يوحنا ذهبى الفم

Large image

* وُلد عام 344 م. في أنطاكية، وهى العاصمة الكبرى آنذاك
*ربته أمه "انثوسا" لأن والده الذي كان قائدًا في الجيش مات مبكرًا.
* وحينما أنهى يوحنا دراسته الابتدائية، أرادت أمه أن يتابع دروسه العليا على يد أشهر أستاذ وهو المعلم ليبانوس.
* نبغ يوحنا وانتزع إعجاب أستاذه وزملائه حتى أن ليبانوس كتب له يقرظه على فصاحته وبلاغته وصفاء فكره، بل وفكر أن يخلفه يوحنا في إدارة مدرسته الفلسفية، لولا أن يوحنا أدار ظهره فيما بعد لأستاذه الوثني، بعد أن تعمد وانضم لكنيسة الله في سن الثامنة عشرة. وقيل إن ليبانوس سئل مرة عمن سيخلفه في إدارة مدرسته فأجاب: "يوحنا لو لم يسرقه منى المسيحيون".
* تعمد يوحنا وهو في الثامنة عشرة من عمره، ولم تمض سنوات ثلاث على عماده (وكان قد أنهى دراسته العامة)، إلا وكان قد رسم أغنسطسًا أي قارئًا إنجيليًا في الكنيسة ولعل هذه الرسامة كانت بداية لشوط خدمته الدينية الكبرى، لكنها كانت مجرد بداية.
لقد اعتزل يوحنا في ضواحي أنطاكية ليعيش كراهب، وكرس حياته للرياضات الروحية والعمل اللاهوتي الجاد.
سنة 380/381 سامه الأسقف شماسًا إنجيليًا، قبل أن يغادر البلاد إلى القسطنطينية لحضور المجمع المسكوني الثاني. ونعلم أن هذا الأسقف توفى أثناء انعقاد المجمع.
* وفي سنة 386 سامه الأسقف فلافيانوس بطريرك أنطاكية، خليفة ميليتيوس، على درجة القسوسية، فانفتح أمامه مجال جديد للعمل في الكرازة بالإنجيل.
أصبح قس أنطاكية الأعزل هو الأسقف المتقدم في الشرق، أي بطريرك القسطنطينية، المدبر الروحي للقسطنطينية، والواعظ الذي كان من بين أهم واجباته أن يعظ أمام الإمبراطور والعائلة المالكة.
* وغنى عن القول، أن ذهبي الفم نفسه لم يكن راغبًا في حدوث مثل هذا التحول في الأحداث، لكنه ما دام قد اختير، فلم يتردد لحظة واحدة في أن يأخذ المهام الجديدة الموكولة إليه.
* لقد كان في القسطنطينية فقراء ومرضى كثيرون. فمن أجلهم بدأ ذهبي الفم يدبر الأموال.
* أما ما استطاع أن يدبره من أموال بحسب تدبيره، فقد استخدمه في بناء المستشفيات لمعالجة المرضى، ومنازل الغرباء، ووضع على رأس كل منها كاهنين لائقين.
* وسرعان ما انتشرت شعلة هذه الخدمة المسيحية بين صفوف الشعب، فبدأت محبة القريب تنشر دفء أشعتها بين أفراد الشعب بعضهم البعض وبينهم وبين راعيهم المحبوب.
* وأخيرًا، فقد انشغل ذهبي الفم بعمله المعتاد، أي الدراسة والصلاة، لدرجة أن المساء كان يحل وقد نسى نفسه فلم يتناول طعام غذائه.

المقالات (14)

04 يناير 2022

رحمة الله الظاهرة للبشر في تجسد ابن الله

يقول القديس بولس الرسول: "لأنّه هو سلامنا جعل الإثنين واحداً ونقض في جسده حائط السياج الحاجز أي العداوة" (افسس2: 14). الحق! إن المتجسد من العذراء نقض حائط السياج الحاجز، وصار الاثنان واحداً. تبدّد الظلام وأشرق النور وغدا العبيد أحراراً والأعداء بنين. زالت العداوة القديمة وساد السلام المرغوب من الملائكة والصِدّيقين منذ القديم، لأن الأمر المدهش قد تمّ، وهو أنّ ابن الله صار إنساناً، فتبعته الأشياء كلّها، المخلص يضع ذاته ليرفعنا، ولد بالجسد لتولد أنت بالروح. سمح للعبد أن يكون له أباً، ليكون السيد أباً لك أيها العبد. فلنفرح ونبتهج كلنا. لأن البطريرك "إبراهيم قد ابتهج ليرى فرأى وفرح" (يوحنا8: 56) فكم بالحري نحن الذين رأينا الرب في الأقمطة! لذلك، يجب علينا أن نسَّر ونبتهج بعظمة إحسانه. إنه لأمر يستحق الانذهال. لقد ساد السلام لا لمبادرتنا إلى الرب نحن الذين أخطأنا إليه ، بل لأن الساخط علينا نفسه قد شفق علينا. "فأسألكم من قبل المسيح أن تتصالحوا مع الله" (كورنثوس الثانية 5: 20) إذ خلق العلي بنعمته وحدها الانسان وأعطاه على الأرض أجمل مكان ليعيش فيه، ووهبه وحده العقل بين المخلوقات كلها، وسمح له برؤيته تعالى، والتلذذ بالحديث معه، ووعده بالخلود، وملأه بالنعم الروحية حتى أن الإنسان الأول تنبأ؛ ولكنه بعد هذه الخيرات كلها رأى العدو أجدر بالايمان ممن وهبه جميع ما ذكر، فاحتقر وصية الخالق وفضل من كان يعمل على هلاكه بكل الوسائط. ومع ذلك فما أباد الله الارض كما تقتضي العدالة، لما أظهر الإنسان من العقوق وعدم معرفة الجميل. بل صار يُعنى به أكثر من الأول، لأن الخطر اشتد كثيراً بعد استسلام جنسنا للإثم، وتعرضه للهلاك. ولكن الآب السماوي اهتم للخاطئ وحدثه كصديق مبيناً له خطر الهلاك المحدق به، ثم أعطاه الشريعة كمساعد له، وأرسل الأنبياء لتعلمه ما يجب عليه أن يفعل. "ثم أرسل له وريثه نفسه – أي ابنه – مولوداً من امرأة تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني" (غلاطية4: 4و5) لذلك نرى نبي الله متعجباً من حكمة الضابط الكل وصارخاً : "هذا هو إلهنا قد تراءى على الأرض وتردد بين البشر" (باروك 3: 38) ابن حقيقي لآب أزلي لا يعبر عنه ولا يدرك، اجتاز أحشاء بتولية، وتنازل ان يُولَد من عذراء، ولم يكفّ عن العمل والشروع بالأشياء حتى جاء بنا نحن الأعداء إلى الله، وصيّرنا اصدقاء له، فكان كمن يقف بين اثنين متقابلين باسطاً ذراعيه لهما ليوحدهما معاً. هكذا فعل ابن الله موحداً الطبيعة الإلهية مع البشرية، أي خاصته مع خاصتنا. هذه وفرة نعمة الرب. إن الذي غضب يسعى للسلام قاهراً المغتصب. قد يخلع الملك تاجه أحياناً ويلبس حلة جندي بسيطة حتى لا يعرفه أحد من أعدائه. أما السيد المسيح فقد جاء لابساً حلتنا حتى يُعرف، ولا يدع العدو يفر هارباً قبل القتال، ويدعو أتباعه إلى الاضطراب، إن غاية ابن الله هي الخلاص لا الإرهاب. ربما تقول: لماذا لم تكمل هذه المصالحة بواسطة أحد الأرواح غير المتجسدة أو أحد البشر، بل بواسطة كلمة الله؟ فالجواب لأنه لو حصلنا على الخلاص بواسطة أحد الصديقين لما علمنا مقدار عظم اهتمام السيد بنا، ولما أصبح موضوعاً للإعجاب مدى الأجيال. فانه ليس بالأمر المدهش الفريد لو دخل مخلوق في الاتحاد مع مخلوق آخر؛ وبالتالي، لما قدر الإنسان أن يعمل عملاً إلهياً. وسرعان ما يسقط الأرضي، كما عمل اليهود، إذ حوّلوا خلاصهم المعطى لهم بواسطة موسى إلى شرور أشدّ من التي تحمّلوها في أرض مصر، وكادوا يؤلهون موسى بعد موته. إنهم أرادوا أن ينادوا به إلهاً،وهم يعلمون أنهم معه من طبيعة واحدة. وأخيراً لو أرسل ملكاً أو بشراً لاجل إنقاذنا من السقوط لما حصلنا على الخلاص ولا قدرنا أن نقترب من الذي حصلنا عليه الآن. ولو أن قوام خلاصنا حصل من طبيعة ملائكية أو بشرية فكيف يُعطى لنا أن نجلس عن يمين الآب السماوي ونصير أعلى من الملائكة ورؤساء الملائكة، ونستحق ذلك الشرف الذي تتمنى القوات العلوية الدخول في مجده. ولو حرم الجنس البشري من هذا النصيب المغبوط ألا يظهر عدونا القديم كبرياء أعظم من الاولى ويفكر بتهييج السماء ذاتها؟ فمن أجل هذه الاسباب وغيرها أخذ ابن الله الطبيعة البشرية وكمّل خلاص الجنس البشري كله. وعليه إذا تصورنا عظمة تنازل الله فلنعطِ السيد الشرف الواجب، لأننا لا نقدر أن نكافئه إلا بخلاص نفوسنا، وبالاهتمام بالقريب. وليس من عيد أفضل من اهتمام المسيحي الحقيقي بالقريب، والاجتهاد بخلاصه. لأنّ المسيح لم يرضِ ذاته بل الكثيرين. هكذا يقول رسول المسيح: "غير طالب ما يوافقني بل ما يوافق الكثيرين لكي يخلصوا) “كورنثوس الاولى 10: 33( القدّيس يوحنا الذهبي الفم
المزيد
04 ديسمبر 2021

التجسد الإلهي

حب وعمل! بسبب الحب أخذ جسدنا وتراءف علينا ليس هناك سبب آخر لتجسده! الإنسان والحب جبل الإنسان مخلوًقا محبا، لا يقدر أن يتذوق الحياة ولا أن يمارس إنسانيته خارج دائرة الحب. يريد أن يكون محبوبا، لو أمكن من العالم كله! ويشتاق- بين الحين والآخر- لو اتسع قلبه ليحمل المسكونة كلها في قلبه بالحب! هذه ليست طبيعتي وطبيعتك، ولا هي أحاسيس عابرة تجتاز نفسي ونفسك، لكنها هي خبرة "الحياة"،خبرة الإنسان عبر كل العصور، وتحت كل الظروف.قد يبدو الإنسان جادا أو منهمكا في مسئولياته الكبرى، أو مشدودا إلى أبحاثه، أو غارًقا فى أعماله،وقد يكون الإنسان قاسيا وعنيًفا بل وأحياًنا مجرما وقاتلا... لكنه وسط هذا كله تجده متعطشا للحب... يخورأمامه سريعا ويستسلم! لكننا نتساءل: وهل يترك الله الإنسان محتاجا إلى الحب، يتسوله من هذا أو يستجديه من تلك، بغيرشبع؟! بل وكثيرا ما يجرى وراء الصداقات والزمالات والعواطف... وللأسف غالبا ما يكتشف بعد خبرةسنوات أن سر هذه العلاقة مع أحب إنسان لديه هو الأنانية!!! الله حب! إن كان الإنسان بطبعه محبا، فلأنه على مثال الله "الحب اللانهائي"... ينجذب إليه، لا ليقدم حساباعن أعماله، ولا ليقدم فروض الطاعة والولاء وصنوف العبادات والتذلل، ولا لينتظر مكافآت وجزاءات ولا ليتقي غضبه... لكنه أولا وقبل كل شيء يرتمي في أحضانه ويتكيء على صدره لينهل من ينابيع حبه، التي وحدها تقدر أن تروي نفسه الظمآنة! يقول ابن سيراخ أن من يأكل منه يعود إليه جائعا، ومن يشرب منه يعود ظمآًنا إليه! إنه ينهل من حب الله بلا حدود! هذا الحب الإلهي ليس كلاما بل عملا، أوجد له العالم قبل خلقته لا ليشبع احتياجات جسده، بل وأيضا لكي يتلمس حب الله العملي في الخليقة فترتوي نفسه جبل له حواء أيضا لكي لا يكون وحيدا، لكنه يتلمس محبة الله خلال تآنسهما معا، وهما يلهجان في أعمال الله ويسبحانه من أجل تدابيره المملوءة حبا! بعد السقوط، خرج "المخلوق المحب" من فردوس الحب إلى عالم مملوء وحشية، قانونه الظلم ودستوره العنف، إذ تحول من وحدة الحب إلى انقسامات الكراهية والأنانية، كل قبيلة لا تؤمن إلا بنفسها، تؤمن بالبقاء للأقوى والموت للأضعف!... تحول الإنسان إلى وحش كاسر لا يفترس أخاه بل ونفسه حتى ليصل أحياًنا إلى الرغبة في الانتحار، كارها نفسه! بمعنى آخر، خرج الإنسان من فردوس الحياة إلى عالم الموت، عوض الحب يمارس الأنانية... فإنه وإن صادق أو زامل أو ترفق، فغالبا ما يكون لأجل نفسه لإشباع حاجاته النفسية أو الاجتماعية! ومع هذا، ففي أعماقه يحس بين الحين والآخر بحنين أن يحب وأن يحب، لكنه كثيرا ما لا يجد من يحبه حًقا، وكثيرا ما يحسب أنه لا يوجد في العالم من يستحق حبه! لقد فسدت حياته الداخلية، كما فسد العالم المحيط به... وصار الأمر جد خطير! لقد فقد الإنسان حياته وطبيعته وبصيرته... فهل يتركه "الحب اللانهائي" هكذا يتخبط؟! الحب يقتحم حياتنا! في "فردوس الحب" كان الإنسان ينعم بالحب، يحصره الله بالحب، ويفيض هو حبا نحو الله، متهللا كلما "سمع صوت الله ماشيا في الجنة"... لم يكن محتاجا إلى وصية عن "الحب" ولا معلما يرشده ويدربه على"الحب"... لكن كان يكفيه اللقاء الدائم مع الله، والوجود المستمر في حضرته! أما وقد خرج الإنسان هائما في عالم الأنانية، لم يقف الله مكتوف الأيدي، بل كان يليق به أن يعلن حبه عمليا، فأرسل إلينا وصيته "حب!"... "حب الرب إلهك... حب قريبك كنفسك" أرسل الله الوصية أو الناموس يطالبنا بالحب، لكن الناموس كان صعبا والوصية غير قادرة على تغيير طبيعتنا. فصار الناموس وهو مقدس كاشًفا للضعيف غير معالج له... فيقول الإنسان "لما جاءت الوصيةعاشت الخطية فمت أنا. فوجدت الوصية التي للحياة هي نفسها لي للموت. لأن الخطية وهي متخذة فرصة بالوصية خدعتني بها وقتلتني" هذا ما فعله الناموس، وهذا ما أكده الأنبياء، إذ جاءوا نبيا يلي نبيا من أجل تنفيذ وصية الحب.فكشفوا العجز البشري وحاجتهم إلى من يعيد إليهم طبيعة الحب المفقودة. الحب يتجسد! إذ كان الإنسان موضع لذة الله وموضوع حبه كان يلزم ألا يبقى الله في سمواته يعلن حبه للإنسان وهو منعزل عنه. لا يكفي أن يرسل إليه الوصية أو الناموس، ولا أن يبعث إليه بالأنبياء، لكن حبه ألزمه أن يلتقي بالإنسان في عالمه... يدخل معه طريقه، ويشاركه حياته الأرضية لكي يحمله بالحب على كتفيه ويعيده من جديد إلى "عالم الحب"، إلى الحياة السماوية! تجسد "الحب" ليعيش بين البشر، واحدا منهم، حاملا إياهم إلى "حياة الحب" المفقودة... وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم "صار ابًنا للإنسان لكي يصير أبناء الإنسان أبناء لله". جاء يلاطف الإنسان بالحب،يجذبه إليه، واهبا إياه طبيعة جديدة، طبيعة الحب الحقيقي التي تفرح قلب الله. "هكذا يصبح الإنسان قيثارة،متوافقة، نغمها الروحي يسحر الله"! بحق دعي التجسد سرا أنه سر حب الله اللانهائي، إذ "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية".الإله المعبود صار إنساًنا، وقابل الذبائح والتقدمات "صار كاهًنا وذبيحة"! أعلن حبه بالعمل لا بالكلام "فإن الله لم يجازنا عن تعدياتنا الكثيرة التي اقترفناها ضده رغم إحساناته علينا، بل أعطانا ابنه. جعله من أجلنا خطية تركه يدان ويموت كملعون! إنه يشبه ملكا يرى لصا على وشك الإعدام فيرسل ابنه الوحيد الحبيب، ينقل عليه الموت ذاته بل وخطأ المجرم! هذا كله من أجل خلاص المذنب ورفعه إلى كرامة عظيمة".لقد ترنم الآباء بهذا التجسد العجيب الذي دخل إلى حياتنا ليرفعنا إلى الصداقة مع الله، والشركة مع السمائيين، والتمتع بحياة الحب يقول القديس غريغوريوس العجائبي "المولود من الله الآب أخذ لنفسه من العذراء جسدا حتى يدين الخطية في الجسد، ويهزم المجرب، معلًنا بداية القيامة وتأسيس الحياة الأبدية ونشأة الصداقة بين الناس والآب".ويقول مار إفرآم السرياني "المجد لذاك الذي نظر إلينا إننا قبلنا التشبه بالوحوش في هياجنا وجشعنا، فنزل إلينا وصار واحدا منا، حتى نصير نحن سمائيين". ويقول مار يعقوب السروجي: "الحب جذبك لتأتي إلى بلدنا من أجلنا... حبك خلطك معنا بالجنس، لنرتل لك! صرت معنا ومنا، إذ أنت ربنا. هوذا عمانوئيل معنا، بجوارنا...".لنحب... بالإيمان والروح والعمل! "هو أحبنا أولا..." لقد بادرنا بالحب لكي يجذبنا إليه، لا بالعاطفة والمشاعر ولا بالكلام والوصية، إنما فوق الكل بالعمل والبذل! تجسد وتأنس، تألم وصلب، مات ودفن، قام ليقيمنا معه حاملين "جدة الحياة". يفتح ذراعيه بالحب نحو العالم... يدعو الجميع، ويلح في الدعوة، مؤكدا "أن كل الفضل هنا لصاحب الدعوة، وما على المدعوين إلا الطاعة"... يريد أن يبرق في كل نفس ويدعوها باسمها كما في طريقها إلى دمشق لكي يخلق من شاول المقاوم بولسا المحب قائلا "لستم أنتم اخترتمونى بل أنا اخترتكم" قدم عملا وبذلا،ولا يزال يقدم الدعوة الشخصية لكل أحد، لكى من يؤمن به يتجاوب معه بالحب العملي، فيرتمي في أحضانه بالنعمة الإلهية لينعم بالخلاص... الخلاص هو التلاقي بين حب الله العملي وحب الإنسان الإيماني العملي. هو خروج من الذات بالروح القدس لكي يدخل الإنسان الحياة الجديدة في المسيح يسوع، كحياة إنجيلية عملية، ممارسة حب مع ذاك الذي يحبها هذا التلاقي يتم بالطبيعة الجديدة التي ننالها بالمعمودية، بالروح القدس الذي ننعم به في الميرون هذا ما أكده الكتاب قائلا "من آمن واعتمد خلص...". لنؤمن ولنعتمد، حاملين الروح القدس فينا،الذي وحده يقدر أن يدخل بنا ونحن في كامل حريتنا إلى "الحياة الإلهية"... "إذ لا نقدر أن نجري في طريق الله إلا محمولين على أجنحة الروح" لابد للتنعم بفاعلية سر التجسد أن نقبل روحه القدوس عوًنا وسندا ينطلق بنا إليه، لنعيش في شركة مع الإله المتجسد، نمارس حياته الفاضلة فينا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:"بمعونة الله نحن نفعل الخير الذي نعمله"،"ليس أقوى من الذي يتمتع بالعون السماوي، كما أنه ليس أضعف من الذي يحرم منه"، "لنكن أقوى من الجميع، ممتلئين ببولس وبطرس ويعقوب ويوحنا، فإن غاب عنا العون الإلهي لا نقدر أن نقاوم أتفه إغراء". تلاقي عملي الله في حبه بذل ابنه بإرادته الكاملة، إرادة محبة عاملة، ونحن أيضا يلزمنا أن نلتقي مع هذه الإرادة بإرادة كاملة، إرادة حب باذل... هذا هو سر خلاصنا! أحبنا أولا بإرادته ونزوله إلينا، ونحن به نحبه بقبوله فينا بالإيمان العملي! بمعنى آخر لا يلزمنا الله بالخلاص قسرا، كما لا يطلب منا إيماًنا سلبيا بل عاملا... هذا ما أكده القديس يوحنا الذهبي الفم، إذ أقتطف القليل من أقواله في هذا الشأن."أوجد الخالق طبيعتنا سيدة نفسها. في رحمته يهبنا معونته على الدوام، وهو مدرك ما هو مختبيء في أعماق القلب. إنه يرجونا وينصحنا وينهانا، محذرا إيانا من تصرفاتنا الشريرة، لكنه لا يفرض علينا شيئًا قسرا. يعرض الأدوية المناسبة، تاركا الأمر كله لقرار المريض نفسه"."نحن سادة، نستطيع أن نجعل كل عضو فينا آلة للشر أو للبر"."الله لا يريد أن تكون العطية بكاملها من جانبه، لكنه يريد أن تدخل فيها الصلاة حتى لا يصير العبد بغير مكافأة."الله يريد أن يظهر العبد وكأنه قد ساهم في شيء فلا يسقط في الخجل"."النعمة دائما مستعدة! إنها تطلب الذين يقبلونها بكل ترحيب. هكذا إذ يرى سيدنا نفسا ساهرة وملتهبة حبا يسكب عليها بفيض غناه، وبغزارة تفوق كل طلبته". "الله يدعو ويجذب إلى الحق الذين حتى في أخطائهم يطلبون طريق الحق"."إن عطش أحد فليقبل إلي ويشرب".أنا لا أسحب أحدا بالقوة ولا بالعنف، لكن إن كان أحد ممتلئًا إرادة حسنة ومشتعلا بالرغبة، هذا أناأدعوه"."يلزمنا أولا أن نصنع ما نستطيع، فيعمل الله فينا". "كيف صار بولس بولسا؟ من نفسه أم من الله؟ من الله، لأنه من نفسه!"."لا يغضبنا الله ولا نعمة الروح تلزم إرادتنا، إنما ينادينا الله وينتظر لكي نتقدم بملء حريتنا. فإذا مااقتربنا يعطينا كل عونه"."أي شعلة يشعلها الروح في داخلنا، نستطيع نحن إن أردنا أن نوهجها أكثر فأكثر، وإن لم نرد نفقدهاللحال"."الله في حبه قد أعدنا من قبل (النعمة) للخلاص. هذا الخلاص نبلغه لا بمجهودنا ولا بأعمالناالصالحة، بل بالنعمة. ولكن ليس بها فقط بل بالفضائل أيضا. لأنه لو كان كل شيء من قبل النعمة وحدها لخلص جميعنا. ولو كان كل شيء بفضيلتنا الشخصية فما فائدة شفاعة المسيح وتجسده؟! بالحقيقة نحن مخلصون بالنعمة وحدها ولا بالفضيلة وحدها بل بالاثنين معا"."الله يطلب منا حجة صغيرة حتى يقوم هو بكل العمل". بالنعمة أنتم مخلصون! إن كان القديس يوحنا الذهبي الفم يؤكد أهمية الجهاد لكنه يخشى أن نسقط في الكبرياء، فنظن أننا بجهادنا الشخصي ندخل الحياة الإنجيلية، بتقوانا أو بأعمالنا الصالحة، لذلك ينصحنا قائلا:"لا شيء يجعل أعمالنا الصالحة عديمة الفائدة وباطلة إلا عندما نتذكرها ظانين أننا فعلنا الحسنى". "أعترف أنك تخلص بالنعمة، لكي تشعر بأن الله دائن لك، ليس من أجل أعمالك الصالحة بل من أجل أحاسيسك النبيلة... فإن أسندناها لله، تكون مكافأتنا عن اتضاعنا أعظم من مكافأتنا عن الأعمال نفسها".أخيرا، لقد أحبك الله ونزل إليك، لكي يرفعك بنعمته إليه... إنه ينتظر على الدوام لقاءك، لكي تعلن له حبك وتقبله في حياتك.بركة الرب ترافقك القديس يوحنا ذهبي الفم
المزيد
31 يوليو 2021

الصلاة فى مزامير داود النبى

كما شرحها القديس يوحنا ذهبي الفم حينما خاطب القديس يوحنا ذهبي الفم شعبه سواء مباشرة من على المنبر أو بالمقالات المكتوبة، كان يستعرض فهمه للطبيعة البشرية ولتقلُّبات الحياة اليومية. وقد كان اهتمامه الأول أن يسمو بشعبه ويجذبهم ليقتربوا أكثر فأكثر من شخص الرب يسوع المسيح. كان يحاول باستمرار، ليس فقط أن يُعلِّمهم كيف يحيون حياتهم متشبِّهين بالمسيح، بل وأيضاً كيف يُنمون حياتهم الروحية. وكانت الصلاة من بين الموضوعات التي كان يُكثر الحديث عنها. وفي شروحاته على المزامير يتناول هذا الجانب الهام: ”الصلاة“ بتوسُّع، وإن كان ليس على سبيل الحصر.ولا يتحدث القديس ذهبي الفم عن الصلاة من جهة أنواعها المتعددة (صلاة التمجيد، صلاة التوسُّل... إلخ)، بقدر ما يتكلَّم عن هدف أن يستجيب الله صلاتك بأي نوع كانت. ويدور تناوله لهذا الجانب من الصلاة حول داود النبي والمرنِّم، وكيف كان يسعى لإرضاء الله حتى يستجيب له.وفي شرحه للمزمور السابع الذي يصفه بأنه ترنيمة شكر لله بعد انتصار داود على ابنه أبشالوم، يُعدِّد القديس ذهبي الفم ستة شروط لاستجابة الله لصلواتنا: شروط استجابة الصلاة: أولاً: أن تكون جديرة بالقبول من الله، ثانياً: أن يُصلِّي الإنسان بما يتوافق مع شرائع الله، ثالثاً: أن يُصلِّي الإنسان على الدوام وباستمرار، رابعاً: أن لا نطلب متاع الأرض في صلواتنا، خامساً: أن نطلب ما هو نافع حقًّا لنا، سادساً: أن نفعل كل ما في مقدورنا فعله من صلاح. إن العلاقة بين الصلاة والحياة عموماً هي موضوع رئيسي في شروحات المزامير للقديس يوحنا ذهبي الفم ولا يعسر علينا العثور عليها كثيراً في سائر عظاته الأخرى. فالحياة التي يعيشها الإنسان، والطريقة التي يُعامِل بها رفقاءه مــن بني البشر، ومـا يكمن داخل أعماق نفسه، كل هذه أمور ضرورية للصلاة الناجحة، تماماً مثل أهمية كلمات الصلاة نفسها. كما أنه ليس هناك أسلوب محدَّد للكلمات التي نُرضي بها الله، فمعاني الكلمات والإحساسات التي تقف وراءها هي التي تهم.وهنا يتضح تأثير رسائل القديس بولس الرسول. فالقديس بولس كثيراً ما تكلَّم عن سلوك الحياة كما يحق للرب، وفي كولوسي 10:1 يصف مثل هذه الحياة بأنها الإثمار في كل عمل صالح. وفي تسالونيكي الأولى 17:5 يحث المسيحيين على الصلاة الدائمة. وهو في هذا يكرر الوصية في رومية 12:12: «مواظبين على الصلاة»، وتصريحه في أفسس 18:6: «مُصلِّين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح». أما عن الحياة بحسب مشيئة الله فيوصي الرسول المسيحيين في رومية 2:12: «ولا تشاكلوا هذا الدهر» (أي لا تعيشوا بحسب هذا العالم)، ويوبِّخ بولس الرسول مسيحيي فيلبي الذين «يفتكرون في الأرضيات» (في 19:3). ويربط القديس ذهبي الفم بين الشرط الخامس لاستجابة الصلاة وبين القديس بولس حينما صلَّى إلى الله أن يرفع عنه الشوكة التي في جسده فلم يستجبْ، بأنها مَثَل للصلاة من أجل ما ليس نافعاً للإنسان.ومما لا شكَّ فيه أنه كان للقديس بولس تأثير عميق في تعاليم القديس ذهبي الفم. وكثيرة جداً هي إشارات القديس ذهبي الفم في كل كتاباته وفي بعض من باقي أعماله (وإن لم يكن في شروحاته على المزامير) حيث يُسجِّل إعجابه بلا حدود بالقديس بولس. ويرجع ذهبي الفم إلى القديس بولس ليس بمجرد ترديد نصوص من رسائله؛ بل هو يستغرق في كتاباته فيرجع إلى مضمون مفاهيمه اللاهوتية حينما يتناول موضوعاً مـا. وكمثال لهذا، مـا نـراه في الشروط الستة لاستجابـة الصلاة. فباستثناء ”الصلاة بـلا انقطاع“ (1تس 12:5)، فإن باقي الأمثلة المستقاة من رسائل بولس الرسول لا تختص بالصلاة بالذات، بل بوصايا بولس الرسول للسلوك في الحياة المتمثِّلة بالمسيح. مما يلفت نظرنا إلى أن الصلة بين الحياة المتمثِّلة بالمسيح وبين الصلاة الناجحة هي لفتة يتميز بها القديس يوحنا ذهبي الفم. وهذه الدراسة قائمة على شروط ذهبي الفم الستة كما يشرحها ليس فقط في تفسيره للمزمور السابع، بل وفي كل شروحاته على المزامير. وفي هذه الدراسة قسَّمتُ هذه الشروط إلى قسمين اثنين: الشرطان الأول والسادس مختصَّان بالحياة والصلاة كشرطين لاستجابة الصلاة، والشروط من الثاني إلى الخامس مختصَّة بمضمون الصلاة.والقديس ذهبي الفم يتكلَّم عن كاتب المزامير باعتباره ”النبي“، وهو ليس إنساناً آخر سوى داود. وتشمل الشروط الستة الحياة بأكملها، وبكلمات القديس يوحنا فإنه لكي تتحقَّق هذه الحياة، فإنه لابد من أن يصحب المزمور القارئ في كل مستوى من مستويات حياته الشخصية. وحينما يُقدِّم داود باعتباره مؤلِّف المزامير ويرجع إلى الأحداث التي تمَّت في سيرته ليشرح هذه المزامير، فإنَّ ذهبي الفم يُقدِّم داود للقارئ باعتباره شخصاً حقيقياً يتحدث عنه. وهو بهذا يوفِّر لنا تعمُّقاً في نصوص المزامير أكثر مما تعوَّدنا عليه من تفاسير المزامير. الحياة والصلاة معاً لضمان استجابة الصلاة لكي نستحق أن ننال استجابة لصلواتنا، فهذا يتطلب بالضرورة أن نعمل كل ما في وسعنا. وهذا يعني: طريقة الحياة، ووضع الصلاة، ما يجعل الله منصتاً لصلواتنا. ويعتبر القديس ذهبي الفم داود أنه بالدرجة الأولى المعلِّم لهذه الأمور. فهو ليس فقط مستحقاً لاستماع الله له، بل هو أيضاً جديرٌ بأن يكون قدوة للآخرين. الاستحقاق في الصلاة: حينما يتحدَّث ذهبي الفم في ”شرحه لمزمور 7“، عن تعقُّب أبشالوم لداود، يضع تأكيداً على رد فعل داود لهذه الضيقة، حيث تظهر شخصية الرجل بوضوح. وحتى بعد أن قتل أبشالوم أخاه، يقول ذهبي الفم إن داود عامَـل ابنه برفق، ثم بـالرغم من أن أبشالوم انقلب حينئذ على أبيه واضطره إلى الهرب خوفاً على حياتـه، فإن داود يظل يقول لجنوده: «ترفَّقوا لي بالفتى أبشالوم» (2صم 5:18). وحينما بلغ داود خبر مقتل أبشالوم صرخ باكياً منزعجاً: «يا ابني يا ابني أبشالوم، يا ليتني مُتُّ عِوَضاً عنك...» (2صم 33:18). لقد عانى داود عداءً شديداً على يدي ابنه، ويُعلِّق القديس ذهبي الفم بأن داود تألَّق كالذهب في بوتقة الانصهار، إذ صار أكثر نقاءً بسبب هذه المحنة القاسية) ويرى القديس ذهبي الفم في عزلة داود وضعفه الواضح نموذجاً لانتصار الفضيلة على الرذيلة، لأن الفضيلة ــ كما يقول ذهبي الفم ــ يقف الله لها حامياً ومعضدا ,. ويحثُّنا أن نقتدي بهذا المثال الذي يُقدِّمه داود بكلماته في المزمور: ”يا رب إلهي، فيك وثقتُ، فخلِّصني...“ (مز 1:7 ــ بحسب النص في شروحات ذهبي الفم). وهذه النصيحة التي يُسديها لنا ذهبي الفم تربط بين الحياة والصلاة.وتتضح فضيلة حياة داود العالية من بدايات مُلْك داود. ففي 2صم 14:7ــ16 يُعلن الرب أنه سيُثبِّت مملكة داود إلى الأبد، وسوف يؤدِّبه إن أخطأ، ولكنه لن ينزع رحمته منه كما نزعها من شاول الملك.ولكن إن كان ذهبي الفم قد أوضح أن حياة الفضيلة العالية ضرورية لحياة الصلاة الناجحة، فماذا يا تُرى قال عن خطية داود العظيمة مع بثشبع؟ لا شكَّ أن كلامه ذو أهمية وحاسم لنفهم تعليمه عن علاقة الخاطئ بالله وفرصته في الصلاة الناجحة.وفي الشروحات كما هي متاحة لنا اليوم، يرجع القديس ذهبي الفم إلى مرجعين في هذا الموضوع. ففي شرحه على مزمور 6 يقول إن داود ارتكب خطية القتل، إلاَّ أنه اختبر ”محبة الله للبشر“ Philanthropia. وفي شرحه على مزمور 4 يتكلَّم عن المعاناة القاسية التي أصابت داود بسبب شهوته الآثمة ويُقدِّم القديس ذهبي الفم تعليقاً مطوَّلاً على هذه المسألة في ”عظاته على إنجيل متى ــ العظة 36“، حيث يصف ارتكاب داود للزنا والقتل بأنه ”مرض“، تفاقم سُوءُه بسبب حقيقة أنه لم يكن فقط رجلاً فاضلاً؛ بل أيضاً نبيًّا. لكن ذهبي الفم يعود فيؤكِّد على ”سرعة تماثـُل داود للشفاء“ من مرضه، لأنه لم يستغرق في اليأس بل تاب، وعاد طاهراً مرة أخرى([في موضع آخر يصف طريقة داود في التوبة بأنها بالاتضاع، وندم القلب، وبتأنيب الضمير، وبعدم الرجوع لهذا السقوط مرة أخرى بتذكُّرها دائماً، وباحتمال كل ما يأتي عليه بالشكر، وبالرفق بمن يحزنونه، وبالامتناع عن الحُكْم على الذين يتآمرون ضده، إلى حدِّ مَنْعه الذين كانوا يريدون أن يفعلوا هذا.ونجد في المزامير التي شرحها القديس ذهبي الفم برهاناً على كل ذلك. فكما رأينا، فإن سلوك داود تجاه أبشالوم برهان على الامتناع عن مجازاة خصومه. أما عن احتماله بشكر ما يأتي عليه، فإننا نجد ذلك في مزمور 7 حينما يقول: ”سأشكر الرب حسب برِّه، وسأُرنم لاسم الرب العليِّ“ (مز 17:7). ويقول ذهبي الفم إن داود باستخدامه هنا صيغة المستقبل (”سأشكر“، ”سأُرنم“) يشير إلى أنه لم ينسَ أعمال الله الصالحة التي نالها ولا هو صار كسولاً؛ بل كان صاحي العقل يقظاً لإحسانات الله معه) الصلاة الدائمة:- يحثنا القديس يوحنا ذهبي الفم على الصلاة الدائمة، لأنه ما من شيء يؤدِّي إلى الفضيلة مثل أن نتكلَّم دائماً مع الله، وأن نقدِّم له الشكر دوماً ونسبِّح الله وكان ذهبي الفم على مدى حياته كلها يشير إلى أن داود النبي مجَّد الله بكلماته كما بأعماله وينصح القديس ذهبي الفم قرَّاءه، أنه في أوقات التجارب والمحن والاضطهادات فلنفعل كما فعل داود ونُقدِّم المجد لله ولا نكفّ عن أن نباركه وسواء كُنَّا شيوخاً أو شباباً، فيجب أن نُقدِّم الشكر لله. وكما يقول ذهبي الفم، فإن هذا هو غرض المزمور 148 أنه يُبيِّن لنا أنه لابد أن نُسبِّح الرب على كل شيء، بصرف النظر عمَّن نكون نحن. كما يجب أيضاً أن نثابر في صلواتنا وتوسُّلاتنا ولا نيأس إذا لم تُستَجَبْ في الحال. صلاة التوبـة:- أما صلاة التوبة فهي نوع آخر من الصلاة التي تتطلَّب الدوام فيها والمثابرة عليها. فحينما يشرح المزمور 6: 6 ”أغسل كل ليلة سريري، وبدموعي أبلُّ فراشي“، يقول ذهبي الفم إن المرنِّم هنا كان يقضي كل حياته في دموع التوبة. وهذا مَثَل لنا في كيف يجب أن نتصرف حينما نخطئ: أن نفصل أنفسنا عن كل مَن يُخطئ، ونصلِّي إلى الله بدموع كل ليلة فوق سرير نومنا. إن القديس ذهبي الفم يرى في المزامير نموذجاً لنا في الصلاة الدائمة.ففي كل ظرف من ظروف الحياة يلتفت المرنِّم إلى الله بالصلاة. وحينما نثابر في الصلاة فسوف ننال ما نسأل من أجله، إن كان نافعاً لنا. نسأل ما هو نافع حقًّا، وليس الأمور الأرضية:- أن نطلب ما هو نافع معناه أن لا نطلب الأمور الأرضية بل نطلب ما هو حقًّا نافع لنا، هكذا يعلن القديس ذهبي الفم. وصلاة المزمور 140 (الترجمة السبعينية) هي هذه الصلاة بعينها، ويشير ذهبي الفم أن داود في هذا المزمور لا يسأل شيئاً ضد أعدائه، ولا يسأل غِنىً ولا ازدياداً ولا قوةً ولا مجداً ولا سائر الأشياء الزائلة، بل فقط الباقيات والخالدات ويأخذ ذهبي الفم سليمان الملك كنموذج آخر لمن استُجيبت صلاته، لأنه سأل الروحيات. فقد سأل سليمان الذهن الفهيم ليحكم به شعبه (3 ملوك 3 في السبعينية، وهي تساوي 1 ملوك 3 في الطبعة المتداولة)، وقد كافأه الله على صلاته الروحية هذه فأعطاه حتى ما لم يسأله. فقد نال ليس فقط الحكمة العالية، بل وأيضاً غِنَىً وكرامة عظيمتين.وكما يشرح ذهبي الفم، فإن المرنِّم حينما يُصلِّي: ”اهْدِني يا رب ببرِّك“ (مز 5: 9)، فإن هذا السؤال ليس من أجل أشياء فانية وعابرة في هذه الحياة، بل من أجل التعضيد من العُلا. لأننا ونحن في هذه الحياة، التي هي كمثل طريق، نحتاج إلى الله هادياً لنا ليمسكنا بيده ويُرينا الطريق . ويؤكِّد ذهبي الفم على أنه من الضروري أن نطلب معونة الله إن كنا نريد أن ينجح جهادنا . يقول المرنِّم في مزمور 142: 10: ”علِّمني أن أصنع مشيئتك، لأنك أنت إلهي“، فكل صلواته كانت روحية؛ إذ لم يسأل مالاً ولا قوة ولا مجداً، بل أن يصنع مشيئة الله.وأيضاً في مزمور 143، يشرح ذهبي الفم، أن المرنِّم يزدري بكل متاع الدنيا ويُعلن: ”طوبى للشعب الذي الله هو إلهه“ (مز 143: 15). أما الشهوات الخاطئة، والجنوح نحو أمور هذه الحياة والتعلُّق بالأرض، فإنها تُضعف القلب. الفضيلة هي الشيء الوحيد الجدير باقتنائها في هذه الحياة. هذه هي الأشياء التي علينا أن نسألها في الصلاة، حسب شرح ذهبي الفم.ويُقدِّم ذهبي الفم توسُّعاً في شرح هذه النقطة، وهو يشرح مزمور 7: 11، حيث يقول النبي: ”مُعيني هو بار“. ويشرح ذهبي الفم ذلك: هذا يعني ”فليتعاملْ الله معي بطريقة بارة (عادلة) لأني لم أسأل شيئاً غير عادل“. فإن كنا نريد أن نتمتع بالتعضيد من فوق، فلنسأل فقط ما هو متوافق مع العدل، وذلك حتى من طبيعة هذا التوسُّل نتأكَّد من المعونة الآتية مِن ”الذي يُنجِّي المستقيمي القلب“ (مز 7: 10). لكن صلاتك لن تكون بارة إن سألتَ غِنَى أو جمالاً أو أي نعمة أخرى عابرة تتصل بهذه الحياة الحاضرة وحتى إذا كان المصلِّي بارًّا، فقد لا تكون صلاته مستجابة إذا لم تكن من أجل شيء نافع. هكذا يقول ذهبي الفم في شرحه مزمور 7 لأنه مَن كان أكثر برًّا من القديس بولس؟ ولكن لأنه سأل شيئاً ليس نافعاً، فلم يُستَجَبْ له.حيث يقول القديس بولس: «من جهة هذا تضرَّعتُ إلى الرب ثلاث مرات أن يُفارقني. فقال لي: تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تُكْمَلُ» (2كو 12: 8و9). وأيضاً مَن كان أكثر برًّا من موسى النبي؟ وهذا أيضاً لم يُسمَع له، حيث قال الله له: «كفاك، لا تَعُدْ تُكلِّمني أيضاً في هذا الأمر» (تث 3: 26). لأنه كان يسأل الله أن يدخل إلى أرض الموعد، وكان هذا الطلب غير نافع له، فلم يسمح الله بذلك. ملاحظات ختامية:- إن ذهبي الفم في كتابه شرح المزامير، يتفوَّق في عظاته الرعوية المشهور بها جداً. وإن الشروط الستة لاستجابة الله للصلاة كما يُعدِّدها في ”شرح مزمور 7“ تحيط بكل نواحي الحياة اليومية. فالشخص المصلِّي قد يكون مستحقاً لنوال إجابة صلاته فقط حينما يعيش الحياة الصالحة والتَقَويَّة. ويحث ذهبي الفم متواتراً قارئه لسلوك هذه الحياة، بحيث إن كل شيء يقوله ذهبي الفم يهدف من ورائه أن يجذب الإنسان ليكون أكثر التصاقاً بالله وأكثر بُعْداً عن الخطية. ولأن نوعية حياة الإنسان تؤثـِّر مباشرة في فاعلية صلاته، فإن كل عظات ذهبي الفم تتصل بالصلاة. لكن هذه الملاحظات التي تعقد رباطاً بين الاثنين: الحياة والصلاة تُعتبر بمثابة ”خريطة طريق“ للإنسان المُصلِّي، وهذا هو ما تُلقي عليه الضوء هذه الدراسة التي نُقدِّمها. وبنفس الطريقة، فإن الصلاة في توافقها مع شرائع الله، والصلاة الدائمة، وعدم سؤال الأشياء الأرضية؛ بل سؤال الأشياء التي هي حقًّا نافعة لنا، هي توجيهات يحاول بها ذهبي الفم أن يدفع القارئ إلى سلوك الطريق الصحيح نحو الله. وحينما نوفي كل هذه الشروط، فإننا حينئذ فقط نكون قد اشتركنا بكل ما في مقدورنا عمله. يقول ذهبي الفم إن غاية كل مجهوداتنا الدائمة، يجب أن تكون ليس فقط أن نصلي، بل أن نصلي ونحن في الحالة التي فيها تُستجاب صلواتنا. ثم يواصل ذهبي الفم توضيحه، أن الصلاة وحدها ليست كافية لننال ما نسأل من أجله، إن لم نضع في اعتبارنا هذه الشروط التي تجعل صلاتنا مقبولة لدى الله. فالفرِّيسي صلَّى، لكن صلاته لم تنفعه شيئاً. واليهود كانوا يصلُّون، لكن الله انصرف عن صلواتهم لأنهم لم يصلُّوا بالشروط المطلوبة. لهذا يوصينا الله أن نُقدِّم له صلاتنا في الوضع الذي يجعلها مسموعة. وهذا هو ما علَّمنا إيَّاه داود في مزمور 6. ومزمور 6 ليس وحده الموضع حيث يُعلِّمنا داود عن الصلاة لكي تكون مُستجابة. ففي كل المزامير - كما يقول ذهبي الفم - كان داود يحثنا على معرفة الله وسلوك الحياة المقدسة . إنه يتولَّى دور المعلِّم كما يتولَّى دور النبي كذلك، حيث يمزج المشورة بالصلاة أحياناً، وأحياناً يمزج التشجيع بها وفي مزمور 148 يُظهِر لنا داود أنه لا يكفي أن نرتل بالتسبيح لله بأنفسنا فقط، بل وبكل الخليقة التي يجب أن تشترك في تسبحات الأتقياء: ”سبحيه أيتها الشمس والقمر. سبحيه يا كل النجوم والنور.“ (مز 143: 3) وفي شروحات ذهبي الفم على المزامير التي هي حقًّا صلاة داود، فإن هذه الشروحات تُقدِّم ليس فقط حثـًّا وإرشاداً على الصلاة، بل هي أيضاً عمل جوهري على ربط الصلاة بشخص النبي داود وبتعاليم القديس بولس الرسول. إن هذه الدراسة بما فيها من معلومات ليتها تكون نافعة لطالبي الصلاة والحياة الروحية، وكذلك لطالبي دراسة التعليم الآبائي الكنسي، وعلم التفسير. وفي دراسة عن العهد القديم يقول الكاتب: ”هناك أسفار قليلة في العهد القديم قُرئت أكثر من المزامير، إما لأنها جزء من الليتورجية، وإما من خلال الدراسة الشخصية، وقد بَدَت أنها مُحببة إلى قلوب المؤمنين“. وإني أعتقد أن هذا هو المستوى الذي بلغ إليه نبوغ ذهبي الفم بأكثر وفرة، إذ حيث لمست شروحات ذهبي الفم ”القلب البشري، ودوافعه، وضعفه، أو بشـَّرت بنعمة ومحبة يسوع المسيح، فهنا يرتفع ذهبي الفم ويدوم ليصير بحق "معلِّماً في إسرائيل".“وكما تلمس المزامير نفسها قلب الإنسان، هكذا أيضاً فعلت شروحات ذهبي الفم على المزامير.
المزيد
17 يوليو 2021

عن الحياة ببساطة

يتخيل الإنسان الغني عادة أنه لا يرتكب أية خطية مادام لا يسلب الفقير ماديًا. لكن تكمن خطية الغني في عدم مشاركته ثروته مع الفقير. في الواقع احتفاظ الغني بكل ثروته يعني ارتكاب نوعٍ من السرقة. والسبب أنه بالحقيقة كل الغنى هو من الله، فهو ملك الجميع بالتساوي... والدليل على ذلك يحيط بنا في كل مكان. أنظر إلى الفاكهة النضرة التي تنتجها الأشجار والأدغال. أنظر إلى التربة الخصبة التي تعطي كل عام حصادًا وفيرًا هكذا. أنظر إلى العنب الحلو على العناقيد الذي يمنحنا الخمر لنشربه ربما يدعي الأغنياء أنهم يمتلكون الكثير من الأراضي حيث تنمو الثمار والحبوب، لكن الله هو الذي يجعل البذرة تنبت وتنضج. فواجب الأغنياء أن يشاركوا كل حصاد أرضهم مع كل من يعمل فيها، ومع كل من له احتياج. إننا لسنا في حاجة لشراء الهواء، والماء، والنار، وضوء الشمس وما شابه ذلك. فقد أعطى الله لكل إنسانٍ كفاية من كل هذه البركات لينعم بها مجانًا. تشرق الشمس بالتساوي على الفقير والغني، وكلاهما يستنشق نفس الهواء. إذن لماذا خلق الله هذه الضروريات التي هي عماد الحياة للاستخدام العام، بينما المال ليس عامًا؟ السبب في ذلك له شقان: لحفظ الحياة ولفتح الطريق للفضيلة. من جانب، لو كانت ضروريات الحياة غير عامة، لانتزعها الغني من الفقير بطمعه المعتاد. ففي الواقع حيث أن الأغنياء يحتفظون بكل المال لأنفسهم، فمن المؤكد كانوا يفعلون ذلك بالنسبة للضروريات أيضًا. ومن الجانب الآخر، لو كان المال عامًا ومُتاحًا للجميع، إذن لما كانت هناك فرصة للكرم من جانب الأغنياء، وتقديم الشكر من جانب الفقير. عندما تفتقر أسرة ما، تصير مدفوعة للاستدانة من أجل البقاء. لكن إن طالب الدائن بفوائد على الدين، حينئذ تسقط هذه الأسرة بالأكثر في عمق الحفرة. فتلتزم ليس فقط برد الدين بل أيضًا الفائدة التي تتراكم عليه. ربما يدعي الدائن حتى أمام نفسه أنه يتصرف بكياسة، لكن فعليًا يتصرف بخبثٍ شديدٍ وراء مظهر العطاء متعمدًا الأذى لغيره. إنه يتاجر على حساب مصائب الآخرين، ويستفيد من نكبتهم. إنه يطلب الفوز بالماديات في قالب عمل الرحمة، وهكذا يحول العطاء إلى سرقة. يبدو أنه يرسي بالعائلة الفقيرة على ميناء الأمان، لكنه في الحقيقة يدفع السفينة نحو الصخور. ربما يتساءل الدائن: لماذا يجب عليّ أن اقرض الآخرين مالاً وهو مفيد لي، ولا أطلب مكافأة لذلك؟ والإجابة إنك سوف تنال مكافأة، في مقابل الذهب الذي أقرضته على الأرض، ستأخذ ذهبًا في السماء بنسبة أكبر كثيرًا في الفائدة فوق ما تستطيع أن تتصور. تخيل نجارًا يعمل بأدوات بسيطة. يأخذه عدة أيام ليصنع منضدة بسيطة. وتُباع هذه المنضدة بثمن بخس لأنها ذو نوعية ضعيفة جدًا. له الخيار، إما أن ينفق كل ما يكسبه من مالٍ لشراء الطعام والشراب أو يضع جانبًا بعض المال حتى وإن كان هذا يعني له أن يجوع، حتى يتمكن من شراء أدوات أفضل. إن فعل الأمر الأخير، حينئذ سريعًا ما تستطيع صنع مناضد جيدة بأكثر سرعة وهكذا يرتفع مكسبه بالمثل. هذا الاختيار يشابه الاختيار الروحي الواجب على كلٍ منا. فإما نقوم بإنفاق كل ما نملكه من ثراء على ملذاتنا الخاصة أو نضع جانبًا جزءً من ثروتنا لنعطيه للآخرين. إن فعلنا الأخيرة حينئذ يمكننا أن نضحي بالقليل من الملذات الأرضية وقتيًا، أمام السرور الذي ندركه في السماء والذي فيفوق أكثر كثيرًا اللذة التي فقدناها على الأرض. كل عمل رحمة على الأرض هو استثمار في السماء. نُدعى نحن تلاميذ المسيح أن كان هدفنا على الأرض هو أن نضع كنوزنا في السماء. ولكن أعمالنا تناقض كلماتنا. يبني الكثير من المسيحيين لأنفسهم منازل جميلة، ويعدون الحدائق الرائعة، ويشيدون حمامات السباحة ويشترون الأفدنة. فليس بالعجيب إذا رفض الكثير من الوثنيين تصديق ما نقول. يتساءلون إن كانت أعينهم متطلعة إلى منازل في السماء، فلماذا يبنون منازل على الأرض؟ إن كانوا يمارسون ما يقولون لتركوا ثرواتهم وعاشوا في أكواخ بسيطة. لذلك يستخلص هؤلاء الوثنيين أننا لا نؤمن بحق في الديانة التي نعترف بها، ولذلك يرفضون قبول هذه الديانة بجدية. ربما تقول إن كلمات المسيح بصدد هذه الأمور يصعب جدًا تنفيذها، وأنه بينما تريد روحك هذا، جسدك يكون ضعيفًا. أجيبك أن حكم الوثنيين عليك هو أكثر دقة عن حكمك على نفسك. فعندما يتهمنا الوثنيون بالرياء يجب أن يجيب الكثير منا بأنه مذنب. -11- يرى البعض أن منازلهم التي يقيمون فيها هي مملكتهم، وبالرغم من علمهم أن الموت محتم وأنه يومًا ما سيجبرهم على تركها، ففي قلوبهم يشعرون أنهم يمكثون إلى الأبد. إنهم يفتخرون بحجم منازلهم، والمواد الممتازة التي صنعت منها. يجدون متعة في زخرفة منازلهم بألوان زاهية، وفي انتقاء الأثاث الأكثر صلابة والأفضل لملأ الغرف. يتخيلون أنهم باقتناء منزل معمر... سيجدون فيه سلامهم، أي كلما تأكدوا أن حوائطه وأسطحه سوف تظل متينة إلي أجيال كثيرة. أما نحن فعلى النقيض، نعلم أننا مجرد ضيوف مؤقتين على الأرض. ندرك أن المنازل التي نقطنها هي بمثابة فنادق على الطريق إلى الأبدية. إننا لا ننشد سلامًا أو أمنًا من الحوائط المادية من حولنا أو الأَسقف فوق رؤوسنا. بل بالحري نريد أن نحيط أنفسنا بحوائط النعمة الإلهية. ونتطلع إلى السماء عاليًا كسقفٍ لنا. أما الأثاث في حياتنا فيجب أن يكون أعمال صالحة، نعملها بروح الحب. -12- عندما نعيش بحسب مبادئ إيماننا السلوكية سوف يأتي رد فعل من حولنا في ثلاثة احتمالات. أولاً، ربما يتأثرون بالمثل الذي نقدمه بصلاحنا، وبالغيرة التي يشعرون بها للسرور الذي ننعم به، فيشتاقون أن ينضموا إلينا ويصيروا مثلنا. ورد الفعل هذا هو ما نبتغيه بالأكثر. ثانيًا، ربما يكونون غير مكترثين بالأمر، بسبب ارتباطهم باهتماماتهم وأنانيتهم فيما يشغلهم من أمورٍ. وبالرغم من رؤيتهم لمنهج حياتنا، وقد أعمت قلوبهم، لذلك لا نستطيع أن نحثهم على اتخاذ هذا المسلك. ثالثًا، ربما يصيرون ضدًا لنا، إذ يشعرون بالغضب من نحونا. إذ يشعرون أن مثلنا يهددهم، وقد يغضبون علينا. لذلك يلتصقون بالأكثر بممتلكاتهم المادية وطموحاتهم الأنانية، ويقذفوننا كلما سنحت الفرصة. من الطبيعي إننا نخشى هذا النوع الثالث من رد الفعل، لأننا نريد أن نعيش في سلام مع جيراننا بغض النظر عن معتقداتهم وقيمهم ولكن إن لم يأتِ رد الفعل هذا علينا من أي شخص، علينا أن نعجب هل نحن حقًا ننفذ وصية المسيح. -13- هل تتضايق عندما يسقط طبق أو إناء على الأرض فينكسر إلى أجزاء رفيعة؟ هل تنزعج عندما تهب ريح قوية، وتسمع لألواح سقف بيتك أن تتخلع؟ هل تقلق من أجل محصولات حقلك عندما يزداد هطيل الأمطار لئلا تغرق الأرض؟ هل تشعر بالخوف ليلاً عند سماع طقطقة باب أو حين يصرف، خشية من اللصوص الذين ربما قد أتوا لسرقة مقتنياتك؟ هذه المشاعر طبيعية تمامًا. لكن التحدي في إيماننا أن نصير غير مكترثين بالمقتنيات المادية حتى أن أي شيء من هذا النوع لا يهمك من المؤكد انه مادمنا نعيش على هذه الأرض لابد آن يكون عندنا أطباق نأكل فيها، أسقف فوق رؤوسنا لتحمينا من الجو الخارجي، محاصيل في حقولنا لنقتات عليها وقطع أثاث أساسية في منازلنا. ولكن إن اجتهدنا بأقصى ما نستطيع، سوف نتيقن أن الله سوف يوفي احتياجاتنا. وإذا ما انكسر شيء، ضاع، أو سرق، سيدبر الله ويقرر إن كان ومتى يعوضنا عنه. -14- تظهر مهارة شخصً ما في طََرْقْ النحاس ليصنع أشكالاً رائعة، وينحت نماذج متقنة عليها. وآخر له مهارة في صنع الأثاث، يضع قطع الخشب جنبًا إلى جنب بثباتٍ حتى يكون متينًا لا ينفلق. وثالث يستطيع أن يغزل أفضل صوف بينما رابع ينسجه إلى ملابس. وخامس بناء يستطيع أن يضع حجر على آخر ليبني حائطًا، بينما سادس يصنع سقفًا على قمة الحائط ليصنع منزلاً. حقًا هناك حِرَف مختلفة، وكل منها يحتاج عدة سنوات لبلوغها، حتى يستحيل أن نفندها جميعًا. والآن ما هي الحرفة التي يجب على الأغنياء أن يكتسبوها؟ إنهم لا يحتاجون أن يطرقوا النحاس، أو يشكلوا الخشب، أو يبنوا بيوتًا... بل بالحري عليهم أن يتعلموا كيف يستخدمون ثروتهم حسنًا، لخير الجميع ممن هم حولهم. قد يظن الحرفي العادي أن هذه حرفة يسهل أن يتعلمها. على العكس، إنها أصعب المهارات على الإطلاق. إنها تحتاج إلى حكمة عظيمة وقوة أخلاقية رفيعة. أنظر كم يحقق الكثير من الأغنياء في اكتسابها، وهم قليلون الذين يمارسونها بكمال. -15- عندما يحيك خياط رداء ويقوم ببيعه، تحدث خدمة واحدة وهي وضع ثوب على جسم إنسان. بالمثل عندما يصنع الإسكافي زوجًا من الأحذية ويبيعه، فالخدمة الوحيدة المقدمة هنا هي وضع حذاء في أرجل. ولكن عندما يقدم إنسان هدية لأخر، سواء من المال أو شيء ما، هنا الخدمة المقدمة مزدوجة. أولاً يخرج المتقبل الهدية بفائدة مادية منها. ثانيًا يخرج المعطي بفائدة روحية... لأن كرمه في العطاء يأتي إليه ببركة لروحه. ويمكن أن تكون هناك خدمة ثالثة: إن امتلأت نفس المتقبل الهدية بشكر متواضع فيكون بمثابة بركة لروحه. تخيل مجتمع لا يبيع فيه أحد شيء... بل يتقاسم كل واحد مجانًا مهاراته وثرواته مع الآخر. حينئذ يأتي كل عمل في مثل هذا المجتمع ليس بنفع مادي فحسب، بل وبنفع روحي أيضًا. مثل هذا المجتمع كائن بصورة مصغرة في العائلات الكبيرة، حيث تكون السماء قد نزلت إلى الأرض. -16- لا يُحكم على عطايانا بالكم الكبير من العطايا، بل بمدى اتساع قلب المعطي. إذا ما شاركت امرأة فقيرة أخرى فقيرة في وعاء طعامها الضئيل ينال هذا العمل مدحًا يفوق ما يناله الرجل الغني الذي يلقي بضع العملات الذهبية وسط مجموعة منها في الكنيسة. ولكن بالرغم من علم معظم المسيحيين بحقيقة ذلك تقوم كلماتهم وأعمالهم برسالة أخرى. عندما يقدم رجل غني هدية كبيرة للكنيسة، يُقدم له عظيم الشكر، بالرغم من أن هذا المبلغ لا يمثل الكثير بالنسبة له، فلن ينقصه شيء، يمدح على سخائه. وعندما يقدم رجل فقير هدية صغيرة، لا يقال شيء، وإن كانت هذه الهدية تسبب له الجوع... ولكن لا يمدحه أحد ولا يشكره. من الأفضل ألا نشكر أحدًا عن تخصيص مدحنا للغني. والأفضل من كل ذلك أن نهتم بالأكثر بملاحظة عمل الكرم الحقيقي سواء قدمه الغني أو الفقير قبل تقديم المديح. حقًا لنكن كرماء في مدحنا كما أن المعطي سخي بماله. -17- نحتاج بعضنا لبعض انظر كيف تخرج سنبلة القمح. يشير معظمنا لجهد الزارع في تقليب التربة، وبذر البذور وحَصد الحبوب. لكن الأمر ليس بهذه السهولة. يحتاج الزارع إلى الحداد ليصنع المجراف، وشفرة المحراث، والمنجل والفأس. إنه يحتاج إلى النجار ليصنع بروازًا للمحراث ونيرًا للحصان. يحتاج إلى صانع الجلود ومخزنًا للحبوب والتبن. يحتاج إلى خباز ليصنع من الحبوب خبزًا وإلا يصير تعبه باطلاً. ويحتاج إلى رجل الغابات ليمد النجار بالخشب لينشره، وخشب للخباز لإشعال الفرن. وهكذا يحتاج إنتاج القمح إلى أناسٍ مختلفين. إذًا إن كنا نحتاج بعضنا لبعضٍ من أجل البقاء نفسه، لماذا نستغل ونرعب بعضنا البعض أبدًا؟ ليس شيء أكثر حماقة وعدم تعقل من محاولتنا الفوز على الآخرين. من يرعب الآخرين ويستغلهم، إنما يرعب ويستغل نفسه. القدِّيس يوحنا الذهبي الفم -18- تقول لي أنك محتاج إلى المال. تقول إن المال هام ليمكنك من شراء احتياجاتك. إنني لست غير متفق معك، فأنا أيضًا أريد مالاً حتى أعيش.. لكنني أتمنى ألا أكون في حاجة إلى المال. أو بالحري أتمنى ألا يكون أحدًا منا في احتياج إلى المال. يطلب الله منا أن نثق فيه ليمنحنا كل ما نحتاجه. أرجو أن نكون قادرين على الثقة في آخرين أيضًا ليمدوننا باحتياجاتنا. في الحقيقة إنني كواعظ مضطر لذلك... إنني أنادى بالله الحق، واعتمد كلية على هبات من يسمعني - هدايا تأتيني في شكل نقود. يقدم ذلك آخرين فيما بينكم. إن أعطي كل منا لمن له احتياج مجانًا لصار المال غير ضروري. إن اهتم كل منكم بالنظر في احتياجات الآخرين، ثم نسد هذه الاحتياجات على قدر طاقتنا مجانًا، لما احتاج أحدنا إلى المال. ولما جاع أحد أو شعر بالبرد، فحينئذ يصير الكل في اكتفاء. -19- المهارة المطلوبة من الأغنياء لحسن استخدام ثرواتهم هي أعلى الفنون جميعًا. لا يبني معلمها على الأرض، بل في السماء، لأنه لابد للأغنياء من الاتصال المباشر مع الله لاكتساب هذا الفن وممارسته. أدواتها غير مصنوعة من الحديد أو النحاس بل من الإرادة الحسنة، لأن الأغنياء لن يحسنوا استخدام ثرواتهم إلا إن أرادوا ذلك. حقًا إن الإرادة الصالحة هي في ذاتها المهارة. إن أراد شخص غني بإخلاص أن يساعد الفقير، سرعان ما يريه الله أفضل السبل. وهكذا حينما وجب على الشخص الذي يتدرب ليصير نجارًا أن يتعلم كيف يتحكم في المطرقة والمنشار والإزميل، بالمثل وجب على الرجل الغني الذي يتدرب على خدمة الفقير أن يتعلم كيف يضبط عقله وقلبه وروحه. عليه أن يتعلم باستمرار التفكير في أمور صالحة، ماحيًا كل أفكار الأنانية. عليه أن يتعلم كيف يشعر بالحنو، ماحيًا كل خبثٍ وازدراءٍ. عليه ألا يشعر سوى كيف يرغب في إطاعة الهً. هذا ما يجعلني أقول إنها مهارة أن تكون تلميذًا غنيًا للمسيح، وهي أسمى كل الفنون، والشخص الذي يقتنيها فهو بالحق قديس. القديس يوحنا الذهبي الفم
المزيد
08 يناير 2021

مقتطفات من ميمر يوحنا ذهبي الفم علي ميلاد ربنا يسوع المسيح

.. الجميع يعيدون إذ يرون الإله في الأرض -المرتفع- تنازل رأفة منه، والهابط ارتفع إذ أحب الله البشر، اليوم تشبهت بيت لحم بالسماء.. وإن كان اليهود يجحدون الميلاد العجيب.. ولقد تقوًل الكتبة مضادو الناموس وكان هيرودس الملك يطلب المولود لا ليكرمه بل ليقتله. الملوك قد تعجبوا كيف ينزل ملك السماء إلي الأرض وليس في معيته ملائكة ولا رؤساء أو قوات فقد سلك طريقًا غريبًا لم يسلطه غيره. تناول اللبن كالطفل من ثدي أمه العذراء، جاءه الأطفال، نعم جاءوا إلي الذي صار طفلًا ليجري منطق التسبيح علي أفواه الأطفال والرضع.. جاء الآدميون إلي ذلك الذي صار إنسانًا وأبرأ آدم من مصائبه. جاء الرعاة إلي الراعي الصالح الذي بذل نفسه عن غنمه، جاء الكهنة إلي رئيس الكهنة علي طقس ملكي صادق.. جاء الصيادون إلي رئيس الحياة ليجعل صيادي السمك صيادين للناس. جاء العشارون إلي الذي صًير العشار كارزًا بالإنجيل. جاء الخاطئات إلي الذي كانت قدماه تبللهما الزانية وبدموعها غسلتهما، جاء كل الخطاة إلي حمل الله الذي يرفع خطايا العالم. فإذًا الكل في عيد وأنا أيضًا أريد أن أحتفل بالعيد وأفرح فرحًا وأتهلل مبتهجًا بلا ضرب طنبور ولا نفخ مزمار. هو فرحى وزينتي ورجائي وهو أملي وهو خلاصي. فمن أجل ذلك أبتهج لكي بقوته أقوي وأقول مع الملائكة المجد لله في الأعالي، ومع الرعاة أٌول وعلي الأرض السلام وفي الناس المسرة. .. مثل إنسان ولد من العذراء وبقيت عذراء بعد ولادتها.. بم أنطق وبماذا أعبر.. يا للأعجوبة العظيمة أن المولود وحيد قبل الدهور الذي بلا جسد لا يُحس ولا يفتش جاء في الجسد لأن الناس إنما يصدقون ما يرون ويسمعون عنه، وما لا يرونه لا يصدقونه، فمن أجل ذلك أحتمل المسيح سيدنا أن يُنظَر إليه بالجسد ليؤمن جحود الذين لا يؤمنون به ويولد من عذراء غير عارفة بالأمر لأنها كانت إناء طاهرًا وبسيطًا لا تعرف إلا ما سمعته من جبرائيل الملاك إذ سألته أنىَ يكون لي هذا وأنا لا أعرف رجلًا، فأجابها الملاك وقال لها الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك والذي يولد منك قدوس إبن العلي يدعى.أما كيف كان معها وبعد قليل ولدته.. فكما أن الصانع الحاذق إذا صب فضة نقية جيدة عمل منها إناءً جيدًا كذلك المسيح وجد العذراء طاهرة الجسد والنفس واتخذها هيكلًا.هكذا شاء ولم يأنف من الطبيعة لأنها خلقة يديه، وإن هذا لمجد عظيم إذ عرف الناس الخالق..بِمَ أنطق أو بِمَ أُعبر، عتيق الأيام صار اليوم طفلًا -الذي علي العرش في العلو يوضع اليوم في مذود، العالي الذي لا يُجس ولا يفتش يقلب اليوم بيد البشر، الذي يفك أغلال الخطايا اليوم يشد بالأقماط. حقًا أنه يريد أن يبدل الهوان بالكرامة ويلبس المجد من لا مجد له..من أجل ذلك جاء في الجسد.. يأخذ جسدي ويعطيني من روحه، فهو يعطى ويأخذ ليكسبني كنوز الحياة (أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له فلنسبحه ونمجده ونزيده علوًا إلي الأبد [الإبصلمودية]).أقدم جسدي هذا ليطهره ويعطيني روحه لكيما يخلصني. لقد تحقق ما قيل عنه، أن العذراء ستحبل. ما كتب كان لجماعة اليهود، أما الاقتناء فللكنيسة. تلك الجماعة أخذت اللوحين أما الكنيسة فقد اقتنت الجوهر، تلك الجماعة صنعت الصوف أما هي فقد لبست السندس، يهودية ولدته وأمم كثيرة قبلته، نشأ في تلك الجماعة وقبلته الكنيسة وقطفت الثمرة. فتلك الجماعة غصن الكرمة ولنا عنقود الحق. هي عصرت العنقود فشربت الأم كأس الشراب، زرعت حبة القمح وحصدت الأمم من أجل الإيمان السنبل وقطفت الثمر مخشية الله وقد بقيت أشواك الكفر عند اليهود. يا لهذا الميلاد العجيب، ليس كمثل البشر كان مولده لكن الإله صار بشرًا. الأزلي أتى من العذراء.إن الذي خلق آدم أولًا من أرض عذراء خلقه من غير امرأة، ثم خلق المرأة كما شاء كذلك العذراء ولدته ولا تعرف رجلًا كما قال الكتاب هو إنسان ومن يعرفه، وللنساء دورهن بعد آدم، فآدم من غير امرأة خلق الله له امرأة، وجاءت العذراء وولدته لتفي عن حواء الدين الذي لزمها من آدم. جاءت حواء من غير امرأة، فلا يفتخر آدم بمدح عظيم أن حواء كانت له بدونها. العذراء ولدته لكي تكون الطبيعة شريكة فقد أخذ الله من آدم ضلعًا ولم ينقص من جنبه شيئًا ومن العذراء ولد ولم تفك بتوليتها.وكما أن آدم كان تامًا وكاملًا بعد أخذ الضلع منه، كذلك العذراء بقيت صحيحة لم يُبن له من غيرها هيكل، كما أنه ليس من غير جسدها تجسد..إن الإنسان إذا خدع صار إناء للشيطان، من أجل ذلك اتخذه المسيح هيكلًا وظهر إنسانًا كاملًا بلا خطية لينقذ الإنسان من ولاية إبليس، ويفك أغلال الخطية وإذ صار إنسانًا لم يولد مثل ميلاد الإنسان ولكن الإله صار إنسانًا، ولأنه لو ولد كالبشر لظن كثير من الناس أنه باطل أما وقد ولد من عذراء ومن بعد ولادته حفظ العذراء فإن ميلاده عجيب غريب وهذه هي الأمانة العظيمة لكيما يخلصني من ذنوبي.. وله المجد دائمًا أبديًا آمين.
المزيد
01 مارس 2020

الأحد الأول للصوم الكبير أحد الكنوز

(عظة على إنجيل متى19:6ـ33)” لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ ” (مت19:6)وبعد أن أخرج السيد المسيح من نفوسنا مرض التفاخر والعُجب، نراه يبدأ في الوقت المناسب حديثه عن الفقر الاختياري. إذ أنه لا يوجد شئ يشجّع المرء على محبة المال أكثر من حب المجد الباطل.وفيما سبق اكتفى الربُّ بأن يوصينا أن نصنع الرحمة. أما هنا فبيّن لنا كيف تكون هذه الرحمة، بقوله: ” لا تكنزوا لكم كنوزًا“، وذلك لأنه لم يكن ممكنًا في بداية حديثه أن يُركَز الكلام كله دفعة واحدة حول ازدراء الثروات وذلك بسبب طغيان حب المال. لذا نراه يُجزّئ الحديث إلى مقاطع صغيرة، ويقدّمه قطرة قطرة للنفوس كي يصبح كلامه مقبولاً، لهذا فقد قال في البداية ” طوبى للرحماء” (مت7:5). وبعد هذا ” كن مراضيًا لخصمك” (مت25:5)، ثم أضاف: ” من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك اترك له الرداء أيضًا” (مت40:5).وهنا ما هو أعظم بكثير، إذ لا يُفترض وجود خصم أو طرف آخر، بل إنه يريد أن يعلّمنا ازدراء الثروات نفسها ويوضّح لنا أنه يَسِنّ هذه الشرائع لا من أجل الذين ينالون الصدقة بل من أجل الذين يعطون الصدقة. وفي هذا الموقف أيضًا لم يَقُل السيّد كل ما أراد، بل تكلّم بلطف لأن الوقت لم يكن قد حان، وهو هنا يفحص الأفكار فقط، متخذًا موقف الناصح أكثر منه موقف المُشرّع من جهة أقواله حول هذا الموضوع وبعد أن قال ” لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض” أضاف” حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ ” (19:6) حيث إنه يلمّح إلى الأمور التي يخافون منها بالأكثر، إذ يقول: ” مما تخاف؟ هل تخاف أن تنفد أموالك إن أنت تصدّقت بها؟ لا، إعط صدقة وتأكد أن أموالك لن تنفد، بل ستزداد بشكل عظيم حقًا، لأن الخيرات السماوية ستُضاف إليها. لقد شدَّ انتباههم بقوله لهم إن كنزهم لن يُنفق بل سيبقى هكذا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى جَذَبَ انتباههم إلى أمر آخر، إذ أنه لم يقل فقط: ” سيحفظ كنزكم إن تصدقتم”، بل هدّد بالشيء المعاكس أيضًا، وهو أنه سيَفَنى إن لم تتصدقوا… وكيف؟ أسيَفنَى السوسُ الذهَب؟ بالطبع لا، لكنهم اللصوص. وهل صار الجميع ضحايا للسرقة؟ إن لم يكن الجميع فعلى الأقل الأكثرّية منهم. ولهذا فإننا نجد الربّ، وكما قلت سابقًا قد طرح أمرًا آخرً بقوله: ” لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا” (مت21:6). حتى ولو لم يحدث أي من هذه الأشياء، فإنك ستتعّرض لأذى ليس بالقليل لأنك قد وضَعَتَ كل اهتمامك في الأشياء السفلّية، وصرت عبدًا بعد أن كنت حُرًا، ولأنك نحيّت جانبًا الأمور السماوية، وأصبحت غير قادر على أن تدرك أي شئ منها، وصار كل تفكيرك يدور حول المال والربا والقروض والأرباح والأمور التجارية الخسيسة، فهل هناك ضياع أكثر من هذا؟ إن شخصًا كهذا يكون أسوأ من أي عبد ـ إذ أنه تخلّى عن أهم شئ، أي عن سمو الإنسان وحريته فمهما تحدّث معك أي شخص فأنت عاجز عن سماع الأمور التي تهم خلاصك، إذ أن ذهنك كله منحصر في التفكير في المال، ومُقيد بواسطة طغيان الثروة، مثل كلب مربوط بسلسلة قوية إلى قبر، تنبح على كل من يقترب منك، وبغير توقف تحرس ثروات غيرك. أيوجد حماقة أكبر من هذه؟ولأن حديثه هذا كان أعلى من مستوى سامعيه، ولم يكن من السهل لكثيرين أن يروا من أول نظرة أين تكمن العلّة، وبالتالي لم تكن الفائدة واضحة، لكن كانت الحاجة إلى مستوى روحي يَقدْر على التمييّز، ومع أن هذا كان واضحًا من حديثه عندما قال” حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك“، إلاّ أنه أوضحه أكثر عندما وجّه الحديث لا عن الأشياء المعقولة، بل عن الأشياء المحسوسة بقوله إن: ” سراج الجسد هو العين” (22:6)، ومعنى قوله هذا هو ما يلي لا تدفن الذهب أو أي شئ من هذا القبيل في الأرض، لأنك ستكنز هذا كله، ثم يمتد إليه العث والصدأ وأيادي اللصوص، وحتى إن لم تتعّرض كنوزك لمثل هذه الأضرار، فإنك لن تنجو من استعباد قلبك واستمالته إلى كل ما هو أرضّي، إذ ” حيث يكون كنزك يكون قلبك أيضًا“. أما إن وضعت كنزك في السماء، فإنك لن تجنى هذا الثمر فقط الذي هو الحصول على المكافآت عن هذه الأمور، بل ستكون قد نُلت مجازاتك هنا على الأرض وستأخذ أجرك معك إلى هناك لأنك وضعت اهتماماتك فيما هو في السماء، لأنه من الواضح إنه حيث يكون كنزك سيكون هناك اهتمامك أيضًا لكن إن كان هذا الكلام غامضًا بالنسبة لك فاسمع ما يلي: ” سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا، فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ ” (22:6ـ23)إن السيد يوّجه الحديث نحو الأمور التي هي في متناول حواسنا بصورة أكبر فيقول: إن كنت لا تعلم مقدار الضرر الذي يصيب (الذهن) فتعلّم من أمور الجسد، إذ مثلما العين بالنسبة للجسد هكذا الذهن بالنسبة للنفس تمامًا، فبالتأكيد إنك لن تفضّل التحلّي بالذهب وارتداء الملابس الحريرّية عن أن تكون عيناك سليمّتين، إذ تحسب أن سلامة عينيك هو أمر أكبر أهمية من كل أمر آخر. إذ عندما تكون العينان ضريرتين تضعف معظم طاقة الأعضاء الأخرى. هكذا أيضًا عندما يُفسَد الذهن ستمتلئ حياتك بشرور لا تحصى. وكما أنه في اهتمامنا بالجسم نهدف إلى جعل عيوننا صحيحة، هكذا أيضًا في نفوسنا، يجب أن يكون اهتمامنا بأن يكون الذهن صحيحًا. فإن شوّهنا الذهن، الذي ينير على بقية الأعضاء، فكيف سنرى بشكل أوضح؟ فكما أن الذي يدّمر النبع يجفّف النهر أيضًا، هكذا الذي يُطفئ الذهن (الفهم)، فإنه يُخزِى كل أعماله في هذه الحياة، لهذا يقول السيد: ” إن كان النور الذي فيك ظلامًا فالظلام كم يكون“إن الله قد أعطانا الفهم كيّ نطرد كل جهل ولنحكم بالصواب على الأمور، وعندما نعمل بهذا الفهم كنوع من السلاح والنور ضد كل ما هو خطر أو ضار، يمكننا أن نبقى سالمين، لكننا نبذّر هذه النعمة في أمور عديمة النفع ونافلة إن من يوجد في مكان مظلم، لا يستطيع أن يتحرك منه إلاّ إن سطعت الشمس. أما من لديه مشكلة في نظره فإنه لن ينظر حتى وإن أشرقت الشمس. هذا ما يحدث بالضبط لِمْنَ نتكلّم عنهم هنا. فإنهم لا يدركون ولا حتى شمس البّر الذي أشرق عليهم ويدعوهم، إذ أن الغِنَى قد أعمى أبصارهم، ولأجل هذا فهم يكونون في ظلام مضاعف: الأول ظلام في داخلهم، والثاني ظلام بسبب عدم اتباع وصيّة المعلّم فلنتبع نحن المعلّم بكل حرص، حتى نستطيع أن نجد النور الحقيقي مرّة أخرى. سبب العَمَى:- وكيف يمكن أن نبصر مرّة أخرى؟، هذا ممكن عندما تعرف كيف صرت أعمى. وكيف صرت أعمى؟ بالتأكيد بسبب شهواتك الباطلة. لأنه كما أن هناك سوائل تؤذى العين، هكذا شهوة المال فإنها تؤذى النظر مسببة عتامة كثيفة له. غير أن هذه العتامة يمكن أن تنقشع إن نحن قَبلنا شعاع تعاليم المسيح، إن نحن سمعنا وصاياه وكلماته القائلة: ” لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض“. وربما يتساءل شخص قائلاً: وأي شئ سأربح من السماع في الوقت الذي تتملكّني فيه الشهوة؟ تأثير كلام الله:- إن سماع كلمة الله باستمرار قادر على إزالة الشهوة. أما إن كنت تُصّر على أن تسيطر عليك هذه الشهوة، فإعرف إن الأمر ليس هو مجرّد شهوة. فما هي هذه الشهوة التي تجعلك في عبودية ثقيلة، تئن تحت نير ثقيل ومحاصر كما في سجن، تعيش في ظلام مملوء بالاضطراب، تحتفظ بالأموال للآخرين وباستمرار، من أجل أعدائك؟ مع أي شهوة تتفق كل هذه الأمور؟ ألاّ يناسب هذه الأمور أن نبتعد عنها ونهرب منها؟ أي شهوة هذه التي تجعلك أن تترك كنوزك بين اللصوص؟ إن كنت ترغب في أموالك بالحقيقة فيجب أن تحفظها في مكان آمن. لأن ما تفعله الآن لا يدّل على إنسان يرغب في حفظ المال، لكن يدّل على حالة الاستعباد والضياع والقلق المستمر التي تسيطر عليه فإن دلّك شخص على مكان غير مطروق هنا على الأرض وآمن، وإن ذهب بك إلى الصحراء وأعطى لك وعودًا بحماية أموالك، فإنك لا تترّدد ولا تتحفظ، بل تُظهر ثقة في كلامه وتنقل أموالك حيث يرشدك. أما إن وعدك الله وليس إنسان بنفس هذه الوعود واقترح عليك لا الصحراء بل السماء مكانًا لحفظ كنوزك، فإنك لا تفعل الشيء نفسه ولا تُظهر ثقة بوعوده أو تَتَبع كلامه. وحتى وإن كانت كنوزك محفوظة تمامًا هنا على الأرض، فإنك لن تقدر أن تتحرّر من حمل الهموم بسببها، وحتى وإن كنت لن تفقدها فإنك لن تُعتَق من القلق خوفًا من فقدها. أما إن كان كنزك في السماء فإنك لن تعاني شيئًا من هذا بالمرّة، بل وأكثر من هذا فإنك ستربح لأنك لن تخفي ذهبك بل إنك تزرعه. حيث إنه لن يصير كنزًا فقط بل بذرة أيضًا وأكثر من الاثنين معًا لأن البذرة لن تبقى دائمًا، أما إن كان كنزك في السماء فإنه سيبقى دائمًا، وبينما الذهب لا يثمر، فإن كنزك هذا الذي في السماء سيعطيك ثمرًا لا يفنى. وإن حاولت أن تتعلّل بطول الزمن الذي ستحصل بعده على المكافأة، فإني أستطيع أن أبيّن لك أنك تربح الكثير هنا في حياتك على الأرض وخلاف ذلك فإني سأحاول أن أبيّن لك أن كثير مما تفعله في حياتك هنا على الأرض يكون بدون فائدة على الإطلاق إنك تتعب كثيرًا وتعمل أشياء عديدة في هذه الحياة، غير أنك لن تتمتع أنت نفسك بها. وإن وجّه إليك أحد اللوم على هذا، فإنك تجيب بأنك تفعل هذا لأولادك ولأحفادك ظانًا أنك بهذا قد أُعِّطَيَت تبريرات لعمل المزيد من هذه الأفعال. فعندما تبني القصور وأنت في شيخوخة عارمة وغالبًا ما تنتهي أعوامك قبل أن تسكن فيها. وعندما تزرع أشجارًا تعطى ثمارًا بعد سنوات عديدة، وعندما تشتري أراضي وعقارات بالتقسيط وتحوز ملكيتها بعد مدد طويلة، وعندما تفعل أشياء أخرى مماثلة ولا تتمتع بها، فهل تفعل ذلك لنفسك أم للآخرين؟أفليس إذن من الحماقة أن لا تتضايق بالمرّة هنا بسبب تأخر نهاية الأزمنة في الوقت الذي ستخسر فيه مكافآت بسبب هذا التأخير؟ الوقت قريب:- وغير هذا فإن نهاية الأزمنة ليست ببعيدة أطلاقًا، والوقت قريب جدًا ولا نعرف، فربما في جيلنا هذا تكون نهاية الأزمنة ويأتي ذلك اليوم المخوف حيث الدينونة الرهيبة. إن علامات كثيرة قد تحققّت، والإنجيل بُشر به في كل المسكونة، والحروب والزلازل والمجاعات قد وقعت، والمسافات لم تعد بعد بعيدة. ألاّ تشاهد العلامات؟ هذه هي العلامة الكبرى أن الناس في زمن نوح لم يأخذوا بالتحذيرات بالفناء وبينما هم يمزحون ويأكلون ويفعلون كل ما اعتادوا عليه، فعندئذٍ فاجأهم العقاب الرهيب. وحدث نفس هذا الأمر مع أهل سدوم. فبينما كانوا يعيشون في حياة اللهو غير متوقعين شيئًا بالمرّة، أصابتهم الصواعق التي وقعت عليهم. فلنضع هذه الأمور إذن أمام أعيننا ونوجّه نفوسنا للاستعداد للرحيل من هنا. لأنه وحتى إن لم يكن قد جاء موعد رحيلنا جميعًا معًا، فإن نهاية كل واحد فينا هي قريبة، شيخًا كان أم شابًا. وعندما نرحل لن نستطيع أن نشترى لا زيتًا أو حتى نطلب سماحًا من الآخرين. ولن يستطيع إبراهيم أو نوح أو أيوب أو دانيال أن يشفع فينا وفي الوقت المُتاح لنا فلنعد أنفسنا لتلك المدينة السمائية، ولنجمع لأنفسنا زيتًا وفيرًا ولنكنز كل ما نملك في السماء، حتى نتمتع بها في الوقت المناسب وعندما نحتاج إليها، بالنعمة ومحبة البشر التي لربنا يسوع المسيح الذي له القدرة والمجد الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال:- ” لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ ” (24:6) ألاّ ترون أن السيّد يبعدنا قليلاً قليلاً عن الأمور المادية، وبالتفصيل يحدّثنا عن وصيّة الفقر الاختياري والنصرة على طغيان شهوة المال؟ لأنه لم يكتفِ بما سبق أن قاله، رغم أنه هام وليس بالقليل، بل أضاف أمورًا أخرى. لأنه أي شئ أفظع من الأمور التي ذُكرت الآن انتبهوا إذن بأي طريقة يوضّح السيّد ما سوف نربحه وكيف يبيّن الخسارة التي تعود علينا لو لم نفعل ما يوصينا به. لأنه يقول لنا إن الثروة لن تؤذيكم في هذا فقط، بل إنها سوف تكون سبب مهاجمة اللصوص لكم، وإنها سوف تجعل ذهنكم معتمًا إلى أقصى درجة، وتبعدكم عن خدمة الله، جاعلة إياكم أسرى الثروات. وفي الحالتين هي تؤذيكم، بدفعكم لتكونوا عبيدًا للأشياء التي يُفترض أن يكون لكم أنتم سلطانًا عليها، ومن ناحية أخرى، بإقصائكم عن خدمة الله الذي يجب أن تخدموه أكثر من أي أحد آخر. لأنه كما كان قد أوضح هناك أن الضرر هو مُضاعف وذلك عندما يضع إنسان كنزه هنا على الأرض حيث يفسده السوس ولا يضعه في السماء حيث يضمن حفظه. هكذا هنا يذكر أن الخسارة هي مزدوجة حيث إنه يتحدث عن الأشياء التي تجعلنا عبيدًا للشياطين. ولكن السيد لا يتحدّث عن هذه الأمور مباشرة بل بطريقة بسيطة عندما يقول: ” لا يقدر أحد أن يخدم سيدين” ويقصد أن السيدّين الاثنين يفرضان أمورًا كلُّ عكس الآخر، إذا لو لم يكن الحال هكذا لما كانا اثنين بل سيدًا واحدًا. كما كان ” لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة” (أع32:4)، وبالرغم من أنهم كانوا أشخاصًا عديدين إلاّ أن اتفاقهم في الرأي جعلهم وكأنهم شخص واحد. وبعد ذلك شرح هذا قائلاً إنه لن يخدمه بل إنه سيبغضه ويحتقره. وذلك ” لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر“. ويبدو أن في هذا القول تكرار، لكن الواقع هو أنه قصد أن يقول إن التغييّر إلى الأفضل هو ممكن، وذلك لئلا تقول: لقد صرت عبدًا وانتهى الأمر، لقد وقعت تحت طغيان الثروة. هو يريد إذن أن يقول إن تغييّر الحال ممكن ومن المستطاع أن يغيّر المرء ذاته من الحالة الأولى إلى الثانية والعكس وبعد أن تكلّم بصورة عامة على هذا النحو كي يقنع السامع وليقيّم ما قد سمعه، وكي يحكم وفقًا لطبيعة الأمور، يكشف السيّد أمرًا جديدًا بقوله: ” لا تقدروا أن تخدموا الله والمال“. لنرتعد عندما ندرك ماذا فعلنا حتى يقول السيّد المسيح هذا ويضع ما هو من ذهب في نفس مقام الله. ولكن إن كان هذا يصدمنا، فإن حدوثه في أفعالنا وفي تفضيلنا لطغيان الذهب على خوف الله هو أمر يصدم أكثر بكثير ماذا إذن؟ ألم يكن هذا الأمر ممكنًا بين الأقدّمين؟ على الإطلاق. قد يقول المرء ” كيف إذن تقدّم إبراهيم وأيوب في هذه الفضيلة؟ لا تقل لي عن الذين هم أغنياء، وإنما عن الذين كانوا مستعبدين للثروات. لأن أيوب كان غنيًا ومع ذلك لم يكن يخدم المال، وإنما كان يملكه ويتحكم فيه، لقد كان أيوب سيّدًا لا عبدًا. وكأنه كان وكيلاً على أموال شخص آخر. وهكذا كان يملك كل تلك الأشياء ولم يكن يشتهي أموال الآخرين، بل حتى أمواله كان يهبها لمن كانوا في احتياج وعوز. والأمر الأهم بالطبع، أنه لم يكن يفرح بما يملك كما عبّر هو عن ذلك بقوله: “… إن كنت قد فرحت إذ كثرت ثروتي” (أي25:31). لهذا لم يحزن عندما ضاعت. لكن الذين هم أغنياء الآن ليسوا كما كان أيوب. بل بالحرى هم في حالة أسوأ من أي عبد يدفع الجزية لمستبد قاسٍ. لأن ذهنهم مثل قلعة على حافة المدينة قد احتلها حب المال وشهوته. ومن هناك يرسل لهم كل يوم بأوامر تخالف القوانين ولا يوجد مَنْ يَعصى هذه الأوامر لا تكونوا مفرطى الحذق، لا، لأن الله صرّح مرّة واحدة وإلى الأبد وأعلن أنه أمر مستحيل أن تخدم الواحد وتوافق الآخر. فالواحد يأمرك بأن تأخذ ما ليس لك، والآخر يدعوك بأن تعطى حتى الذي تملكه. فالواحد يأمرك أن تكون عفيفًا، والآخر أن ترتكب الزنى. الواحد يوصيك أن تضبط معدتك، والآخر أن تكون ثملاً مترفًا. الواحد أن تكون مهتمًا بالأمور الحاضرة والآخر ينصحك باحتقارها. الواحد يجعلك تُعجب بالرخام والجدران والمباني الفخمة والآخر يعطيك ألاّ تهتم بهذه الأمور، بل بحياة التقوى. فكيف يتفق السيّدان؟ وفي هذه الحالة فإنه يدعو الشيطان “ربًا”، ليس بسبب أنه ربّ بالطبيعة، لكن بسبب تعاسة الذين يحنون أنفسهم لنيره. وبنفس هذه الطريقة فإنه يدعو البطن “إلهًا” (في19:3)، لا بسبب سلطته، بل بسبب حماقة الذين يُستعبدون له. وهذا الأمر هو أشر من أي عقاب وقادر على معاقبة كل من يقع في شراكة حتى قبل الجحيم وبعد أن يبيّن السيّد للكل الفائدة التي يحصل عليها المرء من احتقار الثروات، تحدّث عن الطريقة التي يستطيع بها الإنسان أن يحفظ ثروته وأن يكتسب إمكانية العمل بهذه الوصية، لأن أفضل التشريع لا يتعلّق بفرض ما هو مناسب، بل يجعله ممكنًا على حد سواء، لهذا أضاف قائلاً: لا تهتموا:- ” لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ بِمَا تَأْكُلُونَ ” (25:6) ولكي لا يتعجّبوا ويتساءلوا قائلين: ” كيف نستطيع أن نحيا إن طرحنا عنا كل شئ؟”. وأمام هذا التناقض الظاهري فإن السيّد أعطى إجابة مناسبة، فلو قال في البداية ” لا تهتموا “، لبدا الكلام بالتأكيد صعبًا، لكن بعد أن أظهر الضرر الناتج عن اشتهاء المال، فإن نصيحته صارت سهلة القبول ويقول السيد: ” لذلك أقول لكم لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون“، فما معنى قوله ” لذلك “، يعنى الخسارة غير الموصوفة التى تصيب منْ يكون له هذا الاهتمام الزائد، لأن الخسارة التي تلحق به ليست هي فقط في ثرواته، بل بالأكثر في أهم شئ في حياة الإنسان وهو خلاصه، حيث إن هذه الأمور تبعده عن الله الذي خلقه والذي يهتم به والذي يحبه وهذا هو معنى قوله ” لذلك أقول لكم لا تهتموا “ وهو لا يأمرنا فقط بأن ننبذ كل ما لنا، بل أيضًا ألاّ نهتم حتى بطعامنا الضروري قائلاً: ” لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون“، لا لأن النفس تحتاج إلى طعام لكونها غير جسدانية، إذ أنها رغم احتياجها للطعام فمع ذلك لا يمكنها أن تبقى في الجسد ما لم يُقات الجسد. وبعدما قال هذا، أوضحه بما يجري في حياتنا وأيضًا بأمثال قائلاً ” أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ (النفس) أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ ”(25:6) فالذي يمنح ما هو أعظم كيف لا يمنح ما هو أقل؟ فالذي خلق الجسد الذي يُقات كيف لا يمنح الطعام؟ ولهذا لم يتحدّث السيّد بصورة مجرّدة قائلاً: ” لا تهتموا بما تأكلون وبما تشربون“، إنما تحدّث عن “الجسد” و”النفس”، لأنه بصدد أن يدلّك على ما يقوله بالإشارة إليهما على سبيل المقارنة. فالنفس هي عطيّة وهبة من الله، مرةً، وهي تبقى كما هي، أما الجسد فإنه ينمو كل يوم. لهذا فهو يشير إلى هذين الأمرين، خلود النفس وضعف الجسد، عندما يضيف قائلاً: “ من منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعًا واحدًا” (27:6)، وبما أن النفس لا تنال زيادة فإنه يتحدّث عن الجسد فقط، وأن الطعام ليس هو الذي ينمي الجسد بل عناية الله وهذا الأمر يُظهره بولس الرسول بقوله: ” إذن ليس الغارس شيئًا ولا الساقي بل الله الذي يُنمّي” (1كو7:3). وبهذه الطريقة وبأمثلة أخرى مما يدور حولنا، يحثنا السيّد المسيح وينصحنا بقوله: انظروا إلى طيور السماء:- ” اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا ” (26:6) وحتى لا يقول أحدهم: ” نحن نفعل حسنًا بالاهتمام”، فإنه يوضّح لهم خطأهم سواء بالحديث عن النفس والجسد، أو بالإشارة إلى طيور السماء، لأنه يقول إن كان الله يهتّم كل هذا الاهتمام بالطيور الصغيرة، فكيف لا يُظهر اهتمامًا بالإنسان نفسه؟. ورغم أن مَثَلْ طيور السماء الذي أشار إليه السيّد له أهمية في إيضاح محبة الربَ وعنايته بالبشر، إلاّ أن بعض عديَمّي التقوى يمكن أن يصل عدم فهمهم إلى درجة كبيرة، فيهاجمون هذا المثل ويقولون: إنه ليس من اللائق الإشارة إلى الأمور التي تحدث في الطبيعة للحض على السلوك المستقيم أو على حياة التقوى، ولأن المَثَلّ يشير إلى أعمال تعملها الطيور بطبيعتها وللرّد على هؤلاء نقول: إنه وحتى إن كانت هذه الأمور هي في عالم الطبيعة فإنه يمكننا نحن أيضًا أن نفعل مِثلها باختيارنا، إذ لم يقل السيد المسيح: انظروا كيف تطير الطيور فهذا أمر مستحيل على الإنسان، بل إنه قال: انظروا كيف تقتات بدون اهتمام وهو نوع من الأمور التي يسهل علينا تحقيقها إن شئنا. فلو أشار السيّد المسيح إلى موسى وإيليا ويوحنا وآخرين مثلهم ممن لم يهتموا كيف يقتاتوا، لكان ممكنًا القول: ” لم نعد بعد مثلهم”، لكنه يتجاوزهم صامتًا الآن ويورد مثلاً بطيور السماء ليقطع كل عذر محاكيًا في هذا الموضوع العهد القديم أيضًا، حيث يورد أمثلة من حياة النحلة والنملة (انظر أم6:6)، والسلحفاة والسنونة (انظر إر7:8)، وعندما نستطيع نحن أن نفعل أمورنا باختيارنا، وهي في نفس الوقت أمور تفعلها الطيور بطبيعتها، فإن هذا لا يكون دليلاً عظيمًا على كرامتنا. فإن كان هو يعتني بالكائنات التي يسود عليها، فكيف لا يعتني بالإنسان نفسه وهو سيدها. ولهذا قال:” انظروا طيور السماء” لأن هذا القول هو غير مقبول، ولكنه قال إن الطيور: ” لا تزرع ولا تحصد“. قد يُقال: ماذا إذن؟ هل يجب ألاّ نزرع؟ لم يقل السيد إنه يجب ألاّ نزرع، بل ” يجب ألاّ نهتم “، ولم يقل إنه يجب ألاّ نعمل، بل ألاّ ننشغل كلّية بالاهتمامات، لأنه أوصانا أيضًا أن نقتات وأن لا نهتم هذا ما قاله داود أيضًا من قَبِل ” تفتح يدك فيمتلئ كل حي سرورًا ” (مز16:145) وفي موضع آخر يقول: ” المعطى للبهائم طعامها ولفراخ الغربان التي تصرخ” (مز9:147) وقد يتساءل أحد: من هم الذين لم يهتموا؟ ألم تسمع كم من الأبرار قد أوردت أسمائهم؟ ألاّ ترى معهم يعقوب راحلاً من بيت أبيه مُعدمًا من كل الأشياء؟ ألاّ تسمعه يصلي قائلاً: ” إن كان الله معي … وأعطاني خبزًا لآكل وثيابًا لألبس” (تك20:28)؟ وصلاته هذه تعكس لا اهتمامه، بل إيمانه بالله، الأمر الذي نراه واضحًا أيضًا في حياة الرسل الذين تركوا كل شئ ولم يهتموا، وفي ” الثلاثة آلاف” و”الخمسة الآلاف” (انظر أع4:4، 41:2) ولكن إن كنتم لا تحتملون أن تسمعوا أقوالاً أكثر كي تحرروا أنفسكم من هذه القيود الثقيلة، فاطرحوا عنكم الاهتمام إذ أن الاهتمام هو في الواقع حماقة كبيرة. فالسيّد يقول: ” من منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعًا واحدًا؟” (27:6) من الواضح إنه لا اجتهادنا وإنما عناية الله هي التي تفعل كل شئ حتى عندما نبدو أننا نحن الفاعلون. فلو تخلّى الله عنا، فلا عناية ولا اهتمام ولا تعب ولا أي شئ آخر سينفع، لأن كل الأشياء سوف تزول فلا تفترض إذًا أن وصاياه مستحيلة التنفيذ، لأنه يوجد العديدون ممن ينفذون وصاياه بشكل صحيح. وليس من المُستغرب ألاّ تعرفوا عنهم شيئًا. فإن إيليا أيضًا قد افترض أنه كان وحيدًا. لكنه سمع ” أبَقْيَتَ … سبعة آلاف” (1مل18:19). وبالتالي فإنه واضح أنه يوجد الآن الكثيرون الذين يعيشون كما كان الرسل يعيشون وكما كان الثلاثة آلاف والخمسة آلاف يتصرّفون. وإن كنا لا نصدق، فهذا ليس معناه أنه لا يوجد مَنْ يفعل الصلاح، بل لأننا نخاف أن نفعل هذا. تمامًا مثل الذي يسكر فإنه لا يقدر أن يصدّق بسهولة إنه يوجد مَنْ لا يشرب حتى الماء قط، الأمر الذي يمارسه الكثيرون من الرهبان عندنا. ومثل الذي له علاقات جنسّية عديدة لا يستطيع أن يصدّق أنه يمكن أن يكون للمرء حياة عذراوية. والذي ينهب أموال الآخرين يتوقع دائمًا أن يسرق آخر أمواله بسهولة هكذا من يسرفون في الاهتمام بدقائق الأمور لا يصدقون أنه من الممكن للمرء أن لا يهتم وبالتالي فهم لن يقبلوا نصيحة السيّد الرب بألاّ يهتموا. أما إنه يوجد كثيرون قد نجحوا في هذا، فهذا يمكن إدراكه من خلال النظر لسلوك مَنْ يعيشون حياة التقوى في وسطنا أما أنتم فيكفي أن تتعَلّموا أن لا تكونوا محبّي المال، وأن الصدقة هي أمر حسن وأنه يجب أن تعطوا الآخرين مما لكم. لأنكم يا أحبائي، إن نجحتم في هذا فإنكم سريعًا ستتقدّمون في فضيلة عدم الاهتمام. وبداية كل شئ أن نترك عنا الترف الزائد ونتمسّك بالاعتدال ولنتعلّم بصفة عامة كيف نعتني فقط بما هو ضروري لنا. لأن الطوباوي يوحنا عندما كان يتكلّم مع العشارين والجنود أوصاهم بأن يكتفوا بعلائفهم (انظر لو12:3ـ14). وذلك لأنه أراد أن يقودهم إلى الحكمة العالية. ولأنهم لم يكونوا مستعدين لهذا، فإنه أوصاهم بأمور أصعب من هذه لما انتبهوا إلى فعل هذه ولم يقدروا أن يطبقوا الوصية تمامًا. ولهذا عينه لن أطلب منكم ما هو أرفع من هذا لأني في الواقع أعرف جيدًا أن أمر الفقر الاختياري هو حمل لن تنؤوا بحمله الآن وبالتالي فلننشغل الآن بهذه الأمور البسيطة وهي ستُعطِى لنا تعزية ليست بقليلة. وعلى الرغم من أن الفقر الاختياري هو أمر يمارسه بعض الوثنيين وإن كان ليس من أجل هدف مناسب. غير أني سأكون سعيدًا إن أنتم قدّمتم صدقتكم بوفرة إذ أننا هكذا سنصل إلى تنفيذ وصية الرب بعدم الاهتمام سريعًا. وإن لم نفعل هذا فأي رحمة ومغفرة سنكون مستحقين نحن الذين أخذنا وصيّة بأن نكون أفضل من الناموسيين ونسبق فلاسفة اليونانيين؟ لأنه ماذا نستطيع أن نقول عندما يجب أن نكون كالملائكة وأبناء الله ونحن لا نتصرف حتى كبشر؟ لأنه عندما ينهب المرء ويصير نهمًا فإنه يعكس لا خصائص البشر، بل خصائص الحيوانات المفترسة. غير أن ما تفعله الوحوش هو من طبيعتها، أما نحن فرغم أننا قد كُرّمنا بموهبة العقل، فإننا نفعل ما لا يناسب طبيعتنا، وعلى هذا فأي مغفرة نستحق؟فطالما فهمنا تلك الحكمة العالية التي أمامنا فلنجاهد لنَصلْ إلى قمة الصالحات التي أتمنى أن نصل إليها جميعًا بالنعمة ومحبة البشر التي لربنا وإلهنا يسوع المسيح الذي له المجد والإكرام والعزة إلى الأبد . آمين. ” وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا ” (28:6ـ29)وبعد أن تكلّم السيّد عن الطعام الضروري وعن وجوب حتى عدم الاهتمام من أجله، ينتقل إلى ما هو أسهل، لأن اللباس أقل أهمية من الطعام. ولأي سبب لم يتخذ هنا مثلاً من حياة الطيور ولا أشار إلى الطاووس والأوز والخراف؟ لأنه أراد الإشارة إلى أن هناك أشياء بالرغم من تفاهتها إلاّ أنها تتميّز بنوع من الجمال، ولهذا فإنه بعد أن ذَكَرَ الزنابق، لم يسمها زنابق بل ” عشب الحقل” (31:6)، ولم يكن راضيًا حتى بهذا الاسم، بل أضاف وصفًا لحالتها يدّل بالأكثر على ضعفها وتفاهتها بقوله: ” الذي يوجد اليوم” (30:6)، ولم يقل “الذي يوجد غدًا” بل ذكر كلامًا يبرز تفاهة هذا الشيء بالأكثر بقوله إنه ” يُطرح في التنور” ولم يقل مجرّد تعبير ” يُلبسه “، بل ” يُلبسه .. هكذا” (30:6)، أي على أحسن وجه أرأيتم كيف يُكثر السيّد من إعطاء التشبيهات الضخمة دائمًا ويعضّد كلامة بالتأكيدات. إنه يفعل ذلك كي يردهم إلى صوابهم؛ لهذا أضاف قائلاً: ” أفليس بالحرى يلبسكم أنتم” (30:6). وفي هذا القول تأكيد قوي، لأن كلمة “أنتم” لا تليق إلاّ بالقيمة الكبيرة لجنسنا، وعلى الاهتمام به، كما لو كان قد قال لهم:” أنتم، الذين منحكم الله نَفْسًا، الذين خلق الله لكم جسدًا، الذين من أجلكم خلق كل الأشياء المنظورة، الذين من أجلكم أرسل الأنبياء وأعطى الناموس، وصنع تلك الخيرات التي لا تُحصى، الذين من أجلكم أعطى ابنه الوحيد ومن خلاله نُلْتُم الهبات غير المُحصاة. وبعدما أعطى لهم البراهين الكافية على عناية الله وبخّهم قائلاً: ” يا قليلي الإيمان” لأن ذلك الذي ينصح الآخرين، لا يقدم النصيحة فقط بل يوبخ أيضًا، كي ينبه الناس بالأكثر حتى يؤمنوا بقّوة كلامه بكلام الرب هذا نتعلّمه، ليس فقط ألاّ نهتم، بل ألاّ ننبهر بفخامة الملابس، لأن زنابق الحقل تتمتّع بألوان أفخم منها ومع ذلك فهي تتساوى مع عُشب الحقل. ولماذا تفتخر أنت بأشياء يفوقها في الجمال عشب الحقل الذي لا قيمة له، والذي يُحرق بالنار؟وانظروا كيف يوضّح منذ البداية على أن الأمر سهل، ويرشدهم إلى عدم الاهتمام باستخدام الأضداد أيضًا وبواسطة الأمور التي كانوا خائفين منها، لأنه بعدما قال ” تأملوا زنابق الحقل” أضاف إنها ” إنها لا تتعب“، وذلك رغبه منه في عتقنا من التعب. فالتعب لا يكمن في عدم الاهتمام بل في الاهتمام بهذه الأشياء وكما في قوله ” لا تزرع“، فليس الزرع هو ما أراد أن نتخلّص منه، بل الاهتمام المُقلق. هكذا أيضًا في القول ” لا تتعب ولا تغزل” فإنه لا يُنهي عن العمل بل عن الاهتمام (أي عن حمل الهموم) جمال زنابق الحقل لا يفوق مَلِبسَ سليمان مرّة واحدة ولا مرتين، بل ” طوال فترة حكمه”. ولم يقل إن سليمان كان يلبس أفضل من أحدها أو شابهت ملابسه زنبقًا آخر بل قال إنه لم يكن يلبس” كواحدة منها ” لأنه كما أنه هناك اختلاف كبير بين الحقيقة والزّيف، هكذا أيضًا هناك اختلاف كبير بين جمال زنابق الحقل وملابس سليمان إذن، إن كان مَلِبس سليمان أقل منها، مع أنه كان أكثر مجدًا من كل ملوك عصره، فمتى ستقدر أن تتفوّق، أو بالحرى أن تقترب ولو لدرجة صغيرة من جمال مثل هذا بعد هذا يعلّمنا السيد ألاّ نسعى على الإطلاق إلى مثل هذا النوع من الجمال، لأنه يجدر بنا أن نلاحظ نهاية هذه الزنابق، فبعد نضارتها وجمالها ” تُطرح … في التنور“. فإن كان الله قد أظهر عناية عظيمة جدًا بتلك الأشياء التافهة، وذات الاستعمال البسيط، فكيف سيتخلّى عنكم، أنتم الأهم من كل المخلوقات الحيّة؟ ولماذا إذًا خلقها هكذا جميلة جدًا؟ لكي يُظهر حكمته وعظمة قوّته، وحتى يُعرف مجده عن طريق كل الأشياء. فليس فقط ” السموات تحدث بمجد الله“(مز1:19)، بل الأرض أيضًا، وهذا ما أعلنه داود قائلاً: سبحي الرب.. الشجر المثمر وكل الأرز” (مز7:148). فالبعض منها بثمارها والبعض بضخامتها والبعض بجمالها يرسلون إليه التسبيح، أي إلي الذي خلقها. وهناك أيضًا علامة على عظمة حكمته الفائقة، عندما يغدق الله جمالاً عظيمًا كهذا على الأشياء التافهة جدًا، إذ أنه لا يوجد أتفه من الشيء الذي يوجد يومًا واحدًا وغدًا لا يكون فإن كان الله قد أعطى للعشب هذا الجمال الذي لا يحتاج إليه (لأنه ما فائدة الجمال طالما ستأكله النيران؟) فكيف لا يعطيكم ما تحتاجون إليه؟. إن كان قد زيّن بسخاء ما هو أتفه من كل الأشياء وإن كان قد فعل هذا لا للضرورة بل من أجل جُودِهِ، فكم بالحرى جدًا أن يكرّمكم وأنتم أفضل كل المخلوقات، بأمور هي ضرورية لكم؟وبعد أن بيّن السيد كيف أن عناية الله عظيمة جدًا، وكان يَلَزمْ بعد ذلك أن يوبخهم، إلاّ أنه كان رحيمًا معهم بقوله إنهم قليلي الإيمان ولم يقل عديمي الإيمان” فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟ ” (مت30:6)بالتأكيد إن الرّب (يسوع) نفسه يصنع كل هذه الأشياء إذ أن” كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان” (يو3:1). غير أنه في البداية لا يذكر شيئًا عن نفسه، لأنه كان كافيًا في البداية أن يبيّن سلطانه الكامل بقوله في كل وصية من وصاياه: ” سمعتم أنه قيل للقدماء.. وأما أنا فأقول لكم” (مت21:5). فلا تتعجبوا إذن عندما يحجب المسيح ذكر نفسه في الأمثلة التالية، أو عندما يذكر شيئًا قليلاً عن نفسه، إذ أن في البداية كان هدفه أن يجعل كلامه مقبولاً من الجميع، وبكل ما يقوله يُظهِر أن له فكر واحد مع الآب وأنه يعمل باتفاق مع مشيئته، وهذا ما نراه في حديثه هنا أيضًا فمن خلال كلمات كثيرة جدًا قالها السيّد لم يكف عن إظهار الآب لنا مشيرًا إلى حكمته وعنايته الإلهية واهتمامه الحنون بكل الأشياء الصغيرة والعظيمة معًا. لأنه حينما تكلّم عن أورشليم مانحًا إياها اسم ” مدينة الملك العظيم” (مت35:5)، وعندما ذكر السماء لَقبّهَا بـ ” كرسي الله ” (مت34:5). وعندما كان يتحدّث عن تدبير الآب في العالم، عزا إليه كل الأشياء قائلاً: ” إنه يُشرق شمسه.. ويُمطر..” (مت45:5). وفي الصلاة (الربانية) علّمنا أن نقول إن له ” المُلك والقوة والمجد” (مت13:6)، وهنا عن عناية الآب يقول إنه: ” يكسو عُشب الحقل“، وفي الصلاة (الربانية) أيضًا لا يدعو المسيح، الآب بأنه أباه هو بل أباهم، حتى أنه عندما يخبرهم بما نالوه من كرامة فإنهم يخجلون من أنفسهم، وعندما يناديه أباه هو، لا يتضايقون منه فإن كان من واجب المرء ألاّ يهتم بالأشياء البسيطة أو حتى الضرورية. فأي عذر يكون للذين يهتمون بالأشياء الفاخرة؟ وكيف يكون هناك عذر للذين يسهرون لكي ينهبوا أموال غيرهم؟” فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. ” (31:6ـ32)أرأيتم كيف أخجلهم أكثر وأظهر لهم أنه لم يأمر بعمل مرهق أو ثقيل الحمل؟ تمامًا فإنه عندما سبق أن قال لهم ” إن أحببتم الذين يحبونكم” (مت46:5ـ47)، فإنه كان يحثّهم ويشجّعهم على فعل ما هو أفضل وأعظم ممّا تفعله الأمم. هكذا هنا أيضًا في هذه الآية يورد ذكر “الأمم” ليوبخنا وليدّل على أن ما يطلبه منا هو واجب ضروري علينا. والسيّد لم يكتفِ بتوبيخهم فقط، بل إنه بعدما جعلهم يشعرون بالخجل الشديد فإنه أخذ يشجعهم بكلمات أخرى قائلاً: ” لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها” (مت32:6). ولم يقل ” الله يعلم ” بل ” أباكم .. يعلم“، كي ينشئ فيهم رجاءً أكبر. فإن كان هو أبًا، وأبًا كهذا، فلن يقدر أن يتغاضى عن احتياجات أولاده وهم في مِحَنْ الشرور وهو يري أنه حتى البشر العاديون لكونهم آباء، لا يحتملون أن يفعلوا هكذا وبعد ذلك أضاف حجة أخرى قائلاً: ” إنكم تحتاجون إلى هذه” (32:6). ومعنى قوله الآتي: إن كنت تهتم بهذه الأشياء بحجة أنها ضرورية، فأنا أقول لك عكس ذلك، بمعنى أنه لهذا السبب نفسه يجب ألاّ تهتم، لأنها ضرورية. إذ أنه أي نوع من الآباء هو ذلك الأب الذي يمكنه أن يتغافل عن تلبية حاجات أولاده الضرورية؟ أقول إنه لهذا السبب عينه فإن الله سيمنحكم بلا ريب أكثر من هذا بكثير، حيث إنه هو خالق طبيعتنا البشرّية ويعلم بالضبط احتياجاتها أكثر منكم، ولأجل هدف معين وضع أن تكون لها مثل هذه الاحتياجات. لهذا لن يمنع الله نفسه عن أن يعطيها فيما أراد لها، أولاً هو لن يخضعهم لعَوَزْ عظيم هكذا، وثانيًا فهو يسد أي احتياج ضروري لها فلا نهتم إذن، لأننا لن نربح شيئًا بالاهتمام سوى أننا سوف نعذب أنفسنا بالأكثر. لأن الله سوف يعطينا ما نحتاج عندما نهتم وعندما لا نهتم على حد سواء، وسوف تكون عطيّته أكثر عندما لا نهتم لأنه ماذا ستربح من اهتمامك سوى العقاب الشديد لنفسك؟ إذ أنك عندما تُدعى إلى مائدة غنيّة فإنك لا تهتم بتوفر الطعام للمائدة، ولا عندما تذهب إلى النبع لتستقى تهتم بوجود المياه في النبع فلَندَع نحن أيضًا عنّا هذه الهموم، فإن عطايا الربّ لنا هي أغنى من هذه الموائد وأوفر من كل الينابيع. اطلبوا أولاً ملكوت الله:- ” لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ ” (33:6)هكذا عندما اعَتَقَ النفس من الاهتمام، ذكر عندئذٍ السماء أيضًا، حقًا قد أتي السيّد ليحررّنا من الأمور العتيقة وليدعونا إلى موطن أعظم إنه يفعل كل الأشياء ليعتقنا من الأمور غير الضرورية، ومن انجذابنا نحو الأمور الأرضيّة، لهذا السبب ذكر الأمميّن قائلاً: ” إن هذه كلها تطلبها الأمم” (32:6)، الذين يتعبون من أجل الحياة الحاضرة فقط، والذين لا يبالون بالنعم العتيدة وليس لديهم فكرة عن الأمور السماوية. أما بالنسبة لكم، فليست هذه الأمور الحاضرة هي الأشياء الرئيسية لكن أشياء أخرى، لأننا لم نُخلق لنأكل ونشرب ونلبس، بل لكي نرضي الله ونبلغ الخيرات العتيدة، لهذا فكما أن الأشياء التي هنا على الأرض هي ثانوية بالنسبة لنا، هكذا أيضًا اجعلوها ثانوية في صلواتنا، لهذا قال السيد: ” اطلبوا أولاً ملكوت الله وهذه كلها تُزاد لكم“ ولم يقل ” تُعطى ” بل ” تُزاد” كي تتعلّموا أنه مهما عَظُمَت العطايا التي نأخذها هنا الآن فإنها لا تُقارن بما سوف نأخذ من خيرات عتيدة. لهذا فهو ينصحنا بألاّ نطلب هذه الأمور الحاضرة بل العتيدة، وليكن لنا الإيمان بأن هذه ستُزاد إلى تلك. وبالتالي أطُلبْ الأمور العتيدة وستحصلون أيضًا على الأمور الحاضرة.. لا تطلبوا الأشياء المنظورة، إذ إنه حتمًا ستحصلوا عليها أيضًا قد يُقال: ” ألم يأمرنا بأن نسأل من أجل الخبز “، لا ، فقد أضاف “اليومي”، وإلى هذا أضاف “اليوم”، هذا الأمر يستخدمه هنا في هذه الآية إذ أنه لم يقل ” لا تهتموا ” بل ” لا تهتموا للغد” (34:6)، وهو بهذا يعتق نفوسنا من الاهتمام بالأمور غير الضرورية ووجّه أنظارنا إلى أن نطلب الأمور العتيدة، لا كأن الله محتاج أن نذكّره بل لكي نتعلّم أنه بمعونة الربّ نَصِلْ إلى ما تصبوا إليه نفوسنا من صالحات وأن نعتاد على الصلاة من أجل الحصول عليها دائمًا. القديس يوحنا ذهبي الفم
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل