لم يَرَ الرب لمنفعتنا الروحية أن يُعلن لنا عن تحديد موعد ”اليوم الأخير“ للسموات والأرض أي موعد مجيء ابن الإنسان المُسمَّى ”يوم الرب فقد قال الرب لتلاميذه: «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة، فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السموات إلاَّ أبي وحده» (مت 24:36) وفي يوم صعود الرب يسوع إلى السماء حينما سأله التلاميذ عمَّا كانوا يظنون أنه هو يوم الرب الذي تحدَّث عنه المسيح: «يا ربُّ هل في هذا الوقت تردُّ المُلْكَ إلى إسرائيل؟» قال لهم صراحة: «ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه» ثم وجَّه أنظارهم في الحال إلى ملكوت الله الذي أتى لكي يبدأه ويؤسِّسه والذي هو ”حلول الروح القدس على البشرية الجديدة“ لذلك أردف قوله بهذا الكلام: «لكنكم ستنالون قوةً متى حلَّ الروح القدس عليكم» (أع 1: 8،7) وهكذا أظهر لهم أن ملكوت الله ليس هو ردّ المُلْك إلى إسرائيل بل هو حلول الروح القدس الذي به سيُستَعلَن الملكوت الجديد الذي يملك عليه الله بالروح القدس.
لماذا أخفى الله موعد مجيئه؟
1- إن عدم معرفة الزمن كان من شأنه أن يجعل المسيحيين في سهرٍ روحي واستعدادٍ دائم «انظروا! اسهروا وصلُّوا لأنكم لا تعلمون متى يكون الوقت وما أقوله لكم، أقوله للجميع اسهروا» (مر 13: 33؛37).
2- كما أن عدم معرفة وقت مجيء الرب سوف يُنبِّه المسيحيين أن يُميِّزوا الأحداث إن كانت هي علامات اقتراب موعد مجيئه وهكذا علَّم الرب «فمن شجرة التين تعلَّموا المَثَل متى صار غُصنُها رَخْصاً (أي غضّاً أو طريّاً) وأخرجت أوراقها، تعلمون أن الصيف قريبٌ هكذا أنتم أيضاً متى رأيتم هذا كله فاعلموا أنه قريبٌ على الأبواب» (مت 24: 32 ,33).
بعض العلامات كما وردت في الإنجيل:
1- انتشار البشارة بالإنجيل في العالم أجمع «ويُكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادةً لجميع الأمم ثم يـأتي المنتهى» (مت 24: 14) لأن هذه الشهادة لكل الأُمم ستكون مبرِّراً للدينونة لكل مَن سمع وآمن أو لم يؤمن.
2- ومن جهة أخرى فستكون هناك مظاهر استثنائية لقُوَى الشر في العالم «ولكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين» (مت 24: 12) ويكتب القديس بولس عن هذه المظاهر بأكثر تفصيل «في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة لأن الناس يكونون مُحبين لأنفسهم مُحبين للمال مُتعظِّمين مُستكبرين مُجدِّفين غير طائعين لوالديهم غير شاكرين دنسين بلا حُنوٍّ بلا رِضَى ثالبين عديمي النزاهة شرسين غير مُحبِّين للصلاح خائنين مُقتحِمين متصلِّفين مُحبِّين لِلَّذَّات دون محبة الله لهم صورة التقوى ولكنهم مُنكرون قُوَّتها» (2تي 3: 1-5) وعمومـاً يضعف الإيمان جـداً «متى جاء ابـن الإنسان ألعلَّه يجد الإيمان على الأرض» (لو 18: 8).
3- أما العلامة الثالثة فهي أن الشيطان سوف يَشِنُّ حرباً شعواء ضد ملكوت المسيح بآلاته وسيكون الأداة الرئيسية له ما يُسمَّى ”ضد المسيح“. ويُستخدم هذا الاسم ”ضد المسيح“ في الكتاب المقدس بمعنيين فبالمعنى العام المتسع هو يُشير إلى كل عدوٍّ لشخص المسيح وهذا ما يُسميه القديس يوحنا الرسول في رسالته الثانية ”ضد المسيح“ وهذا المعنى يجعل هناك «أضداد كثيرون للمسيح» كما ورد في الرسالتين الأولى والثانية للقديس يوحنا (2: 18) ولكن بالمعنى الخاص فهناك ”الضد للمسيح“ الذي يُشير إلى شخص محدَّد سيكون مضاداً للمسيح وسيظهر قبل نهاية العالم ويتحدث القديس بولس الرسول عن صفات وأعمال هذا ”الضد للمسيح“ بالمعنى الخاص الذي يُسمِّيه ”إنسان الخطية“ هكذا «لا يخدعنَّكم أحد على طريقةٍ ما لأنه لا يأتي (يوم المسيح) إن لم يأتِ الارتداد أولاً ويُستعلَن إنسان الخطية ابن الهلاك المُقاوِم والمرتفع على كل ما يُدعَى إلهاً أو معبوداً حتى إنه يجلس في هيكل الله كإله مُظهِراً نفسه أنه إله وحينئذ سيُستعلَن الأُثيم الذي الرب يبيده بنفخة فمه ويُبطله بظهور مجيئه» (2تس 2: 3-8)هذا الأثيم سوف يخدع المؤمنين بكل قوة وآيات وعجائب كاذبة وبكل خديعة الإثم ويُسمِّي القديس بولس هؤلاء المخدوعين باسم ”الهالكين“ لماذا؟ لأنهم لم يقبلوا محبة الحق حتى يخلصوا لذلك يقول القديس بولس إنَّ «الله سيُرسل إليهم عمل الضلال حتى يُصدِّقوا الكذب، لكي يُدان جميع الذين لم يُصدِّقوا الحق بل سُرُّوا بالإثم» (2تس 2: 11) وتظهر صورة هذا المُقاوِم لله في نبوَّة دانيال (أصحاح 11،7) وكذلك في العهد الجديد في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي (أصحاحات من 11-13) وسيظل هذا ”الضد للمسيح“ يعمل حتى يوم الدينونة حين يُبطله المسيح بنفخة فمه (كما ورد في نص الآية السابقة 2تس 2: 8).
4- وهناك في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي إشارة عن ظهور ”شاهدَيْن“ أثناء نشاط ”الضد للمسيح“ وسوف يتنبَّآن بالحق ويعملان معجزات وحينما ينتهيان من شهادتهما سوف يُقتلان ثم ”بعد ثلاثة أيام ونصف“ سيقومان ويصعدان إلى السماء (رؤ 11: 3-12) وهذان الشاهدان - بحسب تفسير آباء الكنيسة - هما أخنوخ وإيليا اللذان لم يموتا بل قيل عنهما في العهد القديم أنهما نُقلا إلى السماء أحياءً لكنهما سينزلان إلى الأرض لكي يذوقا الموت أثناء اضطهاد ”الضد للمسيح“ للمؤمنين.
5- أحداث غير طبيعية واضطرابات في الطبيعة وأحداث التاريخ كما هو مذكور في التنبُّؤات الواردة في إنجيل (مرقس 13 ومتى 24؛ ولوقا 21) اعتبرها المُفسِّرون القدامى أنها تشير إلى أحداث نهاية الأيام ومن بين هذه الأحداث مجاعات وزلازل وهي ”مبتدأ الأوجاع“ (مت 24: 8،7) ثم كسوف الشمس والقمر لا يُعطي ضوءه وتساقُط النجوم من السماء وتزعزُع السموات (مت 24: 27-29) وتغيُّرات فلكية وطبيعية واضطرابات كما ستحدث ثورات وحروب ومجاعات وأوبئة وكل هذه هي علامات النهاية «تقوم أُمة على أُمة ومملكة على مملكة وتكون مجاعات وأوبئة وزلازل في أماكن»
وتقول النبوَّة إنَّ كل هذه مجرد ”مبتدأ الأوجاع“ كما «تسمعون بحروب وأخبار حروب انظروا! لا ترتاعوا لأنه لابد أن تكون هذه كلها ولكن ليس المنتهى بعد» ولكن بعد كل هذا «حينئذ يُسلِّمونكم إلى ضيق ويقتلونكم وتكونون مُبغَضين من جميع الأُمم لأجل اسمي ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص» فليُعطِنا الرب القوة لكي نصبر ونحتمل من أجل اسمه ليكون لنا الخلاص في النهاية آمين.
مثلث الرحمات نيافة الحبر الجليل الأنبا بيشوى مطران دمياط ورئيس دير الشهيدة دميانة بالبرارى
المزيد