المتنيح الأنبا بيشوي مطران دمياط

ولد مكرم إسكندر نقولا فى 19 يوليو 1942 م. بمدينة المنصورة. ولكن والده أصلاً من دمياط من أسرة عريقة ومتدينة. فهو من عائلة القديس سيدهم بشاي تنيح والده المهندس إسكندر نقولا وتركه في سن الرابعة من عمره، فتولى عمه الأستاذ ألفونس نقولا تربيته ورعايته بدمياط تلقى دراسته الأولى في بورسعيد، ثم جاء إلى الإسكندرية حيث حصل على بكالوريوس الهندسة (قسم كهرباء) بتقدير امتياز عام 1963 م. من جامعة الإسكندرية وكان عمره في ذلك الوقت أقل من 21 سنة عُيِّنَ معيدًا بكلية الهندسة بالإسكندرية. وتقدم في الدراسة للحصول على درجة الماجستير في الهندسة الميكانيكية. فحصل على درجة الماجستير في يوم 28 مايو 1968 م ومن الناحية الروحية تأثر نيافته بالقمص بيشوي كامل، والقمص تادرس يعقوب ملطى أيضا تأثر نيافته بقداسة البابا شنوده الثالث -كما يقول نيافته- "خصوصًا أثناء القداس الإلهي الذي كان يصليه بروحانية عجيبة.. ورأيت فيه صورة الراهب الحقيقي" كان لكلمات قداسة البابا شنوده عن حياة التكريس في مؤتمرات الخدام بكنيسة مارمينا بالمندرة – الإسكندرية تأثيرها العميق، والشعور بالدعوة الخاصة لحياة التكريس ويقول نيافته: "قررت الذهاب إلى الدير (دير السريان) يوم 30 مايو 1968 م. (خميس الصعود)، واتخذت قداسة البابا شنوده أسقف التعليم حينها مرشدًا روحيًا وأب اعتراف لي".
تاريخ الرهبنة :16 فبراير 1969 م. بدير السريان بوادى النطرون بأسم الراهب توما السريانى
تاريخ الأسقفية: 24 سبتمبر 1972 م بيد صاحب الغبطة قداسة البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث 117
تاريخ المطرانية: 2 سبتمبر 1990 م.
المنصب:مطران دمياط وكفر الشيخ ورئيس دير الشهيدة دميانة ببراري بلقاس
اللجان:
لجنة الإيمان والتعليم والتشريع
لجنة شئون الإيبارشيات
لجنة شئون الأديرة
لجنه العلاقات الكنسية (المُقَرِّر)
لجنة الرعاية والخدمة

المقالات (120)

27 أكتوبر 2026

طريق الحكمة

٢ - التأمل في أعمالك الله (ب) في المقال السابق رأينا حكمة الله في خلق ونظام العالم فالحكمة أزلية في الله ولا يمكن أن يعمل شيئاً بدون الحكمة . حكمة الله في الفداء وخلاص البشرية : كما أن الرب قد خلق العالم بالحكمة هكذا أيضاً خلص العالم بالحكمة والمدح محمد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب الذي فيه لنا الفداء بدعه غفران الخطايا حسب فني نعمته التي أجزها لنا بكل حكمة وفطنة » ( أف1 : 6-8) إن العقل البشرى يقف مبهوراً أمام روعة التدبير الإلهى لخلاص البشرية بإتمام الفداء كل ما عمله الرب لهذا الغرض عمله بحكمة لا حدود لها لقد أعد الرب الجنس البشرى لقبول عمل الفداء على مدى عدة آلاف من السنين وأقتضى الأمر أن تعيش البشرية كثيراً من الأحداث هي في حد ذاتها رموز نبوية للخلاص ! كما أوحى الرب بكثير من النبوات التي امتزجت بواقع البشرية في كثير من الأحايين أو عبرت عن تطلعاتها نحو في أفضل في أحيان أخرى وشكلت الرموز النبوية والنبوات المكتوبة التي تطلق بها الأنبياء مسوقين من الروح القدس - شكلت نسيجاً عجيباً متداخلاً استطاع أن يكون في مجموعه لوحة رائعة تحكى عن عمل الله في خلاص البشرية بصورة لا تقبل التأويل ولا التبديل على الإطلاقي فكرة الخلاص بالذبيحة وأن نفساً بريئة قوت عوضاً عن نفس خاطئة كانت هي الدرس الذي لفته الرب للبشرية على من الأجيال التي تعاليت من آدم إلى مجيء السيد المسيح الذبيح الحقيقي الذي ذبح لأجل خطايانا لأنه هو حمل الله الذي يحمل خطية العالم كله وحينما تجسد الابن الكلمة جاء دور تحقيق الرموز والنبوات من خلال أحداث متشابكة ومتغيرات كثيرة شملت دور القديسين والملائكة السمائيين من جانب كما شملت دور المقاومين وقساة القلوب والأشرار والشيطان وقوته الشريرة من جانب آخر لم يكن من السهل أبداً أن يتم الفداء وأن تتحقق جميع النبوات في الوقت الذي كانت فيه مملكة الظلمة تعمل بكل قواها لتعطيل عمل الفداء ولكن العجب كل العجب أن ما عملته وحرضت به مملكة الظلمة قد جاء تحقيقاً لكثير من النبوات المختصة بالفداء تماماً بنفس القدر الذي تحققت به هذه النبوات وغيرها من خلال ما عمله السيد المسيح هو ومن قدموا أنفسهم لخدمته في طاعة لمشيئته العلوية المقدسة فلتتأمل مثلاً مذبحة أطفال بيت لحم وكيف تشابكت الأحداث حتى تمت هذه المذبحة فمجيء المجوس من المشرق و سجودهم للسيد المسيح واعترافهم بملكه من جانب وحسد هيرودس وإطلاعه على نبوة ميخا النبي عن ميلاد المسيح ومعرفته لزمان النجم الذي ظهر في المشرق من جانب آخر إلى جوار إعلان ملاك الرب للمجوس أن يرجعوا من طريق أخرى إلى كورتهم كل هذه الأحداث وغيرها قد تشابكت معاً وتداخلت وأدت إلى ذبح هيرودس للأطفال في بيت لحم وأطلقت نبوة أرميا التي القائل " صوت سمع في الرامة نوح وبكاء وعويل كثير راحيل تبكي على أولادها ولا تريد أن تتعرى لأنهم ليسوا بموجودين " (مت ۲ :۱۸) وكلمة راحيل هذا هي كناية عن أمهات بيت لحم حيث أن راحيل زوجة يعقوب أبي أسباط اسرائيل الإثنى عشر قد ماتت بجوار بيت لحم عند ولادتها لبنيامين ودفنت في الرامة وصار اسمها رمزاً لنساء المنطقة فهو الاسم الأكثر انتشاراً بين أولئك النسوة. ( وللحديث بقية ) مثلث الرحمات نيافة الحبر الجليل الأنبا بيشوى مطران دمياط ورئيس دير الشهيدة دميانة بالبرارى مجلة الكرازة العدد الثلاثون عام 1989
المزيد
20 أكتوبر 2026

طريق الحكمة

1 - التأمل في أعمال الله خلق العالم نظام العالم : الرب بالحكمة أسس الأرض، أثبت السماوات بالفهم بعلمه إنشقت اللجج وتقطر السحاب ندى » ( أم ۳: ۱۹ ، ۲۰) تستطيع أن ترى حكمة الله في خلق العالم ونظامه "لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته " (روا : ۲۰) هذا العالم الكبير كيف وجد ؟ كيف بدأ وجوده ؟ هل يمكن أن يكون قد أوجد نفسه بنفسه ؟! هذا مستحيل لأنه لا يمكن أن يكون موجوداً قبل أن يوجد والوجود يجب أن يسبق القدرة على الصنع لابد من خالق لهذا الوجود ، كائن منذ الأزل قادر على كل شيء هو الذي أوجد العالم من العدم وصنع كل الكائنات المرئية وغير المرئية ومنح الحياة لبعض الكائنات ومنح العقل والفهم للكائنات العاقلة وخلق الإنسان على صورته ومثاله وهذا النظام البديع الذي تراه في الكون فالعالم منظم لغاية يراد بلوغها كل هذه النظم والقوانين من وضعها ؟! لابد من عقل في منتهى الفطنة والذكاء يستطيع أن يضع لكل هذه الكائنات نظاماً وترتيباً وجمالاً وتناسقاً بهذه الروعة وهذا الإتقان إن عين الإنسان مثلاً تلتقط صوراً مجسمة بالألوان الطبيعية لا تستطيع أدق آلات التصوير في العالم أن تلتقط مثلها والعقل يستطيع أن يختزن هذه الصور مثل شريط سينمائي متحرك يحكي أحداث الماضي كلما أراد الإنسان أن يتذكرها والعجيب أن العين تلتقط الصورة مقلوبة عند الشبكية وترسلها عن طريق العصب البصرى إلى مراكز الإبصار في المخ و يقوم العقل بإعادة الصورة إلى وضعها الطبيعي ولولا ذلك لا يبصر الإنسان كل الأشياء في وضع مقلوب إن الفرصة متاحة لكل إنسان أن يتأمل في نظام الكون وفي النظام الموجود في كل شيء في العالم ليرى بوضوح حكمة الله العظيمة التي بها خلق الموجودات ووضع لها نظاماً وهدفاً من وجودها هل يمكن أن يرى الإنسان بيتاً مبنياً في نظام هندسي بديع ولا يفكر في المهندس الذي وضع له تصميماً وبناء هل يمكن أن يرى الإنسان لوحة رائعة دون أن يفكر في الفنان الذي رسمها ، واظهر فيه وإبداعه في مناظرها ؟! هل يمكن أن تستمع إلى مقطوعة موسيقية في منتهى الإبداع والجمال دون أن تفكر في الموسيقار الذي وضع أنغامها والموسيقار الذي أحسن الأداء في عزفها ؟! هل يمكن أن تتصور أن حروف الطباعة لو وضعنا الآلاف أو الملايين منها في صندوق كبير يمكنها أن تتناسق من تلقاء نفسها وتجتمع في صفوف منتظمة لتخرج عنها قصيدة شعرية جميلة تمس المشاعر والوجدان ؟! إن كان ذلك غير ممكن فكم يكون الأمر بالنسبة لنظام العالم الذي صنعه الرب بمنتهى الإتقان والجمال لهذا قال السيد المسيح «تأملوا زنابق الحفل كيف تنمو لا تتعب ولا تغزل ولكن أقول لكم أنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها » (مت 6: ۲۸ ، ۲۹) إن إنكار وجود الخالق الذي خلق العالم بحكمته هو نوع من الجهل الشديد الذي لا يمكن أن يقبله أي إنسان عاقل حكيم هذا ينبغي أن يسعى الإنسان في طلب الحكمة ويستمع إلى صوت الرب الذي قال يا ابني إن قبلت كلامي وخبات وصاياي عندك حتى تميل أذنك إلى الحكمة وتعطف قلبك على الفهم إن دعوت المعرفة ورفعت صوتك إلى الفهم إن طلبتها كالفضة وبحثت عنها كالكنوز فحينئذ تفهم مخافة الرب وتجد معرفة الله لأن الرب يعطى حكمة من فمه المعرفة والفهم .( أم1:2-6) وحينما يقتني الإنسان الحكمة والفهم فإن قلبه سوف يلهج بالشكر لله على عظم صنيعه معه حينما خلقه فيقول " من أجل تعطفاتك الجزيلة كونتني إذ لم أكن " ( القداس الغريغوري ) وهو بهذا يشارك السمائيين تسابيحهم وشكرهم إذ يقولون " أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة لأنك خلقت كل الأشياء وهي بإرادتك كائنة وخلقت" (رؤ 4: ١١) مثلث الرحمات نيافة الحبر الجليل الأنبا بيشوى مطران دمياط ورئيس دير الشهيدة دميانة بالبرارى مجلة الكرازة العدد التاسع والعشرون عام 1989
المزيد
13 أكتوبر 2026

كيف نحب الآخرين ؟ المحبة الحكيمة (ب)

كيف تقتنيها ؟ تكلمنا في المقال السابق عن أهمية إقتران الحكمة بالمحبة ونتكلم الآن كتكملة للموضوع عن كيفية إقتناء هذه الحكمة التي في المحبة : 1- الصلاة والطلبة:- يقول الكتاب «إن كان أحدكم تعوزه حكمة فليطلب من الله الذى يعطى الجميع بسخاء ولا يعير فسيعطى له » (يع ٥:١) أي أننا ينبغى أن تطلب الحكمة من الله في الصلاة وأن تداوم لكي تزداد فينا الحكمة كما تزداد المحبة ولتلاحظ أن الكتاب يؤكد الاستجابة فيقول إن الله يعطى الجميع بسخاء وأن من يطلب فسيعطى له موهبة الحكمة والإفراز تحرس جميع الفضائل ومن ضمنها المحبة وقد اهتم القديسون كثيراً بهذه الموهبة وأكدوا أن أي فضيلة بدون الإفراز قد تنقلب إلى الضد أو على الأقل قد يضيع تعب الإنسان فيها . ٢ - الإرشاد :- الحكمة أيضاً نقتنيها عن طريق الإرشاد أي أننا نستفيد من خبرة المرشدين ومن ينبوع الحكمة الذي فيهم "المساير الحكماء يصير حكيماً" (أم ١٣ : ٢٠) أما من لا يطلب الإرشاد فهو معرض للخسارة "مقاصد بغير مشورة تبطل وبكثرة المشيرين تقوم " ( أم ١٥ : ٢٢) الكتاب أيضاً يدعو الشبان أن يخضعوا للشيوخ وأن يتسربلوا بالتواضع وهذا أيضاً يؤكد أهمية سؤال المرشدين . 3- التأمل في أعمال الله :- ولكي نقتني الحكمة علينا أن نتأمل في أعمال الله ومعاملاته مع قديسيه المدونة في الكتب المقدسة تتأمل بروح الصلاة والرغبة في التعلم من الله لأن الله هو ينبوع الحكمة الذى منه يتعلم الجميع "يكون الجميع متعلمين من الله" (يو6 : ٤٥ ) . 4- الاستفادة من الخبرات السابقة :- من العوامل التي تجعل الإنسان حكيماً أن يستفيد من خبراته السابقة فالحياة مدرسة يتعلم فيها الإنسان دروسة وعبراً كثيرة كما أنه يستطيع أن ينتفع كثيراً من معاملات الله معه شخصياً أن يتأمل الإنسان في كل مسيرة حياته ما هي الأخطاء وكيف ينتفع من دروسها وما هي أعمال الله الجميلة التي سطعت بقوة وأبهجت قلبه وأثارت طريقه كقول المرنم «أرسل نورك وحقك وهما يهديانني و يأتيان بي إلى جبل قدمك وإلى مساكنك فأتي إلى مذبح الله . إلى الله بهجة فرحى وأحمدك بالعود يا إلى » (مز 43: 3 ,4). مثلث الرحمات نيافة الحبر الجليل الأنبا بيشوى مطران دمياط ورئيس دير الشهيدة دميانة بالبرارى مجلة الكرازة العدد الثامن والعشرون عام 1989
المزيد
06 أكتوبر 2026

كيف نحب الأخرين؟ المحبة الحكيمة

الحكمة لازمة وضرورية مع المحبة فكل فضيلة تلزمها حكمة في ممارستها والمحبة التي من الله لابد أن ترافقها الحكمة فالحب الإلهي ممتلىء بالحكمة والحكمة الإلهية ممتلئة حباً قد يظن البعض أن المحبة وحدها - بدون الحكمة تكفى في العلاقة مع الآخرين ولكن مثل هذه المحبة - الخالية من الحكمة لا يمكن أن تعبر عن المحبة الحقيقية الممنوحة من الله "لأن كل عطية صالحة وموهبة تامة، هي نازلة من فوق "(يع ١ : ١٧) "إن كان أحد تعوزه حكمة فليطلب من الله فتعطى له " (يع 1: 5) المحبة التي ليس لها ضوابط تحكمها قد تضر ولا تفيد المحبة التي لا يحوطها الحق ويحرسها لا يمكن أن تنفذ مشيئة الله المحبة التي ترى جانباً واحداً من الحقيقة لا تدخل في خطة الله العامة الخلاص لبشرية المحبة التي تتساهل مع الخطأ تساهلاً مفرطاً حتى يضيع الحق الإلهى ويختلط النور مع الظلمة هي محبة تشوبها نقائص تغضب الله ولا ترضيه. التشبه بالله :- حينما تحب الآخرين فلتتشبه بالله في محبته فبالرغم من تلك المحبة غير الموصوفة التي بذلت ذاتها على الصليب إلا أنه لن ينتفع من هذا البذل إلا من يؤمن بهذه المحبة ويقبلها ويثمر بها متجاوباً معها بإرادته والتوبة شرط لازم لحياة الإنسان فمحبة الله تسعى لتقديس حياة الناس وخلاصهم ولن يستحقها وينتفع منها إلا من يسلك في « القداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب » ( عب ١٢ : ١٤ ) . التاديب في المحبة :- محبة الله ليست هي محبة التدليل ولكنها محبة التقديس وهذا فمحبة الله قد تقترن أحياناً بالتأديب وهذا التأديب لا يتعارض مع المحبة «لأن كل من يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يسر به » (عب ۱۲ : ٦) ولئلا يساء فهم هذا الأمر يقول الكتاب « أي ابن لا يؤدبه أبوه إن كنتم لا تقبلون التأديب فأنتم نغول لا بنون » (عب ۱۲ : ۸) البعض يعتبرون التأديب نوعاً من الكراهية، ولكنه ليس كذلك . الهدف من التأديب هو اقتياد الإنسان في حياة التوبة والنقاوة بدلاً من تركه لعوامل الخطأ والفساد . والتأديب السليم يهدف دائماً إلى خير الإنسان وخلاصه ولذلك فهو لا يزيد عن الحاجة ولا يتطرف عن القياس المناسب التأديب السليم لا يمكن أن يستمر إذا تحقق الهدف المرجو منه فليس التأديب هدفاً في حد ذاته ولكنه وسيلة يجب دائماً أن يقترن التأديب بروح الحب والنصح والإرشاد( متزامنين أو متتابعين ) . المحبة والتصدى للخطأ :- المحبة لا تتعارض إطلاقاً مع محاولة إصلاح الخطأ أو التصدى له في بعض الأحيان فمقاومة التعاليم الخاطئة في الكنيسة قد تبدأ بالنصح والإرشاد وتتدرج إلى التوبيخ المقترن بطول الأناة ثم تصل أحياناً إلى شجب الهرطقات وقطع الهراطقة قطع العضو الفاسد لا يتعارض مع المحبة لأن المحبة لا ينبغى أن تتجه نحو عضو واحد فقط متجاهلة باقي الأعضاء وسلامتهم المحبة التي تتجه نحو العضو الفاسد وحده متجاهلة باقي الأعضاء السليمة وما يمكن أن يصيبها هي الأخرى من فساد هي محبة غير حكيمة وهي محبة يشوبها الخطأ ولا تتفق مع صفات الله الصالحة والمقدسة التي تشمل عدلاً في المحبة أي أن محبته عادلة ليس من العدل إطلاقاً أن تضيع الأعضاء السليمة بدعوى الحرص على استبقاء العضو الفاسد لأن هذا سوف يؤدى إلى فساد سائر الأعضاء ألم يقل الكتاب ( إن خميرة صغيرة تخمر العجين كله ) (غل ه : ۹) " اعزلوا الخبيث من بينكم» (1كوه : ۱۳) " فلنعيد لا بخمير الشر بل بفطير الحق والإخلاص " (ا كوه :8) المحبة الحكيمة تراعي حقوق الآخرين وتحميها وهي محبة شاملة تحب الخير للجميع، ولا تتحيز للبعض على حساب المجموع . مثلث الرحمات نيافة الحبر الجليل الأنبا بيشوى مطران دمياط ورئيس دير الشهيدة دميانة بالبرارى مجلة الكرازة العدد السابع والعشرون عام 1989
المزيد
01 سبتمبر 2026

علامات اقتراب موعد المجيء الثاني

لم يَرَ الرب لمنفعتنا الروحية أن يُعلن لنا عن تحديد موعد ”اليوم الأخير“ للسموات والأرض أي موعد مجيء ابن الإنسان المُسمَّى ”يوم الرب فقد قال الرب لتلاميذه: «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة، فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السموات إلاَّ أبي وحده» (مت 24:36) وفي يوم صعود الرب يسوع إلى السماء حينما سأله التلاميذ عمَّا كانوا يظنون أنه هو يوم الرب الذي تحدَّث عنه المسيح: «يا ربُّ هل في هذا الوقت تردُّ المُلْكَ إلى إسرائيل؟» قال لهم صراحة: «ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه» ثم وجَّه أنظارهم في الحال إلى ملكوت الله الذي أتى لكي يبدأه ويؤسِّسه والذي هو ”حلول الروح القدس على البشرية الجديدة“ لذلك أردف قوله بهذا الكلام: «لكنكم ستنالون قوةً متى حلَّ الروح القدس عليكم» (أع 1: 8،7) وهكذا أظهر لهم أن ملكوت الله ليس هو ردّ المُلْك إلى إسرائيل بل هو حلول الروح القدس الذي به سيُستَعلَن الملكوت الجديد الذي يملك عليه الله بالروح القدس. لماذا أخفى الله موعد مجيئه؟ 1- إن عدم معرفة الزمن كان من شأنه أن يجعل المسيحيين في سهرٍ روحي واستعدادٍ دائم «انظروا! اسهروا وصلُّوا لأنكم لا تعلمون متى يكون الوقت وما أقوله لكم، أقوله للجميع اسهروا» (مر 13: 33؛37). 2- كما أن عدم معرفة وقت مجيء الرب سوف يُنبِّه المسيحيين أن يُميِّزوا الأحداث إن كانت هي علامات اقتراب موعد مجيئه وهكذا علَّم الرب «فمن شجرة التين تعلَّموا المَثَل متى صار غُصنُها رَخْصاً (أي غضّاً أو طريّاً) وأخرجت أوراقها، تعلمون أن الصيف قريبٌ هكذا أنتم أيضاً متى رأيتم هذا كله فاعلموا أنه قريبٌ على الأبواب» (مت 24: 32 ,33). بعض العلامات كما وردت في الإنجيل: 1- انتشار البشارة بالإنجيل في العالم أجمع «ويُكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادةً لجميع الأمم ثم يـأتي المنتهى» (مت 24: 14) لأن هذه الشهادة لكل الأُمم ستكون مبرِّراً للدينونة لكل مَن سمع وآمن أو لم يؤمن. 2- ومن جهة أخرى فستكون هناك مظاهر استثنائية لقُوَى الشر في العالم «ولكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين» (مت 24: 12) ويكتب القديس بولس عن هذه المظاهر بأكثر تفصيل «في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة لأن الناس يكونون مُحبين لأنفسهم مُحبين للمال مُتعظِّمين مُستكبرين مُجدِّفين غير طائعين لوالديهم غير شاكرين دنسين بلا حُنوٍّ بلا رِضَى ثالبين عديمي النزاهة شرسين غير مُحبِّين للصلاح خائنين مُقتحِمين متصلِّفين مُحبِّين لِلَّذَّات دون محبة الله لهم صورة التقوى ولكنهم مُنكرون قُوَّتها» (2تي 3: 1-5) وعمومـاً يضعف الإيمان جـداً «متى جاء ابـن الإنسان ألعلَّه يجد الإيمان على الأرض» (لو 18: 8). 3- أما العلامة الثالثة فهي أن الشيطان سوف يَشِنُّ حرباً شعواء ضد ملكوت المسيح بآلاته وسيكون الأداة الرئيسية له ما يُسمَّى ”ضد المسيح“. ويُستخدم هذا الاسم ”ضد المسيح“ في الكتاب المقدس بمعنيين فبالمعنى العام المتسع هو يُشير إلى كل عدوٍّ لشخص المسيح وهذا ما يُسميه القديس يوحنا الرسول في رسالته الثانية ”ضد المسيح“ وهذا المعنى يجعل هناك «أضداد كثيرون للمسيح» كما ورد في الرسالتين الأولى والثانية للقديس يوحنا (2: 18) ولكن بالمعنى الخاص فهناك ”الضد للمسيح“ الذي يُشير إلى شخص محدَّد سيكون مضاداً للمسيح وسيظهر قبل نهاية العالم ويتحدث القديس بولس الرسول عن صفات وأعمال هذا ”الضد للمسيح“ بالمعنى الخاص الذي يُسمِّيه ”إنسان الخطية“ هكذا «لا يخدعنَّكم أحد على طريقةٍ ما لأنه لا يأتي (يوم المسيح) إن لم يأتِ الارتداد أولاً ويُستعلَن إنسان الخطية ابن الهلاك المُقاوِم والمرتفع على كل ما يُدعَى إلهاً أو معبوداً حتى إنه يجلس في هيكل الله كإله مُظهِراً نفسه أنه إله وحينئذ سيُستعلَن الأُثيم الذي الرب يبيده بنفخة فمه ويُبطله بظهور مجيئه» (2تس 2: 3-8)هذا الأثيم سوف يخدع المؤمنين بكل قوة وآيات وعجائب كاذبة وبكل خديعة الإثم ويُسمِّي القديس بولس هؤلاء المخدوعين باسم ”الهالكين“ لماذا؟ لأنهم لم يقبلوا محبة الحق حتى يخلصوا لذلك يقول القديس بولس إنَّ «الله سيُرسل إليهم عمل الضلال حتى يُصدِّقوا الكذب، لكي يُدان جميع الذين لم يُصدِّقوا الحق بل سُرُّوا بالإثم» (2تس 2: 11) وتظهر صورة هذا المُقاوِم لله في نبوَّة دانيال (أصحاح 11،7) وكذلك في العهد الجديد في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي (أصحاحات من 11-13) وسيظل هذا ”الضد للمسيح“ يعمل حتى يوم الدينونة حين يُبطله المسيح بنفخة فمه (كما ورد في نص الآية السابقة 2تس 2: 8). 4- وهناك في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي إشارة عن ظهور ”شاهدَيْن“ أثناء نشاط ”الضد للمسيح“ وسوف يتنبَّآن بالحق ويعملان معجزات وحينما ينتهيان من شهادتهما سوف يُقتلان ثم ”بعد ثلاثة أيام ونصف“ سيقومان ويصعدان إلى السماء (رؤ 11: 3-12) وهذان الشاهدان - بحسب تفسير آباء الكنيسة - هما أخنوخ وإيليا اللذان لم يموتا بل قيل عنهما في العهد القديم أنهما نُقلا إلى السماء أحياءً لكنهما سينزلان إلى الأرض لكي يذوقا الموت أثناء اضطهاد ”الضد للمسيح“ للمؤمنين. 5- أحداث غير طبيعية واضطرابات في الطبيعة وأحداث التاريخ كما هو مذكور في التنبُّؤات الواردة في إنجيل (مرقس 13 ومتى 24؛ ولوقا 21) اعتبرها المُفسِّرون القدامى أنها تشير إلى أحداث نهاية الأيام ومن بين هذه الأحداث مجاعات وزلازل وهي ”مبتدأ الأوجاع“ (مت 24: 8،7) ثم كسوف الشمس والقمر لا يُعطي ضوءه وتساقُط النجوم من السماء وتزعزُع السموات (مت 24: 27-29) وتغيُّرات فلكية وطبيعية واضطرابات كما ستحدث ثورات وحروب ومجاعات وأوبئة وكل هذه هي علامات النهاية «تقوم أُمة على أُمة ومملكة على مملكة وتكون مجاعات وأوبئة وزلازل في أماكن» وتقول النبوَّة إنَّ كل هذه مجرد ”مبتدأ الأوجاع“ كما «تسمعون بحروب وأخبار حروب انظروا! لا ترتاعوا لأنه لابد أن تكون هذه كلها ولكن ليس المنتهى بعد» ولكن بعد كل هذا «حينئذ يُسلِّمونكم إلى ضيق ويقتلونكم وتكونون مُبغَضين من جميع الأُمم لأجل اسمي ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص» فليُعطِنا الرب القوة لكي نصبر ونحتمل من أجل اسمه ليكون لنا الخلاص في النهاية آمين. مثلث الرحمات نيافة الحبر الجليل الأنبا بيشوى مطران دمياط ورئيس دير الشهيدة دميانة بالبرارى
المزيد
06 مارس 2025

بدعة سابيليوس والرد عليها

ثالثاً: بدعة سابيليوس والرد عليها تم الحكم على بدعة سابيليوس فى مجمع القسطنطينية المسكونى الثانى عام 381م. اعتقد سابيليوس بأن الله هو أقنوم واحد وليس ثلاثة أقانيم، أى أقنوم واحد بثلاثة أسماء. وأن هذا الأقنوم حينما خلقنا فهو الآب، وحينما خلّصنا فهو الابن، وحينما قدسنا فهو الروح القدس. ولذلك نحن لا نميل إلى عبارة: "الآب خالقنا، والابن مخلّصنا، والروح القدس مقدّسنا" بالرغم من أنها ليست خطأ نحن لا ننكر أن الآب خالق، وأن الابن هو مخلّص، وأن الروح القدس يقدّس فى الأسرار الإلهية (أى فى أسرار الكنيسة). ولكن هذه العبارة قد تعطى انطباعاً بأن ما يقوله سابيليوس هو صحيح. أو كأن الخالق هو الآب وحده، بدون الابن والروح القدس، وأن الابن هو المخلص وحده بدون الآب والروح القدس، وأن الروح القدس هو المقدس وحده بدون الآب والابن. العمل الواحد للأقانيم الثلاثة والدور المتمايز لكل أقنوم: أ- الخلق نحن نؤمن أن الثالوث القدوس هو الخالق، وأن الأقانيم الثلاثة يعملون معاً مع تمايز دور كل أقنوم فى عملهم الواحد. فالسيد المسيح يقول "مهما عمل ذاك (أى الآب) فهذا يعمله الابن كذلك" (يو5: 19). ومثلما قيل فى المزمور "بكلمة الرب صنعت السماوات وبنسمة فيه كل جنودها" (مز33: 6) وهذا معناه أن الآب قد خلق السماوات ومن فيها بكلمته وبروحه القدوس. وفى سفر التكوين كُتِب "فى البدء خلق الله السموات والأرض، وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن نور فكان نور" (تك 1: 1- 3). ويلاحظ اشتراك الروح القدس والكلمة مع الآب فى خلق السماوات والأرض فى اليوم الأول للخلق، وبالتالى باقى أيام الخليقة الستة ومعلوم طبعاً أن الله الكلمة الابن الوحيد قد كُتب عنه "كل شىء به كان وبغيره لم يكن شىء مما كان" (يو1: 3). وقيل عنه أيضاً: "فإنه فيه خلق الكل ما فى السماوات وما على الأرض، ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين، الكل به وله قد خلق الذى هو قبل كل شىء وفيه يقوم الكل" (كو 1: 16، 17). فقد ورد فى الأسفار المقدسة الكثير مما يثبت أن الابن هو خالق أيضاً مثل الآب. وكما نقول فى القداس الغريغورى: "المساوى والجليس والخالق الشريك مع الآب" والمقصود بعبارة "الخالق الشريك" هو اشتراك الابن مع الآب فى الخلق وورد فى سفر أيوب: "روح الله صنعنى ونسمه القدير أحيتنى" (أى33: 4). وقد جاء ذلك على لسان أليهو بن برخائيل الذى تكلم الكلام الصحيح بعد أن أخطأ أصحاب أيوب الثلاثة فى كلامهم، وأجابهم أيوب بكلام لم يرض الله عنه، كما لم يرض عن كلامهم، فصحح أليهو للجميع فى النهاية بكلام قبله الله ولم يعترض عليه. وأيضاً ورد فى نفس السفر: "ولكن فى الناس روحاً ونسمة القدير تعقّلهم" (أى32: 8). وهذه الأقوال تعنى أن الروح القدس خلق الإنسان ومنحه الحياة وخلق فيه الروح العاقل لأنه يقول "نسمة القدير تعقلهم" ونحن نقول عن الروح القدس فى قانون الايمان أنه "الرب المحيى". ونقول فى صلاة الساعة الثالثة أنه "كنز الصالحات معطى الحياة" (القطعة الرابعة). إذن نحن نؤمن أن الروح القدس هو الذى يمنح الحياة للكائنات الحية. فهو مانح الحياة ورازق الحياة ومعطى الحياة. ب- الخلاص: أما بالنسبة للخلاص فإن الخلاص ليس هو عمل الابن وحده، بل هو عمل الأقانيم الثلاثة، وإن كان كل أقنوم له دور متمايز عن الآخر فى عمل الخلاص. وقال معلمنا بولس الرسول فى رسالته إلى العبرانيين "المسيح الذى بروح أزلى قدَّم نفسه لله بلا عيب" (عب 9: 14). أى أن الابن قدَّم نفسه ذبيحة لله الآب بالروح القدس. وبهذا نرى أن الله الآب كان " فى المسيح مصالحاً العالم لنفسه" (2كو5: 19). وفى ألحان الكنيسة وتسابيحها وصلواتها نقول عن الابن المتجسد "هذا الذى أصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب عن خلاص جنسنا، فاشتّمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة" (لحن (Vai etaf enf ج- عند نهر الأردن: وفى نهر الأردن كان الابن فى المياه يؤسس المعمودية المقدسة، والآب إذ انفتحت السموات يقول "هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت" (مت3: 17)، والروح القدس آتياً ومستقراً على الابن المتجسد بهيئة جسمية مثل حمامة. د- التجسد: وفى التجسد كوَّن الروح القدس ناسوتاً للابن ليتحد به اتحاداً أقنومياً (أى اتحاد لاهوت الابن بناسوته) فى نفس لحظة تكوين ناسوت الابن. كما قدّس مستودع العذراء مريم وقال الابن فى المزمور الأربعين واقتبسها أيضاً القديس بولس الرسول فى رسالته إلى العبرانيين "ذبيحة وقرباناً لم تُرِد ولكن هيأت لى جسداً. بمحرقات وذبائح للخطية لم تسر. ثم قلت هأنذا أجيئ فى درج الكتاب مكتوب عنى لأفعل مشيئتك يا الله" (عب10: 5–7). وقد اقتبس القديس بولس هذا النص من الترجمة السبعينية Septuagint الابن هنا يقول للآب إنك لم تسر بذبائح العهد القديم، وقد جئت لأصنع مشيئتك وأقدم جسدى ذبيحة مقبولة تسر أنت بها، وأنت الذى هيأت لى هذا الجسد (مقصود طبعاً الناسوت الكامل جسداً وروحاً عاقلاً). وهنا نلاحظ أن تكوين جسد يسوع منسوب إلى الآب وليس إلى الروح القدس وحده، وأيضاً قيل أن "الذى حبل به فيها هو من الروح القدس" (مت1: 20). فهل الروح القدس هو الذى هيأ الجسد أم الآب؟ لا نستطيع أن نفصل. إن الروح القدس هو الذى كوّن الناسوت بما فى ذلك الجسد فى بطن العذراء، ولكنه كوّنه بقدرةٍ إلهية هى من الآب بالابن فى الروح القدس كما قال الآباء ولذلك قال القديس كيرلس الكبير إن الله الكلمة قد كون لنفسه ناسوتاً من بطن العذراء مريم بواسطة الروح القدس وهذا يتفق تماماً مع ما أوردناه، ويتفق أيضاً مع ما قاله السيد المسيح أن كل ما يعمله الآب يعمله الابن أيضاً "لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك" (يو5: 19). وقال أيضاً "أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو5: 17) شهود يهوه مثلاً يركّزون على الآية التى تقول "لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل" (يو 5: 19) فنرد عليهم بقولنا إن الابن لا يعمل من ذاته لأنه لا يعمل فى استقلال عن الآب. فكل ما يعمله الآب يعمله الابن وأيضاً الروح القدس لكن مع تمايز الأدوار فى العمل الإلهى الواحد للثالوث. العمل واحد والأدوار متمايزة. ه- الجلجثة: مثلاً فى الجلجثة الابن كان يقدم نفسه للآب، فكان لابد أن يشتَّم الآب هذه الذبيحة رائحة سرور ورضا ويتنسم نسيم رائحة طيبة ذبيحة مقبولة (كما قال بولس الرسول لأهل فيلبى عن التقدمات التى قدموها له). لو غاب الآب عن المشهد، فمن الذى يقدم الابن نفسه له؟ لتقريب المفهوم نقول أن الآب هنا أخذ دور الديان بأنه هو الذى يأخذ للعدل الإلهى حقه، مع أن العدل الإلهى هو فى الآب والابن والروح القدس، لكن لكى ينفع العمل لابد أن يأخذ واحد دور الذبيح أو الشفيع والآخر يأخذ دور الديان الذى يتقبل الذبيحة كترضية للعدل الإلهى. هنا العمل واحد وهو الخلاص، لكن للآب دور لا يستطيع أن يغيب عنه وكذلك الابن وأيضاً الروح القدس. ومن خلال الطقس تشرح لنا الكنيسة هذه العقيدة ببساطة وبطريقة محببة وسهلة الاستيعاب، فنقول فى اللحن "هذا الذى أصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب عن خلاص جنسنا فاشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة". و- الحياة والعطايا: كل شئ فى الوجود هو من الآب بالابن فى الروح القدس حتى الحياة نفسها. صحيح أن الروح القدس هو مانح الحياة لكن الحياة أصلها فى الآب، كما قال الآباء أن كل عطية وكل طاقة أصلها فى الآب وتتحقق من خلال الابن فى الروح القدس أو بواسطته. الجوهر واحد وتخرج منه طاقة وقدرة، وهى لا تخرج من الآب وحده أو الابن وحده ولا الروح القدس وحده. هى صادرة من الثالوث لكن كل أقنوم يؤدى دور معين حتى تتحقق هذه القدرة. أقوال للآباء: وإليك بعض أقوال الآباء فى أن كل عطية وكل طاقة أصلها فى الآب تتحقق خلال الابن فى الروح القدس. القديس غريغوريوس أسقف نيصص: "كل عملية تأتى من الله إلى الخليقة، وتسمى بحسب فهمنا المتنوع لها. لها أصلها من الآب وتأتى إلينا من خلال الابن وتكتمل فى الروح القدس". القديس أثناسيوس: "الآب يخلق كل الأشياء من خلال الكلمة فى الروح القدس"وأيضاً القديس أثناسيوس "الآب يفعل كل الأشياء من خلال الكلمة فى الروح القدس" وكذلك قال القديس أثناسيوس: "من الواضح أن الروح (القدس) ليس مخلوقاً، ولكنه يشترك (له دوره) فى عملية الخلق. لأن الآب يخلق كل الأشياء من خلال الكلمة فى الروح (القدس)؛ لأنه حيثما يوجد الكلمة، فهناك الروح أيضاً، والأشياء التى خلقت من خلال الكلمة تأخذ قوتها الحيوية (خارجة) من الروح من الكلمة. لذلك كُتب فى المزمور الثانى والثلاثون "بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل قواتها". لقب المخلص: الخلاص هو عمل ثالوثى أما التسمير على الصليب فهو دور الابن، وفى المقابل كان للآب دور مرافق أو مشارك فى نفس العمل وهو قبول الذبيحة التى قدم الابن بها نفسه. والابن قدم نفسه ذبيحة بالروح القدس. ولعل الروح القدس كانت ترمز إليه النار الإلهية التى تنزل من السماء وتلتهم الذبائح التى كانت تقدم على المذبح فى العهد القديم. فهو النار الإلهية التى تُصعد الذبيحة وقد ورد فى رسالة معلمنا بولس الرسول لتلميذه تيطس ما يؤكد أن الآب له لقب المخلص كما أن الابن له لقب المخلص فقال "ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه لا بأعمال فى بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغُسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس الذى سكبه بغنىً علينا بيسوع المسيح مخلصنا" (تى3: 4-6). هنا معلمنا بولس الرسول يلَّقب كل من الآب والابن بلقب "مخلصنا". فالآب سكب الروح القدس بغنى علينا باستحقاقات الخلاص التى تممها يسوع المسيح. فعبارة "مخلصنا الله" فى هذه الآية لا يمكن أن تكون إلا على الله الآب الذى سكب الروح القدس بيسوع المسيح. ولا يستقيم الكلام هنا إن إفترضنا أن عبارة "حين ظهر لطف مخلصنا الله" تعود على الابن لأنه لا يقال عن الابن أنه قد سكب الروح القدس علينا بيسوع المسيح وكأن الابن هو الفاعل والمفعول فى آنٍ واحد. كما لا يستقيم الكلام إن إفترضنا أن "مخلصنا الله" تعود على الروح القدس لأنه يكمل بقوله "الروح القدس الذى سكبه علينا". هرطقة الأقنوم الواحد وعبارة "الله محبة": إذن لا يمكننا أن نقبل هرطقة سابيليوس التى تقول بالأقنوم الواحد لأن الديانة المسيحية مؤسسة على أن "الله محبة. ومن يثبت فى المحبة يثبت فى الله والله فيه" (1يو 4: 16). وقيل أيضاً "من لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة" (1يو 4: 8) إن الله محبة، فالمحبة هى صفة جوهرية فى الله، ولابد أن يمارسها ممارسة حقيقية قبل أن يخلق الخليقة. ولا يمكن أن نتصور الجوهر الإلهى بدون هذه الصفة! ونظراً لأن وجود الجوهر الإلهى لا يتوقف على وجود الخليقة وإلا كانت الخليقة هى جزءً من الله، أو هى الله، وهذا مستحيل، إذن فالحب هو فى الله قبل كل الدهور وقبل أن توجد الخليقة، ولا يمكن أن يوجد الحب دون أن توجد الأقانيم التى تتبادل هذا الحب والحب الثالوثى غير المحدود، هو كمال المحبة المطلقة. لهذا قال السيد المسيح قبل صلبه للآب "لأنك أحببتنى قبل إنشاء العالم" (يو17: 24). وقال أيضاً عن تلاميذه: "وعرَّفتهم اسمك وسأعرفهم ليكون فيهم الحب الذى أحببتنى به وأكون أنا فيهم" (يو 17: 26). إذن فرسالة السيد المسيح كانت تهدف إلى مصالحة الإنسان مع الله بالفداء لكى يتمكن من التمتع بهذا الحب الذى تتبادله الأقانيم قبل كون الخليقة. ولا يمكن أن يُفهم الله فهماً حقيقياً إلا من خلال هذا المنظور فعقيدة سابيليوس تؤدى إلى انهيار الديانة المسيحية. لأن معناها أن الله إذا أحب قبل أن يخلق الخليقة فإنه سوف يحب ذاته وهذه أنانية نربأ بها عن الله. وقد صدق أحد الفلاسفة المسيحيون الفرنسيون حينما قال: "أن نحب معناها أن نوجد – وأن نوجد معناها أن نحب" أى أن الوجود بدون المحبة يفقد قيمته ومعناه. الأقنوم كائن حقيقى له إرادة: ومن أخطر الأمور فى هرطقة سابيليوس أنه يحوِّل الأقانيم إلى مجرد أسماء. ولكن الأقنوم هو كائن حقيقى مثلما نقول للابن فى القداس الغريغورى: "أيها الكائن الذى كان.. والمساوى والجليس مع الآب". ويقول القديس يوحنا فى إنجيله "وحيد الجنس الإله الذى هو فى حضن الآب هو خبَّر" (يو1: 18). فكيف يُدعى الابن الوحيد الجنس وأنه فى حضن الآب ويكون – حسب رأى سابيليوس- هو مجرد اسم من أسماء الآب أو حتى صفة من صفاته؟!! أنه أقنوم حقيقى يتمايز بخاصية البنوة وله شخصيته الخاصة به، ولكنه واحد مع الآب فى الطبيعة والجوهر، وواحد معه فى الربوبية والملك والمجد والقدرة كل أقنوم يحب الأقنومين الآخرين بحرية مطلقة، ولكن أيضاً فى وحدانية مطلقة. ولهذا فالأقانيم لها إرادة واحدة من حيث النوع، وثلاث إرادات من حيث العدد. بمعنى أن كل أقنوم له إرادة ويحب بحرية الأقنومين الآخرين، لكن هذه الإرادة غير منفصلة فى طبيعتها عن إرادة الأقنومين الآخرين، لأن نوع الإرادة واحد ويجمعهم جوهر واحد وطبيعة إلهية واحدة. فما يقرره الآب يقرره الابن ويقرره الروح القدس بالطبيعة وبإلغاء سابيليوس لأقنومية الابن وأقنومية الروح القدس تنهار عقيدة الفداء فى المسيحية، لأن الابن قدّم نفسه ذبيحة مقبولة لأبيه السماوى، فكيف يقدم نفسه لنفسه ويتم الفداء؟!َ! وكيف يخاطب أحدهما الآخر مثلما قال السيد المسيح: "أيها الآب قد أتت الساعة. مجّد ابنك ليمجدك ابنك أيضاً" (يو17: 1) كما أن الآب قد قال سابقاً رداً على قول الابن "أيها الآب مجّد إسمك" (يو12: 28) "مجّدت وأمجد أيضاً" (يو12: 28). كيف يخاطب أحداهما الآخر إن كان أقنوم الآب هو أقنوم الابن وكيف يرد عليه؟!! إن هذا التعليم السابيلى (أى تعليم سابيليوس) يتجاهل كثير من آيات وأحداث الكتب المقدسة فى العهدين القديم والجديد. إدانة سابيليوس: وقد حرم مجمع القسطنطينية هرطقة سابيليوس الذى عاش فى زمن سابق لتاريخ انعقاد المجمع (أما مقدونيوس فكان هو بطريرك القسطنطينية وقت انعقاد المجمع). أى أن سابيليوس حُرم بواسطة المجمع بعد وفاته، لأن تعاليمه كانت هرطوقية، وقد مات وهو يعلِّم بها، فلهذا حرمته الكنيسة هو وتعليمه. مثلما حُرم كل من ثيئودور الموبسويستى (معلم نسطور) وديودور الطرسوسى بعد وفاتهما وذلك فى مجمع القسطنطينية الثانى 553م التالى لمجمع خلقيدونية (كما حرمتهما كنيستنا أيضاً قبل ذلك التاريخ) قد اعترض البعض على حرم أحد بعد وفاته، ولكن حرم الآباء فى مجمع القسطنطينية لسابيليوس بعد وفاته دليل على صحة هذا الإجراء. إنها هرطقات وقد مات أصحابها وهم يعلّمون بها وكان أبوليناريوس قد أدين قبل المجمع المسكونى فى القسطنطينية 381م فى عدة مجامع مكانية: فى روما 377م، وفى الإسكندرية 378م، وفى أنطاكية 379م. هذه المجامع أدانت هرطقة أبوليناريوس ثم أدين فى المجمع المسكونى الثانى الذى انعقد فى القسطنطينية 381م. وكان هو أسقف لاودكية وتوفى سنة 390م (أى عاش بعد المجمع تسع سنوات) ولاودكية هى مدينة اللاذقية اليوم فى سوريا. نيافة مثلث الرحمات الانبا بيشوى مطران دمياط ورئيس دير الشهيدة دميانة
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل