المقالات

18 أبريل 2020

الأختام والتوثيق على القبر

إن محاولة اليهود مقاومة تحقيق قول السيد المسيح عن قيامته في اليوم الثالث قد أدت إلى توثيق القيامة بأختام الدولة الرومانية لأن الوالي بيلاطس قال لليهود عندكم أختام وحراس فافعلوا ما تريدون فذهبوا وختموا القبر بالأختام الخاصة بالدولة، ووضعوا الحراس وبهذا تم عمل محضر بالأختام وبوضع الحراس وتم توثيق القيامة لأن القبر الفارغ في بداية اليوم الثالث كان برهانًا قويًا على قيامة الرب بالرغم من الحجر والأختام والحراس لقد ختم اليهود على جسد الرب في يوم السبت، وتصوّروا بذلك أنهم قد تخلّصوا منه معطين إياه راحة إجبارية (على النظام اليهودي)..!!ولكن الرب قد ختم على كنيسته في يوم أحد العنصرة (في يوم الخمسين) بختم الروح القدس. مثلما قام في أحد السبوت أي في يوم الأحد معلنًا أن الحياة الجديدة والراحة الحقيقية هي في أول الأسبوع الجديد أي في يوم الأحد إن أول الأسبوع الجديد هو اليوم الثامن الذي يقع خارج الأسبوع القديم وهو إشارة إلى الحياة الجديدة وإلى الحياة الأبدية التي تقع خارج هذا الزمان الحاضرلقد تم توثيق ميلاد السيد المسيح في بيت لحم بالاكتتاب الأول الذي صدر به أمر من أوغسطس قيصر وجرى إذ كان كيرينيوس والي سوريا (انظر لو2: 2) وتم توثيق موت السيد المسيح بحكم الإعدام صلبًا الذي أصدره الوالي الروماني بيلاطس ممثل قيصر روما في أورشليم في ذلك الحين،ولابد أن توثق أحكام الإعدام عند الوالي وتم توثيق قيامة السيد المسيح بمحضر ختم القبر الذي طلبه اليهود وأصدر الوالي الروماني أمرًا بتنفيذه وبوضع الحراس إلى اليوم الثالث وذلك بعد أن تأكد من جنوده عن موت السيد المسيح بعد أن طعنه جندي بالحربة حقًا لقد ولد السيد المسيح وصلب ومات وقبر وقام من الأموات في اليوم الثالث. نيافة الحبر الجليل المتنيح الانبا بيشوى مطران دمياط ورئيس دير الشهيدة دميانة عن كتاب المسيح مشتهي الأجيال منظور أرثوذكسي
المزيد
25 نوفمبر 2019

التناول من جسد الرب ودمه

يتساءل البعض هل عندما نتناول جسد الرب يسوع المسيح المتحد بلاهوته تحت أعراض الخبز فنحن نمضغ اللاهوت؟ وهل عندما نشرب دم الرب يسوع المسيح المتحد بلاهوته تحت أعراض الخمر الممتزج بالماء فنحن نشرب اللاهوت؟وللإجابة على ذلك نقول أن يد السيد المسيح في جسده المصلوب على الصليب والمتحد بلاهوته عندما دقوا فيها المسمار فإن المسمار خرق يده المتحد باللاهوت ولكنه لم يخرق اللاهوت. وآلام جسده عمومًا المتحد باللاهوت في ذبيحة الصليب لم تقع على اللاهوت لأن اللاهوت غير قابل للألم. والكنيسة في القرون الأولى حرمت بدعة مؤلّمي اللاهوت (ثيئوباسخايتس).واللاهوت حاضر في كل مكان ولا ينتقل من مكان إلى آخر لذلك عندما نذكر صعود السيد المسيح بجسده الممجد القائم من الأموات نقول في القداس الإلهي (الغريغوري) [وعند صعودك إلى السماوات جسديًا وأنت مالئ الكل بلاهوتك]. نقول عن صعوده جسديًا؛ وجسده متحد بلاهوته ولكن لاهوته لا يصعد من الأرض إلى السماء بل هو في الأرض وفي السماء في آنٍ واحد. وعندما كان موجودًا بجسده المتحد باللاهوت على الأرض، كان في نفس الوقت في حضن الآب بلاهوته كقول إنجيل القديس يوحنا الرسول عن السيد المسيح وصعوده بالجسد «الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ» (يو1: 18). وقول القديس أثناسيوس الرسولي: [وحضن الآب لا يخلو أبدًا من الابن بحسب ألوهيته] (مجموعة آباء ما قبل وما بعد نيقية، السلسلة الثانية، المجلد الرابع صفحة 85 طبعة سبتمبر 1978 الإنجليزية).إذًا ففي التناول نحن نمضغ الجسد المتحد باللاهوت ولكن لا نمضغ اللاهوت الذي لا يتجزأ بالمضغ. ونحن نشرب الدم المتحد باللاهوت ولكن اللاهوت لا ينتقل من الفم إلى البلعوم ثم إلى المرّيء لأنه كائن في كل مكان. وباتحادنا بجسد الرب الحقيقي وبدمه الحقيقي نتحد بالحياة الأبدية حسب وعده الصادق «مَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي» (يو6: 57). وأيضًا قوله «إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ» (يو6: 53). وقوله «لأَنَّ خُبْزَ اللَّهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ» (يو6: 33)، «وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ» (يو6: 51). وفي وعده المقدس قال السيد المسيح «مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ» (يو6: 56)، «مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ. لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌّ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ» (يو6: 54-55). أي أن جسده هو مأكل حقيقي ودمه هو مشرب حقيقي. وكما هو وسيلة للثبات في المسيح فإنه يمنح الحياة الأبدية لأنه يمنح استحقاق القيامة في اليوم الأخير. فالاتحاد بالمسيح في التناول هو اتحاد بالحياة الأبدية لأنه هو "ينبوع الحياة" بالنسبة لنا. لذلك نقول في قطع صلاة النوم في الأجبية عن السيدة العذراء مريم أنها [أم قادرة رحيمة معينة والدة ينبوع الحياة ملكي وإلهي يسوع المسيح رجائي] (القطعة الثالثة). نيافة الحبر الجليل المتنيح الأنبا بيشوى مطران دمياط وكفر الشيخ ورئيس دير السيدة العفيفة دميانة بلقاس
المزيد
18 نوفمبر 2019

عمل الله

عمل الله ينبغي أن نفهم أنه يفوق توقع البشر. لذلك قال إشعياء النبي «مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟» (إش53: 1). وتكلم بعد ذلك مباشرة عن تقديم السيد المسيح نفسه كذبيحة عن خلاص العالم وقال «كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ» (إش53: 7). وقال «إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ» (إش53: 10). وقال أيضاً إنه «حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ» (إش53: 12). إنها أنشودة الخلاص تغنّى بها إشعياء النبي وهو يقول عن المسيح الفادي المخلص «مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا» (إش53: 5).لذلك بدأ كلامه بقوله «مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟». وفى نفس الاتجاه كتب معلمنا بولس الرسول إلى أهل أفسس عن عمل الله «الْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ أَكْثَرَ جِدّاً مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا» (أف3: 20).ما أجمل هذه الكلمات أن الله يعمل «أَكْثَرَ جِدّاً مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ». فنحن نطلب ونصلي ونتصور أن يعمل الله ويستجيب. ولكن الحقيقة أنه يستجيب بما يفوق ما نطلبه، وبما يفوق ما نفتكر فيه بمراحل.لذلك بدأ بولس الرسول كلامه هذا بقوله «بِسَبَبِ هَذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ. لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ، لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ، وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ، وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ» (أف3: 14-19).عمل الله أيضاً قال عنه موسى النبي لشعب إسرائيل عندما تعقبهم فرعون بجيشه ومركباته «لاَ تَخَافُوا. قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ الَّذِي يَصْنَعُهُ لَكُمُ الْيَوْمَ... الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ» (خر14: 13 و14).وقال الرب لموسى «ارْفَعْ أَنْتَ عَصَاكَ وَمُدَّ يَدَكَ عَلَى الْبَحْرِ وَشُقَّهُ فَيَدْخُلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ عَلَى الْيَابِسَةِ. وَهَا أَنَا أُشَدِّدُ قُلُوبَ الْمِصْرِيِّينَ حَتَّى يَدْخُلُوا وَرَاءَهُمْ فَأَتَمَجَّدُ بِفِرْعَوْنَ وَكُلِّ جَيْشِهِ بِمَرْكَبَاتِهِ وَفُرْسَانِهِ» (خر14: 16 و 17).من يتصور أن شعبًا أعزل في البرية يهزم جيشًا مُسلَّحًا بمركباته وفرسانه. ومن يتصور أن يعبروا البحر الأحمر إلى برية سيناء بدون أيّة وسيلة للعبور. وحدث ذلك إذ «مَدَّ مُوسَى يَدَهُ عَلَى الْبَحْرِ فَأَجْرَى الرَّبُّ الْبَحْرَ بِرِيحٍ شَرْقِيَّةٍ شَدِيدَةٍ كُلَّ اللَّيْلِ وَجَعَلَ الْبَحْرَ يَابِسَةً وَانْشَقَّ الْمَاءُ. فَدَخَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ عَلَى الْيَابِسَةِ وَالْمَاءُ سُورٌ لَهُمْ عَنْ يَمِينِهِمْ وَعَنْ يَسَارِهِمْ» (خر14: 21، 23).إن هذا يذكرنا بالشعر الذى كتبه مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث عن الكنيسة القبطية إذ خاطبها قائلاً:اسألي عهد المعز فهو بالخبرةِ يعلمْاسأليه كيف بالإيمان حرّكتِ المقطمْ جبلٌ قد هُزَّ منكِ وإذا شئتِ تحطمْ نيافة الحبر الجليل المتنيح الأنبا بيشوى مطران دمياط وكفر الشيخ ورئيس دير السيدة العفيفة دميانة بلقاس
المزيد
04 نوفمبر 2019

فلسَي الأرملة

إنها قصة عجيبة حدثت فى وجود الرب يسوع فى الهيكل: "جاءت أرملة فقيرة وألقت فلسين قيمتهما ربع. فدعا تلاميذه وقال لهم: الحق أقول لكم: إن هذه الأرملة الفقيرة قد ألقت أكثر من جميع الذين ألقوا فى الخزانة. لأن الجميع من فضلتهم ألقوا، وأما هذه فمن أعوازها ألقت كل ما عندها، كل معيشتها" (مر12 42- 44) والأسئلة التى قد تتبادر إلى الذهن عند قراءة هذه الواقعة المؤثرة هى كما يلى أولاً: كيف تتبرع أرملة فقيرة فى خزانة بيت الرب وهى تحتاج إلى مساعدة؟ ثانياً: كيف تتبرع بكل ما عندها، كل معيشتها. مع أن الناموس طالبها بالعشور فقط؟! ثالثاً: لماذا سمح السيد المسيح لهذه الأرملة أن تفعل ذلك، ثم تخرج وليس معها ما تقتات به وهى أرملة فقيرة؟! رابعاً: لماذا لم يأمر تلاميذه بمنحها مبلغاً من المال لمساعدتها بعد أن صارت لا تملك شيئاً بل "ألقت كل ما عندها، كل معيشتها" (مر12: 44)؟ إن القصة قد بدأت هكذا "جلس يسوع تجاه الخزانة ونظر كيف يلقى الجمع نحاساً فى الخزانة. وكان أغنياء كثيرون يلقون كثيراً فجاءت أرملة فقيرة وألقت فلسين قيمتهما ربع" (مر12: 41، 42)أراد السيد المسيح أن يلقن تلاميذه درساً فى العطاء، وأن يعطيهم فكرة عن مقاييسه التى تختلف عن مقاييس عامة البشرأراد أن يفهموا أن قيمة عمل الإنسان فى نظره لا تتوقف على حجم هذا العمل، ولكن على المشاعر والدوافع التى تقترن به، وأن كل فضيلة تخلو من الحب والاتضاع لا تحسب فضيلة عند الله لاشك أن هذه الأرملة قد امتلأ قلبها بمحبة الله ولهذا أعطت كل ما عندها، كل معيشتها. وبالفعل عاشت الوصية التى تقول "تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك" (مت22: 37)وفى تواضعها لم تخجل من أن تضع قدر ضئيل جداً من المال فى وسط الأغنياء الذين يملكون الكثير ووضعوا نقوداً كثيرة. لقد عرضت نفسها لسخرية واحتقار الآخرين، ولكن دافع الحب عندها جعلها تقدم أقصى ما عندها حتى ولو بدا ضئيلاً فى أعين الآخرين لقد عاشت هذه المرأة الوصية بغض النظر عن حالتها الشخصية فبالرغم من فقرها الشديد إلا أنها أرادت أن تنال بركة العطاء وتقديم العشور. ولكن ماذا تكون عشورها؟!.. ربما لا توجد عملة متاحة من النقود تساوى عشر الفلسين. وحتى لو وُجدت فإنها أرادت أن تقدم تكريماً لرب الجنود يتخطى الحد الأدنى للعطاء وهو العشور.. لذلك "ألقت كل ما عندها، كل معيشتها" (مر12: 44)، ولسان حالها يقول {اقبل يا رب تقدمتى المتواضعة التى لا تليق بجلالك.. ولكن هذا هو كل ما عندى}0 موقف السيد المسيح كان عطاء هذه المرأة عظيماً جداً فى عينى الرب لذلك لم يعترضها ولم يمنعها ولم يجرح مشاعرها بأن يمنحها صدقة فى ذلك التوقيت بالذات كانت الملائكة تسبح بتسابيح البركة وكان المشهد عظيماً إهتزت له أعتاب السماء على مثال سلم يعقوب حاضراً بملائكته الأطهار صاعدين ونازلين وسجّل الإنجيل المقدس هذا المشهد العجيب ليكون عبرة للكنيسة فى جميع الأجيال إنها أنشودة حب ابتهج لها قلب السيد المسيح وأراد أن يلفت أنظار تلاميذه ليقفوا مبهورين أمام هذا المشهد العظيم الذى كان حضوره فيه هو مصدر جلاله وعظمته وخرجت الأرملة الفقيرة بكل وقار القداسة، محاطة بجماهير الملائكة الذين اجتذبهم حب هذه المرأة وتواضعها إن هذه الأرملة الفقيرة التى كانت غنية بمحبتها وتواضعها هى رمز للكنيسة التى ترملت بعد خروجها من الفردوس وقال لها الرب بفم اشعياء النبى "لا تخافى لأنك لا تخزين. ولا تخجلى لأنك لا تستحين. فإنك تنسين خزى صباك وعار ترملك لا تذكرينه بعد. لأن بعلك هو صانعك رب الحنود اسمه ووليك قدوس إسرائيل إله كل الأرض يُدعى. لأنه كإمرأة مهجورة ومحزونة الروح دعاك الرب، وكزوجة الصبا إذا رذلت قال إلهك. لحيظة تركتك وبمراحم عظيمة سأجمعك. بفيضان الغضب حجبت وجهى عنك لحظة، وبإحسان أبدى سأرحمك قال وليّك الرب.." (أش54: 4-8) لاشك أن الرب قد أحسن كثيراً إلى هذه المرأة الأرملة الفقيرة بعد خروجها من الهيكل وتولاها بعنايته بعد أن قدّمت له كل ما عندها.. كل معيشتها وهكذا أيضاً الكنيسة من خلال القديسة مريم العذراء قد قدّمت كل ما عندها بكل الحب والاتضاع جسداً وروحاً إنسانياً عاقلاً إتخذه الرب ناسوتاً كاملاً من العذراء مريم ليدخل به مع البشرية فى عهد جديد. وكان هذا الجسد والروح الإنسانى اللذين إتخذهما الرب هو ما يرمز إليه فلسَي الأرملة اللذان لهما أعظم قيمة فى عينى الرب "ألقت أكثر من جميع الذين ألقوا فى الخزانة" (مر12: 43) وهكذا نسمع الرب يقول هذه الأنشودة الشعرية بفم اشعياء النبى "أيتها الذليلة المضطربة غير المتعزية: هأنذا أبنى بالإثمد حجارتك وبالياقوت الأزرق أؤسسك وأجعل شُرفك ياقوتاً وأبوابك حجارة بهرمانية وكل تخومك حجارة كريمة وكل بنيك تلاميذ الرب وسلام بنيك كثيراً" (أش54: 11- 13) بعد ميلاد الرب البتولى من العذراء مريم بفعل الروح القدس، صار السيد المسيح هو كل ما عندها، كل معيشتها. وليس للعذراء مريم فقط بل للكنيسة كلها كان السيد المسيح هو كل ما عندها، كل معيشتها كما نقول فى أوشية الإنجيل {لأنك أنت هو حياتنا كلنا}وجاء يوم الفداء وقدّمت العذراء مريم راضية على الصليب ابنها الوحيد ناسوتياً، وقدّمت الكنيسة كل ما عندها، كل معيشتها فى خزانة الرب.. وقبل الآب تقدمة البشرية إليه، التى هى نفسها عطية الآب للبشرية.. وكانت أعظم تقدمة.. وكان سلم يعقوب.. وكان رضى الآب نيافة الحبر الجليل المتنيح الأنبا بيشوى مطران دمياط وكفر الشيخ ورئيس دير السيدة العفيفة دميانة بلقاس
المزيد
28 أكتوبر 2019

«بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ» (لو21: 19)

قال السيد المسيح لتلاميذه: «بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ» (لو21: 19). وقال معلمنا يعقوب الرسول: «وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ» (يع1: 4)، وقال أيضًا: «هَا نَحْنُ نُطَّوِبُ الصَّابِرِينَ. قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ. لأَنَّ الرَّبَّ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَرَؤُوفٌ» (يع 5: 11). ويقول معلمنا بولس الرسول: «لْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا» (عب12: 1)، ويقول إن المحبة «تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (1كو13: 7). وفي سفر الرؤيا يقول «هُنَا صَبْرُ الْقِدِّيسِينَ. هُنَا الَّذِينَ يَحْفَظُونَ وَصَايَا اللهِ وَإِيمَانَ يَسُوعَ» (رؤ14: 12).إن الصبر يحتاج إلى إيمان بعمل الله، والصبر يعطي فرصة للرب أن يعمل «أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا» (أف3: 20). والصبر في التعامل يمنع تصعيد المشاكل، وكذلك يعطي فرصة للطرف الآخر لمراجعة النفس. وعلينا أن نصبر على احتمال الآلام والتجارب ومحاربات الشياطين.التجارب نوعان: النوع الأول هو الآلام والضيقات التي يسمح الله بها لإختبار محبة القديسين، والنوع الثاني هو الخطايا التي نطلب في الصلاة الربانية ونقول «وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ» (مت6: 13). الآلام نحتملها بصبر أما التجارب الشريرة فنرفضها ونحارب فيها طالبين معونة الله لكي يتمجد الله باقتنائنا حياة القداسة كقول معلمنا بطرس الرسول «هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ. وَلِهَذَا عَيْنِهِ وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى، وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً» (2بط1: 4-7)، ويكمل «لِذَلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ. لأَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَنْ تَزِلُّوا أَبَدًا. لأَنَّهُ هَكَذَا يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ» (2بط1: 10، 11).الصبر يلزم في احتمال الآلام والصعاب التي تُختبَر بها محبتنا للرب وتُختبًر ثقتنا في الجزاء الأخروي.الشيطان يشتكي ضد القديسين أمام الرب مثلما قال: «هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟» (أي1: 9). والسؤال هنا هل نحن نعبد الله لأنه يغمرنا بالخيرات أم لأننا نحبه ونعترف بفضله لأنه هو الذي أعطانا نعمة الوجود كما أنه وفَّي دين الخطايا التي علينا بدم الصليب؟هل نعرف قيمة الوجود مع الله في شركة الحب؟ ومعروف طبعًا أن المحبة تُختبر بالألم. والمسيح نفسه أعطانا مثالًا لمحبته لنا بالآلام التي احتملها من أجل خلاصنا. إذا كان المسيح هو رأس الكنيسة والكنيسة هي جسده الاعتباري فلا يمكن أن نتصور جسدًا متنعمًا تحت رأس مكلل بالشوك! ولكن معلمنا بولس الرسول قال: «أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا» (رو8: 18). وقال أيضًا: «كَمَا تَكْثُرُ آلاَمُ الْمَسِيحِ فِينَا، كَذَلِكَ بِالْمَسِيحِ تَكْثُرُ تَعْزِيَتُنَا أَيْضًا» (2كو1: 5). ولكن من جانب آخر توجد تعزيات للصابرين حتى في وسط آلامهم. كشهداء صاحبت آلامهم معجزات ورؤى وإعلانات سمائية فلم ينهزموا أمام نيران التعذيب، بل صاحبت شهادتهم معجزات شفاء باهرة جذبت الكثيرين إلى إعلان إيمانهم بإله هؤلاء الشهداء. هناك فرق شاسع بين أفراح العالم وتعزيات الروح القدس. وقال السيد المسيح لتلاميذه: «إنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ. أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ وَلَكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ» (يو16: 20). نيافة الحبر الجليل المتنيح الأنبا بيشوى مطران دمياط وكفر الشيخ ورئيس دير السيدة العفيفة دميانة بلقاس
المزيد
21 أكتوبر 2019

أنتَ عَلِمْتَ سُبُلِي (مز141: 4 )

ربما يسعى الإنسان ويجاهد لكي يطلب الله ولكن المحاربات الشيطانية تلاحقه، مثل إنسان ترك العالم وترك مباهج الدنيا وذهب للدير للرهبنة، ويجد الشيطان يقف له بالمرصاد ليكدّر حياته ليلًا ونهارًا في حرب مستمرة، فيجد في كلمات المزامير تعزيه له ويقول للرب: «أنتَ عَلِمْتَ سُبُلِي» (مز141: 4). أنت تعرف يا رب لماذا أتيتُ إلى هذا المكان، أليس لكي أحيا معك؟ وأنت قلت في القديم مخاطبًا الأمة اليهودية: "قَدْ ذَكَر«تُ لَكِ غَيْرَةَ صِبَاكِ، مَحَبَّةَ خِطْبَتِكِ، ذِهَابَكِ وَرَائِي فِي الْبَرِّيَّةِ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَزْرُوعَةٍ» (إر2: 1). هكذا يقول الرب لكل نفس تتبعه وتحبه: أنا لا أنسى أنكِ خرجتِ ورائي في البرية أيتها النفس.. لا أنسى غيرة صباكِ ومحبة خطبتكِ. لا أنسى أيام خطبتكِ الحلوة التي كانت بيننا، غيرة صباكِ عندما كنتِ غيورة في محبتك القوية في بداية علاقتنا معًا.. خروجكِ ورائي في البرية أي ترك محبة العالم كما قال الكتاب: «اخْرُجُوا مِنْهَا يَا شَعْبِي» (رؤ18: 4)، فمن يعيش في العالم لابد أن لا يحب العالم كما قال الكتاب: «لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ» (1يو2: 15). خروجكِ ورائي في البرية التي هي مكان قفر ليس فيه تعزيات أو مباهج عالمية، أرض ليس فيها ماء من ماء العالم.هل نستطيع ونحن نصلي بهذا المزمور، أن نقول لله: أنت يا رب علمتَ سبلي أي أنت عرفتَ مسلكي؟ إن الإنسان الذي يسير في طريق الله ولا يُعوِّج مسلكه، إذا زادت عليه الحرب الروحية يصرخ إلى الله ويقول له: أنقذني يا رب فإني أسير في طريقك. أنتَ عَلِمْتَ سُبُلِي.. كما قال أيضًا: «يَا رَبُّ قَدِ اخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي. أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ. مَسْلَكِي وَمَرْبَضِي ذَرَّيْتَ وَكُلَّ طُرُقِي عَرَفْتَ» (مز139: 1-3). أنت تعلم كل شيء يارب، أنت تعلم إني أحبك. ويعود ليقول له: «اخْتَبِرْنِي يَا اللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي. وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ وَاهْدِنِي طَرِيقًا أَبَدِيًّا» (مز139، 23-24). أنت تعرف مسلكي يا رب وأنا مستعد إن كان فيَّ أي خطأ أعلمني به لكي أصلحه.أنا سأسير حسب أقوالك مثل الصلاة التي تُقال في القداس الغريغوري: [أقدم لك يا سيدي مشورة حريتي وأكتب أعمالي تبعًا لأقوالك]. وأنا أسير يا رب في طريقك، إذا نظرتَ فيَّ أمرًا رديئًا اختبرني وامتحني واعرف قلبي وأفكاري، وفتش فيَّ إن كان فيَّ طريق باطل لكي تعرّفني وتهديني إلى طريق أبدي. يجب أن يسكب الإنسان نفسه أمام الله باستمرار ويقول له: يا رب إن كان فيَّ طريق باطل عرّفني وسوف لا أعاند.لا يوجد إنسان بدون أخطاء، ولكن إلى أي مدى يكون الإنسان مستعدًا أن يتنازل عن الخطأ؟ وإلى أي مدى تكون له العزيمة أن يترك طريق الخطية ويسلك في طريق الله؟ وإلى أي مدى يستطيع أن يتجاوب مع إنذارات الروح القدس في داخله؟ إذا كان الإنسان يطلب مشيئة الله بكل قلبه يستطيع أن يقول للرب في وقت الضيق: أنتَ عَلِمْتَ سُبُلِي أو أَنْتَ عَرَفْتَ مَسْلَكِي. نيافة الحبر الجليل المتنيح الأنبا بيشوى مطران دمياط وكفر الشيخ ورئيس دير السيدة العفيفة دميانة بلقاس
المزيد
14 أكتوبر 2019

الحياة الأبدية عند الرسولين يوحنا وبولس

الحياة الأبدية هي نعمة وعطية من الله، وشركة روحية مع الثالوث القدوس، ومجهَّزة للبشر القديسين بقصد أي بإرادة إلهية من قَبل خلق العالم. وضعها الله في شجرة الحياة في الفردوس، ثم منحها كوعد للقديسين بعد إتمام الفداء بواسطة تجسد ابنه الوحيد وصلبه وقيامته. وأودعها في كنيسته في سر التناول من جسده ودمه الأقدسين؛ حتى قال الآباء عن التناول إنه "هو شجرة الحياة التي لا يموت آكلوها". ويقول الكاهن في القداس الإلهي في الاعتراف الأخير عن هذا السر العظيم "يُعطى عن خلاصًا، وغفرانًا للخطايا، وحياة أبدية لمن يتناول منه".أي أن الاتحاد بالمسيح في سر الإفخارستيا، هو اتحاد بحسب الطاقة أي بالنعمة بعطية الحياة الأبدية. لذلك قال السيد المسيح: «أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ» (يو6: 51).والكلام عن الحياة الأبدية كثير في أسفار الكتاب المقدس في العهد الجديد. ولكن رأينا تناغمًا كثيرًا بين ما كتبه بولس الرسول، وما كتبه يوحنا الرسول في رسائلهما. ونورد بعض الأمثلة عن ذلك:يقول معلمنا بولس الرسول:«الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى اعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي اعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ، وَإِنَّمَا أُظْهِرَتِ الآنَ بِظُهُورِ مُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي ابْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالْخُلُودَ بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيلِ» (2تي1: 9، 10).ويقول أيضًا: «عَلَى رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، الَّتِي وَعَدَ بِهَا اللهُ، الْمُنَّزَهُ عَنِ الْكَذِبِ، قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ» (تي1: 2).وأيضًا «مُدَّخِرِينَ لأَنْفُسِهِمْ أسَاسًا حَسَنًا لِلْمُسْتَقْبَلِ، لِكَيْ يُمْسِكُوا بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ» (1تي6: 19).وأيضًا: «جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ، وَأَمْسِكْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي الَيْهَا دُعِيتَ أَيْضًا» (1تي6: 12).وأيضًا: «مَتَى أُظْهِرَ الْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ انْتُمْ ايْضًا مَعَهُ فِي الْمَجْدِ» (كو3: 4).ويقول معلمنا يوحنا الرسول:«الَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ. فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا. الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلًا» (1يو1: 1-4).وقال أيضًا: «وَهَذَا هُوَ الْوَعْدُ الَّذِي وَعَدَنَا هُوَ بِهِ: الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ» (1يو2: 25).وأيضًا: «وَهَذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ اللهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهَذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ» (1يو5: 11).وأيضًا: «مَنْ لَهُ الاِبْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ» (1يو5: 12). نيافة الحبر الجليل المتنيح الأنبا بيشوى مطران دمياط وكفر الشيخ ورئيس دير السيدة العفيفة دميانة بلقاس
المزيد
07 أكتوبر 2019

الأنبا انطونيوس والأريوسية

في إطار الحديث عن الرهبنة، ودفاعها عن الإيمان الأرثوذكسي؛ وهو الأمر الذي امتدّ عبر قرون طويلة؛ يستوقفنا ما فعله القديس العظيم الأنبا أنطونيوس أب الرهبان في العالم عندما احتدم الصراع بين البابا القديس ألكسندروس (19) ومن بعده خليفته القديس أثناسيوس (20) مع أريوس وأتباعه؛ وكان أريوس قد نشر بدعته في الأسكندرية حتى اعتنقها 700 شماسة مكرسة و12 من الشمامسة و7 من الكهنة واثنين من الأساقفة، وقام بتأليف ترانيم جذّابة يروّج بها بدعته، واستخدمها أتباعه للترويج لتعاليمه المدمِّرة في الإسكندرية: وقتها ترك القديس أنطونيوس البرّية الشرقية لأول مرة منذ بداية خروجه إليها، ونزل إلى مدينة الإسكندرية العظمى. فتجوّل القديس أنطونيوس في شوارع الإسكندرية، وتهافت الشعب على رؤيته وأخذ بركته، والتطلُّع إلى وجهه الممتلئ نعمة وروحانية نورانية في شيبة مقدسة. وكانوا يسألونه: أيهما نتبع إيمان أثناسيوس أم إيمان أريوس؟ فكان يجيبهم إن إيمان أثناسيوس هو الإيمان المسيحى الأرثوذكسى الصحيح ومن أمثلة الخداعات الماكرة التى كان أريوس يستخدمها في نشر بدعته الخطيرة بأن الابن الكلمة مخلوق وأن الآب وحده هو الإله الحقيقي؛ إنه كان يقتبس من إنجيل يوحنا قول السيد المسيح الذي قاله لتلاميذه: «لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ لأَنِّي قُلْتُ أَمْضِي إِلَى الآبِ لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي» (يوحنا 14: 28). ويستند أريوس (بعدم فهم) على ذلك ويقول: إن الآب أعظم من الابن؛ وبذلك لا يمكن أن يكون الابن مساويًا للآب في الجوهر، ولا في المجد، ولا في الربوبية. وأن الابن مولود من الآب بإرادة الآب وليس بالطبيعة؛ وبالتالي فهو ليس إلهًا حقًّا من إله حق: أى ليس إلهًا حقيقيًا!! وأن الآب قد أوجده من العدم ثم خلق بواسطته العالم أي كل الخليقة!!! وردّ القديس أثناسيوس على أريوس وقال: إذا كان المسيح هو كلمة الله "اللوغوس" Logos أي العقل الإلهي منطوق به بالولادة من الآب العاقل: فبأي عقل خلق الله له عقلاً، وبأي كلمة عقلية خلق له كلمة؟! وهل يجوز أن نقول إن الله كان بغير الكلمة قبل كل الدهور أي قبل الأزمنة الأزلية؟؟ أمّا بالنسبة لقول السيد المسيح إن «أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي» (يوحنا 14: 28)، فإنه يقصد أنه قد أخفي مجده بالتجسد بواسطة الناسوت الذي اتخذه بالروح القدس من العذراء القديسة مريم والدة الإله، لكي يمكن أن يتمِّم الفداء بأن يقبل الإهانات والظلم والصلب والموت الجسدى وهو في هذا العالم أي على الأرض. أمّا عند دخوله إلى السماوات العليا فإنه لا يلزمه أن يخفي هذا المجد. لهذا ففي مناجاته للآب قبل الصلب، وفي نفس إنجيل يوحنا قال للآب: «أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ. الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ. والآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ» (يوحنا 17: 4-5). ومعنى ذلك كله أن السيد المسيح كان يقول لتلاميذه إنهم لو كانوا يحبونه لكانوا يفرحون بتمجده بصعوده إلى السماوات عند الآب لأن مجده في وضعه الكامل هناك مع الآب وليس على الأرض في مجيئه الأول فهو قد أخفى مجده لسببين:- الأول: لكى يمكن أن يتمّم الفداء، الثاني: لأنه لو أظهر ملء مجده لمات جميع من رأوه من البشر. ولذلك قال السيد المسيح لموسى النبي عند جبل سيناء حينما قال له موسى: «أَرِنِي مَجْدَكَ» (خروج 33: 18) وهو يقصد ملء مجده «الْإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ» (خروج 33: 20). وكان الذي تكلم مع موسى وقتها هو الابن الكلمة في أحد ظهوراته في العهد القديم؛ وقال له إنه سيضعه في نقرة الصخرة، ويضع يده على الفتحة ويعبر، ثم يراه موسى من الخلف؛ أي لا يعاين ملء مجده وحتى حينما حضر إيليا النبي وهو مازال حيًّا مع روح موسى النبي في لقاء مع السيد المسيح على جبل التجلي؛ وصار وجه السيد المسيح يلمع مثل الشمس وهي تضيء في قوتها، وصارت ثيابه بيضاء ناصعة كالثلج؛ إلا أن هذا أيضًا كان شعاعًا من مجده الإلهى وإلّا لمات إيليا النبى وكذلك بطرس ويعقوب ويوحنا الذين شاهدوا هذا المنظر العجيب إن السيد المسيح في قيامته من الأموات قام بجسد ممجد لا يقوى عليه الموت وقال لتلميذى عمواس: «أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهَذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ» (لوقا24: 26) ولكنه بالرغم من ذلك لم يظهر بعد القيامة بمجده الإلهى الكامل الذي لا يحتمل أحد من البشر في هذا العالم أن يراه ويعيش، بل قال معلنًا بولس الرسول عن تجسد الكلمة: «وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، اومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ» (تيموثاوس الأولى3: 16) أي أن السيد المسيح قد صار في مجده الإلهي الكامل (حتى بحسب ناسوته) بعد صعوده إلى السماوات. نيافة الحبر الجليل المتنيح الأنبا بيشوى مطران دمياط وكفر الشيخ ورئيس دير السيدة العفيفة دميانة بلقاس
المزيد
07 سبتمبر 2019

القيامة الأولى والموت الأول القيامة الثانية والموت الثاني

كتب القديس يوحنا الرسول في سفر الرؤيا "هذه هي القيامة الأولى. مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى. هؤلاء ليس للموت الثاني سلطان عليهم" (رؤ20: 5، 6). ما هي القيامة الأولى؟ وما هو الموت الثاني؟ وما هي علاقة ذلك بالمجيء الثاني للسيد المسيح؟ هذه الأمور سنحاول أن نجيب عنها. إلى جوار ذلك فإن القيامة الأولى تفترض قيامة ثانية، والموت الثاني يفترض موتًا أولًافيلزمنا أيضًا أن نضع هذا في اعتبارنا عندما نتأمل في هذه الأقوال الإلهية الصادقة. القيامة الأولى الموت الثاني الموت الأول القيامة الثانية القيامة الأولى أولًا: القيامة الأولى القيامة الأولى هي النصرة الروحية التي يطالبنا الرب بها في حياتنا الحاضرة لكي نتأهل لميراث الملكوت ونستحق أن نشارك في قيامة الأبرار أي القيامة الثانية عن القيامة الأولى قالالسيد المسيح: "كل من كان حيًا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد" (يو11: 26). وقال أيضًا "الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة" (مر9: 1) طبعًا لم يكن المقصود في كلام السيد المسيح عن عدم موت المؤمنين به إلى الأبد بمعنى أنهم لن يُنقلوا من هذا العالم، بل كما نقول في صلاةأوشية الراقدين (لأنه لا يكون موت لعبيدك بل هو انتقال( فإننا نفهم الموت في كلام السيد المسيح بمعنى السقوط تحت سلطان ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس. وبهذا يكون السيد المسيح قد وعد أن من كان حيًا بالجسد وآمن به فلن يذوق الموت الروحي إلى الأبد وفي قوله: "إن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة" يقصد إلى جوار أن هناك قومًا كانوا عتيدين قبل وفاتهم أن يحضروا حلول الروح القدس في يوم الخمسين، فإنه قصد أيضًا أن من آمنوا به وثبتوا فيه فلن يموتوا موتًا روحيًا إلى أن يعاينوا مجيئه الثاني واستعلان ملكوت السماوات بقوة مع ملاحظة أن عبارة "ملكوت الله"هي عبارة عامة تشمل ملكوته الحالي وملكوته الآتي في السماوات، أما عبارة "ملكوت السماوات" فإنها غالبًا تشير إلى الحياة الأبدية في السماوات القيامة الأولى أيضًا نفهمها عن المعمودية في قول معلمنا بولس الرسول: "حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضًا بقيامته.. كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطية ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا" (رو6: 4، 5، 11). ثانيًا: الموت الثاني من الطبيعي أن من عاشوا حياتهم ملتصقين بالرب وأكملوا جهادهم وسعيهم أي أنهم قد تمتعوا بقوة القيامة الأولى، فإن الموت الثاني لن يكون له سلطان عليهم كما ورد في سفر الرؤيا والموت الثاني من المفهوم إنه الهلاك الأبدي. ومن ليس للموت الثاني سلطان عليه ينطبق عليه قول الرب: "من يغلب فذلك سيلبس ثيابًا بيضًا، ولن أمحو اسمه من سفر الحياة وسأعترف باسمه أمام أبي وأمام ملائكته" (رؤ3: 5) الذين للموت الثاني سلطان عليهم ينطبق عليهم قول السيد المسيح لليهود: "وتموتون في خطيتكم" (يو8: 21). هؤلاء يموتون في خطاياهم بمعنى أنهم يموتون الموت الأول بنهاية حياتهم على الأرض، ويتأهلون بموتهم في خطاياهم للموت الثاني أي الهلاك الأبدي وقيل أيضًا عن هلاك الأشرار: "وطرح الموت والهاوية في بحيرة النار. هذا هو الموت الثاني. وكل من لم يوجد مكتوبًا في سفر الحياة طُرِح في بحيرة النار" (رؤ20: 14، 15). ثالثًا: الموت الأول يقول الكتاب: "وُضع للناس أن يموتوا مرة ثم بعد ذلك الدينونة" (عب9: 27). والمقصود بذلك موت الجسد، وهذا الموت الأول يشترك فيه جميع البشر حتى القديسون مثل السيدة العذراء مريم وحتى أخنوخ وإيليا بعد صعودهما إلى السماء أحياء، فإنهما سوف يرجعان إلى الأرض ويصيران شهداء وتموت أجسادهما كباقي البشر ولكن هذا الموت الأول الذي يشترك فيه الجميع لا يعني وحدة المصير للجميع لأن الكتاب يقول: "طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن. نعم يقول الروح لكي يستريحوا من أتعابهم وأعمالهم تتبعهم" (رؤ14: 13). رابعًا: القيامة الثانية من البديهي أن القيامة الثانيةهي قيامة الأبرار للحياة الأبدية. وقد تكلّم السيد المسيح عن الأبرار الذين سوف يقيمهم عن يمينه في يوم الدينونة "يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم" (مت 25: 34). وقال عن الأشرار مقارنًا إياهم بالأبرار في يوم الدينونة: "فيمضى هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية" (مت25: 46) معنى ذلك أن قيامة الأشرار للدينونة لا ينطبق عليها لقب القيامة الثانية الخاصة بالأبرار لأن الأشرار أصلًا لم يتمتعوا بالقيامة الأولى الروحية التي للأبرار، وبهذا فإن قيامة الأشرار قد أخذت فقط لقب "قيامة الدينونة"كقول السيد المسيح: "تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته. فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة" (يو5: 28، 29). أما القيامة الثانية الخاصة بالأبرار فهي "قيامة الحياة" إذا كانت القيامة الأولى هي الانتصار الروحي على الشر فإن القيامة الثانية تكون هي التحرر من سلطان الموت الناتج عن الخطية الأولى التي بها دخل الموت إلى العالم، لذلك قيل في الكتاب "آخر عدو يُبطل هو الموت" (1كو15: 26). خاتمة إن المعاني الخاصة بالموت الأول والموت الثاني والقيامة الأولى والقيامة الثانية، ترتبط بعمل السيد المسيح الخلاصي لتحرير البشر المفديين من عواقب الخطية، وصولًا إلى المصير الأبدي للإنسان بعد مجيء السيد المسيح الثاني الذي ينتظره القديسون بكل اشتياق ومحبة. نيافة الحبر الجليل المتنيح الانبا بيشوى مطران دمياط ورئيس دير الشهيدة دميانة عن كتاب المسيح مشتهي الأجيال منظور أرثوذكسي
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل