المقالات

03 أبريل 2021

إنجيل عشية الأحد الرابع من الصوم الكبير

لو22:12-31 وقال لتلاميذه: "من أجل هذا أقول لكم: لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون، ولا للجسد بما تلبسون.الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس.تأملوا الغربان: أنها لا نزرع ولا تحصد، وليس لهـا مخدع ولا مخزن، واالله يقيتها. كم أنتم بالحرى أفضل من الطيور! ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحد؟ فإن كنتم لا تقدرون ولا على الأصغر، فلماذا تهتمون بالبواقي؟ تـأملوا الزنـابق كيف تنمو: لا تتعب ولا تغزل، ولكن أقول لكم: إنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها. فإن كان العشب الذي يوجد اليوم في الحقل ويطرح غدا في التنور يلبسه االله هكذا، فكم بالحرى يلبسكم أنـت يـا قليلي الإيمان؟ لا تطلبوا أنتم ما تأكلون وما تشربون ولا تقلقوا، فإن هذه كلها تطلبها أمم العالم. وأما أنتم فأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه. بل اطلبوا ملكوت االله، وهذه كلها تزاد لكم . الطعام الباقي الذي للحياة الأبدية في إنجيل القداس يتقابل الرب يسوع مع المرأة السامرية بينما يذهب التلاميذ ليبتاعوا طعامـا ولمـا عادوا إليه وطلبوا قائلين: "يا معلم كل"... فقال لهم "لي طعام آخر لستم تعرفونه... طعامي أن أعمل مشـيئة الذي أرسلني وأتمم عمله"... ويتساءل التلاميذ في براءة "ألعل أحدا قد أتاه بطعام؟، إذ لم يكونوا بعد يـدركون كمال تدبيره الإلهي.لذلك يجيء إنجيل العشية كمقدمة لهذا الحوار وهو يبين قصد المسيح ويكشف عن الاهتمام بالطعـام الباقي الذي للحياة الأبدية. فقول الرب لتلاميذه هنا "لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون"... عنـدما نقرئـه بإنجيـل السامرية يأخذ كما معناه الإلهي.الحياة أفضل من الطعام... يأعن الحياة الأبدية التي لا تستمد وجودها ولا قوتها مـن هـذا الطعـامالبائد. يوجد طعام آخر... هل ذقته؟ لقد شغل طعام هذا العالم قلب الإنسان وعقله من يوم أن وطأت قدماه أرض الشقاء لكي يفلحها بعرق الجبين وصار كل سعيه محصورا في الحصول على قوت الجسد وبسبب لعنة الخطية صارت تنبت له شـوكًا وحسكًا يوخز الجسد فيئن مدى الحياة.وقد دعا الرب يسوع هذا الطعام... الطعام البائد... بالمقارنة بالطعام الباقي الذي للحياة الأبدية.وفي التجربة على الجبل عندما قال المجرب للرب، قل لهذه الحجارة أن تصير خبزا، ضاربا سهمه نحو جسد الرب الجائع... فكان أن الرب رد سهمه إليه وأخرج الرب من كنف المقلاع درة من سفر التثنيـة كانت مخزونة لليوم والساعة وهي المكتوب "أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فـم الله". فارتزت في جبين العدو الشرير فسقط صريعا كجليات في القديم.لقد جاء الوقت الذي فيه يقدم المسيح للبشرية الجائعة خبز الحياة الأبدية لكـي يأكلـه الإنسـان ولا يموت... إنه طعام آخر... غير الذي يعرفه الناس. الخبز النازل من السماء لكي يأكله الإنسان ولا يمـوت...ليس هذا الخبز سوى المسيح نفسه... المأكل الحقيقي هو جسده الذي بذله عنا. المسيح طلب من السامرية أن يشرب وكان وقت الساعة السادسة وقت الصليب الذي كان حاضرا في المسيح... لأن المسيح غير زمني، فليس عنده مستقبل ولا ماضي بل هو أزلي أبدي حاضر دائما فكان الصليب ماثلاً في ذلك الساعة السادسة. ووقتها على الصليب أظهر عطشه مرة أخـرى وقـال "أنـا عطشان" ولما قدموا له خلاً ليشرب لم يرد أن يشرب لأنهم لم يفهموا أن عطش المسيح لا يرويه مـاء هذا العالم، وجوع المسيح لا يشبعه خبز هذا العالم.قال اللص على الصليب للمسيح "اذكرني" وكانت يد المسيح ممدودة إليه وهو معلق إلى جانبه، وحين صلى اللص يطلب الخلاص ارتاح قلب يسوع وارتوى إذ وجد ثمار دمه المبذول لأجل الخطاة... كان اللـص أول من ارتمى تحت قدمي الصليب ليفيض عليه رشاش الدم الإلهي... هذه كانت أول ثمرة... تشـبع قلـب يسوع وتروي عطشه... يا للسرور الذي كان موضوعا أمامه وهو على الصليب!. وهكذا السامرية لم تعطـه ليشرب من ماء بئر، بل حينما مد يده وأخرجها من عمق بئر الخطايا وظلمـة ماضـيها... ارتـوت نفسـه وارتاحت إلى خليقته الجديدة إذ رأى أنها وهي مفدية بدمه صارت حسنة جدا جدا.تُرى متى يبطل اهتمامنا بالطعام البائد وإن كان هذا كثيرا نقول تُرى متى نهتم بالطعام الآخر ونسعى إليه وما هو مقدار سعينا نحوه؟. وأين العرق الجديد للخبز الجديد؟ أين أتعابنا وسهرنا وكدنا في طلب خبز الحياة؟. قال الرب للرسل: "ارفعوا عيونكم... الحقول ابيضت للحصاد". ظاهرا حقول القمح هي خبز الجسد، ولكن المسيح يتكلم عن الحصاد الكثير. وقلة الفعلة، وينقل الذهن إلى حبات حنطة الحياة الجديدة التـي تلدها حبة الحنطة التي ماتت وأتت بثمر كثير... كان باكورة هذا الحصاد هي السامرية.لقد حان أوان قطافها... ووقعت في يد المسيح. نفوس كثيرة تحتاج كلمة... نفوس كثيـرة جـاهزة للخلاص.اطلبوا إلى رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده، فالحصاد كثير جدا.إن الوقت والجهد الذي نبذله من أجل خبز الحياة ضئيل جدا جدا إذا ما قورن بما نبذله من أجل لقمة العيش وخبز الجسد .أين ما علمنا إياه الرب في الصلاة أن نطلب خبز الغد (خبز الحياة الأبدية لأننا لا نعرف لنـا غـدا سوى حياتنا في المسيح إلى الأبد). لكي يعطيه لنا اليوم نذوقه ونتمتع به ونتغذى عليه كمن يحيا الحياة الأبدية وهو بعد على الأرض.لا يفهم هذا على أنه تقليل من شأن الجهاد والعمل في العالم بحسب ما أعطى االله، وزنات لكل واحـد إن كان للطالب في جهاده في دراسته أو عامل في عمله أو موظف في وظيفته أو مزارع في زراعـة أو أم في تربية أولادها. وكل هذه أعمال واجبة وممدوحة نؤديها بالأمانة المسيحية في كـل إخـلاص ونجني ثمرها ونشكر االله على عمله معنا وسنده إيانا. لكن الرب ينبه الذهن إلى عدم الهم وعدم القلـق التي تعمل بها هذه الأعمال "لا تهتموا... لا تقلقوا". لأن من منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد علـى قامتـه ذراعا واحدة؟ يستحيل فالهم علاوة على أنه لا يغير شيئًا فهو مؤذٍ للنفس "الهم في قلب الرجل يحنـي ظهره" (أمثال). والاهتمام تدبير أما الهم فهو عدم اتكال على االله.والأمر الثاني هو تحويل مركز اهتمامنا من الأرضيات إلى السماويات ومن خبز الجسد وضرورياته إلى خبز الحياة الأبدية والسعي الدائم نحوه. ففيما نحن نمارس أعمالنا اليومية يكون شغل قلبنـا هـو سماوي. تدريب: تدرب على أكل الكلمة الإلهية "وجد كلامك فأكلته" قال الرب لحزقيال حين عرض عليه الكلمة الإلهية مكتوبة في درج كتاب قال له: "كُل مـا تجـده،فأكله فصار في فمه كالعسل حلاوة". تدريب على التلذذ بأكل الكلمة الحية... فتحيا بها كطعام يومي. تدرب على التناول بوعي روحي وإدراك وحاسة مقدسة ومذاقة روحية... لا تنسى أنك أخذت المسيح نصيبك وحين تأكله أقضي اليوم كله متأملاً فيه، كيف أعطانا جسده لنأكله... الأمـر الـذي تشـتهي الملائكة أن تطلع عليه. كرر قول المسيح "لي طعام آخر" مرات كثيرة في اليوم ليدفعك للسعي نحو الحياة الفضلى والشبع بما هو نازل من فوق . المتنيح القمص لوقا سيداروس (عن كتاب "تأملات فى أناجيل عشيات الآحاد")
المزيد
01 يناير 2022

القديس يوسف البار ج4

في خضوع الرب: الأمر الذي يُربِك الذهن، كيف احتمل القديس يوسف خضوع الربّ وامتثاله له، لكلّ ما يؤمَر به أو يُوَجَّه إليه. فالأمر ليس يومًا أو بعض أيام.. بل سنوات وسنوات، منذ الميلاد إلى أن أكمل القديس يوسف غربته على الأرض، وهذه بحسب التقليد تربو على سبع عشرة سنة. عاش الرب خلالها كابن مع أبيه بكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معنى، في الحياة اليومية، وفي النمو الطبيعي، في كلّ الأطوار بالطبع يجوز الأطفال في أيّام الصحّة والمرض.. ولكنّنا ننحاز إلى الفكر أنّ الرب لم يمرض، وإن كان في أيّام خدمته لخلاصنا حمل أمراضنا عليه، وحمل تأديب سلامنا، بل وحمل موتَنا على الصليب. فإن كان المرض شيء طبيعي للطبيعة الساقطة التي تحمِل الموت فيها، إذ اجتاز الموت إلى جميع الناس، وهكذا يَظهَر المرض كعلامة من علامات ضدّ الحياة، أي الموت.لذلك نقول إنّ المسيح له المجد في تجسّده اتّحد بطبيعتنا البشرية دون أن يكون عنصر الخطية فيها. فالروح القدس حلّ في أحشاء البتول، قدَّسها وطهَّرها وملأها نعمة. لذلك عَبَر الربّ سنوات الطفولة بكلّ ما فيها، ولكن بدون مرض أو نقص، فهو الكمال المُطلَق الذي لا يشوبه عوار. ولكن كطفل طبيعي سهر عليه القديس يوسف والأم العذراء وقاما بكلّ ما تتطلّبه رعاية الطفولة عاش الصبي يسوع، ونما في النعمة والقامة، وتسلّم مِن القديس يوسف صَنعة النجارة، وصار يمارسها حتّى دُعِي نجّار الناصرة، واشتُهِرَ بها حتى قالوا: «أَلَيْسَ هذَا النَّجَّار ابْنَ يُوسُفَ؟ (لو4: 2، مت13: 55). في البداية كان يساعد القديس يوسف كصبيّ نجار، يحمل الأخشاب ويجهّزها.. ويمسك بطرفها عند نشرها، ويساعد في تثبيتها.. يقضي مُعظم نهاره يراقب ويساعد إلى أن تَسَلّم تفاصيل الصنعة. وتعامَل مع طلبات الناس يلبّيها، ولم يخلُ الأمر من تفاوُت أمزِجة الناس، فمنهم الطيّب المسالِم، ومنهم غير ذلك، ومنهم الأمين الملتزِم، ومنهم على غير ذلك.. ومنهُم مَن يشكر ويمدح العمل، ومنهم غير ذلك ونحن يتملّكنا العجب حينما يذهب بنا الفكر إلى تفاصيل الحياة اليومية آنذاك، ومعاملات الناس على اختلاف أنواعهم، وحين نفكّر أنّ الربّ فاحص القلوب، ومُختبر الكُلَى الذي عيناه تخترقان أستار الظلام.. وكلّ شيء مكشوف وعريان أمامه، حتّى نيّات الناس وخفيّات أسرارهم كانت أمامه. ولكنّه تعامَلَ معهم كمن أخلى ذاته آخذًا شكل العبد «ناظِرٌ كَثِيرًا وَلاَ يُلاَحِظُ. مَفْتُوحُ الأُذُنَيْنِ (العينين) وَلاَ يَسْمَعُ (يبصر)» كما تنبّأ عنه إشعياء (إش42). فنيَّات الناس وأفكار قلوبهم مكشوفة أمامه، ولكنّه كان كمَن لا يَرى ولا يعرف، وذلك بحسب تدبير الإخلاء الذي أكمله بإرادته وحده. قيل عن القديس يوسف البار إنّه كان قد تزوّج في شبابه، وإنّه أنجب أولادًا وبنات، وهُم مَن دُعوا أخوة الرب. وقد أيّد هذا الرأى بعض الآباء الأولين، بينما عارضه آباء آخرون، وقالوا ببتولية القديس يوسف، وفسَّروا أمر أخوة الرب أنّ العادة في تلك الأيام أن يلقَّب أولاد الخالة إنّهم أخوة. وقالوا مثلاً إنه مكتوب: «وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، مريم أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا أُمُّ يَعْقُوبَ وَيُوسِي» (يو19: 25). فليس من المعقول أن تكون مريم أم يسوع ومريم الأخرى أختَيْن بنفس الاسم، فهما أولاد خالات، ولذلك دُعِيَ أولاد مريم زوجة كلوبا أخوة ليسوع، باعتبار إنّهم أولاد أختَيْن. وقد مالت الكنيسة الكاثوليكيّة إلى هذا الرأي، وهكذا معظم آباء كنيستنا. على أيّ الأحوال، سواء كان ذلك الرأي، أو الرأي الآخر، فالأمر لا يغيّر شيئًا من الرسالة العظمى التي اضطلع بها، والدور المحوري الروحي الذي اختاره الروح القدس لتكميله، والذي بسببه صار للقديس يوسف مَنزلة منفردة لم يشاركه فيها أحد من القديسين، كحارس للسر الإلهي، كمُعتنٍ ومُربٍّ وقائم بالعناية والتربية، وبدور ربّ البيت، كرجلٍ للسيّدة البتول، وكأبٍ للطفل الإلهي. قائمة نسب المسيح: القديس متّى الإنجيلي بدأ إنجيله هكذا: «كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ». وبدأ يتتبّع التناسل من أب الآبّاء إبراهيم حتّى داود الملك، وقد رصد أنّ هذه الحقبة أربعة عشر جيلاً. ثم من داود إلى أيام سبي بابل أربعة عشر جيلاً، ثم من سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلاً. وتتبّع القديس متى ما كان مُسَجّلاً من الأسماء واحدًا فواحدًا دون إغفال أيّ اسم مهما كان شأنه، فبعضهم قديسون مشهودٌ لهم من الروح القدس في الأسفار، وبعضهم كانوا غير ذلك. وقد سَجّل بالروح أيضًا بعض التلميحات، مثل يهوذا ولد فارص من ثامار [ثامار كنّته.. أي زوجة ابنه عندما رفض أن يزوّجها لابنه خوفًا عليه من الموت، فتظاهَرَتْ كأنّها زانية، وجلست على الطريق حينما عَبَرَ يهوذا، وزنى معها، وأخذَتْ مِنه رَهنًا، وإذ قِيل أنّ ثامار حامل، قال يهوذا أن تُرجم.. ولكنّها أظهرَت الرّهن، وقالت مِن الرجُل الذي له هذه أنا حُبلَى -الرهن كان خاتمه وعصابته وعكازه-. فقال يهوذا أنتِ أبَرّ مِنِّي]. لم يَعبُر الروح على هذه رغم آلاف السنين!! هكذا عندما سجّل أنّ داود وَلَد سليمان.. قال الروح: «مِنَ الَّتِي لأُورِيَّا».. أي مِن التي ليسَتْ له. على الرغم من التوبة التي قدّمها داود.. وعلى الرغم من ألف سنة مَضَتْ. لكن تَسَجَّلت هذه الواقعة وغيرها في سجلاّت الأبد. المتنيح القمص لوقا سيداروس
المزيد
17 أغسطس 2024

إنجيل عشية الأحد الثاني من شهر مسرى( لو ١٨ : ٩ - ١٤ )

" وقالَ لِقَوْمٍ واثقين بأنفُسِهِمْ أَنهم أبرار، وَيَحْتَقِرُونَ الآخرين هذا المثل: إنسانان صعدا إلى الهيكل ليُصَلِّيا، واحِدٌ فريسي والآخَرُ عَشَارٌ. أَمَّا الفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هكذا : اللَّهُمَّ أنا أشكُرُكَ أني لستُ مِثْلَ باقي الناس الخاطفين الظَّالِمِينَ الزُّناةِ، ولا مثل هذا العشار. " أصومُ مَرَّتَين في الأسبوع، وأَعَشرُ كُلَّ ما أقتنيه . " وأمّا العَشَارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لَا يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحوَ السماء، بل قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قائلاً: اللَّهُمَّ ارحمني، أنا الخاطئ. أقولُ لَكُمْ: إِنَّ هَذا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دونَ ذاكَ، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ،وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ ". يسوع المخلص: إن الرب يسوع في تعليمه الإلهي يلمس مواضع أوجاع البشرية كمخلص، فهو يكشف عوار النفس لأن عينيه تخترقان أستار الظلام وهو قابل الصلاة الذي يأتي إليه كل بشر ، وهو العارف بقلب كل واحد وكل شيء مكشوف وعريان أمامه، وتصعد إليه من قلوب أصفيائه كلمات الصلاة مختلطة بعواطف زكية تستقيم كالبخور الصاعد إلى عنان السماء، بينما تكون صلاة الأشرار مكرهة قدامه إذ تكون مختلطة بدنس القلب ولو زينت بأجمل الكلمات. فالله يقبل الصلاة لا من اللسان والكلام بل من القلب حيث يكمن كنز الإنسان... يا ابني أعطني قلبك"... "ليس كل من يقول لي يارب يارب"... "لا تكرروا الكلام باطلاً كالأمم، فإنهم يظنون أنه بكثرة كلامهم يستجاب لهم". راجع (مت ٦ : ٧).إذا لنحذر ونقدم الصلاة دائمًا من القلب ولا تكن صلواتنا ترديدات وكلمات، ولنتعلم أنه في حالة وقوفنا أمامه يحكم على صلاتنا إما للبر كالعشار وإما بالرفض مثل الفريسي الذي صارت صلاته دينونة وحسبت صلاته عليه وليست له. البار في عيني نفسه: قال لقوم واثقين بأنفسهم أنهم أبرار". هذا هو أصل الداء، الذي أراد الرب بهذا المثل أن يخلصنا منه ويطهر قلوبنا وأذهاننا من هذا العيب القاتل. والحقيقة أن هذا المرض والانحراف في الحياة الروحية يصيب بالأكثر المواظبين على العبادة والصلاة، وقد تكون الثقة في الذات من حيث المعرفة أو الحكمة أو الإمكانيات الذاتية أو القدرات أو المهارات. وقد نبه الكتاب المقدس "فإني لست أريد أيها الأخوة أن تجهلوا هذا السر، لئلا تكونوا عند أنفسكم حكماء" (رو ۱۱: ٢٥) ، "ليمدحك الغريب لا فمك "(ام٢:٢٧) وقد يثق الإنسان في فهمه فيضل طريقه ويتعثر كثيرًا لأن الكتاب يقول : "توكل على الرب بكل قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد" (أم ٣: ٥).ويقول: "لا يخد عن أحد نفسه. إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر ، فليصر جاهلاً لكي يصير حكيمًا"(١كو١٨:٣) ويقع الإنسان في غباوة الذين إذ كانوا حكماء في أعين أنفسهم فإنهم لا يفهمون مكنونات الحكمة الإلهية، أما أن يثق الإنسان في بره وتقواه وصلاحه فهذا أمر مخيف حقا. فالمثل قاله الرب لأناس واثقين بأنفسهم من جهة البر... يا للغباوة التي أصابت الذهن، والعمى الروحي الدافع إلى الهلاك. إن هذا المرض الخطير صار ظاهرة متفشية في أيامنا تحتاج إلى مراجعات كثيرة من أين تأتي الثقة بالنفس بأن يكون الإنسان بارًا في عيني نفسه؟!. الواقع أن ذلك يرجع لانطماس البصيرة الروحية فلم يعد الإنسان يرى خطاياه ولا ضعفاته، بل يرى أنه غني وأنه استغنى ولا حاجة له إلى شيء وهو كما يقول سفر الرؤيا:"لأنك تقول: إني أنا غني وقد استغنيت، ولا حاجة لي إلى شيء، ولست تعلم أنك أنت الشقي والبائس وفقير وأعمى وعريان" (رؤ ۳: ۱۷). إنه إنسان نسي تطهير خطاياه السابقة،نسي أن الله ينظر إلى السماء ذاتها وكأنها غير طاهرة قدام عينيه وإلى ملائكته ينسب حماقة "هوذا عبيده لا يأتمنهم، وإلى ملائكته ينسب حماقة" (أي ١٨:٤). غاب عن ذهن هذا الإنسان موقف الآباء القديسين الذين كان منهجهم الإنجيلي واضحًا "كذلك أنتم أيضًا، متى فعلتم كل ما أُمرتم به فقولوا : إنَّنا عبيد بطالُون، لأننا إنَّما عملنا ما كان يجب علينا" (لو ۱۷ : ۱۰). الذين وضعوا أمامهم قول الرب: "فإني أقول لكم: إنكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات" (مت ه: ۲۰). إن البار في عيني نفسه لا يرى سواها، هذا نوع من تأله الذات... بل إن العبادة كلها تتحول إلى مظاهر تعود بالمدح على الذات وإثبات برها أمام الناس وتضخمها في عين صاحبها ... يصوم لينظره الناس، يُصلي ويتصدق سعيا وراء تمجيد الذات، ويمارس عبادات ونسكيات كثيرة لتأكيد البر الذاتي... وكل هذا يعمله بحبكة وحرفية رهيبة. وعندما تقع على هذا المسكين حيل الذات الخبيثة يصدق زيفها ويقتنع بإتقان دورها الذي أخذت فيه الصدارة في مجال أعمال البر وحفظ الوصايا والواقع المر أن الإنسان أبعد ما يكون عن البر في عيني الله، إذ يكون قد استوفى أجره كاملاً مدحًا من الناس ومدحا من نفسه لنفسه. ويحتقرون الآخرين: إن البار في عيني نفسه لا يرى في غيره فضيلة، ولكن عينه تبحث عن نقائص الناس، وإذ يقيس غيره على ذاته المتعظمة المتألهة يتضاءل شأن الناس جميعًا في نظره من ناحية البر والفضيلة مهما كان شأنهم ولو أن الفريسي اكتفى بمدح نفسه وإظهار بره الكاذب أمام الله لهان الأمر، ولكنه تعدى ذلك إلى ذم الناس عامة ثم تعدى بالأكثر إلى احتقار العشار الواقف بجواره. على العكس تماما كان الآباء القديسون ... ما نظروا إنسانًا قط إلا ورأوا فيه فضيلة وتعلموا منه درسا وما قارنوا أنفسهم بأحد إلا ووجدوا أنفسهم في الموازين إلى فوق. العين البسيطة: قيل إن أحد الآباء ذهب إلى أبيه الروحي في البرية حزينًا متألما فلما سأله أبوه عن سبب حزنه قال له: لقد جلست في قلايتي أعدد فضائل أخي فوجدتها ثلاثين فضيلة، ولما بحثت في نفسي بالمقارنة لم أجد فضيلة واحدة... فعزاه أبوه الروحي قائلاً : إن رؤيتك لفضائل أخيك بينما لم تر في نفسك غير النقص هذا في حد ذاته يعتبر فضيلة الفضائل، يا للعين البسيطة النقية التي ترى فضائل الناس وحين تبحث عن العيوب لا تجدها سوى في نفسها. محتقر الآخرين: كيف يصل الإنسان إلى احتقار الآخرين؟. لا شك أن العين إذا امتلأت شرًا لا ترى سوى من خلال شرها فترى شرًا في كل أحد. "لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها" (مت ۷: ۳).المحتقر الآخرين يقود الناس إلى الرجم كبريء، ولكن ماذا يفعل حينما يواجهه الرب بالكتابة أي سجل خطاياه السالفة ويقول : من منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر ؟ المحتقر الآخرين هو مخدوع مأخوذ في حفرة من أعلمه بقلوب الناس وسرائرهم من أنت يا من تدين عبد غيرك هو لمولاه المحتقر الآخرين لا يلتمس عذرًا لأخيه في خطيته لا يرحم ولا يعرف سبيلاً للمحبة بحسب المسيح. الآباء القديسون عندما رأوا خطايا آخرين ستروها بالمحبة وتوبوا أصحابها بمسلك روحاني "أيها الإخوة، إن انسبق إنسان فأخذ في زلة ما ، فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة، ناظرًا إلى نفسك لئلا تجرب أنت أيضًا" (غل ٦ : ١). وعندما رأوا أخا يخطى اعتبروها خطيتهم الخاصة وبكوا وناحوا وصلوا وتضرعوا ولم يحتقروه !!. "وقال القَوْم واثقين بأنفُسِهم أنهم أبرار، ويحتقرون الآخرين هذا المثل" (لو ۱۸ :۹) ، مثل الفريسي والعشار. إنسانان صعدا إلى الهيكل ليصليا": هذه بداية كلام الرب شافي نفوسنا فالفريسي والعشار أولاً وآخرًا هما إنسانان أمام الله والإنسان ضعيف مهما عظم شأنه، صغير مهما كبر ، إنهما أمام الله إنسانان. عندما نقف للصلاة نصير أمامه مجردين تماما لا اسم ولا رتبة ولا وظيفة ولا لقب ولا شكل ولا شيء بالمرة. فأنت قبل وبعد كل شيء الإنسان مولود المرأة قليل الأيام وشبعان تعبا" (أي ١٤: ١). وما أجمل العبارة التي قالها إشعياء النبي: "كفوا عن الإنسان الذي في أنفه نسمة، لأنه ماذا يُحسب" (إش ۲: ۲۲). القديسون العظام حينما وقفوا أمام الله ما وجدوا شيئًا يتقدمون به إلى الله فوقفوا أمامه عراه وضعفاء لم يضبطوا قوة كدانيال، وكإبراهيم أب الآباء حين قال: "إني قد شرعت أن أكلم المولى وأنا تُراب ورماد" (تك ۱۸: ۲۷)، وأيوب الصديق يقول: "لذلك أرفض وأندَم في التراب والرماد" (أي ٦:٤٢)، وداود النبي يقول : "يارب، أي شيء هو الإنسان حتى تعرفه، أو ابن الإنسان حتى تفتكر به" (مز ١٤٤: ٣)، ويقول: لصقت بالتراب نفسي، فأحيني حسب كلمتك " (مز (۱۱۹ : ٢٥). الإنسان عرضة للتغير، عرضة للضعف، عرضة للسقوط لولا نعمة الله معه. فكم من إنسان بدأ بالروح وكمل بالجسد، كم من إنسان سما في الفضيلة ثم سقط من رتبته !! وعلى العكس كم من إنسان رفعه الله من المزبلة ليجلس مع رؤساء شعبه راجع مت (۱۹ :۳۰). ولكن الفريسي نسي في صلاته أنه إنسان!! يا للحسرة نسي أنه نفخة وتراب وبخار !! وضع الرب أمامنا هذا النموذج "اللهم أنا أشكرك أني لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشار أصوم مرتين في الأسبوع وأعشر كل ما أقتنيه" ترى هل تُسمي هذه صلاة ؟ إنه واقف أمام الله لا ليأخذ بل كأنه يُعطي !! إنه الشعور بتكميل الواجبات نحو الله. ماذا يريد الله مني بعد ذلك؟ ليس له عندي شيء !! إنه شعور مؤسف حقا كأن الإنسان يتفضل على الله. ما هي صلواتنا وما هي أصوامنا وما هي عشورنا في حد ذاتها ؟ هل الله محتاج إلى هذه كلها ؟ حاشا . هل الله معوز لعبادتنا ؟ ماذا لو لم يقدم إنسان كل هذه الأمور هل ينقص الله شيء ؟ إن الله هو مصدر النعم، وأصل كل بركة ومنه وله كل الأشياء نحن حينما نُصلي نأخذ من الله، وحينما نصوم نأخذ من الله، وحينما نُعطي نأخذ من الله. هو المنعم دائما المعطي بسخاء ، الكريم في التوزيع... "كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار، الذي ليس عنده تغيير ولا ظلُّ دَوَران" (یع ۱: ۱۷). مقارنة مغلوطة تلك المقارنة في كلمات الفريسي تحوي خداعًا قاتلاً قد يكون في كلام الفريسي شيء من الصدق أنه ليس مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة. والسؤال لماذا قاس نفسه بهذه العينات الساقطة من الناس ؟ لماذا لم يقارن نفسه بالقديسين والأبرار والشهداء الذين أحبوا الرب حتى الموت؟! لماذا لم يقارن صلواته بصلوات الأبرار التي تقتدر كثيرًا في فعلها كصلاة نحميا وعزرا ودانيال والثلاثة فتية القديسين في أتون النار ؟! لماذا لم يقارن صومه بأصوام الأبرار ؟ كموسى وإيليا اللذين صاما أربعين يومًا كاملة، ولا بصوم أستير بتذللها حتى استدرت مراحم الرب، ولا بصوم أهل نينوى الذين رفع الله غضبه عنهم ؟! ولكنه وضع أمامه أمثلة ضعيفة ساقطة منحرفة لكي يزكي ذاته. إنه يصوم مرتين كل أسبوع: وهكذا من جهة العطاء : إنه يعشر كل ما يقتنيه... ألم يكشف الرب عوار الفريسيين حين قال: "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع والشبت والكمون، وتركتم أثقل الناموس : الحق والرحمة والإيمان. كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك" (مت ۲۳ : ۲۳).تعشرون النعنع والبقول وتأكلون بيوت الأرامل، أيها الفريسي الأعمى تُصلي قائمًا في زوايا الشوارع لكي ينظرك الناس مزكى من الخارج وبواطنك مملوءة غش مثل قبر مبيض؟ ما أكره الرياء !. ما أحقرك أيتها الفريسية التي حجبت وجه الله فردت صلاة الفريسي الأعمى إلى حضنه وأرجعت كلماته إليه بعد أن أُغلقت السماء دونها !. القياس السلبي: القياس إلى أناس فاسدي الرأي وعادمي الذهن، والمقارنة بالمستويات الدون والسلوكيات البغيضة تؤله الذات وتجعل الإنسان بارًا في عيني نفسه، أليس هذا هو منطق كثيرين حين تبلغ إليهم كلمة الإنجيل منبهة. فيقول قائل: "أنا إنسان لا أؤذي أحدًا ولا أضر أحدًا ولا أضمر لإنسان شرا ولا أحلف ولا أشتم ولم أسرق ولم أزن وهكذا ببساطة شديدة يبرر الإنسان ذاته ويبدو كأنه غير ناقص وغير محتاج. أو قل أنه قد وصل إلى الكمال الروحي لقد وقع المسكين في الفخ وقاس نفسه بقياس مغلوط. إن قياسنا الصحيح هو ملء قامة المسيح. والسعي إلى أن نبلغ الذي من أجله قد أدركنا المسيح لعلنا نبلغ إلى قيامة الأموات والرب ترك لنا مثالاً لنقتفي آثار خطواته... فإن عرفنا هذا فلنخرج على آثار الغنم لكي لا تضل أقدامنا سبل الحياة ... لنخرج على آثار الآباء في الفضيلة والسعي وراء المسيح وإنكار الذات والحب الحقيقي والاتضاع الكامل "كونوا متمثلين بي ما أنا أيضًا بالمسيح" (۱کو ۱۱: ۱). ولا مثل هذا العشار يا ليتك كنت مثل هذا العشار الكنيسة وضعت في أفواهنا كلمات العشار نكررها كل يوم في الصلاة وصار منهج العشار في قرع صدره وتنكيس رأسه وخفض نظره في خوف ورعدة كثيرة صار كل هذا نموذجا رائعًا يُحتذى به في كنيسة الله!!. أما الفريسي فلم ير شيئًا في هذا العشار سوى خطايا منظره الخارجي. ألم يصر العشار "متى" واحدًا من الاثنى عشر رسولاً الأطهار تلاميذ الرب الذين صاروا أساسات سور أورشليم السمائية - ليتك يا أخي تبرأ من إطلاق لسانك بالجيد والرديء على الناس - العبرة بالنهايات دائما قال الرب للفريسيين: "العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله" (مت ۲۱: ۳۱). صلاة العشار : أما العشار فوقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء. قال أحد الآباء : إن صلاة العشار غلبت الله الذي لا يغلب لماذا وقف من بعيد. إنه شاعر أنه ليس له جرأة ولا جسارة ولا قدوم بسبب خطاياه. إنه يشعر في أعماقه ببعد المسافة بينه وبين الله القدوس لذلك وقف من بعيد أية خلطة للبر مع الأثم ؟ بأي استحقاق يقف أمام قدوس القديسين الساكن في النور الذي لا يُدنى منه؟ كيف يتقرب إليه إنسان خاطئ. هو ذات الشعور الذي سكن قلب المرأة الخاطئة فجاءت من وراء الرب عند قدميه باكية. الخوف والرعدة هما الإحساس الطبيعي للقلب المتضع عندما يتراءى أمام الله. إشعياء النبي اعتراه خوف عندما رأى السيد الرب جالسًا على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل فصرخ قائلاً: "فقلت: ويل لي! إني هلكت،لأني إنسان نجس الشفتين" (إش ٦ : ٥). ذات الشعور اجتاح قلب بطرس عند صيد السمك الكثير فطلب إلى الرب قائلاً : "اخرج من سفينتي يارب، لأني رجل خاطئ" (لوه: (٨). من يستطيع أن يقترب إلى غير المتقرب منه ... إن اجتراء الفريسي وجسارته مغشوشة ومكروهة لأن دافعها هو الكبرياء والثقة بالنفس. إنه بار ماذا يمنعه من الوقوف أمام الله ، لقد تطهر بغسلات خارجية وصار واثقا في نفسه أنه ليس ما يعيبه أو يخيفه فاجترأ بغير معرفة كما يدخل إلى النار الآكلة بغباوة وثقة في النفس فإنه في الحال يحترق، لأنه ماذا يكون الإنسان في مثل هذه المواجهة. أما العشار فقد عرف نفسه واثقا أنه خاطئ وضعيف وليس له أن يقف في الهيكل. ولكن احتياجه يدفعه وشعوره بالهلاك والضياع بعيدًا عن الله جعله يهرب إلى الله... إنه يتقدم بشعور المحتاج لا بشعور المستحق، لذلك وقف من بعيد كمن يتوسل ويستجدي . الدالة عند الله تكون قوية إذا كانت مصحوبة بالاتضاع لا بالكبرياء ... بالبر الحقيقي لا بتزييف البر وتصنع القداسة. لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء : هكذا كانت عيني العشار منكسرة في اتضاع عجيب، من الذي يرى هذا المنظر ولا يرق له !! إنه بوقفته هذه وعينيه الذابلتين قد استجلب المراحم الإلهية. صارت عيناه كعيني العبيد إلى أيدي مواليهم ومثل عيني الأمة إلى يدي سيدتها. يقول المرنم : "كذلك أعيننا نحو الرب إلهنا حتى يتراءف علينا"(مز ۱۲۳ : ۲)قال الرب لعروس النشيد حولي عني عينيك فإنهما قد غلبتاني" (نش ٦ : ٥)بل قرع صدره قائلاً: "اللهم ارحمني أنا الخاطئ" ما أن تسلمت الكنيسة من فم الرب هذا التعليم عن الصلاة حتى جعلته منهجًا للتوبة في كل مناسبة، فصار قرع الصدر والوقوف في خشوع وخفض النظر إلى أسفل... صار كل هذا يُسلم من جيل إلى جيل كتعبير صادق للتوبة والرجوع والإحساس بوجع الخطية وطلب المراحم.ففي صلاة الغروب نقول : فما أجسر أن أنظر نحو السماء لكني اتكل على غنى رحمتك ومحبتك للبشرية صارخا قائلاً : اللهم اغفر لي أنا الخاطئ وارحمني"، وكذا في صلاة النوم نقول : لكني اتخذ صورة العشار قارعًا صدري قائلاً : اللهم ارحمني أنا الخاطئ". هنا تضع الكنيسة حركات توبة العشار كأيقونة دائمة للوصول إلى وقفة صحيحة مقبولة. فأوضاع الجسد مقترنة مع خلجات النفس. فإن انسحقت النفس ولصقت بالتراب صار الجسد شريكا ومعبرا عن حركات التوبة. فدموع المرأة الخاطئة، وقبلاتها التي لم تكف على قدمي المخلص، وارتماء الابن الراجع عند قدمي أبيه، وسجود سمعان في سفينته، خرّ عند قدمي يسوع قائلاً: "اخرج من سفينتي يارب" (لوه: ۸)، إلى آخر هذه الأمور صادقة التعبيرصارت أساسا من أساسات العبادة المقبولة والمرضية لدى الرب إلهنا والكنيسة تضع أيضاً صلاة العشار في أفواهنا كل يوم لننال ذات التبرير إذا نطقناها بانسحاق العشار وشوقه للخلاص. ففي ذكصولوجية الصوم المقدس نستعرض عينات للتوبة والتذلل المقبول أمام الله والذين نالوا نعمة الخلاص بالصلاة المنسحقة مثل المرأة الخاطئة واللص اليمين وأهل نينوى. وفي مقدمة هؤلاء تجيء صلاة العشار فنقول: اجعلني مثل العشار الذي أخطأ إليك وتراءفت عليه وغفرت له خطاياه" وفي ختام الثيئوطوكيات الآدام نقول : "فإن العشار اخترته والزانية غفرت لها واللص اليمين يا سيدي ذكرته.وفي مديحة تقال في شهر كيهك على أبصالية يوم الأحد نقول: "أصرخ بصوت العشار وأنا بوجه مطاطئ... اللهماغفر لي الأوزار فإني عبد خاطئ". في القداس بل إن الكنيسة كلها وهي في قمة صلواتها في القداس تقف من الرب موقف العشار المغبوط في نهاية القداس بعد صلوات القسمة حين ينادي الشماس قائلاً: "احنوا رؤوسكم أمام الرب" أي قفوا مثل العشار الذي لم يشأ أن يرفع عينيه نحو السماء ، ويجاوبه الشعب قائلاً : أمامك يارب"، فيقول الشماس: "أنصتوا بخوف الله". وهنا يقرأ الكاهن التحليل ويطلب غفران للشعب الذين أحنوا رؤوسهم تحت يدك ارفعهم في السيرة وزينهم بالفضائل". وهنا ندرك أن الكنيسة ترجمت الإنجيل المكتوب إلى حياة وحولت حركات العشار إلى واقع في حياة أبنائها واستلهمت كلمات التوبة عينها لكي تبلغ بها إلى بر المسيح نزل إلى بيته مبررًا "ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء لأن من عرف فكر الرب؟ أو من صار له مشيرا" (رو ١١: ٣٣ - ٣٤). كما علت السموات عن الأرض هكذا علت طرق الرب. الفريسي في عين الناس ممدوح وممجد، معروف و مشهور بالتدقيق وحفظ الناموس ومميز بين الجميع، يشيرون إليه في كل مكان كإنسان بار ومتدين ملابسه تميزه، وشكله وتصرفاته الظاهرة. يُصلي قائمًا في زوايا الشوارع. يصوم معبسًا وجهه لكي ينظره الناس. يُعطي العشور بتدقيق بالغ حتى عيدان النعناع والشبت والكمون. وهكذا على العكس بحسب حكم الناس ونظرتهم يكون العشار ... مكروها مهانا من الجميع معروفًا بخطاياه وظلمه الخ.هذه هي أحكام الناس، بحسب المظهر الخارجي... فإن صلى الفريسي والحال هذا ، مدحه الناس على صلاته وقيامه وتدقيقه، وإن صلى العشار انتقده الناس وظنوا أنه لا يمكن أن يكون مقبولاً لدى الله. ولكن الرب يشهد في هذا المثل الصلاة العشار يقبلها ويتقبلها ويتنفسها رائحة رضى وسرور بينما يرفض صلاة الفريسي فيخرج من لدن الرب صفر اليدين خالي الوفاض.هكذا فاز اللص بالفردوس وهو في آخر لحظة يلفظ أنفاسه محكوما عليه من الناس كمذنب وفاعل شر، ولكنه صلى صلاة فقبلت وطلب من الرب المصلوب أن يذكره في ملكوته فكان أول الداخلين إلى الفردوس. وها المرأة الخاطئة محكوما عليها في المدينة كلها أنها خاطئة. صلت بدموع فسمعت دقات قلبها المحترق ونزلت من بيت الفريسي مغفورة الخطايا حاصلة على السلام. وها السامرية مشهورة في مدينتها أنها لها خمسة أزواج سابقين والذي معها الآن ليس رجلها. جلست مع الرب عند بئر سوخار فعادت مبررة تكرزبالمسيا مخلص العالم نزل العشار من الهيكل مبررًا من فم الرب، وإن كان في نظر الناس إنسانًا خاطئا، بينما نزل الفريسي راضيا واثقا في نفسه أنه بار وهو في نظر الرب مراء مرفوض. الذي سعى في إثر البر بطريقته الناموسية سقط. والذي طلب الغفران بنفس منسحقة استحق أن يتمتع بالبر وكمل قول الرب "من" يرفع نفسه يتضع ، ومن يضع نفسه يرتفع"(مت ۲۳ :۱۲) المتنيح القمص لوقا سيداروس عن كتاب تأملات في أناجيل عشية الآحاد
المزيد
17 أبريل 2021

إنجيل عشية الأحد السادس من الصوم الكبير(لو 13: 22– 35)

واجتاز في مدن وقرى يعلم ويسافر نحو أورشليم، فقال له واحد: "يا سيد، أقليل هم الذين يخلصون؟" فقال لهم "اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق، فإني أقول لكم: إن كثيرين سيطلبون أن يدخلوا ولا يقدرون.من بعد ما يكون رب البيت قد قام وأغلق الباب، وابتدأتم تقفون خارجًا وتقرعون الباب قائلين: يا رب، يارب! افتح لنا. يجيب، ويقول لكم: لا أعرفكم من أين أنتم!حينئذ تبتدئون تقولون: أكلنا قدامك وشربنا، وعلّمت في شوارعنا!فيقول: أقول لكم: لا أعرفكم من أين أنتم، تباعدوا عني يا جميع فاعلي الظلم! هناك يكون البكاء وصرير الأسنان، متى رأيتم إبراهيم وإسحق ويعقوب وجميع الأنبياء في ملكوت الله، وأنتم مطروحون خارجًا. ويأتون من المشارق ومن المغارب ومن الشمال والجنوب، ويتكئون في ملكوت الله. "و هوذا آخرون يكونون أولين، وأولين يكونون آخرين". في ذلك اليوم تقدم بعض الفريسيين قائلين له: "اخرج واذهب من ههنا، لأن هيرودس يريد أن يقتلك". فقال لهم: "امضوا وقولوا لهذا الثعلب "ها أنا أخرج شياطين، وأشفي اليوم وغدًا، وفي اليوم الثالث أكمل. بل ينبغي أن أسير اليوم وغدًا وما يليه، لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجًا عن أورشليم! يا أورشليم، يا أورشليم! يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا! هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا! والحق أقول لكم: إنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه: مبارك الآتي باسم الرب!". عشية أحد التناصير يتكلم إنجيل العشية عن الباب الضيق المؤدي للملكوت، فعندما سأله واحد قائلاً: "يا سيد، أقليل هم الذين يخلصون؟" رد الرب على السائل قائلاً للجميع: "اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق". وقال الرب: "إن كثيرين سيأتون بعدما يكون رب البيت قد أغلق الباب فلا يقدرون أن يدخلوا ولكنهم سيطرحون خارجًا حيث البكاء ورعدة الأسنان". ولكي يُفهم هذا الفصل من الإنجيل في ضوء المعمودية وأحد التناصير، نقول أن المعمودية هي باب الملكوت وهي المدخل لكل النعم والتنعم. بدون المعمودية لا دخول إلى داخل بل تظل النفس مطروحة خارجًا معذبة حيث البكاء لا ينفع وصرير الأسنان لا ينقطع. قال الرب لنيقوديموس: "الحق أقول لك إن لم يولد الإنسان من الماء والروح لن يرى ملكوت الله". وباب المعمودية باب ضيق للجسد، فالروح يشتهي ضد الجسد. وجميع الذين يريدون أن يعيشوا بحسب استحقاق معموديتهم يجدون الباب الضيق ملازمًا للحياة فيدخلون بشجاعة وبلا حساب لأتعاب الجسد. باب الجسد واسع للجسدانيين فهم يعيشون في طريق رحب بلا تضييق وبلا ضوابط وبلا قانون... كحيوانات طبيعية نهايتها الصيد والهلاك. أما الذين اختاروا الباب الضيق والطريق الكربة فهم يعلمون حقًا أن النهاية حياة أبدية... فمرحبًا بالأتعاب و الجهادات إن كانت النهاية حياة أبدية. الذين يدخلون من الباب الضيق، هم داخل الملكوت والملكوت يصير داخلهم أما البرانيين فهم خارجًا. ما هو داخل لا يمكن وصفه للذين هم خارجًا... أمور لا يسوغ لإنسان أن يتحدث عنها ولا يعرفها إلا الذي يأخذ. حينما يقول الرب لمختاريه: "ادخل إلى فرح سيدك"، يعلم من ذلك أن هذا الفرح يدخل إليه ولا يتمتع به إلا الذين في داخل. إذن لا يُدرك ملكوت الله بالكلام بل بالدخول إليه!!. نحن معمدون، وصار لنا بالمسيح الذي هو باب الخراف نعمة الدخول إلى الآب "أنا هو باب الخراف... إن دخل بي أحد". في المعمودية لبسنا المسيح أي دخلنا بالمسيح وفي المسيح. هذا الدخول ليس هو إيمانًا نظريًا يدرك بالعقل ولكنه حركة دخول من خارج إلى الداخل. من صلوات المعمودية المقدسة نقول على المعمد "الداخل من الظلمة إلى النور ومن الموت إلى الحياة ومن طريق الضلالة إلى معرفة الحق". فالمعمودية دخول من خارج حيث الظلمة إلى الداخل حيث النور لا يُدني منه. المعمودية باب مؤدٍ إلى طريق كربه موصلة إلى الملكوت. فالمعمودية ليست حجابًا ولا عاصمة من الخطايا. هي مدخل لكي نخرج إلى جدة الحياة ونسعى في الطريق الكربة حتى نكمل جهادنا فننال إكليلنا من يد المسيح "من يغلب... يأخذ". صارت معمودية شعب بني إسرائيل في القديم كمدخل لطريق الأربعين سنة، انتقلوا من العبودية القياسية إلى الحرية ومن السخرية في الطين (الجسد) إلى السير في نور وجه الله حيث الطعام النازل من السماء والماء النابع من الصخرة. لم تكن المعمودية نهاية بل بداية... بداية حرب مع عماليق من دور فدور، وبداية المسيرة مع الله واختبار عجائبه، وبداية مشوار الرحلة إلى كنعان. لذلك عندما نتأمل المعمودية كباب نقول: "ها قد دخلنا منذ طفولتنا كمدعوين للسير إلى الملكوت فهل نحن مجتهدون لإكمال المسيرة حتى الجهالة؟". المعمودية كباب هي البداية بالروح. فهل بعدما بدأنا بالروح هل نحن مازلنا نكمل بالروح؟. باب المعمودية في بداية مشوار الحياة يقابله بداية الملكوت حينما يدخل العريس العذارى الحكيمات من ذات الباب ويغلق الباب إلى الأبد حيث العريس السماوي غير الزمني. هذا الباب لما بلغت إليه العذارى الجاهلات وبدأن يقرعن الباب قائلات: "ربنا افتح لنا، فأجاب وقال الحق أقول لكن إني ما أعرفكن..." اسهروا إذن!!. فمن دخلن من الباب دخولاً روحيًا حقيقيًا وسعين بحسب قانون الملكوت عابدات بالجهد النهار والليل، وخازنات زيت الروح ليوم المجيء بالكد والتعب ومالئات الآنية مع المصابيح بوقود النور في الأعمال الحسنة وفي ملء الروح القدس وأعمال المحبة والرحمة... عندما تواجهن مع باب الملكوت وهن مستعدات دخلن إلى العرس بلا مانع. أما الجاهلات فرغم دخولهن من باب المعمودية كمدعوات إلا أن الظلمة غشيتهن ومصابيحهن انطفأت لعدم الزيت، فالروح القدس نضب كأنه غير موجود. ولم يبق سوى الجسد و الجسديات والشكل ومظهر العذارى. ولكن عوض الحكمة الروحية، فقد وصفن بالجاهلات غير المستعدات. ففي جهلهن نسين دعوتهن ونسين السعي للملكوت، وخزين زيت الروح ونسين لقاء العريس الذي خرجن لأجله... ويا للحسرة!. لذلك ننبه الذهن مرة أخرى لقول الرب: "اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق". فالأمر مرهون بإرادتنا وجهادنا... "كثيرون يدعون ولكن قليلين ينتخبون". الجهاد موضوع أمامنا كباب ضيق ندخله كل يوم وفي كل مناسبة. الباب الواسع مع كل إغراءاته معروض أيضًا بكثرة ووفرة في كل الميادين وكل المناسبات... اجتهد أن تختار الباب الضيق ولا تخس من الدخول فيه. الصلاة باب ضيق إذا ضيق إذا ما قورنت بأنواع التسالي والمسامرة والهرج والمزاح وأنواع المسرات العالمية. لأن وقت الصلاة لا نصيب لمسرات الجسد فيه. لذلك يعتبر باب ضيق يغصب الإنسان نفسه إليه كل حين حتى يخضع الجسد ويتعود عليه. العطاء يعتبر بابًا ضيقًا إذا ما قورن بالأخذ. فالطبيعة تحب الأخذ وتكره العطاء. فمن يدرب نفسه كل يوم للدخول إلى هذا الباب ناظرًا للملكوت يغصب نفسه على العطاء والعطاء حتى يلقى وجه المسيح فيجازيه علانية في ملكوته. وهكذا إنكار الذات باب ضيق إذا ما قورن بالكبرياء وتمجيد الذات. الاتضاع باب ضيق، القداسة والعفة باب ضيق. وعلى العموم جميع وصايا المسيح معتبرة هكذا وهي الطريق المؤدي إلى الملكوت، وطوبى للذين يسيرون فيه فإنهم أخيرًا يوضع لهم إكليل البر. ويدخلون مع رب البيت ويدخلون مع العريس حيث يغلق الباب ولا خروج إلى خارج إلى الأبد. المتنيح القمص لوقا سيداروس (عن كتاب "تأملات فى أناجيل عشيات الآحاد")
المزيد
10 أبريل 2021

إنجيل عشية الأحد الخامس من الصوم الكبير(لو 18: 1– 8)

وقال لهم أيضًا مثلاً في أنه ينبغي أن يُصلى كل حين ولا يمل. قائلاً: "كان في مدينة قاضٍ لا يخاف الله ولا يهاب إنسانًا. وكان في تلك المدينة أرملة. وكانت تأتي إليه قائلة: انصفني من خصمي!. وكان لا يشاء إلى زمان. ولكن بعد ذلك قال في نفسه: وإن كنت لا أخاف الله ولا أهاب إنسانًا، فإني لأجل أن هذه الأرملة تزعجني، أنصفها، لئلا تأتي دائمًا فتقمعني!". وقال الرب: "اسمعوا ما يقول قاضي الظلم. أفلا ينصف الله مختاريه. الصارخين إليه نهارًا وليلاً، وهو متمهل عليهم؟ أقول لكم: إنه ينصفهم سريعًا! ولكن متى جاء ابن الإنسان، ألعله يجد الإيمان على الأرض؟". إنجيل القداس : شفاء الرجل المريض الراقد 38 سنة بجوار بركة بيت حسدا. إنجيل العشية : قاضي الظلم عنصر الزمن بالنسبة للإنسان يساوي الشيء الكثير ولكن في تدبير المسيح لكل شيء تحت السماء وقت... وميعاد وموسم... فهو ينضج الثمار في حينها ويعطي كل شيء في حينه الحسن. فبعد 38 سنة أشرق المسيح على هذا المريض البائس شبه اليائس وقال له: "أتريد أن تبرأ". لما وجد بصيصًا من إرادة شفاه بعد طول انتظار... فكثيرًا ما يأتي المسيح في الهزيع الرابع... ولكن مجيئه يكون كإشراق النور بعد طول ظلام وظلمة. ويهتف الإنسان هل يوجد رجاء؟... هل ربنا مازال يسمع الصلاة؟... هل؟ وأسئلة كثيرة. ولكن بمثل قاضي الظلم يلقي الرب ضوءًا على أن الله مستعد دائمًا ومستجيب دائمًا وهو يعطي أكثر مما نسأل. ولكن قال عن قاضي الظلم لم يكن يشأ إلى زمن، ولكنه عاد فأنصفها وقضى حاجتها لأجل لجاجتها. قال الرب يسوع: "اسمعوا ما يقول قاضي الظلم... أفلا ينصف الله مختاريه الصارخين إليه نهارًا وليلاً وهو متمهل عليهم. نعم أقول لكم أنه ينصفهم سريعًا". والحق يقال إن المسيح تكلم عن النقيض ولكن مع هذا النقيض كشف لنا عن مكنونات أسرار الله وقلبه نحونا. فالقاضي الظالم لا يخاف الله ولا يهاب إنسانًا، التجأت إليه الأرملة فهل يقارن بالآب السماوي الحنون الذي نطرح أمامه توسلنا وهو كليّ الحب والحنان. والقاضي لا يربطه بالأرملة رباط ما. أما نحن فنلجأ إلى أبينا السماوي ونسكب توسلنا لديه بدالة البنين وثقة أعطاها لنا المسيح في شخصه. والقاضي ظالم لا يعرف العدل. أما ربنا فهو الحق والعدل ذاته وعدله رحيم ورحمته عادلة، لا يقرب إليه الظلم وليس عنده تغير أو شبه ظل يدور... ساكن في النور الذي لا يُدنى منه. والقاضي لا يشاء أن يسمع، أما مسرة ربنا ولذته في أن يسمع لنا فهو سامع الصلاة الذي إليه يأتي كل بشر. لم يعط القاضي الظالم المرأة الأرملة أذنًا صاغية بل كان كأنه لا يسمع ولا يرى... إلى أن ضج من لجاجتها، أما ربنا فهو يسمع حتى أنات القلوب ويقول: "من أجل شفاء المساكين وتنهد البائسين الآن أقوم يقول الرب أصنع الخلاص علانية"... فهو مصغ لتنهد البائسين!!. لكن الأمر كما شرح المسيح أن الله "متمهل". صراخ المساكين داخل إلى قدام رب الصباؤوت. و مختارو الله الذين يسبحونه النهار والليل ويسألونه يسمع تضرعهم ويخلصهم ولا يتغاضى عن طلبتهم. إما أن يتمهل عليهم فهذه حكمة عالية عن فهم البشر، وإدراكهم. ولكن الثابت عندنا أنه يتمهل لأجل خيرنا ومصلحتنا. تمهّل على إبراهيم أبي الآباء ولكن بالنهاية أعطاه النسل الموعود به الذي فيه تتبارك جميع قبائل الأرض. وكانت صلوات إبراهيم قد بلغت مسامع القدير منذ البدء، وحين قال له إبراهيم "ماذا تعطيني؟" قال له الرب: "لا تخف أنا ترس لك... أنا أجرك العظيم جدًا". وتمهل على حنة أم صموئيل وحين جاء الوقت أنعم عليها بصموئيل النبي الذي صار نبيًا للرب وهو بعد صبي صغير. وتمهل على زكريا و اليصابات ولكن في الوقت المعيّن أرسل له جبرائيل رئيس الملائكة قائلاً: "طلبتك سُمعت". فالطلبة تُسمع حين نرفع قلوبنا إلى فوق وفي حال سؤال الصلاة ندخل طلبتنا إلى القدير. ولكن يوجد ميعاد وميقات للتنفيذ وحين يحل الميعاد تكمل الطلبة. هذا ما يتوازى مع الـ 38 سنة التي ظل فيها هذا الإنسان راقدًا... وليس له إنسان وقد حطم المرض ليس أعضاء جسده فقط بل وحتى نفسه أيضًا. ولكن منتظري الرب يجدون قوة... ولا يخزى منتظروه. لذلك يجب أن نركز رجاءنا في المسيح. مع المسيح لا مكان لليأس، ومهما تأخر لكنه حتى في الهزيع الرابع يأتي... ومتى جاء ينحسر المرض وتهرب الأوجاع. فإن كان الرب يتمهل علينا... ولكن لنتمسك بالرجاء كمرساة مؤتمنة للنفس وثابتة. كيف نطلب وماذا نطلب؟ نطلب بإيمان... لنطلب أولاً ملكوت الله وبره... لنطلب بحسب مشيئته الله وإرادته. قال الرسول يعقوب: "تطلبون ولستم تأخذون لأنكم تطلبون رديًا"، وقال الرب: "إلى الآن لم تسألوا شيئًا باسمي... اطلبوا تأخذوا لكي يكون فرحكم كاملاً". وحين نطلب... نطلب بلا ملل... "صلوا ولا تملوا". ولتكن طلبتنا برجاء وثقة أنه مهما طلبنا ننال "كل ما تطلبونه في الصلاة آمنوا أنكم تنالونه". ونحن نطلب باسم يسوع متمسكين بوعوده "كل ما تسألونه من الآب باسمي يعطيكم إياه". ولسنا نطلب بحسب استحقاقنا ولكن من أجل احتياجنا وأمامنا هذه المرأة الأرملة وكيف نالت طلبتها. لذلك نطلب بلجاجة وبإلحاح عالمين أنه ليس لنا آخر سواء وأنه لا سبيل للحصول على النعمة التي تنقصنا سوى سؤال الصلاة والطلب والإلحاح... ونحن لا نكف عن الصلاة حتى نأخذ. لأننا نعرف أنه لا يتركنا نجرب فوق ما نحتمل بل يعطي مع التجربة المنفذ. المتنيح القمص لوقا سيداروس (عن كتاب "تأملات فى أناجيل عشيات الآحاد")
المزيد
13 نوفمبر 2020

اعرف حقيقة نفسك

«مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟» (1كو2: 11). + الناس يعرفون عنّا ما يرونه. وأحكام الناس فينا هي أحكام مبنيّة على ما نبدو عليه من الخارج. الشكل الخارجي قد يختلف كثيرًا عمّا هو بالداخل. فكلّ إنسان يعمل جاهدًا أن يَظهر بمظهر لائق، ويجاهد لكي يخفي ما لا يليق أو ما لا يَعجِب. والطامة الكبرى هي ضبط السلوك الخارجي بينما الداخل على غير ذلك. وقد كانت هذه عِلّة الكتبة والفريسيين والكهنة ومعلّمي الناموس. + كانوا عارفين الحقّ، وكان عندهم مفاتيح المعرفة. وقد قال الرب لهم بكلّ الأسف: «مَا دَخَلْتُمْ أَنْتُمْ، وَالدَّاخِلُونَ مَنَعْتُمُوهُمْ» (لو11: 52). وقد يبدو أنّ هذه الضربة لم ينجُ منها إنسان ولا سيّما المتديّنين. وقد بلغ الأمر أنْ قيل عنهم «لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى، وَلكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا» (2تي3: 5). ويجدر بالإنسان أن يراجع الويلات الثمانية التي قالها الرب للكتبة والفريسيين قديمًا (راجع مت23). وإن كان هؤلاء قد مضوا ومضى زمانهم.. فلنعتبر نحن لئلا يصيبنا ما أصابهم. اعرف حقيقة نفسك الأمر يحتاج إلى مَرّات ومَرّات يجلس فيها الإنسان منفردًا في هدوءٍ، ويبدأ يزيل كلّ ما هو غريب على طبيعته المخلوقة على صورة الله فى القداسة والحق. هذه الأيقونة البديعة شوّهتها الأيام، والمعرفة الكاذبة، ومعرفة أنواع الشرور، وممارسة الكثير منها.. طبقات طبقات من سنين جهل، وسلوك غير منضبط، وخِبرات شرور، وما علَق في الذّهن من مبادئ عالمية، أو أناس فاسدي الذّهن عادمي الحقّ.. إلى خُلطة أناس غير مقدّسين.. إلى انفتاح الذهن على طرق الشرّ والخبث والحقد وحُب النقمة. إلى ما صار مخزونًا في الذاكرة، من مناظر ومواقف تخدم الشرّ والشهوات.. إلى حُبّ المال، وحُبّ الظهور، وما هو سائد من أعراف العالم وحتميّاته الكاذبة.. إلى ما جُرِحَت به النفس جراء سقوطها في يد العدو وقبولها مشورات الخبث.. شيء مهول كَتَرَاكُم جبال. كم يحتاج إلى الخلود إلى الحق، لكي يكشف الإنسان عوار نفسه؛ ويحتاج إلى دموع توبة، وتبكيت وسهر وصلاة، حتى يصِل إلى حقيقة النفس التي تغرَّب عنها. لأنّه لما قبلنا بإرادتنا كلّ ما عُرِضَ علينا من أمور العالم، وزيف كلّ ما فيه، وتفاعَلنا عائشين بالأيام والسنين حسب أهواء الناس كباقي المجتمع.. صار فينا بذلك تراكُمات من عوائد وتصرّفات بعيدة عن طبيعتنا الجديدة المخلوقة في المعمودية. لذلك وَجَبَ علينا أن نعود إلى أصلنا. وإن كانت الحياة بعيدة عن أصلنا أفقدتنا كثيرًا من وعينا الروحي، وقدراتنا، بل وحُبّنا وتمتُّعنا بما هو روحي سماوي. ولكن قوة التوبة والرجوع تجعلنا نتحصّل على ما فُقد منا، بل بالحرى أكثر وأكثر، لأنّ لهيب الغيرة الروحية عند اكتشاف ما فُقد منا يدفعنا إلى جهادات وصراع وتصحيح وحزن، بل وبُكاء وغيرة متقدة.. قادرة بالنعمة أن ترد إلينا ما كان لنا بالأكثر كثيرًا. + خُذْ مثلاً.. إذا جلستَ إلى نفسك: بصلاة وهدوء، وتذكّرتَ أيام طفولتك الأولى.. كيف كان شكلك؟ كيف كان ذهنك وفكرك وقلبك.. وبساطة نفسك؟ كلّها نور، وكلّها خير، وكلّها بساطة واتضاع ونقاوة قلب وفكر وفرح.. كلّ هذا الخير وهذه الصورة القديمة التي في ذهنك هي حقيقة نفسك. فأين أنت منها الآن؟!! وهل من رجوع؟ وهل ممكن الرجوع إلى تلك الصورة بعينها؟!! ألستَ تعلم أنّ هذا هو قول الرب: «إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ» (مت18: 3). التوبة هي الرجوع إلى الأصل. والأصل فينا هو معموديّتنا المقدّسة. وولادتنا من الله من بطن الكنيسة، مخلوقين «مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى» (1بط1: 23). قد يندم الإنسان عندما يَضَع مقابله صورته الأولى، وما فيها من براءة الأطفال، وواقعه الحالي بكلّ ما فيه. ولكن هذا الندم لابد أن يكون الدافع الأول للرجوع. إذ أنّ الربّ لم يغلق الباب ولن يغلقه لأنّه قال: «مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا» (يو6: 37). بل بالعكس فالرب ذاته قال: أنا «وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ» (رؤ3: 20). إذن المفتاح من داخلك.. في يدك وفي مقدورك.. فلتفتحْ للرب باب قلبك. المتنيح القمص لوقا سيداروس
المزيد
27 مارس 2021

عشية الاحد الثالث من الصوم الكبيرمت 10:15-20

ثم دعا الجمع وقال لهم: "اسمعوا وافهموا. ليس ما يدخل الفم ينخس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان"،. حينئذ تقدم تلاميذه وقالوا له: "أتعلم أن الفريسين لما سمعوا القول نفروا؟ " فأجاب وقال: "كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يقلع. اتركوهم. هم عميان قادة عميان. وإن كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفرة". فأجاب بطرس وقال له: "فسر لنا هذا المثل". فقال يسوع: "هل أنتم أيضا حتى الآن غير فاهمين؟ ألا تفهمون بعد أن كل ما يدخل الفم يمضي إلى الجوف ويندفع إلى المخرج؟ وأما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر، وذاك ينجس الإنسان، لأن من القلب تخرج أفكار شريرة: قتل، زنى، فسق، سرقة، شهادة زور، تجديف. هذه هي التي تنجس الإنسان. وأما الأكل بأيد غير مغسولة فلا ينجس الإنسان". اختار الآباء معلمو الكنيسة هذا الفصل من الإنجيل ليقرأ فى عشية الأحد الثالث تمهيداً لإنجيل القداس.. فقد بكَّت الرب الكتبة والفريسين الذين داسوا الوصية "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ" (مت 15 : 4). وأبطلوها بفتوى أنه ممكن للإنسان أن يتبرع بقيمة ما يعطيه لأبيه يتبرع به للهيكل ويتحلل من أن يعول أبيه وأمه أو يكرمهما. وهكذا أعاد الرب – واضع الوصية - هيبتها ومفعولها الذى يجب أن يكون لها ككلمة الله. والواقع أن رباط البنوة والأبوة هو غاية قصد المسيح، فإما طاعة وخضوع للأب أو خروج عن الطاعة. على أن فهم هذه العلاقة فهماً صحيحاً والدخول إلى سرها تتوقف عليه الحياة كلها. فكل منا ابن لأبيه وقد مارسنا حياة البنوة وعشناها والذين صاروا أباء لأبناء أدركوا ما هى الأبوة. فمن جهة البنوة فكل إنسان مارسها نحو أبيه فيعرف ما عليه كإبن وكيف يرضى الأب. والعجيب جداً أن هذا الرباط لا يمكن وصفه بالكلام ولا باللسان. هل يستطيع أحد أن يعبر عما فى قلبه نحو أبيه أو يصف ما يربطه مع أبيه من مشاعر؟ يستحيل لأن الشعور الحقيقى للإبن أن أباه هو مصدر حياته، لقد أخذ حياته ووجوده فى العالم من أبيه، فهو الأصل. كلمة أب كلمة سريانية معناها أصل. فالإبن مرتبط بأبيه برباط حياة.. حياة من حياة. فهى ليست علاقة رئيس بمرؤوس، أوسيد وعبد، أو مدير وموظف، إنها صلة أب بإبن. لذلك ما يعمله الإبن الحكيم الخاضع لأبيه لا يعمله حباً فى أجر، حاشا، فالإبن يعمل مسرة أبيه ولا يطمع فى أجر أو ثواب لأن كل ما للأب له.. إنه إبنه. ولا يعمل إرادة أبيه خوفاً من عقاب.. فهذا شأن العبيد بل كل مسرة الإبن تكمن فى تكميل مشيئة أبيه وحفظ كلامه.. لا توجد راحة للإبن الفطِن إذا كسر كلمة أبيه أو خالف وصيته.. نفسه تصير فى حزن لا ترتاح حتى يكمل مشيئة أبيه. "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ»، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ" (أف 6 : 2). هكذا يطلب منا الرب نحو أباء أجسادنا.. فكم بالحرى أبوكم الذى فى السموات. لقد قالها الرب فى القديم: "إِنْ كُنْتُ أَنَا أَبًا... فَأَيْنَ هَيْبَتِي" (ملاخى 1 : 6) وصايا الآب ليست ثقيلة الأباء الخُطاة يعرفون أن يعطوا أولادهم عطايا جيدة.. فكم بالحرى الآب السماوى. لا يوجد أب فى الوجود يوصى أولاده وصايا تضر بمصلحتهم.. أو تؤذيهم أو تكون ثقيلة عليهم. إن كل وصايا الإنجيل.. هى كلمات الأب لأبنائه.. تحوى كل الحب وكل النصح للحياة.. كلها فى مصلحتنا وكلها لراحتنا وحفظنا. لا توجد وصية ثقيلة.. وصاياه ليست ثقيلة.. نير المسيح هيّن. هلم نأخذ الإنجيل بفهم.. إنه كلام الأب لإبنه.. من يرفض كلمة أبيه ووصاياه ويترك بيته لا يجنى سوى التعب والهم والضياع.. وحتى خرنوب الخنازير لا يجده. اكرم أباك بحفظ وصاياه. اكرم الرب من كل قلبك لأنه يعرف مكنونات قلبك + لا حياة ولا راحة ولا سلام لك بعيدأ عن حضن أبيك ولا شبع لنفسك بعيداً عن مائدة غنى المسيح. + الرجوع والتوبة معناها أن الإنسان عاد إلى طاعة أبيه بعد زمن جهالة وعصيان.. وعرف أن وصايا أبيه ليس كما ظن أنها قيود وعبودية. + إن عقوبة عدم إكرام الأب كانت الموت بدون رحمة "مَنْ شَتَمَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلاً" (خر 21 : 17). كانت ترجمه كل الجماعة إن كان إبناً معتنفاً لا يكرم أباه. فماذا نقول عن من يهين الآب السماوى ولا يكرمه فى حياته، بل يكسر وصاياه ويستهين بحبه ولا يعمل له حساباً فى حياته؟ ترى ماذا يكون لمن يحتقر حب الآب السماوى ويخرج على طاعته ويطلب أن يحيا لذاته فى كورة بعيدة.. وتحلو له حياة الخطايا.. + وماذا نقول عن الذين يكرمونه بشفتيه كقول اشعياء وقلبهم مبتعد عنه بعيداً. + وماذا عن الذين يحفظون كلام الناس ويعملون حساب للناس ولكنهم داسوا وصاياه.. ولكن على كل حال قلب الآب نحونا وحنانه الإلهى يغلب تجبرنا ويجذبنا من كل الكورة البعيدة. هو ينظر وينتظر رجوعنا، ففرحه برجوعنا لا يوصف.. عيناه ترقبان خطانا ونحن نقترب إليه.. وينتظر اللحظة التى فيها سيركض لاستقبالنا ويضمنا مرة أخرى إلى صدره ليشفى ارتدادنا.. ويخلع عنا ثوب نجاساتنا ليلبسنا الحلة الأولى.. فهل نرجع إليه؟ "لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ" (مت 15 : 11). كثيراً ما يقول البعض كلمة المسيح هذه عن الصوم ولكن لم يكن حديث الرب عن الصوم بل عن الأكل بأيدى غير مغسولة. وكان الفريسيون يعترضون أن تلاميذ الرب يأكلون دون أن يغسلوا أيديهم وهم بذلك يكسرون تقليد الشيوخ. فغار الكتبة والفريسيون على كسر تقليد الشيوخ بينما أصابتهم البلادة حينما كسرت وصايا الله. وهذا ما نفعله كثيراً حينما نغار على أشياء كثيرة أصبحت ذات اهتمام كبير فى حياتنا.. بينما لا نتحرك ساكناً حينما نكسر وصايا المسيح أو نتهاون.. لا نغار على الفضيلة بقدر غيرتنا على بعض عاداتنا أو تقاليدنا أو العرف السائد بين الناس. لتكن وصية المسيح هى الشغل الشاغل، وهى تأتى دائما قبل كل شئ وأول الأهتمامات.. ولكن حين تحيَّز الكتبة والفريسيون وتغصبوا للتقاليد التافهة أكثر مما انحازوا لوصايا الله أصابهم عمى القلب وفقدوا التمييز.. لذلك قال الرب عنهم "هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ" (مت 15 : 14). لقد أغمضوا عيونهم عن الحق وقادوا الناس بعيداً جداً حتى أسقطوهم فى حفرة الهلاك. (عن كتاب: تأملات فى أناجيل عشيات الآحاد) المتنيح القمص لوقا سيداروس (عن كتاب "تأملات فى أناجيل عشيات الآحاد")
المزيد
30 أكتوبر 2021

لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا ج1

1- «فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا أَنَّ آبَاءَنَا جَمِيعَهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ، وَجَمِيعَهُمُ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ» (1كو10: 1). 2- «وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، فَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا» (1كو12: 1). 3- «لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ» (1تس4: 13). 4- «فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا هذَا السِّرَّ، لِئَلاَّ تَكُونُوا عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ حُكَمَاءَ. أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا لإِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ» (رو11: 25). 5- «لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنَّنِي مِرَارًا كَثِيرَةً قَصَدْتُ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ، وَمُنِعْتُ حَتَّى الآنَ، لِيَكُونَ لِي ثَمَرٌ فِيكُمْ» (رو1: 13). أولاً: حذر القديس بولس الأخوة من الجهل بهذه الأمور الخمسة. وحذر أيضًا من نتائج هذا الجهل بهذه الأمور. فالواجب يحتم على كلّ إنسان مسيحي أن يكون على علم واستنارة، ويمحو الجهل بالتعليم والتبصُّر في هذه الأمور، ومن دراسة روحية جادة لكلمة الله وتقليد الآباء الذين علّمونا وسلّمونا. حذر القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، الأصحاح العاشر، من الجهل بالمكتوب في الكتب المقدسة في العهد القديم «لأنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ فَكُتِبَ كُتِبَ لأَجْلِ تَعْلِيمِنَا»، (رو15: 4)، وكذلك بطرس الرسول «لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ» (2بط1: 21). وكلّ الأحداث في كلّ الأزمنة ومعاملات الله، وتدبيره من أجل الخلاص، كلّ هذا متضمَّن في المكتوب. وكلّ مواعيد الله وكلّ رموز الخلاص وكلّ فكر الله تحويه الكتب المقدسة. فماذا إذا جَهَلَ الإنسان كلّ ذلك؟ يكون كأنه يُهمل الخلاص الذي تنبأ عنه الآباء والأنبياء، وكشفوا للمؤمن كنوز العهد القديم، وأسهبوا في التأمُّل في الأحداث والأشخاص مثل إبراهيم واسحق ويعقوب وداود.. وتركوا تراثهم الذي تعتزّ به الكنيسة، محفوظًا في خزائنها إلى يوم مجيء الربّ. فماذا إذا كان أحد يجهل كلّ هذا؟ ويكفي أن نقرأ مَطلَع الرسالة إلى أهل رومية: «بُولُسُ، عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْمَدْعُوُّ رَسُولاً، الْمُفْرَزُ لإِنْجِيلِ اللهِ، الَّذِي سَبَقَ فَوَعَدَ بِهِ بِأَنْبِيَائِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، عَنِ ابْنِهِ. الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ...» أو ما كتبه الإنجيليّون عن عمل الخلاص الذى صنعه الرب بتجسده وخدمته وصلبه وقيامته، وكيف كرروا القول «كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ... لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ فِي الأَنْبِيَاءِ». ليكن هذا الدرس نافعًا لحياتنا وخلاص أنفسنا. لذلك يجب أن ندرِس العهد القديم، ليس مجرد دراسة عقلانيّة، أو تحليل ودراسة شخصيات أو تاريخ أناس وأحداث. بل لاستلهام الروح وإدراك الكُتُب المقدّسة التي تُحَكِّم الإنسان للخلاص كقول الرسول. والعيّنة التى اختارها الرسول بولس في هذه الآيات، هي عمل الله العظيم في خلاص شعبه من العبوديّة القاسية في أرض مصر. فلما سلَّط القديس بولس نور وجه يسوع على القديم، لمع ببريق يخطف الأبصار. فلما أنار على الظلّ انكشف العمل الإلهي من وراء الدهور، فالسحابة التي ظلّلت على الشعب العابر البحر الأحمر، مع سور الماء من اليمين واليسار، كانت بمثابة المعمودية المقدسة التي فصَلت بين العبودية والحرية، وبين أرض الغربة وأرض الميعاد. جميعهم اعتمدوا لموسى. وجميعهم أكلوا طعامًا، هو المَنّ.. ولكن تحت نور وجه يسوع، عرفنا أنّ المَنّ كان طعامًا روحيًّا نازلاً من السماء.. وفي شخص المسيح يسوع تَجَسَّد المعنى الروحي في كماله المُطلَق، عندما قال الرب: «آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا... أنا هُوَ الْخُبْزُ (المن) النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ» (يو6: 48–51).. هو المن الحقيقي وخبز الحياة. «وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا... مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ» (1كو10: 4). بالطبع لم يدرك أحد هذا المعنى أو الحقّ المُخفَى في الظلّ، كما قيل «شِبْهَ السَّمَاوِيَّاتِ وَظِلَّهَا» (عب8: 5). ولكن عندما تكلّم القديس بالروح بحسب درايته بسِرّ المسيح، أنار التدبير الإلهي الذي يعجز البشر عن إدراكه. على هذا النحو قرأت الكنيسة العهد القديم، وسار آباء الكنيسة العظام: مثل القديس كيرلس الكبير، والقديس اثناسيوس الرسولى، وآباء البرية العظام: أنطونيوس ومكاريوس، ساروا على نفس الدرب. ثانيًا: أمّا من جهة الراقدين بالرب، فكان الأمر مختلِطًا على المؤمنين في البداية، وكانوا في احتياجٍ إلى المعرفة الحقيقيّة المستمَدَّة من الإيمان بالمسيح، فقد كانوا في لهفة الانتظار لمجيء المسيح الثاني، وظهوره المخوف والمملوء مجدًا، حتّى أنّهم كانوا يتوقّعونه كلّ يوم. وقد كتب لهم الرسول «أَنَّهُ لاَ يَأْتِي إِنْ لَمْ يَأْتِ الارْتِدَادُ أَوَّلاً» (2تس2: 3). وكانوا يتساءلون فيما بينهم: ماذا عن النفوس التي رقدَت في أيامهم قبل مجيء الرب؟ فأراد أن يوضح لهم حقيقة الأمر، لكي لا يحزنوا على الذين رقدوا في الرب، حُزن غير المؤمنين الذين ليس لهم رجاء القيامة. وهكذا شرح لهم أنهم أعضاء جسد المسيح، وهم الآن ينتظرون مجد ظهوره، وفي مجيئه الثاني سيُحضرهم الربّ معه، فهم وإن سبقونا ولكنهم في المسيح يحيون، وعلى رجاء القيامة رقدوا. ومن جهة القيامة، فإنّ قيامة ربنا يسوع من الأموات وكسرِهِ شوكة الموت، هي الركيزة التي نتمسّك بها. فإن كان المسيح قد قام من الأموات بقوّة واقتدار، فإنّ الراقدين في يسوع سيقومون بقيامته. وقد كَتَبَ القديس بولس لأهل رومية عن روح القيامة، الذي نُلناه قائلاً: «وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ» (8: 11). هكذا نبّه القديس بولس المؤمنين أن لا يجهلوا هذا الأمر. لأنّ بدون هذا الرجاء، يصير الإنسان في رعبة الموت وفقدان الأمل، ويَحسِب أنّ الموت هو النهاية الأسيفة، ويحزن ولا عزاء. (يُتّبَع) المتنيح القمص لوقا سيداروس
المزيد
09 ديسمبر 2023

إنجيل عشية الأحد الأول من شهر كيهك(مر ١٤: ٣ - ٩ )

وفيما هو في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص وهو مُتَكِيُّ، جاءَتِ امرأة معها قارورة طيــب نــاردين خالص كثير الثمن. فكسَرَتِ القارورة وسكَبَتَهُ عَلَى رَأسِهِ. وكانَ قَوْمُ مُغتاظين في أنفُسِهِمْ، فقالوا: لماذا كان تلف الطيب هذا ؟ لأنَّهُ كانَ يُمكِنُ أَنْ يُباع هذا بأكثرَ مِنْ ثلاثمئة دينار ويُعطَى للفُقَراءِ". وكانوا يؤنبوئها. أما يَسوعُ فقال : اتركوها! لماذا تُزعِجونها؟ قد عَمِلَـت بـي عَمَلاً حَسَنًا! الأنَّ الفُقَراءَ معكُمْ فِي كُلِّ حينٍ، وَمَتَى أَرَدْتُمْ تقدرون أن تعملوا بهم خَيرًا. وأما أنا فلستُ معكم في كُلِّ حينٍ، عَمِلَتْ مَا عِندَها. قد سبَقَتْ ودَهَنَـتْ بالطَّيبِ جَسَدي للتَّكفين. الحق أقولُ لكُم: حيثما يُكرَزْ بهذا الإنجيل في كُلِّ العَالَمِ، يُخبَرْ أَيضًا بما فَعَلَتَهُ هذه، تذكارًا لها ". المرأة التي سكبت الطيب:- أناجيل عشيات الآحاد في شهر كيهك وأناجيل باكر اختارها الآباء القديسون معلمو البيعة الذين وضعوا ترتيب القراءات في الكنيسة، اختاروا هذه الفصول كلها تتكلم عن المرأة تكريمًا للقديسة العذراء والدة الإله التي تطوبها الكنيسة في هذا الشهر المبارك، لأنها استحقت أن تحمل ابن الله الكلمة في بطنها تسعة شهور، واتحد ببشريتنا آخذا جسده الإلهي منها. إن كانت نساء كثيرات نلن كرامات لكن واحدة هي حمامتي كاملتي" كما يدعوها سفر النشيد، وحيدة أمها هي فليس من يشبهها في الأرض ولا في السماء. لأن عمل التجسد عمل فريد فائق على العقل والإدراك حتى فوق إدراك الملائكة. لأن من عرف فكر الرب. لذلك ارتفعت العذراء فوق الشاروبيم والسارافيم الذين يسترون وجوههم من بهاء عظمة مجد الله الذي سكن في أحشاء العذراء لما أخلى ذاته أخذا شكل العبد. المرأة التي سكبت الطيب على رأس المُخلّص في بيت سمعان الفريسي الأبرص كسرت القارورة بشجاعة نادرة بعمل حب جسور، لم تبق على شيء ولم تعمل حساب شيء وهى تسكب حبها القلبي مع الطيب. فلما تلامس الطيب الممتزج بمشاعر هذه المرأة الصادقة، لما تلامس مع جسد الوحيد صار للطيب رائحته الحقيقية وقيمته الحقيقية، التي هي ليست ثلاثمائة دينار بحسب تقييم الناس، ولكن الطيب الكائن على رأس المسيح النازل على الجبين إلى أسفل القدمين يمسح بمسحة الروح جسد المسيح الذي هو الكنيسة ويعطر رائحة البيعة إلى أبد الدهور.سكب الطيب على جسد المسيح عمل قلبي يحتاج إلى إخلاص في الحب وشجاعة في التنفيذ لا يعبأ بكلام الناس ولا بتقييم الناس إن ذما أو استحسانًا يكفي الإنسان ساكب الطيب أن يُرضي قلب الحبيب. يوجد كثيرون ينتقدون أعمال سكب الطيب ويقولون لماذا هذا الإتلاف؟ كان يمكن أن يُباع ويُعطى للمساكين ولكن المسيح ينتهرهم لأنه فاحص القلوب وعارف الأسرار جمع الطيب وتخزينه فن أتقنه القديسون في كل زمان جمعوه مثل الرحيق على مدى السنين بالصبر والاحتمال والسهر الكثير حتى امتلأت قاروراتهم إلى الكمال، وهناك وجدوا الحبيب على مشارف الجلجثة فسكبوا طيبهم مع عصارة قلوبهم حبًا وعرفانا بالجميل، فقبل الرب عملهم وطوبه وصار يكرز به حيثما يكرز بالإنجيل. كنيستنا المجيدة امتلأت بساكبي الطيب وبرائحته الذكية على مدى القرون. ففرق الشهداء سكبوا دمهم وعذاباتهم تشهد أنهم كسروا قارورة الحب فسال دمهم برائحة ذكية عطرت السماوات والأرض بحب لا يوصف للذي ذُبح لأجلهم.وفرق النساك ملايين الشباب سكبوا شبابهم وقوتهم ففاح عطر طيب نسكهم وأصوامهم وأعمال العبادة والسهر الكثير ورفض كل ما في العالم وصلب الجسد مع الأهواء. والذين حملوا صليب المسيح في كل جيل ومن كل فئات المؤمنين وحفظوا وصاياه وأحبوه وعبدوه وكرّموا اسمه فوق كل اسم هؤلاء ملأوا الكنيسة من رائحة الطيب. طيب العذراء القديسة مريم هو طهارتها وبتوليتها المقدسة رائحة بخور العطر الذي في مجمرة هارون رئيس الكهنة، ارتفع عطر بخورها إلى عنان السماء أفضل من البخور المرتفع من مجامر الأربعة وعشرين خارج لأن جميع الفضائل المتفرقة في القديسين اجتمعت فيها.فإن كانت المرأة التي سكبت الطيب على رأس المخلص صار يُكرز ويُخبر بما فعلته تذكارًا لها. فما فعلته الأم القديسة العذراء كل حين صار آية تعجب لها السموات كما رآها يوحنا حبيبها وابنها بعد الصلب. رآها في رؤياه امرأة مشتملة بالشمس والقمر تحت رجليها وقال عنها: "آية عظيمة في السماء". فهى آية السمائيين إلى دهر الدهور وإلى أبد الآبدين.فهى لم تقدم قارورة طيب بل قدمت للرب نفسها وروحها وجسدها بكمال لم يبلغه أحد من البشر ولن يبلغه، فطوباها ثم طوباها من جميع الأجيال وهى مطوبة من جميع أبنائها لأنها صارت أم المسيح البكر بين الإخوة الكثيرين.قسيسا .اشتم الرب رائحة رضى فارتاح أن يسكن في أحشائها، هي دائمة البتولية ومصفحة بالذهب الخالص من داخل ومن خارج لأن جميع الفضائل المتفرقة في القديسين اجتمعت فيها.فإن كانت المرأة التي سكبت الطيب على رأس المخلص صار يُكرز ويُخبر بما فعلته تذكارًا لها. فما فعلته الأم القديسة العذراء كل حين صار آية تعجب لها السموات كما رآها يوحنا حبيبها وابنها بعد الصلب. رآها في رؤياه امرأة مشتملة بالشمس والقمر تحت رجليها وقال عنها: "آية عظيمة في السماء". فهى آية السمائيين إلى دهر الدهور وإلى أبد الآبدين.فهى لم تقدم قارورة طيب بل قدمت للرب نفسها وروحها وجسدها بكمال لم يبلغه أحد من البشر ولن يبلغه، فطوباها ثم طوباها من جميع الأجيال وهى مطوبة من جميع أبنائها لأنها صارت أم المسيح البكر بين الإخوة الكثيرين. المتنيح القمص لوقا سيدراوس عن كتاب تأملات فى أناجيل عشيات الأحاد
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل