المقالات
22 سبتمبر 2022
شخصيات الكتاب المقدس نوح
نوح
"اصنع لنفسك فلكاً" تك 6: 14
مقدمة
قد لا يعرف الكثيرون أن قصة نوح كانت من أجمل القصص الكتابية وأعمقها وآثرها وأدناها إلى قلب الواعظ المشهور مودي، وقد لا يعرفون أن مودي لم يكن يمل على الإطلاق من ذكر تأثير هذه القصة عليه في الكثير من مواعظه وأحاديثه وكتاباته، وقد ألف مودي أن يفعل هذا، لأن هذه القصة أراحته وعزته، وكانت بمثابة نقطة التحول في خدمته، في لحظة من أدق وأحرج اللحظات التي مرت به في حياته كلها!!.. كان مودي في ذلك الوقت فاشلاً في الخدمة على أرهب وأدق ما يمكن أن تشتمل عليه كلمة الفشل من معنى، وإذ زاره أحد الأصدقاء ممن يقومون بالتعليم في مدرسة من مدارس الأحد، ورآه مهموماً كئيباً، استفسره عن سر كآبته وحزنه، وإذ أدرك أنه حزين لجدوب خدمته، وعقمها، وعدم إثمارها، أشار عليه أن يعيد تأمله في قصة نوح، قصة ذلك الإنسان الذي ظل يكرز، دون ملل، بين الناس مئة وشعرين عاماً، دون أن يكسب منهم فرداً واحداً لله، ما خلا بيته!! وإذ قرأ مودي القصة من جديد، هاله الفرق الكبير بين إيمان نوح وشجاعته وصلابته وصبره وكفاحه في مواجهة عالم شرير آثم، وإيمانه هو وصبره وجهاده، في عالم مهما يكن شره، فلا يمكن أن يكون ضريباً للعالم قبل الطوفان!! وفعلت القصة فعلها الرائع العجيب فيه، إذ زودته بإدراك ووعي جديد للخدمة، وارتفعت به من وادي الاتضاع واليأس والمذلة والقنوط الذي هبط إليه، إلى قمة النجاح والتقدم والانتصار والعظمة التي بلغها في خدمته فيما بعد!! ولم يعد من ذلك اليوم، كما ألف أن يقول، يعلق عوده على شجر الصفصاف!!
وفي الواقع أن هذه القصة ليست خصبة حية عميقة الأثر في حياة الوعاظ فحسب، إذ تتحدث عن أول واعظ وكارز حدثنا عنه الكتاب، بل لعلها من أمتع وأجمل وأقوى القصص التي تتحدث عن رجل لم يكن من صناع التاريخ فحسب، بل كان هو بذاته نقطة بدء جديدة، في التاريخ، والحياة البشرية!!.. من يكون إذاً هذا الرجل العجيب؟!! وما كرازته؟!! وفلكه؟!! وميثاق الله معه؟!! هذا ما أرجو أن نضعه أمامنا ونحن نتناول شخصيته العظيمة!!.
نوح من هو وما طباعه وحياته؟!!
لعلنا نستطيع أن ندرس الرجل، ونتفهم طباعه وصفاته وأخلاقه في دعة وحق وجلال، إذا أتيح لنا أن نتتبعه من الداخل إلى الخارج، أو من علاقته مع الله في السريرة والنفس، إلى علاقته مع البيت، إلى علاقته مع المجتمع الخارجي، في العالم الذي يحيط به، ويبدو نوح في هذه جميعها وقد اتسم بالخلال التالية:
نوح البار القديس
وهنا يبدو قلب الرجل وجوهره وأعماقه، بل هنا يبدو أساس ما فيه من عظمة ورغادة وجمال ومجد: "كان نوح رجلاً باراً.. وسار نوح مع الله" "لأني إياك رأيت باراً لدي في هذا الجيل" والبر قبل كل شيء، هو الموقف البريء، غير المدان، من الله، أو في لغة أخرى، هو الموقف السليم، من الوجهة القانونية، إزاء حق الله وبره وعدالته وقداسته، ولكن كيف يتاح للإنسان أن يقف هذا الموقف، والكتاب يشهد: "إنه ليس بار ولا واحد. ليس من يفهم. ليس من يطلب الله. الجميع زاعوا وفسدوا ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد"؟! لا سبيل لنا إلا بالبر النيابي: "بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون. لأنه لا فرق إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله، لإظهار بره في الزمان الحاضر ليكون باراً ويبرر من هو بالإيمان بيسوع" وقد كان نوح من المؤمنين بالذبائح التي ترمز إلى هذا الفداء، وهذه الكفارة، وما من شك بأنه درج على تقديم هذه الذبائح كما كان يفعل آدم، وهابيل، وشيث، وأخنوخ، وموسى، وهرون وداود وسائر المؤمنين قبل الصليب!! وما من شك بأنه تعلم من الله كغيره من الأقدمين الذين جاءوا قبل ناموس موسى، الفرق بين الطاهر وغير الطاهر من البهائم والطيور، وكيف تقدم الذبائح من البهائم والطيور الطاهرة دون سواها!! وقد وضح هذا فيما صنعه بعد أن خرج من الفلك إذ بنى مذبحاً للرب وأخذ من كل البهائم الطاهرة، ومن كل الطيور وأصعد محرقات على المذبح!!.. والبر أيضاً يعني الحياة المتميزة المستقيمة المنفصلة عن العالم، والمتصلة بالله، وقد كان نوح بهذا المعنى، باراً لدى الله في جيله، إذ لم يعش الحياة التي كان يعيشها معاصروه، وأهل جيله، إذ انفصل عن شرهم ومجونهم وطغيانهم واستبدادهم، وسار مع الله، ولعل سيره مع الله كان بمثابة الامتياز والوقاية والعلاج له من السير مع العالم!! كان نوح هنا أشبه بتلك الشجرة من الصفصاف التي لاحظ البستاني أنها تميل إلى جانب، وحاول عبثاً أن يجعلها مستقيمة منتصبة، وأخيراً ادرك السر، إذ كان هناك مجرى صغير يندفع تحت سطح الأرض، وكانت الشجرة تميل نحوه إذ هو ينبوع ريها ومصدر انتعاشها وقوتها، وما أن عرف البستاني هذا، حتى سارع إلى قفل هذا الينبوع، وتحويله إلى الجانب الآخر المهمل من الشجرة، وما أسرع ما اعتدلت واستقامت بعد ذلك!!.. وليس هناك شيء يحررنا من إغراء العالم ولهوه ومتاعه ومجونه ولذاته سوى الاتصال بالله، والالتصاق به، والسير معه، والحياة والانتعاش والري بالشركة معه!!
نوح الحلو الشمائل
وما من شك بأن نوحاً كان حلو الشمائل، دمث الأخلاق، رقيق المشاعر، جذاب الشخصية، أطلق عليه أبوه بروح النبوة الاسم "نوح" أي "راحة" إذ قال: "هذا يعزينا عن عملنا وتعب أدينيا من قبل الأرض التي لعنها الرب" وهي لغة إن تحدثت عن شيء، فإنما تكشف لنا الطباع الحلوة الجميلة التي وجد عليها ذلك الإنسان فيما بعد، في علاقته بالناس، على وجه العموم، وعلاقته بأبويه وبيته، على وجه الخصوص، ولعل أفضل مكان يكتشف فيه الإنسان على حقيقته هو بيته، بين أبويه، وأهل منزله، حيث يسقط قناع التكلفة والتظاهر والمواراه، وحيث يبين على الطبيعة دون زيادة أو نقص،.. وقد كان نوح لأبويه بمثابة الابتسامة العذبة في أرض الدموع أو النسمة الرقيقة في الجو اللافح، أو الزهرة العطرة في البرية القاحلة، أو الينبوع الحلو في القفر المجدب!! فكلما ضاق لامك بالتعب والكدح في الأرض وجد في ابنه راحة وعزاء، وكلما اضطرب في علاقته بالأشرار في العالم الذي يحيط فيه، وكادت أنفاسه تختنق، وجد في ابتسامة ابنه وشركته وحلو شمائله ما يغنيه وينسيه عن كل ما في العالم من متاعب!! وكلما أحس الإرهاق يأتيه من هذا الجانب أو ذاك، ونظر إلى ابنه العظيم الغنى بالفضائل إلى جواره ارتقى وارتفع فوق كل تعب وعنت وضيق ومشقة!! وهل هناك في الواقع أفضل من الابن المحب المطيع السامي الأخلاق عندما يتمشى مع أبيه ويشاطره الحياة في ألوانها المختلفة المتعددة!!
نوح ذو الشخصية القوية
وهذا يعني أن نوحاً لم يكن إنساناً عاطفياً حلو الشمائل فحسب، بل كان أكثر من ذلك إنساناً "كاملاً في أجياله" والكلمة "كاملاً" تفيد توازن الشخصية وتمامها، أي أن شخصيته لم تكن تنمو في جانب على حساب جانب آخر، أو في لغة أخرى، إن عاطفة نوح لم تنم على حساب فكره أو إرادته، والعكس صحيح، أي أن فكره لم يقو على عاطفته مثلاً فيضحى جامداً، أو على إرادته فيمسى متخلفاً!! والكمال هنا كأي كمال بشري كمال نسبي غير مطلق، إذ هو كمال بالنسبة للأجيال التي عاش فيها، وفي الحدود التي يمكن أن يبلغها الإنسان على الأرض، فالصبي عندما يأخذ درجة الكمال في الامتحان، فذلك ليس معناه أنه أصبح مثل معلمه وأستاذه، وأنه ليس في حاجة إلى كمال آخر، بل معناه أنه كامل في حدود سنه واستعداده وإمكانياته وملكاته، وكلما استعت هذه وزادت كلما طولب بالصعود في مدارج الكمال!!
وبهذا المعنى يمكننا أن نقول، ونحن في أمن واطمئنان، أن نوحاً كان من أعظم رجال عصره حكمة وأصالة وفكراً، بل لعله كان من أعظم رجال التاريخ ذكاء وصفاء والمعية وهل يمكن أن يكون غير هذا وقد رفعه الله في التاريخ ليكون أبا البشرية كلها من بعد الطوفان؟!! وهل يسمح الله أن يكون مورث البشر إنساناً محدود المدارك ساذج التفكير؟!!
وبهذا المعنى يمكننا أن نقول أيضاً أنه كان من أعظم رجال الأجيال وأقواهم إرادة وعزماً، بل لعل التاريخ لا يعرف شخصيات كثيرة كانت لها صلابة هذا الرجل وقوة إرادته!! كيف لا وقد كانت له الشجاعة والصلابة والقوة التي تجعله يقف في جانب، والعالم كله في جانب؟! كان عصر نوح عصراً بشعاً مريعاً اتسم بخطايا متعددة، إذ كان عصر الشهوة والمجون، العصر الذي سقط فيه أبناء الله –وهم النسل المنحدر من شيث، وليس الملائكة الذين سقطوا كما يظن البعض –تحت إغراء بنات الناس- وهذا النسل المنحدر من قايين- فاتخذوا لأنفسهم منهن نساء كما قادتهم طبيعتهم الجامحة ورغبتهم المدنسة، وكان عصر التمرد والعصيان، أو العصر الذي لا يسترشد فيه الناس بفكر الله، بل كان لهم: "كل ما اختاروا" العصر الذي قيل فيه: "إن شر الإنسان قد كثر وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم" وكان أيضاً عصر الظلم والطغيان، العصر الذي فيه: "امتلأت الأرض ظلماً" و"كان في الأرض طغاة في تلك الأيام" وكان أخيراً عصر التعالي والمجد العالمي، العصر الذي كان يسعى الناس إليه وراء العظمة والسؤدد والمجد ومنهم: "الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم".. في هذا العصر عاش نوح، ولو أنه كان أضعف إرادة، وأسلسل قياداً، لانهزم وانهار أمام ما لا يعد ولا يحصى من التجارب والمشاكل والصعوبات التي كانت تواجهه، ولا شك، كل يوم. لكن الرجل عاش، في وسط هذه الظروف القاسية المروعة، وكأنما يجيب ذات الإجابة التي أجاب بها فيما بعد القديس أثناسيوس عندما قالوا له: "إن العالم كله ضدك" فأجاب: "وأنا ضد العالم".. كان نوح من الأبطال وصناع التاريخ الذين إذ يؤمنون برأي أو عقيدة أو مبدأ يقفون إلى جواره، ويعيشون له، ويموتون في سبيله، حتى ولو لم يقف إلى جوارهم أحد على وجه الإطلاق، لأنهم يؤمنون بغلبة الحق، يوماً ما، طال الزمان أو قصر، وسواء رأوا هم هذه الغلبة، أم رأتها أجيال أخرى تأتي بعدهم!!
نوح الصبور
وهذه سمة بارزة واضحة في طبيعة هذا الرجل وأخلاقه وكان لابد أن توجد فيه، ويكون عليها، وقد خالف جميع الناس الذين عاصرهم وعاش معهم، ونهج في الحياة بأسلوب يتباعد ويتباين عن أسلوبهمعلى أن صبر الرجل، يتضح بأجلى بيان في كرازته المستمرة لمن عاش بينهم مدة مائة وعشرين عاماً دون أن يكسب منهم فرداً واحداً لله، ومع ذلك لم ييأس أو يقنط أو يكل في مجهوده معهموهل يمكن أن يوجد بعد ذلك بين الناس من يضارعه في الصبر والاحتمال والأناة؟إذا استثنيناه لا شك ذاك الذي لم يعش بيننا صابراً فحسب، بل حمل في صبره آلام الأجيال وخطاياهم في جسده على خشبة العار، ومن ثم استحق أن ينفرد وحده بلقب ابن الإنسان، وأن يكون المثال الأول في الصبر، حتى ليمكن أن يقال: "والرب يهدي قلوبكم إلى محبة الله وإلى صبر المسيح" (2تس 3: 5).
نوح وكرازته
ونوح هو أول وأقدم كارز حدثنا عنه الكتاب، وهو يمكن أن يدعى، من هذا القبيل، أبا الكازين والوعاظ، وقد ذكر الرسول بطرس في معرض الحديث عنه نوع الكرازة التي كان ينادي بها إذ كان "كارزاً بالبر" ولا أحسب أن هناك كلمات أروع وأجل من كلمات الكسندر هوايت، وهو يتحدث عن كرازته إذ قال ما موجزه: "لقد أعطانا الرسول بطرس إضافة هامة عن حياة نوح بعد الأربعة الأصحاحات التي ذكرها موسى عنه عندما قال: "حفظ نوح ثامناً كارزاً للبر".. وكواعظ يهمني جداً –بطبيعتي كواعظ، ولأسباب أخرى كثيرة- أن أعرف لماذا لم ينجح نوح في خدمته كواعظ؟ألأنه كان يكرز بالبر؟قد يكون هذافبخبرتي أعرف أن البر هو الشيء الوحيد الذي ينفر منه السامعون، فقد يرحب بعض الناس بأنواع أخرى من الوعظ، كالوعظ الجدلي، والوعظ الدفاعي، والوعظ التاريخي والقصصي، والوعظ العقائدي، والوعظ التبشيري، وقد يطلبونها، ولكنهم جميعاً يتفقون في مقاومة ورفض الوعظ بالبر، الوعظ بالتوبة والإصلاح الوعظ بالأخلاق والتصرف الحسن.. أجل فهذه لا يقبلونها أو يرحبون بها، ويوسيفوس يتبع موسى والرسول بطرس إذ يخبرنا أن نوحاً وعظ الناس وألحف في الحديث معهم إلى درجة أنه خاف من أن يقتلوه، وهناك شيء واحد ينبغي تأكيده، وهو أن نوحاً لم يفسد وعظه بحياته كما يفعل الكثيرون من الوعاظ، إذ له هذه الشهادة طوال كرازته ووعظه أنه سار مع الله، إذ قال له الرب وهو يأمره بصنع الفلك: "لأني إياك رأيت باراً لدي في هذا الجيل"على أن هوايت يستطرد فيقول أنه ربما كان لحام بن نوح أثر في إفساد رسالة أبيه إذ أنه بحياته وتصرفاته وأعماله كان يضعف من قوة تأثير هذه الرسالة على الآخرين ومع أننا نقر هذا الواعظ العظيم والكاتب الألمعي، إلى حد بعيد، في أنه ليس هناك ما يفسد أثر رسالة الكارز والواعظ أكثر من تصرفات بنيه وبناته وأهل بيته، إلا أننا لا نستطيع أن نبلغ هنا مبلغ الجزم في تحديد الأثر الذي تركه حام في رسالة أبيهوكل ما نستطيع أن نقوله هنا هو أن الناس تختلف باختلاف الأجيال في قبول الرسالة أو رفضها، والحياة الدينية موزعة بين المد والجزر باختلاف الظروف والأزمنة والأمكنة والأجواء التي تعيش فيها البشرية، وليس أدل على ذلك من قول السيد المسيح وهو يوازن بين المدن التي صنعت فيها أكثر قواته والمدن القديمة عندما قال: "ويل لك يا كورزين. ويل لك يا بيت صيدا لأنه لو صنعت في صور وصيداء القوات المصنوعة فيكما لتابتا قديماً في المسوح والرماد.. وأنت يا كفر ناحوم المرتفعة إلى السماء ستهبطين إلى الهاوية لأنه لو صنعت في سدوم القوات المصنوعة فيك لبقيت إلى اليوم".. إن مأساة نوح الكارز هو أنه عاش في العصر الذي قال فيه الرب: "لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد"
نوح وفلكه
وهل يمكن أن يذكر نوح دون أن يذكر الفلك أيضاً؟وأليس قصة نوح مرتبطة إلى حد بعيد بقصة ذلك الفلك الذي كان حداً فاصلاً بين عالم قديم وآخر جديدولعله من اللازم أن نقف قليلاً منه لنسمتع إلى ما يمكن أن يعظ به يتحدث!! وأغلب الظن أنه سيكشف لنا عن هذه الحقائق العظيمة التالية:
الفلك وعدالة الله
وهل هناك في التاريخ ما هو أعلى صوتاً وأقوى عبارة في الحديث عن عدالة الله كفلك نوح؟لقد أمر الله ببناء هذا الفلك لأن الأرض امتلأت ظلماً، ومن ثم كان لابد أن يضع الله نهاية لهذا الظلم، وهو السيد والملك والحاكم والديان العادل، وكان لابد في الوقت ذاته من أن يصنع تفرقة بين البار والأثيم. فلا يهلك البار مع الأثيم، وإذ وجد لديه إنساناً واحداً باراً مع بيته، أمر بصنع الفلك والدخول فيه، ليقيم بذلك حكم العدالة فلا يقال: "أديان كل الأرض لا يصنع عدلاً" وإذا كانت الطبيعة البشرية الناقصة، إذا أوتيت شيئاً من النبل وسمو الخلق، تمقت الظلم، وتكره الطغيان، وتنشد العدالة، وتفخر بها، وإذا كان الإغريق قد رمزوا إلى العدالة بامرأة معصوبة العينين، تمسك بيدها ميزاناً للحكم بالعدل بعيداً عن الهوى والحيز والميل، وإذا كان الرومان قد ألفوا بأن يباهوا بأنهم رجال العدالة في كل التاريخ، حتى لقد وجد بينهم بروتس القاضي الروماني، الذي حكم على ولديه بالإعدام، إذ ثبتت خيانتهما، وعصب عينيه ساعة تنفيذ الحكم لكي لا يرى موتهماوإذا كانت العصور الحديثة تعتبر العدالة أعلى مقياس للرقي والتقدم والحضارة في أمة من الأممفهل يكون الله الكامل العادل بطبيعته أقل إحساساً بها من البشر الناقصين؟
إن عدالة الله هي الملاذ الذي يلجأ إليه كل تعس شقي مظلوم في الأرض، وهو العدالة التي تجعلنا نغني مع فيبر قائلين: إن عدالتك يا رب هي الفراش الذي تهجع إليه قلوبنا القلقة، حيث تنام متاعبنا، وتنتهي ضيقاتنا!!
الفلك وقداسة الله
وقد تحدث الفلك أيضاً عن قداسة الله، إذ أنه تعالى قدوس يكره الخطية، ولا يتصورها، وإذا كانت السماء ليست بطاهرة أمام عينيه، فهل يعقل أن يسكت على الأرض وقد امتلأت بالفساد أمام عينيه؟! لقد كانت الأرض أشبه بالثوب المتسخ، أو الوعاء القذر، الذي لابد أن يغسل وينظف؟! وقد غسلها الله بالطوفان، ليبدأ مع نوح وبيته من جديد!!.. وإذا كان داود دينس الرجل الذي أوتي شيئاً من القداسة –في قصة قلب مدلوثيان لسرولترسكوف- قد حزت في أعماق قلبه خطية ابنته، وكان يتمنى في باديء الأمر أن تظهر بريئة، ولكن لما ثبتت إدانتها اكتسى وجهه بالغضب، وظهر فيه الرجل الإلهي المقدس، فقال لأختها: "لقد ذهبت عنا، لأنها ليست منا، فلتذهب إلى حال سبيلها، وليعمل الرب معها ما يشاء!! كانت ابنة الصلاة، وكانت لا تستحق أن تطرد من ذكرانا!! ولكن لا تدعي من الآن اسمها يجري على لسانك بيني وبينك" إذا كان داود دينس يقف هذا الموقف من الخطية مع ابنته، فهل يكون موقف الله القدوس من الأرض الفاسدة أضعف وأقل؟!! حاشا وكلا!!
الفلك ورحمة الله
وقد كان الفلك أيضاً إعلاناً عن رحمة الله، لا بالنسبة لنوح فحسب بل بالنسبة أيضاً للذين هلكوا، كيف لا وقد أبى الله أن يباغت الناس بالطوفان بل أمهلهم مئة وعشرين سنة صنع في أثنائها الفلك، وكان كل مسمار فيه، وكل قطعة خشب، تنادي الناس وتحذرهم من الغضب الرهيب الآتي؟! وهل يمكن أن يجد المرء عذراً للعدد الكبير الهائل ممن اشتركوا في بنيانه وصنعه، من عمال وصناع ونجارين وحدادين وغيرهم، ممن كان من المحال أن يصنع الفلك بدونهم؟!! أليس هؤلاء مثالاً لمن يعيشون في جو الخدمة الدينية، أو يقومون بحكم المهنة والعمل بخدمات كثيرة في الكنيسة، والمساعي، ومدارس الأحد، وجمعيات الشبان، والشابات، والنشر، والإذاعة وغيرها من أوجه النشاط الديني، ولكنهم يطرحون آخر الأمر في جهنم النار، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تطفأ، ولسان حالهم يقول "ويحنا وبئساً لنا أبعد ما كرزنا للآخرين نصير نحن مرفوضين؟!!".
الفلك ومحبة الله
على أن الفلك إن تحدث آخر الأمر فإنما يتحدث قبل كل شيء، وبعد كل شيء عن محبة الله العميقة العجيبة غير المتناهية للناس!! كيف لا والفلك ليس إلا رمزاً للخلاص المجاني الكامل المجيد الذي لنا في المسيح يسوع!! لقد صنع الفلك بترتيب الله وحكمته دون أن يكون وليد فكر الإنسان ورأيه ومشورته وتدبيره، وهكذا كان الخلاص منبعثاً من أعماق المشورة الإلهية الأزلية من دون فكر أو شركة للناس!! يضاف إلى هذا أن الخلاص من الطفوان لم يكن إلا بشيء واحد لا غير، ألا وهو الاتجاء إلى الفلك، والدخول فيه، والاحتماء به، وهكذا خلاصنا الأبدي لا يمكن أن يكون سوى بالاندماج في المسيح، فلكنا العظيم، والاحتماء به والاختباء في جنبه المطعون!! وكما احتمل الفلك جميع التيارات واللجج والأمواج المتلاطمة التي كانت تصفعه، وتحيط به من هنا ومن هناك، هكذا احتمل المسيح يوم الصليب جميع تيارات الله ولججه التي طمت عليه!! فإذا كان نوح قد غني، ولا شك، هو وأولاده وبيته، وهم داخل الفلك، لرحمة الله وجوده ومحبته التي أعدت لهم هذا الخلاص العظيم!! أفلا يجمل بنا أن نغني في المسيح لرحمة الله ومحبته الأبدية التي لا تدرك أو توصف!!
نوح وميثاق الله معه
وآخر ما نختم به الحديث عن نوح هو ذلك الميثاق الذي أقامه الله معه ومع نسله إلى الأبد عندما قال: "وضعت قوسي في السحاب. فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض" وقد دعا الكسندر سملي هذه القوس "مبشر الله في الجو" وفي الواقع أنها إن تحدثت عن شيء فإنما تتحدث أولاً قبل كل شيء عن وجود الله ولطفه وحنانه ورحمته.. خرج نوح من الفلك، وتأمل هنا وهناك، فإذا به يرى من المناظر ما يملأه رعباً وخوفاً وهلعاً، لقد أبصر الدنيا حوله خراباً يباباً، أبصر الله وقد قضى على كل حي!! أين الرجال الذين رآهم مراراً؟!! أين المدن المرتفعة أين الجمال والحياة البشرية العامرة الزاخرة؟!! لقد انقضت هذه كلها، وأضحت أثراً بعد عين، وانتاب نوح، ولا شك، الإحساس الغامر الرهيب بالخوف والقلق والاضطراب!! ألا يمكن أن يتكرر الطوفان مرة أخرى؟!! وألا يمكن أن تحدث هذه المأساة بين بنيه وأحفاده في المستقبل القريب أو البعيد؟!! وصلى نوح، كما يقول يوسيفوس المؤرخ اليهودي، وتضرع إلى الله، ألا يحدث مثل هذا الطوفان مرة أخرى؟!! وأجاب الله على هذه الصلاة "بأن رفع عينيه إلى فوق، وأراه قوس قزح الجميلة المنظر، وكأنما يقول له لا تفزع يا نوح أو تخف، فأنا لست الإله المنتقم القاسي الرهيب الذي تظنه، بل أنا الآب المحب العطوف الجواد؟!! تأمل قوس قزح هذه، وهل تجدها تشابه قوس الحرب والقتال؟!! كلا فإنك لن تجد في هذه القوس سهماً، بل ستجد القوس نفسها، وقد تجردت من الوتر، وانحنت إلى أسفل لتمس الأرض مساً رقيقاً خفيفاً!!.. وهكذا كان عهد الله وميثاقه مع نوح، عهد الصداقة والمودة والرفق والجود والمحبة التي لا يمكن أن تقهرها خطية أو إثم!!
على أن قوس قزح تتحدث مع ذلك عن كمال الله وقداسته، إذ أن هذه القوس مكونة من سبعة ألوان، والسبعة تكون مجتمعة معاً، اللون الأبيض الذي يرمز إلى القداسة والكمال، أو في لغة أخرى أن كل صفات الله تعبر مجتمعة معاً عن قداسته ونقاوته الكلية وأنه مع محبته للخاطيء، ورحمته له، لا يمكن أن يشق الطريق إليه إلا بطلب القداسة والسعي ورائها: "القداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب" عب 12: 14.وآخر الكل أن هذه القوس تتحدث عن جمال الله وحلاوة الشركة معه؟!! وهل رأيت مثل قوس القزح في الجمال؟!! وهل أدركت أن الميثاق مع الله يأسر القلب، ويملك اللب، ويخلب المشاعر، ويرفع النفس إلى لذة لا توصف أو تداني؟!! وهل علمت أن الحياة مع المسيح لها متعة دونها كل متع الحياة ومسراتها وملاهيها ومباهجها؟! وهل تبينت أن الوجود كله يرقص ويغني أمام عيني من عرف المسيح وعرف منه أو كما قال يوناثان ادواردس بعد تجديده: "لقد بدا جلال الله البارع أمامي في كل شيء، في الشمس، في القمر، في النجوم، في الحياة، في الطبيعة كلها،.. لقد خلق ابن الله العالم لهذه الغاية: أن يظهر من ورائه بصورة ما عظمته ومجده، فعندما نبتهج بالزهر المونق والنسيم الرقيق يمكننا أن نكتشف إحسان المسيح!! وعندما نتأمل الورود العطرة وزنابق الحقل البيضاء يمكننا أن نتبين محبته ونقاوته، وهكذا الأشجار وأغاني العصافير ليست إلا إعلاناً عن فرحة وجوده، والأنهار وتموجات المجاري ليست إلا مظهراً لوقع أقدام نعمته وجماله. وحين نلحظ لمعان الشمس والشفق الذهبي أو قوس قزح الجميلة يمكننا أن نرى جلاله وطيبته، ولهذا دعى المسيح شمس البر، وكوكب الصبح، ونرجس شارون، وسوسنة الأودية!!".
المزيد
15 سبتمبر 2022
شخصيات الكتاب المقدس نحميا
نحميا
" كيف لا يكمد وجهى والمدينة بيت مقابر آبائى خراب وأبوابها قد أكلتها النار "" نح 2: 3 "
مقدمة
هل سمعت عن أسطورة « النافذة العجيبة »؟... تلك النافذة التى يقال إنها كانت نافذة سحرية، ورآها رجل إنجليزى كان يعمل كاتباً فى لندن، واشتراها من الشرق، وأحضرها معه، ووضعها مقابله ليطل منها على المدينة وتقول القصة إن الكاتب عندما كان ينظر من النافذة، لم يكن يرى أمامه لندن المزدحمة الممتلئة بالضوضاء والضجيج والأحداث والحوادث، وكل ما يؤلم النفس ويضايقها من تعاسة الفقراء والمتعبين والمحزونين والمرضى، بل كان يبصر أمامه لندن الجميلة الرحبة ذات القصور والحدائق والناس السعداء، كما كان يرى على أعلى حصن فيها علماً أبيض يقف أسفله بطل عظيم يسهر على المدينة ويحرسها من تنين رهيب، وكان الكاتب كلما ضاق بنفسه وعمله وأحزان الناس يلقى بنظره على المدينة من النافذة ليرى صورة أخرى تشجعه وتلهمه وتقويه، صورة المدينة وقد تتحررت من التعاسة والألم أغلب الظن أن نحميا كان يتخيل فى شوشن أورشليم بعد أن عاد إليها المسبيون، وقد خرج فوجهم الأول منذ تسعين عاماً خلت،... وقد تحولت إلى مدينة استطاعت أن تنقض عنها الهوان والخراب والمذلة التى وصلت إليها عندما دكها نبوخذ ناصر دكاً، وهوى بها إلى التراب والحضيض، ولكنه روع وصعق عندما جاء أخوه ضانى، وبعض الزائرين لشوشن، ليخبروه عكس ذلك تماماً، ويحدثوه عن عارها وأبوابها والمحروقة بالنار!!... ولم يعرف نحميا بعد ذلك طعم الحياة والراحة والسعادة، قبل أن يبنى سور المدينة، ويعيد إليها الأمن والراحة والسلام والحياة!!.. إنها قصة بطل تروى فى كل جيل وعصر، لتعلم الأجيال، ما قاله دانيال وبستر عندما سأله أحدهم عما هى أعظم مسئولية تقع عليه فى الحياة؟ … فأجاب: هى مسئوليتى تجاه ابن اللّه!! وها نحن لذلك نتابع القصة فيما يلى:
نحميا ومحنته
كان نحميا ساقى الملك، ولم يكن يبلغ هذا المركز إلا أعظم الناس وأقربهم إلى قلوب الملوك،... وهو أشبه بمن يطلق عليه الآن وزير البلاط، أو كبير الأمناء،... وهو المسئول عن الشئون الخاصة بالملك، وعن طعامه وشرابه، ولم يكن يصل إلى هذا المركز إلا بعد البحث العميق الدقيق، الذى فيه يطمئن إلى عمق ولائه وإخلاصه، فى وقت كان يتعرض فيه الملوك عادة للموت بدس السم فى الطعام أو الشراب..!!
وعندما قدم نحميا الشراب للملك، كان ممتلئاً من الألم والحزن والكآبة التى لاحظها الملك، من الوهلة الأولى، فقال له: « لماذا وجهك مكمد وأنت غير مريض ما هذا إلا كآبة قلب » " نح 2: 2 "... ومع أن نحميا خاف كثيراً لئلا يتسرب الشك فى ولائه إلى الملك،... إلا أن الواقعة فى حد ذاتها كانت تبدو غريبة للناظر العادى،... ولو أننا سألنا جميع الناس عن نحميا، لقالوا إنه الإنسان السعيد المحظوظ المبتهج، الذى يشغل هذا المنصب الجليل الخطير،... بما فيه من مزايا لا تحصى ولا تعد،... وقد كان غريباً أن يكون نحميا كئيباً إلى هذا الحد الملحوظ... ولو أنه كان مريضاً، لرسم المرض خطوطه على وجهه، بما يمكن أن يصاحب ذلك من ألم أو تعاسة أو أنين، لكن الملك نفسه يشهد أنه غير مريض!!... وما أكثر الذين تهون كل الأمور أمام عيونهم طالما كانوا أصحاء لا يشكون داء أو مرضاً، ولكن نحميا الصحيح، المعافى، كان عميق التعاسة والكآبة والألم!!... ومن البادى أيضاً أن حزن نحميا لم يكن بسبب مأساة أو ضيق يعانيه فى بيته وأسرته،... عندما رأى أليشع الشونمية آتية من بعيد أرسل جيحزى ليسألها: « أسلام لك. أسلام لزوجك. أسلام للولد » " 2 مل 4: 26 "... وهو يعنى أنه إذا كان السلام يحيط بالثلاثة، وأنه ليس فى البيت أمر ينغص من هذا القبيل، فإن أية أخبار أخرى ستبقى أقل شأناً، وأضعف أثراً،... ويمكن للمرء أن يتقبلها بالهدوء والأناة، مهما كانت نتائجها،... ولم يكن يعانى نحميا فى حدود علمنا متاعب من هذا القبيل فى بيته، يمكن أن تعكر صفوه، أو تطبع على وجهه ما رأى الملك من حزن وكآبة!!... إن الكثير من المحن التى يتعرض لها الناس تكون عادة داخل أسوار البيت: الولد فاشل، والبنت متمردة، والزوج أحمق، والزوجة صخابة مقلقة،... ولكن يبدو أن بيت نحميا كان عظيما، وكانت حياته المنزلية ممتلئة بالرضى والهدوء والراحة،... ومع ذلك كان نحميا تعساً حزيناً، لبيته الأوسع والأعظم، فى أورشليم هناك!!... ولم يكن نحميا فى حاجة إلى مادة أو مال، مما يمكن أن يكون سبباً لمذلته وهوانه، فلم يكن يواجه مشكلة مالية، كالأرملة التى جاءت صارخة إلى أليشع لأن زوجها قد مات، وخلف ور اءه ديناً ثقيلا، وجاء المرابى ليأخذ ولديها عبدين،... والدين كما ألفنا أن نقول: هم بالليل ومذلة بالنهار!!... ومع أن خزانة نحميا كانت ممتلئة وفياضة بالكنوز، لكن هذه الكنوز لم تعطه الراحة قط،... وفقر أورشليم يطحنها طحناً، ويحولها أكواماً من الرماد والتراب!!... ولم تكن مشكلة نحميا من مشاكل الوظيفة التى كثيراً ما تقلق الموظفين، لأنهم لم يأخذوا حقهم، أو تخاطهم من هم دونهم درجة وكفاءة،... لقد كان فى مركزه المرموق، الذى سنرى أنه قد ضحى به، بحثاً عن التعب والمشقة،... ومراكز الدنيا كلها، لا تساوى شيئاً إزاءأ إحساس الإنسان بأن عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر،... وأن أبسط خدمة للسيد، لا تساويها تيجان الملوك ومراكز الأمراء والسادة،... عندما دعى وليم كارى أبو المرسليات الحديثة أن يكون وزير الهند فى الوزارة البريطانية، لمعرفته بالهند، وبرجالها، إذ كان المرسل العظيم هناك، أجاب إجابة نحميا: « إنى عامل عملا عظيماً فلا أقدر أن أنزل » " نح 6: 3 "... وعندما قدمت له بلاده مائة ألف جنيه لخدمة قام بها، حول المبلغ كله للعمل المرسلى!!..
ومن الغريب أن نحميا كان مخروناً، لمشكلة تبعد عنه قرابة ألف ميل، والإنسان فى العادة يفزع ويتألم للمشكلة التى تقع على مقربة منه أو على مرمى البصر والمثل الشائع: إن القريب من العين، هو القريب من القلب، فإذا بعد الإنسان عن مكان الفاجعة، فمن السهل تصور إنه لا يعود ينظر إلى المشكلة أو ينشغل بها، ولهذا ما أكثر ما يهرب الهاربون، أو يهاجرون إلى آخر الأرض، إذا ضاقوا بالحياة، فى مكان ما، أوضاقت الحياة بهم فيه، لكن نحميا كان بعيداً عن أورشليم، ولكن أورشليم لم تكن بعيدة عن قلبه وعواطفه وأشواقه وآلامه!!... وكان يمكن لنحميا أن يستريح ويهدأ نفساً، لأن المشكلة تراث قديم، ولدت قبل أن يولد، وهو بعض ضحاياها.إذ ولد هو فى المنفى، فى السبى، وهو لا يستطيع أن يحمل هموم التاريخ،كما أنه لم يصنع هو المشكلة، ومن حقه أن لا يكون مسئولا عنها،... وما أكثر ما يفعل ذلك الكثيرون عندما تتفتح عيونهم على الشر المسيطر فى الأرض، وتحيط بهم المشكلة التى تبدو حياتهم تجاهها صغيرة ضئيلة، فيستسلمون لها استسلام الإنسان الذي لا ينهض فى فكره أن يغير من الواقع أو يبدل منه شيئاً على الاطلاق!!... كان يمكن لجميع هذه العوامل أن تنتزع الأسى والألم من نحميا، ولكن دون جدوى!!..
نحميا وقلبه
وضع الملك أرتحشستا يده على سر نحميا فى عبارة واحدة: « ما هذا إلا كآبة قلب» " نح 2: 2 ". وإذا كان الطبيب يعلم بأن سر الحياة مرتبط بالقلب، فأنت صحيح على قدر ما يكون قلبك، وأنت فى خطر داهم، إذا أخذت العلة مكمنها فى هذا القلب،... فكذلك الأمر فى الحياة المعنوية والأدبية والروحية جميعاً، والتى ترتبط بالقلب أعمق الارتباط وأقواه،... فاكشف لى من قلبك، أحدثك من أنت ومن تكون!!... ولأجل هذا قال الحكيم: « فوق كل تحفظ احفظ قلبك لأن منه مخارج الحياة»... " أم 4: 23 " وإن أكبر مأساة فى الحياة أن يوصف إنسان بالقول: أنه لا قلب له!!... كان نيرون بلا قلب، غنى وهو يرى روحاً تحترق،... وقد صور تشارلس ديكنز فى قصة مدينتين رجلاً فرنسياً من الطبقة الأرستقراطية وهو يسير مسرعاً فى شوارع باريس بعربته المطهمة، فتدوس العربة فى الطريق طفلا،... وتوقف الرجل، لا ليرى ما حدث للطفل، بل ليرى ما حدث للجواد لئلا يكون قد أوذى فى قدمه، ويلقى بقطعة من النقود فى وجه أبى الطفل الذى جاء ليحمل ابنه الصريع،... إنهار منجم فى الولايات المتحدة، وبترت ذراع غلام اسمه جون ما كدويل، والذى أصبح فيما بعد خادماً شهيراً من خدام اللّه، ولكن الشئ الغريب، أنهم عندما عادوا إلى سجلات الحادث بعد سنوات من وقوعه،... وجدوا أن السجلات قد سجلت مصرع بغل غالى الثمن، كان يقوده غلام صغير،... لقد عنيت السجلات بالبغل الذى كان ثمنه فى ذلك الوقت أغلى من الغلام الذى كان يقوده!!.. وما أكثر الناس الذين يعيشون ويموتون ولو دققنا فى وصفهم لصح القول أنهم عاشوا قساة القلوب!!... بل كان الواحد منهم - فى الحقيقة - من غير قلب!!. وما أكثر القلوب الأنانية التى تغمض عينها فى الدنيا عن كل شئ سوى الدائرة الصغيرة الضيقة التى لا يتجاوز البيت والزوجة والأولاد، وليأت الطوفان بعد ذلك ليأخذ الجميع،... وما أكثر القلوب الشريرة التى لا تستريح إلا إلى عمل الشر ويجافيها النوم إن لم تفعل سوءاً،... لكن قلب نحميا كان شيئاً آخريختلف تماماً عن هذه القلوب، ويحكى السر العظيم فى حياة الرجل،... عندما وقف أمام الملك، كانت يده تحمل الشراب وكان جسمه بكامله أمام إرتحشستا، إلا أن قلبه لم يكن هناك على الإطلاق،.... كان القلب مشغولا طوال الوقت بمدينة حبه وأحلامه وأشواقه البعيدة،... ولو أن واحداً أراد أن يصف نحميا، لصوره بصورة الوطنى العظيم الذى يحن إلى تراب بلاده،... إنه دانتى آخر يسير فى أرض المنفى ولكن، أنظاره وأشواقه وأفكاره تعيش مع فلورنسا، المدينة التى أحبها حتى الموت، وحرم عليه أن يراها طوال حياته على الأرض،... لكن أورشليم، عند نحميا، كانت شيئاً أكثر من هذا،... كانت شيئاً أكثر من أن تكون المدينة التى وصفها للملك مقابر آبائه،... إنها عنده سيدة المدن، مدينة الرؤى والأحلام، إنها المدينة التى علق المسبيون أعوادهم فى بابل على الصفصاف وهم يبكون قائلين: « كيف ترنم ترنيمة الرب فى أرض غريبة؟ إن نسيتك يا أورشليم تنسى يمينى - ليلتصق لسانى بحنكى إن لم أذكرك إن لم أفضل أورشليم على أعظم فرحى » " مز 137: 4 - 6 " إن أورشليم فى تاريخها القديم ارتبطت بالرب،... وارتفع المفهوم الوطنى معها إلى المفهوم الدينى،... وقد أطلق عليها المسيح لذلك: « مدينة الملك العظيم »،... وأحبها، وبكاها، وهو يرى خرابها ودمارها الرهيب الوشيك،... وقال لها فى أعمق حديث من الحب والحنان « يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فرخها تحت جناحيها ولم تريدوا هو ذا بيتكم يترك لكم خراباً » " مت 23: 37 و38 "
يقول مثل قديم: « أموت حيثما يكون قلبى »... وفى الحقيقة يمكن أن نضع المثل فى صورة أقوى وأعمق إذا قلنا أعيش وأموت حيثما يكون قلبى!!... وقد عرف الرسول بولس الحقيقة بصورة أدق وأشمل عندما قال: « لأن لى الحياة هى المسيح والموت هو ربح » " فى 1: 21 " وقد ارتبط نحميا بمدينته، أو بتعبير أصح وأعمق بإله مدينته، وهو لهذا لا يرى حقيقة حياته كالوزير صاحب المركز المرموق فى شوشن المدينة االعظيمة،... وإن هذا المركز لا يساوى قلامة ظفر. بالنسبة لروأه وأحلامه، وكل مجده أمام الناس لا يمكن أن يكون شيئاً تجاه الحقيقة الداخلية التى يعيشها فى شوشن أو فى أورشليم. إنه يعيش ليقول مع بولس: « لأن ليس أحد منا يعيش لذاته ولا أحد يموت لذاته. لأننا إن عشنا فللرب نعيش وإن متنا فللرب نموت فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن » " رو 14: 7 و8 " وبهذا المعنى عاش نحميا ومات،... وهو يرى تراب أورشليم وأنقاضها أعظم وأجل عنده من تبر شوشن ومجدها،... وبهذا المعنى يمكن أن يحيا المؤمن ويعيش ويموت، وهو يرى كنيسة المسيح، عمود الحق وقاعدته، فى أبسط صورها وأصغرها، أعظم وأمجد من كل قصور الملوك وأمجادها وبهذا المعنى ترك ميشيل فرداى حفلا من أعظم الحفلات، إذ تذكر أن إخوته فى ذلك الوقت يتعبدون كجماعة صغيرة أمام اللّه،... وعنده أن اجتماعهم لا يضارعه أن اجتماع فى الأرض!!... فإذا ذكرنا أن نحميا استبدل مجده وراحته وجلاله وعظمته فى شوشن، بالتعب والشقاء والضيق والأخطار والأسى فى أورشليم، عرفنا كيف تكون الحياة فى جلالها وسموها، وأدركنا معنى ما قاله ليفنجستون عندما حدثوه عن البذل والتضحية والخدمة التى يقوم بها، فقال: أنا لا أعرف أنى قدمت تضحية فى حياتى على الإطلاق!!... إن خدمة المسيح لا يمكن أن تكون تضحية يقوم بها الإنسان، بل هى شرفه العظيم التليد!!..
إن قصة نحميا تنتصب أمامنا على توالى العصور والأجيال، كأروع مثال للحياة التى أدركت هدفها الوحيد الصحيح، وثبتت النظر إليه والتفكير فيه، دون أن تتحول عنه أو تريم قيد أنمله!!... فإذا سألتنى عن حب نحميا، ذكرت لك على الفور إنه أورشليم!!... وإذا تحدثت إلى عن غيرته الملتهبة،... أقول لك إنها لا شئ غير أورشليم!!... وإذا ذكرت لى شجاعته الغريبة والعجيبة فى وسط المخاوف والأهوال والمتاعب،... لقلت لك إنها شجاعة التكريس من أجل أورشليم!!... فإذا سألتنى: ما مثاله العظيم المتكرر على مر الأجيال والعصور؟!! … لقلت لك إنه المثال الذى رأيته فى عشرات الألوف من الأبطال، الذين كرسوا حياتهم من أجل أورشليم السماوية العليا التى هى أمناً جميعاً، … كنيسة اللّه العظيمة، التى يتربص بها الأعداء، ولكن أبواب الجحيم لن تقوى عليها!!..
نحميا والصعاب القاسية أمامه
لقد تحدثنا فى دراستنا السابقة عن زربابل وعزرا وغيرهما من القادة والملوك، الذين لم تكن الطريق سهلة ميسورة أمامهم، وهم يكافحون أقسى الصعاب وأرهب المشقات، فى جهادهم المرير المضنى، الموضوع أمامهم،... ولعل السؤال الذى يراود الذهن: لماذا يسمح اللّه لهؤلاء جميعاً بمثل هذه المتاعب التى تؤخر انتصار ملكوت اللّه فى الأرض!!؟... ولماذا لا يعينهم اللّه بضربة سريعة قاضية، يقضى بها على العتاة والأشرار وعمال الإثم!!؟ ولماذا يبقى المسبيون الذين خرجوا من السبى، وكان أملهم أن يعيدوا بناء مدينتهم المحبوبة، وهيكلها وسورها، فى سنوات قليلة، إلى مجدها العظيم، وإذا بهم بعدما يقرب من التسعين عاماً، يرون أبواب المدينة التى أكلتها النار والأنقاض المتراكمة باقية كما هى، تشهد عن الفشل والعار العظيم!!؟... الحقيقة أن المعركة بين الخير والشر، ليست تمثيلية تقوم على مسرح الحياة، بل هى حقيقة واقعة رهيبة، ومن المؤكد أن الخير سينتصر وسيكسب آخر الأمر، ولكن هذا لا يمكن أن يتم إلا بعد الصراع الرهيب بين كنيسة المسيح والشيطان، وبين أبناء اللّه وأبناء ابليس، وبين الخير والشر، وبعد الكر والفر، والضحايا المتناثرة التى تسقط من الجانبين، كسائر الحروب والمعارك التى نشهدها بين الدول والشعوب سواء بسواء!!... بل إن القصة العظيمة لأبطال اللّه كان من المستحيل أن تكتب، دون كفاحهم وجهادهم وتعبهم، ومدى مالاقوا من الأهوال والصعاب والشدائد!!.... فإذا ذكرنا نحميا كمثل من الأمثلة الجديرة بأن تذكر وتروى، لوجدنا أنه كان يسير فى طريق هى أشبه الكل فى أيامنا الحالية بالطريق الممتلئ بحقول الألغام فى الحروب،... لقد خرج من شوشن، وهو يحمل أمر الملك وتوصيته ورسائله، وكان من المتصور أن الطريق ستكون أمامه مفتوحة ومريحة وسهلة، ولكنه مع ذلك وجد العكس... فقد وجد أولا الأعداء المتربصين مثل سنبلط وغيره، ممن سنعرض لهم فى دراستنا التالية،... وقد وصل الأمر بهؤلاء إلى التفكير فى الحرب ضد نحميا، وهدم ما قام به، ولما لم تنجح المؤامرة، استعملوا سلاحاً آخر، ألا وهو سلاح السخرية والسخرية كثيراً ما تثبط العزيمة، وتعوق الاندفاع والتقدم، وكان جواب نحميا على السخرية هو الاستمرار فى العمل، وليس هناك ما ينتصر على السخرية كسلاح العمل الذى لا يأبه للهزء والانتقاد، إذ فشل هذا أيضاً!!... لجأوا إلى الطابور الخامس باشاعة المذمة والتذمر وما أشبه، لتثبيط الهمة وبعث روح الملل فى النفوس،... وكذلك إثارة النفعية عند من تربطهم بالأعداء وصلة من نسب أو صداقة،... وقد قضى نحميا على كل هذه الأساليب، بتحويل العمل من مجرد عمل وطنى، إلى الإحساس بالرسالة الدينية تجاه اللّه، وليس هناك حافز يدفع الإنسان إلى الخدمة القوية الملتهبة، قدر الوازع الدينى عندما يسيطر على الإنسان،... وإلى جانب هذا كله كان نحميا بمثاله العظيم، هو أول العاملين، وأول المضحين، وأول الباذلين... إذ لم يكن الإنسان الذى يجلس ليأمر، بل وقف ليشترك فى المجهود، وعندما يكون القائد بهذه الروح لابد أن يسرى حماسه ومثاله فى الجميع فيعملون بقوة ونشاط وغيره وحمارس!!..
نحميا وعمله
كانت مدرسة نحميا واحدة من المدارس الكبرى التى يتعلم فيها الإنسان كيف يعمل، ويتقن العمل،... لقد كان على الرجل قبل كل شئ، أن يخطط لنفسه الأسلوب الذى ينبغى أن يعمل به، والنقطة التى منها يبدأ، ويسير، ويستمر فى العمل،... ومن ثم قام فى الليل وزار موقع العمل على الطبيعة، هو وبعض الرجال معه، ولم يخبر أحداً بما جعله اللّه فى قلبه ليعمله فى أورشليم، والنقطة الأولى فى كل عمل عظيم، هى التفكير فى هدوء وأناة فى محضر الرب، والاتفاق مع اللّه أولا على العمل، والتصميم على القيام به مهما تكلف المرء من جهد أو مخاطر أو مشاق،... أو بعبارة أخرى، أنه ذلك الاقتناع الذى يسود على حياتنا بأننا عاملون مع اللّه، قبل أن يعلم أحد على الإطلاق ما نحن مقدمون عليه، أو فى سبيله بمشيئة اللّه،... فإذا تم لنا هذا الاقتناع، فإن الخطوة التالية هى الانصراف إليه وإنجازه، أو الانتقال به من النظريات إلى العمل بدون أدنى تردد أو تراجع مهما كانت المشقات أو الصعاب أو المتاعب التى تعترض طريقه... كان ديفاليرا القائد والزعيم الإيرلندى العظيم يخطب فى جموع من مواطنيه عندما قبض عليه الانجليز وهو فى منتصف الخطاب عام 1916،.. وأخذ إلى إنجلترا وهناك حكم عليه بالإعدام، وأرسل إلى سجن ويكفيلد حتى يتم إعدامه، ومن العجيب أنه جلس فى زنزانته، وهو يفكر كيف يكمل الخطاب الذى بدأه، ونحن نعلم قصته بعد ذلك، أنه لم يعدم، بل أفرج عنه، وبعد عام تقريباً وقف يخطب، فإذا به يبدأ خطابه بالقول: كما كنت أتحدث إليكم عندما قوطعت بخشونة!!.. والعامل المسيحى قد يقاومه الناس أو يقاطعونه أو يزجون به فى السجون،... ولكنه وقد صمم على عمل اللّه، لابد أن يزيح من أمامه كل تراجع أو تقهقر أو تردد!!..
وضع نحميا فى العمل عدة مبادئ، لعل أهمها، أولا: الاتحاد فى العمل، فبناء السور لم يستأثر به فرد واحد بل كانت تتاح الفرصة للتعاون بين الجميع ومع أن نحميا كان الدافع العظيم خلف البناة، إلا أنه أدرك إدراكاً عميقاً أن العمل الذى يستند إلى مجهود فرد واحد أو قلة من الناس، لابد أن يفشل، ولأجل ذلك نجده قد ضم نفسه إلى العاملين وقال: « فبنينا ». وكل عمل فى الحياة يلزمه التعاون والاتحاد حتى يخرج إلى الوجود فى أحسن صورة، وتلك من البديهيات التى لا تحتاج إلى إيضاح، ولكننا كثيراً ما ننساها، ونحن نقوم بأعمال عظيمة، فيتراكم العمل على فرد بينما يقف آخرون متفرجين أو غير عاملين، أو على الأكثر، مشجعيين ولكن من على بعد!!.. على أن هناك أمراً ثانياً لا يقل أثره عن الإتحاد، ونعنى به تجزئة العمل أو تقسيمه بين العاملين، كل بحسب تخصصه ومقدرته، وقد قال جورج آدم سميث: إن توزيع العمل فى مصنع للدبابيس ينتج مائة ضعف مما ينتجه المصنع بدون توزيع عندما يقوم العمل بالعملية كلها من أولها إلى آخرها، وكلما ارتقت الأمة وتسامت، كلما برز فيها عنصر التخصص بكيفية أو ضح وأدق، وفى كنيسة المسيح هناك مواهب متعددة يلزم استثمارها كل بحسب ما أخذ من موهبة ووزنة،... على أن عامل التخصيص كان أدق وأهم عندما طلب نحميا أن يقوم كل واحد بالعمل فى مكان معين، مقابل بيته، وهذا أمر له دلالته، إذ فضلا عن أن كل إنسان فيه غريزة الملكية التى تجعله يميل إلى أن تكون بقعته من أجمل وأحسن البقاع، والتى تجعله ينزع إلى أن تكون بقعته أيضاً حصينة آمنة، فإن العمل مقابل بيته يثير النخوة والحركة، إذ أنه سيضحى مع الزمن عملاً تذكارياً، فهو إما مثير أبهج الذكريات، أو أقساها لدى صاحبه، كما أنه ينشئ نوعاً من التنافس بين العاملين، إذ أن كل واحد يريد أن يتمم عمله بسرعة وعلى أحسن وجه، وبذلك يحفز كل واحد أخاه على السرعة والإجادة، وفى الوقت عينه يقدم تيسيراً واضحاً لكل من يعمل، إذ أنه يكون قريباً من بيته، وبالحرى قريباً من أدواته ووسائله الخاصة التى تساعده على العمل،... وما أكثر ما تضيع الجهود المخلصة فى خدمة اللّه، إذا خلت من التنظيم الحكيم، والترتيب اللازم.على أنه من اللازم أن نتذكر أن نحميا لم ير أن نهاية عمله هى بناء سور أورشليم، إذ كان يعلم أن السور فى حد ذاته لا قيمة له إذا لم يكن هناك سور روحى يقى الشعب من جموحهم وتمردهم، ولقد كرس جهوده لبناء السور الروحى الأعظم فى حياة الشعب، ولقد استمر نحميا إثنى عشر عاماً بعد أن عينه الملك حاكماً لأورشليم، وهو يعمل على انفراد، أو مع عزرا على بناء الحياة الروحية لشعبه، وقد بدأ ذلك بالعهد الذى قطعه الشعب على نفسه بالتخلى عن الشر والفساد والتمسك باللّه ووصاياه، وقد كان على القادة أنفسهم أن يكونوا فى ذلك قدوة لغيرهم، لأن الإنسان بطبعه مقلد، ويميل للسير فى النهج وراء الرؤساء والسادة، وهذا ما فعله الشعب عندما رأوا قادتهم يسلكون سواء السبيل،.. وقد تمسك الجميع بالشريعة، وظهر هذا التمسك فى الصوم والمسوح والحزن على الخطية، وكل اقتراب إلى اللّه لا يبدو فيه الندم وتبكيت الضمير، أغلب الظن أنه مزيف وغير صحيح، ولا يلبث أن يتراجع أو يضيع مع الأيام،.. وقد بدت ظاهرة التمسك بالذهاب إلى بيت اللّه، وعدم الملل من الوجود هناك، إذ كانوا يقضون ثلاث ساعات فى قراءة الكلمة، وثلاث ساعات أخرى فى الاعتراف والتسبيح والحمد، " نح 9: 3 " على أن التمسك قد تعمق أكثر بالانفصال عن الأجنبيات اللواتى اقترنوا بهن، والتوبة الحقيقية هى التى تمد جذورها إلى أعماق البيت، إذ أن المرأة الشريرة أو الوثنية، كثيراً ما تقود البيت كله إلى الضلال،... ومن المناسب أن نلاحظ هنا أن محبة اللّه ينبغى أن تجب كل محبة أخرى تقف فى الطريق أو تعطل أو تزاحم مكانها فى القلب،.. وقد أضيف إلى هذا كله الحرص على تكريس يوم الرب، دون الانصراف إلى العالم فكراً أو عملا،.. ومن المؤسف أن يختلط هذا اليوم فى حياة الكثيرين من المسيحيين بباقى أيام الأسبوع دون تخصيص أو تقديس، ومن ثم يغطيه الغبار أو التراب الذى ينهال عليه من العالم وزحام الحياة البشرية،... مع أنه اليوم الذى نيبغى أن يكون - على العكس - لنفض التراب وإزالة الأوساخ الروحية التى قد تتراكم على المؤمن فى سيره مع اللّه!!... وقد شجع نحميا الناس على الاعتراف بالخطية والتقصير، وهذا الاعتراف ضرورى للتعمق فى حياة القداسة والسير نحو الكمال،... واهتم أن يشجعهم على الأمانة فى العشور والتقدمة، إذ أن التصرف فى المال، فى العادة، هو واحد من أدق المقاييس وأصدقها فى حياة المؤمن الصحيحة!!.. وما أكثر ما يفعل الناس ما فعله الملك لويس الحادى عشر، إذ أصدر أمراً بهبة قطعة كبيرة من مملكته للعذراء مريم، على أن يبقى ريعها قاصراً عليه، وما أكثر ما يغنى الكثيرون لسيدهم أن يمتلك حياتهم، وفضتهم وذهبهم، دون أن يقدموا شيئاً من هذه الحياة أو الفضة أو الذهب!!... هل لك أيها المؤمن أن تبنى سوراً روحياً حول نفسك الغالية، كالسور الروحى الذى وضعه نحميا قبالة عينيه وهو يبنى سور مدينة أورشليم القديم؟!
نحميا ومجده
قال يوسيفوس عن نحميا: « كان رجلا صالحاً وباراً، وكان طموحه الكامل أن يجعل أمته سعيدة، وقد أضحت أسوار أورشليم كالنصب التذكارى الأبدى لنفسه العظيمة »... كان مجد الرجل الحقيقى أنه أدرك أن رسالته الصحيحة والحقيقية، ليس أن يكون سياسياً فى شوشن، أو حاكماً فى أورشليم، بل أن يلمس اللّه حياته وخدمته، فتكون جملة وتفصيلا لمجد اللّه فى الأرض!!... ولعل هذا يذكرنا بما فعل نوح وبستر عندما أنهى قاموسه العظيم، وجفف الحبر من الكلمات الأخيرة، ووضع قلمه، وتحول نحو زوجته وزملائه وأمسك بأيديهم، وانحنوا جميعاً على ركبهم، وفى احترام وإجلال، شكروا اللّّّّه لأجل عنايته ومساعدتهم فى هذا العمل العظيم،... كان هذا موقف العالم المبرز، والمسيحى المتواضع، الذى رأى فى وضع قاموس عملا دينياً، لأنه أدرك أن كل عمل فى الأرض، لابد أن ينبع من الإحساس بالرسالة الدينية الموضوعة علينا من اللّه كخدمة مقدسة!!.. وما من شك فى أن نحميا شكر اللّه آلاف المرات، بعد أن وضع الحجر الأخير فى سور المدينة، وهو يدرك أنه عثر على الرسالة الحقيقية التى وضعها اللّه عليه أمام الخرائب والأنقاض!!.. وما من شك بأن مجدى، أو مجدك الحقيقى يبدأ عندما تتفتح بصائرنا على ذات الخرائب والأنقاض التى تركتها الخطية حولنا فى كل مكان ونسعى لبنائها، فهل نكون على نفس النهج أو الصورة التى ذكرها أحدهم وهو يقول: « ما أمجد أن تكون يداً أو مساعداً لما قصد اللّه أن تكون عليه فى الحياة، وما أبشعه من خطأ ألا تكون عقلا أو قائداً فى وسط الناس، وقد أعطاك اللّه الإمكانية الداخلية لأن تكون هكذا.. »...!!...
ربما لا يجد المرء كلمات، آخر الأمر، يختم بها حديثه عن نحميا أفضل من كلمات ألكسندر هوايت وهو يقول: « لو أن خادماً شاباً عين للخدمة كنحميا فى شعب كشعب أورشليم فى ذلك الزمن القديم، ولو أنه جاء إلى الخدمة ليرى الأبواب المحروقة بالنار، والأسوار المنهدمة، وبيت اللّه يلحقه العار والضياع فإنه فى أمس الحاجة إلى أن يقرأ سفر نحميا ويحفظه عن ظهر قلب،... وهو فى حاجة إلى أن يجول بين الأنقاض والخرائب كما فعل الساقى القديم، دون أن يخبر أحداً، وكل ما عليه هو أن ينهض باسم « الملك » ويبنى، وأن يأخذ حجارته من محاجر « الملك » وخشبه من غاباته العظيمة، وليعلم أن يد الرب معه،... وعليه أن يعظ أفضل عظاته للشعب الذى طال جوعه أحداً بعد أحد، وعاماً وراء عام، فى خدمته الممتدة،.. وليزر ليلا ونهاراً الرعية التى طالما أهملت، وليكن مثل صموئيل رزر فورد الذى بدأ خدمته فى كنيسة صغيرة فى أسكتلندا، واليوم هى من أكبر الكنائس وأوسعها، وليكن مقصد رعيته، وعلى الدوام يدرس، وعلى الدوام إلى جانب المريض فى سرير مرضه، وعلى الدوام يصلى، وليقل ما قاله نحميا: « ولم أكن أنا ولا أخوتى ولا غلمانى ولا الحراس الذين ورائى نخلع ثيابنا. كل واحد يذهب بسلاحه إلى الماء » " نح 4: 23 ".. وليفرح عند تدشين السور بالفرح العظيم والتسبيح والتحميد بالصنوج والمزامير والقيثارات: « لأن اللّه أفرحهم فرحاً عظيماً، وفرح الأولاد والنساء أيضاً وسمع فرح أورشليم عن بعد » " نح 12: 43 " وهو سيفعل ذلك إذا كان له إيمان باللّه، وحبه لأورشليم والعمل الصعب المضنى الشاق الذى قام به من أجلها!!.. »..
المزيد
08 سبتمبر 2022
شخصيات الكتاب المقدس ناحوم
ناحوم
" الرب إله غيور ومنتقم "" نا 1: 2 "
مقدمة
لست أظن أننا نستطيع أن نفهم ناحوم الألقوشى خير فهم، ما لم نضعه جنباً إلى جنب مع يونان بن أمتاى النبى، ولست أظن أننا نستطيع أن نفهم نينوى التى تنبأ عنها الاثنان - وقد جاءت نبوة يونان، على الأغلب، قبل نبوة ناحوم بنحو قرن من الزمان - ما لم نضع رحمة اللّه وعدالته نصب عيوننا، ونحن ندرس الحياة والناس والشعوب والأمم،... لقد هدد اللّه نينوى على لسان يونان وقدم لها الفرصة محددة بأربعين يوماً تنقلب بعدها نينوى إن لم تتب، أمسك أهلها بفرصة الحياة المقدمة لهم فتابوا ورجعوا عن شرورهم وفسادهم وإثمهم وطغيانهم، وعفا اللّه برحمته عن المدينة التائبة، كما يفعل دائماً مع كل آثم وشرير فى الأرض!!.. لكن صك العفو مرهون دائماً بالسير فى حياة النقاوة والاستقامة والبر والأمانة،... فإذا عاد الخاطئ إلى طرقه القديمة، ونسى إحسان اللّه وجوده ورحمته ولطفه، فإن المأساة ستكون أشد وأقسى، كمأساة الناقه من المرض عندما تحدث له المضاعفات ليرتد إلى ما هو أسوأ وأشر فى علته!!... فإذا كان القرن الذى مر بنينوى بعد توبتها، قد أعادها إلى سيرة أشنع وأقسى مما كانت عليه فى الماضى، فإن اللّه الذى كان رحيماً بها، سيتحول إلى الإله الغيور المنتقم، وفى الحالين سنرى لطف اللّه وصرامته على النحو المتوازن الكامل، ومن ثم، يحق لنا بعد ذلك أن نرى ناحوم النبى فيما يلى:
ناحوم ومن هو
إن الاسم « ناحورم » يعنى « تعزية »، وهو كغيره من الكثير من الكثير من الأسماء العبرانية التى ارتبط معنى اسمها بالرسالة التى أتيح له أن يحملها فيما بعد، فلئن كانت رسالته لأمته تحمل التعزية لها فى محنتها ومتاعبها وآلامها، فإنه هو شخصياً كحامل الرسالة، كان الرجل اللازم فى وقت المحنة والآلام، على أن هذا لا يعنى أن كل اسم يحمل فى ذاته المعنى النبوى لما سيكون عليه فى المستقبل، فما أكثر ما يتمنى الآباء، وهم يعطون أولادهم الأسماء التى تحمل أفضل الآمال،الأمانى والأحلام، ليأتى أولادهم على عكس ما كان يتمنون أو يحلمون،.. كان هناك تلميذان للمسيح، يحملان اسم يهوذا لباوس أو تدروس أو « يهوذا ليس الاسخريوطى » كما جاء فى " يو 14: 22 ".. ويهوذا الإسخريوطى، ولكن شتان بين الاثنين، وبين ما فعلا، والمصير الذى آل إليه كلاهما،... قد يسمى إنسان عبد المسيح، وقد يصبح فعلا عبد يسوع المسيح، أو قد يضحى عبد للشيطان حتى ولو حمل اسم المسيح!!.
وغير أن ناحوم كان فى الواقع إسماً على مسمى، فقد حمل رسالة التعزية العميقة لشعبه فى أوقات المحن والمتاعب والمصائب!!.. وقد أطلق عليه « الألقوشى »، نسبة إلى قرية فى الجليل اسمها « القوش » فى سبط نفتالى، وعلى مقربة من كفرناحوم، والتى يقال إنها أخذت اسم ناحوم النبى، كما تذهب بعض التقاليد القديمة، والتى تذهب إلى أن شهرة النبى فى المنطقة هى التى جعلت القاطنين بجوار ألقوش يطلقون اسمه على المكان، والذى أضحى فيما بعد كفرناحوم المرتفعة إلى السماء،... ومن الغريب أن هناك من يعتقد أن النبى ولد فى بلدة تحمل ذات الاسم، وعلى مقربة من الموصل فى العراق، والذين يأخذون بهذا الرأى يعتقدون أن النبى ولد فى السبى، مع المملكة الشمالية، وأنه قد دفن هناك فى مقبرة تضمه ويونان وعوبديا ويفتاح، وأن هذا المكان أضحى مزاراَ يحج إليه الكثيرون ممن يتعلقون برفات الأنبياء والقديسين، على أننا نعتقد أن هذا التقليد المتأخر لا يستند إلى أساس، ولا يمت إلى الحقيقة بصلة، والواضح أن ناحوم كان على معرفة واضحة بباشان والكرمل وزهر لبنان كما هو ثابت من مطلع سفره، مما يؤكد أنه كان فى بلاده عندما تنبأ عن نينوى، وأنه على الأغلب كان فى أورشليم بعد سقوط السامرة عاصمة المملكة الشمالية، وتهديد الأشوريين المستمر ليهوذا وإسرائيل ومع أن يوسيفوس يذكر أنه تنبأ فى أيام يوثان، لكن المرجح أن وصفه: « ولكن بطوفان عابر يصنع هلاكا تاما لموضعها وأعداؤه يتبعهم ظلام ماذا تفتكرون على الرب؟ هو صانع هلاكا تاما، لا يقوم الضيق مرتين، فإنهم وهم مشتبكون مثل الشوك وسكرانون كمن خمرهم، ويؤكلون كالقش اليابس بالكمال » " نا 1: 8 - 10 " تشير كما يتجه الشراح إلى ضربة اللّه لجيش سنحاريب عندما حاصر أورشليم وقتل ملاك الرب مائة وخمسة وثمانين ألفاً.... ولهذا يتجه كثيرون من المفسرين إلى أن نبوته جاءت بعد نبوة يونان بمائة عام، فإذا كان يونان قد تنبأ على نينوى عام 763 ق. م، فإن ناحوم تنبأ عليها عام 663 ق. م أو حول ذلك التاريخ، وقد سقطت نينوى سقوطها النهائى عام 613 ق.م. أى بعد نحو خمسين عاماً، ولابد لنا أن نشير إلى أن سنحاريب عندما عاد فاشلاً، وذكر عنه إشعياء أنه مات مقتولا بيد ولديه فى بيت نسروخ إلهه، أن هذا كان إتماماً لقول ناحوم: « ولكن قد أوحى عنك الرب لا يزرع من اسمك فى ما بعد. إنى أقطع من بيت إلهك التماثيل المنحوتة والمسبوكة. أجعله قبرك لأنك صرت حقيراً » " نا 1: 41 ".ومن المسلم به على أية حال أن أسلوب ناحوم بلغ الذروة بين الأنبياء الصغار، فهو الأسلوب القوى الواضح ومع أن له حدة السيف، لكنه مع ذلك يرقى فى كثير من المواطن إلى الشعر السامى، والموسيقى الرائعة، ووصفه لجلال اللّه وقدرته وعظمته وسيطرته وانتصاره، من أروع ما جاء فى الكتاب المقدس على الإطلاق!!..
ناحوم والرؤيا الصافية
لم تكن نينوى عندما تنبأ عنها ناحوم مدينة ضعيفة، بل كانت توحى، حسب الظاهر، بكل مظاهر القوة والجلال والعظمة وأدق وصف لها هو ما قاله: « أين مأوى الأسود ومرعى أشبال الأسود؟ حيث يمشى الأسد واللبؤة وشبل الأسد وليس من يخوف. الأسد المفترس لحاجة جرائه والخالق لأجل لبواته حتى ملأ مغاراته فرائس ومآويه مفترسات ».." نا 2: 11 و12 " ولنا أن نتصور غابة أو برية يجول فيها الأسد ويصول، وليس أسداً واحداً، بل أسوداً وأشبال أسود، واللبوات!! ومن ذا الذى يفلت من الصيد والقنص والفتك والافتراس،... ولو أننا سألنا السياسيين أو أصحاب النظرة النافذة النابهة، لتحدثوا عن المدينة التى لا تقهر، والشعب الذى لا يخاف، والقوة المتصاعدة وليس فيهم من يخطر بباله أن المدينة يمكن أن تكون وشيكة الضياع أو الهزيمة أو الدمار!!... ولكن ناحوم رأى نهايتها الرهيبة، ووصفها وصفا دقيقاً كما لو أنه يكتب، والجيوش الزاحفة تزحف عليها، وتقرض قصورها، وتأتى على مجدها التليد!!... وتزداد هذه الحقيقة رسوخاً، إذا تبينا أنها حدثت بعد خمسين عاماً من وقت النبوة،... وفى الحقيقة أن مصدر كل نبوة يتجاوز الفهم والذهن البشرى، سواء طال الزمن أمام قصر، وسواء امتد خمسين عاماً، أو كان يوماً واحداً، وهل فى قدرة إنسان وجيوش سنحاريب تطوق مدينة أورشليم أن يقول: « عن ملك آشور. لا يدخل هذه المدينة ولا يرمى هناك سهما ولا يتقدم عليها بترس ولا يقيم عليها مترسة. فى الطريق الذى جاء فيه يرجع وإلى هذه المدينة لا يدخل يقول الرب. وأحامى عن هذه المدينة وأخلصها من أجل نفسى ومن أجل داود عبدى » " إش 37: 33 - 35 " وبين عشية وضحاها يحدث كل هذا!!.. وهل يمكن أن يصف أحد ما سيحدث بعد نصف قرن من الزمان بهذا الوصف: « نعست رعاتك ياملك آشور اضطجعت عظماؤك، تشتت شعبك على الجبال ولا من يجمع، ليس جبر لانكسارك، جرحك عديم الشفاء كل الذين يسمعون خبرك يصفقون بأيديهم لأنه على من لم يمر شرك على الدوام » " نا 3: 18 و9 ".ومن الملاحظ على الدوام أن الأنبياء الصادقين الذين يرون رؤى الرب كانو ينطقون بها دون تردد أو شبهة، مهما كان تصور الآخرين أو تفكيرهم ألم يقف ميخا بن يملة فى جانب، وأربعمائه نبى لآخاب فى جانب آخر، ويتنبأ على أخآب دون أدنى ذبذبة، وإذ يقول أخآب: « ضعوا هذا فى السجن وأطعموه خبز الضيق وماء الضيق حتى آتى بسلام، فقال ميخا إن رجعت بسلام، فلم يتكلم الرب بى. وقال اسمعوا أيها الشعب أجمعون ». " 1 مل 22: 27 و28 "وألم يقل أليشع للجندى الذى يستند الملك على يده فى قلب المجاعة بالسامرة: « هكذا قال الرب فى مثل هذا الوقت غداً تكون كيلة الدقيق بشاقل وكيلتا الشعير بشاقل »... وإذا بالجندى يجيب: « وقال هو ذا الرب يصنع كوى فى السماء، هل يكون هذا الأمر؟ فقال إنك ترى بعينك ولكن لا تأكل منه».. " 2 مل 7: 1 و2 " بل ألا يبلغ بنا العجب منتهاه، أن نبوخذ نصر يحلم حلماً، ولعله نسيه، ويطلب من حكماء بابل معرفة الحلم وتفسيره، ولكنهم يجيبون بصوت واحد: « ليس على الأرض إنسان يستطيع أن يبين أمر الملك لذلك ليس ملك عظيم ذو سلطان سأل أمراً مثل هذا من مجوسى أو ساحر أو كلدانى. والأمر الذى يطلبه الملك عسر وليس آخر يبينه قدام الملك غير الآلهة الذين ليست سكناهم مع البشر ».. " د 21: 10 و11 " وإذ عرف دانيال الحلم وأعلنه للملك وفسره له، « خر نبوخذ نصر على وجهه وسجد لدانيال ».. لأن: « اللّه العظيم قد عرف الملك ما سيأتى بعد هذا الحلم حق وتعبيره يقين » " دا 2: 45 و46 "!!.كان ناحوم على يقين كامل بالمصير الذى ستلاقيه نينوى، إذ كانت له الرؤية الصافية المعلنة من اللّه!!..
ناحوم والمدينة المعاقبة
لعل من أعجب ما ذكر زينفون، أن نينوى سقطت بسبب فيضان نهر دجلة، الفيضان الذى حطم أبواب الخزان فغرقت المدينة فى المياه، ومكنت المهاجمين من اقتحامها، ودك حصونها،... وهل هذا إلا ما ذكره ناحوم بالضبط فى نبوته عنها: « أبواب الأنهار انفتحت والقصر قد ذاب.. ونينوى كبركة ماء منذ كانت ولكنهم الآن هاربون » " نا 2: 6 - 8 ". وقد يقول الناس إنها الطبيعة، أو قد يقولون إنها قوة الكلدانيين الذين أخذوا طريقهم إلى الظهور ليكتسحوا الممالك، لكننا نعلم على الدوام أن الأمم تقوم وتسقط لا لأسباب سياسية أو إقتصادية أو عسكرية أو اجتماعية، بل قبل وبعد هذه كلها، لأن اللّه حكم بالقيام أو السقوط... قبل مائة عام من تاريخ هذه النبوة، أو مائة وخمسين عاماً قبل سقوط المدينة، جاءها يونان ونادى عليها بالسقوط والانقلاب، وتابت المدينة، ونامت فى التراب والرماد ونجت، وكتب لها فى جوده وحبه كتاب الحياة والنجاة،... لكن الإنسان الذى لا يقرع صدره توبة، سيقرع صدره فزعاً ورعباً وندماً، وهذا ما حدث لنينوى فى المرة الثانية إذ تنبأ النبى عن ملكتها الجميلة باسمها « هصب » قائلا: « وهصب قد انكشفت. اطلعت. وجواريها تئن كصوت الحمام ضاربات على صدورهن »... " نا 2: 7 " « فراغ وخلاء وخراب وقلب ذائب وارتخاء ركب ووجع فى كل حقو وأوجه جميعهم تجمع حمرة » " نا 2: 10 ". وإنها لمأساة الإنسان الذى ينسى العبرة ويهمل التاريخ، ويظن أن الفرصة التى أتيحت له للتوبة تتحول رخصة مستمرة للتهاون أو فعل الشر،... لقد عادت نينوى إلى شهواتها ومسراتها وزناها: « من أجل زنى الزانية الحسنة الجمال صاحبة السحر البائعة أمما بزناها وقبائل بسحرها » " نا 3: 4 "... وكل واحد فى التاريخ يمكنه أن يقول لأعظم دول العالم، وأجمل مدنها ما قاله ناحوم، عن الخراب لابد أن يلحقها، ولا يمكن أن تفلت منه، لا بفيضان نهر أو قنبلة قد تكون ذرية أو هيدروجينية، بل بفيضان غضب اللّه القدوس ضد الخطية!!.. إن الاستباحة والترف والمجون، وعبادة الجسد، هى السوس الذى ينخر فى عظام الأمة، ويقوضها فجأة ودون سابق إنذار، لأن « البر يرفع شأن الأمة وعار الشعوب الخطية »،.. " أم 14: 34 ".. كما أن نينوى سقطت لسبب آخر إذ كانت مدينة الدماء: « ويل لمدينة الدماء.. كلها ملآنة كذباً وخطفاً.لا يزول الافتراس ».. " نا 3: 1 " كانت المدينة تبحث عن المال، ولا تريد أن تضع حدوداً لنهبها وعندما دخلها الغزاة وجدوا أمامهم مالا يتصوره عقل من الفضة والذهب والتحف: « انهبوا فضة انهبوا ذهباً فلا نهاية للتحف للكثرة من كل متاع شهى» " نا 2: 9 ".. والأمم التى تشغل بالمال على هذا الوضع، سيأتيها الضياع من الخارج والداخل على حد سواء، مهما علت وارتفعت وعظم شأنها، لأن محبة المال أصل لكل الشرور، الذى إذ ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة!!.. وهل لا يقف المال وراء الاستعمار والمجازر والحروب وصراعات الأمم والبيوت والأفراد، وهل تعاقب الدول فى كل العصور لتسقط كل واحدة الأخرى، وتجعلها تدور فى فلكها حتى يأتى من يسقطها بدوره والحلقة دائبة الدوران،... هل هذه كله إلا بسبب المال وما ترك فى البشر من شراهة وطمع وتآمر وقتل!!؟ … ومع أن هذا هو الظاهر، لكن الحقيقة أنه عقاب اللّه للظلم والكذب والخطف والافتراس، قال أحدهم، وهو يعلق على الحرب العالمية الثانية: « إنى لا أؤمن بوجود اللّه الذى يسمح بالخراب والدمار على هذه الصورة المفزعة » … ورد عليه آخر: أنا أؤمن بوجود اللّه لهذا السبب عينه، لأنه كيف يترك اللّه فجور العالم دون حساب أو عقاب؟!!..
ناحوم والقدرة الغالبة
عندما سقطت نينوى العظيمة، كان سقوطها رهيباً وشاملاً، وقد رآه ناحوم فى النبوة كالتين الذى يسقط فى فم الآكل عندما يهز الشجرة: « جميع قلاعك أشجار تين بالبواكير إذا انهزت تسقط فى فم الآكل ».." نا 3: 12 " وفقد الشعب فيها روح الجسارة والبطولة، وهو يستسلم على النحو القريب: « هوذا شعبك نساء فى وسطك. تنفتح لأعدائك أبواب أرضك. تأكل النار مغاليقك » " نا 3: 13 ". وعندما نسأل عن السر فى ذلك، نتحول من البشر إلى اللّه العلى!!.. « الرب إله غيور ومنتقم الرب منتقم وذو سخط. الرب منتقم من مبغضيه وحافظ غضبه على أعدائه. الرب بطئ الغضب وعظيم القدرة ولكنه لا يبرئ البتة. الرب فى الزوبعة وفى العاصفة طريقه والسحاب غبار رجليه.. ينتهر البحر فينشقه ويجفف جميع الأنهار... الجبال ترجف منه والتلال تذوب والأرض ترفع من وجهه والعالم وكل الساكنين فيه. من يقف أمام سخصه ومن يقوم فى حمو غضبه؟ غيظه ينسكب كالنار والصخور تنهدم منه. صالح هو الرب حصن فى يوم الضيق وهو يعرف المتوكلين عليه. ولكن بطوفان عابر يصنع هلاكاً تاماً لموضعها وأعداؤه يتبعهم ظلام » " نا 1: 2 - 8 " « فإن الرب يرد عظمة يعقوب كعظمة إسرائيل لأن السالبين قد سلبوهم وأتلفوا قضبان كرومهم. ترس أبطاله محمر. رجال الجيش قرمزيون. المركبات بنار الفولاذ فى يوم إعداده. والسرو يهتز. تهيج المركبات فى الأزقة. تتراكض فى الساحات. منظرها كمصابيح. تجرى كبالبروق »." نا 2: 2 - 4 " « ها أنا عليك يقول رب الجنود فأحرق مركباتك دخاناً وأشبالك يأكلها السيف وأقطع من الأرض فرائسك ولا يسمع صوت رسلك ».. " نا 2: 13 "« هأنذا عليك يقول رب الجنود فأكشف أذيالك إلى فوق وجهك وأرى الأمم عورتك والممالك خزيك. وأطرح عليك أوساخاً وأهينك وأجعلك عبرة. ويكون كل من يراك يهرب منك ويقول خربت نينوى من يرتى لها؟ من أين أطلب لك معزين »؟... " نا 3: 5 - 7 " ونحن لا نرى هنا أمام الأوصاف الرائعة سوى اللّه، ومع أن اللّه قد استخدم الكلدانيين فى القضاء عليهم، لكن الكلدانيين ليسوا إلا عصا الرب وأداة انتقامه،... وكل النواميس والنظم والناس وسائر المخلوقات المنظورة وغير المنظورة، ليسوا إلا جنوده لتنفيذ أوامره ومجده!!..
واللّه يبدو هنا الإله الساخط فى مواجهة الإثم والخطية والشر، لأن هناك تنافراً أبدياً بينه وبين الفساد، وهو لا يطيق الإثم،... منذ مائة وخمسين عاماً رحم نينوى رحمة واسعة وضاق بها يونان واغتاظ من أجلها،... لكن رحمة اللّه الواسعة كان لا بد أن تعمل فى إنقاذ المدينة،... واللّه كما وصفه ناحوم بطئ الغضب،.. لكن بطء الغضب شئ والسكوت على الإثم وعدم المبالاة شئ آخر، ونحن لابد أن نتذكر أن اللّه « غيور ومنتقم » وغيرة اللّه وقائد أبدية،... وصانع الشمس الملهبة، التى ترسل نارها على الدوام، لا يمكن أن تكون طبيعته هو طبيعة باردة، لا تفرق بين شر وخير، وبين حق وباطل، وبين إثم وبر،.. لأن إلهنا نار أكله!!.. وإذا كان الإنسان الحر يثور ضد الظلم والفساد والشر، وهو على استعداد أن يبذل حياته للدفاع عن كل قضية عادلة،... فإن صانع هذا الإنسان، هيهات أن يكون أضعف غيره منه، أو أقل سخطاً، على الأوضاع المقلوبة فى الأرض.على أن اللّه ليس هو الإله الذى يسخط فحسب، بل هو الإله القادر فى سخصه على أن يقلب الأرض كلها بإصبعه، أو بأقل حركة من أصبعه، وهو الذى يأتى بالطوفان العابر عند ثورة غضبه،... إن البشر قد يحولون غضبهم إلى بكاء أو دموع أو ثورة فاشلة،... لكن اللّه إذا كان بطئ الغضب، لكنه فى الوقت نفسه عظيم القدرة، ومن يقف أمام سخطه، ومن يقوم فى حمو غضبه!!..
من الحق أن الرب طيب ولا حدود لطبيبته،... ولكن من أكبر الحماقات التى يرتكبها الإنسان، أن يتصور الطيبة الإلهية بالمعنى الشائع للمثل الفرنسى « اللّه الطيب » والمقصود به المتساهل تجاه الخطية، والذى يتجاوز عن الإثم، والذى يقف موقف الإهمال وعدم المبالاة أمام صنوف العسف والظلم والطغيان والاستبداد، وهنا ينسى مثل هذا الإنسان، أنه لا يوجد من يجمع بين اللطف والصرامة على النحو الكامل المطلق سوى اللّه!!.. واللّه لطيف رحيم لكل من يأتى إليه تائباً مقراً باثمه وقصوره وشره،... ولكنه هو أيضاً، كما وصفه أيوب فى الأصحاح التاسع من سفره: « هو حكيم القلب وشديد القوة. من تصلب عليه فسلم؟ المزحزح الجبال ولا تعلم، الذى يقلبها فى غضبه، المزعزع الأرض من مقرها فتتزلزل أعمدتها، الآمر الشمس فلا تشرق ويختم على النجوم، الباسط السموات وحده والماشى على أعالى البحر صانع النعش والجبار والثريا ومخادع الجنوب. فاعل عظائم لا تفحص وعجائب لا تعد »... " أيو 9: 4 - 10 " كان اللّه الإله الرحيم على نينوى التائبة يوم يونان، والمنتقم على عصيانها يوم ناحوم!
ومن اللازم أن نشير هنا إلى تبدل المواقع وتغير الأوضاع، وابتداء القضاء من بيت اللّه، فإذا كان اللّه قد أهاج الأشوريين أو الكلدانيين على إسرائيل ويهوذا لخطيتهما وإثمهما، إلى الدرجة التى قال معها سنحاريب لحزقيا - يدرى أو لا يدرى معنى قوله: « والآن هل بدون الرب صعدت على هذه الأرض لأضربها. الرب قال لى اصعد على هذه الأرض واضربها »... " إش 36: 10 " فإن هذا الإله عينه هو الذى يتحول على الطغاة ليرد سبى شعبه للسبب عينه، عندما يتوبون ويرجعون إليه، وعندما يستمر الطغاة فى شرهم وظلمهم وإثمهم، أو كما قال ناحوم: « قد ارتفعت المقمعة على وجهك، احرس الحصن، راقب الطريق، شدد المقومين، مكن القوة جداً، فإن الرب يرد عظمة يعقوب كعظمة إسرائيل لأن السالبين قد سلبوهم وأتلفوا قضبان كرومهم »... ومقمعة اللّه فى كل التاريخ والعصور مرفوعة لتضرب كل وجه يتعظم فى حضرة اللّه، أو يستبد أو يطغى أو يرتكب إثما وشراً فى حضرة إله قادر حى دائم منتصر ممجد!!..
المزيد
01 سبتمبر 2022
شخصيات الكتاب المقدس ميخا
ميخا
"لا ترفع أمة على أمة سيفا، ولا يتعلمون الحرب فيما بعد"" مى 4: 3 "
مقدمة
عاش أفلاطون الفيلسوف اليونانى ما بين عامى 428، 348 ق. م.، ومع أنه كان فى الأصل رجلاً غنياً متمتعاً بخيرات كثيرة، لكن قلبه كان ممتلئاً من الألم والأحزان على مآسى الناس حوله، لقد وجد أن الجهل والشر والتعاسة من نصيب جميع الأمم والقبائل، وجلس الرجل يفكر فى عالم أفضل من العالم الذى يراه، وبات يحلم باليوم الذى ينتهى فيه نزاع الناس، وتموت أطماعهم وتنتهى حروبهم ومخاوفهم، ومن أجل ذلك كتب كتابه « الجمهورية » يتخيل فيه العالم السعيد والجمهورية تقسم الناس إلى ثلاث طبقات، الطبقة العالية طبقة الحكام والرؤساء، والطبقة المتوسطة طبقة رجال الجيش، والطبقة السفلى طبقة التجار والزراع والصناع، ويقول أفلاطون إن الموسيقى والألعاب الرياضية والفضيلة ينبغى أن تنتشر فى جمهوريته هذه، وقد حاول أن يطبق هذا النظام فى مدينة سراكوسا بصقلية إذ كان صديقاً لملكها، غير أنه فشل وطرد وكاد يعرض حياته للهلاك،.. وبعد مدة طويلة أدرك أفلاطون نقطة الخطأ فى جمهوريته، إذ أنه فى البداءة لم يتنبه كثيراً إلى اللّه الذى يحفظ هذه الجمهورية، ويحرسها، ولأجل ذلك عندما كتب كتابه « القوانين » صحح هذا الخطأ، ودعا إلى الإيمان باللّه والدين!!... ولو أن أفلاطون قرأ ما كتبه ميخا وإشعياء من قبله بقرنين ونصف من الزمان لاستطاع أن يفهم كيف يتحقق هذا العصر الذهبى للعالم،... إنه لا يمكن أن يتم إلا باللّه، وفى اللّه،... ولسنا نعلم أيهما كان أسبق فى النبوة عن السلام ميخا أو إشعياء، وإن كان البعض يتصور أن ميخا كان أسبق فى النبوة، مع أنه كان أصغر من إشعياء، وأياً كان الأمر، فإن الفارق بين النبيين أن ميخا كان من طبقة الشعب، بينما كان إشعياء من أعلى الطبقات فى عصره، كما أشرنا عند الحديث عن شخصيته،... وقد عاش ميخا يدافع من الطبقات الكادحة والفقيرة، وحقوق الإنسان، وانتظارات اللّه من البشر، وها نحن نتابع قصته فيما يلى:
ميخا من هو
كان ميخا المورشتى فى مطلع الحياة وربيع العمر، فى الوقت الذى بلغ فيه إشعياء كمال رجولته وقوتها، وقد كان ميخا من طبدقة العامة وأفراد الشعب بينما كان إشعياء من الطبقة الأرستقراطية، وعلى الأغلب من العائلة المالكة، كما سبقت الإشارة عند دراسة شخصيته، وقد نشأ ميخا فى مورشت، القرية الصغيرة الواقعة على بعد خمسة وعشرين ميلا إلى الجنوب الغربى من أورشليم، والبقعة التى ولد فيها وعاش بقعة جميلة خصبة غنية بالمراعى والأشجار وحقول الحنطة، وما من شك أن مخيا قد تأثر بها، فصفت نفسه، وأرهفت أحاسيسه، وقويت عاطفته، واستجابت حياته لما فى الريف، من صدق واستقامة وصراحة ونقاء وغيرة، وحيث أننا لا نعرف شيئاً عن أبيه أو أمه، فمن المعتقد أنه نبت بين أحضان عائلة ريفية فقيرة، ولكن اسمه « ميخا» أو « من مثل الرب » مما يشجع على أن عائلته كانت تقية تعلى مجد اللّه، وتتمنى أن يسير ولدها فى طريق الرب والتشبه به!!..
ومع أن رسالة ميخا كانت ليهوذا وإسرائيل معاً، إلا أنها على وجه أخص كانت موجهة إلى بنى يهوذا، وقد حدث فى يهوذا كما حدث فى أورشليم، أن تباعدت المسافة بين طبقة الفقراء وطبقة الأغنياء، وانتشر الجشع والاغتصاب والظلم والسلب، مما دفع ميخا، وهو ابن الشعب، ومن صميم أفراده، إلى أن يهب للدفاع عن الحقوق البشرية الضائعة. لقد أبصر ميخا القسوة والوحشية والفساد وضياع الشعور الإنسانى مستولية على الرؤساء والقضاة والكهنة والأنبياء الكذبة، وأبصرهم جميعاً وقد سحقوا المساكين والبؤساء تحت أقدامهم فامتلأ من روح اللّه والقوة والبأس، وكان النبى العظيم الذى استخدمه اللّه لنصرة المظلومين التعساء!!.. هب ميخا للدفاع عنهم، وتحدث عن الخراب والدمار الذى سيلحق بشعبه وأورشليم نتيجة الخطية والإثم والشر والفساد، وبعد أن أبصر صهيون تفلح كالحقل وجبل بيت الرب يضحى شوامخ وعر، مد بصره إلى الأفق البعيد، فرأى فى أحضان المستقبل عصراً ذهبياً مجيداً، يثبت فيه بيت الرب، وتخرج من صهيون الشريعة، عندما يسود المسيح سيادته الكاملة، وتتخضع كل الشعوب تحت موطئ قدميه، وتزول من البشرية أشباح الحرب والمخاوف والمجاعات والمتاعب والمعاثر، ويختم ميخا سفره وهو يرينا سبيل الإنسان العملى إلى هذا السلام!!...
ومع أن أسلوبه لا يرقى، ولا شك، إلى مستوى إشعياء، لكنه اتسم بالجزالة والصفاء والقوة، والمنطق والكناية والمجاز، وشدو التعبير،، ومن المرجح أنه بدأ رسالته حوالى عام 725 ق.م. حتى عام 686 ق.م.
ميخا والدفاع عن الحقوق البشرية
كان ميخا واحداً من أعظم الأبطال القدامى، الذين وقفوا إلى جانب الفقير والمظلوم والضعيف والمستعبد،.. وقد جاء ذكر دفاعه الباسل الذى هز - ولا شك - الأمة بأكملها، أيام الملك حزقيا، كمثال عظيم، لا لدفاعه فحسب، بل أكثر من ذلك لعظمة الملك الذى قبل هذا الدفاع: « إن ميخا المورشتى تنبأ فى أيام حزقيا ملك يهوذا وكلم كل شعب يهوذا قائلا هكذا قال رب الجنود: إن صهيون تفلح كحقل وتصير أورشليم خرباً وجبل البيت شوامخ وعر. هل قتلا قتله حزقيا ملك يهوذا وكل يهوذا. ألم يخف الرب وطلب وجه الرب فندم الرب عن الشر الذى تكلم به عليهم. فنحن عاملون شراً عظيما ضد أنفسنا » " إر 26: 18 و19، ميخا 3: 12 "... والذى يتابع ميخا وهو يتحدث عن الحقوق البشرية الضائعة، يرى تصويراً دقيقاً لكيفية ضياعها، ويحس قبل كل شئ أن « المال » هو السبب الأكبر لضياعها،... إن محبته حقاً هى « أصل لكل الشرور، الذى إذ ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة »... " 1 تى 6: 10 " وهل نشأت كل لوثات التاريخ وشروره وآثامه إلا بسبب المال وما يتبعه من رذائل؟؟ فى ظلمة الليل وعندما يهجع الناس جميعاً فى مضاجعهم، يسهر عبيد المال ليفكروا ماذا يفعلون فى نور الصباح للحصول على المال، وقد قال عنهم ميخا فى مطلع الأصحاح الثانى: « ويل للمفتكرين بالبطل والصناعين الشر على مضاجعهم. فى نور الصباح يفعلونه لأنه فى قدرة يدهم، فإنهم يشتهون الحقول ويغتصبونها والبيوت يأخذونها، ويظلمون الرجل وبيته والإنسان وميراثه »... وهكذا يتطور حب المال بأصحابه من فكرة، إلى شهوة، إلى ظلم، إلى اغتصاب، وما من شك فى أن أى إنسان، يتطور إلى هذه الحال، لا يمكن أن يكون إنساناً بل وحشاً رهيباً جشعاً،.. على أن الأمر الذى يبدو أكثر شناعة وبشاعة هو سقوط الأنبياء والقضاة والكهنة تحت سلطانه،... أما الأنبياء فقد ضللوا الشعب، وخدعوه بنبواتهم الكاذبة، إذ حدثوه بالناعمات، وتكلموا له عن السلام، وأبوا أن يشيروا إلى خطاياه وآثامه، لاستجلاب رضاه، والانتفاع بعطاياه وهباته،... وألا ينطبق هذا على عدد كبير من الخدام الذين يتملقون الأغنياء والسادة والجماهير من أجل المصلحة والمادة والمغنم؟!! كما أن القضاة تفشت بينهم الرشوة، فكرهوا الحق، وعوجوا المستقيم، ورموا بالعدل إلى الأرض... هذا فى الوقت الذى كان فيه الكهنة يعملون بالأجرة، ويخدمون بالثمن!!..
ولكن السؤال: كيف يمكن لميخا وهو رجل فقير أن يقف فى وجه السادة والرؤساء والكهنة والأنبياء؟ وكيف يستطيع أن يندد بآثام المجتمع التى يبصرها دون خوف أو تردد أو تراجع؟!.. لقد كشف ميخا عن السر فى قوله: « لكننى أنا ملآن قوة روح الرب وحقاً وبأساً لأخبر يعقوب بذنبه وإسرائيل بخطيته »... " ميخا 3: 8 " إن ميخا وحده أعجز من أن يرفع صوته فى مواجهة الفساد والطغيان ولكن ميخا وقد امتلأ من روح الرب، أضحى ممتلئاً من القوة والحق والبأس، وإذا كان بطرس قد ضعف أمام الجارية، عندما كان خلواً من هذا الامتلاء، فإنه بعد الامتلاء أضحى القادر على أن يواجه سادة الجارية، مهما كان مركزهم وسلطانهم!!... وهل نستطيع بذلك أن نجد الرجاء العظيم فى أنه «لا بالقدرة ولا بالقوة بل بروحى قال رب الجنود »" زك 4: 6 "؟! … وهل نستطيع أن نتذكر أنه على قدر ما نسمح للروح أن يملأنا، بقدر ما نتحول إلى ميخا آخر أو بطرس أو بولس، أو أبطال الكنيسة الذين صنعوا المعجزات، لأنهم امتلأوا إلى آخر الحدود من روح اللّه القادر على كل شئ؟!.. ومع أن ميخا كان رجلاً وطنياً، لكن وطنيته لم تغط الشر أو تداهن الفساد، ومن ثم نراه يندد بأورشليم أقسى تنديد، فهو لا يرضى لها أن تبنى وتجمل بالدماء والظلم والرذيلة والاعوجاج،... كما أنه لم يعف السادة والرؤساء والكهنة والأنبياء من نتائج سلوكهم الشرير، وإثمهم الفاضح لتوكلهم المزيف على الرب: « قائين أليس الرب فى وطنا لا يأتى علينا شر »... كلا بل سيأتى الشر و« تفلح صهيون كحقل وتصير أورشليم خرباً، ووجبل البيت شوامخ وعر » " ميخا 3: 11 و12 " وفى كل مجتمع يقسو فيه الرؤساء، ويتاجر فيه الكهنة، ويحب رجال الدين المال، وتكثر الرشوة، عينيه كانت أو مادية، ويضيع القضاء العادل، لابد أن تحل على هذا المجتمع، بصورة قاسية، كارثة مريعة تأتيه من اللّه المنتقم العادل حارس حقوق الإنسان فى كل الأجيال.
ميخا ورؤيا السلام العظيم
بعد أن تحدث ميخا عن الخراب والدمار الذى سيلحق بشعبه وأورشليم نتيجة الخطية والإثم والشر والفساد،... وبعد أن أبصر صهيون تفلح كالحقل وجبل بيت الرب يضحى شوامخ وعر، مد بصره إلى الأفق البعيد، فرأى فى أحضان المستقبل، عصراً ذهبياً مجيداً يثبت فيه بيت الرب، وتتخرج من صهيون الشريعة، وتسعى الأمم إلى اللّه، ويسود الدين والسلام والأمن والرخاء والمحبة،... وقد اشترك إشعياء مع ميخا فى التنبؤ عن هذا العصر كما جاء فى إشعياء " 2: 2 - 4، مى 4: 1 - 5 "، ولا يمكن أن نجزم أيهما كان أسبق فى نبوته ورؤياه، فإذا أخذنا بالعمر، فإن إشعياء كان أسبق،... غير أن ميخا ألحق بالنبوة: « لأن جميع الشعوب يسلكون كل واحد باسم إلهه، ونحن نسلك باسم الرب إلهنا إلى الدهر والأبد »... وقد شجع هذا البعض على الاعتقاد أن نبوة ميخا كانت أسبق، على اعتبار أنها لم تنس واقع الشعوب المحيطة بشعب اللّه،.. فى بيته بعد أن تفلح صهيون كحقل وتصير أورشليم خرباً،... أما إشعياء فقد تجاوز هذه الحقيقة مأخوذاً بالنبوة نفسها، وأثرها، الذى لا يمكن معه الوقوف عند الصورة الجميلة دون النظر إلى الظلال القاتمة!!.. على أية حال إن كليهما دفعا الأجيال إلى التطلع نحو ذلك العالم المجيد المرموق،... وقد اختلف المفسرون، واتجهوا، وجهات مختلفة أشهرها وجهتان، يطلق عليها: ما قبل الألف سنة، و« مابعد الألف سنة »، أما قبل الألف، فتشير إلى مجئ المسيح الثانى حرفياً لمدة ألف عام، أما بعد الألف فتشير إلى المجئ روحياً لمدة ألف سنة، أو مدة طويلة لا يشترط أن تكون حرفياً ألف سنة،... أو فى لغة أخرى أن الخلاف يدور حول جبل الرب، وهل المقصود به الجبل الحرفى، أو أورشليم المدينة التاريخية، التى يعتقد الآخرون بالمعنى الحرفى أنها ستتعود إلى مجدها العظيم التليد، بل إلى مجد لم تعرفه فى تاريخها السابق على الإطلاق،... الأمر الذى لا يقبله أو يأخذ به المؤمنون بالمجئ الروحى، والذين يفسرون الأمر كله تفسيراً روحياً، فأورشليم عندهم، هى أورشليم الروحية التى قال عنها الرسول بولس فى رسالته إلى غلاطية: « وأما أورشليم العليا التى هى أمنا جميعاً فهى حرة »... وكان يفرق فى ذلك بينها وبين: « أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها ».. "غل 4: 25 " وامتدت به التفرقة وهو يتحدث عن الصليب، فكشف عما يعتقده فى معنى « إسرائيل » وهو لا يقصد إسرائيل بحسب الجسد، أو الجنس اليهودى، بل يقصد المؤمنين أبناء اللّه فى القول: « فكل الذين يسلكون بحسب هذا القانون عليهم سلام ورحمة وعلى إسرائيل اللّه »... " غل 6: 16 " وهو يقابل ما ذكره الرسول يوحنا فى سفر الرؤيا « ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا، والبحر لا يوجد فى ما بعد. وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند اللّه مهيأة كعروس مزينة لرجلها »... " رؤ 21: 1 و2 " ولا يتصور بداهة عند الرسولين، أن الحديث عن أورشليم هو بالمعنى الحرفى، بل بالمعنى الروحى أو « الكنيسة » وهو ما نعتقد أنه التفسير الصحيح لنبوة ميخا وإشعياء،... إن جبل الرب المرتفع هو ذلك الحجر الذى قطع بغير يدين والذى قال عنه دانيال للملك نبوخذ نصر: « كنت تنظر إلى أن قطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما، فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معاً وصارت كعصافة البيدر فى الصيف فحملتها الريح فلم يوجد لها مكان. أما الحجر الذى ضرب التمثال فصار جبلا كبيراً وملأ الأرض كلها ».. " دا 2: 34 و35 " وكل هذه إشارة إلى ملك المسيح وكنيسته التى ستملأ الأرض،... والذى لا خلاف عليه - حتى مع الآخذين بالمعنى الحرفى - أنه لا يمكن أن يأتى العصر الذهبى أو يتم السلام فى الأرض دون أن يقبل الجميع من اليهود أو الأمم الرب يسوع المسيح، مخلصاً وفادياً ورباً، كشرط أساسى لإتمام الخلاص وامتداد ملكوت اللّه على الأرض، إذ أن علاقة المسيح بأى إنسان قبل أن ترتبط بمكان أو زمان أو ظرف، هى علاقة روحية شخصية، كما أن خلاصه شامل كامل لم يعد وقفاً على اليهود، بل يتسع ليشمل شعوباً وأمماً كثيرة، إذ أنه خلاص الإنسانية بأكملها، الإنسانية التى جاء المسيح ومات من أجلها ليفتديها ويحررها من اللعنة والخطية والإثم، وهو خلاص أبدى لا يتزعزع أو ينهزم... إن ممالك الأرض تقوم وتسقط... فأين مصر وصور وصيداء، وبابل واشور واليونان وروما!!؟ أين الممالك التى انحنى العالم لسلطانها ومجدها العظيم؟؟... لقد بادت وتلاشت ولم يبق منها إلا قصة تذكر فى التاريخ، وتروى مع الأيام أما خلاص الله فأبدى ثابت إذ: « أن جبل الرب يكون ثابتاً فى رأس الجبال ويرتفع فوق التلال وتجرى إليه شعوب » " ميخا 4: 1 " أو فى لغة أخرى إن خلاص المسيح سيسمو ويعلو على كل ما شمخت به جبال العالم، ومرتفعات الزمن،... وهو خلاص قوامه حياة البر: « فيعلمنا من طرقه ونسلك فى سبله لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب »... " ميخا 4: 2 " ومن الملاحظ أن هذا الخلاص سيكون عظيما وقوياً ومؤثراً فى حياة الناس إذ سيملأهم بالغيرة المقدسة فيقولون بعضهم لبعض: « هلم نصعد إلى جبل الرب وإلى بيت إله يعقوب »... وهل هذا إلا إعلاناً قوياً عن محبتهم للّه، ومحبتهم بعضهم لبعض؟؟.. قال القديس زافييه لمحدثيه: « أنتم تقولون إنهم سيقتلوننى بالسم وإنه لشرف كبير لخاطئ مثلى لا أجرؤ على الحلم به، ولكنى مستعد أن أموت عشرة آلاف مرة من أجل خلاص نفسى واحدة»... وهذا الخلاص سيكون مصحوباً بالنور: « فيعلمنا من طرقه » وسيادة المسيح وخلاصه لابد أن يصحبهما النور المشرق،.. أليس هو نور العالم ومن يتبعه لا يمشى فى الظلمة؟، ألم يأت ليمنحنا النور الذى به نخلص من الجهل والخرافات والفساد والخطية؟؟.. وخلاص المسيح مرتبط بالسلام: « فيقضى بين شعوب كثيرين. ينصف لأمم قوية بعيدة فيطبعون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل لا ترفع أمة على أمه سيفاً ولا يتعلمون الحرب فى مابعد ».. وهذا الخلاص مرتبط آخر الأمر بالرخاء: « بل يجلسون كل واحد تحت كرمته وتحت تينته ولا يكون من يرعب لأن فم رب الجنود تكلم »... " مى 4: 3 و4 ".ومع أن هذا الخلاص فى أحضان المستقبل، ويرتبط بالمسيح، إذ أن آخر الأيام التى ذكرها يعقوب وموسى ودانيال وإشعياء وميخا وغيرهم من الأنبياء تشير إلى عصر المسيا، وقد فرق ميخا على ما يعتقد بعض المفسرين بين هذا العصر، وعصر السبى البابلى الذى قال فيه قبل هذه النبوة مباشرة: « لذلك بسببكم تفلح صهيون كحقل وتصير أورشليم خرباً وجبل البيت شوامخ وعر »... ولعل هذا هو السبب الذى جعله يضيف العبارة التى لم ترد فى إشعياء: « لأن جميع الشعوب يسلكون كل واحد باسم إلهه ونحن نسلك باسم الرب إلهنا إلى الدهر والأبد » فيرى البعض أنها تتحدث عن سلوك إسرائيل فى السبى، وهم يرفضون العبادة الوثنية التى أحاطت بهم، وكان هذا سر رجائهم وقوتهم وعودتهم من السبى،... ويرى آخرون أنها تشير إلى الكنيسة، وهى تأخذ طريقها إلى الانتصار الكاسح، فى عالم الوثنية والفساد والشر، وهو التصور الأصح فى نظرنا.وقد تحدث ميخا عن هذا الخلاص على أية حال بلهجة الواثق المتأكد: « لأن فم رب الجنود تكلم » " ميخا 4: 4 ".. وهل يتكلم الرب إلا بالصدق، وهل يغفل عن أن يسهر على كلمته ليجربها؟!!.. لئن كان هناك من رجاء أو أمل فى كل التاريخ فى أن نصل إلى الأمن والسلام والاستقرار، والرخاء والمحبة والأخاء، فإن هذا الرجاء أو الأمل يرجع إلى ثقتنا الوطيدة فى كلمة اللّه!!..
وما من شك فى أن الكنيسة المسيحية يقع عليها وحدها الرجاء فى الدفاع عن الحقوق البشرية،... مع أن الإنسان يسير بطيئاً جداً فى الدفاع عن هذه الحقوق،.. وها نحن نرى هيئة الأمم المتحدة وقد أقرت ميثاق « حقوق الإنسان »، وهو ثمرة جهاد طويل منكوب بالحروب والمتاعب والمجازر البشرية، وهو يتكون من اثنتين وعشرين مادة، وهو جزءان: الجزء الأول منه يتكون من أربع مواد، ويسير إلى ضرورة احترام الدولة المشتركة فيه لكل نصوصه وقوانينه، ومساهمتها فى تنفيذ مواده بكل ما تملك من قوة ونفوذ - والجزء الثانى ويتكون من ثمانى عشرة مادة، ويفصل حقوق الإنسان فى الحياة والسلامة والحرية والأمن والملكية والدين والكلام.. غير أن الأمم المتحدة لا تملك قوة تنفيذية تلزم المخالف بهذه الحقوق، وإنما هى أحلام أفلاطون تظهر مرة أخرى على سطح التاريخ كما تمنى فى الجمهورية أو « اليوتوبيا، أى عالم الكمال، الذى كان يحلم به توماس مور أو « المدينة الفاضلة » التى كان يتخيلها فرنسس بيكون!!..
على أن كلمة اللّه، تتجه بنا بكل يقين إلى أورشليم السماوية، إلى مدينة اللّه النازلة من السماء، بمعنى أنها ليست مجرد حلم أو خيال بشرى، أو جهد يقوم به الإنسان فى الأرض، بل هى من صنع اللّه القادر على كل شئ، وبترتيب منه، وعلى الصورة التى قصد أن تكون، أو هى كنيسة المسيح الممجدة السماوية التى جعلت ملتون يقول: " أخرج من غرفتك الملكية يارئيس ملوك الأرض، وألبس ثوب جلالك ومجدك الإمبراطورى المنظور".
ميخا والديانة المطلوبة من الإنسان
تحدث ميخا عن الخراب الذى جلبته الخطية، والمستقبل اللامع الذى يراود أحلام الإنسان فى كل الأجيال والعصور، وكان لابد أن يتحدث عن السبيل للوصول إلى هذا المستقبل، وأكد ميخا أنه لا يوجد سوى الدين الذى ينقل الإنسان إلى العصر الذهبى اللامع، عصر السلام،... ومن الغريب أن الرئيس « كارتر » وهو يخطو إلى تولى منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أكد هذه الحقيقة فى حفل تنصيبه، إذ جعل شعاره ما قاله ميخا فى الأصحاح السادس وهو يعبر تعبيراً عظيماً رائعاً عن مضمون الحياة الدينية: « قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح. وماذا يطلبه منك الرب، إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعاً مع إلهك » " ميخا 6: 8 " وقد لا يعلم الكثيرون أن هذه الآية قد وضعت فى الغرفة الملحقة بالقسم الدينى فى مكتبة الكونجرس فى واشنطون، ومبنى هذه المكتبة من أفخم المبانى فى العالم، وهو يشمل أقساماً عديدة مستقلة لكل العلوم والمعارف، ولكل فرع غرفة مطالعة خاصة به زينت بما يلائمها، وعندما أرادوا أن يضعوا فى غرفة المطالعة بالقسم الدينى آية مناسبة، إستشاروا بعضاً من كبار رجال الدين وأساتذته، وأخيراً تم الاتفاق على الآية المذكورة فى نبوات ميخا!!.. وقد كشف ميخا بهذه الآية عن خلاصة الدين الصحيح، على أروع ما يمكن أن يكون... فالحياة الدينية أولا وقبل كل شئ علاقة شخصية بين الإنسان وربه أينما يكون وكيفما يكون: « قد أخبرك أيها الإنسان »... وفى الحقيقة أن هناك علاقة بين اللّه والأمة، وقد أسس اللّه علاقته مع شعبه على أجمل أسلوب، وهو حتى فى محاكمته للشعب يذكره بهذه العلاقة العظيمة: « ياشعبى ماذا صنعت بك وبماذا أضجرتك؟ أشهد على. إنى أصعدتك من أرض مصر وفككتك من بيت العبودية وأرسلت أمامك موسى وهرون ومريم ياشعبى أذكر بماذا تآمر بالاق ملك موآب وبماذا أجابه بلعام بن بعور - من شطيم إلى الجلجال لكى تعرف إجادة الرب » " ميخا 6: 3 - 5 "..ومن الحقيقة أيضاً أن هناك علاقة بين اللّه والأسرة: « أما أنا وبيتى فنعبد الرب » " يشوع 24: 15 "... لكن هذا كله، يؤسس على العلاقة الشخصية الفردية بين الإنسان وربه... وهذه العلاقة لا يعرفها الإنسان خيالا أو ظناً أو تصوراً أو هماً بل هى ثمرة إعلان اللّه للبشر: « قد أخبرك »... إذ إن اللّه ليس ساكناً أو ساكتاً فى السموات، بل إنه يسعى وراء كل إنسان ليخبره، وقد أكد السيد المسيح هذه الحقيقة بقوله: «خرافى تسمع صوتى » " يو 10: 27 " إذ أنه يتكلم إلينا بأصوات متعددة، وهو يريد أن ننصت ونسمع، وكلمته فى الكتاب، والضمير، والحوادث، والظروف المحيطة بنا، تتحدث إلينا، وطوبى لمن يصغى لهذه الأصوات،... وهو يؤكد أكثر من ذلك أن هذه الأصوات ملزمة، وليس لى أن أختار قبولها أو رفضها كما يشاء لى الهوى أو الرفض: « وما يطلبه منك الرب »..والديانة المطلوبة فى الواقع ليست شخصية فحسب، بل وروحية أيضاً، إذ أنها ليست مجرد فرائض أو طقوس، ويبدو أن كثيرين تصوروا هذا، وربما سألوا اللّه عن طريق ميخا: « بم أتقدم إلى الرب وأنحنى للإله العلى؟ هل أتقدم بمحرقات بعجول أبناء سنة؟ هل يسر الرب بألوف الكباش بربوات أنهار زيت؟ هل أعطى بكرى عن معصيتى ثمرة جسدى عن خطية نفسى » " ميخا 6: 6 و7 " على أن اللّه أجاب أن الديانة الحقيقية أعمق من ذلك بما لا يقاس، إذ أنها ديانة روحية لبابها السجود للّه بالروح والحق!!..
وفد على مدينة أدنبره، جماعات لا هم لها دينيا إلا إثارة الإنفعالات والعواطف والتغير من مذهب إلى مذهب،.. وقد كتب أحد وعاظهم إعلاناً فى الصحف عن المجئ الثانى للمسيح تحت عنوان: « ملايين الناس لن يروا الموت »... إذ كانوا يعتقدون أن المجئ سيأتى وشيكاً،... وما أن قرأ أحد خدام اللّه هذا الإعلان. حتى كتب إعلاناً عن عظته المزمع أن يلقيها يوم الأحد تحت عنوان: « ملايين الناس مائتون فعلا »... ومن الواجب إنقاذهم، قبل إشباع غرائزهم وفضولهم، وشكراً للسيد الذى أغنانا بذبيحته عن ألوف الكباش وربوات أنهار الزيت!!
والديانة المطلوبة: « أن تصنع الحق »... إذ أن الدين ليس مجرد نظريات غيبية أو تخيلية، بل هو حقيقة عملية »... والحق دائماً مثلث، يبدأ بالحق تجاه اللّه الذى هو الحق، وما نحن إزاء اللّه إلا وكلاء فى كل شئ،... فى العهد القديم لم تكن الأرض ملكاً لأصحابها، وكانت تقسم، ولا يجوز لإنسان أن يبيعها أو يتخلى عنها مطلقاً، لأن الأرض ملك اللّه، والإنسان مجرد وكيل وبهذا المعنى نحن جميعاً وكلاء أمام اللّه!!.. والحق تجاه الآخرين ألا نكيل بكيلين ونزن بميزانين،... أخذ مدير الشركة يقرع أحد الموظفين أمامه، لأن الموظف أخبره بأن ابنه فشل فى الامتحان، ونسب إلى الأب الإهمال وسوء التربية، وما هى إلا لحظات حتى وصلت برقية تقول إن ابن المدير قد رسب فى الإمتحان،... فغمغم قائلا: إن الوقت ما يزال أمامه إذ هو صغير،!!... لم يستطع أن يطبق الحق على نفسه كما طبقه على الآخرين!! والحق تجاه النفس، هو مناقشتها ومحاسبتها على الدوام، والتوفيق معها دون تساهل أو تهاون أو كسل!!..
على أن الديانة أكثر من ذلك هى ديانة الرحمة: « وتحب الرحمة »... فإذا كان الإنسان على الدوام يتجه صوب الحق، فإن الأجمل والأعظم أن يحب الرحمة، وأن يمتلئ قلبه بها، وأن يشفق على الآخرين، وأن يتسامح مع خطاياهم وآثامهم، قتل رجل فى حماقته فى الحرب طفلة فى التاسعة من عمرها، ومات هو، وذهب أبواها إلى زوجة الرجل وقالا: لقد سامحناه إذ كنا ننظر إليه كمريض أكثر منه قاتلا!!.. تحدث أحدهم إلى كلارا بارتون مؤسسة الصليب الأحمر الأمريكى، عن إساءة قاسية حدثت فى حياتها، فأجابت: لقد تعودت أن أنسى إساءات الناس!!... والديانة الرحيمة هى التى تجتهد فى أن تقيل عثرة الآخرين.. قال مدير المدرسة لشاب أخطأ: يا ابنى أنا أعلم أنك تعثرت، وسأكتب عثرتك هذه بقلم رصاص، فإذا لم تتكرر سأمحوها!!... وليس أعظم وأجمل من أن نمد أيدينا إلى الضعيف والمنكوب، والمتألم والعاجز لأنه: « طوبى للرحماء لأنهم يرحمون ».. " مت 5: 7 ".ثم هى آخر الأمر ديانة التواضع: « وتسلك متواضعاً مع الهلاك، والتواضع الصحيح هو النضوج بعينه، إذ هو التواضع أمام عظمة إلهنا، ومن نحن التراب والدود والرمة، أمام إله عظيم مجيد سرمدى!!... بل نتواضع إزاء إحسانه: « صغير أنا عن جميع ألطافك وجميع الأمانة التى صنعت إلى عبدك »... " تك 32: 10 " وأكثر من هذا كله أمام غفرانه العجيب، ولا نملك هنا إلا أن نقف مع ميخا، وهو يختم سفره بأقوال من أروع الأقوال التى سطرت أمام عين الإنسان فى كل التاريخ: « من هو إله مثلك غافر الإثم وصافح عن الذنب لبقية ميراثه. لا يحفظ إلى الأبد غضبه، فإنه يسر بالرأفة. يعود يرحمنا يدوس آثامنا وتطرح فى أعماق البحر جميع خطاياهم. تصنع الأمانة ليعقوب والرأفة لإبراهيم اللتين حلفت لآبائنا منذ أيام القدم »..! " ميخا 7: 18 - 20 "..
المزيد
30 أغسطس 2022
أقوال بعضِ الاباء القديسين الاوائل في الدينونة
قال القديس دوروثاؤس:
إنه لا شيء أردأ من الدينونةِ للإنسان، لأن بسببها يتقدم إلى شرورٍ ويسكن في شرورٍ، فمن دان أخاه في قلبهِ وتحدث في سيرتهِ بلسانهِ، وفحص عن أعمالهِ وتصرفاتهِ، وترك النظرَ فيما يُصلِح ذاتَه، وانشغل عما يلزمه بما لا يلزمه من الأمورِ التي ينشأ عنها الازدراءُ والنميمةُ والملامةُ والتعيير،فحينئذ تتخلى المعونةُ الإلهية عنه، فيسقط فيما دان أخاه عليه. أما النميمةُ فتصدر من ذاك الذي يخبر بما فعله أخوه من خطايا شخصية، فيقول عنه إنه فعل كذا وكذا.وأما الدينونة،فبأن يخبر بما لأخيه من خُلقٍ رديء، فيقول إنه سارقٌ أو كذاب أو ما شابه ذلك، فيحكم عليه بالاستمرار فيها وعدم الإقلاع عنها. وهذا النوع من الدينونة صعبٌ جداً،ولذلك شبَّه ربنا خطية الدينونة بالخشبة، والخطية المدانة بالقذى. من أجل ذلك قَبِلَ توبةَ زكا العشار، وصفح عما فعله من آثامٍ، وشجب الفريسي لكونِه دان غيرَه، مع ما له من صدقةٍ وصومٍ وصلاةٍ وشكرٍ لله على ذلك. فالحكم على خليقةِ الله، يليق بالله لا بنا، فدينونةُ كلِّ واحدٍ وتزكيته هي من قبل الله وحده،لأنه هو وحدَه العارف بسرِّ كلِّ إنسانٍ وعلانيته. وله وحده إصدار الحكم في كلِّ أمرٍ وعلى كلِّ شخصٍ. إذ يتفق أن يعمل إنسانٌ عملاً بسذاجةٍ وبقصدٍ يرضي الله، وتظن أنت غير ذلك، وإن كان قد أخطأ، فمن أين تعلم إن كان تاب وغفر الله له، أو إن كان الله دانه في العالم إزاء ذنوبهِ؟فالذي يريد الخلاص إذن،ليس له أن يتأمل غيرَ نقائص نفسِه،مثل ذلك الذي رأى أخاه قد أخطأ فبكى وقال:"اليوم أخطأ هذا الأخ، وغداً أخطئ أنا، وربما يُفسح الربُ لهذا فيتوب، وقد لا يُفسح لي أنا».
فبالحقيقة ويلٌ لمن يدين أخاه فإنه سيُهلك نفسَه بكونِه صار دياناً، ولكونهِ يؤذي الذين يسمعونه.وعنه يقول النبي:
"ويلٌ للذي يسقي أخاه كأساً عكرة». وكذلك: «ويلٌ للذي من قِبلهِ تأتي الشكوك».
أما أصلُ هذا كلِهِ فهو عدم المحبة، لأن المحبةَ تغطي كلَّ عيبٍ. أما القديسون فإنهم لا يدينون الأخَ، لكنهم يتألمون معه كعضوٍ منهم، ويشفقون عليه ويعضدونه ويتحايلون في سبيلِ خلاصِهِ، حتى ينشلونه كالصيادين الذين يرخون الحبلَ للسمكةِ قليلاً قليلاً حتى لا تخرق الشبكةَ وتضيع، فإذا توقفت سَوْرةُ حركتِها حينئذ يجرونها قليلاً قليلاً، هكذا يفعل القديسون، فإنهم بطول الروح يجتذبون الأخَ الساقطَ حتى يقيموه، كما فعل شيخٌ إذ جلس على الماجورِ الذي كانت تحته المرأة، لكي لا يجدها أولئك الدين نمُّوا على الأخ ... بشفقةٍ ومحبةٍ، لا باستنقاصٍ وتعيير.
شيخٍ من الشيوخ القديسين
أنه سكن قريباً من الديرِ، وكان ذا نفسٍ راجحةٍ في الصلاح، فجاوره أخٌ راهب.واتفق في غيبة الشيخِ أن طغى الأخُ وفتح قلايتَه، ودخل فأخذ زنابيلَه ومصاحِفَه.فلما رجع الشيخُ وفتح قلايته، لم يجد زنابيلَه ولا باقي حاجاته،
فجاء إلى الأخِ ليخبره بما جرى له.وبدخولهِ قلاية الأخ وجد زنابيله ومصاحفه في وسطِها، لأن الأخَ لم يكن بعد قد خبأها. فلمحبةِ الشيخ، رأى ألا يحرجه، أو يوبخه، أو يخجله، فتظاهر بوجود ألم في بطنِهِ، ويحتاج الأمر لزوالهِ إلى قضاء الحاجة، فدخل بيتَ الراحةِ وأبطأ فيه وقتاً طويلاً، حتى إذا تأكَّد أن الأخَ خبأها، خرج الشيخُ وبدأ يكلمه في أمورٍ أخرى ولم يوبخه. وبعد أيامٍ قليلةٍ، عثروا على زنابيل الشيخ عند الأخ، فأخذه قومٌ وطرحوه في الحبسِ، فلما سمع الشيخُ أنه في الحبسِ ولم يكن يعرف العلةَ التي من أجلها حُبس، قام وجاء إلى الرئيس، وقال له: "اصنع محبةً وأعطني بيضاً وخبزاً قليلاً». فقال له ذاك: «من البيِّن أنه يوجد عندك اليوم ضيوفٌ».
فقال له: «نعم». فأخذ الشيخُ ما طلبه، ومضى إليه في الحبسِ، ليجد الأخُ غذاءً من الطعام.فلما دخل ليفتقدَه، خرَّ الأخُ على رجليه وقال:"يا معلم، لقد جيء بي إلى ههنا، لأني أنا هو الذي سرقتُ زنابيلك، ومصاحفك تجدها عن فلان، وثوبك تجده أيضاً عند فلان».فقال له الشيخُ: "بالحقيقيةِ يا ولدي، اِعلم تماماً أني لستُ من أجل هذا الأمر دخلتُ إلى الحبس، ولم أعلم بوجهٍ من الوجوه أنك جئتَ من أجلي إلى ههنا، لكني سمعتُ أنك محبوسٌ فاغتممتُ، وجئتُ مصلحاً لك طعاماً تتغذى به، فاقبل الخبزَ والبيضَ وخذه من أجلِ محبتي».ثم إن الشيخَ خرج إلى أكابر البلد، وأعلمهم بأن هذا الأخ بريءٌ، وسألهم ألا يجلبوا على أنفسِهم خطيئةً. ولكونه معروفاً بينهم بالفضلِ والخيرِ، سمعوا لكلامِه، ولوقتهم أطلقوه، فهذا الأخُ بقي تلميذاً عند الشيخ بقية أيام حياتهِ ولم يكلِّمه بكلمةٍ واحدةٍ قط.
وأيضاً قال شيخ:
لا تدن الفاسقَ أيها العفيف لئلا تصير مثلَه مخالفاً للناموس، لأن الذي قال لا تزنِ، قال أيضاً لا تدِن. والرسول يعقوب يقول: «إن من حفظ الناموسَ كلَّه، وذلَّ في واحدةٍ منه، صار مُطَالباً بالجميعِ».
قال يوحنا السينائي:
إنه في حالِ جلوسي في البريةِ الجوانية، جاءني أحدُ الإخوة متفقداً مَن بالدير، فسألتُه:"كيف حالُ الإخوة»؟ فأجابني: «بخيرٍ بصلاتِك».فسألتُه أيضاً عن أخٍ واحدٍ كانت سمعتُه قبيحةً، فأجابني: "صدقني يا أبي، إنه لم يتُب بعد منذ ذلك الوقتِ الذي أُشيعت عنه فيه تلك الأخبار». فلما سمعتُ ذلك قلتُ: «أُف». فعند قولي «أف» أخذني سُباتٌ وكأن نفسي قد أُخذت، فرأيتُ أني قائمٌ قدامَ الجمجمة، والمسيحُ مصلوباً بين لصين، فتقدمتُ لأسجدَ له، ولكنه أمر الملائكةَ الواقفين قدامَه بإبعادي خارجاً قائلاً:"إن هذا الإنسان قد اغتصب الدينونةَ مني ودان أخاه قبل أن أدينه أنا». فوليتُ هارباً، فتعلق ثوبي بالباب وأُغلق عليه، فتخليْتُ عن ثوبي هناك.فلما استيقظتُ قلتُ للأخ الذي جاءني: "ما أردأ هذا اليوم عليَّ». فأجابني: «ولِمَ يا أبي»؟ فأخبرتُه بما رأيتُ وقلت: «لقد عدمتُ هذا الثوبَ الذي هو سُترة الله لي».ومن ذلك اليوم،أقام القديسُ هكذا تائهاً سبعَ سنين في البراري، لا يأكل خبزاً ولا يأوي تحت سقفٍ، ولا يبصر إنساناً.وأخيراً رأى في منامِهِ كأن الربَ قد أمر أن يُعطوه ثوباً.فلما انتبه فرح فرحاً عظيماً، وبعد أن أخبرنا بذلك بثلاثة أيامٍ تنيح.فلما سمعنا ذلك تعجبنا قائلين: «إن كان الصديقُ بالجهدِ يخلص، فالمنافق أين يظهر».
من خبر لتادرس الرهاوي:
كان بتلك النواحي حبيسٌ قديم، فمضى إليه القديس تادرس الأسقف، وسأله أن يعرِّفه بسيرتهِ من أجلِ الرب فتنفس الحبيسُ الصعداء، وتنهد من صميمِ قلبهِ وذرفت دموعُه وقال: "أما سيرتي فأنا أخبرك بها، فقط لا تُشهرها لأحدٍ إلا بعد انتقالي.فاعلم أيها الأب، أني خدمتُ بديرٍ ثلاث سنوات مع أخٍ أكبر مني، وبعد ذلك جئنا إلى البريةِ في بابل القديمة، وسكنَّا مقابرَ لم يبعد بعضُها عن بعضٍ كثيراً. وكنا نتغذى من الحشائش النامية من ذاتِها من سبتٍ إلى سبتٍ، وكنا إذا خرجنا لنجمع الحشائش لغذائنا، يتراءى مع كلِّ واحدٍ منا ملاكٌ يحفظه.
ولم يكن أحدُنا يخاطب الآخر ولا يقترب منه.ففي أحدِ الأيامِ رأيتُ أخي من بُعدٍ قد قفز عن موضعٍ طائراً كأنه نجا من فخٍ، ومضى هارباً إلى قلايتهِ.فلما عجبتُ من قفزتِه، مضيْتُ إلى ذلك الموضع لأتحقق الأمرَ.
فوجدتُ هناك ذهباً كثيراً،فأخذتُه ثم جئتُ إلى المدينةِ، وابتعتُ موضعاً حسناً محاطاً بسورٍ وبه عينُ ماءٍ صافٍ، فبنيتُ هناك كنيسةً، وعمَّرتُ موضعاً لضيافة الغرباءِ.وابتعتُ برسمهِ مواضعَ كافيةً للإنفاق عليه، وأقمتُ عليه رجلاً خبيراً بتدبيرِهِ. أما باقي المال، فقد تصدَّقتُ به على المساكين حتى لم أُبقِ لي منه ولا ديناراً واحداً.ثم عدتُ طالباً قلايتي، وفكري يوسوسُ لي قائلاً: "إن أخي من فشلِهِ ما استطاع تدبير ما وجده من المال، أما أنا فقد دبرتُه حسناً».في حال تفكري بهذا، وجدتُ نفسي وقد وصلتُ بقرب قلايتي، ورأيتُ ذلك الملاك الذي كان قبلاً يُفرِّحني، وإذا به ينظر إليِّ نظرةً مفزعةً، قائلاً لي: "لماذا تتعجرف باطلاً؟إن جميعَ تعبك الذي شَغَلْتَ نفسَك فيه كلَّ هذه الأيام، لا يساوي تلك القفزةَ الواحدة التي قفزها أخوك، لأنه ما جاز عن حفرةِ الذهبِ فحسب، بل عبَرَ أيضاً تلك الهوةَ الفاصلةَ بين الغني ولعازر، واستحق لذلك السُكنى في أحضان إبراهيم،من أجل ذلك فقد أصبح حالُك ليس شيئاً بالنسبةِ لحالِه بما لا يقاس، وها هو قد فاتك كثيراً جداً، ولهذا صرتَ غيرَ أهلٍ لأن ترى وجهَه، كما لن تحظى برؤياي معك بعدُ». وإذ قال لي الملاكُ ذلك غاب عن عيني.ثم إني جئتُ إلى مغارةِ أخي فلم أجده فيها، فرفعتُ صوتي باكياً حتى لم يبقَ فيَّ قوةٌ للبكاءِ. وهكذا أقمت سبعةَ أيام أطوفُ تلك البريةَ باكياً، فما وجدتُ أخي، ولا وجدتُ عزاءً، فتركتُ ذلك الموضع نادباً، وجئتُ إلى هنا،
فأقمتُ في هذا العمودِ تسعاً وأربعين سنةً محارِباً أفكاراً كثيرة، وشياطين ليست بقليلةٍ، وكان على قلبي غَمامٌ مظلمٌ وحزنٌ لا يمازجه عزاء. وفي السنة الخمسين، في صبيحة الأحد، أشرق على قلبي نورٌ حلو، قشع عني غَمامَ الآلام، وبقيتُ مبتهلاً بقلبٍ خاشعٍ مُنَدَّى بدموعٍ ذاتِ عزاءٍ، فلما جازت الساعة الثالثة من النهار، وأنا ملازمٌ للصلاةِ قال لي الملاكُ: السلامُ لك من الربِّ، والخلاص. فتعزَّى قلبي».قيل:أخطأ أحدُ الإخوةِ فطُرد،فقام الأب بيساريون وخرج معه قائلاً: «وأنا أيضاً خاطئٌ».وحدث مرةً أن هفا أخٌ بالإسقيط، وانعقد مجلسٌ بسببهِ،فقام الأب بيئور،
وأخذ خُرجاً وملأه رملاً وحمله على ظهرهِ،كما أخذ كيساً صغيراً ووضع فيه قليلاً من الرملِ وجعله قدامه.
فسألوه:"ما هذا الخُرج المملوء كثيراً»؟ فقال: "إنه خطاياي قد طرحتُها وراءَ ظهري حتى لا أنظرها ولا أتعب لأجلِها، أما الرملُ القليل الموجود قدامي، فهو خطايا أخي، وقد جعلتُها قدامي لأدينه عليها».فلما سمع الإخوةُ ذلك انتفعوا، وغفروا للأخِر.
المزيد
25 أغسطس 2022
شخصيات الكتاب المقدس موسى
موسى
" بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون "عب 11: 24
مقدمة
قد لا يجد المرء في صفحات التاريخ الكثير من الناس، الذين تعرضوا وهم على مفارق الطرق، لما تعرض له هذا الرجل القديم موسى، إذ كان واحداً من الأوائل الذين جاء امتحانهم على ضفاف النيل، ليكتشفوا الفارق المهول بين الطريق الواسع العالمي، وطريق الحياة الأبدية الضيق،.. وقف موسى أمام الطريقين، ورأى الطريق الرحب الواسع، مرصوفاً بالذهب تعبق على جانبيه الزهور، ويرويه النيل بالخضرة والجمال، والحسن والمتعة، والمجد العالمي المذهل!!.. ورأى الطريق الآخر الكرب الضيق، وعلى رأسه الصليب الضيق، والنفي والتشريد، ولم يتردد مع ذلك قط، في أن يختار هذا الطريق الأخير إذ: "أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون مفضلاً بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر لأنه كان ينظر إلى المجازاة".. لقد أدرك موسى أن مأساة الإنسان الغارقة في كل العصور والأجيال أنه ينظر إلى أول الطريق، وليس إلى نهايته، مع أن الوضع المعكوس هو الصحيح إذ: "توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة وعاقبتها طرق الموت".. وهو لا يرضى أن تكون له هذه المأساة، فيتحول آخر الأمر مهما حف به من مجد عالمي إلى جثة محنطة في مقابر الفراعنة القديمة بل أنه لينشد أن يموت بأمر من الله على رأس الفسجة، ولا يدفن في أعظم هرم في مصر الوثنية القديمة!!.. أجل وشتان إلى الأبد، بين موسى كمومياء، وموسى على جبل التجلي مع إيليا والمسيح، كما رآه بطرس ويعقوب ويوحنا!!.. دعونا إذاً نرى هذا الرجل كواحد من أعظم رجال العصور كلها، يقف ربما في الخط الثاني مع بولس والقليلين جداً من أبطال الإيمان خلف ابن الله في السماء.. من يكون؟ وما قصته العظيمة وتاريخه الباقي إلى أن تنتهي الأرض وما عليها، ويسمع الناس الترنيمة العظيمة الخالدة ترنيمة موسى والحمل؟!..
من هو موسى؟!!
عندما يمر الإنسان منا نحن المصريين بمومياء رمسيس الثاني، كثيراً ما يأتي السؤال: هل هذا الملك هو الرجل الذي عاصر موسى كما يذهب بعض المؤرخين أو الشراح ممن يعتقدون أن موسى ولد عام 1578ق.م. وأنه هرب إلى مديان عام 1538ق.م. ورجع إلى مصر عام 1498ق.م.، وأن رمسيس الثاني جاء إلى العرش عام 1567ق.م.، وأن منفتاح حكم مصر عام 1506ق.م.؟.. أم أن موسى جاء بعد هذا التاريخ بفترة قصيرة؟.. لسنا نعلم على وجه التأكيد، ولا نظن أن دراسة الشخصيات التي نعالجها تهتم بالجانب التاريخي المحض، فهذا متروك للدراسات التاريخية، وعلم الآثار،.. ولا نظن أن دراساتنا أيضاً تتجه إلى معارض الفن، حيث نرى رجال الفن من مصورين أو مثالين، وهم يتخيلون شكل موسى أو منظره أو صورته، ولن نقف من موسى، مثلما وقف المثال العظيم مايكل أنجلو، بعد أن أبدع تمثاله العظيم الرائع، وإذ أخذ بالمنظر ضرب بعصاه وهو يصيح: "تكلم يا موسى".. لكننا سنحاول دراسة أخلاقيات موسى ورسالته العظيمة التي تركت طابعها الأدبي والروحي على مر العصور والأجيال!!..
موسى الجميل
لم يكن جمال موسى الجمال العادي، ولكنه كان نوعاً من ذلك الجمال الذي وصفه استفانوس بالقول: "ولد موسى وكان جميلاً جداً" والذي قال عنه يوسيفوس المؤرخ اليهودي: "إن جماله كان رائعاً فتاناً مذهلاً، فما من إنسان بهذا الجمال البارع".. وقد هز هذا الجمال أمه وأباه اللذين أخفياه ثلاثة أشهر وهز ابنة فرعون التي رق قلبها للجمال الباكي في سفط وكان مؤشراً عظيماً في الحب الذي أحبت به موسى، فلم تره بعد عبداً لها، بل جعلته ابناً!!.. وقد أضحى هذا الجمال مذهلاً ورهيباً، بعد أن صعد إلى الجبل وعاش مع الله أربعين يوماً،.. ولم تعد العين البشرية قادرة أن تحدق فيه، كما يصعب عليها أن تواجه النور الباهر، ومن ثم ألف موسى أن يغطي وجهه في نظر إلى الناس، حتى يرفع البرقع في خلوته مع الله!!..
موسى المتعلم
وصف استفانوس موسى: "تهذب بكل حكمة المصريين".. ومن المعتقد أن مصر رائدة العلم في كل أجيال التاريخ، وقد قال هنري ورد بيتشر، وهو يعطي الفرق بين عظمة مصر وغيرها من الأمم والممالك: "إن روما لم تكن قد عرفت بعد، واليونان كانت مغارة لصوص، ولم يكن في بقاع العالم كله سوى مكان واحد يتألق فيه المجد، وقد كان هذا المكان هو مصر بلد الفلسفة والفن والوثنية".. وفي عصر موسى كانت هناك جامعة في عاصمة البلاد في المكان الذي يطلق عليه الآن "صان الحجر" ومن المرجح أن موسى تعلم في هذه الجامعة حتى بلغ أعلى درجات المعرفة والعلم،.. كانت الجامعة تعلم التاريخ والطب واللاهوت والحساب والجبر والهندسة والعلوم الحربية، ولا شبهة في أن موسى أخذ بالكثير من هذه العلوم، التي اختلط فيها الحق بالباطل، والنور بالظلام ولكنها على أي حال جعلت منه واحداً من أعظم علماء عصره، ومن أعظم علماء العصور كلها، وأنها شكلت فيه ذلك الذهن المنظم العبقري، الذي صفاه الله، في برية مديان ليكون واحداً من أبرع العقول التي أعطاها الله للإنسان على هذه الأرض!!.. وأليس مما يدعو إلى العجب أن الرجل الذي تهذب بكل حكمة المصريين، وكان العملاق العظيم في العهد القديم، يذكرنا بنده الآخر في العهد الجديد، والذي أفرزه الله من بطن أمه، وكان عليه أن يجتاز الطريق، من جامعة طرسوس، إلى رجلي غمالائيل، إلى الخدمة الخالدة التي قام بها بعد ذلك؟!!..
موسى المقتدر
لم يكن موسى جميلاً، وعالماً فحسب، بل أكثر من ذلك، كان "مقتدراً في الأقوال والأُفعال" أو جهزه الله ليكون من ذلك النوع من الرجال الذي خلق ليكون قائداً،.. والذي يمكن أن يوصف بصلابة الإرادة، وقوتها. وهنا يكمن الفرق بينه وبين هرون، لم يكن لموسى زلاقة اللسان، التي كانت لأخيه الأكبر هرون،.. إذ كان هرون من أفصح الناس، وأقدرهم في البلاغة والبيان، لكن هرون كان قصبة تهزها الريح، تقوده الجماهير، ولا يقودها، وتدفعه ولا يستطيع ردها، وتثور غاضبة فينجرف في تيارها، ومع أنه رئيس كهنة الله،.. ومع أنه عاش عميق الشركة مع الله، ومع أنه ظل إلى آخر عمره، وهو يقدم البخور العطر أمام الله، إلا أنه كان الإنسان الضعيف أمام أية إرادة أقوى وأصلب من إرادته وشجاعته،.. في ثورة غضب صنع العجل للجماهير، وهو يعلم أنه إثم كبير، وفي لحظة ضعف اكتسحته مريم، عندما تآمرت معه على أخيه الحبيب موسى،.. تستطيع أن تأخذ من هرون أفضله أو أردأه من نوع المصاحبة التي تأتيه من الآخرين،.. أما موسى فهو فرد يصلح أن يكون جيشاً بأكمله،.. يقود ولا يقاد، ويتقدم ولا يتراجع، ويحزم الأمر في مواجهة فرعون أو مصر، أو الإسرائيليين جميعاً، أنه من ذلك الصنف الذي خلق ليكون زعيماً وقائداً، لا يتخاذل في أقسى المعارك، أو أشد المحن، التي يمكن أن يمتحن بها الرجال أو الأبطال في الأرض!!..
موسى الحالم
كان موسى -أكثر من كل ما ذكرنا- رجل الرؤيا والأحلام،.. لقد دخلت الأحلام في حياته منذ الصباح الباكر،.. ومن المؤكد أن أمه يوكابد، فتحت عينيه على الرؤيا العظيمة، رؤيا الإنقاذ والتحرير لشعب الله المعذب المضطهد في ذلك التاريخ، ومن المؤكد أن موسى كان على دراية تامة بالنبوات الإلهية التي ذكرها إله لإبراهيم ويعقوب ويوسف،.. ومن المؤكد أنه وعاها إلى الدرجة التي لم يغمض له معها جفن، وهو يجترها ويذكرها كلما أصبح، وكلما أمسى،.. لقد دخلت وإياه إلى قصر فرعون، وعاشت وإياه على ضفاف النيل، وصاحبته صغيراً، وشاباً، ورجلاً اكتملت حياته وقوته ورجولته،.. ومن المؤسف أنها كانت خلفه أيضاً عندما تحول قائلاً: "فظن أن إخوته يفهمون أن الله على يديه يعطيهم نجاة وأما هم فلم يفهموا".
موسى الحليم
لم يكن موسى حالماً فحسب، بل كان حليماً أيضاً، وأكثر من ذلك كان أحلم رجل على وجه الأرض،.. ولم يكن حلمه ناشئاً عن طابع هاديء بارد -كما يبدو هذا في حياة الكثيرين من ذوي الدماء الباردة على ما اصطلح الناس أن يقولوا أو يرددوا- بل كان موسى على العكس، من النوع الملتهب العاطفة، الثائر الوجدان، الغضوب حتى القتل، إذا ما رأى مظلوماً ضعيفاً بين يدي ظالم قاس، أو مستبد باطش متغطرس،.. ومن المسلم به أن ذوي الطباع البادرة لا يصلحون في أوقات المحن والاستعباد والاستبداد،.. ومن المسلم به أن موسى على العكس من ذلك كان يحمل بين جنبيه قلباً ثائراً لا يهدأ أو يسكن أو يستريح حتى تحل قضية شعب مظلوم، سحقه الطغاة إلى الأرض الحضيض والتراب،.. لكنه مع ذلك راضى نفسه على الهدوء، وأخذ نفسه بالسكينة، واحتاج إلى أربعين عاماً في البرية حتى يصبح لا رجلاً حليماً فحسب بل أكثر من ذلك أحلم إنسان في جيله على وجه الأرض!!..
موسى صديق الله
لم تكن الصداقة التي تربط موسى بالله مجرد صداقة عادية، بل كانت، من ذلك النوع المباشر العميق، وتختلف كل الاختلاف عن صداقة الشعب بأكمله،.. فإذا درج الشعب على الاقتراب إلى الله في خيمة الاجتماع، كان جميع الشعب إذا خرج موسى إلى الخيمة يقومون ويقفون كل واحد في باب خيمته وينظرون وراء موسى حتى يدخل الخيمة، وكان عمود السحاب إذا دخل موسى الخيمة ينزل ويقف عند باب الخيمة، ويتكلم الرب مع موسى، فيرى جميع الشعب عمود السحاب واقفاً عند باب الخيمة، ويقوم كل الشعب ويسجدون، كل واحد في باب خيمته، ويكلم الرب موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرجل صاحبه، وإذا رجع موسى إلى المحلة كان خادمه يشوع بن نون الغلام لا يبرح من داخل الخيمة!!.. فإذا تطاول هرون ومريم على موسى وإذا زعما أنهما ليسا أقل منه بحال من الأحوال، كان جواب الله على هذا الموقف: "اسمعا كلامي. إن كان منكم نبي للرب فبالرؤيا استعلن له في الحلم أكلمه، وأما عبدي موسى فليس هكذا بل هو أمين في كل بيتي، فماً إلى فم، وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز وشبه الرب يعاين".. أجل وهذه الصداقة التي شربت عميقاً من نبع الله تنتهي بنا عبر القرون إلى الصورة المماثلة بين التلاميذ، حيث أحبهم يسوع المسيح إلى المنتهى، وفي الوقت عينه قرب ثلاثة من بينهم، ومن الثلاثة انفرد واحد باللقب العظيم: "التلميذ الذي كان يسوع يحبه"..أجل إن مجال الصداقة -أو بالحري- سباق الصداقة مفتوح أمام الجميع، ترى من يكون موسى العهد القديم، أو يوحنا العهد الجديد في مثل هذا الامتياز الرائع فيمن تأتي بهم العصور اللاحقة عن أحباء الله وأصدقائه؟!!
موسى والبيت القديم
ولن تستطيع أن تدرس موسى، أو تدرك عظمته الحقيقية دون أن تدخل. بيته القديم، وتلتفت حول أسرته المكونة من خمسة أشخاص، وأول ما يطالعك في البيت، الأبوان عمرام ويوكابد"، وهما المؤمنان اللذان لم يخشيا أمر الملك، ويلقيا بابنهما الجميل في نهر النيل، وهما رأس البيت السعيد المحظوظ، والذي أنجب ثلاثة أولاد، بنتاً وولدين، ولم يتخلف واحد منهم عن الإيمان أو الدور القيادي العظيم، أو كما قال الله على لسان ميخا: "يا شعبي ماذا صنعت بك وبماذا أضجرتك. اشهد على أني أصعدتك من أرض مصر وفككتك من بيت العبودية وأرسلت أمامك موسى وهرون ومريم". إن معنى "يوكابد" على الأرجح "الله مجدك" وقد أدخلت يوكابد الله إلى بيتها وربت مع زوجها أولادها أحسن تربية دينية، فدخل مجد الله البيت وملأه إلى التمام، وأعده ليكون أولاده الثلاثة على رأس الأمة وفي قيادتها، لم يكن البيت -حسب الظاهر- إلا واحداً من البيوت الفقيرة العديدة المستعبدة، يضم خمسة من العبيد لا يملكون من الحياة أو الحرية إلا بالقدر الذي يسمح به سادتهم الطغاة القساة المستبدون،.. ولكن البيت الذي ملأه مجد الرب، كان واحداً من أعظم البيوت التي ظهرت على الأرض، وكان بيت الشجعان الأحرار المتحدين المتكاملين المحبين،.. كانت مريم الابنة الكبرى تتجاوز العاشرة أو تقف عندها، عندما ولد أخوها الصغير موسى، ولنقتطف بعض عبارات "الكسندر هوايت" وهو يصف لنا أبناء هذا البيت،.. إذ قال لمريم وهي ترقب أخاها في السفط على حافة النيل: "أي مريم: أي أيتها الفتاة الصغيرة راقبي جيداً، واحرسي الأخ الصغير، ولا تدعي عينيك تلتفتان هنا أو هناك، فإنك لا تعلمين من تحرسين، وأي كنز تراقبين.. في هذا السفط الصغير كنز من أثمن ما عرفت من ذخائر وكنوز، في هذا السفط الصغير بطل من أبطال التاريخ والأجيال الخالدين على مر القرون.. في هذا السفط ترقد الشريعة والأنبياء، والمدنية والحضارة".. وأدت مريم ولا شك دورها العظيم وهي تشترك مع أبيها وأمها في تربية الصغير، تربية لم تستطع مصر بكل ما فيها من إغراء أن تحوله قيد أنمله عن خط سيره العظيم،.. وعندما ضرب موسى في المنفى لمدة أربعين عاماً، وعاد في الثمانين من عمره ليلتقي بأخيه هرون، ويدعوه ليقف معه في مواجهة فرعون، على أن يكون هرون هو المتقدم في الكلام، يجيب هرون كما يتخيل هوايت: "هل تعني يا أخي أن أتكلم نيابة عنك؟!!.. ما هذا الذي تقول؟!!.. أنا لست أهلاً أن أحل سيور حذائك!!.. أنا لست أهلاً أن أقف إلى جانبك كأخ نحمل اسماً واحداً لعائلة واحدة!!.. سأبقى إلى جوارك صامتاً أبكم لا يتكلم،.. أنا بالعكس في حاجة إليك يا أخي!!.. أنا في حاجة إلى حكمتك!!.. في حاجة إلى صبرك!!.. في حاجة إلى مشورتك!!.. في حاجة إلى أمرك.. أنت أحكم الناس وأفضلهم.. أنت ملك إسرائيل يا موسى، يا أخي وحبيبي!!.. كان موسى يحتاج إلى هرون، وكان هرون أعجز عن السير بدون موسى، كان كلاهما يكمل الآخر، ففي الوقت الذي لم يصل فيه هرون إلى عمق موسى، وقدرته، وصلابته، وشجاعته، وحنكته وحزمه.. كان هرون فصيح اللسان ذهبي الفم، ينقل في الطلاوة الساحرة ما يريد موسى أن يقول لفرعون أو الشعب أو مصر، إذ كان المتكلم باسمه، المفصح عن رسالته أو بتعبير أصح رسالة الله للناس،.. وكانت مريم النبية كبرى الإخوة قائدة النساء، وحبيبة موسى وأخته ومحبته، وكانت أقوى وأذكى، وأشجع من هرون، وهي التي خرجت بالدفوف والرقص والغناء تردد القرار في أغنية موسى على شاطيء البحر الأحمر: "الفرس وراكبه طرحهما في البحر":..هل وقفت لتتأمل معي قول ابنة فرعون لأم موسى: "اذهبي بهذا الولد وأرضعيه لي، وأنا أعطي أجرتك"؟.. وأية أجرة يمكن أن تخطر بالبال تستطيع ابنة فرعون أن تعطيها مقابل إرضاع موسى، وتربيته التربية التي عرفها التاريخ فيما بعد في بطل العهد القديم العظيم،.. إنها في الواقع أجرة أعلى مما تستطيع كنوز مصر بأكملها أن تقدم نظيره ومثيله،.. لقد تعلم الصغير قبل أن يدخل عرين الأسد، من هو؟!! ومن شعبه؟!! وما هي رسالته؟!!.. أجل ولن تستطيع أن تعرف حقيقة موسى، قبل أن تعرف هذه الخلفية الدينية العظيمة في بيته القديم!!.
ومع أن الغيوم طافت فيما بعد حول هذا البيت القائد المتماسك يوم زواج موسى بالكوشية، التي ظن البعض أنها صفورة، وأن مريم من غيظها أطلقت عليها الكوشية السوداء تندد بها، يوم انقلبت على موسى، الأمر الذي يستبعده الكثيرون، ممن يعتقدون أن موسى تزوج بعد وفاة صفورة أو في حياتها بالكوشية، دون أن يستشير مريم على الأغلب، أو على الأقل تأخذ جانباً من حب موسى لا تقبل أخته أن تعطيه بحال ما لامرأة أخرى.
على أي حال كانت غيمة قاسية وصلت إلى حد المؤامرة لإسقاط موسى، الأمر الذي لم يكن يخطر ببال أي إنسان على الأرض،.. ولكنه الحسد الوبيل القاتل، الذي تصرف موسى إزاءه بكل حلمه وحبه وصلاته وضده، حتى انجابت الغيمة، وعادت مريم من عزلة خيمتها، التي قضت فيها أسبوعاً وهي بيضاء كالثلج!!.. وأشرقت الشمس مرة أخرى على البيت القديم الذي كان له أعظم فضل في الحفاظ على إيمان موسى في أرض الأوحال والفساد والوثنية في مصر!!..
موسى والرفض العظيم
وهذا الرفض هو الذي قال فيه موسى "لا" بأقوى ما يمكن أن يكون الإصرار في التعبير،.. ونحن نلاحظ في هذا الرفض أن سماته العظيمة، ظهرت أولاً: إنه الرفض الناضج: "لما كبر".. أو في لغة أخرى كان هذا الرفض وليد فكر عميق ثابت مدروس، وازن الحقائق كأجمل وأعظم وأدق ما يمكن أن تكون الموازنة.. لم يكن رفض موسى وليد اندفاع محموم لا يلبث أن يتراجع عندما تهدأ الثورة أو يسكن الانفعال، أو تتراجع الحمي، كان قرار موسى قرار رجل وضع مصر بكل مشتملاتها في كفة.. ووضع عار المسيح في الكفة الأخرى، وأمسك بهذه الكفة الأخيرة الراجحة!!.. ومن المؤكد أن أي إنسان يدرس الحقائق كما يدرسها موسى، لابد أن ينتهي إلى القرار الذي انتهى إليه الرجل القديم،.. كما أن هذا الرفض كان ثانياً: رفض الوثنية المصرية، مهما بدا مظهرها في قصر فرعون، أو مجده، أو عظمته، أو ما يقال أنها الحضارة المصرية التي بلغت أوج مجدها أيام رمسيس الثاني، أو من جاء قبله أو بعده من عظماء الفراعنة!!.. عندما زار "الكسي دي توكفيل" الفرنسي أمريكا في القرن الماضي، قال: لقد بحثت عن عظمة أمريكا في حقولها ومزارعها الغنية الواسعة ولم أجد أمريكا هناك،.. ولقد ذهبت إلى مصانعها الواسعة الكبيرة، ولم أجد أمريكا هناك،.. ولقد تحولت إلى جامعاتها العظيمة وما تلقنه أو تعطي من علم، ولم أجد أمريكا هناك.. حتى ذهبت إلى كنائسها، واستمعت إلى منابرها وهي تنادي بالحق والخير والدين والجمال، ورأيت أمريكا هناك، وستبقى أمريكا عظيمة ومجيدة وخيرة طالما تنادي هذه المنابر برسالة الله، رسالة الحق، وستنتهي أمريكا يوم تنتهي أو تضعف رسالة منابرها الجليلة الرائعة العظيمة!!.. وهذا حق في مصر القديمة أو أمريكا الجديدة،.. وسنقول دائماً لا لأعظم حضارة يمكن أن تكون وثنية بنسيانها الله أو بعدها عن رسالته ومقدساته!!..
كما أن هذا الرفض كان ثالثاً: تغليب الولاء لله على الولاء لكل بشري على هذه الأرض!!.. كان موسى مديناً بالحب والحياة والحرية والعلم والثروة لابنة فرعون، لقد طوقته بدين قل أن يطوق به إنسان آخر على هذه الأرض،.. كان محكوماً عليه بالموت، فأعطته الحياة، كان عبداً كسائر غيره من العبيد فرفعته إلى مستوى الأحرار، ولم تره عبداً لها بل تبنته ابناً محبوباً مدللاً عزيزاً!!.. كان من الممكن أن يبقى دون أن يتعلم حرفاً واحداً من معرفة، فعلمته وهذبته بكل حكمة المصريين، كان من الممكن أن يكون معدماً لا يملك قوت يومه، ففتحت أمامه خزائن مصر يغترف منها كل ما يشاء وكل ما يريد،.. كانت اللمسة الإنسانية العميقة تربط بين موسى وابنة فرعون، فإذا أضيف إلى ذلك أنها أحبته حباً قل أن يحب واحد آخر مثله، إذ ركنت إلى العزلة بعد هروبه من مصر، حتى ماتت كما تقول بعض التقاليد كمدا عليه!!.. إذا كانت هذه هي الرابطة بين ابنة فرعون وموسى، فكيف يصح أن يقال أنه لما كبر: أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون؟!!.. إن موسى مهما كانت الرابطة البشرية التي تربطه بإنسان، فإنها لا يمكن أن تدخل حتى في الموازنة مع رابطته بالله وعقيدته ودينه،.. والهوة هنا واسعة وبعيدة وأبدية وهيهات أن تعبر!!.. ألم يقل السيد: "من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني ومن أحب ابناً أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني"؟.. وكان الرفض رابعاً: تغليباً لعار المسيح تجاه كل مجد عالمي!!.. ولم يضع موسى الموازنة هنا بين غنى أو غنى أو مجد ومجد.. بل بين عار المسيح وخزائن مصر، وبين الذل مع شعب الله والتمتع الوقتي بالخطية،.. وكلمة "المسيح" هنا مرادفة لشعب الله، حتى أنك تستطيع أن تضع التعبيرين أحدهما مكان الآخر، وأننا في أمن من اللبس أو الذلل أو الخطأ،.. وفي العهد الجديد كان الأمر سواء بسواء، حتى أن المسيح تحدث إلى شاول الطرسوسي -وهو يضطهد الكنيسة والمسيحيين- بقوله: شاول شاول لماذا تضطهدني صعب عليك أن ترفص مناخس".. إن موسى كبولس. كلاهما لا يجرؤ البتة على وضع مجد الله جنباً إلى جنب مع مجد العالم، فمجد الله أعلى من أن يقارن به أي مجد أرضي، مهما كانت عظمته وروعته وجلاله في عيون البشر،.. فإن كانت هناك من مقارنة فإن موسى يقبل بالأحرى أن "يذل" مع شعب الله على أن يكون له "تمتع وقتي" بالخطية، حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر،.. وبولس يقبل أن يحسب كل شيء "نفاية" من أجل فضل معرفة المسيح وربحه!!..
إن أعظم من ساروا في الطريق البشري هم أولئك الذين قالوا لكل ما في العالم من مجد: "لا" وحملوا "صليب المسيح" في موكب الخالدين!!..
موسى ومدرسة مديان الكبرى
كان من الغريب أن تنقسم حياة موسى من حيث الزمن إلى ثلاثة أقسام متساوية، فهو يقضي في مصر أربعين عاماً كأعظم ما تكون حياة الناس، بين الأبهاء والعظمة والقصور، وهو يقضي الأربعين الثانية راعياً للأغنام، كأبسط ما تكون الحياة بين الناس على ظهر الأرض، وهو يقضي الأربعين الثالثة كأقسى ما يواجه الإنسان من حياة عملية على رأس شعب اشتهر بالشغب والعناد والتمرد!!.. ونحن لا نعلم حكمة الله في ذلك، بل لعل موسى في مديان كان يسأل وهو في الوحدة والهدوء والعزلة والبرية: هل هناك من كلمة لهذه السنوات الطويلة التي هي ثلث عمره في البرية؟!!.. إن الحقيقة أن مدرسة مديان لم تكن تقل بحال ما عن جامعة مصر،.. وقد تعلم موسى في مديان ما لم يستطع أن يأخذه في مصر، لقد تعلم على الأقل: أولاً: الخروج الصحيح من مصر،.. أو بتعبير أصح خروج مصر منه، لقد خرج موسى من مصر، ولكن مصر كان من المستحيل أن تخرج من قلبه وفكره بين عشية وضحاها،.. وكان لابد أن ينتزع من نفسه كل تأثيراتها وسحرها، وفتنتها وجمالها، وإغرائها وأساليبها، وما خلعته عليه من زهو وغرور، وكبر واعتداد، كان الخروج إلى مديان، غسيلاً كبيراً لمخ موسى وحياته في مصر، وما قد تراكم من أوساخ علقت به طوال الأربعين عاماً الأولى من حياته!!.. كما أن الأمر ثانياً كان أكثر من ذلك، إذ هو الخروج من الضجيج إلى الهدوء، والسكون، الوحدة، والعزلة،.. كان على موسى أن يدخل مدرسة الصمت، حيث يغترف هناك من منهل الشركة مع الله ويقوى تأمله، ويزداد إيمانه، وترتفع نفسه دون معطل أو مزعج أو ضجيج، ولا شبهة في أن كتاباته الخالدة، وشرائعه العظيمة التي أخرجها للأجيال، وضع الله أساسها في ذهنه، وهو يتجول منفرداً وحيداً منعزلاً في تلك الصحاري الشاسعة، لقد كانت البرية له كما كانت لإيليا وداود، ويوحنا المعمدان وبولس، فترة من فترات التأمل القوي المخصب العميق.
وكانت مديان ثالثاً.. مدرسة التدرب العظيم على أفضل ما وصل إليه من المباديء والمثل الأخلاقية العظمى،.. فحياة الوداعة والتواضع والصبر والحلم والزهد والقناعة، كان من المستحيل أن يبلغها في مدرسة أخرى غير مدرسة مديان،.. كيف لا، وابن ابنة فرعون لم يعد يأنف من أن يكون راعياً بسيطاً من رعاة الأغنام، ولم يأنف الذي ألف حياة القصور ومجد الأبهاء أن ينام فوق الثرى والرمال والصخور.. لقد تعلم موسى كيف يرضى ويتضع، بل كيف يحيا حياة الزهد والخشونة والقناعة، بل أكثر من ذلك رق طبعه، وهدأت نفسه، طبعت على الأناة والوداعة والحلم، حتى وصل به الأمر إلى أن يكون أحلم رجل على وجه الأرض،.. وإلى جانب هذا كله، أزكت مدرسة مديان في أعماق نفسه آلاماً لا توصف تجاه إخوته المعذبين المتألمين في مصر،.. وقد وصفته "ألن نايت تشالمرز" يجلس فوق الرمال في الليل العميق، وهو يفكر في إخوته متطلعاً إلى النجوم اللامعة في السماء، ويقول "أتستطيع أن تتصوره في أعماق الليل، فوق التلال يرعى أغنامه تحت النجوم الساكنة؟ لقد كانت النجوم ذاتها تدينه وتعذبه، إذ كان صمت الليالي يحمل إليه صرخات إخوته المعذبين،.. كان موسى رجلاً مرهف الإحساس تروعه آلام الآخرين، وكان يجلس في مديان حراً لا تصل إليه سياط المصريين، أو عدالة فرعون إزاء ما ارتكب من قتل،.. لكن الأصوات التي تتكلم في جنبات نفسه، وصلته عبر الصحراء التي تفصل بين قصر فرعون، وخيام يثرون،.. كان موسى يصارع في أعماق نفسه قيود الضمير!!..
وهكذا كانت مدرسة مديان مدرسة الله التي دخلها موسى طوال الأربعين العام الثانية من حياته!!..
موسى والدعوة العليا
كان موسى مدعوا ولا شك من بطن أمه، وكانت أجراس الدعوة ترن في أذنيه في كل وقت،.. لكن الخطأ الكبير الذي وقع فيه موسى كان وقت الدعوة أو وقت الرسالة التي ينبغي عليه أن يؤديها، وشتان بين الظن والتأكد، وبين الخاطر والرؤيا: "ولما كملت له مدة أربعين سنة خطر على باله أن يفتقد إخوته.. فظن أن إخوته يفهمون أن الله على يده يعطيهم نجاة" وهرب موسى، وعاش في مديان أربعين سنة أخرى كاملة: "ولما كملت أربعون سنة ظهر له ملاك الرب في برية جبل سيناء في لهيب نار عليقة".. لقد خطر بباله أو ظن أنه إذا كان الله يدعو الإنسان، فإنه ولا شك يدعوه في قمة اللياقة، والمواءمة، وهو لا يجد وقتاً أليق من الأربعين عاماً التي اكتملت فيها رجولته، وتهذب بكل حكمة المصريين، ووصل إلى أعلى مركز في بيت فرعون، وكل هذه تقطع في تصوره بأن يوم الحرية قد جاء لإخوته في المنفى والأسر والاستعباد، غير أن الله لا يخضع الدعوة للحدس والظن، ولا يحكمها بالمقاييس والمعايير البشرية، وها نحن نراه في دعوة موسى يقلب كافة الموازين!!..
وقت الدعوة
فالدعوة لا تأتي لموسى في الأربعين من عمره، حيث يظن أنه في قمة قوته، وفي كمال لياقته صحياً وذهنياً وروحياً، بل إن الدعوة تأتيه وهو يدخل الثمانين من عمره، حيث ولى الشباب، وانتهى الوقت، وأخذ طريقه يتدحرج في تصوره إلى النهاية والغروب،.. إن الله لا يعمل عندما يظن البشر أنهم أقوياء، يستطيعون أن يعملوا أو يبدعوا أو ينتجوا، بل إنه على العكس يتدخل عند إفلاس الإنسان، وعجزه، وضياعه، وقصوره،.. على أن هذا لا يعني أن الله يدعو الكسالى والمهملين والخاملين والعاطلين، بل يدعو على الدوام من ينهمك في العمل الصغير الوديع المؤتمن عليه،.. وقد جاءت الدعوة إلى موسى عندما كان يرعى غنم يثرون حميه، وستأتيني وتأتيك ونحن نمسك بالأمانة والغيرة، كل ما يضع بين أيدينا من أعمال صغرت أو كبرت على حد سواء!!..
مكان الدعوة
لقد جاءته الدعوة في جبل الله حوريب، أو في معنى آخر، إننا لن نحتاج -كما قال أحدهم- إلى كاتدرائية عظيمة، أو مكان عال لكي نرى الله ونبصر مجده، بل في كل مكان حيث نرتفع بقلوبنا وشركتنا معه، سنجد الجبل المقدس ونعلو عليه، ومن المهم أن ندرك أيضاً أن الله التقى بموسى في العزلة والهدوء والبعد عن الناس، ونحن لا نعلم لماذا ساق الرجل الغنم إلى ما وراء البرية؟!! أليجد المرعى الأفضل والأخصب؟!!.. أم لرغبته في أن تتاح فرصة للتأمل الأعمق الأوسع؟.. على أي حال -إن ما يعنينا من الأمر أن الرجل أضحى يميل للنظر، وقوله: "أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم" ينبيء عن نفس مرهفة الحس، صادقة الاستعداد، سريعة التأمل والتجاوب مع ما تبصر أو تشاهد.. وهذا ما ينتظره الله من النفس التي يوجه إليها دعوته ورسالته!!..
مظهر الدعوة
ظهر الله لموسى في العليقة، وكانت العليقة تتوقد بالنار ولم تكن تحترق، وقد كان المنظر أسمى إعلان لحضور الله لإنقاذ الشعب وتحريره وخلاصه،.. إذ كان أول كل شيء إعلان الرحمة الفائقة الحد، إذ لم يظهر الله في بلوطة أو شجرة من الأشجار العالية السامقة الارتفاع، المتعالية المنظر، بل ظهر في العليقة الصغيرة والوديعة القصيرة المظهر،.. وعندما ظهر بعد ذلك بخمسة عشر قرناً من الزمان أخذ الصورة عينها، إذ جاء الله السرمدي متجسداً في وليد بيت لحم، بين السائمة مضجعاً في مزود، إذ لم يكن مضجع في المنزل،.. وبالإجماع "عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد"!! ومع أن النار تأكل كل شيء، لكن العليقة كانت تتوقد بالنار، والعليقة لم تكن تحترق!! والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً".. فإذا كان الله قد حضر غيوراً في النار الملتهبة لإنقاذ شعبه، فإنه لم يحضر دياناً لكي يحرقهم ويقضي عليهم، وإذا كان اللاهوت قد حل في الناسوت في يسوع المسيح، فإنه قد جاء ليخلص، وليس ليدين!!..
هل رأيت هذا المظهر الرائع الذي لم يكتف موسى أن يخلع حذائه من قدميه، وهو يتقرب منه، بل أكثر من ذلك غطى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله؟ هو.. هو بعينه الذي تكرر على بطاح بيت لحم حيث ذهب الرعاة مسرعين، ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعاً في مزود، فلما رأوه أخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبي، وكل الذين سمعوا تعجبوا مما قيل لهم من الرعاة، وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به في قلبها، ثم رجع الرعاة وهم يمجدون الله ويسبحونه على كل ما سمعوه ورأوه كما قيل لهم!!.. وهو هو الذي خشع أمامه المجوس وخروا، وسجدوا، وفتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا ذهباً ولباناً ومراً!!..
نداء الدعوة
لم تضح الدعوة لموسى ظناً أو خيالاً أو حدساً أو تخميناً، بل أضحت رؤية مؤكدة، ونداء واضحاً، ومن العجيب أن موسى لم يتقبلها بحماس ابن الأربعين من العمر، بل على العكس تهرب وتراجع إلى الدرجة التي أغضبت الله عليه، لقد أدرك بما ليس فيه لبس كيف أن الله سيسنده بالمعجزات، تلو المعجزات، بل وأكثر من ذلك سيسنده بأخيه هرون الذي ينتظره بشوق بالغ، وفرح عميق، وما أجمل ما يقول ف.ب. ماير بهذا الصدد: "إن الله يعرف أين إخوتنا من "الهوارنة" أشقاء النفس الذين نحتاج إليهم لإتمام رسالة الحياة، قد يكونون بعيدين عنا، ولكن الله سيحضرهم إلينا، سيحضرنا إليهم، فلنعش معتمدين على عنايته ومحبته، وهو سيرتب لنا في نهاية كيف نلتقي وإياهم على جبل الله" في بعض البقاع المقدسة، حيث الشركة والألفة والثقة، في المكان الذي يختاره هو لنا، وسينسينا العناق والفرح وقبلة اللقاء أربعين عام المنفى والعزلة والحزن".
وإذ نحاول أن نعرف تماماً مركزنا من هذا النداء،.. إنه يتمثل في شيء صغير واحد،.. في عصا موسى،.. لقد تحولت هذه العصا من عصا موسى إلى عصا الله،.. أو في لغة أخرى إن موسى أضحى هو بذاته عصى في يد الله، والعصا في حد ذاتها لا تصنع شيئاً، ولكنها في يد الله تصنع كل شيء أو تصنع المعجزات.. إن الله هو "أهيه الذي أهيه" أو الكائن الذي كائن، أو بمعنى آخر غير المتغير في طبيعته وذاته، هو هو في الماضي كما في الحاضر والمستقبل، لا يناله ضعف أو نقص أو تحول أو قصور، الذي ليس عنده تغيير أو ظل دوران،.. والله الكائن يحتاج مع ذلك إلى "عصا" إلى رجل يستخدمه استخداماً كالعصا، وهو دائماً في متناول يده، وهذه هي سياسته الدائمة في كل أعماله في الأرض!!.. إنه يبحث عن إنسان ليدعوه ويرسله ويعمل به.. أجل نحن على استعداد أن نقول إن موسى لا يستطيع أن يعمل شيئاً من دون الله.. على أنه من الحق، وبكل إجلال وتوقير لله.. إن الله لا يمكن أن يعمل شيئاً من دون موسى!!.. من أرسل ومن يذهب من أجلنا؟!! هذا هو نداؤه الدائم البحث عن الرجل في كل العصور والأجيال!!.
هل ملت للمنظر العظيم؟!! هل رأيت العليقة المتوقدة التي لا تحترق؟!! هل أدركت الرسالة المطلوبة منك في مصر؟ إنها لم تعد رسالة موت لموت بقدر ما هي رسالة حياة لحياة!!.. يا ترى.. هل تقف على مفترق الطرق، لتنتهي إلى القرار الذي لا يمكن أن تندم عليه، والذي يؤهلك للوقوف على الشاطيء الأبدي، لتشترك في أعظم ترنيمة يرنمها الخالدون في العهد القديم أو الجديد على حد سواء؟ وأعني بها الترنيمة العظيمة الخالدة ترنيمة موسى والحمل!!
المزيد
19 أغسطس 2022
حول التجلي الإلهي
صعد ربنا يسوع المسيح إلى جبل ثابور برفقة ثلاثة من تلاميذه وإذا به يصير مشعاً بكليته أمامهم، ورأوا برفقته موسى وإيليا يتحدثان إليه. ثم سمعوا صوتاً من السحابة يقول: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت”.لقد وقع البعض في فخ تفسير التجلي تفسيراً سطحياً، وقالوا إنه مجرد نور حسِّي، كما فعل بعض الهراطقة، ولكن القديس بالاماس دحض مزاعمهم واستفاض في الرد عليهم في ثلاثياته المشهورة. ومما كتب القديس“… أن هذا النور… يسمو على سائر الكائنات فكيف نقدر أن نحتسب حسياً ما يسمو على سائر الكائنالت؟ أي كائن حسي ليس مخلوقاً؟ فكيف يكون ضياء الله مخلوقاً؟ فهذا النور ليس بحصر المعنى حسياً”[1].
يقع جبل ثابور في منطقة الجليل السفلي وعلوه حوالي 600 م. إن قلنا “الرب تجلى” لا نقصد بهذا أنه قد حصل أي تغيير للمسيح يسوع، فهو منذ البدء يلبس الألوهة، وقد ظهر للتلاميذ وللجميع كإنسان لابساً جسداً، بحسب ما تؤمن به الكنيسة أنه إله وإنسان معاً. إذن بالتجلي لم يحصل للرب أي تغيير، بل أنه كشف النقاب عن ألوهته المستترة تحت غطاء الجسد.يقول القديس يوحنا الدمشقي: “… اليوم تُرى أمور غير منظورة للعيون البشرية، جسد أرضي عاكساً تألقاً إلهياً، جسد مائت يدفق مجد الألوهة… تجلى أمامهم الذي هو على الدوام ممجد وساطع ببريق الألوهة، لأنه، إذ هو مولود من الآب من دون بداية، فهو يملك شعاع الألوهة الطبيعي الذي لا بدء له، وهو لم يكتسب في وقت لاحق الكيان ولا المجد…… إنه يتجلى إذن، فلا يأخذ ما لم يكن عليه، بل يظهر ما هو عليه لتلاميذه، فاتحاً أعينهم، وجاعلاً إياهم مبصرين بعد أن كانوا عمياناً…”[2]
نلاحظ بدايةً في النص الإنجيلي أن الرب يسوع يطلق عبارة “ملكوت الله” على نور تجليه: “…إن بعضاً من الموجودين هنا لن يذوقوا الموت حتى يروا ابن البشر آتياً في ملكوته” (متى 16: 28، ولوقا 9: 27) لهذا ربط الآباء التجلي بالحياة الأبدية.قبل السقوط، كان آدم، الإنسان الأول، يتأمل في المجد الإلهي، ولكنه تحوَّل عن الجمال الأول وصار اهتمامه منصباً على كل ما هو أرضي. أما بالتجلي فقد أعاد الله للإنسان هذه الخاصيّة، هذه الرفعة، وسمح لبشر مائتين بأن يعاينوا مجده وجماله.
بالتجلي شعّ يسوع بمحبته للبشر، و”دعانا من الظلمة إلى نوره العجيب” (1 بط 2: 9)، هو الشمس التي لا تغيب. وقد قال الكتاب: “النور يظهر للصديقين والفرح لمستقيمي القلوب” (مز 66: 11) وأيضاً يترنم داود قائلاً للرب: “ثابور وحرمون باسمك يتهللان” (138: 13) متنبأً عن الفرح الذي يحل على الجبل بالتجلي. الله يحوّل الذين ينيرهم إلى شموس أخرى لأن متى يقول أيضاً “الأبرار يضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم” (متى 13: 43).
ما هذا النور الساطع؟
لمَ تشبهونه بالشمس وهو صانعها و”المتسربل بالنور كالثوب”، و”كوكب الصبح”، وهو “النور المولود من النور”؟ هل يمكن تشبيه الله الفائق المجد؟ الذي لا يُقارن؟
هل أراد أن يريهم “المجد الذي كان له “من قبل إنشاء العالم”؟. وابتغى أن يريهم الإله، ابن الله، المتخفّي وراء الجسد البشري والمتجسد لأجل خلاص البشر؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “لقد أراهم مجده”. ولكن، لماذا كتم الإله الذي قبل كل الدهور، ملك الملوك ورب الأرباب، عظمتَه ومجده كل الفترة التي أمضاها مع تلاميذه ولم يظهرهما إلا بهذه الطريقة؟ هل وجد أنهم كانوا، حتى تلك الساعة، عاجزين عن فهم ألوهته؟
يقول القديس افرام السرياني إنه بهذا “أراهم كيف ينبغي أن يأتي في ذلك اليوم الأخير بمجد لاهوته وبجسد ناسوته، وكيف سيتمجدون هم أيضاً”[3].
لم يكن هذا التجلي من أجله، بل من أجل تلاميذه (من أجل الكنيسة كلها). بسبب تواضعه أظهر لهم ألوهته ليروا مجده حتى لا يقعوا في الشك حين يرونه متألماً بالجسد ومائتاً على الصليب، عارياً مرذولاً. “عرفوه ابناً لمريم وأظهر لهم على الجبل أنه ابن الله. شاهدوه يأكل ويشرب، يتعب ويستريح، ينعس وينام، يخاف ويعرق، الأمر الذي لا يتناسب مع ألوهيته”[4].
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “صعد إلى الجبل وتجلّى أمامهم، ولمع وجهه كالنور وصارت ثيابه بيضاء كالثلج. لقد شقّ جزئياً باب الألوهة وأراهم الإله الذي يسكن فيه وتجلى أمامهم… لماذا قال الإنجيلي: “أكثر من الشمس” لأنه ليس من كوكب أكثر ضياءً منها. ولماذا قال: “أكثر بياضاً من الثلج”، لأنه ليس من مادة أكثر بياضاً، ولكنه لم يشعّ هكذا، إذ “وقع التلاميذ أرضاً”. فلو كان يشع كالشمس لما وقع التلاميذ أرضاً، إذ كانوا يرون الشمس كل يوم ولا يقعون أرضاً، بل لأنه شعّ أكثر من الشمس وأكثر من الثلج، فلهذا، ولكونهم ما استطاعوا احتمال بهائه، وقعوا أرضاً…”والحقيقة أنه، إذ أشفق على تلاميذه، نزل إلى ضعفهم، أراهم من ألوهته فقط بقدر ما يستطيعون احتماله، “بحسب ما استطاعوا”، تقول الكنيسة في قنداق العيد. فماذا كان حدث لو أنه أراهم مجده الحقيقي؟ أما كانت الدنيا فنيت، لأنه “ينظر إلى الأرض فيجعلها ترتعد ويمسّ الجبال فتدخّن”؟ لو أنه أبدى جوهره، أما كانت الشمس انطفأت والقمر اضمحلّ والأرض فنيت؟ لهذا غلف نفسه بجسد وأتى بعذوبة ودون صخب.إلا أن بطرس، وقد استنار فكره بهذه الرؤيا المغبوطة جداً… لم يعد يريد أن ينفصل عن هذا النور، فقال للرب: “حسن أن نكون هنا….” (لو 9: 33). في الحقيقة لم تكن ساعة التجديد قد حلت بعد: ولكن حين تحلّ فإننا لن نعود بحاجة إلى مظال صنع أيدي الناس. وأكثر من ذلك فإنه ما كان يجب مساواة العبدَين بالسيد، بصنع ثلاث مظال متشابهة، فإن المسيح، كابن حقيقي، هو في حضن الآب (يو 1: 18)، بينما النبيّان، كخادمَين حقيقيَّين لإبراهيم، سوف يسكنان في أحضان إبراهيم. وإذ كان بطرس لا يفقه ما يقول، اقتربت غمامة مضيئة وظللتهم بظلها، قاطعةً حديث بطرس ومظهرةً أية مظلة هي التي تليق بالمسيح. (القديس غريغوريوس بالاماس). (الموعظة الثانية للقديس عن التجلي)[5]
ولكن ما هي هذه الغمامة؟
وكيف تظللهم بظلها وهي مضيئة؟ يتساءل القديس غريغوريوس بالاماس: أليست هي النور الذي لا يدنى منه الذي يسكن فيه الله (1 تيم 6: 16) والذي “يلبسه كالثوب” (مز 53: 2-3) لأنه “جعل السماء مركبة له” (مز 53: 2-3) و”جعل الظلمة خباءً له” (مز 17: 12). غير أن الرسول بولس يقول إن الله هو “الوحيد الذي يملك الخلود… الساكن النور الذي لا يدنى منه” (1 تيم 6: 16)، أي إن النور والظلمات هي حقيقة واحدة، وإن كانت الغمامة تظللهم بظلها فبسبب سموّ شعاعها. إلا أن اللاهوتيين يؤكدون أيضاً أن هذا النور – الذي رآه الرسل فيما مضى – لا يدنى منه… كما يؤكد ديونيسيوس العظيم أن النور الذي لا يدنى منه الذي يقال إن فيه يسكن الله هو ظلمة ويضيف: “فيه يولد كل من هو أهل لأن يعرف ويتأمل الله”.(ديونيسيوس الأريوباغي، الرسالة الخامسة) (من الموعظة الثانية للقديس عن التجلي)[6]
لقد برهن لنا الرسل أنه يتعذر على أي طبيعة مخلوقة حتى التحديق بالمجد الإلهي، لأنهم ما استطاعوا تحمّل هذه الرؤية الظاهرة لهم على الجبل، بل وقعوا أرضاً، وما كانوا قد رأوا سوى جزء بسيط من المجد الإلهي.يقول الدمشقي: “المجد لم يأتِ على الجسد من خارج بل من الداخل، من ألوهية كلمة الله الفائقة الألوهية والمتحدة بالجسد بحسب الأقنوم على نحو يتعذر وصفه”[7]. وقال فم الذهب إن النور كان على وجه موسى عابراً، مستشهداً بقول الرسول بولس في (2 كور 3: 7).الآب والكلمة والروح القدس يملكون هذا النور بالطبيعة أما الآخرون فيشتركون في النور بالنعمة. وهذا ما نراه في موسى وإيليا. ليست أول مرة يشترك موسى بالنور على جبل ثابور، بل في الماضي أيضاً حين رآه بنو إسرائيل مضيء الوجه ولم يتمكنوا من التحديق فيه (خر 34: 29) هذا ما يبرهنه أحد الآباء الذي يقول: “موسى تلقى على وجه مائت مجدَ الله غيرَ المائت”.“هذا المجد وهذا البهاء سوف يراهما الجميع حين يظهر الرب مشعاً من الشرق إلى الغرب. اليوم رآه الذين صعدوا مع يسوع، إلا أن أحداً لم يرَ جوهر الله ولا طبيعته. وهذا النور الإلهي قد أُعطي بمقياس، ومقسَّماً بدون تجزئة بحسب استحقاق الذين يتلقونه. والبرهان هو أن وجه يسوع يشع أكثر من الشمس وأصبحت ثيابه بيضاء كالثلج. ثم ظهر موسى وإيليا في المجد نفسه إلا أن أحداً منهما لم يشعّ بالقوة نفسها، كالشمس. أما التلاميذ فقد رآوا هذا النور لكنهم لم يتمكنوا من التحديق فيه. بالنتيجة فإن هذا النور يُعطى بمقياس وتجزئة ولكن من دون تقسيم. إنه يجعل الآخرين يعرفونه جزئياً الآن وجزئياً فيما بعد. لهذا يقول الرسول بولس الإلهي: “الآن نعرف جزئياً ونتنبأ جزئياً” (1 كور 13: 9). طبيعة الله لا تتجزأ على الإطلاق ولا هي قابلة للفهم على الإطلاق. ونحن، إذ ندير ظهرنا لهراطقة الأمس واليوم، نؤمن بأن القديسين يرون ويتلقون بالمشاركة ملكوت الله ومجده وبهاءه ونوره الذي لا يدنى منه ونعمته، ولكن لا جوهره…” (القديس غريغوريوس بالاماس ـ الموعظة الثانية)[8]
كما ينقل القديس بالاماس، في ثلاثياته، عن القديس مكسيموس قوله إن “التلاميذ انتقلوا من الجسد إلى الروح القدس حتى قبل انتقالهم من هذه الحياة، وذلك من جراء تغيير قد طرأ على عمل حواسّهم أحدثه فيهم الروح القدس”[9].
لمَ سقط الرسل أرضاً؟
ولكن حين تلتمع السحابة المضيئة ويدوي صوت الآب من السحابة يختفي النبيّان ويسقط الرسل أرضاً ويبقى الرب يسوع وحده: حتى يعرف الرسل أن المقصود بابن الله هو وحده وعليهم أن يسمعوا له.“وقع التلاميذ أرضاً ووجوههم نحو الأرض” (متى 17: 6)، ولم يكن ذلك بسبب الصوت، فقد سمعوه مرات كثيرة في مناسبات أخرى: على الأردن، ولكن أيضاً في أورشليم عند اقتراب الآلام الخلاصية، فقد قال يسوع: “يا أبتِ مجِّد اسمك” فجاءه صوت من السماء يقول: “قد مجَّدتُ وسأمجِّد أيضاً” (يو 12: 28) وسمعه الجمع كله ولكن أحداً منهم لم يقع أرضاً. ولكن هنا لم يُسمع الصوت فقط، بل كان هناك أيضاً نور لا يُحتمل يلتمع في الوقت نفسه مع الصوت الذي يدوي. هكذا اعتبر الآباء الحاملو الإله بحصافة أن الرسل سقطوا على وجوههم ليس بسبب الصوت بل إشعاع النور الفائق الطبيعة “خوفاً” كما يقول مرقس (يو 9: 6) بسبب هذا الظهور الإلهي بالتأكيد. (القديس غريغوريوس بالاماس ـ الموعظة الثانية)[10]
ماذا يفعل هنا موسى وايليا؟
ظهر لهما موسى وإيليا لأنهما يعتبران قطبين مهمَّين في العهد القديم، ولكنهما وهما يقفان الآن كخادمَين أمام سيد الكل ورب الأرباب.لقد أُحضر موسى من الجحيم (كل القديسين من العهد القديم كانوا في الجحيم، بحسب القديس أبيفانيوس في عظته الشهيرة في نزول المسيح إلى الجحيم) للدلالة على أنه إله الأحياء والأموات.يقول القديس يوحنا الدمشقي: “اليوم موسى يخدم كعبدٍ المسيح… وهذا ما يعنيه برأيي ظهرُ الله (خر 33: 23)، ويعاين بجلاء مجد الألوهة مخبوءاً في فجوة الصخرة كما يقول الكتاب. ولكن الصخرة إنما هي المسيح الإله المتجسد كما علّمنا بولس: “هذه الصخرة كانت المسيح” (1 كور 10: 4)”[11].
لقد كانا يتباحثان مع يسوع بخصوص آلامه وصلبه وقيامته، بخصوص “العمل الذي أعطاه إياه الآب” (يو 17: 4)، أي مجيئه إلى هذا العالم من أجل إتمام خلاص البشر. يسوع أتى وتجسد وليس في فكره غير الجلجلة، أي خلاصنا. يسوع ممتلئ بالمجد على ثابور وفكره في الجلجلة. وكذا كل من ودّ أن يتجلى فعليه أن يمر بالجلجلة.
الذي به سررتُ
يقول القديس نيقوديموس الآثوسي: “الذي به سررت” تعني بحسب القديس بالاماس، حسب مشيئة الله السابقة في سر تدبير ابنه بالجسد”[12].
لماذا غلب عليهم النوم؟
أليس هذا مفاجئاً؟ أن يناموا فجأة هكذا، على الجبل فيما هم يشهدون أموراً فائقة الوصف؟
يقول القديس اندراوس الكريتي: “… فهم، إذ عجزوا عن احتمال شعاع هذه البشرة التي لا عيب فيها، الذي انبجس كما من نبع، من ألوهة الكلمة، بطريقة فائقة الطبيعة من خلال البشرة التي اتحد بها بحسب الأقنوم، سقطوا على وجوههم، يا للمعجزة! في خروج كامل جداً خارج من الطبيعة، مأخوذين بنوم ثقيل وفزع، مغلقين حواسهم، موقفين تماماً كل حركة فكرية وكل فهم، هكذا كانوا سوية مع الله، في عمق هذه الظلمات الإلهية الفائقة النور وغير المنظورة…”[13]
صوت الآب رفعهم
يقول القديس افرام السرياني إن “صوت الآب أسقطهم وأما صوت الابن فقد رفعهم بالقدرة الإلهية لأجل تلك الألوهة الحالّة في جسده والمتحدة به بلا تغيّر”[14].
ماذا يعلّمنا التجلي؟
يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: “… أنا أشعر بأنه سوف يأتي بالجسد كما ظهر للتلاميذ على الجبل حيث استعلن، والألوهة تنتصر على الجسد الشقي[15].. ويوافقه ذيونيسيوس الأريوباغي الذي يؤكد: “سوف يظهر الرب لخدامه الكاملين (في ذلك اليوم) كما رآه الرسل تماماً على جبل ثابور”.
لنتأمل بعيوننا الداخلية هذا المشهد العظيم: طبيعتنا تستقر أبدياً مع نار الألوهة اللاهيولية، ولنترك هنا أقمصتنا الجلدية التي نلبسها منذ معصية آدم وسقوطه، ولنقف في أرض مقدسة مظهرين كل واحد منا بأن أرضه مقدسة بفضيلته وشوقه إلى الله، وبثقة من يقف في نور الله لنهرع كي نستنير من بهائه ونعيش إلى الأبد مستضيئين في مجد البهاء المثلث الشموس والواحد في آن، الآن وإلى دهر الدهور، آمين.
المزيد
18 أغسطس 2022
شخصيات الكتاب المقدس ملاخى
ملاخى
" ولكم أيها المتقون اسمى تشرق شمس البر والشفاء فى أجنحتها "" ملا 4: 2 "
مقدمة
لعل من أطرف ما يقال أن بقالا أخذ يكيل المدح لأحد الرعاة، وكان هذا الراعى قد نصب حديثاً على كنيسة فى المدينة التى يعيش فيها البقال، وإذ سئل البقال عما إذا كان قد سمع الراعى وهو يعظ!!؟ فأجاب، كلا.. ولكنه منذ أن وفد على المدينة وجميع الزبائن الذين ينتمون إلى هذه الكنيسة يدفعون فواتيرهم … أو فى لغة أخرى أن البقال رأى حياة الأعضاء فى تصرفاتهم وأسلوبهم الجديد فى الحياة!!.. وقد لخص احدهم خدمة ملاخى كتب نبوته فى عام 432 ق. م. فى ذلك الوقت الذى عاد فيه نحميا حين استدعاه الملك أرتحشستا حيث يقول فى سفره: « وفى كل هذا لم أكن فى أورشليم لأنى فى السنة الاثنتين والثلاثين لأرتحشستا ملك بابل دخلت إلى الملك وبعد أيام استأذنت من الملك وأتيت إلى أورشليم وفهمت الشر الذى عمله ألياشيب لأجل طوبيا بعمله له مخدعاً فى ديار بيت الرب » " نح 13: 6 و7 " وكان الارتداد رهيباً فى فترة غياب نحميا، وظهر ملاخى لالينادى بعودة نحميا فجأة ليواجه الفساد والشر الذى عاد إليه الشعب بصورة رهيبة، بل من هو أعظم من نحميا، شمس البر الذى يشرق والشفاء فى أجنحته، … إن آخر كلمة فى العهد القديم كانت كلمة « بلعنٍ » … وأول كلمة فى العهد الجديد تواجه هذه اللعنة: « كتاب ميلاد يسوع المسيح » … والمسيح وحده وفيه تتحول اللعنة إلى بركة ويدخل الأمل الضائع فى العهد القديم، فى الرجاء الأبدى فى العهد الجديد، … ولهذا يحسن أن نرى ملاخى من النواحى التالية:
ملاخى ومن هو!!؟
يعد ملاخى النبى الثانى عشر من الأنبياء الصغار، وآخر أنبياء العهد القديم - والكلمة - « ملاخى » تعنى « ملاكى » أو « رسولى ». ونحن لانكاد نعرف عن هذا النبى شيئاً خلا اسمه وسفره، وقد ظن البعض أن اسمه لا يشير إلى شخص بقدر ما يشير إلى رسالة، ومن قالوا إن الكلمة « ملاخى » ليست اسم علم بل هى صفة لنبى أو رسول، ولذا قالوا إن عزرا الكاتب هو صاحب سفر ملاخى، غير أن هذا الرأى مردود لاختلاف أسلوب السفر عن سفر عزرا، ومن العجيب أن أوريجانوس كان يعتقد أن كاتب السفر ملاك من السماء!!... غير أن معظم الشراح ودارسى الكتاب يعتقدون أن ملاخى اسم علم لشخص حقيقى، عاش معاصراً لنحميا وتنبأ فى الشطر الأخير من حياة هذا الحاكم العظيم، ووهناك تقليد يقول إنه كان عضواً هو وزكريا فى مجمع اليهود العظيم، وأنه ولد فى بلدة صوفا من سبط زبولون، وأنه مات ولما يزل فى عنفوان شبابه. وقد تنبأ هذا النبى بعد الرجوع من السبى وبناء الهيكل، ومع أن أسلوبه ربما لا يرقى إلى أسلوب أنبياء ما قبل السبى، لكنه قد يتفوق فى الصراحة والقوة وجمال التشبيه وبراعة الحوار، ومن الغريب أنه كان معاصراً سقراط، ودعاه بعضهم «سقراط العبرانى »، إذ كان كالفيلسوف اليونانى العظيم فى طريق العرض والاعتراض والنقاش واستخلاص النتيجة.وفى الواقع إن ملاخى تأثر فى أسلوبه وتفكيره بالأحداث العظيمة التى كانت تجرى فى العالم فى أيامه، الأحداث التى كان لها ولا شك أكبر الأثر فى أمته وشعبه رسالته... ففى النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد كانت الإمبراطورية الفارسية تجتاز مرحلة حاسمة فى تاريخها، فلقد بسط داريوس سلطانه على مصر، وإن كان قد انهزم أمام اليونان فى موقعة الماراثون. وفى عام 485 اعتلى ابنه زركسيس « أحشويرش » حفيد كورش، وأراد أن يثأر لمعركة الماراثون، وجهز أكبر جيش عرف فى التاريخ القديم، ولكنه خسر معركة سلاميس عام 480 ق... كما أن معركة بلاتيه أجهزت على سلطان الفرس الأخير فى أوربا، وفتحت الباب أمام ظهور اليونان كالدولة التى تحل محلها. وفى غمرة هذا الصراع بين الشرق والغرب، سرت فى العالم كله موجة من القلق والفوضى والمادية التى استولت على الشعوب، بما فيها الشعب الإسرائيلى الراجع من السبى، وفى الواقع أن الشعب قد عاد من السبى، وهو يظن أن كل شئ سيتغير إلى الأفضل، ولما لم يحدث هذا التغير سريعاً، انقلب الشعب إلى النقيض وارتد، وفقد كل حماس وغيرة وروحانية، فقل عنده الاعتبار الدينى، وضعفت روح العبادة، وانطوت نفوس الكهنة على إهمال واحتقار خدمة الهيكل، وانحطت حياة الشعب إلى الدرك الأسفل، ووقف ملاخى أمام أمة كانت فى طريقها إلى النقاهة، ولكن مضاعفات المرض ونكسته قاداها إلى ما هو أسوأ وأقسى وأشر!!..
ملاخى والحوار بين اللّه وشعبه
قامت نبوة ملاخى على الحوار بين اللّه وشعبه، فإذا كان سقراط فى أثينا يجمع الناس حوله ويناقشهم فى فلسفة الحياة، وكيف يمكن أن يعيش الإنسان فى عالم ضرب فيه الفساد فى أثينا وأورشليم إلى آخر الحدود، حتى أنهم حكموا على سقوط أن يشرب كأساً من السم، ولفظوا الرجل الذى كان أحكم إنسان فى وسطهم،... لكن أورشليم كانت تواجه حواراً أعظم ليس بين إنسان وإنسان، بل بين اللّه والإنسان، ولم يكن وحى ملاخى إلا تسجيلا لهذا الحوار، والكلمة « وحى » فيها معنى الحمل أو العبء أو الثقل أو المسئولية، فالحديث هنا ليس حديث فكاهة أو تسلية أو سمر يقوم بين اثنين، بل هو فى الحقيقة الحديث الجدى العميق الباهظ الثقل لما فيه من أهمية ومسئولية، وسيكون وقعه رهيباً على من يرفض الالتزام أو يتنكب الطريق عنه،... وعلى وجه الخصوص هو رهيب من حيث الطرفين أو من حيث الموضوع، فأما طرفاه فهما: اللّه، والإنسان، أو بتعبير أدق هما: « اللّه » فى وضعه « كأب » و« كسيد »، والإنسان فى وضعه كإبن وعبد،... أما من حيث الموضوع فهو اسمى موضوع فى الوجود: « الحب »، واللّه من جانبه لا يمكن أن يتباعد عن هذا النوع من الحوار، إذ أن « اللّه محبة »، وهو بطبيعته ينتظر أن يقوم كل حوار بيننا وبينه على المحبة، سواء فى العهد القديم أو العهد الجديد،... وهل ننسى ذلك الحوار الذى حدث بين المسيح وتلميذه على بحر طبرية يوم قال المسيح لبطرس ثلاث مرات: « يا سمعان بن يونا أتحبنى أكثر من هؤلاء »... « يا سمعان بن يونا أتحبنى »... « يا سمعان بن يونا أتحبنى »... ورد بطرس مثلثا: « يارب أنت تعلم أنى أحبك » « يارب أنت تعلم أنى أحبك »... « يارب أنت تعلم كل شئ. أنت تعرف أنى أحبك » " يو 21: 15 - 17 "..، وليس عند اللّه بديل أو نظير للمحبة!!... أجل!! فهذا حق، ومن ثم رأينا أوغسطينوس يقول: « أحب وبعد ذلك أفعل ما تشاء »... ولعله ليست هناك مأساة تعادل فقدان الإحساس بالمحبة، الأمر الذى قاله الشعب فى وجه اللّه بجرأة لا يحسد عليها: « بم أحببتنا ». " مل 1: 2 ". وفى الحقيقة لا يبقى للإنسان شئ فى الحياة بعد ذلك، يوم يعجز عن إدراك أن اللّه أحبه وما يزال يحبه!!... ومع ذلك فقد كان اللّه كريماً إذ دخل فى حوار المحبة!!..عاد اللّه بالشعب إلى التاريخ القديم، والتاريخ فى العادة - لمن يعود إليه - أعظم برهان عملى وواقعى على محبة اللّه الفائقة العظيمة، تاريخ الأمة أو البيت أو الفرد،... ويكفى أن يعود شعب اللّه إلى تاريخ يعقوب وعيسو، ومهما نحاول أن نبحث، فإننا لا نستطيع أن نصل إلى عمق الاختبار الإلهى، وقد تحدثنا فيما سبق عند التعرض لقصة عيسو ويعقوب، عن هذه الحقيقة العجيبة،... والأمل أن يرجع من يرغب فى المزيد من التأمل إلى الشخصيتين اللتين درسناهما فيما سبق بين شخصيات الكتاب،... ولكننا نلاحظ أن الحب الإلهى تأسس أولا على عدم الاستحقاق، إذ أن النعمة وحدها هى التى يستطيع يعقوب أن يرد الأمر إليها فى قصة اختياره دون أخيه، أولا لأن هذا الاختيار حدث قبل أن يفعلا خيراً أو شراً، فهو اختيار أسبق من كل عمل أو تصرف، فإذا قسناه بحسب المنصرف الذى جاء فيما بعد، فإن تصرف يعقوب فى غشه وخداعه وأنانيته وخبثه، كان فى كثير من الأوضاع أبعد من كل تصرف وصل إليه عيسو الذى هو آدوم.وكان الحب الإلهى أكثر من ذلك - منحازاً، إذ أخذ من عيسو ما يبدو أنه حقه باعتباره البكر، ليعطى ليعقوب،... ولم يتعلق الأمر بالاختيار فحسب، بل بالضمان والحراسة والبركة،... ومن المؤكد أن هناك أشياء كثيرة فى عيسو كان يمقتها اللّه ويكرهها، لأنه مهما يبدو فى الظاهر من فضائل فيه، قد لا يصل إليها يعقوب، إلا أنه كان يملك رذيلة الرذائل ومستنقع الأوحال، إذ كان هو الشخص الذى يمكن أن يطلق عليه القول « بلا إله » وهو على أية حال حيوان حتى ولو بدا كالزرافة أو الحمار الوحشى أو أى حيوان جميل الشكل،... ولكنه فى أية صورة هو حيوان، ولا يمكن أن يقارن بالإنسان!!... وكان يعقوب، على العكس، إنساناً به النقائص التى ظل اللّه يعمل على إخراجها منه، وتنقيته منها حتى، أضحى إسرائيل الذى جاهد مع اللّه والناس وغلب..هذه المحبة الإلهية، كانت أكثر من ذلك، المحبة التى باركت يعقوب وأخربت عيسو، أو فى لغة أخرى كانت المعطية للواحد والمقاومة للآخر، فهى تعطى ليعقوب إلى الدرجة التى يقول معها: « صغير أنا عن جميع ألطافك وجميع الأمانة التى صنعت إلى عبدك. فإنى بعصاى عبرت هذا الأردن والآن قد صرت جيشين » " تك 32: 10 "... على العكس من عيسو الذى يقول عنه ملاخى: « وأبغضت عيسو وجعلت جباله خراباً وميراثه لذئاب البرية. لأن أدوم قال قد هدمنا فنعود ونبنى الخرب، هكذا قال رب الجنود هم يبنون وأنا أهدم ويدعونهم تخوم الشر والشعب الذى غضب الرب عليه إلى الأبد »... " مل 1: 3 و4 " وشتان بين إنسان يجد المعونة والقوة من اللّه، وآخر يجد الهدم، والتدمير منه كلما فكر فى النهوض للتعمير والبناء،... واللّه فى هذا كله، لابد أن يلتقى حبه بعدالته، إذ أن الهدم الذى يلحق آدوم إلى الأبد، مرتبط بإصراره على أن يكون تخوم الشر. ومن هنا نعلم أن الغضب الإلهى له أسباب ومقوماته!!
إنتظر اللّه من شعبه حباً بحب، وشركة بشركة،.. ولكن الشعب لم يرد على اللّه صدى هذه المحبة العظيمة، وخاب انتظار اللّه فيه،... وإذا كان للمرء أن يسأل: وماذا ينتظر اللّه جواباً على حبه؟ إنه ينتظر ما ينتظره كل أب من ابنه، وهل أقل من أن يفعل ما فعله هنرى هفلوك وهو صبى صغير، إذ أطاع أباه، ورفض أن يتزحزح من مكانه فى شوارع لندن المزدحمة ساعات طويلة حتى جاء الليل، وعاد الأب إلى بيته وكان قد نسى ابنه، فى زحام عمله، ولم يتذكر ذلك إلا بعد عودته، فأسرع إلى المكان ليجد ابنه هناك فى انتظار أبيه!!.. « أن أفعل مشيئتك يا إلهى سررت وشريعتك فى وسط أحشائى » "مز 40: 8 " « لأجل ذلك حسبت كل وصاياك فى كل شئ مستقيمة كل طريق كذب أبغضت ».. " مز 119: 128 " وليس الأمر مجرد الطاعة، بل « نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولا،.. "1 يو 4: 19 " إننا من هامة الرأس إلى إخمص القدم مدينون له كخالق، وكمعتن، وكفار وهو يستحق كل حب وولاء، أن يكون هو صاحب المركز الأول والأخير فى قلوبنا وحياتنا!!.. ومن حقه علينا أن نغار لمجده وكرامته، وإذا كان الابن لا يقبل قط أن يهان أبوه الأرضى أمام عينيه بأية صورة من الصور، فكم بالأولى الآب السماوى المستحق كل إكرام وإجلال ومجد، ولسنا نصنع فضلا إذ نجند أنفسنا لخدمته، بل هذه هى رسالتنا الوحيدة فى الأرض أو السماء!!!..
ملاخى والكهنة فى أيامه
وليست هناك صورة أسوأ من صورة الكهنة فى أيام ملاخى، وحتى يمكن أن نفهم الصورة على وضعها الصحيح، كشف لنا اللّه عن رسالة الكاهن العظيمة: « كان عهدى معه للحياة والسلام وأعطيته إياهما للتقوى فاتقانى ومن اسمى ارتاع هو. شريعة الحق كانت فيه واثم لم يوجد فى شفتيه. سلك معى فى السلام والاستقامة وأرجع كثيرين عن الإثم. لأن شفتى الكاهن تحفظان معرفة ومن فمه يطلبون الشريعة لأنه رسول رب الجنود » " مل 2: 5 - 7 " وأية صورة أجمل وأروع من هذه الصورة لخادم اللّه، إذ أنه:
أولا: الخادم المدعو من اللّه الذى دخل فى ميثاق مع اللّه: « فينحاس ابن العازار بن هرون الكاهن قد رد سخطى عن بنى إسرائيل يكون غار غيرتى فى وسطهم حتى لم أفن بنى إسرائيل بغيرتى. لذلك قل هأنذا أعطيه ميثاقى ميثاق السلام فيكون له ولنسله من بعده ميثاق كهنوت أبدى لأجل أنه غار للّه وكفر عن بنى « إسرائيل »... " عد 25: 11 - 13 " وما أجمل أن يحس الكاهن أو خادم اللّه أنه إذ يدخل الخدمة مدعواً من اللّه، إنما يدخلها بميثاق وعهد أبدى مع القدير،..ومن ثم تأخذ الخدمة.
ثانياً: أعلى مكانة فى ذهنه، إذ هى خدمة اللّه العلى الجدير بكل إجلال واحترام: « ومن اسمى ارتاع..
ثالثا: الخدمة، ينبغى أن تحاط بالمهابة والجلال والاحترام والقدسية.. إذ هى للّه العظيم القدوس،.. ولذا من الواجب أن يكون الممسك بها هو الإنسان الصادق الأمين: « سريعة الحق كانت فيه وإثم لم يجد فى شفتيه » ورجل اللّه لا ينبغى أن تكون هناك شبهة فى صدقه وأمانته وحقه.
والخدمة رابعاً: لا يجوز أن يقوم بها إلا من كان سلوكه العملى واضحاً وثابتاً أمام الجميع، وهو مع اللّه فى سلام، ومع نفسه والناس فى استقامة: « سلك معى فى السلام والاستقامة ».
وهو خامساً: الإنسان النافع: « وأرجع كثيرين عن الإثم »... إذ هذه هى رسالته العظيمة فى الحياة.
وأخيراً هو الإنسان الواسع الإدراك والمعرفة، الذى يطلبه الحائر والمتعثر عندما تبهم أمامه الأمور وتستغلق: « لأن شفتى الكاهن تتحفظان معرفة ومن فمه يطلبون الشريعة لأنه رسول رب الجنود ».
هذه هى الصورة الوضيئة للكاهن وخادم اللّه،... والتى كان الكهنة فى أيام ملاخى على عكسها تماماً،... ولعل أدق الأوصاف للكاهن فى ذلك الوقت أن:
أولا: « الكاهن المحتقر الدنئ »... وما أكثر صور الدناءة التى كان عليها،... ولكن أقساها وأشدها، هو فى تعامله مع الذبيحة التى تقدم للّه إذ كانت تقدم له الذبيحة السليمة، فكان يستبدلها بالعمياء أو العرجاء أو السقيمة، ليحتفظ بفرق الثمن، وهو أشبه بذلك الرجل الذي جاءت قصته فى الأدب الروسى، الذى قيل إنه كان فلاحاً، ومرض ابنه للموت، فنذر للّه حصانه إن شفى الولد وكان الحصان فى ذلك الوقت يساوى عشرين جنيهاً، وشفى الابن، ولكن عز عليه أن يبيع الحصان ويقدم ثمنه كما نذر، وفكر ثم فكر، وأخيراً ذهب إلى السوق ومعه حصانه، وديك أيضاً، وقرر أن يبيع الاثنين معاً، وإذ سأله أحدهم عن الثمن قال: الحصان ثمنه عشرون قرشاً، وإذ هم الرجل أن يدفع الثمن، قال له: لا.. أنا أبيع الاثنين معاً،.. فسأله: وما ثمن الديك؟: قال: عشرون جنيهاً، واشترى المشترى الاثنين وعاد الرجل ليقدم ثمن الحصان كما باعه بمبلغ عشرين قرشاً، لأنه باعه فى السوق بهذا الثمن!!..
وكان الكاهن ثانياً: « الكاهن النفعى » الذى يقبل على الخدمة ويقدرها على قدر ما ينتفع منها، وهو لا ينظر إليها كعهد سام بينه وبين اللّه، بل على قدر ما تعطيه من مغنم أو مكسب مادى.
وهو ثالثاً: « الخادم الملول » الذى يتأفف من الخدمة، وهى ثقيلة عليه، ويؤديها كرهاً،... وليس أقسى على النفس من أن نجد خادماً بهذه الصورة، فهو يخدم لأنه مضطر للخدمة، أما بسبب الحاجة أو التقليد، أو العيب أمام المجتمع إذا تخلى عنها، وهو يعظ بدون حياة أو روح أو ثقة فى صدق ما نقول!!.. وهى مأساة من أكبر المآسى التى يتردى فيها الخدام فى كل عصور التاريخ!!..
ملاخى وخطايا الشعب
فإذا كان الكهنة بهذه الصورة، فكم يكون الشعب إذاً؟؟.. كانت خطايا الشعب حقاً قاسية وثقيلة، ولعل من أظهرها:
أولا: تفشى الطلاق، والزواج بالأجنبيات، وهو الأمر الذى يكرهه اللّه من كل قلبه، ويرى فيه غدراً بالزوجة وغدراً بشخصه هو أيضاً!!.. أما الغدر بالزوجة، فواضح من أن الإنسان يطوح بامرأة شبابه التى ارتبط بها بعهد مقدس أمام اللّه،... واللّه يكره الغدر ويستأصل الغادر، ولكن الأمر هنا أكثر من ذلك، إذ أن الغدر هو أيضاً باللّه ذاته، الذى منع إسرائيل من الاختلاط بالشعوب ليحفظ الزرع المقدس، فلا يأتى أولاد ترتبط أمهاتهم بالوثنية التى - لا شك - ستلحق الأولاد إن آجلا أو عاجلاً: « غدر يهوذا وعمل الرجس فى إسرائيل وفى أورشليم. لأن يهوذا قد نجس قدس الرب الذى أحبه وتزوج بنت إله غريب »... " مل 2: 11 "ولا نظن أن هناك كلمات أقسى من هذه الكلمات فى كل الكتاب المقدس، حتى جاء يسوع المسيح ليقف ضد الطلاق ويرجع الوصية إلى مكانها الأول فى قصد اللّه!!..
وكانت الخطية الثانية عند الشعب: هى عدم المبالاة فى فعل الشر، إلى درجة أنهم تصوروا أن اللّه لا يزجر الشر بل يسر بمن يفعله!!.. وأنه لا يوجد إله عادل يفرق بين الخير والشر فى الأرض: « قد أتعبتم الرب بكلامكم، وقلتم بم أتعبناه؟ بقولكم كل من يفعل الشر فهو صالح فى عينى الرب وهو يسر بهم. أو أين إله العدل؟ »... " مل 2: 17 " وهذا كلام متعب حقاً لقلب اللّه،... ولكن من الحقيقى أيضاً أنه يتردد على اللسان مرات كثيرة عندما نرى الأوضاع مقلوبة فى الأرض،... وقد يأتى سؤال أين إله العدل على لسان الخاطئ الذى ينشد التوبة، ويجد جوابه فى الصليب الذى استوفى فيه اللّه عدله،!!.. زار أحد خدام اللّه من الشباب يوحنا نيوتن وهو فى ضجعة الموت، وكان نيوتن قبل مجيئه للمسيح تاجراً للعبيد، وغارقاً فى أوحال الإثم والخطية!!.. ولكنه عندما جاء للخدمة أصبح الخادم العظيم، والشاعر المسيحى،... وعندما تأسف الخادم الشاب، لأنه سيفارق خادماً عظيماً كهذا الخادم، قال له نيوتن: ياابنى: سأذهب أمامك فى الطريق، وبعد ذلك ستأتى أنت، وعندما تصل إلى السماء وتبحث عنى فإنك ستجدنى غالباً هناك عند قدمى المسيح مع اللص التائب حيث هناك مكانى.فالذين لا يصدقون عدالة اللّه لينظروا إلى الصليب،.. لأن ديان كل الأرض لابد أن يصنع عدلا!!..
وكانت الخطية الثالثة: سلب اللّه فى حقه فى العشور والتقدمة - ولعل ما قاله دكتور ج. كامبل فى هذا الصدد، يوضح لنا الفكرة: « إن طلب اللّه من شعبه يبدو محدداً وهو، أن يعطى العشور.. ومن واجبهم أن يطيعوه.. لكن لا ينبغى أن تخطئ فالشعب فى العادة يقول إن اللّه يطلب العشور. وهذا يغاير تماماً الوضع الحقيقى،.. اللّه طلب العشور - كحد أدنى - وهم فى إهمالهم لا يعطون العشور والتقدمة، فقد سلبوا اللّه بعدم الاستجابة إلى مطلبه وأنا أسأل: ما هو المطلب الإلهى بالنسبة للمسيحى والمسيحية!!؟.. إن اللّه لا يسألك العشور.. البعض يقدم العشور من دخله وقد يكون هذا صحيحاً، لكن إذا كانت هناك مظاهر الصحة من جانب، فإن هناك أيضاً مظاهر الشح من الجانب الآخر،.. بعض الناس لا يهتمون بتقديم العشور، ولهذا لا يقدمونها.. غير أنه يوجد أيضاً من يسلب اللّه لأنه لا يقدم سوى عشور دخله، واللّه لا يقبل العشور إذا كنت تقدمها بمعنى آلى دون شعور.. العشر حسن تماماً إذا كنت تقدمه للّه بكل إحساس... لكن ما أكثر الذين يقدمون وهم ينتظرون الوعد دون أن يحققوا الشروط: أن يفتح كوى السموات ويفيض عليهم بركة... واللّه إذ يقول هاتوا العشور. كأنما يقول: إن بيدك أنت أن تفتح كوى السموات!!.. ولا تتصور أنك مادمت تعيش بالناموس الروحى، فأنت لست مرتبطاً بعطايا مادية.. ويلزم أن نعطى العشور!!.. واللّه لا يطلب العشور منك فحسب لكنه يطلب كل شئ.. وهنا لا ينبغى أن ننسى أن العشور والتقدمة مصحوبان بوعد البركة التى لا توسع!!..وكانت خطايا الشعب اللاحقة لهذا الخطايا، « الحياة المستبيحة »، إذ كان بينهم السحرة والفاسقون، والحالفون زوراً والسالبون أجرة الأجير، الأرملة، واليتيم، ومن يصد الغريب. والسحر طبعاً يلجأ فيه المرؤ إلى طلب الأرواح الشريرة وغايته ليست إلا غاية فاسدة، وقد حاربه الكتاب لأنه يفسد ثقة الإنسان فى اللّه والتطلع إليه، والاعتماد عليه دون الاعتماد على الشيطان!!.. والفسق خطية شنيعة كما نعلم، تلوث جسد الإنسان ونفسه، والكذب مع الأصرار الذى يستند إلى الحلف، دليل على بشاعة الاستهتار والاستهانة باسم اللّه القدوس. والظلم الذي يقع على الأرملة واليتيم والغريب، هو إهانة للّه نفسه، كالسيد والحاكم الأدبى الأبدى بين الناس!!.
ملاخى ونبوته عن السيد المسيح
وملاخى - كآخر أنبياء العهد القديم - لا يجد حلا لقضية الإثم والفساد والشر والمرض الذى تسببه الخطية، سوى فى اللّه نفسه: « ها أنذا أرسل ملاكى فيهيئ الطريق أمامى ويأتى بغتة إلى هيكله السيد الذى تطلبونه وملاك العهد الذى تسرون به هوذا يأتى قال رب الجنود ».. " مل 3: 1 " ولا بد من الملاحظة هنا أن رب الجنود هو الذى يتكلم، وهو يتكلم عن شخصه المبارك: « فيهيئ الطريق أمامى، وهو السيد نفسه وملاك العهد الذى ننتظره ونسر به »... وقد أوضح السيد المسيح أن هذه النبوة تمت فيه، وأنه أرسل يوحنا المعمدان لتهيئة الطريق أمامه،... اعتقد البعض أن هذا الملاك أو الرسول كان نحميا عندما عاد إلى الهيكل بعد أن رجع إلى بلاده، وقام بثورة عارمة ضد الفساد الذى استشرى، لكن نحميا لم يكن إلا صورة ورمزاً إلى السابق الذى جاء ينادى بمجئ المسيح،... ومن الملاحظ أيضاً أنه فى هذه النبوة، كما يقول أغسطينوس يظهر المجيئان الأول والثانى ليسوع المسيح، فإذا كان مجيئه الأول يحمل معنى التطهير والإحراق للخطية والإثم، فإن مجيئه الثانى سيفصل بين الحق والباطل، والشر والخير، فصلا أبدياً!!.. وقد بين كيف يلجأ السيد إلى التطهير، إذ يعمد إلى النار والغسل، فهو بالنار يمحص وبالغسل يجمل وينظف كما يفعل القصار فى الثياب بالاشنان المنظفة المبيضة، وهو إذ يبدأ بالتطهير، يبدأ بخدامه مباشرة قبل الجميع!!..
وقد ذكر النبى أن إيليا سيأتى قبل مجئ يوم المسيح العظيم المخوف الذى يقضى فيه السيد على كل فساد وشر، واليهود ما يزالون إلى اليوم ينتظرون ظهور إيليا مرة ثانية، غير أن أغلب الشراح المسيحيين يتفقون على أن هذه النبوة إشارة إلى المعمدان الذى جاء بروح إيليا كما أشار السيد المسيح، غير أنه وجد من المفسرين من قال إن إيليا سيأتى مرة أخرى قبل يوم الدينونة ومجئ المسيح الثانى، وأنه إذا كانت النبوة قد تمت مبدئياً فى المعمدان، فإنها ستتم نهائياً وأخيراً بمجئ إيليا ذاته، وستكون رسالته رد قلوب الآباء إلى الأبناء والأبناء إلى الآباء. والبعض يعتقد أن معنى « على » هنا هو « مع » فيقولون إن الآباء مع الأبناء سيستجيبون لنداء النبى، ويوجد من يقول إن الآباء إشارة إلى الآباء الأقديمن، وإن الأبناء سيرجعون بقلوبهم إلى قلوب آبائهم وإيمانهم.وأيان يتجه تيار التفسير وهل هو عن المجئ الأول للمسيح بمفرده أو مجيئيه الأول والثانى، كما يذهب أوغسطينوس، وهل يوحنا المعمدان، هو رسول المسيح الذى جاء سابقاً له بروح إيليا،.. أم أن إيليا سيأتى مرة أخرى الأمر الذى لا نعتقده أو نرجحه.. إلا أن التفسير، مهما اختلف، فهو مركز فى شخص المسيح... وإذا كانت آخر كلمة فى العهد القديم هى كلمة « بلعن » كما سبقت الإشارة، فإن انتزاع الخطية من الأرض، والقضاء على اللعنة، والفصل بين الشر والخير إلى الأبد، لا يمكن أن تكون إلا فى إسمه المجيد العظيم المبارك، له المجد، هللويا إلى الأبد آمين فآمين فآمين!!..
المزيد
11 أغسطس 2022
شخصيات الكتاب المقدس قايين
قايين
"وإن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة" تك 4: 7
مقدمة
إن مأساة قايين الكبرى أن كلمة "خطية" وردت لأول مرة في الكتاب المقدس في سياق الحديث عن قصته المفجعة الدامية!! وفي الواقع أن كلمة "خطية" وكلمة "قايين" كلمتان متقابلتان متلازمتان حتى ليسهل أن نضع أحدهما موضع الأخرى ونحن في أمن من الزلل والخطأ والتجني!! أليس قايين هو أول بشري يمكنه أن يقول: "ها أنذا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي" بل أليس قايين هو الأحرى بالقول: "وأما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية.. فإني أعلم أنه ليس ساكن في (أي جسدي) شيء صالح لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد.. ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت".. ولئن كان داود وبولس قد وجدا من ينقذهما من جسد هذا الموت، ومن الخطية الموروثة والفعلية، فإن قايين لم يجد إلى الخلاص سبيلاً، لأنه رفضه، عندما عرض عليه، بغباوة وعناد وحماقة وشر!!
في اجتماع ديني وقف ثلاثة: طبيب، ومحام، ومهندس، ليتحدث كل منهم، ويضع تعريفاً للخطية، مستمداً من طبيعة مهنته وعمله، فقال الطبيب "أن الخطية مرض" وقال المحامي: "إنها التعدي" وقال المهندس: "إنها الهدم والتدمير"، وقد كانت الخطية عند قايين هي الثلاثة معاً، إذ كانت المرض، والتعدي، والهدم والتدمير، بل وأكثر من ذلك، إذ لاحقته بأقسى جزاء يلحق بإنسان في هذه الأرض، ألا وهو العذاب والطرد والتشريد وعدم الاستقرار حيثما تجه وأني ساد.. وإذا كان العالم الإنجليزي هكسلي قد دحض نظرية التطور النفسي، ووصف الإنسان الخاطيء بالقول: "أعلم أن هناك دراسة انتهت إلى نتيجة محزنة للنفس كدراسة تطور الإنسانية، فمن وراء ظلام التاريخ إلى اليوم، بين الإنسان أنه خاضع لعنصر وضيع فيه، مسيطر عليه بقوة هائلة!! إنه وحش ولكنه وحش أذكى فقط من الوحوش الأخرى، إنه فريسة واهنة عمياء لدوافع تقوده إلى الخراب، وضحية لأوهام لا نهائية، جعلت كيانه العقلي هما وحملا، وأضنت جسده بالهموم والمتاعب والصراع، لقد بلغ شيئاً من الراحة، وانتهى إلى نظام عملي في الحياة على ضفاف النيل أو ما بين النهرين، ولكنه هو هو لآلاف السنين ما يزال يصارع بحظوظ مختلفة، مصغياً إلى دوافع لا نهائية من الشر والدم والبؤس ليشق طريقه بنفسه بين جشع الآخرين وطمعهم!! لقد قاتل واضطهد الذين حاولوا دفعه وتحريكه عما هو عليه، ولكنه لما تحرك خطوة عاد باكياً ضحاياه بانياً قبورهم".. إذا كان هذا العالم قد وصف الإنسان الخاطيء بهذه الصورة فإنه أعطانا، وهو لا يدري، صورة دقيقة رهيبة لأول قاتل وسافك دم على هذه الأرض!!
دعونا إذاَ نتأمل للعظة والعبرة شخصية قايين من هو وما طباعه وأخلاقه؟؟ وما الخطايا المميتة التي ارتكبها؟؟ والعقاب المريع الذي أصابه نتيجة خطاياه؟؟
قايين من هو وما طباعه؟!!
لا يحتاج المرء إلى عناء كبير، وهو يتأمل قصة قايين كما وردت في سفر التكوين. مضافاً إليها ثلاث عبارات أخرى قصيرة حاسمة وردت في العهد الجديد في الرسالة إلى العبرانيين، ورسالة يوحنا الأولى، ورسالة يهوذا –في أن الخطية صنعت من هذا الإنسان مخلوقاً بشعاً مريعاً يقف على رأس المجرمين العتاة في كل التاريخ، ولعل الرسول يوحنا لم يجد لهذا السبب، وصفاً يصف به قايين أدق من القول: "كان قايين من الشرير" أي أنه كان من الشيطان، كما أن الفرع جاء من الأصل، وكما أن الغصن جزء من الشجرة، وكما أن الماء العكر جزء من الينبوع الموحل!! فهو ابن الشيطان وتابعه وربيبه، ومن ثم فكل صفاته وطبائعه أثمة شريرة شيطانية، وإذا كان من المتعذر الإحاطة بها جميعاً، في هذا المقام، فليس أقل من أن نشير في كلمات إلى أهمها وأظهرها، ولعلها:
الضراوة والوحشية..
يعتقد بعض الشراح أن قايين كان -من الناحية البدنية- أقوى وأصح من أخيه هابيل، ويرجع هذا في نظرهم لا لأنه استطاع أن يقضي على أخيه ويقتله فحسب، بل لأن حواء إذ لاحظت ضعف هابيل الجسدي، من مولده، إذا قورن بأخيه، أطلقت عليه الاسم هابيل، الذي يعني "الضعف" أو "البطل" بينما يرجح آخرون أن حواء أطلقت هذا الاسم على ابنها الثاني تعبيراً عن ألمها ويأسها ومرارتها وخيبة أملها من الحياة كلها، ومن ابنها قايين، الذي بدا على غير ما كانت تحلم وتتمنى؟ وسواء صح هذا الرأي أو ذاك، فمما لا شك فيه أن قايين يقف على رأس تلك السلسلة الطويلة من الأبناء الذين ولدوا حسب الجسد، بينما يقف هابيل على رأس الصف المقابل من أبناء الموعد والروح!! وكما كان أبناء الجسد يبدون على الدوام في عنف وضراوة ووحشية، وفي مواجهة أبناء الروح، كما بدا اسمعيل في مواجهة اسحق، وعيسو في مواجهة يعقوب، هكذا نرى من اللحظة الأولى في التاريخ البشري كيف يبدو قايين أولهم وأبوهم في ضراوته ووحشيته وعنفه إزاء أخيه الطيب الوادع الآمن هابيل!!
الكبرياء والاعتداد بالذات..
وما من شك بأن قايين كان متكبراً، صلفاً، شديد الاعتداد بالنفس، والذات، ويبدو هذا بوضوح من الطريقة التي تخيرها، وهو يقدم تقدمته لله، إذ أنه لم يقدم التقدمة التي أمر بها الله، قدم التقدمة التي ظن هو أنها أفضل وأعظم بحسب تفكيره وعقله، بل أن سقوط وجهه بعد التقدمة يدل إلى حد كبير على أنه كان في الأصل ذا طبيعة متعالية شامخة!!
والكبرياء من أشر الرذائل التي تصيب الإنسان، وهي دليل بالغ على الحماقة والغباوة والجهل!! إذ ليس في أي بشري ما يدعوه إلى التسامي والتعالي والتشامخ، إذ يكفي أن ندرك مركزنا إزاء الله والكون والأبدية والحياة والواجب حتى نتضع ونصغر ونتلاشى!! كان الذهبي الفم يقول: إن أساس فلسفتنا التواضع، وكان كلفن يقول: لو أنك سألتني عن النعمة الأولى والثانية والثالثة التي ينبغي أن نتحلى بها في الحياة المسيحية، لأجبتك أنها أولاً وثانياً وثالثاً، وإلى الأبد.. التواضع.. كان جورج واشنطون كرافر من العلماء المبرزين، وقد سأل الله ذات يوم قائلاً: يا رب ما هو الكون؟!! فأجابه الله: يا جورج إن الكون أوسع وأكبر من أن تدركه أنت!! ولعلك تطالبني فيما بعد بالاهتمام به؟!! وإذ أحس العالم المتواضع مركزه من الله والحقيقة سأل إلهه: يا رب ما هو الفول السوداني؟!! فأجابه الله: الآن تسأل سؤالاً يتناسب مع حجمك؟!! اذهب وسأعينك على فهمه!! وقضى جورج المتواضع بقية حياته يجري بمعونة الله تجاربه العديدة على هذا النبات حتى انتهى إلى نتائج مذهلة عجيبة!!
الحسد..
والحسد هو الرذيلة النكراء التي تملكت قايين وأسقطت وجهه، عندما رفض الله تقدمته وقبل تقدمة أخيه، وهي الرذيلة الوحيدة التي يقول عنها الكسندر هوايت أنها تولد وتنمو وتثمر في الحال، إذ يكفي أن ترى غيرك يفضل عليك، حتى تشعر في التو واللحظة أن نيران الجحيم بأكملها قد استعرت فيك؟!! ومن القديسين من نجح في مكافحة كثير من الرذائل ولكنه سقط في رذيلة الحسد!! ولقد قيل إن الشياطين عجزت ذات مرة عن إسقاط أحد الرهبان!! مع أنهم جربوه بأنواع مختلفة من التجارب، وإذ اشتكوه إلى رئيسهم قال: دعوه لي، ثم ذهب إليه وقال له: هل علمت أن زميلك اختير أسقفاً على الإسكندرية، وكان هذا كافياً لإسقاطه!!.. ما أحوجنا جميعاً إلى روح وصلاة توماس شبرد مؤسس جامعة هارفورد، ذلك الرجل الذي جرب ذات مرة بأن يحسد زميلاً شاباً من الخدام، لأن مواعظه أخذت المكان الأول على صفحات الصحف، بينما أخذت مواعظه هو مكاناً منزوياً خفياً، وذات يوم ظهرت عظة للشاب قرأها الجميع، وكانت موضع الحديث والتقدير والإعجاب!! وما أن سمع شبرد الناس يتحدثون عنها حتى استعرت نيران ملتهبة في أعماق نفسه، فدخل إلى مكتبه، وهناك اجتاز في تلك الليلة جثسيماني، وفي منتصف الليل انبطح على وجهه في أرض الغرفة، وهو يصارع بعرق ودموع العاطفة البغيضة التي استولت عليه، وقبيل الفجر، كان قد انتصر تماماً، إذ أخذ يصلي بنفس هادئة، ومحبة عميقة، ليبارك الله أخاه وزميله الواعظ، لكي ينجح ويتقدم أكثر فأكثر.. وكانت هذه بمثابة نقطة التحول في حياة الواعظ البيورتاني العظيم!!. وسمع التاريخ عنه، أما زميله الواعظ فلا نكاد نعرف حتى مجرد اسمه!!
الأنانية وحب الذات..
وهل هناك من شك في أن قايين كان أنانياً، بل كان غارقاً في الأنانية وحب الذات؟!! ألم ير الدنيا وكأنما هي أضيق من أن تتسع له ولأخيه، وكأنما لا تستطيع أن تحملهما معاً متعاونين متحابين متساندين؟!! بل ألا تبدو هذه الأنانية في قوله لله: "أحارس أنا لأخي" وهي عبارة إن دلت على شيء، فإنما تدل على الإثرة والذاتية وعدم الاهتمام بالآخرين؟!! ومن له في الدنيا أفضل من هابيل، ومن رعايته وحراسته والحدب عليه؟!! ولكنها هي الأنانية التي لا تفكر في الواجب، بل ترى فيه، وفي الاهتمام بالغير، ثقلاً وعبئاً ونكراً، حتى ولو كان هذا الغير هو أعز وأقرب الناس إلينا، أو في لغة أخرى، هو أخونا ابن أمنا وأبينا!!.. لم يقل قايين قولة لويس الخامس عشر المنكرة: أنا وبعدي الطوفان!! لأن الطوفان لم يكن قد جاء بعد ليغرق الدنيا بأكملها، ولكنه أثبت بما قال وفعل أنه أبو لويس وأبو الأنانيين جميعاً على اختلاف أجناسهم ولو أنهم في كل العصور والحقب والأجيال!! هناك صورة مشهورة لمصور بريطاني عنوانها: "أحارس أنا لأخي" وهي عبارة عن مقعد حجري على نهر التيمز، وقد جلس عليه ستة أو سبعة من التعساء البؤساء المشردين، ممن لم يكن لهم مكان في المدينة، فأتوا إلى ذلك المكان ليقضوا فيه ليلتهم، وتراهم في الصورة وقد ناموا وهم جلوس على المقعد، وكان ثلاثة منهم من العمال العاطلين، ورابع من الجنود المسرحين، وإلى جواره امرأة تحتضن طفلها وتميل برأسها على زوجها الجالس إلى جانبها، والجميع مستغرقون في النوم، وعلى مقربة من المكان فندق عظيم، يتلألأ بأنواره الفخمة التي يسكبها هنا وهناك!!.. والمعنى الذي يقصده المصور من صورته هذه، واضح وظاهر، إذ أن هؤلاء البؤساء ليس لهم مكان بين أخوتهم من رواد الفندق الفخم القريب!!
الخداع والمكر..
والخداع والمكر من الصفات البارزة في قايين والتي دعته إلى أن يخفي في نفسه أمر مؤامرته وغدره، ثم يدعو أخاه إلى الحقل دون أن يستبين هذا من الأمر شيئاً، وقد قيل في بعض التقاليد أنه تحدث إلى أخيه مهنئاً إياه على الذبيحة التي قبلها الله، وقيل في تقاليد أخرى، أنه دعا أخاه ليذهب وإياه إلى الحقل للتريض والنزهة!! وسواء صح هذا الرأي أو ذاك أو لم يصح فمن المؤكد أن شيئاً خبيثاً شريراً كان يلمع في عيني قايين، وأن هابيل الوادع الآمن لم يستطع تبينه ومن ثم ذهب ضحية ثقته بأخيه الذي لم يكن أهلاً لهذه الثقة!!
الكذب..
وكذلك قايين واضح في الجواب الذي رد به على الله عندما سأله قائلاً: "أين هابيل أخوك" إذ قال: "لا أعلم"، وليس عجباً أن يكذب قايين، بل العجب ألا يكذب وهو من الشرير، أي من ذاك الذي قال عنه المسيح "متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب" (يو 8: 44) والكذب من الصفات الأصيلة في الأشرار والشياطين، إذ هم بطبيعتهم منحرفون عن الحق، وكارهون له!! ومن ثم فالشيء من معدنه لا يستغرب، وكل إناء ينضح بما فيه كما تذهب وتقول الأمثال!!
العالمية..
ونقصد بالعالمية ههنا ما ذهب إليه أوغسطينس عندما تحدث عن الفرق بين قايين وهابيل في كتابه العظيم: مدينة الله إذ قال: "إن قايين، مؤسس مدينة العالم، ولد أولاً، ودعى قايين أي اقتناء، لأنه بنى مدينة، وبذلك انصرف انصرافاً كلياً للاهتمام بأمجاد العالم وهمومه، ولقد اضطهد ذاك الذي اختير من العالم، أما هابيل فهو أول سكان مدينة لله، وقد ولد ثانياً، وقد أطلقه عليه الاسم هابيل أي البطل، لأنه أبصر بطل العالم، وقد خرج من العالم بموت غير عادي، وهكذا جاء الاستشهاد على الأرض مبكراً، ومن أسف أن الرجل الأول الذي مات من البشر مات من أجل الدين". وإن كنا لا نتفق مع أوغسطينس في الربط بين معنى الاسم قايين والمدينة التي بناها ذلك الرجل القديم، إلا أننا نؤيده تماماً في أن قايين خرج من لدن الرب، ليسكن في أرض "نود" أو أرض "البعد" حيث وضع هناك أساس المدينة المستقلة المنعزلة المتباعدة عن الله!! ولقد ضرب بنوه في هذه المدينة بسهم وافر من الحضارة إذ كان منهم يوبال الذي كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار، وتوبال قايين الضارب كل آلة من نحاس وحديد، ولكنها -أي المدينة- مع ذلك عجزت عن أن تتحقق لهم الراحة والسعادة والبهجة والسلام، إذ ولدت بعيدة عن الله، وفي أحضان الشر والشهوانية والفساد والإثم!!
قايين والخطايا المميتة التي ارتكبها رغم تحذير الله..
أما وقد أدركنا طبيعة قايين الشريرة فلنتحول قليلاً لنتأمل الخطايا المميتة التي ارتكبها هذا الرجل، وتزداد هذه الخطايا بشاعة ورهبة وشناعة إذا لاحظنا أن الله لم يتركه ليقدم عليها أو يندفع فيها دون تنبيه أو تحذير!! وهذه الخطايا هي:
خطية عدم الإيمان..
وهي أول خطية يبرزها ويحددها الكتاب لنا، وتتمثل في القربان الذي قدمه قايين إلى الرب من ثمار الأرض، على العكس من أخيه الذي قدم ذبيحة لله من أبكار غنمه ومن سمانها!! ولا أحسب أن هناك كلمات أفخم وأدق وأروع من كلمات دكتور أ.ب. سمبسون عندما وصف الاثنين بالقول: "إن الرجلين اللذين وقفا على أبواب عدن ليعبدا الله يمثلان الجنس البشري في انقسامه إلى مؤمنين وغير مؤمنين!!. أما الرجل الأرضي فيبدو في ديانته كما لو أنه أكثر طرافة وكياسة وجمالاً، إذ يقدم من أثمار تعبه ومن أولها وأحسنها!! أو في لغة أخرى، أنه يقدم زهور الربيع العطرة النقية، وثمار الصيف الناضجة الغنية، وربما بدا مذبحه أكثر بهاءً وجمالاً إذا قورن بالمذبح الخشن غير المصقول الذي قدم هابيل عليه الذبيحة العاصية والتي تبدو في صفرة الموت لحمل دام محتضر ملتهب!! غير أن تقدمة قايين في جملتها ليس إلا نكراناً تاماً شاملاً لكل ما قال الله عن لعنته للأرض وأثمارها، وعن حقيقة الخطية والحاجة إلى مخلص مكفر، الأمر الذي أوضحه الله لآدم وحواء عندما صنع لهما أقمصة من جلده، والذي لا شك أنه أكده أكثر من مرة في تعاليمه ووصاياه لكليهما!! ولم تكن ذبيحة هابيل صوى اعتراف وديع متضع بكل هذه، وقبول صريح واضح لطريقة الله في الغفران والقبول".والواقع أن كاتب الرسالة إلى العبرانيين يتحدث بكيفية جازمة عن هذه الحقيقة بالقول: "بالإيمان قدم هابيل لله ذبيحة أفضل من قايين"، وهل يمكن أن يكون هناك إيمان ما لم يكن هناك إعلان سابق يثق به هذا الإيمان ويرجوه ويعتمد عليه؟!! أجل فهابيل لم يقدم ذبيحته لمجرد التصور أو الاستحسان البشري بل لابد أن الله أعلن من البدء للبشر بوضوح وجلاء أنه "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة"!!
والعمل الأول للإيمان هو أن نثق بما يقول الله عن الخطية!! ولا عبرة بعد ذلك بما يمكن أن يقوله الفكر أو الشعور عنها، فإذا حلا لبعض الفلاسفة والملحدين تجاهلها. فلن يفيد هذا التجاهل شيئاً، وستبقى الخطية رغم ذلك أرهب حقيقة عرفها التاريخ البشري، وإذا زعم غيرهم أن الخطية ضرورة من ضرورات الاجتماع، فزعمهم كاذب وليس الحق فيه، وستبقى الخطية كما قال عنها الآباء الأولون: إنها إرادة الإنسان الفاسدة تعاكس إرادة الله المقدسة، أو كما قال عنها اليهود: إنها العجز عن بلوغ الهدف، أو كما قالوا عنها أيضاً: إنها خضوع الإنسان لرغبات الجسد التي تقاوم إرادة الله، أو كما وصفها الكتاب في تعبير دقيق جامع مانع بالقول: "والخطية هي التعدي" (1يو 3: 4) وأياً كان نوع هذا التعدي ووجهته، وسواء كان موجهاً ضد النفس، أو ضد الآخرين، أو ضد الله مباشرة، فهو على أي حال التعدي الذي يستجلب غضب الله ودينونته ونقمته. وما يصح في القول عن الفكر يصح في القول عن الشعور أيضاً، إذ لا ينبغي أن نزن الخطية أو نقيسها بميزان أو مقياس الشعور، إذ يكفي أن نؤمن بأننا خطاة لأن الله قال هكذا!! وهذا ما فعله هابيل إذ أخذ مكانه كخاطيء فوجد في الحال سبيله إلى الخلاص من خطيته!! على العكس من أخيه الذي كان الشعور هو المضلل الأكبر له، إذ لم يشعر في البداءة بخطيته، أو بحاجته إلى الخلاص!! وعندما شعر بالخطية في النهاية، كان شعوره أفدح وأثقل من اللازم، وأدعى إلى اليأس والقنوط، الأمر الذي دعاه يصرخ صرخته المرة: "ذنبي أعظم من أن يحتمل".
على أنه لا يكفي أن يثق الإنسان بما يقوله الله عن الخطية، بل ينبغي أن يثق بما يقوله أيضاً عن الخلاص، وقد قال الله في كلمته في هذا الشأن، فأبى قايين أن يصدقها، وقبلها أخوه بإيمان وخضوع وتسليم، والجنس البشري كله لا يخرج في جميع العصور والأجيال عن واحد من اثنين إما منكر لهذه الكلمة أو مصدق لها، كيف لا والصليب هو الحقيقة الكبرى التي كانت ترمز إليها جميع الذبائح في العهد القديم و"كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله.. لأن اليهود يسألون آية واليونانيين يطلبون حكمة. ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة وأما للمدعويين يهوداً ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله لأن جهالة الله أحكم من الناس وضعف الله أقوى من الناس" (1كو 1: 18، 22-24).كان الاسكتلندي العجوز يركب عربته ذات يوم، وإذا به يسقط تحت ثقل خطاياه، وتبادره نفسه بهذا السؤال الملح: "ماذا تقدم لله لكي يرضى عليك؟!" وفكر في أن يقدم دموعه وخدماته وعهوده وإصلاحاته ولكن هذه جميعها لم تعطه الراحة والأمن والسلام!! وإذا به يسمع صوتاً هامساً من الأعماق يقول له: قدم المسيح!! وإذ قدمه امتلأت حياته كلها بالفرح والبهجة والسلام والسعادة!!
ومن الملاحظ أن الله لم يهمل في أن ينبه قايين، بعد أن رفض تقدمته، إلى أنه يحسن أو لا يحسن بالقدر الذي يرفع الذبيحة أو لا يرفعهاوهكذا تكشف لنا هذه القصة القديمة إلى أي حد يهتم الله بإعلان سياسته الثابتة الأبدية في الخلاص!!
خطية قتل هابيل..
وهي الخطية الثانية الرهيبة التي ارتكبها قايين، وقد ارتكبها مع سبق الإصرار دون أن ينتفع بتحذير الله وإنذاره، وقد اتسمت هذه الخطية على الأقل بثلاث سمات، إذ كانت أولاً الخطية القريبة من الباب، ولعلنا نستطيع أن نفهم اقترابها من قايين إذا أدركنا معنى القول: "إن أحسنت أفلا رفع وإن لم تسحن فعند الباب خطية رابضة". والشراح في ذلك يذهبون ثلاثة أو أربعة مذاهب، فمنهم من يفسرها بهذا المعنى: إن أحسنت أفلا رفع لوجهك، وإن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة، وهؤلاء يعتقدون أن الرفع هنا مقصود به الوجه الذي سقط وامتلأ خزياً، وعلى رأس هؤلاء يقف كايل وديلتش وجيزينيس، بينما وجد غيرهم ممن توسع في فهمه لمضمونها فقال إن المقصود هو إن أحسنت أفلا رفع لمركزك على اعتبار أنه البكر، وعلى رأس هؤلاء يقف بشن.. ووجد آخرون ممن فسروها على هذا المعنى: إن أحسنت أفلا رفع لذبيحة، وهؤلاء يذهبون إلى أن مركز قايين بجملته يتحدد على أساس الذبيحة التي يقدمها أو يرفضها، فإذا قدمها فإنه يحسن صنعاً ويسلك السبيل السوي الذي عينه الله وإن لم يحسن إذ ظل على كبريائه وعناده ورفضه فهناك سوء وخطر ينتظرانه عند الباب ولعل لوثر وكلفن في مقدمة الآخذين بهذا الرأي وإن كان لوثر يذهب إلى أن المقصود بالرفع هو رفع حمل الخطية نتيجة الذبيحة بينما يتجه كلفن إلى أن المقصود بالرفع هو القبول الإلهي للذبيحة والمعنيان على أي حال مقتربان ومتفاعلان!! على أن هناك مذهباً آخر طريفاً يقول إن قايين حمل تقدمته المرفوضة التي لم ينظر إليها الرب وألقى بها عند الباب وكان يراها في دخوله وخروجه فتشعل نفسه غضباً وغيظاً ورأى الله أن تجربته هناك فطلب إليه أن يرفعها بالقول: إن أحسنت أفلا رفع للتجربة- حتى لا تتحول إلى وحش كاسر يوشك أن ينقض عليك!! وسواء صح هذا الرأي أو ذاك أو غيره، فمن الواضح أن التجربة كانت قريبة جداً من قايين، وأنها تربض على بابه، فإذا لم يفزع منها ويهرب، فإنها لا تلبث أن تنقض عليه وتفتك إذا حبلت لأن: "كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية والخطية إذا كملت تنتج موتاً" (يع 1: 14 و15). إن الخطية تبدأ أولاً بخيوط أو هي أدق من خيوط العنكبوت تلف بالخاطيء، ثم لا تلبث أن تتحول هذه الخيوط إلى قيود وأغلال دونها القيود والأغلال الفولاذية!!
سار فاوست في طريقه مع الشيطان وقد اتفقا على أنه إذا نجح الشيطان في إشباع رغبات فاوست يضحى له عبداً، أما إذا لم يشبعها فإن له الحق أن يتحلل من سيطرته وسيادته، وقبل الشيطان ذلك، وأخذ ينتقل بفاوست من شر إلى شر، ومن متعة إلى متعة، وفي كل مرة يسأله: هل شبع؟! وإذ بالجواب يأتيه على الدوام كلا، واستنفذ الشيطان كل المتع والشهوات والشرور وأعلن ذلك لفاوست!! فقال له هذا: إذاً فأنا حر!! وأجابه الشيطان: أنت حر، وحاول فاوست أن يرجع، ولكنه أدرك أن الخطية قيدته وهو لا يدري بقيود من حديد!!.
والسمة الثانية في الخطية التي ارتكبها قايين وحشيتها وقسوتها إذ أنها: رابضة عند الباب" والمعنى في الأصل يشير إلى أن الخطية وحش كاسر يجسم على مقربة من قايين، ويوشك أن يمزقه تمزيقاً، وفي الواقع أن الخطية التي ارتكبها قايين كانت بالغة الفظاعة والوحشية!! كيف لا والصريع أخوه ابن أمه وأبيه، أخوه الحلو البريء الوادع الآمن؟!! أخوه الذي كانت تحلو معه العشرة، وكان يتقاسم وإياه الحياة في ألوانها المتعددة المختلفة!! تخيل أحد الكتاب هابيل وكأنما يصيح في اللحظة الأخيرة لأخيه الغادر المتوحش: أي أخي ابن أمي وأبي ماذا ستفعل؟!! إنك إذ تقتلني ستقتل أبهج ذكريات الحياة عندما كنا نسير هنا وهناك على مقربة من عدن، نلعب ونتحادث ونكافح ونضحك!! بل إنك إذ تقتلني ستقتل أثمن ما فينا على الأرض إذ ستقتل الثقة والصدق والمحبة والشرف والإيثار والأخوة!! ويحك يا أخي لا تفعل هكذا!! ولكن قايين فعل خطيته الشنعاء على أقسى وأرهب وأحط ما يمكن أن يكون الفعل الشنيع. والسمة الثالثة والأخيرة في هذه الخطية: إنه كان من الممكن لقايين أن ينتصر عليها لو أراد، إذ لوح له الله بهذا في القول: "وأنت تسود عليها" أجل فلئن كانت الخطية مقتربة دانية من قايين، ولئن كانت أكثر من ذلك، تتوق وتشتاق إلى الوثوب عليه، إلا أن قايين كان يمكنه أن يتغلب عليها، لو أنه اتجه إلى الله وتمشى وراء إرادته الصالحة!! والله على استعداد أن يساعد كل إنسان مجرب، بل على استعداد أن يهيء له من الأواضع والظروف والمساعدات ما يمكنه من التغلب على تجاربه مهما تبد هذه التجارب مخيفة رهيبة قاسية!! وإذا كانت الطبيعة كلها، كما يقولون، تقف بكل قواتها إلى جوار الإنسان الذي يريد أن يعيش مستقيماً!! فإن الله على استعداد أن يقف بكل سلطانه وقوته إلى جانب الإنسان المجرب الذي يطلبه!!
خطية عدم التوبة..
وهي الخطية الثالثة التي يذكرها الكتاب لقايين، ويبدو أن كل خطية ارتكبها كانت تمهد وتعد للخطية التي تأتي بعدها!! فخطية عدم الإيمان بالذبيحة ورفضها، مهدت وأعدت لخطية قتل هابيل، وخطية القتل هذه انتهت به إلى الخطية الثالثة: ونعني بها خطية الإصرار وعدم التوبة!! قال له الله بعد أن ارتكب جريمته: "أين هابيل أخوك" ولم يكن يقصد الله من قوله هذا أن يريه قايين أين يوجد هابيل أخوه؟! فالله يعلم أين يثوي هابيل ويضطجع! ولكن الله قصد أن يثير قايين ويدعوه إلى الاعتراف والتوبة؟! ومن الملاحظ أن الله لم يقل له أين هابيل وحسب بل قال له أين هابيل أخوك، ولعله قصد بذلك أن ينبهه إلى عظم الجرم الذي ارتكبه ضد أخيه!! إن القتل في حد ذاته، بشع رهيب، ولكنه أبشع وأرهب إذا ارتكبه ضد الأخ المحب العزيز.. ولعل هذا القول يعزز إلى حد كبير ذلك التقليد القديم الذي يقول إن قايين بعد أن قتل أخيه حار في أين يخفي جثته!! وإذا به يرى غرابين يتقابلان، ويقتل أحدهما الآخر، وإذا بالغراب القاتل يحفر بمنقاره وقدميه حفرة يدفن فيها الآخر، وإذ رأى قايين هذا المنظر قال: الآن علمت ماذا أفعل بهابيل ثم حفر حفرة ووضعه فيها، ووراه تحت التراب!! وعلى أي حال لقد حاول قايين أن يتخلص من الخطية بالإصرار عليها ودفنها!! ولكن هل يستطيع حقاً أن يدفن الخطية ويغطيها بعيداً عن عيني الله؟!! كلا وألف كلا!! وما عمله إلا الحماقة الكبرى التي كان عليه أن يتحاشاها بالاعتراف الصريح!! كان من الممكن أن يأتي إلى الله ويقول: أنا أعلم أين أخي!! لقد قتلته بحماقتي وشري، وليس لي من عذر أتقدم به إليك سوى أن ألوذ برحمتك التي وسعت كل شيء وتتسع للمجرم والخاطيء والأحمق والشرير: "ارحمني يا الله حسب رحمتك حسب كثرة رأفتك أمح معاصي اغسلني كثيراً من إثمي ومن خطيتي طهرني لأني عارف بمعاصي وخطيتي أمامي دائماً إليك وحدك أخطأت والشر قدام عينيك صنعت لكي تتبر في أقوالك وتزكوا في قضائك" ولو قال قايين هذا أو شيئاً من مثل هذا لغفر له الله خطيته الشنيعة..كان أحد ملوك فرنسا يسير في رفقة ملك أجنبي في سجون طولون، وقال الملك الفرنسي للملك الضيف أنه مستعد أن يفرج في الحال عن أي سجين يقع اختياره عليه، وأخذ الملك الضيف يسأل المسجونين واحداً بعد الآخر عن السبب الذي من أجله جاءوا إلى السجن، وإذا بهم جميعاً يدعون أنهم دخلوا السجن ظلماً وعدواناً، إلا واحد لاحت عليه الذلة والانكسار، وإذ سأله الملك عن سبب دخوله السجن أجاب: لقد ارتكبت إثماً كبيراً، ولا أعلم لماذا خففوا الحكم على هكذا مع أني كنت أستحق حكماً أقسى وأشد! وعندئذ وقع اختيار الملك عليه، وقال: أنت هو الشخص الوحيد الذي أجد فيه شيئاً يحتاج إلى الغفران على العكس من جميع هؤلاء الأبرياء المظلومين!.. أجل لأنه "إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم. إن قلنا أننا لم نخطيء نجعله كاذباً وكلمته ليست فينا".
قايين والعقاب المريع الذي أصابه نتيجة خطاياه..
بعد أن تحدثنا عن قايين وطبيعته الشريرة، والخطايا المميتة التي ارتكبها، يجدر بنا أن ننتهي بالحديث عن العقاب المريع الذي أصابه نتيجة خطاياه، وهذا العقاب إن تحدث عن شيء، فإنما يتحدث قبل كل شيء عن عدالة الله الساهرة الحية التي لا تموت، وقد بدت هذه العدالة في قصة قايين في أكثر من مظهر إذ كانت أولاً العدالة الكاشفة، أو العدالة التي لا يمكن أن يخفي عليها شيء، أو تبهم لديها الأمور، بل هي العدالة التي تزن الظاهر والخفي بميزان دقيق وهي أيضاً العدالة الساهرة التي لا تغفل أو تنام، بل ترقب وتلاحظ كل ما يجري على الأرض، وترى من حقها التدخل بين الإنسان وأخيه، إذ أن حقها في الواقع أسبق على كل حق، بل أساس كل حق، ومصدر كل حق.. وقد يتصور قايين أنه ليس لأحد حق محاسبته أو محاكمته على ما فعل، ولكنه سرعان ما يتبين أنه واهم، وأن ديان كل الأرض، قد أوقفه أمام كرسيه ليعطي حساباً عما فعل ضد أخيه.. وهي إلى جانب ذلك العدالة الطيبة التي تفزع لموت هابيل، وتستمتع إلى صرخات دمه المرتفعة من الأرض، لتقتص له من قاتله، محققة ما قاله المرنم: "عزيز في عيني الرب موت أتقيائه".. وعلى أي حال فإن عقاب قايين كان عقاباً شاملاً تناوله من كل جانب من جوانب الحياة، وقد ظهر بوضوح على الأقل في أربعة مظاهر:
الفشل الروحي
وقصة قايين بجملتها ليست إلا قصة الفشل الروحي العميق، على أوسع ما تشمل عليه كلمة الفشل من معنى، لقد دعته أمه قايين أي "اقتناء" إذ قالت: اقتنيت رجلاً من عند الرب" والرأي الراجع أنها دعته بهذا الاسم وهي تعتقد أنه النسل الموعود الذي سيسحق رأس الحية، والذي سيثأر لها من عدوها المكروه البغيض، الذي أخرجها وزوجها ونسلها من جنة عدن بالتجربة والكذب والخداع، ولعل كلمات الكسندر هوايت هي خير ما يمكن أن يقال هنا على وجه الإطلاق!! قال هوايت: "لقد أخطأت حواء في فهمها لقايين إذ ظنته يسوع المسيح!! وعندما رأته يوم مولده لم تعد تذكر حزنها، إذ كانت المرأة المبتهجة السعيدة!!.. بل إن جنة عدن بكل ما فيها من أزهار وثمار لم تعد تصبح بعد موضع الاهتمام أو التفكير من اليوم الذي تدانت فيه السماء من الأرض، واقتنت حواء ابنها البكر من عند الرب!! وليس عجباً أن تخطيء حواء في فهم قايين إذ يكفي أن تضع نفسك موضعها!! لقد جلبت هذه المرأة على نفسها وعلى زوجها الطرد إذ أصغت لأبي الكذاب!! ولكن الله جاءها في محنتها ويأسها، وفتح لها كتاب وعوده بأفضل وعده إذ وعدها بأن نسل المرأة سيسحق رأس الحية، وبذلك يفتديها من كل الشر الذي جلبته على نفسها، وعلى زوجها.. والآن تبارك الرب هوذا نسلها بين يديها، وها هو يأتيها في صورة حلوة مبهجة للقلب، سماوية، في صورة رجل من عند الرب!! فهل تكون حواء بعد ذلك جاحدة القلب ملحدة المشاعر وهي تنظر إلى ابنها على اعتبار أنه النسل الموعود؟؟ وهل تكون مخطئة إذا قالت هذا هو إلهنا الذي انتظرناه، الإله الذي جاء لنا برجل من عنده؟!! ومع كل هذا فنحن نعلم أن قايين لم يكن المسيح!! وأن ملاك البشارة الواقف في حضرة الله عبر عن حواء وسارة وراحيل وحنة وأليصابات وسائر النساء الأخريات في إسرائيل، وجاء إلى عذراء مخطوبة لرجل اسمه يوسف، وقال لها: "سلام لك أيتها المنعم عليها، الرب معك، مباركة أنت في النساء" "فقالت مريم تعظم نفسي الرب".. أجل لم يكن قايين هو النسل الموعود، أو على الأقل، الأمل الباسم، والأغنية الطروب، واللحن الشادي، في أرض متعبة!! بل كان الإنسان الذي تمثلت فيه المأساة والفشل وخيبة الأمل، على أوسع صورها وأرهب معانيها!! لقد كان عند أبويه في بدء حياته حلماً جميلاً، ولكن سرعان ما تحول إلى كابوس مريع ليس لأبويه فحسب بل لنفسه وأخيه وجميع المتصلين به أو الآتين من نسله!! أجل فليس هناك شيء يبدد الأحلام، ويضيع الأمل كما تفعل الخطية!!
العوز المادي
لم نعلم كم عاش قايين من السنين، وكم طال به العمر، لكننا مع ذلك نعلم أنه عاش طوال حياته في عوز مادي، وفي احتياج دائم، إذ لعنه الله بضيق ذات اليد، في القول: "فالآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك. متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها" أو في لغة أخرى، إنه وجد الشوك في موضع الزهور، ووجد الحسك في موضع البقول، ووجدت اللعنة الدائمة تصاحب ما يزرع ويستنبت، اللعنة التي ذكرها الكتاب عن جماعة تمشت في طريقه عندما قال: "زرعتم كثيراً ودخلتم قليلاً. تأكلون وليس إلى الشبع. تشربون ولا تروون، تكتسون ولا تدفأون، والآخذ أجره يأخذ أجره لكيس منقوب.. انتظرتم كثيراً وإذا هو قليل ولما أدخلتموه نفخت عليه.. لذلك منعت السموات من فوقكم الندى ومنعت الأرض غلتها ودعوت بالجر على الأرض وعلى الجبال وعلى الحنطة وعلى المسطار وعلى الزيت وعلى ما تنبته الأرض وعلى الناس وعلى البهائم وعلى كل أتعاب اليدين" أجل فلقد لحقت اللعنة قايين في كل هذه، فكان في عداء دائم مع المحصول الوفير. واللقمة الهانئة، والعيش الرغيد، والحظ الحسن -إن جاز أن نستعمل هذا التعبير- وهكذا أدرك أن الخير المادي كالروحي سواء بسواء يرجع إلى أمر الله ومشيئته وإرادته دون أن يرجع في قليل أو كثير إلى حكمة الإنسان أو يقظته أو تعبه أو مجهوده أو عمله أو ما أشبه مما يظن الناس أنها تحدد المعايش والأرزاق على هذه الأرض!!
التعب الجسدي
لم تكن لعنة قايين في ذلك العوز المادي الذي سيصاحبه طوال الحياة فحسب بل كانت في التعب الدائم الذي يحرم عليه الاستقرار في بقعة واحدة من الأرض، لقد كان عليه أن ينتقل من مكان إلى مكان سعياً وراء الرزق بما يصاحب هذا الانتقال من تعب وضيق ومشقة، لقد عاقبه الله بالقول: "تائهاً وهارباً تكون في الأرض" والكلمة العبرانية المترجمة "تائهاً" تشير في الأصل إلى حالة التردد والاضطراب والتيه التي تصاحب الإنسان الحائر الذي لا يعرف أين يتجه، أو المعيي الذي يسقط من الجوع، فإذا أضيفت إليها حالة الهروب أو الحالة التي تنشأ من الفزع والخوف وعدم الاطمئنان، أدركنا إلى أي حد كان قايين أشبه بالرحالة المكدود الذي يسعى في البيداء المقفرة أو الجواد التعب الذي يقطع الفيافي من غير هدف!! وهكذا يؤكد الكتاب لنا أن الله لا يمنح أو يمنع اللقمة النهائية فحسب بل يمنح السكن المريح أو الوسادة اللينة!!
العذاب النفسي
وهو العذاب الذي سجله قايين في القول: "ذنبي أعظم من أن يحتمل إنك قد طردتني اليوم عن وجه الأرض ومن وجهك أختفي وأكون تائهاً وهارباً في الأرض فيكون كل من وجدني يقتلني" والشراح مجمعون على أن هذه اللغة ليست بحال ما لغة الاعتراف والتوبة، بل هي لغة اليأس والقنوط لمجرم هاله الحكم القاسي الذي صدر ضده، ومما يشجع على هذا الاعتقاد أن الكلمة "ذنبي" يمكن أن تترجم "عقابي"، والواقع أن قايين كان مأخوذاً بالعقاب أكثر من إحساسه بالجرم!! وكان مدفوعاً بالخوف، أكثر من اندفاعه بالتوبة، ولعل هذا يبرز بوضوح في القول: "كل من وجدني يقتلني" وأين يوجد هذا القاتل والأرض لم تعمر بعد؟!! أهو الخوف من الوحوش كما يزعم بعض المفسرين ممن يقولون أن الكلمة "من" يمكن ترجمتها "ما" وبذلك ينصرف المعنى إلى وحوش الفلاة والبرية؟!! أو هو الخوف من المستقبل حين تأتي ذراري أخرى من آدم تثأر منه للمقتول، كما يذهب آخرون؟!! لا ندري وكل ما ندريه أن صيحته هنا على أي حال ليست إلا صيحة الضمير في قصيدة رائعة، يرينا فيها قايين الرحالة المتعب، وهو يفزع من نجوم الليل، وهمهمة الرياح وخشخشة الأوراق، وصوت العصافير، ويتوهم أنها ضواري كواسر توشك أن تنقض عليه، وتفتك به!! بل رأينا إياه صريع الأرق والضيق والوسوسة والمخاوف! أجل ليس هناك أرهب من صوت الضمير إذا تيقظ، وأقصى من عذاباته إذا حاسب ودان!! والفنان المشهور فيرناند كوكمون يرنا قايين في أخريات حياته، وحوله من تبقى من نسله، وما يزال هو الإنسان المتعب التائه الزائغ البصر الذي يندفع في طريقه دون أن يلوى على شيء أو يستقر على قرار إذ هو أشبه الكل باليهودي التائه الذي حقت عليه لعنة الله بعد أن صلب المسيح!!
على أننا لا يمكن أن ننتهي من الحديث عن قايين دون أن نذكر تلك العلامة التي أعطاها له الله لكي لا يقتله كل من وجده، ونحن لا نعلم ما هي؟!! أهي تحول غريب في وجهه كما تزعم بعد التقاليد اليهودية؟!! أم تغير تام في لون جلده؟!! أم هي نوع من الملابس كان عليه أن يرتديه؟!! أم شيء يشبه القرن نبت في رأسه؟!! أم علامة على جبينه؟!! أم غير ذلك من العلامات؟!! لا نعلم، ومن العسير على أحد أن يجزم بنوع هذه العلامة وهيئتها؟!! ولكنها إن تحدثت وأكدت شيئاً فإنها تتحدث وتؤكد أن الله لا يحاكم إلى الأبد ولا يحقد إلى الدهر، وإنه في وسط الغضب يذكر الرحمة، وأنه حتى قايين الآثم الشرير الذي لم يرحم أخاه يمكن أن يجد رحمة عند الله.ليت إيمان قايين كان قد اتسع لرحمة أشمل وأعم عند الله، ولم يخف فقط من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها بل خاف بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم، إذاً لشملته رحمة الله، ولالتقى هو وأخوه في السماء في ظلال ذلك الذي هو وسيط عهد جديد، ودمه الذي هو دم رش يتكلم أفضل من هابيل.
المزيد