوحنا يقص قصة الأرشيف المدني في روما كمصدر تعرف منه رجال الكنيسة على هذا اليوم) ... ومن هؤلاء الذين كانت لديهم معلومات دقيقة عن الموضوع في روما قد تسلَّمنا بدورنا تحديد هذا اليوم، لأن قاطني هذه المدينة كانوا متمسِّكين بهذا اليوم منذ البدء، ومن التقليد القديم، وهم الذين أرسلوا لنا هذه المعلومات]. أما في كنيسة مصر، فنستقي تحديد بدء عيد الميلاد (ومعه عيد الختان) من مصادر متعددة، وأهمها الآتي: أولاً: الدسقولية (أي تعاليم الرسل) وهي من مدونات القرن الثالث: 18: [يا إخوتنا تحفَّظوا في يوم الأعياد التي هي عيد ميلاد الرب، وأكملوه في اليوم الخامس والعشرين من الشهر التاسع الذي للعبرانيين، الذي هو اليوم التاسع والعشرون في الشهر الرابع الذي للمصريين. ومن بعد هذا الإبيفانيا، فليكن عندكم جليلاً لأن فيه بدأ الرب أن يظهر لاهوتيته في معموديته في الأردن من يوحنا. واعملوه في اليوم السادس من الشهر العاشر الذي للعبرانيين الذي هو الحادي عشر من الشهر الخامس الذي للمصريين. وليتقرَّب في الميلاد والغطاس ليلاً لا لكراهية الصوم بل لتمجيد العيد]. ويُلاحَظ هنا أنه ذكر كلمة ”يوم الأعياد“، مما يفيد أنه في يوم واحد كان يُقام عيد للميلاد والغطاس معاً. كذلك فإن تشابه العيدين في طقسهما المسائي يوحي بذلك. ثانياً: القديس أثناسيوس الرسولي: وينقل عنه العالِم كوتيلييه من إحدى مخطوطاته التي لم يُذكر اسمها قول أثناسيوس: [لأن ربنا يسوع المسيح وُلِدَ من العذراء القديسة مريم في بيت لحم في 29 من شهر كيهك، بحسب المصريين، في الساعة السابعة، الموافق الثامن من يناير.]([7]) ثالثاً: من كلمندس الإسكندري، حيث يبدو كلمندس متردِّداً في قبوله: [والأمر العجيب أنه توجد جماعات حدَّدت بالفعل سنة ميلاد الرب وأيضاً اليوم الذي وُلِدَ فيه المخلِّص وهي السنة الثامنة والعشرون لأوغسطس قيصر، في اليوم الخامس والعشرين في الشهر التاسع([8]) (ديسمبر) (الموافق 28 كيهك). كذلك نعلم أن أتباع باسيليدس يعيِّدون أيضاً ليوم عماده، ويمضون الليل كله ساهرين في القراءات، ويقولون إن عماد الرب كان في السنة الخامسة عشر لسلطنة طيباريوس قيصر، في اليوم الخامس عشر من شهر طوبة.]([9]) وهكذا تأتينا هذه الأخبار المبكِّرة جدًّا بخصوص تعييد العيدين: الميلاد والغطاس، كل بمفرده في مصر، ولكن ليس مؤكَّداً إن كان هذا من قبل الكنيسة الرسمية الأرثوذكسية الجامعة. ولكن الإشارة هنا إلى أن تعييد العماد بمفرده كان لبعض الجماعات المنشقة مثل باسيليدس. رابعاً: عن كاسيان: سنة 360 - 450م: ثم يعود كاسيان ويؤكِّد لنا أن الكنيسة في مصر كلها كانت لا تزال في أيامه تعيد لعيد الميلاد والغطاس معاً في عيد الإبيفانيا، حيث تأتي كلمة ”الإبيفانيا“ بصيغة الجمع، أي تشمل عدَّة ظهورات: ( أ ) الظهور في الجسد «الله ظهر في الجسد». (ب) ظهور النجم للمجوس، وهو إشارة إلى استعلان الله للأُمم. ( ج ) استعلان بنوَّته لله في العماد بصوت السماء. ( د ) استعلان لاهوته بمعجزة قانا الجليل. [وفي إقليم مصر، هذه العادة قديمة بالتقليد حيث يراعى أنه بعد عبور ”الإبيفانيا“ التي يعتبرها الكهنة في هذا الإقليم الزمن الخاص بمعمودية الرب، وأيضاً ميلاده بالجسد، وهكذا يعيِّدون لكلا التذكارين أي لكلا ”السرّين“، ولا يعيِّدونهما منفصلين كما هو في أقاليم الغرب. ولكن في عيد واحد في هذا اليوم.]([10]) ونفس هذه الحقائق يسجِّلها إبيفانيوس أسقف قبرص. والمعروف لدى العلماء أن أول مَنْ عيَّد ”الإبيفانيا“ للميلاد والغطاس معاً هي كنيسة الإسكندرية منذ العصر الرسولي، ويُقال إن هذا التقليد مسلَّم للكنيسة من القديس يعقوب أخي الرب. ومنها انتقلت إلى روما والغرب. وهناك حدث في الربع الأخير من القرن الرابع، انفصال العيدين، وعيَّدت كنائس الغرب للميلاد في 25 ديسمبر. ومن الأمور الطريفة أن في عيد الغطاس عند الغرب، لا تزال الكنيسة هناك تحتفظ بتذكار زيارة المجوس!!([11]) كذلك من الأمور الطريفة أن الغرب احتفظ باسم عيد ”الإبيفانيا“ في نطقه اليوناني، أما الميلاد فبنطقه اللاتيني؛ مما يفيد أن عيد الإبيفانيا مأخوذ بطقسه واسمه من الشرق، أما التعييد للميلاد منفرداً عن الغطاس فهو من ترتيب الغرب. خامساً: البابا الإسكندري تيموثاوس الأول (378 - 384م): يسجِّل لنا المؤرِّخ جناديوس في كتابه عن التاريخ الكنسي، أن البابا الإسكندري تيموثاوس هذا ألَّف كتاباً على ميلاد ربنا بحسب الجسد. ويظن المؤرِّخ أنه كُتب أو قُرئ في عيد الإبيفانيا([12]). ومن هذه الإشارة يبدو واضحاً أن كنيسة الإسكندرية كانت تعيِّد للميلاد متميِّزاً عن الغطاس، ولو أن ذلك كان في يوم واحد وعيداً واحداً، وكانا يُسميان معاً بالإبيفانيا. ويُعتبر هذا الكتاب الذي ألَّفه تيموثاوس بابا الإسكندرية الثاني والعشرون عن الميلاد أول مؤلَّف كنسي عن الميلاد قاطبة. وهكذا كما ابتدأ الميلاد يأخذ مجاله المتميِّز كعيد قائم بذاته منذ القرن الثاني في مصر، هكذا ابتدأ عيد الختان يأخذ وضوحه المتميِّز معه جيلاً بعد جيل؛ لأن الكنيسة بدأت تهتم بتسجيل كل حوادث الإنجيل مبكِّراً جدًّا، فنحن نقرأ للقديس مار أفرآم السرياني (الذي تنيَّح سنة 373م) تحديده أيضاً لعيد البشارة هكذا: [لأن في العاشر من مارس كان الحبل به وفي السادس من يناير كان ميلاده.]([13]) سادساً: البابا كيرلس الكبير عمود الدين (412 - 444م)، والأسقف بولس من ”أميسا“: مذكور في تسجيلات مجمع أفسس سنة 431م، أن الأسقف بولس من أميسا ألقى عظة في حضور البابا كيرلس الكبير الإسكندري عن ميلاد ربنا يسوع المسيح، حدَّد فيها ميلاد المسيح باليوم التاسع والعشرين من شهر كيهك (الذي كان يوافق 25 ديسمبر)([14]). وعنوان العظة كالآتي: [عظة لبولس أسقف أميسا ألقاها في اليوم التاسع والعشرين لشهر كيهك في الكنيسة العظمى بالإسكندرية بحضرة المطوب كيرلس على ميلاد ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح]. ومن هذه العظة يتضح أن عيد الميلاد كان له وجود مستقل عن عيد الغطاس في زمن كيرلس الكبير! وكان قد تحدَّد له يوم معيَّن خلاف يوم الإبيفانيا. ولكن المعروف أن هذا تم بحذر شديد، لأن التقليد المألوف الجاري في الكنيسة كان يعتبر أن عيدي الميلاد والغطاس يكوِّنان مفهوماً واحداً ”لطبيعة الله الكلمة المتجسِّد“. كذلك فمجرد تقسيم العيدين يُعتبر تقسيماً لمفهوم طبيعة المسيح، الأمر الذي أثار حفيظة شعب القسطنطينية عندما أجرى غريغوريوس النـزينـزي (اللاهوتي) هذا التقسيم وجعل الميلاد منفصلاً عن الغطاس، فهاج الشعب محتجاً معتبراً ذلك إساءة لمفهوم لاهوت المسيح. تحديد عيد الختان: ومن الأمور الثابتة في الكنيسة أن الإشارة إلى عيد الختان كانت قديمة في الكنيسة، وكانت تستتر تحت كلمة ”الأوكتاف Octave“ أي ”الثامن“، وهو اليوم الثامن من بعد الميلاد، أي الموافق للختان. وقد اختير هذا الاصطلاح تحشُّماً واحتراماً لجلال المختتن. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الكنيسة كانت تعتبر الختان مكمِّلاً للميلاد، فلا يصح أن يُعيَّد للختان عيداً منفصلاً عن الميلاد، فأضافت ”اليوم الثامن“ أي ”الأوكتاف“ إلى عيد الميلاد بالرغم من إقامة تذكاره في يوم آخر غير يوم الميلاد. وهذا الأمر سبق أن لاحظناه أيضاً في تمسُّك الكنيسة بالجمع بين عيدي الميلاد والغطاس معاً، باعتبارهما يكوِّنان مفهوماً واحداً لمسيح واحد مولود في بيت لحم وفي الأزلية، بحيث لا يمكن فصل ميلاده في بيت لحم عن ميلاده الأزلي. وقد ظلَّ هذا الاصطلاح ”الأوكتاف“ معمولاً به في الكنيسة مدَّة طويلة، حيث بدأ قليلاً قليلاً يأخذ اسمه الطقسي ”عيد الختان“ بوضوح. ومن قراءات اليوم الثامن من بعد الميلاد، تظهر الفصول الخاصة بختانة المسيح، وذلك في أقدم القطمارسات أما أقدم وثيقة في الكنيسة بلغت إلى علمنا حتى الآن، فهي تحمل عظة عن ”عيد الختان“، وهي من أعمال ”زينو“ أسقف فيرونا من القرن الرابع([15])، قيلت في ”أوكتاف“ الميلاد، أي في اليوم الثامن من الميلاد. المتنيح القمص متى المسكين
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل