المقالات

23 يناير 2025

بدعة بولس السميساطي أسقف أنطاكية

مؤسس البدعة السيموساطية هو بولس السميساطى وأدخلها فى أنطاكية من هو بولس السيموساطي؟ ولد بولس فى بلدة تدعى سيمساط (وهى مدينة صغيرة ما بين النهرين)عن والدين فقيرين،وقد أصبح واسع الغنى بوسائل محرمة،ولا يعلم بأى طريقة أستطاع بها أن يصبح بطريركاً على الكرسى الأنطاكى إلا أنه يمكن القول أنه بجانب غناة وسلطته فقد كان بولس السيموساطي خطيباً مفوّهاً وسياسياً ماهراً ماكراً فإستطاع أن يحتل مركزاً مرموقاً في مملكة الملكة زينوبيا التي كانت تعرف بميلها لليهود فقد وكلت إليه جباية الخراج (الضرائب) فتقلد منصب دوسناريوس (أى والى مدنى من الدرجة الولى ذو مرتب سنوى 280 سترشيا عملة ذلك الوقت)، ورغبة منها في الانفصال عن روما فقد ساعدت بنفوذها بولس السيموساطي حتى يجلس على كرسى أسقفية إنطاكية عام 260م الذى كان يشاركها فى الميل لمناصبة روما العداء، وكان يحرص على وظيفته المدنية حرصاً شديداً لأنها كانت فرصة لأذلال شعبه كما كانت سلاحاً يستخدمه ضد الإكليروس عند مقاومتهم له نتيجة لهرطقته وسلوكه الشائن. أخلاق بولس السيماساطى ولما أثرى بعد فقر مدقع وشديد، وأنبسطت طالت يدة بعد أن كانت مغلولة فإنهمك فى الملذات والشهوات، فكان يصحب معه فى أى مكان يذهب إليه إمرأتين جميلتين يقضى معهما أكثر أوقاته، وكان مغرماً بالرفاهية والعظمة فلم يكن يسير فى الطرقات إلا ومائة من الخدم يتقدمونه ومائة أخرى يتبعونة يلبسون أفخر الثياب - وأبدل التراتيل التى تقال فى الكنيسة لتمجيد الرب الإله بنشائد تمجده وكلف بإنشادها فى الكنيسة بعض النسوة - وكان إذا خطب أو وعظ يجعل الناس تصفق له فى آخر كل عظة. محتوى بدعة بولس السيموساطي: كان بولس السيموساطي يعلم بأن الله واحد، أي أقنوم واحد، وفي هذا الأقنوم يمكننا أن نميز بين اللوجوس والحكمة، وهما عبارة عن صفتين وليسا أقنومين. خرج اللوجوس من الله أو انبثق منه منذ الأزل، وهو الذي كان يعمل في الأنبياء، وأيضاً في يسوع الذي وُلد من العذراء، أي أن يسوع إنسان مثلنا تماماً، مع أنه أعظم من موسى والأنبياء، ولكنه إنسان كامل، وقد حلّ اللوجوس في هذا الإنسان يسوع لذا لابد من التمييز بينه وبين يسوع. فاللوجوس أعظم من يسوع لأن يسوع بشري مثلنا، ويقول أن كلمة الإله حل فيه بعد ولدته من العذراء ونشط بعد حلول اللوجوس على يسوع وقت عماده وارتبط به برباط المحبة القوية. وبفضل رباط المحبة هذه استطاع يسوع أن ينتصر ليس فقط على الخطيئة بل أيضاً على خطيئة أجداده، لذا أصبح فادياً ومخلصاً لأنه تمّم مشيئة الله بطريقة كاملة، وبسبب أتحاد الكلمة الإلهية بهذا النسان يمكن القول أن المسيح هو الإله وليس بمعناها الحقيقى، ونشأ عن هذه البدعة والهرطقة فكر آخر وهو أنه كان فى المسيح أقنومان وأبنان للأله أحدهما بالطبيعة والآخر بالتبنى، وبذلك أنضم غلى سابيليوس فى انكار الثالوث الأقدس بقوله يوجد إله واحد تحسبه الكتب المقدسة بالآب وأن حكمته زكلمته ليست اقنوماً بل أنها فى العقل الإلهى بمقام الفهم فى العقل الإنسانى. الكنيسة تحرم بولس السيموساطي: وظهر فى ذلك الوقت كاهناً يُدعى ملخيون لإظهار أضاليل بولس ودحض بدعته وانضم إليه عدد من الكهنة والأساقفة منهم لينوس أسقف طرسوس، فدعا لعقد مجمع محلي في إنطاكية عام 264،ولكن هذا المجمع لم يصل لأية نتيجة لتدخل الملكة زينوبيا، وقد أعقبه مجمع آخر في إنطاكية ولم يصل أيضاً لنتيجة أيضاً،ولكن لم يمل أصحاب الإيمان القويم واستمروا في نضالهم ضد بولس السيموساطي،وبلغ البابا ديونيسيوس أخبار هذا الهرطوقى المخالف للعقيدة والأخلاق أرسل إليه العديد من الرسائل ووضح فيها مخالفة أفكاره لنصوص الكتاب المقدس وشهادات الآباء وقد أجاب بولس على رسائله موارباً وموارياً على ضلالته، ولأجل بدعته عقد فى أنطاكية مجمعاً وتكرر أنعقادة ويقول الأنبا ساويرس فى تاريخ البطاركة: " ولما طعن البابا ديونيسيوس فى ايامه ضعف جسده من كثرة ما لحقة من أضطهاد ولم يفتر مع هذا ليلة واحدة من قراءة الكتب المقدسة فلما علم الرب محبته للكتب أنعم عليه بقوة بصره حتى أنه صار يبصر كما كان فى ايام شبابه، ولما لم يقدر أن يذهب إلى مجمع أنطاكية الذى أجتمع فيه لمناقشة ما يقوله بولس السيماساطى أرسل برسالة مملوئة حكمة وتعاليم إلى ألساقفة المجتمعين به، لأن بوله كان كالقشب الذى يهر على الخراف، فمضى أساقفة المجمع مسرعين إلى أنطاكية بمجد السيد المسيح ومن جملة من حضر المجمع برمليانوي أسقف قيسارية قبادوقية، وغريغوريوس أسقف قيصرية الجديدة وأخوه أيثنوذوروس، وايلينوس أسقف طربيوس، ونيقيدوموس أسقف أبقونيا، وأيماناوس أسقف أورشليم، ومكسيموس أسق وسطراً وجماعة معهم أساقفة وقسوس وشمامسة "وكان بولس السيماساطى حينما يحضر المجمع يراوغ كثيراً فى أقواله، فكان تارة يستغيث من قساوة الأساقفة عليه، فمن جهة لا يبوح بحقيقة هرطقته وأفكاره،وتارة ينكر ما عزى إليه من ضلال، ثم يظهر موافقته للمجمع بما يطلب التصريح به، ولكن يرجع مرة ثانية لبدعته لهذا ينطبق عليه المثل " الكلب يرجع لقيئة " ولما أتنفذ فرص توبته ولم يرتدع كتب اعضاء المجلس كتب أعضاء المجمع إلى البابا مكسيموس البطريرك الأسكندرى وديونيسيوس أسقف روما يسردون فيها نقائص وعيوب بولس السيماساطى وإصرارة على بدعته وضلاله، ثم عقدوا بشأن ضلالته مجمعاً آخر أكبر حضره أساقفة أكثر وعُقد هذا المجمع في انطاكية عام 268م وقد قام ملخيون باستجواب بولس في هذا المجمع حتى استطاع إظهار ضلالته أمام الجميع ، وقام آباء المجمع بالكتابة إلى أسقفي روما والإسكندرية وأساقفة الكنائس الأخرى شارحين ضلالة بولس السيموساطي. فخلعوا بولس السيماساطى من بطريركية أنطاكية قلم يرضخ بالحكم وأعتصم بالدار البطريركية رافضاً الخروج منها وأستعان بقوة تدمر الحربية وواصل بولس البقاء في منصبه كأسقف رافضاً قرار المجمع وذلك بسبب مساندة الملكة زينبيا له، واستمر الحال هكذا لمدة أربع سنوات حتى سقطت الملكة وسقط معها بولس وكل تعاليمه.وبعد خلع بولس السيماساطى من من بطريركية الكرسى الأنطاكى وأقاموا بدلاً منه دمنوس، فعرض الأساقفة أمره إلى القيصر الرومانى أورليان فحكم بأن تعطى الأسقفية لمن أنتخبه المجمع ونفى بولس السيماساطى ذكر المؤرخ يوسابيوس القيصرى فى كتابه تاريخ الكنيسة بدعة بولس السميساطى تحت عنوان " بولس السميساطى والبدعة التى أدخلها إلى أنطاكية" فقال: 1 - بعد أن رأس زيستزس كنيسة روما أحدى عشرة سنة خلفه ديونيسيوس سمى ديونيسيوس الأسكندرى، وحوالى نفس الوقت مات ديمتريانوس فى أنطاكية ونال تلك السقفية بولس السميساطى . 2 - ولأنه كان يعتقد أعتقادات وضيعة عن المسيح - مخالفة لتعاليم الكنيسة - أى أنه كان فى طبيعته إنساناً عادياً، فقد توسلوا إلى ديونيسيوس الأسكندرى ليحضر المجمع، ولما لم يتمكن من الحضور بسبب تقدمه فى السن وضعف جسمه أعطى رأيه فى الموضوع الذى تحت البحث برسالة أرسلها إليهم، ولكن جميع رعاة الكنائس من كل جهة أسرعوا ليجتمعوا فى انطاكية كأنهم قد أجتمعوا ضد مبدد قطيع المسيح ذكر المؤرخ يوسابيوس القيصرى فى كتابه تاريخ الكنيسة (ك7 ف 28) (عن الأساقفة الذين ذهبوا لدحض بدعة بولس السميساطى تحت عنوان " أساقفة ذلك العصر البارزون " فقال: 1 - من بين هؤلاء كان فرمليانوس (ك6 ف 26) العظيم أسقف قيصرية كبادوكية، وألخوان غريغوريوس (غريغوريوس صانع العجائب ك6 ف 30) وأثينودورس، وبعض الرعاة من كنائس بنطس وهيلينوس (ك6 ف 46: 3) أسقف أيبروشية طرسوس ونيكوماس أسقف أيقونية، وعلاوة على هؤلاء هيميناس (ك7 ف 14) أسقف كنيسة أورشليم وثيوتكنس أسقف كنيسة قيصرية المجاورة، يضاف إلى هؤلاء مكسيموس الذى رأس ألخوة فى بوسترا (ك6 ف 33) بكيفية ممتازة وإن أراد أحد إحصائهم لوجد آخرين كثيرين علاوة على القسوس والشمامسة الذين أجتمعوا وقتئذ لنفس الغرض فى المدينة السابق ذكرها (أنطاكية) ولكن هؤلاء كانوا أبرزهم. 2 - وحينما أجتمع كل هؤلاء فى أوقات مختلفة لبحث هذه المواضيع كانت الحجج والأسئلة تناقش فى كل إجتماع، وكان أنصار السميساطى يحاولون أن يداروا ويخفوا هرطقته، وحاول الآخرون بكل غيرة أن يفضحوا ويعلنوا هرطقته وتجديفه على المسيح. 3 - وفى نفس الوقت مات ديونيسيوس فى السنة الثانية عشرة من حكم جالينوس بعد أن لبث أسقفاً 17 سنة وخلفه مكسيموس. 4 - وبعد أن لبث جالينوس فى الحكم 15 سنة خلفه كلوديوس الذى سلم الحكم إلى أوريليان بعد سنتين. ذكر المؤرخ يوسابيوس القيصرى فى كتابه تاريخ الكنيسة (ك7 ف 29) عن حرم بولس السميساطى تحت عنوان " وبعد أن دحض ملخيون (أحد القسوس الفلاسفة) آراء بولس صدر الحكم بحرمة " فقال: 1 - وفى أثناء حكمة عقد مجمعاً آخر مؤلف من أساقفة كثيرين، وكشف عن منشئ الهرطقة فى أنطاكية، وفضحت تعاليمه الكاذبة أمام الجميع، فحرم من الكنيسة الجامعة تحت السماء. 2 - وقد أخرجه ملخيون من مخبه ودحض آراءه، وهذا كان رجلاً متعلماً فى نواح أخرى، وكان رئيساً لمدرسة الفلسفة اليونانية فى أنطاكية، ونظراً لسمو إيمانه بالمسيح، رسم قساً لتلك الأيبروشية، وإذ ناقشة هذا الرجل مناقشة خطيرة دونها الكتاب الحاضرون، ولا زالت باقية إلى ألان، أستطاع وحده أن يكشف حقيقة الرجل الذى ضلل وخدع ألاخرين ذكر المؤرخ يوسابيوس القيصرى فى كتابه تاريخ الكنيسة (ك7 ف 30) عن رسالة الأساقفة ضد بولس السميساطى فقال: 1 - أما الرعاة الذين اجتمعوا من أجل هذا الأمر فقد أعدوا بإجماع الآراء رسالة موجهة إلى ديونيسيوس أسقف روما ومكسيموس أسقف الأسكندرية وأرسلوها إلى جميع الأقطار، وفى هذه بينوا للجميع غيرتهم وهرطقة بولس، والحجج والمناقشات التى دارت معه، كما بينوا حياة الرجل وتصرفاته، وخليق بنا أن ندون فى الوقت الحاضر الأقتباسات التالية من كتاباتهم: 2 - " إلى ديونيسيوس ومكسيموس، وإلى زملائنا الخدام فى كل العالم، ألساقفة والقسوس والشمامسة، وإلى كل الكنيسة الجامعة تحت السماء، هيلينوس وهيميناس وثيوفيلس وثيوتكنس ومكسيموس وبروكلوس ونيكوماس وأليانوس وبولس وبولانس وبروتوجينيس وهيرالكس وأوطاخى وثيودوروس وملخيون ولوسيوس وجميع الباقيين المقيمين معنا فى المدن والأمم المجاورة، أساقفة وقسوس وشمامسة، وكنائس الرب الأله سلام للأخوة المحبوبين فى الرب " 3 - وبعد ذلك بقليل بدأوا قائلين: " لقد ارسلنا ودعونا أساقفة كثيرين من أماكن بعيده ليخلصونا من هذه التعاليم المميتة كديونسيوس السكندرى وفرمليانوس الكبادوكى، هذين المباركين، أما ألول فإذ أعتبر منشئ هذه البدعة غير جدير بأن يوجه إليه أى خطاب أرسل رسالة إلى أنطاكية موجهة لا إليه بل إلى كل الإيبروشية، وقد أثبتنا صورتها فيما بعد. 4 - وأما فرمليانوس فقد اتى مرتين، وشجب بدعته، كما تعرف، ونشهد نحن الذين كنا موجودين، وكما يعرف آخرون كثيرون، ولكنه إذ وعد بتغيير آرائه صدقه، ورجا أن تتخذ الأجراءات اللازمة دون أن تلحق أيه إهانة للكلمة، ولذلك أرجأ الأمر إذ خدعه ذاك الذى أنكر حتى إلهه وربه، ولم يحفظ الإيمان الذى كان يعتقده سابقاً. 5 - ولقد كان فرمليانوس ألان فى طريقة ثانية إلى أنطاكية، ووصل حتى طرسوس، لأنه علم بالأختبار شرة وأنكاره للرب، ولكنه مات بينما كنا مجتمعين ومنتظرين وصوله. 6 - وبعد التحدث عن امور اخرى وصفوا فيما يلى نوع الحياة التى عاشها: " ولأنه قد انحرف عن جادة الإيمان، وأرتد بعد المناداة بتعاليم وضيعة زائفة، فليس من الضرورى - طالما كان قد أخرج خارجاً _ إصدار لأى حكم على تصرفاته. 7 - فمثلاً مع انه كان سابقاً فقيراً معدماً، لم يرث أيه ثروة من آبائه، ولم يجن أى ثروة من تجارة أو أى عمل آخر، إلا أنه الآن أصبح يمتلك ثروة طائلة بسبب شروره وأنتهاكه حرمة المعابد وسلبه للأخوة، وحرمان المظلومين من حقوقهم، ووعده لهم بمساعدتهم نظير أجر معين مع أنه يضللهم، وينهب أولئك الذين فى ضيقهم يكونون مستعدين أن يعطوا ليصطلحوا مع ظالميهم، ظانين أن التقوى تجارة (1 تى 6: 5) 8 - أو كغطرسته وكبريائه وإنتفاخه وإدعائه الكرامة العالمية، مفضلاً أن يدعى نائب الملكة عن أن يدعى أسقفاً، وزهوه وهو يسير فى السواق قارئاً بعض الرسائل بصوت مسموع وهو يمشى علناً يحف به حرس وتتقدمه وتتبعه الجماهير، حتى أصبح الإيمان مكروهاً بسبب كبريائه وغطرسة قلبه. 9 - أو كممارسة الألاعيب الخداعة فى الإجتماعات الكنسية، محاولاً تمجيد نفسه وتضليل الآخرين وإذهال عقول البسطاء، معداً نفسه محكمة وعرشاً مرتفعاً، الأمر الذى لا يليق به كتلميذ للمسيح، ومكاناً سرياً كحكام العالم، ضارباً بيده على فخذه وبقدميه عند دخول المحكمة أو كتوبيخه وأهانته لمن لا يصفقون له، ويلوحون بمناديلهم، كما يحدث فى المسارح، ولا يصيحون ويقفزون كالرجال والنساء المحيطين به، الذين يصغون إليه بهذه الطريقة الشائنة، بل يصغون بوقار كأنهم فى بيت الرب، أو كمهاجمته العنيفه العلانية لمفسرى الكلمة ممن غادروا هذه الحياة وتعظيمه لنفسه لا كأسقف بل كفيلسوف ومشعوذ. 10 - وإبطاله الترانيم الموجهة إلى ربنا يسوع المسيح كأنها إختراعات عصرية للرجال العصريين، وتدريبه النسوة لأنشاد الترانيم لشخصه وسط الكنيسة يوم عيد الفصح العظيم، مما تقشعر الأبدان عند سماعها، ومحاولته أقناع الساقفة والقسوس فى ألقاليم والمدن المجاورة الذين يتملقونه لعلهم يتبعون نفس الخطة فى أختلاطهم بالشعب. 11 - وقد رفض الأعتراف بأن ابن الله نزل من السماء، وهذا ما سنبينه فيما بعد، وليس هذا مجرد كلام، بل قد قامت عليه ألدلة الكثيرة من الكتابات التى أرسلناها إليكم، وألأدهى من هذا قوله أن يسوع المسيح من أسفل (قارن مع يو 3: 31 لبذى يأتى من فوق هو فوق الجميع)، أما من يرنمون له ويمدحونه بين الشعب فيقولون أن معلمهم الفاجر نزل ملاكاً من السماء، وذلك المتغطرس لم يأمر بمنع هذه، بل لا يستنكف حينما تقال بحضوره. 12 - وهنالك النساء اللاتى يسميهن أهل أنطاكية " أمينات الدار " المنتميات له وللقسوس والشمامسة الذين معه، وبالرغمن من أنه يعرف هؤلاء الأشخاص وأثبت عليهم جريمتهم، إلا أنه تستر على هذه هذه الخطية وخطاياهم الأخرى الشنيعة، ولكى يكونوا مدينين له، ولكى ى يجرأوا على أتهامه بسبب أقواله وأفعاله الخبيثة خوفاً على أنفسهم، على أنه قد جعلهم أيضاً أثرياء، لهذا أحبه الطامعون فى هذا الثراء وأعجبوا به. 13 - نحن نعلم أيها الأحباء أن ألسقف وكل الأكليروس يجب ان يكونوا أمثلة للشعب فى كل العمال الصالحة، ونحن لا نجهل كم من أشخاص قد سقطوا، أو تشككوا، بسبب النسوة اللاتى أتوا بهن، لذلك فحتى لو أفترضنا أنه لم يرتكب أى عمل خاطئ إلا أنه كان يجب أن يتجنب التشكك الناشئ من أمر كهذا لئلا يعثر أحد، أو يدفع الآخرين للأقتداء به. 14 - وكيف يستطيع توبيخ أو تحذير أى شخص آخر من الأختلاط الكثير بالنساء لئلا يسقط كما هو مكتوب (حكمة يشوع بن سيراخ ص 25), إن كان هو نفسه قد طرد واحده، ومعه ألآن أثنتان جميلتان متوردتان الوجه، يأخذهما معه أينما ذهب، وفى نفس الوقت يعيش فى البذخ والتنعم!! 15 - وبسبب هذه ألمور يكتئب الجميع وينوحون، ولكنهم إذ يخشون ظلمه وبطشه، ولا يجرؤون على أتهامه. 16 - لكن كما قلنا إذ كان يجوز للمرء أستدعاء الرجل لمحاسبته عن هذه التصرفات لو كانت عقيدته سليمة، ولو كان معدوداً معنا، فإننا لا نراه من الضرورى أن نطلب منه تفسيراً لهذه الأمور طالما كان قد أهان السر، وطالما كان يتمشدق مفاخراً بهرطقة أرتيماس (راجع تاريخ الكنيسة - يوسابيوس القيصرى ك5 ق 28) (لأنه لماذا لا نذكر أباه؟) 17 - وبعد ذلك اضافوا هذه الكلمات فى ختام الرسالة: " لذلك أضطررنا لحرمه طالما كان مقاوماً للرب الإله، ورافضاً الطاعة، وأضطررنا لأقامة أسقف آخر للكنيسة الجامعة بدلاً منه، ونعتقد أننا بإرشاد إلهى قد اقمنا دومنوس المتزين بكل الصفات اللائقة بأسقف، وهو أبن لديمتريانوس المبارك، الذى سبق أن رأس نفس الأيبروشية بكيفية ممتازة، وقد أعلمناكم بهذا لكى تكتبوا إليه وتتقبلوا الرسائل منه، ولكن ليكتب ذلك الرجل إلى أرتيماس، وليكتب إليه المشايعون لأرتيماس. 18 - وحالما سقط بولس من ألسقفية، ومن أفيمان المستقيم، أقيم دومنوس _ كما قيل - أسقفاً لأنطاكية. 19 - ولكن رفض بولس تسليم بناء الكنيسة إلتجئ إلى المبراطور أوريليان، فحسم المر بالعدل، وامر بتسليم البناء لمن يراه أساقفة إيطاليا ومدينة روما، وهكذا طرد هذا الشخص من الكنيسة، بفضيحة شنيعة بأمر السلطات العالمية. 20 - هكذا كانت معاملة أوريليان لنا وقتئذ، ولكنه فى أثناء حكمه غير تفكيره من جهتنا، واوحى أليه بعض المستشارين ليثير علينا أضطهاداً وصارت مباحثة كبيرة عن هذا من كل جانب. 21 - وإذ كان على وشك تنفيذ هذا، وكان على أهبه التوقيع على ألوامر ضدنا، حلت به الدينونة الإلهية، ومنعته من اتمام غرضه وهو على حافة تنفيذه، وبذلك بين الرب بكيفية ظاهرة يراها الجميع بوضوح أن حكام هذا العالم لم يستطيعوا مقاومة كنائس المسيح، إلا أن سمحت بذلك اليد التى تحميها، بتدبير سماوى، من أجل التأديب والتقويم، وفى الأوقات التى تراها مناسبة. 22 - وبعد أن حكم أوريليان ست سنوات (4) خلفه بروبس، وهذا حكم عددا من السنين وخلفه كاروس وأبناه كارينوس ونيوميريانوس، وبعد أن حكموا أقل من 3 سنوات آل الحكم إلى دقليديانوس وشركائه (5)، وفى عصرهم حدث الأضطهاد الذى نعانى مرارته، مع ما تبعه من هدم الكنائس. 23 - وقبل ذلك بوقت قصير مات ديونيسيوس أسقف روما بعد أن ظل فى مركزه 9 سنوات وخلفه فيلكس. المجمعين الأنطاكييّن الثاني والثالث تدخل الأساقفة: وهكذا انقسمت أنطاكية واتسع الشق فتدخل أساقفة الكنائس المجاورة، إذ اشتدت المشادة في أنطاكية دعا الينوس أسقف طرسوس أخوته الأساقفة في كنيسة أنطاكية إلى اجتماع في أنطاكية للنظر في قضية أسقفها. فلبى الدعوة كثيرون ومن أشهرهم كما يقول أفسابيوس، فرميليانوس أسقف قيصرية قبدوقية وغريغوريوس العجائبي أسقف قيصرية الجديدة في بلاد البونط -إذ كانت بلاد البونط حتى مجمع نيقية تتبع لأنطاكية- وأخوه اثينودوروس ونيقوماوس اسقف ايقونية وهيميناوس أسقف أورشليم وثيوتيقنوس أسقف قيصرية فلسطين ومكسيموس أسقف بصرى حوران. وأرسلوا دعوة إلى ديونيسيوس أسقف الاسكندرية لما عُرِف عنه من حكمة ودراية ودفاعه. وأراد أن يحضر الاجتماع إلا أنه اعتذر لتقدمه في السن. فأرسل لهم أفسابيوس الشماس الاسكندري لينقل لهم رسالته في مسألة بولس. وهذا الشماس كان معروفاً بتمسكه بالإيمان القويم وتضحيته في سبيل المحافظة على نقاوة الإيمان. هرطقة بولس: يذكر علماء الكنيسة اهتمام الآباء -خصوصاً- في القرن الثالث بالثالوث الأقدس-له المجد- وسعيهم للتوفيق بين وحدانية الله في التوراة وألوهية المسيح في الإنجيل. واختلافهم في هذا التوفيق. ثم يذكرون فكرة التبني Adoptianism التي قال بها ثيودوتوس وأرطمون وفكرة المونارخية التي نادى بها براكسياس في القرن الثاني ثم سبيليوس في القرن الثالث، ويقرأ -العلماء- في تاريخ افسابيوس أن الأساقفة المجتمعين اتهموا بولس بالأرطمة. وفي أقوال القديسين هيلاريوس وباسيليوس يجدون في موضوع بولس اعتراضاً على لجوئه إلى اللفظ اليوناني Homoousios للتعبير عن علاقة المسيح بالآب. فيقول الدارسين أن بولس زعم أن الله اقنوم واحد وأن الله تبنى المسيح تبني. المجمع الأنطاكي الثاني: (264)عقد المجمع جلساته كما أسلفنا في أنطاكية. وكثر الجدل فيه. وأخفى البولسيون هرطقتهم. وحاول الأحبار أن يظهروها إلا أنهم لم يفلحو، ورقد بالرب ديونيسيوس الاسكندري، فخسروا الأحبار سنداً لا يوجد فيما بينهم من هو بحزمه وعزمه. وكانت زينب لا تزال في مركزها وفي أوج عزها ومجدها. وأيّد بولس جميع أعداء رومة. واعترف بولس بأنه قال قولاً جديداً وقطع العهود على نفسه بالعودة إلى الإيمان القويم. المجمع الأنطاكي الثالث: (268) عاد بولس إلى سيرته الأولى، ضارباً عرض الحائط الوعود التي قطعها على نفسه. فكتب إليه الأساقفة رادعين واعظين، لكن دون جدوى. ففكروا بالعودة إلى أنطاكية لاتخاذ الإجراءات اللازمة. فدعى الينوس مرة ثالثة إلى اجتماع في أنطاكية في سنة 268 فأمَّ عاصمة الشرق عدد كبير من الأساقفة. لعل عددهم وصل إلى السبع وثمانين وخلا مكان غريغوريوس العجائبي. وتوفيَ فرميليانوس بعده وهو في طريقه إلى أنطاكية. فتبوأ إلينوس المكان الأول بين المجتمعين، وجاء بعده هيمنايوس ومن ثم ثيوتيقنوس وكسيموس ونيقوماس أسقف أيقونية وثيوفيلوس أسقف صور وبروكلوس ونيقوماس واليانوس وبولس وبولاتوس وبروتوجينس وهيراكس وافتيخيوس وثيودوروس وملكيون ولوقيوس. أما أسامي الأساقفة الباقين فهم غير مذكورين في المراجع وخشي الأساقفة ألا يقارعوا بولس في فصاحته ودهاءه. فوكلوا أمر المقارعة إلى ملكيون -كما فعل غيرهم في ظروف مماثلة-. واستقدموا عدداً من الكتّاب لتدوين المناقشة. وناقش ملكيون بولس في العقيدة وأثبت -ملكيون- رأيه فثبت وقوع بولس في الهرطقة أدان المجمع بولس ووصمه بالهرطقة لأنه "امتنع عن القول بأن ابن الله نزل من السماء وتجسد، ولأنه قال بأن يسوع المسيح بشر وإنسان". وأكد المجمع شذوذ بولس في حب المال والجاه والفخفخة. وشجب المجمع أيضاً اقدامه على مساكنة النساء والسماح لبعضعن أن يرتلن في الكنيسة -تقاريظه ومديحه-. وصرَّح المجمع أيضاً أن إصلاح من يشعر بوحدة الكنيسة ويعد نفسه منها ممكن. ولكن ذلك الذي يستهزئ بسر التقوى -1Ti 3: 16 وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ،- ويفخر بهرطقة أرطمون المنتنة لا فائدة من محاسبته وخلع المجمع الأنطاكي الثالث بولس وانتخب دومنوس ابن ديمتريانوس سلف بولس اسقفاً على أنطاكية. وكتب بذلك رسالة إلى أسقف رومة ديونيسيوس ومكسيموس أسقف الاسكندرية وجميع الأخوة الأساقفة والكهنة والشمامسة وإلى كل الكنيسة الجامعة. ليكتب هؤلاء بدورهم إلى دومنوس معترفين برئاسته على كرسي أنطاكية جاء في المراجع المتأخرة أن مكسيموس الاسكندري وخليفة ديونيسيوس الروماني الاسقف فيليكس اتصلا بدومنوس واعترفا برئاسته في سنة 269. التي لم تدم أكثر من ثلاث سنوات وخلفه تيمايوس في السنة الأولى من حكم اوريليانوس 270-271. امتناع بولس عن الطاعة: ومع ذلك -اعتراف الكنيسة الجامعة برئاسة دومنوس- امتنع بولس عن طاعة المجمع المقدس، وظلَّ يعتبر نفسه رئيساً على كنيسة أنطاكية. وطاوعه في ذلك أتباعه، وأيدته زينب صاحبة السلطة، فظلت أوامره نافذة. وجلَّ ماربحه المؤمنون أنه أصبح لهم أسقفاً سليم العقيدة تقياً يلتفون حوله بإيمان وخشوع، ويمارسون الطقوس كسائر أبناء الكنيسة الجامعة. ولكن السلطات التدمرية لم تعترف بهم. وراحوا يعقدون معظم اجتماعاتهم في السرّ، وفي بعض الكنائس الصغيرة المنسية. زوال بولس: في سنة 268 سقط غاليانوس ضد أوريولوس، ولكن كان ولاء الجنود ل بكلوديوس الثاني. فقتل غاليانوس وما لبث أن مات بالطاعون فخلفه أوريليانوس في أواخر سنة 270 وأوائل 271 أنفذت زينب زبدة قائد قواتها إلى مصر ليستولي عليه، وكان حاكم مصر الروماني بروبوس قد خرج ليؤدب بعض العصاة في ليبية وقرطاجة وتطهير بحر الأرخبيل من القوط، ففعل زبدة واستولى على مصر وترك فيها حامية وعاد إلى سورية. ولما عاد بروبوس إلى مصر بعد خروج زبدة منه، حارب الحامية التدمرية ومن ناصرها من المصريين، فمات محارباً. وهنا أضحت زينب في حرب ضد رومة وكانت زينب قد أرسلت جيشها عبر طوروس إلى آسية الصغرى واحتلت أنقرة ثم بيثينية. ووصلت طلائع الجيش إلى خلقيدونية. وكان وقتها قد وصل إلى خلقيدونية اعتلاء اوريليانوس العرش الروماني، فصمد الخلقيدونيين في وجه التدمريين وقام اوريليانوس في صيف 271 من إيطاليا إلى البلقان، ثم إلى آسية الصغرى. فتراجع جيش زينب إلى سورية الشمالية، وصمد في أنطاكية. ولما وصل اوريليانوس إلى أنطاكية لجأ إلى حيلة انتصر على اثرها على التدمريين مما جعل زبدة أن يهرب من أنطاكية إلى حمص، حيث كانت زينب، ومعه بعض الأنطاكيين الموالين لزينب بالهروب معه. فلحق به اوريليانوس إلى حمص واصطدم هناك معه وانتصر عليه. فتراجعت زينب إلى تدمر. ولحق بها اوريليانوس وقتل البدو حتى وصل إلى تدمر بعد أسبوع واحد. وشدد الحصار على تدمر. فطلبت زينب من بشابور الساساني معونته، فأنجده، إلا أن اوريليانوس تمكن القضاء على هذه النجدة قبل وصولها إلى تدمر. فتخفت زينب وذهب لتطلب النجدة من الفرات. إلا أن الرومان أدركوها عند نهر الفرات وعادوا بها إلى معسكر اوريليانوس. فدخل تدمر ظافراً. وجر وراءه زينب وابنها ومستشارها لونجينوس. وقد حاكم هذا الأخير في حمص وأمر بقتله وبزوال الحكم التدمري زال نفوذ بولس السميساطي وقويت شوكة تيمايوس وجمهور المؤمنين. فتقدم الاسقف تيمايوس بطلب للأمبراطور أن يخرج بولس من قلاية الأسقفية ويكف يده عنها. فأمر بأن تعطى القلاية إلى أولئك الذين على صلة بالمكاتبة بأساقفة العقيدة المسيحية في ايطاليا ومدينة روما وأما مصير بولس بعد الخلع لا نعلم عنه شيئاً. زينب التدمرية: بعد أن غلب الأمبراطور فاليريانوس على يد الفرس في سنة 260 وأُسر،وجلس على العرش ابنه غاليانوس. استطاع لاذينة صاحب تدمر أن يثبت مقدرته في الحرب والسياسة، فجعله غاليانوس امبراطوراً على الولايات الشرقية. إلى أن اغتاله أحد أقربائه. فحلَّ محله ابنه وهبة اللات من زوجته زينب. إلا أنه كان صغيراً وقاصر، تولّت الحكم عنه والدته. واتسعت رقعة سلطته، فشملت كل سورية ولبنان ومصر وقسماً من آسية الصغرى. وفي منتصف سنة 271 أعلنت زينب استقلالها عن الإمبراطورية الرومانية. وكان وقتها الامبراطور اوريليانوس، فهب إلى قتالها واسترجاع تدمر تحت العرش الروماني. فدخل تدمر وأسر زينب واقتادها إلى رومة من السنة نفسها. وفي هذا الوقت كان بولس السميساطي أسقفاً على أنطاكية. بولس السميساطي أسقفاً على أنطاكية: (260-268). أصله من مدينة سميساط. ويفترض به أنه كان يعرف عن اليهود ودينهم والتوراة قبل وصوله إلى الكرسي. وأن زينب اشتهرت بعطفها على اليهود. وساعدته على الوصول للكرسي الرسولي الأنطاكي. لتضمن نوعاً من التعاون بينها وبين مسيحيي عاصمة الشرق. ولما وصل إلى السدة، جعلت منه زينب موظفاً مدنياً عالياً وأسندت له مهام مالية وإشرافية ولقبته ب "ذوقيناريوس". وازدادت سلطته فأصبح ممثل ملوك تدمر في أنطاكية. حتى قال فيه الأساقفة الذين نظروا بأمره فيما بعد-كما سنرى- أنه لم يكن بمقدور أحد أن يجرؤ فيشكو جور هذا الأسقف فتاه بولس بنفسه وتكبر. وصنع لنفسه عرشاً عالياً في الكنيسة وأذن لمريديه بتقريظه. ومنع تسابيح السيد في في الكنيسة. مدعياً أنها -التسابيح- من وضع إنسان متأخر، واستعاض عنه بمزامبر داود وتسابيح خصوصية أُعدّت لتمجيده، تم إنشادها في الكنيسة. وراح ينتقد الآباء الأولين، ولعله خصَّ أوريجانوس أكثر من غيره مما أثار حقد الأساقفة من حوله إذ كان أوريحانوس قد علّم في أنطاكية وكان كثيرين من الأساقفة في عصر بولس تلاميذ عند أوريجانوس العلامة الكبير. ومما أثار انتباه الأساقفة أن بولس نشأ فقيراً واغتنى بطريقة غير شرعية. وخامرهم الشك بإقامته علاقات مع نساء، إذ ساكن النساء واصطحب بعضهن على الرغم من حداثتهن ومظهرهن المغري تمكن بلباقته وخطابه البليغ أن ينشئ حزب حوله. وكان فيه عدد من أساقفة وكهنة وشمامسة الريف. مما أدى إلى شق كنيسة أنطاكية إلى معسكرين أبناء الريف وأمهات المدن وأبناء المدن الكبرى، وبعبارة أدق، إلى وطنيين شرقيين من سريان وعرب وإلى يونانيين ورومانيين ومتهلنين. فكان من الطبيعي أن يرى المعسكر الأول في زينب زعيمة تسعى إلى التحرر من سلطة الرومان وكل ما يمت للغرب بصلة. وصفَّ بعض اليهود والوثنيون إلى جانبهم واظهروا استعطافهم عليهم وناصروا زينب في حركتها (التحررية). بولس ولونجينوس: أرسلت زينب في طلب لونجينوس الحمصي من أثينا ليأتي إلى تدمر ويتسلم زمام الأمور في الدفاع عن موقفها. بما عُرِف عنه من حجة وفصاحة ورجاحة، فأصغت إلى إرشاداته في السياسة. ومن المحتمل أن يكون بولس قد عرف لونجينوس وتأثر بالفلسفة الأفلاطونية الجديدة. الذين يعطفون على توحيد اليهود وينكرون ألوهية المسيح. من هنا نستطيع أن نفهم ضلالة بولس في قوله أن المسيح "مخلوق" صالح، حمل روح الله في أحشائه. وتمسك بولس بظاهر التوراة ورفض التأويل الاسكندري. مقاومة أنطاكية بولس: حاول بولس أن يقاوم كل من أيّد رومة والحضارة اليونانية، والذين كانوا كثراً في أنطاكية. وحاولت زينب بدورها عن طريق لونجينوس أن تسميل هؤلاء بفصاحته. إلا أنهم ظلوا يعتبرونها بربرية ومتطفلة على الحضارة. وبالنسبة لليهود لم يُفضل البعض حكم زينب القريب على حكم رومة البعيد. بالرغم من استمالة بولس إلى عدد لا بأس به من الأساقفة إلى صفّه إلا أن كنيسة المسيح في أنطاكية كان ولا يزال فيها أساقفة أبرار حافظوا ويحافظون على تعاليم الرسل ودافعوا عن الإيمان ببسالة. وبهذا المقامة التي كانت ضد بولس كانت في صميمها مقاومة عقائدية، تهدف إلى تطهير كنيسة مدينة الله العظمى من بدعة بولس الفاسدة فتزعم هذه المقاومة الروحية في أنطاكية اثنان من أبناءها وهما دومنوس ابن ديمتريانوس الأسقف السابق وملكيون أحد معلمي الفلسفة والمنطق والفصاحة والبيان في مدارس أنطاكية الهلينية، وأحد أبناء كنيسة أنطاكية الأبرار. وهو الذي -كما حفظ لنا بطرس الشماس- تولى أمر المناقشة الرسمية في المجمع لاحقاً.
المزيد
22 يناير 2025

عُرس قانا الجليل

المعجزة: لقد قصدت العذراء أن تعلن ابنها للعالم بصفته المسيَّا، وكانت تستعجل مجده لأنها كانت تعلم ذلك بيقين، وتتحيَّن الفرصة باشتياق بالغ الشدَّة لكي تُشرك كل إسرائيل فيما أدركته وتحقَّقته من سر مجد المسيح رجاء الدهور كلها ولكن لم تكن العذراء الطيبة تُدرك أن بدء استعلان المسيح هو هو بدء ظهور شبح الصليب، ويوم الإعلان عن حقيقته ومجده هو هو بدء العد التنازلي لأسبوع الآلام!! «ما لي ولك يا امرأة لم تأتِ ساعتي بعد!» (يو2: 4). وما كان ألزم للعذراء جدًّا في نظر المسيح أن تبتعد عن سكة الصليب! وما كان أحوجها جدًّا في نظره أن لا تكون هي نفسها سبباً معجِّلاً للسيف الذي سيجوز في نفسها عندما تراه معلقاً على الصليب!ولكن من أجل إيمانها وثقتها المطلقة فيه ومن أجل تقديره الخاص لها، لم يردها عن سؤالها. وبعد عتاب قصير ومختصر استجاب لها، فكان بداية مجده وبداية آلامه معاً وعلى حد سواء!!ولكي نرفع الغموض الذي يحيط بمخاطبة الرب للعذراء قائلاً لها: «يا امرأة»، ينبغي أن ندرك أن المسيح يتكلَّم هنا من موقع الألوهة فهو على وشك إتيان معجزة خلق فائق الطبيعة، فهنا ابن الله يخاطب أماً بشرية!! وفي هذا الأسلوب يشير المسيح إشارة بليغة للعذراء أنه قد دخل في مجاله الإلهي لبدء خدمته العليا التي لا تحتمل بأي حال من الأحوال مشورة امرأة أو أي بشر، لقد قال لها مرَّة وهو ابن اثنتي عشرة سنة «ينبغي أن أكون فيما لأبي» (لو 2: 49)، أما هنا فقد دخل، وإلى الأبد، في علاقته السرية مع الآب، حيث ليست مشورة إلا من الآب فقط!!كذلك لا نستطيع أن نعبر بسهولة على طريقة العذراء القديسة في عرضها لسؤالها «ليس لهم خمر» (يو 2: 3). فهنا سؤال هو هو الصلاة بعينها، ولعلها أقصر صلاة وردت في الكتاب المقدَّس كله وأكثرها وثوقاً وتأكيداً وأمانة.ليت صلاتنا تكون هكذا مختصرة أشد الاختصار، واثقة أشد الوثوق، لا تزيد عن عرض واقعي لما هو حادث «ليس لهم خمر»!وبالرغم من رد المسيح الذي يكاد أن يحمل عدم الاستجابة أو على الأقل استنكاراً لسؤالها، إلا أن العذراء القديسة كانت تدرك أعماق المسيح الوديع، فلم يهتز يقينها من جهة استجابته لأعواز الناس، هذا ما تحقَّقت منه العذراء تماماً مدَّة ثلاثين سنة معه «مهما قال لكم فافعلوه» (يو 2: 5). وهنا ينكشف مدى قناعة العذراء في استطاعة المسيح اللانهائية، ويكشف مدى إدراكها لسر المسيح في استعداده المطلق للاستجابة!! ماء التطهير: الماء هنا للتطهير بغسل الأيدي والكؤوس والأباريق والصحائف النحاسية، ستة أجران، وليس سبعة، إشارة إلى أن استهلاكها يمتد على مدى ستَّة أيام الأسبوع فقط، أما السابع - السبت - فهو راحة، ولا يحتمل إجراءات التطهير، والجرن الواحد الحجري يسع من صفيحتين إلى ثلاثة، إذن فهي مساوية حجماً للأزيار الصغيرة المُستخدَمة الآن المسيح يجد في ماء التطهير مصدراً حسناً لإجراء المعجزة، لكي يوقف معنى التطهير الشكلي، فالماء تحوَّل كله إلى خمر. لقد انتهى الماء من الأجران، وبالتالي انتهى عصر التطهير بالماء في حياة الإنسان. الخمر في أجران وليمة العُرس هنا إشارة سريَّة تمتُّ بصلة وثيقة إلى خمر ليلة العشاء الأخير المقدَّم بوصفه الدم المزمع أن يسفكه على الصليب للتطهير الحقيقي بمغفرة الخطايا تحول ماء التطهير إلى خمر هنا هو عملية تمهيدية، أكملها المسيح ليلة العشاء بتحويل الخمر إلى دم حقيقي لمغفرة الخطايا إذن فالمسيح بتحويله ماء التطهير كله إلى خمر، كان يشير في الحقيقة إلى نفسه كمصدر حقيقي للتطهير «بعدما صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي» (عب 1: 3) كذلك فإن عملية تحويل الماء إلى خمر كأول عمل يأتيه المسيح بمعجزة في بداية خدمته الخلاصية، كانت عملية تنبيه عميقة لأذهان المترجِّين لخلاص إسرائيل، فهنا عصر موسى من جديد، عصر الخلاص، موسى الذي حوَّل الماء في أنهار مصر إلى دم، وفي بداية خدمته أيضاً، لإظهار قوة الله ومجده على يديه، لعل شعبه يؤمن به ويستجيب لعمل الخلاص المزمع أن يقودهم فيه، لذلك يشير إنجيل يوحنا إلى ذلك خفيًّا عند قوله: «وأظهر مجده فآمن به تلاميذه.» (يو 2: 11) وينبغي هنا أن نلفت نظر الباحث إلى أن يوحنا الحبيب وحده هو الذي سجَّل لنا هذه الحادثة في إنجيله، والعلَّة في ذلك ظاهرة لأن التلاميذ لم يكن عددهم قد تكامل بعد عند إجراء هذه المعجزة، فالذي حضرها على وجه التحقيق خمسة تلاميذ كان أولهم يوحنا. ومعلوم أن يوحنا الرسول فوق أنه كان شاهد عيان لهذه المعجزة، فهو الوحيد أيضاً الذي اطَّلع على دقائق الحوار الذي حدث بين المسيح والعذراء سرًّا، وذلك بسبب تواجد العذراء معه وفي بيته مدَّة طويلة بعد الصليب، وهي التي أخبرته بكل الأمور كذلك ينبغي للقارئ أن يكون على بيِّنة من الأسلوب السرِّي العجيب الذي يكتب به يوحنا الرسول إنجيله، فهو يطرح الحديث والقصة والمعجزة ببساطة متناهية، ولكن مقاصده عميقة وأهدافه جليلة للغاية. وهنا في قصة عُرس قانا الجليل إشارتان خطيرتان تهدف إليهما القصة من أولها لآخرها: الإشارة الأولى تختص بالمسيح العريس أو ”الختن“ الحقيقي معلَناً من خلال ”وليمة المسيَّا“. والإشارة الثانية «الخمر الجيد» الإفخارستيا، وسر الكنيسة، ومحور الخلاص، والفداء الكنيسة انتبهت منذ البدء للخلفية السريَّة التي تتحرَّك في إطارها قصة عُرس قانا، فربطت الكنيسة في تعاليمها وفي أيقوناتها بين معجزة عُرس قانا الجليل (الخمر فرغ) وبين معجزة الخمس خبزات والسمكتين (الجموع الجائعة)، باعتبارهما التفسير الحي الواقعي الذي قدَّمه الإنجيل لمفهوم الإفخارستيا الروحي والإيماني، حيث يتركَّز في عُرس قانا مفهوم ”التحوُّل“ على أعلى وأوضح مستوى من التفسير. أما في معجزة الخمس خبزات فيتركَّز مفهوم اللامحدودية واللانهائية في سر الخبز (الجسد)، حيث الشبع المتولد منه والفائض يفوقان الأصل المنظور والمحسوس بدون قياس ويلاحظ في المعجزتين أن الحاجة والجوع كانا الدافع لإجراء المعجزة، والإشارة هنا إلى الحالة الداخلية. فالحاجة إلى الخمر إشارة إلى الحاجة إلى الروح القدس للعزاء والسرور ورفع الهموم والغموم، والجوع الشديد إشارة إلى العوز إلى ”الجسد“ أي الكلمة طعام الحق للحياة الأبدية. المسيح في كلتا الحالتين وقف يسد أعوازنا كمصدر حقيقي للملء والسرور حتى الشبع، وهو لا يرضى أبداً أن يكون فرحنا وملؤنا من السوق، سوق العالم، مهما كان معنا من ألوف الدينارات!! «لا يكفيهم خبز بمئتي دينار.» (يو 6: 7) كذلك فإن التركيز على تحويل ماء التطهير إلى خمر ”جديدة“ في عُرس قانا لا يجعل العقل يفلت من إدراك قصد المسيح في اختيار عُرس قانا لبدء الإشارة إلى العهد الجديد «لأن الناموس بموسى أُعطي. أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا.» (يو 1: 17) وإنجيل يوحنا لا يطرح القصة بدون تمهيد إلهامي مثير للدهشة، إذ يبدأها بقوله: «وفي اليوم الثالث كان عُرس في قانا» (يو 2: 1). أما الذهن الروحي النشيط فلا يمكن أن يعبر على هذه اللفتة دون أن يدرك قصد الإنجيل. فاليوم الثالث في بداية هذا الأصحاح لا يعني شيئاً بحسب الحرف، أما عند المسيح والكنيسة كلها بل وبمقتضى نبوَّات العهد القديم فهو يشير إلى القيامة. إذن فقصَّة عُرس قانا بجملتها يضعها الروح بمحاذاة ”مجد“ القيامة، المسيح في إنجيل يوحنا يحقِّق قيامته منذ أول خدمته!! والمسيحي كذلك يدخل إلى مجد القيامة مع ”بني العُرس“ بعد سر المعمودية مباشرة. والكنيسة، بمقتضى الطقس، تحسب المسيح أنه عريسها لا منذ بدء معموديته، بل منذ أخذ اسمه ”يسوع“ المخلِّص شعبه، وذلك في يوم ختانته حيث الختانة هي التأهيل الطقسي لصلاحية العريس. لذلك فالكنيسة تسمِّي المسيح ”الختن“ الحقيقي، أي العريس الطقسي بالنسبة لها، فالكنيسة هي «امرأة الخروف» الذي ذُبح المسيح من أجل فدائها وتقديسها وهي الآن تتزيَّن له (رؤ 21: 2 و9). فـ”الختن“ و”العريس“ كلمتان مترادفتان في اللغة الأرامية التي كان يتكلَّم بها المسيح! «حينئذ قالت عريس دم، من أجل الختان» (خر 4: 26). والتشديد في قصة ”قانا الجليل“ يتركَّز على ”العُرس“ للإشارة إلى من أي مكان يبدأ المسيح خدمته: من حفلة عرس ليعلن نفسه كمصدر فرح للبشرية، وكإشارة إلى مركزه ”كعريس“ للبشرية المفدية. يوحنا المعمدان أيضاً يبدأ خدمته بالنسبة للمسيح، بالإشارة إلى المسيح كعريس، وإلى نفسه كصديق للعريس: «كشارب خمر (بالروح)» مع بني العرس، أي كشريك فرح (سمائي) ولكن ليس «كصاحب أو كمصدر الفرح». تحويل الماء إلى خمر جيد يشير إلى تحويل أحزان البشرية وعرق تعبها وكدها إلى فرح حقيقي: «مَنْ له العروس فهو العريس. وأما صديق العريس الذي يقف ويسمعه فيفرح فرحاً من أجل صوت العريس. إذاً فرحي هذا قد كمل.» (يو 3: 29) إذن فعرس قانا الجليل بالنسبة لنا هو حياتنا الجديدة، هو مصدر الفرح الحقيقي والدائم، حيث ينبع فرحنا باستمرار من ”صوت العريس“، عندما يأمر كل يوم أن يتحوَّل ماؤنا ودموعنا إلى خمر جيد، ليس في أجران متسعة، ولكن في ”كأس“، لأن الشبع والملء هما الآن على مستوى السر والروح. الكنيسة في كل يوم أحد هي في حفلة عُرس، وكأنها تقيم في قانا الجليل! إنجيل يوحنا يركِّز أيضاً على أن المسيح لا يبدأ المعجزة من فراغ أو من دائرة أبعد أو أرفع أو أقل من عالمنا، فهو لم يخلق الخمر من لا شيء، كما سبق ورفض أن يحوِّل الحجارة إلى خبز. ولكن من صميم مائنا يجري ”التحوُّل“، ومن صميم خبزنا يدخل ”البركة“. القصد هنا ينصبُّ على تقييم معنى وأسلوب حياتنا مع الله في العهد الجديد، على أساس عدم نقض أو إلغاء الواقع المادي أو الترفُّع عنه، ولكن تغييره إلى ما هو جديد وحق؛ وعلى عدم احتقار الموجود والمحدود، بل تكثيره بسر الشكر والبركة إلى ما يفوق العقل والحدود. والمسيح هو في سر التحوُّل حتى الملء وفي سر البركة والنعمة حتى الكمال «ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا. ونعمة فوق نعمة» (يو 1: 16)، «فجمعوا وملأوا اثنتي عشرة قفة من الكسر من خمسة أرغفة الشعير التي فضلت عن الآكلين.» (يو 6: 13) فماء اليهود الذي للتطهير المحلي والجزئي على مستوى اليد والكأس، حوَّله المسيح لنا إلى خمر الإنجيل، أساس سر الدم والفداء الذي يطهِّر ضمير العالم كله. وخبز العرق والدموع الذي حمله الصبيان معهم لحاجة رحلتهم القصيرة عبر بحيرة طبرية أخذه المسيح في يديه وغرس فيه البركة، وجعله مصدر شبع وفيض للعالم كله، منذ ذلك اليوم إلى منتهى أجيال الدهور!! «الطعام الباقي للحياة الأبدية.» (يو 6: 27) وعطية المسيح دائماً يبدو جمالها وتبدو جودتها في النهاية بعكس عطية العالم: «كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولاً ... أما أنت فقط أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن.» (يو 2: 10) وليس عبثاً أن يذكر إنجيل يوحنا كيف يبدأ المسيح خدمته في عُرس قانا بحضور أُمه العذراء وينهي خدمته بحضورها أيضاً على الصليب، لأنه كان هو بنفسه شريكاً معها في هذا وفي ذاك، فهو تلميذ حضن يسوع أما هي فأُم العريس بالدرجة الأُولى وشريكة في فرحه وآلامه بالضرورة، حيث لا يمكن فصل مجده في فرحه عن مجده في آلامه لأن في هذا يتمجَّد وبذلك يتمجَّد. لأنه في عرس قانا أظهر مجده، وعلى الصليب أكمل مجده!! في عرس قانا تمجد، وفي أحزان بيت عنيا تمجد!! المسيح إذن هو مجدنا في الفرح والحزن سواءً بسواء! فالمجد يتبع المسيح أينما سار. وأظهر مجده فآمن به تلاميذه: لقد تحيَّر المفسِّرون، وما هو مجده في آية تحويل الماء إلى خمر؟ أهو في المعجزة ذاتها أم في الظروف التي أحاطت بها؟ فإن كانت في المعجزة ذاتها فالذي آمن به هم تلاميذه فقط، إذن فالمعجزة لم تكن بالدرجة الكافية لتبهر غير الأخصَّاء. أما الظروف المحيطة بالمعجزة فهي لا تزيد عن كونها مشاركة اجتماعية مفروضة على ذوي الولاية من القربى أو من رجال الدين. إذن فأين يكمن مظهر المجد الذي استُعلن لتلاميذه من هذه الآية حتى آمنوا به؟ هنا يلزمنا أن ندرك أن أعمال الله تحتاج إلى أُذن مفتوحة مهيَّأة للسمع وعين مُبصرة مستعدة للرؤيا ... أُذن التلاميذ كانت مفتوحة وعيونهم كانت على أعلى درجة من الترقُّب للرؤيا، لأن علاقتهم بالمسيح لم تكن قد تجاوزت في جملتها أكثر من أسبوع واحد. إذن فالمعلِّم كان تحت الفحص الدقيق والملاحظة الشديدة والترقُّب المستبشر جدًّا والمستعد لإدراك أقل حركة فائقة وترجمة أي عمل خارق، وذلك بحساسية مرهفة غاية الإرهاف. لهذا عندما رأوا بعيونهم الماء وهو يُصبُّ في الأجران أمامهم، ثم رأوه يُرفع هو نفسه خمراً، وذاقوه وتحقَّقوه، حدثت في الحال المعجزة، لا معجزة تحويل الماء إلى خمر بل معجزة إيمانهم!! لقد آمنوا بالمسيح كليَّة!! إذ رأوا في هذا العمل أقصى ما يمكن أن يتمنوه أو يتصوَّروه وهو اختراق معلِّمهم لحاجز المادة. إذن، فهذا هو المسيَّا بكل ثقة وتأكيد. لقد انطبقت في أذهانهم كل كلماته العذبة وتعاليمه السابقة المنيرة على هذه القدرة الخارقة! لذلك كانت آية عُرس قانا الجليل آية المجد الأُولى لمعلِّمهم وأعظم الآيات طُرًّا في حياة التلاميذ الخمسة الأوائل، ويوحنا بالدرجة الأُولى!! ولكن ما كان أحوج التلاميذ، وما أحوجنا معهم أن نكون دائماً على هذا المستوى من الحساسية والإرهاف الشديد في تتبُّع أعمال المسيح في حياتنا ودنيانا. إنه كل يوم يحوِّل كل شيء أمامنا وفي حياتنا، ولكن الحاجة أشد الحاجة إلى الأُذن التي تسمع والعين التي تُبصر! إن كل شجرة - وليست العُلَّيقة وحدها - مشتعلة بالنار الإلهية ولا تحترق، ولكن ذا العين المفتوحة هو وحده الذي يرى وهو وحده الذي يخلع نعليه! وماؤنا يتحوَّل كل يوم إلى خمر، وخمرنا إلى قداسة وإلى حياة أبدية، والقريبون المترقِّبون هم وحدهم الذين ينظرون ويذوقون الرب ويتهلَّلون ... القمص المتنيح متى المسكين
المزيد
21 يناير 2025

عُرس قانا الجليل

هذا العيد محسوب من أعياد الإبيفانيا التي كانت تعيِّد لها الكنيسة معاً: الميلاد، وزيارة المجوس، والختان، والعماد، وعُرس قانا الجليل كذلك بخصوص هذا العيد السيدي يسجِّل لنا القديس إبيفانيوس أسقف قبرص (315 - 403م) لمحة عن اهتمام الكنيسة القبطية بالتعييد له مع عيد الغطاس منذ القديم في قوله:[وتقيم الكنيسة القبطية عيد عُرس قانا الجليل في 11 طوبة (مع عيد الغطاس) حيث يعتقد الشعب بإمكانية تحوُّل مياه الينابيع ومياه النيل بحسب الإيمان الطيب الصادق إلى خمر، كذكرى سنوية لمعجزة المسيح]( 1). قانا الجليل تبعد ستة أميال شمال شرق الناصرة، أي على بُعد ساعتين مشياً على الأقدام. العذراء مريم سبقت المسيح وتلاميذه كعادة تواجد النساء معاً منذ بداية العُرس (مدته 7 أيام)، والمسيح يحضر في الوقت المناسب دائماً (بعد فراغ الخمر)، مع تلاميذه الذين لم يكتمل عددهم إذ لم يكن قد مضى سوى ثلاثة أيام على دعوة نثنائيل، وفيلبس قبله بقليل، وأربعة أيام على دعوة أندراوس وبطرس، أما يوحنا فلم يتجاوز الأسبوع منذ أن انتقل من مرافقة يوحنا المعمدان إلى مرافقة يسوع. إذن، فلم يتجاوز عدد التلاميذ يوم عُرس قانا الجليل عدد أصابع اليد الواحدة تأتي هذه المعجزة كبداية آيات وبداية خدمة المسيح، بعد معموديته، كما تأتي كأول مقابل لخدمة يوحنا المعمدان، لأنها تعطي أوضح صورة للمسيح «ابن الإنسان»: هذا بالماء والنسك والامتناع الكلِّي عن الخمر وحياة البراري، وهذا بعرس قانا الجليل وبتحويل الماء إلى خمر، حيث التنبيه الذي تستحدثه المعجزة هنا يتركَّز في الدعوة إلى الانتقال من الماء - رأسمال يوحنا المعمدان - كقوَّة للتطهير وللتغيير بالتوبة والسلوك، إلى المسيح نفسه كقوَّة فائقة عُظمى للتغيير في صميم الطبيعة وبالتالي في سلوكها!!فالمسيح هنا إذ يُخضع الماء ويحوِّله إلى ما ليس ماءً بسلطان كلمته، ينبِّه بشدَّة إلى أن القوة التي يتوق إليها الإنسان للتغيير والتوبة والفرح والعزاء كائنة أصلاً في المسيح وفي كلمته!!كما أن المعجزة تشير كذلك إشارة خفية مُبدعة إلى أن الخمر، بحضرة المسيح، لم يعد هو مصدر الانتعاش والانتقال من الكآبة والهم إلى الفرح والتهليل، إذ يوجد الآن مَنْ هو أقوى فعلاً وأثراً من الخمر، المسيح الذي يخلق طبيعة الخمر ذاتها خلقاً!! وبالتالي كل ما في الخمر من قوَّة، وأكثر!! «(حُبَّك) حبيبي أطيب من الخمر»!! (نش 1: 2)التركيز إذن في هذه المعجزة ينصبُّ في كلمة واحدة: المسيح كمصدر ”التحوُّل“. المسيح ينبِّهنا في بداية آياته وبداية خدمته أنه جاء ليكون هو وحده ”مصدر التحوُّل“ في حياة الإنسان: إذن لا بالنسك ولا بالبراري يكمن سر التغيير، ولا بالتطهيرات بالماء أو بالدعاء، ولا في إيليا ولا يوحنا ولا بالأنبياء، ولكن في المسيح يتم تحوُّل الإنسان، كما تحوَّل الماء سرًّا وبدون أي صلاة أو دعاء أو أي حركة ما، إلى ما ليس ماءً، إلى خمر جديد جيِّد، هذا الذي كان يتوهَّم الإنسان أن فيه راحته. معنى العُرس في التقليد العبري: مراسيم العُرس في التقليد العبري الأصيل وما يلازمه من احتفالات، تحمل معاني أعمق بكثير من كونه ”فرحاً“ أو حفلة أو مناسبة اجتماعية للسرور والمجاملات. والذي ننقله إلى القارئ من تقليد العُرس العبري في أيام المسيح هو من التلمود وكتب اليهود الطقسية القديمة كما يقدِّمها لنا أحد الحاخامات المتنصِّرين(2). وخلاصة القول أن العُرس كان يُعتبر نقطة حاسمة في حياة الشاب والشابة، يصوم كلاهما قبل التقدُّم إليه ويعترف كل منهما بخطاياه. فالزواج كان يُقدَّر في التقليد العبري على كونه بمثابة ”سر“، حتى أنه بمجرَّد تتميم عقد الزواج يحدث غفران تلقائي لكل خطايا الإنسان السالفة. ويعطينا سفر التكوين صورة واقعية بهذا المعنى، فامرأة عيسو التي كان اسمها قبل الزواج ”بسمة“ ونُطقها العبري الصحيح ”باسيمات“ (تك 36: 3) صار اسمها بعد الزواج ”محلة“ ونُطقها العبري الصحيح ”ماحلات“ (تك 28: 9) ومعناها ”محالة الخطايا“ أو ”مغفورة الخطايا“. وكان المعروف أن العلاقة التي تربط العريس بالعروس هي على نمط ما هو قائم بين يهوه وشعبه ككل!! وهذا يردِّده الكتاب المقدَّس مراراً وتكراراً حتى صار من صميم تعاليم الربِّيين. وهكذا كان ارتباط العريس بالعروس يوم القران - في مفهوم الشعب - يقوم على أساس ارتباط الله بإسرائيل. لذلك كان الاهتمام الشديد لحضور أي حفلة عُرس بالنسبة للشعب وقادته ينبع من مفهوم الشركة في تعميق سر ارتباط الله مع شعبه، وتكريم قيام وثبوت وعود الله الخاصة بازدهار الأُمة! بهذا المعنى كانت حفلة العرس يُعتنى بتنسيقها جدًّا، وبتوفير مصادر الفرح لها من قِبَل الأغنياء ورجال المجمع، إذا كان الزوجان فقيرين، لأن ذلك يُحسب تكريماً للعلاقة التي تربط الله بالمجمع وبالشعب!! وبالتالي كانت مراسيم الزواج المفعمة بالخشوع والتقوى والإحساس الديني تتخلَّل حفلة العرس ذاتها من أول لحظة إلى آخرها كحفلة مقدَّسة، حيث يكون السرور والفرح والرقص والتصفيق باليدين وشرب الخمر، بعد الصلاة بالبركة عليه(3 ). كل هذا، على المستوى الديني، لا تشوبه أي شائبة انحلالية، بل كأعمال مقدَّسة تكريماً للرب ”يهوه“. بل إن مجرَّد الخطوبة التي تسبق الزواج والتي نسمِّيها الآن؛ ”جي بنيوت“، أي قراءة «أبانا الذي»، كانت تسمَّى بالعبرية ”عروسين قدوشين“، أي دخول العروسين في القداسة!! وحين كان يقف أحد المسئولين أو الكهنة ليعدِّد أوصاف وفضائل وجمال العروس كان هذا يُحسب ضمن الطقوس المقدَّسة!! كل هذا يجعل حضور المسيح حفلة عُرس لعريسين فقيرين «ليس لهم خمر»، أمراً طبيعياً يدخل في صميم رسالته كعريس حقيقي لكل نفس، خاصة وأنه أول عمل يأتيه مدعَّماً بآية. فإن كان حضور العُرس محسوباً أنه خدمة دينية وواجب لكل إسرائيلي ولكل ذي غيرة، فإنه بالنسبة للمسيح هو بمثابة تقييم جديد لمعنى العُرس في العهد الجديد. إذ بحضوره تمَّ حضور الله. وهكذا أصبح الزواج المسيحي مدموغاً منذ عرس قانا حتى اليوم بطابع ”السر الإلهي“، حيث مفهوم سر الزيجة ينحصر في معنى ”حضور المسيح“، لجعل رباط الزيجة قائماً ودائماً بين ثلاثة وليس بين اثنين «فالذي جَمَعَهُ الله لا يُفرِّقه إنسان» (مت 19: 6)!! حيث المسيح في كل زيجة هو مقيم الوعد وضمين العهد بين الزوجين، لتحويل الحياة من مستواها الزمني العادي إلى مستواها الخالد والأبدي، بسر حضور الله (على مستوى تحويل الماء إلى خمر)! وعندما قصد المسيح أن تكون بداية خدمته واستعلان مجده من داخل عُرس، لم يكن إلا مشيراً بإصبع المناسبة والآية إلى نهاية خدمته، حينما يستدعينا جميعاً إلى عُرسه الخصوصي لحضور «عشاء عُرس الخروف» (رؤ 19: 9)، حيث نكون نحن موضوع هذا العُرس، وموضعنا موضع العروس!! «لأني خطبتكم لرجُلٍ واحد لأقدِّم عذراء عفيفة للمسيح.» (2كو 11: 2) إذن فآية عُرس قانا الجليل تعود أيضاً ومن طرف خفي لتنبهنا إلى مكانة المسيح الحقيقية سواء في ”قانا“ أو في حياتنا، فهو العريس الحقيقي أينما حضر، ونحن معه دوماً أينما كان وأينما كُنَّا، كعروس تتبع دائماً عريسها، إذن فعُرس قانا هو عُرسنا، والعريس فيه هو عريسنا، والعروس فيه هي نفسنا آه يا نفسي متى تدركين موقعك من المذود والأردن، ومن قانا والصليب، والقبر والسماء؟ القمص المتنيح متى المسكين وللحديث بقية
المزيد
20 يناير 2025

تأملات في عيد الغطاس المجيد

إنه عید الغطاس أو عید العماد ھذا العید یسمونه أیضًا بعید الظھور الإلھي (الثیئوفانیا) إذ فیه ظھر الثالوث القدوس الابن یعتمد،والآب من السماء یقول"ھذَا ھُوَ ابْني الْحَبِیبُ الَّذِي بِھِ سُرِرْتُ" (مت ۳: ۱۷ )، والروح القدس "نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِیًا عَلَیْھِ" (مت ۳: ۱٦ ). لذلك فإن عماد السید المسیح یظھر عقیدة الثالوث. وھكذا یكون العماد دائمًا باسم الثالوث حسب قول الرب لتلامیذه قبل صعوده "فَاذْھَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِیعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوھُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت ۲۸: ۱۹ ) ولم یقل بأسماء، لأن الثلاثة واحد كما ورد في ( ۱یو ٥: ۷) "الَّذِینَ یَشْھَدُونَ فِي السَّمَاءِ ھُمْ ثَلاَثَةٌ: الآبُ،وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ وَھؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ ھُمْ وَاحِدٌ" وحسنًا أن الكنیسة سمت ھذا العید بعید الغطاس لأنھا بذلك تذكِّر الشعب فیه أن السید المسیح تعمد بالتغطیس، كما قیل إنه لما اعتمد "صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ" (مت ۳: ۱٦ ). وتذكرھم أیضًا أن المؤمنین في العھد الجدید یتعمدون بالتغطیس وھكذا تعمد الخصي الحبشي في بدایة العصر الرسولي على ید فیلبس "وَلَمَّا صَعِدَا مِنَ الْمَاءِ،خَطِفَ رُوحُ الرَّبِّ فِیلُبُّسَ" (أع ۸: ۳۹) وأیضًا لأن المعمودیة صبغة (باللاتینیة Baptisma ) والصبغة تتم بالتغطیس. ولأن المعمودیة دفن مع المسیح (كو ۲: ۱۲ )، والدفن یتم بالتغطیس في القبر كذلك في كل الآثار القدیمة، نجد أن العماد كان یتم في جرن یسمى(جرن المعمودیة) وھذا یدل على أن المعمودیة كانت بالتغطیس نذكر أیضًا أن السید الرب تقد م إلى معمودیة یوحنا وھو غیر محتاج إلیھا معمودیة یوحنا كانت معمودیة التوبة. ولم یكن السید المسیح محتاجًا إلى توبة فلماذا تعمد؟ تعمد نائبًا عن البشریة في الدخول إلى معمودیة التوبة كما صام عنا، وھو غیر محتاج إلى صوم، وكما مات عنا وھو غیرمستحق للموت كل ذلك لیدفع ثمن خطایانا ھو أیضًا تقدَّم إلى المعمودیة لكي یكمل كل بر (مت ۳: ۱٥ )، لكي لا یبكته أحد على خطیة لكي یكون أمام الكل خاضعًا للناموس، مع إنه فوق الناموس إن السید المسیح ما كان خاطئًا لیتقدم إلى معمودیة التوبة. ولكنه كان (حامل خطایا). حمل خطایا العالم كله. وبھذا شھد عنه یوحنا الذي عمده (یو ۱: 19) لقد حمل السید خطایا العالم، ونزل بھا إلى المعمودیة. وكذلك حمل ھذه الخطایا على الصلیب، ومحاھا بدمه "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِیقِه، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَیْه إِثْمَ جَمِیعِنَا" (إش ٥۳: ٦) السید المسیح مع أنه بار بلا خطیة، وقد تحدى الیھود فیما بعد قائلاً "مَنْ مِنْكُمْ یُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِیَّةٍ؟" (یو ۸: ٤٦ )، لكنه تمم طقس معمودیة التوبة فوجدناه یسیر كما سار باقي الشعب الخاطئ متقدمًا نحو معمودیة التوبة كلھم تعمدوا معترفین بخطایاھم أما ھو فتعمد حاملاً خطایا الشعب كله ومن تواضع الرب أیضًا أنه نال العماد من یوحنا رئیس الكھنة الأعظم، ومانح الكھنوت، ینال المعمودیة من أحد كھنته من إنسان اعترف قائلاً له "أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ" (مت ۳: ۱٤ )، كما اعترف قائلاً "لَسْتُ بِمُسْتَحِقّ أَنْ أَحُلَّ سُیُورَ حِذَائِه" (یو ۱: 2٦). قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
19 يناير 2025

الظهور الإلهي عند ق. يوحنا ذهبي الفم

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم إن كثيرين يحتفلون ويعرفون أسماء الأعياد، ولكنهم يجهلون الأسباب التي من أجلها صارت هذه الأعياد إن احتفال اليوم كما يقول، يسمى "أبيفانيا" أي ظهور، وهو معروف للجميع، ولكن هذه الأبيفانيا، هل هي واحدة أم أثنين. هذا ما لا يعرفونه. فبينما يحتفلون بهذا العيد كل عام، إلاّ أنهم يجهلون أمره هكذا أراد القديس يوحنا ذهبي الفم أن يوضح بعض الحقائق الغائبة عن الشعب فيما يختص بعيد الظهور الإلهي. فالأمر بحسب رؤيته لا يتعلق بظهور واحد، بل بظهورين، واحد هو الذي حدث في مثل هذا اليوم، والثاني سيحدث بطريقة مجيدة في المستقبل، في المجيء الثاني. ويستند في هذا إلى ما قاله الرسول بولس، عن كل ظهور من الاثنين. فيما يختص بالظهور الأول، يقول: " لأنه قد ظهرت نعمة الله المُخلِّصة لجميع الناس معلِّمة إيانا أن ننكر الفجور والشهوات العالمية ونعيش بالتعقل والبر والتقوى في العالم الحاضر" وعن الظهور الثاني في المجيء الثاني يكتب "منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح" (تي11:2ـ13) ويقول يوئيل النبي وعن هذا الظهور الثاني " تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم المخوف" (يوئيل2ـ31) ثم يتساءل ق. يوحنا ذهبي الفم لأي سبب سُمى ”أبيفانيا“؟ يقول بسبب أن المسيح صار معروفاً للجميع، عندما تعمد، لأنه حتى ذلك اليوم، لم يكن معروفاً من الكثيرين. هذا ما يتضح من قول يوحنا المعمدان " وأنا لم أكن أعرفه لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي. الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس" (يو1ـ33). ثم يطرح القديس يوحنا ذهبي الفم تساءل أخر، وهو لأي سبب آتى المسيح ليعتمد، وما هو نوع معموديته؟ ويجيب على ذلك بالآتي كانت توجد المعمودية اليهودية، وهذه المعمودية كانت معنية بنظافة الجسد فقط، وليس بخطايا الضمير، مثل مس عظام الأموات، تناول الأطعمة المحرمة، الاقتراب من الأموات، مثل هذا كان عليه أن يغتسل، ويبقي دنساً حتى المساء، بعد ذلك يتطهر، هكذا جاء بسفر اللاويين " من مس فراشه (الذي له السيل) يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء" (لا15ـ5). وبعد ذلك يتطهر. وقد أعدهم الله بهذه الممارسات لتلك اللحظة، لكي يكونوا أكثر استعداداً، وفي صورة أفضل لفهم الأمور الأكثر سمواً إذاً فالمعمودية اليهودية لم تكن تخلِّص من الخطايا، ولكنها فقط كانت معنية بالتطهير من النجاسة الجسدية. ثم كانت هناك معمودية يوحنا والتي هي بالتأكيد أفضل من المعمودية اليهودية، لكنها أقل من معموديتنا فهي بمعنى ما تمثل جسراً بين المعموديتين. لأن يوحنا لم يقد الشعب نحو حفظ التطهيرات الجسدية، لكنه نصحهم ووعظهم أن يبتعدوا عن هذه الأمور (الخاصة بالجسد فقط) وعن الخطية، ويعودوا إلى الفضيلة، وأن يعتمدوا، ويترجون خلاصهم بالأعمال الحسنة وليس بنظافة الجسد بالماء. فهو لم ينصح بغسل الملابس وغسل الجسد، لكي يصيروا في حالة نظيفة، بل قال: " أصنعوا ثماراً تليق بالتوبة" (مت8:3) أما من جهة أن معمودية يوحنا هي أفضل من المعمودية اليهودية، وأقل من معموديتنا نحن، فهذا راجع إلى أن معمودية يوحنا لا تمنح الروح القدس، ولا تهب غفران الخطايا، الذي يعطى بالنعمة الإلهية، لأن يوحنا كان يكرز بالتوبة فقط، ولا يملك سلطان غفران الخطايا. ومن أجل هذا قال: " أنا أعمدكم بماء للتوبة ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني هو سيعمدكم بالروح القدس ونار" (مت11:3) وهنا تحديداً يطرح سؤال آخر، حول معنى عبارة " بالروح القدس ونار"؟ في الحقيقة هذا الأمر مرتبط بحادثة حلول الروح القدس يوم الخمسين، حيث ظهرت ألسنة من نار أمام الرسل وحلّتْ على كل واحد منهم أما من جهة أن معمودية يوحنا لم تكن تملك منح الروح القدس، ولا غفران الخطايا، فهذا واضح من اللقاء الذي تم بين الرسول بولس وبعض التلاميذ، فعندما سألهم: " هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم. قالوا ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس. فقال لهم فبماذا اعتمدتم. فقالوا بمعمودية يوحنا. فقال بولس إن يوحنا عمد بمعمودية التوبة" (أع2:19ـ4) هكذا يظهر من هذا الحوار القصير، أن معمودية يوحنا، كانت للتوبة فقط، ولم تكن معمودية غفران. السؤال الآخر المطروح، لأي هدف كان يوحنا يعمد؟ كان يوحنا يعمد تمهيداً لمجيء المسيح الذي كان يعمد بالروح بحسب شهادته هو شخصيًا " الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع والذي من الأرض فهو أرضي ومن الأرض يتكلم" (يو31:3). ثم يكمل " الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية. والذي لا يؤمن بالابن لن يري حياة بل يمكث عليه غضب الله" (يو36:3) ولذلك يخبرنا سفر الأعمال، في الحوار الذي أشرنا إليه، والذي دار بين ق. بولس والتلاميذ، أن التلاميذ " لما سمعوا من بولس اعتمدوا باسم الرب يسوع ولما وضع يديه عليهم حل الروح القدس عليهم" (أع4:19ـ6). وهكذا كما هو واضح أن معمودية يوحنا كانت ناقصة، وإلاّ لما كان ق بولس قد عمّدهم ووضع عليهم يديه. د. سعيد حكيم يعقوب
المزيد
18 يناير 2025

يوحنا المعمدان ليلة عيد الغطاس

هذا اليوم يا أحبائىِ يوم عيد الظهور الإِلهىِ الذى تُعطيه الكنيسة مقام عالىِ جدا وتجعلهُ أحد الأعياد السيّديّة الكُبرى وتجعل لهُ إحتفال وصلوات خاصة بهِ بِطقس فرايحىِ فهى مُناسبة كُلّها فرح وكُلّها سرور لأنّ الله صار كواحد منّا وبِكر بين الخليقة ومن خلال صلوات عيد الغُطاس نشعُر أنّ الكنيسة بتُشير بقّوة جداً لِشخصية يوحنا المعمدان والكنيسة بتضع يوحنا المعمدان فىِ رُتبة عالية جداً0 عظمة يوحنا المعمدان :- فنحنُ نجد أنّ كُل القديسين بنطُلب صلواتهُم أمّا الشفاعة فنطلُبها من الست العدرا ويوحنا المعمدان ، يكفىِ شِهادة الرب يسوع نفسهُ إنّهُ أعظم مواليد النساء وأعظم من نبىِ والكنيسة بِتضعهُ بعد أيقونة السيد المسيح والكنيسة تُلّقبهُ بالسابق فهو الذى مهدّ لربنا يسوع المسيح وكانوا يسألوهُ هل أنت إِيليّا مَن أنت فواضح من السؤال أنّهُ كان شاغلهُم " ماذا تقول عن نفسك " فكان شخصية مُحيّرة جداً لدرجة أنّهُ مَن بِداية ميلادهُ يقولوا أنّهُ " وقع خوف على كُل جيرانهُم " ومَن بطن أُمهِ إمتلأ بالروح القُدس " وكان ينمو ويتقّوى بالروح وكان فىِ البرارىِ إلى يوم ظُهورهِ لإسرائيل " ( لو 1 : 80 ) " ويتقدّم أمامهُ بروح إيليّا وقّوتهِ ليرُدّ قلوب الآباء إلى الأبناء والعُصاة إلى فِكر الأبرار لكى يُهيّىء للرّب شعباً مُستعداً "( لو 1 : 17 ) فهو أتى ليُهيّىء للرّب شعباً مُستعداً لِذلك نشعُر أنّ الكِتاب المُقدّس يُكرمهُ وحياتهُ تُكرمهُ لأنّهُ نبىِ وأعظم من نبىِ فكُلّما نقترب من يوحنا المعمدان نشعُر بِعظمتهُ ، عظمتهُ فىِ مولدهِ ، لدرجة أنّهُ يتكلّم مع هيرودس بجبروت ، لأنّ الحق الذى بِداخلهُ حق لابُد أن يُعلن لا يستطيع أن يكتمهُ ، فضلّ أن يكون بِلا رأس على أن يكون بِلا ضمير ، لم يُفضلّ السكينة والطُمأنينة ، وهو لم يكُن فقط وبخّ هيرودس لسبب هيروديّا إمرأة فيلُبّس أخيهِ ولكن " لسبب جميع الشرور التى كان هيرودس يفعلها " ( لو 3 : 9 ) فالكُل عارف وساكت لكن يوحنا لا يستطيع أن يكتم ، ولكن الحق تجدهُ بيعلنهُ وبِجبروت ، إنّهُ أعظم من كُل الأنبياء ، فإنّهُ يوجد أنبياء عُظماء جداً ولكن يوحنا جاء" ليُعدّ طريق الرب " فهو جاء ليفرش للملك ، جاء ليُهيّىء القلوب " أعدّوا طريق الرب إصنعوا سُبلهُ مُستقيمة " وأشعياء قال " صوت صارخ فىِ البريّة " ومَن هو الصوت ؟! هو يوحنا المعمدان ، وكان يعيش فىِ البرارى وإختفى فىِ البريّة إلى يوم ظهورهُ لإسرائيل وبالتأكيد إكتسب من البريّة أشياء كثيرة ، لِذلك فهى أعطتهُ عظمة ، أعطتةُ قوة " كُل وادٍ يمتلىء وكُل جبلٍ وأكمه ينخفض وتصير المُعّوجات مُستقيمة والُشعاب طُرقاً سهلة ويبُصر كُل بشرٍ خلاص الله " إبتدأ يُكلّمهُم بكُل قوة " والآن قد وُضعت الفأس على أصل الشجرة0 فكُلّ شجرةٍ لا تصنعُ ثمراً جيّداً تُقطع وتُلقى فىِ النار " ( لو 3 : 9 ) ، ما هذا الكلام القوى فهذا هو يوحنا المعمدان ، صوت مُوبّخ لكُلّ نفس تعيش فىِ كسل وفىِ عدم مخافة الله والكنيسة تُرّكز على حادثة يوحنا المعمدان ، لأنّ لو لم يكُن يوحنا صوت صارخ لغُفران الخطايا ما إستطعنا أن نستقبل ربنا يسوع المسيح ، فهو صوت صارخ فىِ كُل قلب ، صوت يوحنا لابُد أن يدوىِ فىِ بريّة نفسىِ الموحشة " تُب " 0 لابُد أنّ حياتىِ تكون مرضيّة لربنا وشجرتىِ يكون فيها ثمر ، فأشعياء قال " صوت صارخ فىِ البريّة " ، وهذا الكلام قالهُ رب المجد عن يوحنا المعمدان مُنذُ 850 سنة ، ففىِ سِفر ملاخىِ يقول " هأنذا أُرسل ملاكىِ فيُهيّىء الطريق أمامىِ "( ملا 3 : 1 ) ، فملاخىِ تنبّأ عن مجيئهُ مُنذُ مِئات السنين ، تنبّأ عن مجىء هذا العظيم الصوت الصارخ لِدرجة إن زكريّا الكاهن فىِ لوقا يقول عنهُ " وأنت أيُّها الصبىّ نبىِّ العلىّ تُدعى لأنّك تتقدّم أمام وجه الرّب لتُعدّ طُرُقهُ " ( لو 1 : 76 ) لهذهِ الدرجة ؟! " نبىِّ العلىّ تُدعى تتقدّم أمام وجه الرب لتُعدّ طُرُقهُ لتُعطىِ شعبهُ معرفة الخلاص بِمغفرة خطاياهُم " ، والقديسين كثيراً ما يربطوا بين يوحنا المعمدان وإيليّا النبىِ فىِ القوة فنجد إيليّا ظهر فجأة ووقف أمام أخآب الملك ( 1 مل 18 : 17 ، 18 ) ويوحنا نجدهُ كبر وظهر فجأة من البرّية إيليّا النبىِ كانت هُناك إمرأة إسمها إيزابل كانت بِتكمن لهُ شرور وهدّدتهُ بالقتل ( 1 مل 19 : 1 ، 2 ) ، كذلك يوحنا توجد إمرأة كانت تُكمن لهُ شرور وطلبت رأسهُ ( مت 14 : 6 – 11 ) يوحنا المعمدان يحمل روح قوية ، روح موبّخة ، روح مؤنّبة ، قال للعشارين " لا تستوفوا أكثر ممّا فُرض لكُم " ( لو 3 : 13 )، وكان يأتىِ إليهِ الجنود ويقولوا لهُ ماذا نفعل فكان يقول لهُم " لا تظلموا أحداً ولا تشوا بأحدٍ وأكتفوا بعلائفكُم " ،وكان يقول للناس " فأصنعوا أثماراً تليق بالتوبة " ( لو 3 : 8 ) إبتدأ يُعلّم كُل فئة كيف تقترب من الله من خلال حياتها العمليّة هيروديّا لم تستطع أن تحتمل صوت ربنا الذى يُوبّخها ، لِذلك النفس البعيدة عن ربنا تُريد أن تتجنّب صوت ربنا وتنساه وتكون ملهيّة عن ربنا الضمير بيفقد حساسيتهُ والنفس بتهرب من الفأس الموضوعة على أصل الشجرة لِذلك قُلّ لهُ يارب أعطينىِ زمان فأنت لست مُحتاج أن يحلّ الروح عليك ولا الحمامة تستقر عليك ،وأنت فىِ نهر الأردُن أنا كُنت فيك ، فالحمامة والروح إستقر علىّ فالقديس يوحنا المعمدان هو نبىِ بل أعظم من نبىِ ، عاش فىِ البريّة ، عاش فىِ حياة كُلّها بِر وكُلّها تقّوى 0 سر عظمة يوحنا المعمدان :- وهى نُقطتين فقط :- أول نُقطة مُهمة جداً عندما نأتىِ بِسيرة يوحنا المعمدان نتكلّم عن :- 1- بيت يوحنا المعمدان:- الذى صنع يوحنا المعمدان تقّوى أبوه وأُمه " زكريّا وأليصابات " الإنجيل يقول عنهُما " وكانا كلاهُما بارّين أمام الله سالكين فىِ جميع وصايا الرّبّ وأحكامِهِ بلا لومٍ "( لو 1 : 6 ) الأب والأُم فىِ البيت بارّين أمام ( الله ) وليس أمام ( الناس ) فالإنسان مُمكن يكون برّهُ أمام الناس بِر شكلىِ وبِر نسبىِ ، ولكن هُم بارّين أمام الله الذى يفحص القلوب لابُد أن نبحث عن بِرّنا الحقيقىِ ، فنحنُ مُمكن أن نكون فىِ الكنيسة شىء وفىِ البيت شىء آخر ، لماذا نحنُ نكون فىِ البيت شخصيّة غير الشخصيّة التى فىِ الكنيسة؟ لماذا يملُك علينا فىِ البيت الصوت العالىِ والعصبيّة والغضب وعدم الطاعة ؟ فالقديس يوحنا فم الذهب يقول " فالأولاد مهما أخذوا من دروس بالمدرسة يعودون ويستذكرونها باقىِ النهارفلنحرص على ما نسمعهُ حرصنا على نقودنا ومُقتنياتنا لأننّا أُعطينا كلِمات أثمن من الذهب والأحجار الكريمة وقبلنا الروح القُدس " فالأولاد لابُد أن يرجعوا البيت ويذاكروا الدروس ، فلماذا حياتنا بعيدة عن الوصيّة ولم نجد فىِ أولادنا الثمر الذى المفروض أن نجدهُ فأنسب شىء فىِ الحياة المسيحيّة أن لا نتكلّم عن الصلاة بدون أن نُصلّىِ ، علّمنىِ بِحياتك قبل كلامك لىّ ، فهل نحنُ نُصلّىِ بأنتظام ؟! هل نحنُ حريصين على الحضور فىِ بيت ربنا ؟ هل حريصين على زرع المحبة فىِ داخلهُم ؟ فعادةً نقول لهُم إيّاك أنّ فُلان يحصُل على درجات أعلى منّك ، فإن كان البيت بيزرع مخافة ربنا فلو نجد زكريّا وأليصابات سنجد يوحنا فلا تعتقدوا أنّ الحياة أيامهُم كانت مِثاليّة لا زكريّا كان بار فىِ جو ليس فيهِ بِر ، فإنّهُ صعب أنّ زكريّا أرضى الله فىِ جو رُبما كُل المُحيطين بهِ كان فاسد ولا تقولوا أنّهُ لم يكُن عِندهُم مُشكلة ، فعُقم اليصابات كان مُشكلة كبيرة عِندهُم ، لدرجة أنّهُ الملاك عندما ظهر لزكريّا قال لهُ " طِلبتك قد سُمعت " وهذا دليل على أنّها كانت طِلبتهُم بإستمرار ، وأيضاً زكريّا فضلّ أن لا يتزوج بإمرأة أُخرى بالرغم من أنّ الناموس يُشرّع لهُ الزواج ، فزكريّا بِتقواه إرتقى فوق الناموس ففىِ البيت نهتم جداً بأكل الأولاد وشُربهُم ، وكما يقول أحد الآباء " نحنُ لم نُقدّم مشروع تسمين فىِ البيت " فأكل طالع وأكل داخل ، والأكل الروحىِ هو الأهّم ، هو الأبقى ، فأحد الآباء يقول" إنّ البطن لا تستطيع أن تحتفظ بالأطعمة " ، تخيلّوا أننّا مُهتمين بالأكل وبالمظهر مَن مُهتم أن يحتفل بالقديسين فىِ بيتهُ ، مَن يحتفل بالست العدرا فىِ بيتهُ الإحتفال الأجمل هو الذى فىِ البيت مَن الذى يأخُذ أولادهُ مَن بِداية النهار للقُدّاس ؟ وأسألهُم ماذا كان يقول الأبركسيس ؟ فأنا لىّ رِسالة من جهتهُم ، ربنا بيُعطينا عجينة جميلة الزمن بيخرّبها ولكن ماذا نعمل نحنُ لهُم ؟ " الكنيسة التى فىِ بيتك الإيمان العديم الغِش " القديس بولس الرسول يقول لتلميذهُ تيموثاوس أنا مُطمئن عليك لأنّ عِندك الإيمان العديم الغش فيجب أن تهتم بروحياتهُم ، فهل عِندنا نفس الغيرة ونفس الإهتمام ؟ هل أحرص أن يكون فىِ البيت مكتبة تُناسب سِن الإبن ؟ هل أشُعر إن أنا لىّ دور أن أُدخل هذهِ النفس للملكوت ؟ فمُمكن أن يصير إبنىِ دكتور ويكون غير مُوفّق فىِ حياتهُ فأبونا بيشوى كامل ذهب لواحد ليفتقدهُ فأبوه قال لهُ إن إبنىِ فىِ هذهِ السنة لم يكُن عِندهُ وقت فهو فىِ ثانويّة عامّة وبيأخُذ دروس ، وكان بيطلُب منهُ الخادم أن يجلس معهُ ولو لوقت بسيط ، فكان يقول لهُ لا يوجد عِندهُ وقت لِذلك تمُرّ السنين ويُصبح الخادم كاهن ويأتىِ إِليهِ الأب ويقول لهُ أنا إبنىِ أصبح دكتور فىِ المُستشفى وإرتبط بِممُرّضة فىِ المُستشفى وأنا غير قادر أن أُقف مشاعرةُ فالسماء لا يوجد فيها شِهادات ، فلا نُهمل حياتهُم الداخليّة ، فهل ربنا سيسألنىِ هل هو مُدرّس أم دكتور ولكن ربنا سيسألنىِ عن الأمانة التى أعطتها لك ماذا فعلت بِها ؟! ، فالجو الذى نُرّبىِ فيهِ أولادنا صعب ، ولِذلك نجد أنّ القديس أوغسطينوس مديون لدموع مونيكا ، فدموع مونيكا هى التى صنعت أوغسطينوس ، فالقديس بولس الرسول يقول ثلاث سنين لم أفتُر ليلاً ونهاراً عن أن أُنذركُم بِدموعىِ ، فهو يُنذر بالدموع ، فأنا إبنىِ مُمكن أن أُنذرهُ بِدموعىِ وهى ستُنذرهُ أكثر من كلامىِ0 2- روح قويّة:- البرّيّة جعلتهُ أن يكون إنسان بسيط لا يُحب المظاهر لا ينقاد لِخداع العالم فهو خرج لابس وبر الأبل ، وكأنّهُ يقول أنا سألبس الذى يستُر جسدىِ فقط فنحنُ جيل المظاهر والمظهر عِندهُ أهم من الروحيّات بكثير ، وعُلماء النفس يقولوا أنّ الإنسان كُلّما يهتم أن يُحسّن بالمظهر الخارجىِ دلّ ذلك على أنّهُ فىِ داخلهُ يوجد شىء يُريد أن يُخبئّهُ تأمّلوا الأنبا بولا كان لابس ثوب من ليف النخيل أو من سعفهُ ، والأنبا أنطونيوس كان لابس جلاّبيّه ولكن من الداخل قّوة جبّارة ويوحنا المعمدان يقولوا أنّ هيرودس كان يهابهُ ، القديس العظيم الأنبا أنطونيوس عِندما كان سيُقابل الملك فقال لهُ تلاميذهُ أن يرتدىِ ملابس تليق بِمقابلة الملك فقال لهُم " أنا أنطونيوس ذهبت أو لم أذهب فماذا يكون الملك " ؟!! ، فجمال النفس فىِ الداخل كُنت عِند ناس وكان عِندهُم مُشكلة إن إبنهُم طالب موبايل لأنّهُ شعر أنّ قيمتىِ ستأتىِ من الأشياء التى معىِ ، وذلك يدُل على إن أنا فقير ومريض من داخلىِ ولكن أنا لا تفرق عِندىِ هذهِ الأشياء فأين ذهبت قّوة أولاد الله ؟ أين ذهبت قّوة الآباء ؟ ونحنُ بنسعى وراء شهوات باطلة وأمور تافهه لا تُقاس بِمجد السماء ، لِذلك القديس يوحنا المعمدان يُوبّخنا بِمظهرهُ ، ليتهُ يُوبّخنا بسيرتهُ لأنّ ربنا قال " إن سمعتُم صوتهُ فلا تُقسّوا قلوبكُم " ربنا يسند كُل ضعف فينا بنعمتهُ ولإِلهنا المجد دائماً أبدياً أمين. القمص أنطونيوس فهمى كاهن كنيسة مارجرجس والانبا انطونيوس محرم بك الاسكندرية
المزيد
17 يناير 2025

عيد الغطاس

أهنئكم أيها الأحباء بعيد الغطاس اﻟﻤجيد أوعيد الظهور الإلهى،وهو أحد الأعياد السيدية اﻟﺜابتة ( ١١ طوبه من ﻛﻞ ﻋﺎم) ھذا العید له مدلولاته ومعانیه الكثیرة في حیاتنا،ویكفي أننا ارتبطنا وعشنا في الكنیسة من خلال السر الأول "سر المعمودیة" الذي ھو على مثال معمودیة السید المسیح ھذا العید له تسمیات كثیرة لكن یمكن أن نسمیه "عید تجدید خلقتنا" فاﻟﻠﮫ بعدما خلق الإنسان وأراده أن یكون إنسانًا ناجحًا، سقط في المعصیة والخطیة وانحرف وطرد من الجنة وصار محتاجًا للخلاص ومحتاجًا لمن یفدیه وتوالت الأجیال، حتى جاء السید المسیح ودخل إلى العالم من باب الفقروالاتضاع،وقد احتفلنا بعید المیلاد منذ أیام قلیلة،وبعده عید الختان، والیوم نحتفل بعید الغطاس تعمد السید المسیح وعمره ثلاثین عامًا على ید یوحنا المعمدان، وكانت المعمودیة ھي بدایة خدمته الجھاریة لأنھم في المجتمع الیھودي لا یستمعوالأحد إلا إذا كان عمره ثلاثین سنة أو أكثر ﻓﻲ هذه اﻟﻤناسبة أريد أن أتامل معكم ﻓﻲ ثلاث نقاط: ۱- النھر: وھو نھر الأردن، وكلمة "أردن" لھا معانٍ كثیرة، أحد معانیھا من أصل ھندي ومعناه "الخالد أو المنحدر". وھذا النھر طوله ۲٥۰ كیلومتر فقط، وعرضه ٥ أمتار أي مسافة صغیرة،وھو لیس عمیقًا فیمكن أن یعبر الناس فیه بأقدامھم ینبع من ھضبة الجولان، ویمر في خمس دول سوریا ولبنان وفلسطین والأردن وإسرائیل،ثم ینتھي بأن یصب في البحر المیت (بحر مغلق وبالتالي أملاحه عالیة جدًا فلا تعیش فیه الكائنات الحیة) والناس یسمونه "بحر الشریعة" باعتبار أن السید المسیح تعمد فیه وباعتبار أن بني إسرائیل عبروا من خلاله في طریقھم لیرثوا الأرض في عبر الأردن كان عماد السید المسیح،وفي دولة الأردن یسمون الموضع الذي تعمد فیه السید المسیح "المغطس". ۲- الشخص: وھو یوحنا المعمدان الذي من أسرة بارة مباركة، أبوه زكریا الكاھن وأمه القدیسة ألیصابات، كانا كلاھما بارین یرفعان صلوات دائمة من أجل أن یعطیھما الله نسلاً ثم ظھر الملاك لزكریا وبشره بأنه سیكون له ابن، وعندما لم یصدق أصابه الخرس والصمت وھذا الصمت تعبیر عن أن السماء كانت صامتة لا تستجیب لصلواته،وأیضًا تعبیر عن زوجته التي تقدمت بھا الأیام وصارت صامتة لا تنجب ولكن في الوقت المعین أرسل الله ھذا الابن الذي صار فیما بعد أعظم موالید النساء بشھادة من المسیح، وانفتح فم زكریا ونطق فرحًا،وانفتح رحم ألیصابات وولدت یوحنا یعتبر یوحنا المعمدان ھو ھمزة الوصل بین العھد القدیم والعھد الجدید (مثل مفصلة الباب التي تصل بین الضلع ثابت الذي یمثل العھد القدیم والباب المتحرك الذي یمثل العھد الجدید) ولذلك نال یوحنا المعمدان ثلاثة ألقاب، السابق والصابغ والشھید "السابق" زمنیًا قبل میلاد المسیح بستة أشھر، و"الصابغ" لأنه قام بعماد السید المسیح،و"الشھید" لأن حیاته انتھت بالاستشھاد عاش یوحنا المعمدان في البریة، ناسكًا، في ھدوء البریة مصلیًا، بسیطًا جدًا في ملبسه وحیاته وطعامه، وكان إنسانًا مھوبًا ثم خرج وبدأ ینادي للجمیع بمعمودیة الماء وھذه المعمودیة – بحسب مفھوم ذلك الوقت- ھي التي تساعدھم في مسح وغسل الخطایا فاجتمعت إلیه الجموع،إلى أن أتى الیوم الذي جاءه فیه السید المسیح فارتبك وقال "أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ"(مت ۳ : ۱٤) فقال له: "اسْمَحِ الآنَ"(مت 15:3)فأطاع وقام بمعمودیة المسیح وفي وقت معمودیة السید المسیح حدث أمر جلیل وھو الظھور الإلھي الآب من السماء یشھد "ھذَا ھُوَ ابْني الْحَبِیبُ الَّذِي بِه سُرِرْتُ" (مت ۳: 17) والابن في میاه نھر الأردن، والروح القدس مستقرًا علیه مثل حمامة. ۳- الصوت: إذا سألتك "من أنت؟" تقول اسمك وتذكر ألقاب كثیرة. أما یوحنا المعمدان فعندما سُئِل من ھو، قال "أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّیَّةِ" (یو1: 23 ) "أَعِدُّوا طَرِیقَ الرَّبِّ اصْنَعُوا سُبُلَه مُسْتَقِیمَةً"(مت ۳:3) أنا مجرد صوت لأن أقنوم الكلمة الحقیقي شخص المسیح "أَعِدُّوا طَرِیقَ الرَّبِّ" فأنا الملاك المھیئ لحضور المسیح "اصْنَعُوا سُبُلَه (طرقه) مُسْتَقِیمَةً"، فمن یرید أن یعیش مع المسیح لابد أن تكون طرقه مستقیمة غیر معوجة. أربعه معانى للصوت أرید الیوم أن أتأمل معكم في أربعة معاني للصوت، وكیف نأخذھا لنفوسنا ونستفید بھا، فقد كان صوت یوحنا: ۱- صوتًا نبویًا: یحمل نبوات العھد القدیم كلھا، فقد نطق بالعبارة التالیة وھو یشیر إلى المسیح "ھُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي یَرْفَعُ خَطِیَّةَ الْعَالَمِ" (یو ۱: ۲۹ ) "حَمَلُ" أي ذبیحة، و"یَرْفَعُ" أي "صلیب" یزیل خطیة الإنسان وأنت یجب أن یكون صوتك صوتًا كتابیًا إنجیلیًا "كتابیًا" بمعنى أن یكون صوتك وكلامك وأفكارك كلھا من الكتاب المقدس و"إنجیلیًا" بمعنى أن یكون مفرحًا فكلمة "إنجیل" تعني بشارة مفرحة، لأن المسیح ھو مخلص للعالم كله لأن "دَمُ یَسُوعَ الْمَسِیحِ ابْنه یطُھِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِیَّة"ٍ ( ۱یو7:1) ۲- صوتًا حكیمًا: یتكلم بحكمة ویزن الكلمة قبل أن ینطق بھا فقد قال عبارة قویة وھو یشیر إلى المسیح، في الوقت الذي كان فیه مشھورًا بینما المسیح لم یكن قد بدأ خدمته بعد، قال "یَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ یَزِیدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ" (یو ۳: ۳۰ ) ھذا صوت حكمة فسبب المشكلات ھو أن كل فرد یرید أن یكون ھو الأول لابد أن كل أب وأم مع أولادھما وكذلك كل خادم مع المخدومین یقولون ھذه العبارة إنھا حكمة المعاملات والعلاقات بین الناس، وھي تریحك كثیرًا في حیاتك وفي عملك. ۳- صوتًا ودیعًا: فقد كان یعیش حیاة صارمة في البریة، وكان صارمًا في ملبسه ومأكله، لكنه كان ودیعًا فیقول عن نفسه في علاقته مع المسیح "لَسْتُ أَھْلاً أَنْ أَنْحَنِيَ وَأَحُلَّ سُیُورَ حِذَائِه"(مر ۱: ۷) ما ھذه الوداعة والاتضاع وما النفسیة التي تقبل ھذا؟ وقال ھذا وھو مشھور ومعروف وله تلامیذ، أما المسیح فلم یكن قد اختار تلامیذه بعد وھذا ما قاله لنا المسیح "تَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِیعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ" (مت ۱۱: ۲۹ ) ویقول القدیس یوحنا ذھبي الفم "الید التي خشیت أن تحل سیور حذاء المسیح،جعلھا المسیح توضع على رأسه" إنھا قاعدة ذھبیة قدیمة: إن الإنسان حینما یتضع یرفعه الهح، أما حینما یتكبر فینزل الله به. ٤- صوت حق: كان یوحنا المعمدان شخص حقاني، فحینما أخذ الملك امرأة أخیه، وقف بكل شجاعة وحق وقال له"لاَ یَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِیكَ" (مر ٦: ۱۸ ) وھو حي كان صوت حق كلفه أن تُقطع رأسه وأن یصیر شھیدًا ولكن صوت الحق یظل یتردد على الدوام ولا ینتھي بل یتكرر عبر الأجیال والأزمان ھذا ھو یوحنا المعمدان، صاحب الصوت، وھذا الصوت كان صوتًا مؤثرًا، وقویًا كان صوتًا نبویًا وحكیمًا وودیعًا وكان صوت حق. اﻟﻤعمودية وﺗﺠديد خلقتنا إن عید الغطاس ھو "عید تجدید خلقتنا" لأننا بالمعمودیة نولد من الماء والروح بخلقة جدیدة،ونصیر أبناء النور وأبناء السماء یصیر الإنسان جدیدًا لأن المعمودیة تمنحه حیاة جدیدة، وانتمائیةللسماء، فاحذر أن یغیب عنك أن لك نصیب في السماء لابد أن تحافظ علیه طوال حیاتك على الأرض نقول "قلبًا نقیًا اخلق في یا لله وروحًا مستقیمًا جدده في أحشائي" (مز ٥۰) الیوم كأننا كلنا نحتفل بمعمودیتنا التي تمت وعمرنا أسابیع تذكر الثوب الأبیض الذي ارتدیته، والزنار الأحمر رمز دم المسیح، وتذكرالدفنات الثلاث في میاه المعمودیة "مَدْفُونِینَ مَعَه فِي الْمَعْمُودِیَّةِ" (كو ۲: 12).ﻟﻴباركنا مسيحنا بكل بركة روحية وﻳﺤفظنا و يعطينا دائمًا أن تكون حياتنا مرضية أمامه إﻟﻰ اﻟﻨفس الأخير. قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
16 يناير 2025

بدعة بورفيريوس

ولد في البثنية من أعمال حوران وتعلم في صور. ثم درس البيان و الفلسفة على لونجينوس في أثينة. فأعجب لونجينوس بشغفة بالعلم ومواهبه النادرة. وكان يدعى مالكاً فأطلق عليه لونجينوس اسم (الأرجواني) بورفيريوس. ولا نعلم ما إذا كان ولد مسيحياً كما يصرح سقراط المؤرخ. ولكننا نرجح أنه عرف اوريجانس العظيم وعلم أشياء وأشياء عن المسيحية التي كانت قد شاعت آنئذ في طول الساحل اللبناني وعرضه. ويرى بعض العلماء الباحثين أنه بالاضافة إلى لغته الأم تكلم العبرية وعرف جيداً طقوس الكلدانيين والفرس والمصريين ولعله أجاد فهم الأدب اليهودي غير المقدس والفينيقي. ويستبعد أن يكون بورفيريوس قد تذوق رسالة السيد المخلص في هذا الدور من حياته وأن يكون قد قدر عظمة التوراة حتى قدرها. فإنه في السنة 249 عندما بدأ داقيوس اضطهاده الشهير اتخذ موقف المدافع عن الامبراطورية وآلهتها وصنف رسالته في العرافة والعرافين وطرد قوساته Causatha من الحمام لأنه اعتبره شيطاناً رجيماً ولما بلغ بورفيريوس الثلاثين من عمره (263) رحل إلى رومة وأصغى إلى افلوطين فقال بفلسفته وأحب كثيراً أن يُغني ذاته في الوحدة الإلهية ويتحد بالواحد كما تسنى لمعلمه ولأفلاطون من قبله. واشتدت رغبته هذه حتى أنزفت قواه العصبية ففكر بالانتحار. ولكن افلوطين ردعه من ذلك مبيناً سخف هذا العمل وأشار عليه بالتجول. فرحل بورفيريوس في السنة 268 إلى صقلية وأقام في ليليبة. ولم يرَ أستاذه بعد ذلك وكان ما كان من أمر زينب التدمرية وحاجتها لفصاحة لونجينوس. وانقض القوط على ساحل ايجه وجزره. ففر لونجينوس ملبياً دعوة زينب وأقام معها. وعلم لونجينوس بما حل ببورفيريوس فكتب إليه أن يبرح صقلية ويعود إلى بلده الأم (270) ويحمل إليه بعض المصنفات. ولكن بروفيريوس آثر البقاء في صقلية فاستدرك بذلك خطر الموت الذي حل بلونجينوس في حمص السنة (272) على يد اوريليانوس وكان أفلطون المعلم يمقت البيان ويستثقل العناية بالجمل والألفاظ. وأدرك الحاجة إلى إعادة النظر فيما كتب فوكل ذلك إلى تلميذه بورفيريوس. فقبل التلميذ ولكنه لم ينفذ شيئاً منها إلا بعد وفاة معلمه. فدون في صقلية حياة أستاذه وجمع محاضراته في مجلدات ستة عرفت بالأقسام Ennead (التاسوعات) وشرحها. وكتب إليه تلميذه خريساريوس Chrisarios عضو مجلس الشيوخ الروماني أن يعينه على فهم كاتيغوريات Katrgoria (مقولات) ارسطو فصنف له بورفيريوس كتاب الايساغوجي Eisagoge (المدخل) وكسب بهذا السفر شهرة واسعة خالدة. برفيريوس والمسيحية: وعاد اوريليانوس من الشرق إلى رومة منتصراً وأحب أن يعمم عبادة الشمس فيجعلها دين الامبراطورية الأوحد فأشأ في السنة 274 هيكل الاله الشمس على الكورينال وبدأ يدعو لدين الشمس في أوساط العاصمة وفي الولايات. وعلم بروفيريوس بذلك فهب يهاجم النصارى والنصرانية وصنف رسائله الخمس عشر الشهيرة. وأمر الاباطرة المسيحيون في القرنين الرابع والخامس بمصادرة هذه الرسائل وابطالها فضاع نصها الكامل ولم يبق منها سوى شذرات مبعثرة في متون الردود التي صنفت ضدها. ثم ضاعت هذه الردود بدورها فلم يسلم منها سوى رد مكاريوس ويرى رجال الاختصاص أن هذا الرسائل خالية من أي تفكير فلسفي عميق. وهي في نظرهم أقرب إلى الجدل الفيلولوجي التاريخي منها إلى البحث الفلسفي. فإننا نرى بورفيريوس يسخر من قصة آلام السيد ويتطلب مثل الفريسيين من قبله عجائب عظمى. وهو يهزأ أيضاً من "تناقض" الأناجيل الأربعة ويلجأ في غالب الأحيان إلى اللجاجة والمماحكة مبتعداً عن إتخاذ موقف حاسم واضح.
المزيد
15 يناير 2025

لماذا حل السيد المسيح بيننا ؟

ونحن نحتفل بميلاد السيد المسيح من العذراء ، لعلنا نتساءل فيما بيننا : ما هي الأسباب التي دعت رب المجد أن يتخذ جسداً ويحل بينن ، ويصير في الهيئة كإنسان ، ويولد من إمراة كبني البشر ؟ لا شك أن الفداء هو السبب الأساسي للتجسد . جاء الرب إلى العالم ليخلص الخطاة ، جاء ليفديهم ، جاء ليموت وليبذل نفسه عن كثيرين هذا هو السبب الرئيسي الذي لو إكتفى السيد المسيح به ولم يعمل غيره ، لكان كافياً لتبرير تجسده جاء السيد المسيح ليوفي العدل الإلهي ، وليصالح السماء والأرض ويمكننا أن نقول أيضاً ـ إلى جوار عمل الفداء والمصالحة ـ إن السيد المسيح قد جاء لينوب عن البشرية وكما ناب عنها في الموت ، ينوب عنها أيضاً في كل ما هو مطلوب منها أن تعمله إن الإنسان قد قصر في كل علاقاته مع الله ، فجاء " إبن الإنسان " لينوب عن الإنسان كله في إرضاء الله وفي فترة تجسده أمكن للرب أن يقدم للبشرية الصورة المثالية لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان كصورة الله ومثاله قدم القدوة ، والمثال العملي حتى أن القديس أثناسيوس الرسولي قال إنه لما فسدت هذه الصورة التي خلق الله بها الإنسان ، نزل الله ليقدم لهم الصورة الإلهية الأصلية وأيضاً لما أخطأ الناس في تفسير الشريعة الإلهية وقدموها للناس حسب مفهومهم الخاطئ ، ومزجوا بها تعاليمهم الخاصة وتقاليدهم ، جاء الرب ليقدم للبشرية الشريعة الإلهية كما أرادها الرب ، نقية من الأخطاء البشرية في الفهم والتفسير وسنحاول الآن أن نتناول هذه الأسباب جميعها ، نتحدث عنها بمزيد من التفصيل ، ونري ما يمكن أن نستفيده من دروس روحية لحياتنا خلال هذا الشرح . 1 ـ الفداء هو السبب الأساسي للتجسد : - لقد أخطأ الإنسان الأول ، وكانت خطيته ضد الله نفسه : فهو قد عصي الله وخالف وصيته وهو أيضاً أراد أن يكبر وأن يصير مثل الله عارفاً الخير والشر ( تك3 : 5 ) وفي غمرة هذا الإغراء نري أن الإنسان لم يصدق الذي قال له عن شجرة معرفة الخير والشر : " يوم تأكل منها موتاً تموت " ( تك2 : 17 ) وعلى العكس من هذا صدق الحية التي قال : " لن تموتا " وبعد الأكل من الشجرة نري أن الإنسان قد بدأ يفقد إيمانه في وجود الله في كل مكان وقدرته على رؤية كل مخفي ، وظن أنه إن إختبأ وسط الشجر يستطيع أن يهرب من رؤية الله له . وفي محاسبة الله للإنسان بعد الخطية ، نري أن الإنسان يتكلم بأسلوب لا يليق ، إذ يحمل الله جزاءاً من مسئولية خطيته فيقول له : " المرأة التي جعلتها معى هي أعطتني " ( تك3 : 12 ) . إنها مجموعة أخطاء موجهة ضد الله : عصيان الله ، ومنافسة الله في معرفته ، وعدم تصديق الله في مواعيده ، وعدم الإيمان بقدرة الله ، وعدم التأدب في الحديث مع الله أخطأ الإنسان ضد الله ، والله غير محدود ، لذلك صارت خطيته غير محدودة والخطية غير المحدودة ، عقوبتها غير محدودة وإن قدمت عنها كفارة ، ينبغي أن تكون كفارة غير محدودة ، ولا يوجد غير محدود إلا الله لذلك كان ينبغي أن يقوم الله نفسه بعمل الكفارة هذا هو ملخص المشكلة كلها في إيجاز لقد أخطأ الإنسان ، وأجرة الخطية هي الموت ( رو6 : 23 ) وكان لابد أن يموت الإنسان ، وبخاصة لأن الله كان قد أنذره بهذا الموت من قبل أن يتعدي الوصية ، إذ قال له : " وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت " وهكذا استحق حكم الموت ، وكان لابد أن يموت كان موت الإنسان هو الوفاء الوحيد لعدل الله وإن لم يمت الإنسان ، لا يكون الله عادلا ، ولا يكون الله صادقاً في إنذاره السابق هذه النظرة يشرحها القديس أثناسيوس الرسولي باستفاضة في كتابه " تجسد الكلمة " وإذ يشرح لزوم موت الإنسان ، يشرح من الناحية المضادة المشاكل التي تقف ضد موت الإنسان فماذا كانت تلك المشاكل ؟ كان موت الإنسان ضد رحمة الله ، وبخاصة لأن الإنسان قد سقط ضحية الشيطان الذي كان أكثر منه حيلة ومكراً !! ( تك3 ) وكان موت الإنسان ضد كرامة الله ، إذ أنه خلق على صورة الله ومثالة ، فكيف تتمزق صورة الله هكذا ؟!وكان موت الإنسان ضد قوة الله ، كأن الله خلق خليقة ولم يستطع أن يحميها من شر الشيطان ! وهكذا يكون الشيطان قد إنتصر في المعركة !! وكان موت الإنسان ضد حكمة الله في خلقه للبشر وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي إنه كان خيراً للإنسان لو لم يخلق ، ن أن يخلق ليلقي هذا المصير !! وأخيراً كان موت الإنسان ضد ذكاء الله إذ كيف توجد المشكلة ولا يستطيع عقل الله أن يوجد لها حلاً !!إذن كان موت الإنسان ضد رحمة الله ، وضد كرامة الله ، وضد قوة الله ، وضد حكمته وذكائه . وكان لابد لحكمة الله أن تتدخل لحل هذا الإشكال وهكذا تدخل أقنوم الإبن لحل الإشكال والإبن كما يقول القديس بولس الرسول هو : " حكمة الله وقوة الله " ( 1كو1 : 24 ) ، ويسميه سفر الأمثال : " الحكمة " ( أم9 : 1 ) والآن نسأل : كيف أمكن لحكمة الله حل هذا الإشكال ؟ كان الحل هو الكفارة والفداء ، لابد أن يموت أحد عن الإنسان ، فيفديه ، لإنقاذه . ولم يكن يصلح لهذا الفداء أي كائن آخر ، غير الإنسان ذاته ، لا ملاك ، ولا حيوان ، ولا روح ، ولا أية خليقة أخري فلماذا ؟ كان لا يمكن لمخلوق أن يموت عن الإنسان لسببين :- أولاً ـ لأن كل مخلوق محدود ، لا يمكن أن يقدم كفارة غير محدودة ، توفي العقوبة غير المحدودة ، للخطية غير المحدودة . ثانيا ـ لأن الحكم صدر ضد الإنسان ، فيجيب أن يموت الإنسان . وكان الحل الوحيد هو التجسد : أن ينزل الله إلى عالمنا مولوداً من إمرأة ، فهو من حيث لاهوته غير محدود كإله ، يمكنه أن يقدم كفارة غير محدودة ، تكفي لمغفرة جميع الخطايا لجميع الناس ، في جميع الأجيال وهو من حيث ناسوته ، يمكنه أن ينوب عن الإنسان المحكوم علية في دفع ثمن الخطية من أجل هذا السبب كان السيد المسيح يتعمد أن يسمي نفسه : " إبن الإنسان " في كثير من المجالات هذا إذن هو السبب الأساسي لولادة السيد المسيح مع العذراء جاء ليحمل خطيتنا ، ويموت عنها ، لينقذنا من عقوبتها إن عرفنا هذه الحقيقة ، فما هي الدروس الروحية التي يمكن أن نتعلمها منها في حياتنا ؟ هذا ما نود الآن أن نتأمل فيه . تأمل أيها الأخ المبارك في أن كل خطية ترتكبها هي موجهة ضد الله ذاته ، ولا تختلف في دينونتها عن خطية آدم وحواء هي مثل خطيئتهما غير محدودة ، لأنها موجهة ضد الله غير المحدود وهكذا فإن عقوبتها غير محدودة ، ولا تغفر إلا بكفارة غير محدودة كل خطية ترتكبها هي عصيان لله هي نوع من التحدي لله وعدم المبالآة بوصاياه ، بل هي ثورة عليه وإنضمام لخصمه الشيطان وهكذا فكل خطية ترتكبها تحمل معني عدم محبة لله ، لأنه يقول : من يحبني وصاياي ( يو14 : 15 ) لذلك عندما أخطأ داود وزني وقتل ، لم يقل أخطأت ضد أوريا الحثي وزوجته ، بل قال لله : " لك وحدك أخطأت ، والشر قدامك صنعت " ( مز50 : 4 ) حقاً إن الخطية خاطئة جداً كما يقول الكتاب ( رو7 : 13 ) وكل خطية ترتكبها يحملها المسيح ، لأنه هو : " حمل الله الذي يرفع خطية العالم كله " ( يو1 : 29 ) " كلنا كغنم ضللنا ، ملنا كل واحد إلى طريقة . والرب قد وضع عليه إثم جميعنا " ( إش53 : 6 ) إنك يا أخي ربما تستسهل الخطية ، وتستسهل غفرانها ، وتظن أنه بمجرد الإعتراف بها تنتهي . ولا يتناول تفكيرك كيف تغفر هذه الخطية بالاعتراف لذلك تجد الأمر سهلاً ولا تشعر بفداحة ما تفعله!!خطيتك أيها لا تغفر إلا بدم المسيح ، لأنه : " بدون سفك دم ، لا تحدث مغفرة " ( عب9 : 22 ) فما هو موقف الكاهن من الغفران إذن ؟ هل مجرد قراءة التحليل أو عبارة : " الله يحاللك " هي كل شئ ؟! كلا بلا شك . فمجرد هذه الكلمة وحدها لا تكفي عندما يعطيك الكاهن المغفرة ، إنما يقوم بعملية تحويل يحول الخطية من حسابك إلى حساب السيد المسيح ينقل الخطية من على رأسك إلى رأس الحمل الذي يحمل خطايا العالم كله وحينئذ يمحوها السيد المسيح بدمه بل أتجرأ وأقول إن السيد المسيح نفسه عندما كان يقول لإنسان : " مغفرة لك خطاياك " لم تكن هذه العبارة وحدها تكفي بدون دم الرب إنما قول السيد الرب لإنسان : " مغفورة لك خطاياك " معناها : " إنني قبلت أن أموت عن هذه الخطايا ، وقبلت أن أمحوها بدمي لذلك أعتبرها مغفورة ، لأنها مغموسة في دمي " لأنه لو كانت مجرد عبارة المغفرة تكفي لماذا إذن كان التجسد ، ولماذا إذن كان الصلب والفداء ؟ بسبب خطيتك أيها الخ ، أخلي الرب ذاته ، وأخذ شكل العبد ، وولد كإنسان ، وأحتمل كل ضعف البشرية من أجل خطيتك صار طفلاً ، ومن أجلها هرب من هيرودس إلى مصر ، ومن أجلها جرب من الشيطان ، ومن أجلها إضطهده اليهود وأهين وشتم وبصق عليه وضرب وصلب ومات إن عرفت كل هذا ، فكيف تحتمل مشاعرك أن تخطئ ؟!يجب أن تعلم جيداً أن كل خطية لابد أن تقف أمام عدل الله ، لكي تعطي حساباً أمامه " ومخيف هو الوقوع في يدي الله الحي " ( عب10 : 31 ) لذلك في يوم ميلاد المسيح ، تأمل في محبته لك ، وفي سعيه لخلاصك وكيف أنه من أجلك جاء حقاً لقد جاء المسيح ليخلص العالم ( يو3 : 17 ) . جاء ليطلب ويخلص ما قد هلك فهل كان هذا هو كل شئ ؟ كلا ، فإننا نلاحظ شيئاً آخر وهو أنه قد جاء لينوب عن البشرية . 2 ـ أتي المسيح لينوب عن البشرية :- إنه ناب عنا في دفع ثمن الخطية ، في الموت ، فمات عنا ولكن هذا لم يكن هو الشيء الوحيد الذي ناب عنا فيه بل أنه ناب عنا في كل عمل صالح ، في تكميل الناموس كله فاختتن وهو غير محتاج إلى الختان ، وصام وهو غير محتاج إلى الصوم ، وإعتمد وهو غير محتاج إلى عماد ، وهكذا داوليك ولعل نيابة الرب عن الإنسان هي التي جعلته يسمي نفسه في أحيان في أحيان كثيرة " إبن الإنسان " ، مشيراً إلى أنه جاء نائباً عن الإنسان أو نائباً عن البشرية فهو ليس إبن فلان من الناس ، وإنما هو إبن الإنسان عموماً وقد ناب عن الإنسان في موته وفي حياته وفي كل ما كان مطلوباً منه ولنبدأ أولاً بموضوع العماد ، كمثال ذهب السيد المسيح إلى يوحنا ليعتمد منه ولكنه بلا شك لم يكن محتاجاً مطلقاً إلى العماد معمودية يوحنا كانت للتوبة ، والتوبة عمل يقوم به الخطاة وليس الأبرار ويسوع المسيح القدوس البار ، الذي هو وحده بلا خطية ، لم يكن محتاجاً إلى التوبة ، وبالتالي لم يكن محتاجاً إلى معمودية يوحنا كان يوحنا صوتاً صارخاً في البرية ينادي : " توبوا لأنه قد أقترب ملكوت السموات "( مت3 : 2 ) " إصنعوا ثماراً تليق بالتوبة " " كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقي في النار " وهذا الصوت لم يكن بأي حال موجهاً إلى السيد المسيح ، الذي إعترف له يوحنا قائلاً : " أنا محتاج إلى أن أعتمد منك " ( مت3 : 14 ) . ويوحنا كان يأتي إليه ليعتمدوا " معترفين بخطاياهم " ( مت3 : 6 ) والسيد المسيح لمتكن له خطية يعترف بها فمادام لم يكن محتاجاً إلى التوبة ، ولا إلى المعمودية ، فلماذا ذهب إلى يوحنا ؟ ولماذا إعتمد ؟ لقد فعل ذلك " ليكمل كل بر " ، لينوب عنا في إطاعة الناموس إن البشرية فشلت في إرضاء الله الآب ، فجاء الإبن يرضيه .يريه : " إبن الإنسان ط وقد وقف كاملاً أمامه فناب عنا في تقديم هذه التوبة ... كما سينوب عنا في آخر الزمان في تقديم خضوع البشرية للآب وهكذا يقول الرسول : " ومتي أخضع له الكل ، حينئذ الإبن أيضاً سيخضع للذي أخضع له الكل " ( 1كو15 : 28 ) إن الخطية كانت لها نتيجتان : هلاك الإنسان ، واغتصاب قلب الله . وجاء السيد المسيح ليصلح الأمرين معاً : جاء ليخلص الإنسان الهالك ، إذ ناب عنا في الموت وفي دفع ثمن الخطية وجاء ليصالح لب الله الغاضب بأن يقدم له ناسوتاً كاملاً يرضيه ، وهكذا ناب عنا في تكميل الناموس وفي كل عمل صالح قام بالعملين معاً : أرضي قلب الله بحياته الطاهرة ، وأنقذ حياة الإنسان ، بموته الكفارى . وكما ناب السيد المسيح عن البشرية في التوبة والعماد وتكميل الناموس ، ناب عنها أيضاً في الصوم لم يستطيع الإنسان أن يكبح جماح جسده ، فأكل من طعام نهي الله عنه ، فسقط وجاء السيد المسيح ليصلح هذا الخطأ ، فبدأ خدمته بالصوم حتى عن الطعام المحلل للجميع نحن نصوم لنروض الجسد ونلجمه ونربيه أما جسد السيد المسيح فلم يكن جامحاً حتى يكبح جماحة ، فلماذا إذن صام ؟ ونحن نصوم لكي تصفو الروح وتسمو وروح السيد المسيح في صفائها وسموها ليست في حاجة إلى صوم يوصلها إلى العلو الذي توجد فيه بطبيعتها إذن لماذا صام ؟ لقد صام عنا ، أربعين يوماً وأربعين ليلة وفي ذلك الصوم قدم لله الآب ـ نيابة عنا ـ جسداً طاهراً لا يخضع لشهوة طعام ، إستطاع أن يبرهن عملياً على أنه : " ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان " ( مت4 : 4 ) لقد ناب السيد المسيح عنا في تقديمه للآب صورة الإنسان الكامل المطيع لوصاياه ، وفي نفس الوقت قدم للبشرية الصورة الإلهية التي خلقوا على مثالها . 3 ـ آتي ليقدم لنا الصورة الإلهية :- لقد خلق الإنسان على صورة الله ومثالة ( تك1 : 27 ) في البر والقداسة والكمال ، ولكنه شوه تلك الصورة الإلهية بخطاياه . لسنا نقول هذا عن مجموعة خاطئة معينة من الناس ، وإنما عن الكل : " الجميع زاغوا وفسدوا معاً ، ليس من يعمل صلاحاً ، ليس لا واحد " ( مز14 : 3 ) وهكذا فقدت الصورة الإلهية من الكون لعل تلك الصورة هي التي كان يعينها ديوجين الفيلسوف : [عن أي شئ تبحث ] ؟ فأجاب : [ أبحث عن إنسان ] !! إن الإنسان في وضعه الأصلي ـ كصورة الله ـ لم يكن موجوداً فأتي السيد المسيح ليقدم للناس هذه الصورة الإلهية ، بمثال عملي أمامهم يرونه فيحاكونه وهكذا قال لهم فيما بعد : " لأني أعطيتكم مثالاً ، حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً " ( يو13 : 15 ) بهذه الصورة رآه القديس بطرس الرسول : " تاركاً لنا مثالاً ، لكي تتبعوا خطواته " ( 1بط2 : 21 ) . وبنفس المعني يقول معلمنا يوحنا الرسول : " من قال إنه ثابت فيه ـ ينبغي أنه كما سلك ذاك يسلك هو أيضاً " ( 1يو2 : 6 ) قدم لنا صورة للإنسان المنتصر على الشيطان ، ليعالج بها صورة آدم وحواء اللذين إنهزاماً أمام إغراء الحية وإيحائها وهكذا بدأ خدمته بأن سمح للشيطان أن يجربه ، ليس مرة واحدة كما فعل مع أبوينا الأولين ، وإنما ثلاث مرات ( مت4 ) أعقبتها فيما بعد تجارب لا تعد وإذ كانت كلمة الله ووصيته على لسان الإنسان الأول ، ولكنها ليست ثابته في قلبه ، ولا منفذه عملياً في حياته ، كانت وصية الله وكلمته قوية وفعالة في فم السيد المسي ، هزم بها الشيطان فلم يستطع أن يرد عليه وفي حياة السيد المسيح قدم لنا صورة الإنسان الكامل ، الذي إستطاع أن يتحدى جميع مقاوميه قائلاً : " من منكم يبكتني على خطية " ( يو8 : 46 ) . ويقول عنه بولس الرسول إنه : " مجرب في كل شئ مثلنا بلا خطية " ( عب4 : 15 ) وقال عنه أيضاً إنه : " قدوس بلا شر ولا دنس قد إنفصل عن الخطاة ، وصار أعلى من السموات " ( عب7 : 26 ) . لذلك عندما بشر الملاك العذراء بميلاده قال لها : " القدوس المولود منك " ( لو1 : 35 ) هذا القدوس ، إذ لم تكن في حياته خطية يموت بسببها ، مات عن خطايانا نحن وإستحق أن يكون فادي البشرية يمكننا أن نتأمل حياته المقدسة ، ونأخذ لأنفسنا درساً من كل عمل ومن كل قول كانت حياته نوراً يرشدنا إلى ما ينبغي أن نعمله لذلك يسميه القديس يوحنا " النور الحقيقي الذي يضئ لكل إنسان " ( يو1 : 9 ) وإذ كانت خطية الإنسان الأولي هي الكبرياء ، لذلك جاء السيد المسيح يلقننا درساً في التواضع . 4 ـ درس عجيب في التواضع :- سقط أبوانا الأولان في الكبرياء عندما قبلاً إغراء الحية في قولها : " تصيران مثل الله " ( تك3 : 5 ) ومن قبلهما سقط الشيطان في هذه الخطية ذاتها إذ قال في قلبه : " أصعد إلى السموات أصير مثل العلي " ( إش14 : 13 ، 14 ) فجاء السيد المسيح يرد على هذه السقطة الإنسان الترابي أراد أن يرتفع ويصير مثل الله ، فإذا بالله ينزل ليصير شبه الناس !! الإنسان أراد أن يكبر ذاته ، فعالجة الرب بأن أخلي ذاته مقاييس العظمة كانت مرتكبة في حياة الإنسان فأصلحها له الرب كان يري العظمة في الكبرياء ، فشرح له الرب عملياً كيف أن العظمة في التواضع . ووضع ذلك المبدأ العجيب : " أكبركم يكون خادماً لكم فمن يرتفع نفسه يتضع ، ومن يضع نفسه يرتفع " ( مت123 : 11 ، 12 ) كان الناس يقيسون عظمة الشخص بمقدار انتفاخه وتوقير الناس له لذلك كان الكتبة والفريسيون : " يحبون المتكأ الأول في الولائم ، والمجالس في المجامع ، والتحيات في الأسواق ، وأن يدعوهم الناس سيدي سيدي " ( مت23 : 6 ، 7 ) فجاء السيد المسيح يعطي مثالاً آخر للعظمة ، العظمة الهادئة المتضعة غير المنتفخة البعيدة عن الكبرياء ومديح الناس ، عظمة القلب النقي المنتصر على المجد الباطل ، عظمة البساطة والوداعة . ولأول مرة بدأنا نسمع عن جمال الإتضاع قبل السيد المسيح كانوا يرون العظمة ، كعظمة الملوك ، في فخامتهم وحسن منظرهم ، مثل شاول الملك الذي : " من كتفه إلى فوق ، كان أطول من كل الشعب " ( 1صم9 : 2 ) كانوا يرون العظمة في المركبات والسيوف واحاطة الشخص نفسه بالجنود ورجال الحاشية والعبيد والخصيان !! فأتهاهم السيد المسيح بصورة أخري للعظمة ، عظمة مالك السموات والأرض الذي ليس له أين يسند رأسه ،عظمة الشخص الذي ليس له مكان إقامة ، وليس له منصب ولا وظيفة في المجتمع ، ومع ذلك يهز المجتمع كله بأصابعه !! لقد جاء السيد المسيح بصورة أخري للعظمة لم يرها الناس من قبل كانوا يفهمون الكرامة بأن يجلس العظيم فلا يستطيع أحد أن يقترب إليه ، أو أن يمشي في هيبه ووقار لا تقرب منه إمرأة ولا طفل لذلك عندما إقترب الأطفال من المسيح ، إنتهرهم التلاميذ !! ( لو18 : 15 ) فقال لهم الرب " دعوا الأولاد يأتون إلى ولا تمنعوهم ، لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله " وتعجب التلاميذ ، وكانوا يفكرون في قلوبهم : " ما هذا الذي نراه منك يارب ؟! إنك كبير عن هذا المستوي ، نجلسك على عرش عظيم ، والناس يسجدون لك من بعيد !! لا يستطيع الكبار أن يقتربوا إليك ، فكم بالأولي الأطفال !! " وكأن السيد المسيح يجيبهم عن كل هذا : " دعكم من هذه الصورة الخاطئة التي أخذها الناس عن العظمة " نفس الأمر تكرر في بيت الفريسي عندما أتت إمرأة خاطئة وبللت قدمي المسيح بدموعها ومسحتها بشعر رأسها ، وكانت تقبل قدميه وتدهنهما بالطيب ( لو7 : 38 ) فتأفف الفريس ، وتذمر في قلبه كيف يقبل السيد المسيح أن تلمسه إمرأة خاطئة وتقبل قدميه ! ولكن السيد المسيح دافع عن المرأة ، ورآها أعظم من الفريسي ، لأنها أحبت كثيراً ، فغفر لها الكثير لم تكن العظمة في نظر السيد المسيح هي الترفع عن الناس والتعالي على الضعفاء ، وإنما محبة الناس والعطف عليهم نفس الانتقاد وجهوده إلى الرب في جلوسه مع الخطاة والعشارين ، كما لو كان في جلوسه معهم أو اشتراكه في موائدهم ، انتقاض من قدرة وكرامته أما الرب فكان يرى الكرامة كل الكرامة في البحث عن هؤلاء الضالين وإنقاذهم مما هم فيه وهنا تبدو كرامته كراع ، ومعلم كل هذا يقنعنا بأن السيد المسيح ـ في مجيئه إلينا ـ كانت له إلى جوار الفداء اسباب أخري ، وإن كانت جانبية أسباب أخري لمجيئه : لقد جاء السيد المسيح لكي يصلح التعليم الفاسد الذي وقع فيه الناس ، ولكي يصحح المفاهيم الخاطئة للشريعة وللناموس وللمبادئ العامة في الحياة ذلك لأن الكتبة والفريسيين وزعماء اليهود وكهنتهم ورؤساءهم كانوا قد شوهوا كل شئ ، وفسروا الدين حسب مزاجهم الخاص ، وأبطلوا وصيه الله بسبب تقاليدهم ( مت15 : 6 ) ووضعوا على أكتاف الناس أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل ، وأغلقوا ملكوت السموات قدام الناس ، فلا هم دخلوا ، ولا جعلوا الداخلين يدخلون ( مت23 ) من أجل ذلك وبخهم السيد المسيح ، وكشف رياءهم أمام الناس وقال عن أمثال هؤلاء المعلمين الكذبة : " جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص " ( يو10 : 8 ) ذلك لأنهم غرسوا في أذهان الناس وقلوبهم تعاليم خاطئة ومفاهيم منحرفة لهذا جاء السيد المسيح ليقدم مفاهيم جديدة جاء يقلب تلك الأوضاع ، ويقيم ثورة ف الحياة الدينية أو كما قال للناس جئت لألقي ناراً على الأرض فماذا أريد لو أضطرمت " ( لو 12 : 49 ) جاء يشعل ثورة ، ما قبلها ثورة ، ولا بعدها ثورة ثورة على الفهم الخاطئ للدين ، والفهم الخاطئ للمبادئ أقام السيد المسيح دولة جديدة من الفكر العالي السامي ، لا يمكن أن يصل إليه تفكير البوذيين ولا تفكير الكنفوشيوسيين ولا تفكي البراهمة ولا تفكير الفلاسفة جميعاً جميع فلاسفة العالم إنحنوا في خضوع وفي توقير أمام تعاليم المسيحية وإذ بالمسيحية قد ارتفعت فوق كل تلك الفلسفات ، وغلبتها جميعاً الفسلفة وغلبت القوانين ، وغلبت الأنظمة الموجودة الجهلة الذين لا فكر لهم ، ولكن لهم فكر المسيح وإستطاع هؤلاء أن ينشروا تعاليم الرب في كل مكان : " مستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح " ( 2كو10 : 5 ) حقاً لقد قدم السيد المسيح نوراً عجيباً للعالم نحن نفتخر ونفرح ونسر يمتلئ فمنا بركة وتسبيحاً ، لأن السيد المسيح أعطانا تعليماً عظيماً من هذا النوع يسمو على كل تعليم آخر صدقوني لو كانت المسيحية كلها ، ليست فيها سوي هذه الآية الواحدة التي تقول : " أحبوا أعداءكم ، باركوا لاعينكم ، إحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم " ( مت5 : 44 ) لو كانت المسيحية لا تحمل سوي هذه الآية الواحدة ، لكانت هذه الآية الواحدة تكفي هاتوا كل تعليم الفلاسفة لا تجودنه يوازي هذه الآية في سموها وعلوها وعمقها لقد جاء السيد المسيح إلى العالم فبهر العالم بتعليمه يقول معلمنا القديس متي بعد تسجيله لعظة السيد المسيح على الجبل : " فلما أكمل يسوع هذه الأقوال بهتت الجموع من تعليمه ، لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة " ( مت7 : 28 ، 29 ) كان تعليماً لا يدخل إلى الآذان والأذهان فقط ، وإنما يخترق القلب ويستقر فيه ، بسلطان ذلك لأن : " كلمة الله حية وفعالة ، وأمضي من كل سيف ذي حدين ومميزة أفكار القلب ونياته " ( عب4 : 12 ) ان يعطي التعليم ويعطي معه نعمة لتنفيذه وربما عن هذا قال القديس يوحنا الرسول : " لأن الناموس بموسى أعطي أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صاراً " ( يو1 : 17 ) لم يكن تعليم السيد المسيح مبهراً للشعب مبهراً للشعب فقط ، وإنما للرؤساء أيضاً ، حتي في طفولته إنه وهو صبي في الثانية عشرة من عمره ، جلس في الهيكل في أورشليم ، في وسط المعلمين ، في وسط الكتبة والكهنة والشيوخ وأعضاء مجلس السنهدريم : " وكل الذين سمعوه ، بهتوا من فهمه وأجوبته " ( لو2 : 47 ) . ولما بدأ كرازاته ، نسمع عن نيقوديموس أحد رؤساء اليهود وعضو مجلس السنهدريم ، أنه جاء إلى السيد المسيح ليلاً ، يسأل ويتعلم 0 يو3 : 1 ، 2 ) وفي سلطان السيد المسيح في التعليم ، وفي ثورته التعليمية ، نجده يقول في سلطان : " سمعتم أنه قيل وما أنا فأقول لكم " ( مت5 ) . من ذا الذي يستطيع أن يتكلم هكذا عن شريعة الله ؟! ولكنه السيد المسيح ، الذي أنار عقولنا بذلك السمو العجيب في فهم الدين ، وإستطاع أن يحول فكر البشرية وفهمها الناس قبل مجيئه كانوا يفهمون أن القوة هي العنف ، فأعطاهم مثلاً للقوة هو قوة المحبة الباذلة ، التى تبذل ذاتها عن الآخرين ، ومثلاً آخر عن القوة ، هو قوة الروح في الداخل والناس كانوا يفهمون الحية بمعني أن يفعل الإنسان ما يشاء فوضح لهم أن الحرية الحقيقية هي تحرر الإنسان من الخطية وتحرره من عبودية الشهوة ومن سلطان الجسد ، بل تحرره من الذات وفي تعليم السيد المسيح أعطي الناس فكرة جديدة عن الله ذاته كانوا ينظرون إلى الله كقوة جبارة لا يستطيعون الدنو منها حتى أنهم عند إعلان الوصايا العشر على الجبل ، كانوا مرتعدين ، " وقالوا لموسي : تكلم أنت معنا فنسمع ، ولا يتكلم معنا الله لئلا نموت " ( خر20 : 19 ) أما في مجئ السيد المسيح ، فأراهم الله في صورة أخري وأخذوا فكرة عن الله المحب الشفوق ، الوديع المتواضع ، الذي : " لا يخاصم ولا يصيح ولا يمسع أحد في الشوارع صوته . قصبه مرضوضة لا يقصف ، وفتيلة مدخنه لا يطفئ " ( مت12 : 20 ) الله الذي يجول بينهم كراع يسعي في طلب الضال . وكطبيب يضمد الجروح ، وكنور يضمد الجروح ، وكنور حقيقي يشرق للضالين وغير العارفين هذه هي الصورة الجديدة التي قدمها لهم عن الله فأخبوه : " والمحبة تطرح الخوف إلى خارج " ( 1يو4 : 18 ) لأجل هذا كله فرح العالم بمجئ الرب وقف الملاك يحمل البشري للرعاة قائلاً : " ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب " ( لو2 : 11 ) أي أن الفرح لم يكن للرعاة فقط ، إنما لجميع الشعب وليس لليهود فقط ، إنما للعالم كله حقاً إنه فرح عظيم ، رأيناه وضحاً على وجه سمعان الشيخ الذي حل الطفل يسوع على ذراعية ، وبارك الله قائلاً : " الآن يارب تطلق عبدك بسلام لأني عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته قدام جميع الشعوب " ( لو2 : 29 )إنه فرح بالخلاص المنتظر منذ زمان رأينا هذا الفرح على وجه حنة النبيه العابدة القديسة التي " وقفت تسبح الرب ، وتكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداء في أورشليم " ( لو2 : 28 ) وظهر هذا الفرح على وجه اليصابات لما زراتها العذراء ، فامتلأت اليصابات من الروح القدس وقالت للعذراء : " من أين لي هذا ، أن تأتي أم ربي إلى . فهوذا حين صار صوت سلامك في في أذني ، ارتكض الجنين بابتهاج في بطني " ( لو1 : 41 ـ 44 ) حتى الجنين ابتهج ن لأنه كان نبياً ، ويعرف من هو هذا المسيح الذي أتي ولكن هل فرح الكل وابتهجوا ، أم أن هناك من قد حزن ـ للأسف ـ بسبب مجئ المسيح ؟‍ هذا ما سوف نحدثك عنه إن شاء الله في المحاضرة المقبلة . قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل