المقالات
20 أبريل 2026
أحد توما (الأحد الجديد)
بعد أن نحتفل بالصوم المقدس ثم أسبوع الآلام بالصلوات والجھادات الكثیرة نصل إلى یوم أحد القیامة الذي تبدأ بعده رحلة الخمسین المقدسة وھي مكوَّنة من سبعة أسابیع تكتمل بعید العنصرة في بدایة الأسبوع الثامن من أهمية عيد القيامة ﻧﺤتفل به ﻋﻠﻰ أربعة مستويات
۱- في بدایة كل یوم: ففي صلاة باكر كل یوم نحتفل بالقیامة لأن القیامة كانت باكرًا جدًا في فجر الأحد.
۲- في كل أسبوع: في یوم الأحد الذي نسمیه "یوم الرب" أو "ھذَا ھُوَ الْیَوْمُ الَّذِي صَنَعُھه الرَّبُّ" (مز24:118) وكلمة "أحد" تعني "نور" لأن القیامة كانت نورًا وھي بالإنجلیزیة Sunday إذن یوم
الأحد ھو التذكار الأسبوعي للقیامة المجیدة.
۳- في كل شھر: نحتفل بتذكار البشارة والمیلاد والقیامة في الیوم التاسع والعشرین من كل شھر قبطي (ماعدا شھري طوبى وأمشیر).
٤- في كل سنة: نحتفل بالقیامة لمدة ٥۰ یومًا ھكذا نحتفظ بتذكار القیامة على كل المستویات ونعیش فیھا لأن القیامة ھي فرح أفراحنا وھي عیدأعیادنا بمعنى أنھا قمة كل شيء في حیاة الإنسان.
ﻟﻤاذا نسمى الأحد الأول "الأحد اﻟﺠديد" أو "أحد توما"؟
یسمى الأحد الأول بعد القیامة بالأحد الجدید لأن فیه تجدید للإیمان أو إعلان للإیمان فقد ظھر السید المسیح لتلامیذه في یوم قیامته إذ كانوا مجتمعین في العلیة والأبواب مغلقة بحرص بسبب الخوف من الیھود لأن أحداث الصلب كانت صعبة ظھر المسیح في وسطھم وقال "سَلاَمٌ لَكُمْ" (یو ۲۰: 19) فكانت فرحة كبیرة جدًا یقول عنھا الكتاب "فَفَرِحَ التَّلاَمِیذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ" (یو ۲۰:20) لكن توما لم یكن معھم ولما عاد قصّوا علیه ما حدث وأخبروه أن المسیح قام لكنه لم یصدِّق وقال "إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي یَدَیْه أَثَرَ الْمَسَامِیرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِیرِ، وَأَضَعْ یَدِي فِي جَنْبِه لاَ أُومِنْ" (یو ۲۰: 25) ثم في الأحد التالي للقیامة ظھر المسیح للتلامیذ ومعھم توما وكأنه ظھور خاص لتوما لأن المسیح قال له "ھَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى ھُنَا وَأَبْصِرْ یَدَيَّ وَھَاتِ یَدَكَ وَضَعْھَا فِي جَنْبِي وَلاَ تَكُنْ غَیْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا" (یو ۲۰: 27) وللوقت صرخ صرخة جمیلة قائلاً "رَبِّي وَإِلھِي" (یو ۲۰: 28) وعبارة "رَبِّي وَإِلھِي" ھي التي تجعلنا نسمي ھذا الیوم "الأحد الجدید" لأنھا إعلان للإیمان لذلك لما صرخ توما وقال "رَبِّي وَإِلھِي" قال له المسیح عبارة جمیلة "لأَنَّكَ رَأَیْتَنِي یَا تُومَا آمَنْتَ طُوبَى (یا بخت) لِلَّذِینَ آمَنُوا وَلَمْ یَرَوْا" (یو ۲۰: 29) ونحن لم نكن موجودین وقت صلب المسیح لكننا عرفنا وآمنا بكل الأحداث من الكتاب المقدس لذلك نحتفل بالقیامة وبالأحد الجدید.
الشيطان حينما ﻳﺤارب الإنسان يحاربه بنوعين من اﻟﺤروب:
۱- حرب الشك: یشك الإنسان في محبة ربنا وحنانه وفي غفران الخطایا وفي كل شيء (في حیاته في عمله في بیته في كنیسته في خدمته) لیحمیكم الله من الشك لأنه مرض لذلك كن دائم الاحتراس منه وكن دائمًا في علاقة قویة مع الله فكلما بعُدَ الإنسان عن الإنجیل تزداد حرب الشك لأن الإنجیل ھو الوسیلة القویة التي تحمینا من حروب الشك.
۲- حرب الیأس: الیأس یعني أن یشعر الإنسان أن الدنیا مظلمة في وجھه وأنه لا یقدر أن یعمل أي شيء ویعبِّرون عن ذلك في اللغة الدارجة بعبارة "مفیش فایدة" فیدخل في الیأس والاكتئاب والقلق لكن الله يقف معنا ويعمل معنا ثلاثة أشياء لأنه:
۱- محب لكل البشر: ھو یحب كل الناس یحب الخاطئ لكنه یكره خطیته یحب كل البشر وفي كل یوم ینظر إلیك لأنه یحبك بالاسم ویحبك بعملك وبطریقتك وبأسلوبك إلخ.
۲- صانع خیرات: الله دائمًا یصنع الخیر مع كل إنسان لذلك في كل یوم صباحًا نقول "صباح الخیر" بمعنى أن ھذا الصباح ھو نھار جدید بكل الخیر من عند ربنا.
۳- ضابط الكل: كل الأمور مضبوطة ولیس ھناك فوضى لذلك نسمي الله ضابط الكل ھو ضابط الفلك فالشمس تشرق في الصباح والقمر والنجوم باللیل وضابط الھواء والبرد والحر والفصول الربیع والصیف والخریف والشتاء إلخ...
أرجوكم لا تقلقوا من شيء لأن إلھكم ضابط الكل ولیس ھناك شيء في الكون كله لم یدبره الله وھو مدبر كل صغیرة وكبیرة في حیاتنا.
القيامة نور
لأن القیامة ھي نور لذلك فإنھا مفرحة ونحن نرتل كل لیلة في التسبحة ونقول "قوموا یا بني النور لنسبِّح رب القوات" لأن كل من یعیش في الإیمان بقیامة المسیح یُعَّد من أبناء النور وبنو النور یأخذون نورھم من نور المسیح الذي قال عن نفسه "أَنَا ھُوَ نُورُ الْعَالَمِ" (یو ۸: 12) وقال لنا "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ" (مت ٥: 14) لذلك نقول "بنورك یا رب نعاین النور".
"لأنك أنت حياتنا ﻛﻠنا خلاصنا ﻛﻠنا رجاؤنا ﻛﻠنا شفاؤنا ﻛﻠنا قيامتنا ﻛﻠنا"
ھذه العبارة یقولھا الكاھن للمسیح في أوشیة الإنجیل ویقولھا بصیغة الجمع (بلساننا كلنا) لذلك أود أن نتأمل في كل عبارة وردت فیھا:
۱- أنت حیاتنا كلنا (بالتجسد) لأنه أتى وتجسد وعاش بیننا كما یقول الإنجیل "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَیْنَنَا" (یو ۱: ۱٤) لقد تجسد المسيح لكي یعطینا حیاة وھو یقول لنا: "مَنْ یَأْكُلْ جَسَدِي وَیَشْرَبْ دَمِي یَثْبُتْ فِيَّ وَأنَا فِیه فَمَنْ یَأكْلْنِي فَھُوَ یَحْیَا بِي" (یو ٦: 56 , 57) ھو الذي یعطینا الحیاة الحقیقیة وبدونه لیس لنا حیاة.
۲- خلاصنا كلنا (بالصلیب): خلاصنا نحن من الخطیة لأن كل خطایا البشر حتى صلب المسیح وحتى الیوم وحتى مجیئه الثاني كل الخطایا حملھا المسیح فوق الصلیب لذلك نقول له أنت خلاصنا كلنا من كل خطایانا وھذا ما جعل القدیس یوحنا الحبیب یقول "دَمُ یَسُوعَ الْمَسِیحِ ابْنِه یُطَھِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِیَّةٍ" ( ۱یو ۱: 7) إیاك أن تكون واقعًا في خطیة ثم تقول كیف سأذھب إلى الكنیسة وماذا أعمل بھا ما ھو دوري فیھا؟ ثم تقرر ألا تذھب إلى الكنیسة وبذلك تكون قد وقعت في الخطأ لأنه مھما كانت خطیة الإنسان فإنه إن تاب عنھا یرفعھا المسیح لذلك نقول له "أنت خلاصنا كلنا" بمعنى أنه أنت تسامحنا وتعطینا الغفران وبدونك سیظل كل إنسان حاملاً خطیته فوق رأسه.
۳- رجاؤنا كلنا (بالإنجیل): المسیح یعطینا الرجاء والأمل بالإنجیل من خلال الوصیة عندك إنجیل لكن ھل إنجیلك مفتوح؟ ھل تقرأ فیه؟ إن الرجاء یعطینا العمل الإیجابي والنظرة الإیجابیة في حیاتنا ویقول معلمنا بولس الرسول "لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَیَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَیْفٍ ذِي حَدَّیْنِ وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ (النخاع الموجود داخل العظم) وَمُمَیِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِیَّاتِه (التمییز بین الخیر والشر)"(عب ٤: 13)
٤- شفاؤنا كلنا (من خلال الأسرار): عندنا في الكنیسة سر التوبة الذي یرفع الخطیة وأثناء الاعتراف یمسك الكاھن بالصلیب فتوضع خطیة المُعترِف علیه، ثم یرفعه الكاھن ویقرأ التحلیل على رأس المُعترِف وأیضًا سر التناول حیث نأخذ جسد الرب ودمه وھناك شفاء من خلال الأسرار لأنھا عمل الروح القدس فینا فإیاك أن تحرم نفسك من الأسرار.
٥- قیامتنا كلنا (لیس على الأرض لكن في السماء) حینما ینادینا الرب "تَعَالَوْا یَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِیسِ الْعَالَمِ"(مت ۲٥: 34) فھو قیامتنا بمعنى أنه یعطینا الإمكانیة أن یكون لنا مكان في السماء ﻛﻞ سنة وأنتم طيبين وقيامة وأنتم طيبين كل خرستوس أنيستى اﻟﻤسيح قام آﻟﻴثوس أنيستى باﻟﺤقيقة قام.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
17 أبريل 2026
من يدحرج لنا الحجر؟
أھنئكم جمیعًا بعید القیامة المجید وأصلي أن یفیض قلبكم بالبھجة ویملأ الله أیامكم بروح الرجاء كما
أتوجه بالتھنئة لكل الكنائس القبطیة الإیبارشیات والأدیرة القبطیة المنتشرة في العالم التي تُعلن الیوم
أعظم رسالة: "المسیح قام! حقًّا قام!" ھذا العید یُجسِّد انتصار الحیاة على الموت والنورعلى الظلمة والمحبةِ على كلِّ شر ففي قیامة السید المسیح تتجدد البشریة وتنفتح أبواب السماء لتدشین عھدٍ جدیدٍ من المصالحة بین الله والإنسان إنه الیوم الذي رأینا فیه القبر فارغًا معلنًا أن المسیح قد غلب الموت وصار الصلیب بابًا للحیاة الأبدیة أقف معكم عند سؤال رددته المریمات وھنّ في طریقھنّ إلى القبر "مَنْ یُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ؟" (مر ۱٦: 3) لقد كان ھذا التساؤل تعبیرًا عن عجز البشریة أمام الحواجز لأن حجرًا كبیرًا كان قد وُضع على باب
القبر كان مستحیلاً على النسوة أن یدحرجنه إنه حجریسدّ طریق الحیاة ھذا التساؤل ھو صرخة للإنسانیة
منذ آدم فآدم خرج من الجنة وحمل معه حجر الخطیة الذي فصل بینه وبین الله وتساءل من یدحرج ھذا
الحجر فالخطیة والشھوة التي حركت آدم وحواء شلّت إرادته وحرمته من متعة الحیاة مع اهلب قایین قتل أخاه ھابیل وبعدھا صرخ قائلاً "ذَنْبيِ أعَظَمُ مِنْ أنَ یحُتمَلَ"َ (تك ٤: 13) ووضع حجرًا بینه وبین كل الناس وصار "تائھِا وَھَارِبًا عَلىَ الأرَضِ" (تك ٤: 12) فكان یھرب من البشر لكي یعیش نوح صلى وسط الطوفان "من یرفع حجر الغرق"؟ فقد كانت الإنسانیة غارقة في الخطیة "وَرَأىَ الرَّبُّ أنَّ شَرَّ الإنِسَانِ قَدْ كَثُرَ فيِ الأَرْضِ وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِه إنِّمَا ھُوَ شِرِّیرٌ كُلَّ یَوْمٍ" (تك ٦: 5) لقد فسدت البشریة وانتشر الشر والعنف
على الأرض وغرق العالم عاش توما أسوأ أسبوع في حیاته یئن تحت حجرالشك والحیرة وعدم الإیمان ثم قال "إِنْ لَمْ أُبْصِرْفيِ یَدَیْه أثَرَ المْسَامِیرِ وَأضَعْ یَدِي فيِ جَنْبه لا أوُمِنْ"(یو ۲۰: 25) إن الحجر الذي تخشاه المریمات ھو حجر الخطیئة الذي یُثقِل ضمیرنا ویُبعدنا عن الهب حجر الألم الذي یظھر في تجارب الحیاة القاسیة حجر الشك الذي یُظلم إیماننا وسط الأزمات وكل یوم تصرخ الإنسانیة من یرفع أحجار المرض الفقر الخیانة الوحدة القلق القساوة الھموم الریاء الكذب الصراع الحرب؟؟؟
ماذا فعلت اﻟﺨطية ﻓﻲ الإنسان؟
۱- الخطیة أصابت الفكر بالظلام
الخطیة تُفسد العقل والفكر معًا كما یقول الرسول
بولس "لأنَّھمُ لمَّا عَرَفوُا الله لمَ یمُجِّدُوه أوَ یَشْكُرُوه كَإلِه بَلْ حَمِقوُا فيِ أفَكَارِھِمْ وَأظَلمَ قَلْبُھُمُ الْغَبيِّ وَبَیْنَمَا ھُمْ
یَزْعُمُونَ أنَّھُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُھَلاءَ" (رو ۱: 21- 22) الخطیة تُشوِّش رؤیتنا فتجعلنا نرى الحق كعدو والشر كخیر ھكذا فعلت الخطیة بفرعون حتى أنه كلما زادت الضربات ازداد عنادًا وظن أن قوته تُضاھي قوة الله!
الخطیة جعلته یرى معجزات الله كتھدید لعرشه لا كرسالة خلاص وھكذا فقد الاستنارة كذلك رأى بیلاطس تھدیدًا له بعد أن طلب منه الیھود "اصلبه اصلبه" لذلك أمر بجلده وصلبه.
۲- الخطیة أصابت الضمیر بالضعف
الضمیر ھو النور الداخلي الذي وضعه الله في الإنسان لیمیز بین الخیر والشر لكن الخطیة تُشوِّه ھذه الھِبة فتصیر النفس كسفینة بلا دفة یھوذا الإسخریوطي بعد خیانة المسیح حاول إسكات ضمیره بإعادة الفضة (متى ۲۷: 3) لكنه لم یجد خلاصًا لأن الخطیة قادته إلى الیأس! وعندما أخطأ داود وقتل أوریا ( ۲ صم ۱۱ ) حاول إسكات ضمیره لكن الصوت ظل یصرخ "أَنْتَ ھُوَ ٱلرَّجُلُ!" ( ۲ صم ۱۲: 7) على لسان ناثان النبي فالخطیة جعلت داود یُطفئ صوت الضمیر!
في محاكمة السید المسیح أمام المجمع الیھوديوالسلطات الرومانیة كان ھدفھم ھو الحصول على شھادة زور تُدین السید المسیح لتبریر حكمھم لكن لم تتفق الشھادات.
۳- الخطیة أصابت القلب بالقساوة
القلب في الكتاب المقدس ھو مركز المشاعر والإرادة والإیمان لكن الخطیة تُحوله إلى "حجر" لا یَرحم!
یقول النبي حزقیال "أَنْزِعْ قَلْبَ الْحَجَرِ من لحمكم وَأُعْطِیَكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ" (حز ۳٦: 26) الفریسیون رأوا معجزات المسیح لكنھم "غَمَّضُوا عُیُونَھُمْ لِئَلاَّ یُبْصِرُوا بِعُیُونِھِمْ وَیَسْمَعُوا بِآذَانِھِمْ وَیَفْھَمُوا بِقُلُوبِھِمْ" (مت ۱۳: 15) وقسوتھم وصلت إلى حد التآمر لصلب السید المسیح بدعوى "حفظ الناموس"! الشعب نفسه صرخ أمام بیلاطس البنطي "اصلبه اصلبه دمه علینا وعلى أولادنا" بل أیضًا طلبوا أن یطلق لھم اللص باراباس أما المسیح فیصلب ھذا ھو حال الإنسانیة كلھا تصرخ تحتاج من یمد یده ویدحرج الحجر وھذا ما حدث عند القیامة النسوة ذھبنّ إلى القبر بقلوب خائفة لكنھنّ وجدنّ الحجر مُدحرجًا والملاك یُعلن "أنتن تطلبن یسوع الناصري المصلوب قد قام! لیس ھو ھھنا!" (مر ۱٦: 6)ھذا ھو عمل القیامة فالحجر الذي لا یقدر علیه
البشر دحرجته ید الله القویة والموت الذي یُرھب الإنسان ھزمه السید المسیح بصلاحه والخطیة التي تستعبدنا محاھا دمه المقدس.
ومن هنا ﻛﺎنت القيامة اﻟﻤجيدة ﻫﻲ عطية اﻟﺨلاص لكل البشر وها ﻫﻲ تصلح ما أفسدته اﻟﺨطية
۱- القیامة تُعید إلى الفكر الاستنارة
بالقیامة تحوَّل ظلام الخطیة إلى نور الحق كما یقول المرتل "لأَنَّ عِنْدَكَ یَنْبُوعَ الْحَیَاةِ بِنُورِكَ نَرَى نُورًا"(مز ۳٦: 9) بطرس الرسول الذي أنكر المسیح بضعف بكى واستعاد فكره المشوش بعد القیامة (لو ۲۲: ٦۲ )
واستنار وبعظة واحدة كسب آلاف النفوس بعد حلول الروح القدس یوم الخمسین أیھا الأحباء قیامة المسیح ھي انتصار النور على ظلام الخطیة وكما دحرج الحجر عن القبر یرید أن یدحرج كل حجر یُظلم عقولنا. لنصرخ مع المرتل "أَنْرِ عَیْنَيَّ فَلَا أَنَامَ نَوْمَ الْمَوْت" (مز ۱۳: 3) لقد انتقل العالم بالقیامة من الظلام إلى النور "سراج لرِجْليِ كَلامُكَ وَنُورٌ لسِبِیليِ" (مز ۱۱۹: 5 ,6) الإنسان بطبیعة مختلفة إذ قیل عنا "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ" (مت ٥: 14) ولذلك نصلى صلاة باكر كل یوم مع بدایة النور تذكارًا للقیامة المجیدة.
۲- القیامة تعید إلى الضمیر الاستقامة
الضمیر المستقیم لیس ضربًا من المثالیة بل واقعًا نعیشه بقوة القیامة فكما حوَّل المسیح الموت إلى حیاة
یُحوِّل انحرافنا إلى استقامة فیكون الضمیر حاضرًا وواضحًا وصوتًا مسموعًا في حیاة الإنسان لنُردد مع
المرتل "ٱخْتَبرِنيِ یَا ٱﻟﻠﮫ وَٱعْرِفْ قَلْبيِ ٱنْظُرْ إنِ كَانَ فيِّ طَرِیقٌ بَاطِلٌ وَاھْدِنيِ طَرِیقًا أبَدِیًّا" (مز ۱۳۹: 23- ۲٤) فالضمیر المستقیم لیس نتیجة جھد بشري بل ھبة إلھیة من ینبوع القیامة القیامة تمنحنا أیضًا رجاءً لا یخیّب ھذا الرجاء یرفع أعیننا فوق ھموم العالم ویجعلنا نسیر باستقامة على طریق الملكوت والقیامة لیست وعدًا بمستقبل مجید بل قوة حاضرة تُصلح كل اعوجاج في حیاتنا وتعید ترتیب أولویاتنا لنضع الله أولاً كما نردد في مزمور التوبة "قَلْبًا نَقِیًّا اخْلُقْ فِيَّ یَا لَلهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِیمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي" (مز ٥۱: 10).
۳- القیامة تعید إلى القلب البساطة
"إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِیرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت ۱۸: 3) البساطة لیست مجرد حالة عقلیة أو أسلوب حیاة بل ھي صفة قلبیة عمیقة تُعید الإنسان إلى صورة الله التي خُلق علیھا وتُعید قلوبنا إلى تلك الحالة من البراءة الروحیة في القیامة نكتشف البساطة من جدید ونتحرر من تعقیدات الحیاة ومن الأفكار المشوشة ونعیش بنقاء نیة وقلب متواضع أمام الله واثقین أن كل ما نحتاجه قد أكمله المسیح لنا على الصلیب وقام لیمنحنا حیاة أبدیة البساطة ھي أن نعیش في سلام مع الله ومع الآخرین وأن نتخلى عن الغش والخداع وأن نُحِب من قلب نقي دون مصالح أو حسابات وكما یقول الكتاب "طُوبَى لِلأَنْقِیَاءِ الْقَلْبِ لِأَنَّھُمْ یُعَایِنُونَ اللهَّ" (مت ٥: 8) لنستقبل القیامة بفكر مستنیر وضمیر مستقیم وقلب بسیط نستقبلھا بقلوب مفتوحة للسماء قلوب خالیة من كل حجر یُبعدھا عن الله ونسیر في نور المسیح القائم من بین الأموات كل قیامة وأنتم بخیر ولتكن الاستقامة والبساطة والاستنارة طریقًا لنا ونورًا یضيء قلوبنا وبیوتنا.
خرستوس أنستي ألیثوس أنیستي
المسیح قام حقًا قام.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
11 أبريل 2026
الرسالة البابوية لعيد القيامة المجيد
باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد آمين.
إخريستوس أنيستي أليسوس أنيستي. المسيح قام بالحقيقة قام.
أهنئكم جميعًا بعيد القيامة المجيد العيد الذي نختم به صومًا مقدسًا استمر على مدى خمسة وخمسين يومًا. ونحتفل بالقيامة المجيدة على مدار الخمسين يومًا القادمة التي نسميها الخماسين المقدسة.
في عيد القيامة المجيد نحتفل بعمل الله معنا حيث منحنا بقيامته بركة ثلاثية منحنا المحبة والنعمة والشركة وهذا ما نعبر به في العبارة الختامية في جميع الصلوات دائمًا نقول محبة الله الآب نعمة الابن الوحيد شركة وموهبة وعطية الروح القدس وهذه البركة الثلاثية نلناها في القيامة المجيدة أو بسبب القيامة المجيدة.
أولا المحبة التي أحبنا بها الله حتى أنه جاء إلى العالم حبا فينا “نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً” (1 يوحنا 4: 19) فكان التجسد المجيد التجسد المجيد هو كان مَعْبَرَ الله إلينا على الأرض لم تكن محبته نظرية ولا شفوية ولا عن بعد ولكن محبة حقيقية حيث جاء وتجسد “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ” (يوحنا 1: 14) هكذا أحب الله العالم فلا يوجد حبٌ أقرب وأقوى من أن يقترب المحب إلى المحبوب فصار كل إنسان فينا محبوبًا لدى الله المحب ثم النعمة الكبيرة نعمة القيامة نعمة الغفران نعمة الفداء نعمة التجديد هذه النعم حصلنا عليها ونلناها من خلال عمل المسيح تجسده على الأرض ثم موته على الصليب المجيد من أجلنا ثم قيامته من أجل خلاصنا هذه النعمة الكبيرة التي تمنح الإنسان نعمة القيامة وكما نعلم أن القيامة فيها “فعل قام” فعل قوي شخص كان جالسًا ثم وقف واستمر في الوقوف هذا علامة على الاستعداد وعلامة أن الإنسان يتمتع بصحة كاملة القيام ولذلك نبدأ في التسبحة اليومية ونقول قوموا يا بني النور لنسبح رب القوات بنو النور هم بنو القيامة ونبدأ بالفعل قوموا هذه هي القيامة المجيدة التي نتمتع بها أيضا شركة الروح القدس الذي يجمعنا جميعًا في كنيسة واحدة في إيمان واحد في عمل واحد في رجاء واحد وبدءاً في محبة واحدة فنصير جميعًا أعضاءً في جسدِ المسيح ويصير المسيح هو رأس هذا الجسد ويصير عمل الروح القدس فينا أنه يجمعنا جميعًا من خلال الأسرار المقدسة من خلال الصلوات من خلال القراءات وكل الممارسات الروحية
هذه هي المحبة وهذه هي النعمة وهذه هي الشركة ولذلك في كل صلاة يختم الأب الكاهن الصلاة بهذه العبارة الختامية حيث يذكِّرنا بأعمال الله معنا من المحبة والنعمة والشركة وهذا هو البرنامج الحياتي لنا في القراءات الكنسية وذلك في أناجيل القداسات عبر السنة القبطية في شهر توت وبابة نتعلم محبة الله في الشهور السبعة بعد ذلك من أول هاتور نتعلم نعمة الابن الوحيد التي عمل فيها معنا ثم في بقية شهور السنة القبطية نتعلم شركة وموهبة وعطية الروح القدس القيامة قوة كبيرة ومن القصص الجميلة التي تحكي بصورة رمزية قوة القيامة أن بعض الأطفال ذهبوا وسألوا النار هل أنت أقوى شيء في الأرض؟ قالت لهم لا المياه أقوى مني فذهبوا وسألوا المياه هل أنت أقوى شيء على الأرض؟ قالت لهم لا الشمس أقوى مني بتبخرني ذهبوا للشمس هل أنت أقوى شيء موجود أمام الأرض؟ قالت لهم لا الغيمة والسحاب يظلل عليّ ويداريني فذهبوا للغيمة سألوها هل أنت أقوى شيء على الأرض؟ قالت لا الهواء يحركني من مكان الى آخر فذهبوا للهواء سألوه هل أنت أقوى شيء على الأرض؟ قال لهم لا الجبل أقوى مني لأن في طريقي أصادف الجبل الذي يغير اتجاهي ولا اقدر أعبره فذهبوا للجبل سألوه هل أنت أقوى شيء على الأرض؟ قال لهم لا الإنسان أقوى مني لأنه يهد في الجبل ويقدر يكسرني فذهبوا للإنسان سألوه هل أنت أقوى شيء على الأرض؟ قال لهم لا الموت أقوى مني لا أستطيع ان أغلب الموت قالوا نذهب لنسأل الموت هل أنت أقوى شيء؟ قال لهم لا المسيح هو الأقوى لأنه بالموت داس الموت بموت المسيح على الصليب داس الموت وكما يعلمنا القديس بولس الرسول “أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟” (1 كورنثوس 15: 55) المسيح مات على الصليب وقام من بين الأموات لكي يهزم الموت وبهذه بالصورة صار لنا الحياة الأبدية فنقول: المسيح قام من الأموات بالموت داس الموت والذين في القبور أنعم لهم بالحياة الأبدية أهنئكم جميعًا بعيد القيامة المجيد أهنئ كل الآباء المطارنة والآباء الأساقفة والآباء الكهنة القمامصة والقسوس أهنئ الشمامسة والأراخنة أهنئ الخدام والخادمات وكل الأسر القبطية التي تحتفل بعيد القيامة أهنئ كل الأطفال والشباب في كل كنيسة وفي كل خدمة في بقاع الأرض كلها أهنئ كل الكنائس القطية أهنئ كل الذين يعملون ويخدمون وأنقل لكم محبة الكنيسة الأم في مصر لكل كنائسنا في أمريكا الشمالية وفي أمريكا الجنوبية في أوروبا وفي أفريقيا وفي الكرسي الأورشليمى وفي أسيا وفي أستراليا أهنئ الجميع وأرجو لكم عيدا مباركا وقيامة مع المسيح وفرحًا يدوم في الحياة كلها ولا ننسى المحبة والنعمة والشركة لإلهنا كل مجد وكرامة من الآن وإلى الأبد آمين.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
27 مارس 2026
“حُبٌّ حتى الموت”
في الوجود الإنساني على سطح الأرض أسرارٌ عديدة، البعض منها نعرفه وكثيرٌ منها نجهله. على قمة أسرار ذلك الوجود نجد ”الحب“ فالحُبُّ شعورٌ وإحساس يفهمه الإنسان بدرجاتٍ مُتفاوتة، ويُعبِّر عنه قولًا أو فعلًا أو سلوكًا أو إحساسًا أو شِعْرًا أو فَنًّا … إلخ، بل ويُعتَبَر ”الحُب“ هو مفتاح قلب أيِّ إنسانٍ، في كلِّ زمان وفي كلِّ مكان الإنسان كائنٌ جائع إلى الحُبِّ يحتاج أن يشبع، و«اَلنَّفْسُ الشَّبْعَانَةُ (من الحُبِّ أساسًا) تَدُوسُ الْعَسَلَ (أي إغراء آخر)» كما يُعلِّمنا سِفْر الأمثال (27: 7) أمَّا ”الموت“ فهو سِرٌّ آخر من أسرار الوجود البشري، به تنتهي رحلة حياة الإنسان إلى الشاطئ الآخر من الحياة والموت هو ذلك الزائر المُزعِج الذي يحمل الإنسان بعيدًا عن الأرض، ويُشَكِّل لُغزًا وسرًّا لا نعرف عنه تفصيلًا ومعرفتنا عن الحياة الجديدة نستقيها من الكُتُب المُقدَّسة واختبارات حياة الآباء والقدِّيسين ثم يأتي ”المسيح المصلوب“ ليُقدِّم لنا بنفسهِ شرحًا عميقًا لهذه الأسرار مجتمعة، فيكون الصليب هو: ”سِرُّ الحُبِّ حتى الموت“ في سنوات خدمة السيِّد المسيح العلنيَّة صنع معجزاتٍ عديدة. وقدَّم تعاليم كثيرة، بعضها أمثالٌ توضيحيَّة وبعضها وصايا وقِيَم كما تقابَل مع الشخصيات، أفرادًا وجماعات، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا. البعض من قمَّة السُّلَّم الاجتماعي، والبعض من متوسِّطي الحال. وكلُّ هذه المقابلات كانت تُشير إلى مقابلة ذلك اليوم العظيم: ”يوم الصليب المجيد“لقد قدَّم حُبَّه العجيب بكلِّ شكل، ولكلِّ مَنْ تقابل وتلامَس معه، ولكن كانت واقعة الصليب هي التعبير الأقوى عن ذلك الحُبِّ، وقد سبقها مباشرة حادثة لها دلالة بالغة وهي: ”غَسْل الأرجُل“ إنه من السهل أن نغسِل أرجُل الذين نحبُّهم، مثل الأُم التي لا تجد حَرَجًا في غَسْل ابنها، أو المُمرِّضة التي تغسِل مريضًا أو مُسِنًّا؛ ولكن غَسْل أرجل مَنْ أهانني أو ضايقني، فبالتأكيد أمرٌ صعب أو حتى مستحيل. وربما رَدّ فعل بطرس الرسول عن هذا الأمر يوضِّح لنا شيئًا، كما نقرأه في (يوحنا 13) في ذلك الحوار الرائع:
بطرس: ”يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَغْسِلُ رِجْلَيَّ“؟!
يسوع: ”لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ“.
بطرس: ”لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا“!
يسوع: ”إِنْ كُنْتُ لَا أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ“.
بطرس: ”يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي“.
يسوع: ”الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَّا إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ“.
وهكذا ظهرت سيمفونية الحُب والتجرُّد التَّام عند الأقدام وبعدها نصل إلى مشهد الصليب القوي، الذي هو قمَّة خطَّة الله لخلاص الإنسان لقد كان مشهدًا مُحاطًا بالضَّعف والعار والإهانات والأشواك والألم والموت، لأنه «بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لَا تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!» (عب 9: 22) ومن مسيح خلاصنا فوق الصليب، نورد العبارات السبع التي ترسِم لنا عالم الفداء الجديد:
«يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» (لو 23: 34) = مغفرة بلا حدود.
«الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ» (لو 23: 43) = فردوس مفتوح بلا حدود.
«هُوَ ذَا ابْنُكِ … هُوَ ذَا أُمُّكَ» (يو 19: 26 و27) = وفاء بلا حدود.
«أَنَا عَطْشَانُ» (يو 19: 28) = خدمة بلا حدود.
«إِلهِي إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي» (مر 15: 24) = رجاء بلا حدود.
«يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي» (لو 23: 46) = سلام بلا حدود.
«قَدْ أُكْمِلَ» (يو 19: 30) = كمال بلا حدود.
والخلاص هو حُبٌّ بلا حدود من المسيح المصلوب صاحب القلب المطعون واليَدَيْن المفتوحتَيْن لكلِّ البشر، تُناديان نداء الراحة.
«تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ» (مت 11: 28 – 30).
لقد انتصر الحُبُّ على الموت، وقام المسيح في اليوم الثالث، ليكون الحُبُّ أقوى من الكراهية، والحياة أقوى من الموت. والصليب هو سِرُّ الحُبِّ الدائم والقائم في حياة المسيحيين عَبْر رحلة الزمن.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
20 مارس 2026
“أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلَا تَرْتِيبٍ”
فضيلة النظام، فضيلة هامة في حياتنا، بل في حفظ كيان الكون كله. الله هو المَثَل الأعلى في النظام، فالكون مُنظَّم بترتيبٍ عجيب، يظهر في الجماد والنبات والحيوان والإنسان والقوانين وُضِعَت لحفظ النظام في أيِّ مجتمع، فلا يمكن لأيِّ مجتمع أن يعيش إذا كان كل أفراده يفعلون ما يروق لهم دون مُراعاة لحقوق الآخرين. فالقانون حَفظَ النظام، الذي يُعرِّف الإنسان ما له وما عليه والنظام هو وضع هيكل تنظيمي للعمل، وتحديد المسؤوليات، واختيار الأصلح للقيام بكلِّ عمل، وغياب النظام هو مُعطِّل لكثير من الإنجازات ويسبق التنظيم مرحلة تُسمَّى التخطيط، وهي مرحلة الدراسة والتفكير المُسبَق لسير العمل، فمثلما قال السيِّد المسيح: «وَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بُرْجًا لَا يَجْلِسُ أَوَّلًا وَيَحْسِبُ النَّفَقَةَ، هَلْ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُ لِكَمَالِهِ؟ لِئَلَّا يَضَعَ الأَسَاسَ وَلَا يَقْدِرَ أَنْ يُكَمِّلَ، فَيَبْتَدِئَ جَمِيعُ النَّاظِرِينَ يَهْزَأُونَ بِهِ، قَائِلِينَ: هذَا الإِنْسَانُ ابْتَدَأَ يَبْنِي وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُكَمِّلَ» (لو 14: 28 – 30) ويتبع التنظيم مرحلة التوجيه والمُتابعة والتقييم، وهي التأكُّد من أنَّ العمل يتمُّ وفق الخطة، والتعرُّف على ما تمَّ أو ما لم يتمَّ إنجازه، وتحليل النتائج وتجنُّب الأخطاء في المستقبل وتعديل الخطط.
أبعاد النظام:
أولًا: النظام وصية كتابية:
الله يُبارك النظام، ولا يُبارك الفوضى، ولا بدَّ أن تعرف أنَّ النظام وصية إنجيليَّة: «لأَنَّ اللهَ لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ بَلِ إِلَهُ سَلَامٍ» (1كو 14: 33). وكلمة ”تشويش“ هنا تعني: فوضى، أو أمرًا ليس له شكل مُعيَّن وأيضًا يقول معلِّمنا بولس الرسول: «وَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ» (1كو 14: 40). وهذه الوصية لم تُذكَر لاتِّباعها داخل الكنيسة فقط، ولكنها وصية للحياة كلها: «وَأَمَّا الأُمُورُ الْبَاقِيَةُ فَعِنْدَمَا أَجِيءُ أُرَتِّبُهَا» (1كو 11: 34). فأول شيء لا بدَّ أن تعرفه أنَّ النظام وصية كتابية، وكَسْر النظام خطية.
ثانيًا: النظام احتياجٌ إنساني:
فمثلًا أجهزة جسم الإنسان تعمل بنظام مُعيَّن، والإنسان عندما يتناول طعامه بدون نظام يمرض، ويُشخِّص الطبيب الحالة بأنها تلبُّك معوي، وذلك لأن الجهاز الهضمي له نظام يعمل به، وإذا تمَّ مُخالفة هذا النظام يُصاب بالتعب. وأيضًا من مظاهر النظام، أنَّ الإنسان يقف أمام المرآة قبل أن يُغادر بيته، لكي ما يرى ترتيب ملابسه ومظهره. وتوجد في كلِّ بلد قوانين في جميع المجالات مثل قوانين المرور مثلًا، وهذا لكي يستطيع الإنسان أن يعيش في نظام فالنظام هو احتياجٌ إنساني لأيِّ شخص في حياته اليومية. فمثلًا عندما يتناول الإنسان دواءً معينًا، فإنه يأخذه بنظام وفي توقيتٍ مُعيَّن، وهكذا في أمورٍ كثيرة من أمور حياتنا اليومية. فالنظام ليس وصية إنجيليَّة فقط، ولكنه احتياجٌ إنساني أيضًا.
ثالثًا: النظام نجاحٌ للحياة:
الحياة لا تنجح إلَّا بالنظام، وكلمة ”نجاح“ تبدأ بحرف النون إشارة إلى ”النظام“، فمثلًا الطالب المُرتَّب في وقته ودراسته وإجاباته في الامتحان سيحصل على النجاح.
مَنْ هم الذين بلا ترتيب؟
1 – غير الخاضعين لأيِّ قانون على أيِّ مستوى.
2 – الذين يسلكون بأفكارهم الخاصة، كما يقول المَثَل: ”خالِف تُعرَف“، وبالطبع هذا مبدأ غير صحيح.
3 – مُحبُّو الفوضى (الفوضويون)، أي الإنسان الذي يستمتع بالفوضى. والفوضى من المُمكن أن تتسلَّل إلى أيِّ مجتمع أو شركة أو مصنع أو خدمة أو كنيسة.
4 – الذين يعملون بما يُضاد إرادة الله، بمعنى الشخص الذي يستبعد مشيئة الله من فكره ومن حياته. لذلك نقول في الصلاة الربَّانيَّة: ”لتكن مشيئتك“، ولكن مثل هذا الشخص يقول: ”لتكن مشيئتي“!
5 – المُنحرفون عن أيِّ ترتيب أو نظام كنسي، أو غير كنسي.
6 – الذين يُفسِدون جمال الحياة بأعمالهم، فالله قد خلق الحياة جميلة، وخلقها أيضًا بنظام في كلِّ شيء، من مواعيد الزراعة إلى حركة النجوم والكواكب … إلخ. أمَّا الذين بلا نظام، فإنهم يُفسِدون جمال الطبيعة، وجمال الإنسان، ويُفسِدون أيضًا جمال الحياة كلها.
7 – أصحاب الأعمال الطائشة الشاذَّة، بمعنى الذين يفعلون أعمالًا دون عمل حساب لنتائجها.
8 – الذين يخرجون عن مسار التاريخ الإنساني، مثال لذلك ما يحدث الآن في بعض بلاد الغرب، فمنذ بدء التاريخ الإنساني نعلم أنَّ الأسرة مكوَّنة من آدم وحواء، أي من رجل وامرأة. ولكن، للأسف، نجد الآن مَنْ يُنادي بأنَّ الأسرة تتكوَّن من آدم وآدم، أو حواء وحواء، وهذا هو معنى الخروج عن مسار التاريخ الإنساني.
9 – الذين يُهملون تربية أبنائهم، فالأبناء وزنات في حياة آبائهم.
10 – الذين يكسرون سلام المجتمع، فالمُجتمعات تُريد أن تعيش في سلام، ولكن قد يأتي البعض ويكسر هذا السلام، ويُكدِّر صفو المجتمع الذي يعيش فيه، أي يُعكِّر السلام الاجتماعي للمجتمع.
معنى ”أنذروا“:
كلمة ”أنذروا“ تعني: ”علِّموا وانصحوا“، ولكن بكلِّ حزم ووضوح. وتعني أيضًا ”أنذروا بكلِّ سُلطة“، فالأب والأم لهما سُلطة على أولادهما، ونُسمِّيها السُّلطة الوالدية. لذلك ”أنذروا“ كلمة خطيرة وهامة في عبارات الكتاب المقدَّس، وأيضًا الإنذار يكون بكلِّ مسؤولية، بمعنى المسؤولية على العمل الذي يوكَّل إلى الإنسان.
مشاهد للنظام من الكتاب المقدَّس:
النظام له تاريخ في الكتاب المقدَّس، والأمثلة التي تحثُّ على النظام في حياة رجال الكتاب المقدَّس كثيرة، سنأخذ منها مَثَلًا في العهد القديم، وآخر من العهد الجديد:
1. في العهد القديم:
موسى النبي:
يُحدِّثنا الكتاب المقدَّس عن موسى النبي الذي عاش ما يقرب من 120 عامًا، حيث قاد خلالها شعب بني إسرائيل في رحلة خروجه من أرض مصر وفي حياته ظهرت مواقف النظام والترتيب، منها:
( أ ) مشورة يثرون لموسى:
فقال يثرون لموسى: «لَيْسَ جَيِّدًا الأَمْرُ الَّذِي أَنْتَ صَانِعٌ … لأَنَّ الأَمْرَ أَعْظَمُ مِنْكَ. لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصْنَعَهُ وَحْدَكَ … وَعَلِّمْهُمُ الْفَرَائِضَ وَالشَّرَائِعَ، وَعَرِّفْهُمُ الطَّرِيقَ الَّذِي يَسْلُكُونَهُ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ. وَأَنْتَ تَنْظُرُ مِنْ جَمِيعِ الشَّعْبِ ذَوِي قُدْرَةٍ خَائِفِينَ اللهَ، أُمَنَاءَ مُبْغِضِينَ الرِّشْوَةَ، وَتُقِيمُهُمْ عَلَيْهِمْ رُؤَسَاءَ أُلُوفٍ وَرُؤَسَاءَ مِئَاتٍ وَرُؤَسَاءَ خَمَاسِينَ وَرُؤَسَاءَ عَشَرَاتٍ، فَيَقْضُونَ لِلشَّعْبِ كُلَّ حِينٍ…» (خر 18: 17 – 23) لقد قام موسى بوضع بناء مُنظَّم في العمل، لكي يستطيع كل فرد من الشعب أن يجد ما يحتاجه من قضاء أو نصيحة أو تعليم … إلخ، ويُعتَبَر هذا الحَدَث أول صورة هرمية للقيادة الناجحة.
(ب) الوصايا والشرائع (خر 20 – 23):
الله أعطى موسى الوصايا العشر والشرائع ليمشي عليها شعبه بنظامٍ وسط الشعوب الوثنية، وهذه أول صورة لمجموعة من القوانين تحكم السلوك الإنساني.
(ج) الإحصاء (عد 1):
قال الربُّ لموسى: «أَحْصُوا كُلَّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعَشَائِرِهِمْ وَبُيُوتِ آبَائِهِمْ، بِعَدَدِ الأَسْمَاءِ، كُلَّ ذَكَرٍ بِرَأْسِهِ» (عد 1: 2) أي حَصْر الذكور القادرين على الحرب، وقد حدَّدهم الله بمَنْ هم فوق سنِّ العشرين. وقد كلَّف الرب موسى وهارون أن يستعينا باثني عشر رجلًا هم رؤساء الأسباط لإتمام هذا الحصر.
إنَّ الله يُعلِّمنا هنا أمرين:
الأول: هو التنظيم والتخطيط لأيِّ عملٍ نقوم به.
الثاني: الاستعانة بالآخرين وتوظيف إمكانياتهم حتى يتم العمل بأكثر سرعة وأقل مجهود.
( د ) خيمة الاجتماع (عد 2):
وَضَع الربُّ نظامًا دقيقًا لكلِّ شيء في إقامة خيمة الاجتماع، وكذلك في تقسيم الاثني عشر سبطًا حول الخيمة، وذلك بأن تكون كل مجموعة تتكوَّن من ثلاثة أسباط ولها راية تُميِّزها، وذلك عند الاستقرار وعند الارتحال، فقد خصَّص الله مَنْ له الحق في الفَّكِ والحَمْلِ وهكذا التزم الشعب بهذا النظام الموضوع ما يقرب من 40 سنة عند ارتحالهم واستقرارهم. إنَّ النظام يوفِّر الوقت ويمنع الهرج والمرج، وتيهان الأطفال وسط الشعب الكبير، والرايات العالية لهداية كل مَنْ ضَلَّ عن أهله أثناء الرحلة.
2. في العهد الجديد:
السيِّد المسيح:
( أ ) معجزة إشباع الجموع:
تظهر الصورة للنظام في معجزة الخمس خبزات والسمكتين، حيث طلب السيِّد المسيح من تلاميذه إطعام الجموع التي كانت مُجتمعة لسماع تعاليمه!!
وأَمَر المسيح تلاميذه أن يُتكِئوا الشعب فِرقًا خمسين خمسين (لو 9: 14)، ثم بارك الخمس خبزات والسمكتين، وأعطى التلاميذ ليعطوا الجموع من هذا الطعام الذي تبارَك وتكاثَر!!
(ب) في الخدمة:
في بداية خدمة السيِّد المسيح، علَّمنا أنَّ الخدمة هي خدمة البشر قبل الحَجَر، وبناء على ذلك اختار اثني عشر تلميذًا لكي ما يُعدَّهُم ثم بعد ذلك، اختار سبعين رسولًا لكي ما يُعدَّهم للكرازة والخدمة، وقد أرسلهم اثنين اثنين: «وَبعْدَ ذلِكَ عَيَّنَ الرَّبُّ سَبْعِينَ آخَرِينَ أَيْضًا، وَأَرْسَلَهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَمَامَ وَجْهِهِ إِلَى كُلِّ مَدِينَةٍ وَمَوْضِعٍ حَيْثُ كَانَ هُوَ مُزْمِعًا أَنْ يَأْتِيَ» (لو 10: 1) ويُعلِّمنا الكتاب في سِفْر الأمثال: «اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ، لأَنَّ لَهُمَا أُجْرَةً لِتَعَبِهِمَا صَالِحَةً. لأَنَّهُ إِنْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا يُقِيمُهُ رَفِيقُهُ. وَوَيْلٌ لِمَنْ هُوَ وَحْدَهُ إِنْ وَقَعَ، إِذْ لَيْسَ ثَانٍ لِيُقِيمَهُ» (جا 4: 9 و10) فوجود اثنين ذلك لكي ما يُساعد أحدهما الآخر، ويكون نجاحهما معًا، ويُقدِّما بعضهما بعضًا في الكرامة، لأن هذا يحفظهما ويحميهما من خطية الذات. وعندما أراد السيِّد المسيح أن يرسم للتلاميذ خطَّة الكرازة وذلك قبل صعوده إلى السموات، وبعد أن تتلمذوا على يديه ثلاث سنوات، قال لهم: «وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهَودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ» (أع 1: 8). وهذه خطة مُحكَمَة جغرافيًّا، فأورشليم هي الدائرة الصغيرة جدًّا، ثم تتَّسع هذه الدائرة إلى اليهودية، ثم تتَّسع أكثر إلى السامرة (الجيران)، ثم تتَّسع أكثر وأكثر فتَصِل إلى العالم كلِّه وعند دراسة سِفْر أعمال الرُّسل، نجد أنَّ أول أصحاحاته تتكلَّم عن أورشليم باعتبارها أول مكان للخدمة، وفي نهاية الأصحاحات تتكلَّم عن روما كمكان للخدمة. وروما في هذا الوقت كانت تُعتَبَر آخر العالَم (في بُعْد المسافة)، وكانت عاصمة للإمبراطورية الرومانية والمسافة من أورشليم إلى روما هي سِفْر الأعمال، وتُمثِّل ما يقرب من ثلاثين عامًا، من صعود السيِّد المسيح في سنِّ الثلاثة والثلاثين إلى استشهاد القدِّيس بولس الرسول عام 67م وإن كان بعض الناس قد اعتادوا على ترديد عبارة: ”خلِّيها بالبركة“! لكن البركة في النظام من الجميل أن تدرس الكتاب المقدَّس من باب النظام، فابحث عن مشاهد النظام في الأسفار المقدَّسة، وستجد أنَّ هذه المشاهد كثيرة، ثم قُمْ بدراستها والتأمُّل فيها.
الكنيسة:
ومن ضمنها الكنائس الرسولية، ومنها كنيستنا القبطية الأرثوذكسية:
( أ ) في الرعاية:
يتمُّ فيها العمل بلياقةٍ وترتيب، فالكنيسة عند تكوينها تكوَّنت على قدرٍ عالٍ جدًّا من النظام:
وضعت نظامًا هرميًّا في القيادة والتدبير، يبدأ بالقمة وينتهي بالقاعدة، فهو يبدأ بـ:
1. البطريرك 2. الآباء الأساقفة 3. الآباء الكهنة
4. الخُدَّام/ الشمامسة 5. الشعب
وضعت الكنيسة شروطًا واختصاصات لكلٍّ من الأسقف والكاهن والشماس. فنجد مثلًا الأسقف مسؤولًا عن التدشين ورسامة الكهنة والشمامسة ونقاوة التعليم، والكاهن مسؤول عن إقامة الأسرار ويُساعده الشمَّاس.
عندما نفتح كتاب الخولاجي، نجده مكتوبًا بنظام بديع، فهو مكتوب بطريقةٍ توضِّح ما يجب أن يُصلِّيه الكاهن، وما هي مردَّات الشماس، وما هي مردَّات الشعب، فلكل واحد دورٌ في الصلاة تضع الكنيسة نظامًا في إجراءات شهادات خلو الموانع، أو في تنظيم العطاء للمُحتاجين في خدمة التربية الكنسيَّة: نجد المخدوم والخادم وأمين الخدمة.
(ب) في الطقس:
كلمة ”طقس“، كلمة يونانية تعني نظام أو ترتيب، وكلمة طقس في كنيستنا تعني النُّظُم والترتيبات الكنسيَّة، سواء صلوات أو أصوام أو أعياد، بما فيها شكل المبنى الكنسي ومحتوياته وقد أصبحت عبارة ”طقس الكنيسة“، من أدبيات الكنيسة في خدماتها المختلفة، فمثلًا نقول: طقس اليوم، أو طقس الصيام، أو طقس العيد، أو طقس الميرون، أو … إلخ. وصارت الكلمة اليونانية ”طقس“، لا تعني مُجرَّد النظام، بل أصبحت تعني ”منهج حياة“ علينا أن نحترم النظام: الصلاة بنظام، قراءة الكتاب المقدَّس بنظام، الاعتراف بنظام وانتظام، وأيضًا الخدمة بنظام.
مجالات النظام:
هناك ثلاثة مجالات للنظام في حياتنا اليومية وهم:
[1] مجال الأسرة:
فلا تغفل عن تصرُّفات ابنك أو ابنتك، أو تقول إنه ما يزال صغيرًا، فلا بدَّ من الانتباه لتصرُّفات الأبناء، وأن يكون ذلك بحساب وحكمة، فيُمكن أن يبدأ خطأ مُعيَّن، أو انحراف صغير ثم يكبر مع الوقت. فحاول أن تكون أبًا حكيمًا، أو تكوني أُمًّا حكيمة أثناء تربية أبنائكم، وتذكَّروا هذه الآية: «أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلَا تَرْتِيبٍ»، فلا بدَّ للابن أن ينشأ على ترتيب وعلى نظام وعلى منهج حياة.
[2] مجال الكنيسة
للكنيسة مجالات كثيرة للنظام، فمثلًا في مجال العقيدة عندما يكسر الإنسان العقيدة أو الإيمان، تراه الكنيسة أنه خرج وانحرف وضلَّ، فتحكُم عليه أنه صار مُهرطقًا، أو ابتدع في الإيمان.
فـ «أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلَا تَرْتِيبٍ»، يمكن أن تُطبَّق في الأمور العقائدية، وأيضًا تُطبَّق في أمور العبادة والطقس، بمعنى أنَّ كلَّ أب كاهن وكل خادم في مجال خدمته مسؤول عن توبة النفوس. فلا يجب أن ترى الخطأ وتصمت عنه، بل يجب أن يجد هذا الخطأ منك كل نصيحة أو توجيه وإنذار، وأن يجد أيضًا منك بابًا مفتوحًا للتوبة. فمَنْ يكسر قانون أو وصيَّة أو نظام بالكنيسة يحتاج إلى توبة أيضًا في الرهبنة يُطبَّق النظام، باعتبار الرهبنة كيانًا مسيحيًّا وكنسيًّا، وكيانًا روحيًّا بالدرجة الأولى. فالرهبنة لها نظامٌ، وحياة الراهب أو الراهبة له نظام ومعايير مُعيَّنة، وله درجات في التقدُّم الروحي والحياة الروحية، وله أيضًا نمو وخضوع وطاعة.
[3] مجال المجتمع:
«أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلَا تَرْتِيبٍ»، هي وصية موجَّهة لأيِّ شخصٍ يكسر القانون. فالمجتمع دائمًا يحتاج إلى قوانين تضبط حياته وحركته قرأتُ في إحدى المرات عن ابن ملكة في إحدى الدول تعدَّى السرعة المُقرَّرة في قيادته لسيارته، وكان ذلك في يوم خُطبته، فما كان من ضابط المرور إلَّا أنه أوقفه ووضعه في السجن، وذلك بعد أن اكتشف أنه كان مُتعاطيًا لمادة كحولِّيَّة قبل القيادة، ولم يُعمَل له أي استثناء باعتبار أنه ابن الملكة، وكان هذا من أجل سلامة المجتمع الإنسان المسيحي يجب عليه أن يحفظ القانون.
والخُلاصة، يا إخوتي، إنَّ النظام، هو جمال وسلامة الحياة، بمعنى سلامة حياة الإنسان يومًا بعد يوم، والنظام به التزام أيضًا. فنحن نتعلَّم من الكون مواعيد الفصول المختلفة من شتاء وصيف وربيع وخريف، ونتعلَّم أيضًا من شروق الشمس وظهور القمر، نحن نتعلَّم من النظام الكوني ككل. ونتعلَّم أيضًا من جسم الإنسان، وكيف تعمل جميع أجهزته بنظامٍ بديع ودقيق، ومن هذا النظام ظهرت العلوم الكثيرة في كلِّ جيلٍ وكلِّ زمان.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
13 مارس 2026
“شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ”
التشجيع فضيلةٌ ساميةٌ جدًّا، قد تتواجد في بعض الأشخاص وتغيب في البعض الآخر. فالبعض يستطيع مُلاحظة الشيء الجيِّد ويُشجِّع عليه، وهناك مَنْ يُلاحظ الشيء نصف الجيِّد، وأيضًا يُشجِّع عليه، أو يُشجِّع حتى على الأمور البسيطة جدًّا؛ لكن البعض الآخر، ليست من ثقافته التشجيع، فمهما رأى من أمورٍ جيِّدة وحسنة، لا يعرف أن يُشجِّع عليها.
أهمية التشجيع:
1. تقديم الدَّعم والثقة والأمل في النفوس، مثل: الوقود اللازم لإدارة مُحرِّك السيَّارة.
2. تأثير الكلمات قويٌّ جدًّا، فيمكنها أن تبني أو أن تُدمِّر. فالكلمات التي تتفوَّه أنت بها لها قدرة، إمَّا أن تجرح أو أن تشفي: «الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسَانِ، وَأَحِبَّاؤُهُ يَأْكُلُونَ ثَمَرَهُ» (أم 18: 21).
3. كلمات التشجيع تجعل الناس يشعرون بالرِّضا والثقة بأنفسهم، وترفع الروح المعنوية، وتُطمئن النفس المُحتاجة. إنَّ كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا، وقد تُغلِق أبوابًا.
مَنْ هم صغار النفوس؟
عندما نقرأ وصيَّة: «شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ. أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ» (1تس 5: 14)، فإنَّ أول سؤال يتبادر إلى أذهاننا: مَنْ هُمْ صغار النفوس؟ وسوف نتكلَّم هنا عن سبعة أنواع من صغار النفوس، وهم:
1 – صِغار السِّن:
صغار السِّن أو الأطفال يُمكن تشجيعهم على أبسط الأشياء، وتشجيع الطفل الصغير هو احتياجٌ يساوي احتياجه للطعام والشَّراب، وقد يفوق هذا الاحتياج هناك قصة لطيفة عن طفلٍ بدأ أبوه يُعلِّمه الصلاة. فقال الأب لابنه: ردِّد ورائي هذه الصلاة: ”أبانا الذي في السَّموات“. فردَّد الطفل هذه العبارة، ولكنه أخطأ في النُّطق، وقال: ”أبانا الذي في السنوات“. فكان أمام هذا الأب أحد اختيارين: إمَّا أن يُعنِّف ابنه على هذا الخطأ في النُّطق ”السنوات“، أو أن يُلاطفه ويقول له: ردِّد ورائي مرَّةً أُخرى هذه العبارة، ويُردِّد الأب الجملة مرَّةً ثانية مع توضيح كلمة ”السَّموات“. وبالطبع كان الاختيار الأفضل هو تشجيع الطفل على النُّطق السليم عن طريق ترديد العبارة مرَّاتٍ ومرَّات حتى يستطيع الابن النُّطق بطريقةٍ سليمة، وذلك بدون أيِّ نوعٍ من التوبيخ أو الانتهار.
2 – صِغار المكان:
يُسمُّونهم علماء الاجتماع ”الذين بلا صوت“، أو ”المُهمَّشين“، مثل: الفقراء والمُعدمين أو كما يُطلق عليهم أحيانًا، في كُتُب الأمم المُتَّحدة: ”الذين يعيشون على حافة الحياة“.
3 – صِغار القامة النفسيَّة:
ليس المقصود هنا القامة الجسديَّة، فقد يكون إنسانٌ له قامة جسديَّة عالية، ولكن قامته النفسيَّة صغيرةٌ جدًّا!! ويظهر ذلك في سرعة الغضب، أو الحساسيَّة العالية من أبسط الكلمات. وصِغار القامة النفسيَّة نستطيع أن نصفهم بأنهم ذوو نفسيَّاتٍ هشَّة.
4 – صِغار القامة الجسديَّة:
بمعنى الذين صحَّتهم الجسديَّة ليست في تمامها، مثل ذوي الاحتياجات الخاصة، فهم يحتاجون إلى تشجيعٍ خاص. وقد رأيتُ منذ فترةٍ قريبة فيلمًا عن فتاة مُعاقة إعاقة كاملة، وقد بدأت تتحرَّك بضع خطواتٍ قليلة بمُساعدة أجهزة كثيرة، فقام الجميع بالتصفيق لها وتشجيعها. ونتيجة لذلك، وجدوها ترفع يديها لتحيتهم، وكان هذا بمثابة إنجازٍ عظيم، باعتبار أنَّ هذه الفتاة كانت لا تستطيع تحريك يديها قبل هذا الوقت، وهذا ما يفعله التشجيع.
5 – صِغار الرُّوح:
هم الذين لهم إيمانٌ ضعيف، أو إيمانٌ مُهتز. ومثل هذا الإنسان الصغير الروح قد يتناسَى كثيرًا أنَّ الله هو الذي يُدبِّر هذه الحياة، وأنه هو صاحب هذا الكون، وهو ضابط الكل. لذلك إنْ حدث لمثل هذا الإنسان أي مكروه، فإنه يهتز نفسيًّا جدًّا، وهذا الاهتزاز النفسي قد يصل أحيانًا إلى ترك الإيمان.
6 – صِغار العزيمة:
مثل الشخص قليل الحيلة، ويندرج تحت هذا النوع الإنسان الواقع في الخطية، ولا يستطيع القيام منها حتى إن تقدَّم أحدٌ لمُساعدته وصِغار العزيمة، مثل الخُطاة والساقطين، يحتاجون منَّا إلى نوعٍ من التقوية، لذلك نُصلِّي في القدَّاس ونقول: ”الساقطين أقمهم، والقيام ثبِّتهم“. فالإنسان الخاطئ لا يجب إدانته، لأنه هكذا علَّمنا السيِّد المسيح حين قال: «لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ» (مت 9: 13)، وكأنه يقول: ”لقد أتيتُ إلى العالم لكي ما آخُذ بيد الخاطئ“. ومَنْ يقرأ في سِفْر إشعياء النبي، يجد هذا التعبير الجميل: «بَلْ يَدُهُ مَمْدُودَةٌ بَعْدُ!» (إش 10: 4)، وهذه الآية تُعتَبَر نبوَّة عن الصليب. فيدا السيِّد المسيح ما زالتا ممدودتين على الصليب، لكي ما تُقيما كل خاطئ أو ساقط.
7 – صِغار الإمكانيات:
أي الشخص الذي ليس لديه إمكانيات عقليَّة، ماديَّة، عِلْميَّة، نفسيَّة … إلخ.
هذه هي سبعة أنواع لمَنْ تُسمِّيهم الآية: ”صِغار النفوس“، وهم مُتواجدون في كلِّ مُجتمع. وقد نتقابل معهم في الخدمة، في العمل، في البيت … إلخ، وهم يعيشون مع بعض الأُسَر. وقد يكون صغير النَّفْس هذا هو الزوج أو الزوجة، أو الأخ أو الابن أو الابنة أو … إلخ. لذلك أوصانا الكتاب المقدَّس أنْ نعيش وصيَّة: «شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ».
مشاهد من الكتاب المقدَّس عن التشجيع:
الله مع أولاده:
1. نحميا النبي:
نحميا كان ساقيًا للملك أرتحشستا، كما كان نبيًّا ومُصلِحًا وقائدًا في جيله، ورغم مركزه المرموق وقتها، ورغم وجوده في السَّبي في منطقة بابل (العراق حاليًّا)، إلَّا أنَّه عندما سمع أنَّ بلاده أورشليم أسوارها مهدومة وأبوابها محروقة بالنار، فضَّل أن يترك القصر ويذهب إلى شعبه ويسندهم ويُشجِّعهم في بناء سور المدينة. كان يقوم بتوزيع المسؤولية لكلِّ واحد على حسب مواهبه وقدراته، ويدفع الجميع للعمل الجماعي، وقال هذا التعبير الجميل والمُشجِّع: «هَلُمَّ فَنَبْنِي سُورَ أُورُشَلِيمَ وَلَا نَكُونُ بَعْدُ عَارًا» (نح 2: 17) ونُلاحظ هنا، أنَّه وَضَعَ عبارة تحفيز وهي: «وَلَا نَكُونُ بَعْدُ عَارًا» لكي ما تكون وسيلة للتشجيع على العمل والبناء. ثم قال هذه الآية الجميلة التي نعرفها ونحفظها جميعًا: «إِنَّ إِلهَ السَّمَاءِ يُعْطِينَا النَّجَاحَ، وَنَحْنُ عَبِيدُهُ نَقُومُ وَنَبْنِي» (نح 2: 20) وفي هذه الآية نجد موسيقى رائعة، فقد بدأ من إله السماء أي من فوق، وبدأ أيضًا بالنجاح، وفي النهاية ذَكَرَ العمل، وكأنه أراد أن يقول: ”إنِّي على ثقةٍ تامة «إِنَّ إِلهَ السَّمَاءِ يُعْطِينَا النَّجَاحَ» مكافأة لنا على اهتمامنا بأورشليم، لذلك يجب علينا مقابلة هذه المُكافأة العظيمة بالبناء والعمل“. وكأنه يُشجِّع ويُحفِّز نفسه، فيصرخ في صلاته قائلًا: «وَأَعْطِ النَّجَاحَ الْيَوْمَ لِعَبْدِكَ» (نح 1: 11). ورغم الإحباطات التي واجهته وواجهت الشعب من الأعداء، إلَّا أنَّه كان يُحفِّزهم ويُشجِّعهم قائلًا: «لاَ تَخَافُوهُمْ بَلِ اذْكُرُوا السَّيِّدَ الْعَظِيمَ الْمَرْهُوبَ» (نح 4: 14).
2. موسى النبي:
عندما دعاه الله لقيادة شعبه، «فَقَالَ مُوسَى لِلرَّبِّ: ”اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلَا أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ، وَلَا مِنْ حِينَ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ، بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ“» (خر 4: 10). وهنا بدأ الله يُشجِّعه وقال له: «مَنْ صَنَعَ لِلإِنْسَانِ فَمًا؟ أَوْ مَنْ يَصْنَعُ أَخْرَسَ أَوْ أَصَمَّ أَوْ بَصِيرًا أَوْ أَعْمَى؟ أَمَا هُوَ أَنَا الرَّبُّ؟ فَالآنَ اذْهَبْ وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَأُعْلِّمُكَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ» (خر 4: 11 – 12) ومع كلِّ هذا الكلام المُشجِّع، إلَّا أنَّ موسى اعتذر ثانيةً للرب، فقال له الرب: سأُرسِل معك هارون أخاك «أَلَيْسَ هَارُونُ اللَّاوِيُّ أَخَاكَ؟ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ هُوَ يَتَكَلَّمُ، وَأَيْضًا هَا هُوَ خَارِجٌ لاسْتِقْبَالِكَ فَحِينَمَا يَرَاكَ يَفْرَحُ بِقَلْبِهِ، فَتُكَلِّمُهُ وَتَضَعُ الْكَلِمَاتِ فِي فَمِهِ، وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَمَعَ فَمِهِ، وَأُعْلِمُكُمَا مَاذَا تَصْنَعَانِ» (خر 4: 14 – 15) وهكذا استمرَّ الله يُشجِّع موسى النبي، لكي ما يقود الشعب ويُخرِج بني إسرائيل من أرض مصر.
3. يشوع بن نون:
كان يشوع مشغولًا بالحرب مع أريحا، خاصة أنها كانت مدينة حصينة، وإن هَزَمَته لا يقدر أن يُحارب مدنًا أُخرى، كما إنَّ الشعب لا يقدر أن يتراجع، فأصبح محصورًا بين نهر الأردن من خلفه وأريحا أمامه. حينئذ تدخَّل الله فأرسل رئيس ملائكته أو ظهر هو بنفسه كما يرى الآباء «وَحَدَثَ لَمَّا كَانَ يَشُوعُ عِنْدَ أَرِيحَا أَنَّهُ رَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ، وَإِذَا بِرَجُلٍ وَاقِفٍ قُبَالَتَهُ، وَسَيْفُهُ مَسْلُولٌ بِيَدِهِ. فَسَارَ يَشُوعُ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: ”هَلْ لَنَا أَنْتَ أَوْ لأَعْدَائِنَا؟“ فَقَالَ: ”كَلَّا، بَلِ أَنَا رَئِيسُ جُنْدِ الرَّبِّ. الآنَ أَتَيْتُ“. فَسَقَطَ يَشُوعُ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ، وَقَالَ لَهُ: ”بِمَاذَا يُكَلِّمُ سَيِّدِي عَبْدَهُ؟“» (يش 5: 13 – 14) وقال الرب ليشوع: «انْظُرْ. قَدْ دَفَعْتُ بِيَدِكَ أَرِيحَا وَمَلِكَهَا جَبَابِرَةَ الْبَأْسِ» (يش 6: 2).
4. السيِّد المسيح:
عندما ندرس العهد الجديد كاملًا، ونتعمَّق في تفاصيل مُقابلات السيِّد المسيح ومُعجزاته التي صنعها، نجده هو المُشجِّع الأعظم قيل عنه: «قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لَا يُطْفِئُ، حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ» (مت 12: 20) وهو يُشجِّع الأولاد ويقول عنهم عندما أتى إليه الأولاد الصِّغار وانتهرهم التلاميذ، قال لهم: «اُنْظُرُوا، لَا تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ» (مت 18: 10) وأيضًا قال لهم: «دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلَا تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ» (مت 19: 14؛ مر 10: 14 – 16؛ لو 18: 16 – 17) كذلك كانت له طريقته المُشجِّعه في علاج الخطايا، وهكذا فعل عندما تقابَل مع المرأة السامرية، فقال لها: «حَسَنًا قُلْتِ لَيْسَ لِي زَوْجٌ» (يو 4: 17)، فلم يُعاملها بخطئها وخطيتها.
ختامًا:
إنَّ وسائل التَّشجيع عديدة، منها: الابتسامة وكلمات المديح والتصفيق، وتقديم شهادة التقدير، والحضن والقُبلة، وتقديم هدية، ووجود مُرافق مع الإنسان، والتحدُّث بإعجاب عن الآخرين في غيابهم، وغير ذلك الكثير وقصة اكتشاف البابا ألكسندروس (البطريرك الـ 19) للطفل أثناسيوس، الذي أخذه وشجَّعه وعلَّمه وتلمذه حتى صار فيما بعد البابا أثناسيوس الرسولي (البطريرك الـ 20)، هي قصة توضِّح معنى التَّشجيع وكيف بالتَّشجيع يصير الصغير كبيرًا!
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
06 مارس 2026
“سالموا بعضكم بعضًا”
«سَالِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا» (1تس 5: 13):
خلق الله الإنسان ليعيش في سلام، فآدم وحواء كانا يتمتَّعان بمعيَّة الله في سلام، ولم يكن هناك ما يُفسِد سلامهما، وكانا يتمتَّعان بحياتهما الفردوسيَّة. فمنذ البدء جعل الله الطبيعة تخدمهما، والحيوانات تُطيعهما وتخضع لهما؛ ولكن عندما دخلت الخطية إلى العالم بحسد إبليس، وعندما كَسَرَ آدم وحواء الوصية، وكسرا أيضًا قلب الله مُعطي الوصية، لُعِنَت الأرض بسببهما، وصارت الحيوانات تتصارع، وحُرِم آدم من أمان الوحوش، واختفى السلام من الطبيعة، فصارت الزلازل والبراكين والطوفان وبمجيء الخطية إلى العالم وفسد العالم، كان من أهم وأصعب نتائج هذه الخطية هو غياب السلام، وبدأنا نسمع أنَّ آدم وحواء يختبئان من وجه الله: «فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: ”أَيْنَ أَنْتَ؟“» (تك 3: 9). فأجاب آدم: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ» (تك 3: 10)، فكانت الخطية هي وصمة العار التي وصمت الإنسان، وخصوصًا أنَّ مَنْ ارتكبها هو رأس البشر!!
وكانت النتيجة: إنَّ الخطية قد امتدَّت إلى العالم كلِّه، وفَقَدَت الأرض السلام!!
وأصبح الإنسان لا يحتمل أخاه الإنسان، والدليل على ذلك أنَّه في بدء الخليقة، وبينما كانت الأرض خربة، ولا يوجد بها معالم للحياة، لا شوارع ولا طُرُق … إلَّا أننا نجد قايين لا يحتمل أخاه هابيل ويقتله، بالرغم من أنه لم يكن معهما أحدٌ على سطح الكُرة الأرضيَّة. «وَحَدَثَ إِذْ كَانَا فِي الْحَقْلِ أَنَّ قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ» (تك 4: 8)، ”القتل“ يا لها من كلمةٍ مُرعِبة!! كيف يستطيع أخٌ أن يقتل أخاه؟! أين كان عقله؟! لقد أفقدته الخطية عقله، وسلامه، ورابطة الدم والأُخوَّة، التي بينه وبين أخيه!!
قِسْ على هذا، ما حدث في العالم ابتداءً من قايين وهابيل، وامتدادًا إلى الحروب والصراعات في هذا العالم حتى يومنا هذا، فهل كان الله يقصد أن تكون خليقته بهذه الصورة؟ بالطبع لا، فكلُّ هذا من صُنع الإنسان، حتى صار الإنسان لا يحتمل أخاه الإنسان!
وبذلك فَقَد الإنسان السلام، وصارت حياته مُتعبة، ونتيجة لذلك أُصيب بالكآبة والقلق والهمِّ … إلخ، من أمراض العصر!! إنَّ الإنسان بخطيته، دخل على هذا العالم الخالي من السلام.
أولًا: مجالات صُنع السلام مع الآخرين:
1. في البيت:
يُذكِّرنا سِفْر الأمثال، بهذه الآية اللطيفة والمُعبِّرة جدًّا عن حياتنا وهي: «لُقْمَةٌ يَابِسَةٌ وَمَعَهَا سَلَامَةٌ، خَيْرٌ مِنْ بَيْتٍ مَلأْنٍ ذَبَائِحَ مَعَ خِصَامٍ» (أم 17: 1)، وهي آية تحمل تعبيرًا بسيطًا يُمكننا جميعًا فهمه، فهي تعني ببساطة أنه يمكننا أن نأكل عيشًا وملحًا، ويكون بيتنا مليئًا بالسلام، أفضل من أن نأكل أكلًا دسمًا وبيتنا مليء بالخصام ففي وسط الخصام لا يستطيع الإنسان أن يتمتَّع بشيء، لا بذبائح ولا بقصر ولا بصُحبة. لذلك ما أجمل البيت الذي يحلُّ فيه السلام، ومن أجل ذلك كانت أولى وصايا ربنا يسوع المسيح لتلاميذه: «وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلًا: سَلَامٌ لِهذَا الْبَيْتِ» (لو 10: 5).
2. في الكنيسة:
وهي المحطة الثانية لمُمارسة السلام، فنجد أنه من أكثر الكلمات تكرارًا داخل الكنيسة، كلمة ” Irhnh paciإيريني باسي“ (بمعنى السلام لجميعكم). ويردُّ الشعب على الكاهن قائلًا: ”ولروحِكَ أيضًا“ وأكثر صلاة تتكرَّر في طقوسنا عندما نُصلِّي في الأواشي من أجل سلام الكنيسة قائلين: ”اذكر يا رب سلام كنيستك، الواحدة الوحيدة المقدَّسة الجامعة الرسولية، هذه الكائنة من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها … احفظها بسلام“ كذلك تُصلِّي الكنيسة قائلة: ”السلام الذي من السموات أنزله على قلوبنا جميعًا، بل وسلام هذا العمر أيضًا“. إنَّ الكنيسة تُصلِّي يوميًّا من أجل سلام العالَم، من أجل أن يحلَّ السلام على الأرض، لكن سلام العالَم يبدأ بالسلام الصغير الذي في قلب الإنسان ونُلاحظ أن أكثر كلمة تتكرَّر في الأديرة عندما يتقابل الرهبان هي كلمة ”سلام“. فيقول أحدهم: ”سلام“، فيرد الآخر: ”سلام ونعمة“ من القصص الجميلة التي وردت في تاريخ الكنيسة عن الأنبا بولا أوَّل السوَّاح،، أنه عندما زاره الأنبا أنطونيوس، كان أول سؤال سأله الأنبا بولا للأنبا أنطونيوس هو: ماذا عن سلام الكنيسة؟
فالقدِّيس الأنبا بولا الذي عاش في السياحة والوحدة، وكانت له سنوات كثيرة بعيدًا عن هذا العالَم وأخباره، كان أول شيء يسأل عنه هو سلام الكنيسة، حتى إنه اهتم بسؤال الأنبا أنطونيوس عن هذا السلام.
3. في المجتمع:
المجتمعات التي نعيش فيها اليوم صارت ممتلئة بالمتاعب والصراعات والمشكلات والخصومات بين الناس، وبالتالي صارت تحتاج إلى سلام، لكن هذا السلام لا يُبنَى في المجتمع إلَّا بعد أن يُبنَى في القلوب أوَّلًا، ثم البيت، ثم الكنيسة، ثم بعد ذلك المجتمع. وصار السلام من واجبات المواطنة، بمعنى أنه واجبٌ على المواطن في أيِّ مجتمع أن يصنع سلامًا. فكما إنَّ للمواطن حقوقًا، عليه أيضًا واجبات. وبناءً على ذلك، فإنَّ المواطن الذي يتخلَّى عن مُشاركته في سلام مجتمعه، يُعتَبَر مُقصِّرًا في واجبات المواطنة لذا كُنْ حريصًا على حفظ السلام مع مَنْ حولك حتى لو كلَّفك ذلك التنازُل عن بعض حقوقك، أو احتمال بعض الإهانات. فالسلام أغلى من أيِّ شيء مادي، لأنك لو خسرتَ سلامك، ستخسر علاقاتك. يقول القدِّيس بولس الرسول: «فَلْنَعْكُفْ إِذًا عَلَى مَا هُوَ لِلْسَّلَامِ، وَمَا هُوَ لِلْبُنْيَانِ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ» (رو 14: 19).
ثانيًا: كيف نصنع سلامًا مع الآخرين؟
1. اللسان الحلو والكلمة الطيِّبة:
من العجب، يا إخوتي الأحبَّاء، أنَّ الإنسان دائمًا ما يختار ملابسه بألوانها وأشكالها وأنواعها المختلفة، ولكن من الأكثر عجبًا أنه لا يستطيع أن يختار ألفاظه وكلماته يقول سِفْر النشيد عن العروس (النفس البشرية): «شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُ تَقْطُرَانِ شَهْدًا» (نش 4: 11). وقد نَصِف شخصًا ما في تعبيراتنا الشعبيَّة ونقول عنه: ”فلان لسانه بينقَّط سُكَّر“، فيا بخت وطوبى للإنسان الذي لسانه ينقَّط سُكَّر في بيته، وفي مجتمعه، وفي وسط أصدقائه. لذلك فإنَّ أول وسيلة تستطيع أن تصنع بها سلامًا، هو لسانك الحلو أو كلماتك الطيِّبة. ولأن اللسان الحلو يُراعي الذوق واللياقة في الحديث مع الآخرين، فنجد صاحبه دائمًا مُسالمًا للآخرين.
2. النظرة الوديعة وتجنُّب الغضب:
تجنَّب الغضب، وليكن لكَ النظرة الوديعة، فقد يقولون عن شخصٍ ما: ”فلان عينه بطَّلع شرار“!! رغم أنَّ العين رقيقة خلقها الله لكي يرى الإنسان بها أخاه الإنسان، ولكن هذه النار أو هذا الشرار هو نار الغضب! فلن تستطيع أن تَنْعَم بالسلام داخل نفسك وأنت في خصامٍ وغضب مع أيِّ إنسان. فاعلم، أيها الأخ الحبيب، أنَّ غضبك «لَا يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ» (يع 1: 20)، ولا يُحقِّق راحة الله في قلبك وقد علَّمنا الكتاب المقدَّس: «لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاِسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ» (يع 1: 19). فاستمع جيِّدًا لمَنْ يتحدَّث إليك، وقبل أن تتكلَّم فكِّر جيِّدًا، وقبل أن تغضب فكِّر مرَّةً أُخرى، لئلَّا غضبك يُفسِد أمورًا جيِّدة في حياتك يقول معلِّمنا بولس الرسول: «إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ» (رو 12: 18)، ودائمًا يُقال: إنَّ الغضب كالنار، ولا تُطفأ النار بالنار، النار تُطفأ بالماء. لذلك إن وجدتَ مَنْ أمامك بَدَا وكأنه في حالة غضب، فلا تستمر في المجادلة معه لئلَّا تدخل أنت أيضًا في حالة غضب. فتوقَّف وابدأ في استخدام وداعتك وحلمك ونظرتك الوديعة.
3. المغفرة والمُسامحة:
المغفرة دليلٌ على وجود المسيح داخل القلب، فنحن نغفر لأنه من شروط حصولنا على الغفران أن نغفر نحن أيضًا. وعدم الغفران يجعل في النفس شعورًا بالمرارة الشديدة تجاه مَنْ أساء إلينا. قد تجد إنسانًا يقول: ”إني لا أستطيع النوم بهدوء أو بسلام، فبداخلي مرارة شديدة تجاه فلان. هذا الأمر يجعلني غير مرتاح، ليتني أشعر بالراحة والسلام“. طالما يوجد عدم غفران، لا يوجد سلام ولا راحة والقدِّيس مار إسحق يقول: ”إن لم تكن صانعًا للسلام، فعلى الأقل لا تكن مُثيرًا للمتاعب“. فصُنع السلام هو بداية السلوك المسيحي. فتعلَّم صُنْع السلام في بيتك، في كنيستك، في مجتمعك، في علاقاتك بين أصدقائك إنَّ كلمة السلام تعني سَعْي الإنسان الدائم لأجل تحقيق هذه الحقيقة في حياة الآخر، وهي أنَّ الله يُحبُّه. إنه محبوب الله، فإن شعر الإنسان بهذه المحبة الإلهيَّة، سيعيش في سلام فلْيُعطِنا مسيحُنا أن تكون حياتنا في هذا السلام، ونكون صانعي السلام: «طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ» (مت 5: 9).
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
27 فبراير 2026
“الصلاة قوَّة الكنيسة”
مَنْ يقرأ التاريخ ويرى ما تعرَّضت له الكنيسة القبطية، من موجاتٍ عالية وقاسية، منذ أن أسَّسها القدِّيس مار مرقس منذ ما يقرب من ألفين عام، يتعجَّب كيف ما زالت الكنيسة المصرية حيَّة حتى الآن؟! ولكن السرَّ في ذلك هو الصلوات المرفوعة دائمًا، لأنها هي قوَّة الكنيسة والمقصود هنا هو الصلاة الحقيقية القلبية التي من أعماق الإنسان، فالسيِّد المسيح قال للتلاميذ: «أَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي» (لو 24: 49)، وكان يقصد بهذه القوَّة حلول الروح القدس، وأيضًا قال في سِفْر الأعمال: «لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهَودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ» (أع 1: 8) وهذه القوَّة هي عمل الروح التي ننالها في كلِّ صلاة، لذلك قال: ”أقيموا في أورشليم“، بمعنى ”اعتكفوا“. وهذا ما نصنعه عند رسامة كاهن جديد، فنُرتِّب له خلوة لمدَّة أربعين يومًا في أحد الأديرة بعيدًا عن الضوضاء، ونُعلِّمه أنَّ فترة الاعتكاف هذه مع الصلاة ستُعطيه قوَّة، وستكون هي العماد الأساسي له في خدمته.
الصلاة هي الوسيلة الجوهرية التي ينحدر بها روح الله على عمل الكنيسة كلها. فالكنيسة لا تعمل بدون قوَّة الصلاة، والصلاة ليست لها شكلٌ واحد بل عدَّة أشكال: فتوجد الصلوات السرائرية أي صلاة الأسرار، والصلوات الطقسية مثل طقس الجنَّاز، وتوجد الصلوات النظامية – سواء الجماعية أو الفردية – مثل صلوات الأجبية. وتوجد عندنا صلوات مُلحَّنة أي تُستخدَم فيها الموسيقى كالألحان والتسابيح وتوجد صلوات فردية خاصة، وأيضًا توجد صلوات الصمت وهي تنبع من القلب، وصلوات الدموع وهي تنبع من أعماق القلب. وهذه كلها أشكال للصلاة، وبذلك تصير الحياة صلاة، وهناك صلوات الكتاب المقدَّس وداود النبي قال: «أَمَّا أَنَا فَصَلَاةٌ» (مز 109: 4). فداود هذا النبي العظيم، لم يجد تعريفًا لذاته غير هذا!! فمثلًا لم يَقُل: أنا الملك أو القاضي أو الشاعر، بل قال: «أَمَّا أَنَا فَصَلَاةٌ». وتعبير ”كاهن“ أي قس بمعنى مُصلِّي، أي إنه شخصٌ صار عمله هو الصلاة.
ما معنى الصلاة قوَّة الكنيسة؟
نتحدَّث عن معنى الصلاة قوَّة الكنيسة في أربع نقاط هامة، وهي:
أولًا: الصلاة تصنع الشركة بين المؤمنين:
فالرعيَّة في أيِّ كنيسة تكون قادمة من أماكن مختلفة، وبها الكبير والصغير، والرجل والمرأة، الشاب والشابة، ويوجد أيضًا الصحيح والمُتوجِّع من الآلام الجسدية. وقديمًا في طقس الكنيسة، كان الرجال يدخلون من الباب البحري، والنساء من الباب القبلي، وعند الخروج من الكنيسة، يخرج الجميع من الباب الغربي. وهذا يعني أنَّ الجميع قد توحَّد وأصبح كله كيانًا واحدًا فالصلاة تصنع الشركة بين المؤمنين، وتخلق نوعًا من أنواع المُشاركة الحقيقية بين الجميع، والقدِّيس يوحنا ذهبي الفم يقول [يلزمنا أن نُصلِّي بكلِّ الطُّرُق، يليق بنا أن نسلك بالروح. فالله يطرق في كلِّ الأحوال القلب، حتى إذا دخلتَ مخدعك وأغلقتَ الباب، صانعًا هذا من أجل التظاهُر، فإنَّ الأبواب المُغلقة لن تنفعك شيئًا. الله يرغب في أن تُغلق أبواب الذهن، أفضل من أن تُغلِق أبواب المخدع] وهذا يُذكِّرنا بذلك الناسك، الذي كان في وقت النهار يتقابل مع أُناسٍ كثيرين، وعند رجوعه إلى قلايته مساء، يقف على باب القلاية ويُفرِّغ أُذُنيه من كلِّ ما سمعه، لكي ما يدخل قلايته – التي هي مخدع صلاته – وهو صافي الذهن.
وهنا نتساءل: كيف تُصنع الشركة بين المؤمنين؟
عندما نأتي للكنيسة نقول: «أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ. أَسْجُدُ فِي هَيْكَلِ قُدْسِكَ بِخَوْفِكَ» (مز 5: 7)، بمعنى الشعور بالوجود في الحضرة الإلهيَّة. ويُعجبني كثيرًا الأُمهات التي تقول لأولادها: رايحين بيت ربنا، وهذا ما يُعلِّمه لنا الكتاب: «حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ» (مت 18: 20). ودائمًا تُعلِّمنا الكنيسة أن نُصلِّي تجاه الشَّرق، الذي هو مصدر النور، فنُصلِّي في اتجاهٍ واحد، وتكون رؤيتنا متعلِّقة بهدفٍ واحد: الملكوت.
وأيضًا الصلاة تصنع الشركة بين المؤمنين، لأنها تُوجِد مناخًا روحيًّا واحدًا، فالصلاة لها نظام وترتيب. فالكاهن والشماس والشعب يصنعون منظومة جميلة، وهذا كله يوجِد مناخًا روحيًّا. فالبخور يوجِد المناخ الروحي: فالأُذن تسمع، والعين ترى، والأنف يستنشق رائحة ذكيَّة، وبعد التناول نقول بعضنا لبعض: ”آنستك النعمة“، فهناك نعمة أُضيفت في القدَّاس. وقديمًا كانوا يقولون لمَنْ يحضر القدَّاس: ”يا مقدِّس“، بمعنى أنه يوجد جوٌّ روحيٌّ من القراءات والعظات والصلوات والألحان والمردَّات والنظام الطقسي عمومًا.
وأيضًا الصلاة تجعل منَّا نفسًا واحدة، فنسأل أي مسيحي: من أيِّ كنيسة أنت؟! لأنه صار عضوًا بهذه الكنيسة، وأنَّ هناك رباطًا غير منظور بينه وبين هذه الكنيسة، وبذلك تصنع الصلاة فينا النَّفْس الواحدة، ويقول الكتاب: «كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلَاةِ وَالطِّلْبَةِ، مَعَ النِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ … وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ» (أع 1: 14؛ 2: 46).
ثانيًا: الصلاة هي أقوى تعبير عن محبة الإنسان لله:
فاسأل نفسك: ماذا تفعل تجاه محبتك لله؟ فمثلًا ملاطفتك لطفل صغير هو تعبير عن حُبِّك له؛ لكن كيف تُعبِّر لله عن محبتكَ له؟! إنَّ الصلاة هي أقوى تعبير عن حبِّ الإنسان لله، وذلك لثلاثة أسباب وهي:
1. الذي نحبه، نُقدِّم له الوقت وهو أغلى عطية.
2. الذي نحبه، نتحاور معه.
3. الذي نحبه، نشتاق إليه دائمًا.
فالصلاةُ نقدِّم فيها وقتًا لله، وهي حوار مع الله، ونتذكَّر القصة التي وقف فيها إنسان نقي القلب وقال: ”أبانا الذي في السموات“، فيسمع صوت يقول له: ”أنا سامعك يا ابني!!“. وصارت الصلاة الربَّانية كأنها نوعٌ من الحوار المُتبادَل وكنيستنا تتميَّز بطريقة المُرابعة في الصلاة، بمعنى: يوجد خورس بحري، وآخر قبلي. وهذه هي طريقة الحوار، ويقول داود النبي: «كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اَللهُ» (مز 42: 1). ففي الصلاة نشكر الله، ونطلب منه ونتوسَّل إليه، ونبتهل ونتشفَّع بأُمِّنا العذراء لكي تُساعدنا.
فالصلاة شكل من أشكال التسابيح، والصلاة هي قوَّة الكنيسة لأنها أقوى تعبير نعيشه جميعًا لكي نُعبِّر به عن محبتنا لله.
ثالثًا: الصلاة سلاحنا ضد حروب عدو الخير:
ليس لنا وسيلة أو قوَّة أو سلاح ضد عدو الخير سوى الصلاة، فالشيطان يُحاربنا لكي يحرمنا من السماء. فالصلاة قوَّة الكنيسة، لأنها أقوى سلاح فعَّال ضد الشيطان، ويقول الكتاب: «اِسْمُ الرَّبِّ بُرْجٌ حَصِينٌ» (أم 18: 10). فمجرَّد أن تذكر اسم الرب في صلواتك، تكون وكأنك تبني برجًا حصينًا يحميك من ضربات عدو الخير ونتذكَّر قصة القدِّيسة الشهيدة يوستينا، التي أُغرِم بها شاب من الشباب وأراد أن يصل إليها، فلما رفضت استعان ببعض السَّحَرة، وكان مجرَّد اسم يوستينا يحرق الشيطان!! وقد وردت هذه القصة في السنكسار يوم 21 توت. فالصلاة سلاحٌ فعَّال ضد الشيطان. ولهذا السبب تُعلِّمنا الكنيسة أن نبدأ كل يوم بالصلاة لكي ما نقدِّس يومنا فقدِّس يومك بالصلاة، قدِّس بيتك بالصلاة، فأحيانًا يكون سبب الخلافات في البيوت هو عدم الصلاة، ويمكن أن تقدِّس عملك ودراستك بالصلاة، ويمكن أن تقدِّس سَفَرك بالصلاة. وكلمة تُقدِّس تشبه كلمة تُنقِّي، فعبارة تُقدِّس البيت تعني تُنقِّي جو البيت، بمعنى أن يفهم الجميع بعضهم بعضًا بطريقةٍ صحيحة. فالصلاة تجعل البيت والنفس هادئين ومُستعدَّيْن لأيِّ حرب من عدو الخير.
رابعًا: الصلاة تصنع المستحيل:
نحن جميعًا بشر ولدينا إمكانيات محدودة في مجالات مختلفة، ولكن الصلاة تصنع المُستحيلات، ونتذكَّر قصصًا كثيرة عن البابا كيرلس السادس، وماذا كان يصنع مع الطَّلَبة في أيام الامتحانات! ويذكُر لنا الكتاب كيف أنَّ إيليا النبي أغلق السماء بصلاته ثلاث سنين وستة أشهر!
وأيضًا يُحدِّثنا الكتاب عن دانيال النبي، ذلك الشاب القوي الذي وُضِعَ في جُبِّ الأسود، وكيف أنه عندما أتى الملك ليسأل عنه ووجده حيًّا!! أجابه: «إِلهِي أَرْسَلَ مَلَاكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّنِي» (دا 6: 22). وقد نتساءل: هل الأُسُود هي التي كانت خائفة من دانيال، أم دانيال هو الخائف من الأُسُودِ؟! الطبيعي أنَّ الإنسان هو الذي يخاف من الوحوش؛ ولكن الصلاة صنعت المستحيل، فجعلت الوحوش هي التي تخاف من الإنسان.
وأيضًا مَنْ يستطيع نقل جبل المقطَّم؟! ولا حتى في أيامنا هذه بكلِّ الوسائل التكنولوجية نستطيع نقل جبل؟! لكن بالصلوات انتقل الجبل، ونعيش في معجزة من القرن العاشر الميلادي، ونُسجِّلها في الكنيسة من خلال صوم ثلاثة أيام أُضيفت لصوم الميلاد الذي هو 40 يومًا ليصبح الصوم 43 يومًا.
ويقول القدِّيس يوحنا الدَّرَجي [كلُّ مَنْ يتوكَّأ على عُكَّاز الصلاة لا تزِل قدماه. اسم يسوع سلاح ولا يوجد ما هو أقوى منه، الصلاة مثل الوردة التي تفتَّحت لتملأ هيكل النفس بالرائحة الذكيَّة دائمًا] ويقول القدِّيس غريغوريوس الكبير[الصلاة هي التصاق بالله في جميع لحظات الحياة ومواقفها، فتصبح الحياة صلاة واحدة بلا انقطاع أو اضطراب].
الخلاصة، يا إخوتي، أنَّ الصلاة هي قوَّة الكنيسة، القوَّة التي تجعل الكنيسة دائمًا حيَّة، وتجعل الكنيسة دائمًا مؤثِّرة. والكنيسة المُمتلئة من الصلوات، والبيت المُمتلئ من الصلوات، والنفس التي تمتلئ من الصلوات؛ هي قويَّة ولذلك فالصلاة هي قوَّة الكنيسة، وهذا هو عملها. ونحن واثقون بإيمانٍ ورجاء، أنَّ الصلاة تصنع كلَّ شيء: «طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا» (يع 5: 16).
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
20 فبراير 2026
“الإنجيل عقل وفكر الكنيسة”
«فَلْنَجْتَهِدْ أَنْ نَدْخُلَ تِلْكَ الرَّاحَةَ، لِئَلَّا يَسْقُطَ أَحَدٌ فِي عِبْرَةِ الْعِصْيَانِ هذِهِ عَيْنِهَا.لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ» (عب 4: 11 – 12) الإنجيل هو عقل وفكر الكنيسة، فحينما نقول كلمة ”كنيسة“ قد يُقصَد بها أكثر من معنى. فقد يُقصَد بها: المؤمنون أي شعب الكنيسة بكلِّ أجناسهم وأعمارهم وقد يُقصَد بها: الإكليروس أي أصحاب الدرجات والرُّتب الكهنوتية: بدءًا من الأب الأسقف، والأب الكاهن، والشماس، وكل واحد في رُتبته حسب خدمته. وقد يُقصَد بكلمة الكنيسة: المبنى الذي تُقام فيه الصلوات، وتُمارَس فيه الطقوس والليتورجيات وعندما أقول: ”الإنجيل عقل الكنيسة“، أقصد أنه الفكر الذي يشغل الكنيسة، سواء مؤمنين أو إكليروس ونتذكَّر هنا سؤال السيِّد المسيح لتلاميذه، عن ماذا يقول الناس عنه؟! ثم سألهم سؤالًا آخر وهو في قيصريَّة فيلبُّس قائلًا: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا» (مت 16: 15)؟! فاندفع بطرس الرسول كعادته وقال: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ»! وهنا قال له المسيح: «أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي» (مت 16: 16،ـ 18) ويقصد المسيح أنه على صخرة الاعتراف بالإيمان أبني كنيستي، وهذا الإيمان نجده في الكتاب المقدَّس، والسؤال الذي يتردَّد كثيرًا: أيهما أوَّلًا الكنيسة أم الإنجيل؟
يذكر لنا التاريخ أنه حتى وقت اعتراف الإمبراطور قسطنطين بالمسيحية كديانة مُعترف بها في الإمبراطورية الرومانية، كان هناك اضطهاد للمسيحيين في مشرق الأرض وغربها. وبالتالي لم تكن تُشَيَّد الكنائس كما هو الحال بعد ذلك. وأريدك أن تعرف أنَّ أوَّل كنيسة كانت هي بيت مار مرقس، وذلك قبل كتابة الإنجيل. ولذلك يمكن أن نقول: إنَّ الكنيسة سبقت الإنجيل؛ ولكن أيضًا كلمة الإنجيل، ليس معناها الورق أو الكتاب، ولكن معناها: الخبر السار، وبالتالي معناها: البشارة المُفرحة وبذلك تكون البشارة بخلاص ربنا يسوع المسيح على الصليب هي البداية. وهناك علاقة وثيقة جدًّا ما بين الإنجيل والكنيسة، وما بين البشارة والكيان الذي يضمُّ كل المؤمنين والإكليروس، وهذه البشارة كُتِبَت بالوحي. فكلُّ الكتاب هو مُوحًى به من الله، وقد قُنِّنَت هذه الأسفار بواسطة المجامع الكنسيَّة الأولى والأسفار كُتِبَت بالوحي، وقُنِّنَت بالكنيسة، وفُسِّرت بآباء الكنيسة، وحُفِظَت في عقل الكنيسة، وتمَّ الكرازة بها بعمل الروح القدس في كلِّ العالم. فأصبح الكتاب هو العقل أو الفكر الذي ينتقل من جيلٍ إلى جيل لكلِّ أحدٍ في العالم كله من خلال كرازة الآباء وعَبْر الزمان الإنجيل هو عماد التعليم في الكنيسة والأسرة والمجتمع، فـ «كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ. لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلًا، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ» (2تي 3: 16 – 17)، وعلى هذه الصورة وعلى هذا الأساس، يكون للكتاب المقدَّس هذه الأفعال الخمسة التي قرأناها في الآية: «لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ» (عب 4: 12).
”حيَّة“ بمعنى: إنها تُعطي حياةً للكنيسة؛ و”فعَّالة“ تعني: إنَّ لها دورًا وتأثيرًا مستمرَّيْن، فهي فعَّالة في الماضي والحاضر والمستقبل. فالكلمة المقدَّسة تحمل قوَّتها فيها فمثلًا: عندما تقرأ أيَّ كتابٍ، فإنك تقرأ فكر الكاتب؛ أمَّا عندما تقرأ الكتاب المقدَّس، فإنك تَشْتَمُّ أنفاس الله لأنه هو الكاتب وصاحب الكلمة.
وكلمة ”فعَّالة“ تعني أيضًا: إنها تقتدر في فعلها كثيرًا: «هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لَا تَرْجِعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِيمَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ» (إش 55: 11).
والقدِّيس بطرس الرسول، بعد ليلة صيد فاشلة، قال للسيِّد المسيح عندما أَمَره أن يرمي الشَّبكة مرَّة أخرى في المياه: «تَعِبْنَا الَّليْلَ كُلَّهُ وَلَمْ نَأْخُذْ شَيْئًا» (لو 5: 5). ولنا أن نتخيَّل مشاعر بطرس بعد ليلةٍ كاملة في البحر ولم يجد ولا سمكة! ومع هذا قال للسيِّد المسيح: «وَلكِنْ عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ» (لو 5: 5).
ونعلم النتيجة المُبهرة التي حصل عليها بطرس، كما قال الكتاب: «فَصَارَتْ شَبَكَتُهُمْ تَتَخَرَّقُ» (لو 5: 6). فالعمل والقدرة والفعل كلها موجودة في كلِّ كلمة من الإنجيل، وفي كلِّ وصية. وهذه الفاعلية يقول عنها بولس الرسول: إنها «أَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ» (عب 4: 12). بمعنى أنَّ كلمة الله تعمل في المُتكلِّم والسامع معًا قال القدِّيس يوحنا ذهبي الفم، عندما سُئِل عن كلماته الذهبية: ”إنَّ ما أتكلَّم به هو لي قبل أن يكون لكم“، بمعنى: إنني أتعلَّمه وأعرفه قبل أن أقوله لأيِّ مُستمع.
وعبارة ”خارقة إلى مَفْرق النَّفْس“، بمعنى أنَّ الكلمة ليست سطحية، ولكنها تخترق أعماق الإنسان وروحه ومفاصله وما بداخل العظام. فمثلًا عندما نُصلِّي قدَّاس اللقَّان، نُصلِّي بآياتٍ وألحان، وهنا كلمة الله الفعَّالة تخترق المياه، وتصير لها القدرة والقوَّة على طرد عدو الخير، وحِفْظ الإنسان، ومقاومة الأرواح الشريرة … فكلمة الله خارقة إلى مَفْرق النَّفْس وعندما وقف بولس الرسول، وهو سجين، أمام فيلكس الوالي، وبدأ يتحدَّث عن الدينونة وعن خلاص المسيح وعن أنَّ الله يُعطي كل واحد حسب أعماله؛ يقول الكتاب: إنَّ فيلكس الوالي ارتعب من كلمات بولس الرسول!! التي صارت خارقة إلى مَفْرق النَّفْس. وهكذا في التربية يجب علي كل أب وأم، أثناء تربيتهم لأولادهم أن يستخدموا عبارات من الإنجيل، لأنها تخترق النَّفْس، وتُسمَّى التربية في هذه الحالة ”تربية بالنعمة“. فهناك أُسرة تُربِّي بالنعمة، وأُخرى تُربِّي بالدَّلع، وأُخرى بالخوف أو الضرب، وأُخرى بالقهر أو الأوامر، وهكذا … لكن الأُسرة الناجحة هي التي تُربِّي بالإنجيل.
وأيضًا ”كلمة الله مُميِّزة“، تعني أنها تقدر أن تُميِّز في عقل الإنسان ما هو صحيح وما هو خطأ؟ ما هو خير وما هو شر؟ فيقول الكتاب: «مُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ». فمَنْ يستطيع أن يعرف نيَّة الإنسان؟! فكلمة الله أي الإنجيل، لأنه هو العقل، فإنه يستطيع أن يُميِّز بين كلِّ الضعفات. وللقدِّيس يوحنا ذهبي الفم هذه العبارة الجميلة: ”كلمة واحدة من الكُتُب الإلهيَّة هي أكثر فاعلية من النار، إنها تُليِّن قسوة النفس وتهيئها لكلِّ عملٍ صالح“ لهذا إن تقابلتَ مع شخصٍ قاسٍ، اعلم أنه بعيدٌ عن الإنجيل، لأن كلمة الله من صفاتها الجميلة، أنها تجعل الانسان ليِّنًا؛ أمَّا القاسي والعاصي والمُتمرِّد و … فهو إنسانٌ بعيدٌ عن كلمة الإنجيل وعن عمل كلمة الكتاب في حياته. فالقدِّيسة مريم أُم مار مرقس الرسول، رَبَّت ابنها جيِّدًا؛ كما قرأت عن يوكابد أُم موسى النبي، وكيف أنها غرست في ابنها الإيمان السليم؛ وأيضًا تعلَّمت من حنَّه أُم صموئيل الصلاة والدموع؛ وتعلَّمت أيضًا من المرأة الشونمية في العهد القديم، وكيف أنها بَنَتْ عِلِّيَّة لأليشع رجل الله. لهذا صار بيت القدِّيسة مريم أُم مار مرقس هو أول عِلِّيَّة، وأول كنيسة في العالم تحمل اسم المسيح.
أمثلة على أنَّ الكتاب هو فكر الكنيسة:
والكنيسة تنشر الإنجيل على مدار أيام السنة، بحيث نتعلَّم من خلاله. فالسنة الكنسيَّة بها خمس مراحل: أولًا: أيام الأسبوع بدءًا من الاثنين حتي السبت؛ ثانيًا: الآحاد، ثالثًا: فترة الصوم الكبير، رابعًا: أسبوع الآلام؛ خامسًا: الخمسون المقدَّسة. وتُقدِّم كل هذا من خلال كتاب القطمارس.
أولًا: الأيام:
وفيه نقرأ مقاطع من الكُتُب المقدَّسة، و نربطها بسنكسار اليوم لكي نفرح بالقدِّيسين، فأيام الأسبوع مرتبطة بقدِّيسي السنكسار، أي بحالات ونماذج وتذكارات. وعندما سمح الله باستشهاد بعض أبنائنا، كنَّا مُتعزِّين، وقد تعجَّب البعض من هذا الفرح! ولكن الكنيسة قد ربَّت بداخلنا هذا الفكر، وهو الفرح بالقدِّيسين، من خلال القراءات الإنجيلية والسنكسار الذي نستمع إليه كل يوم ونُعيِّد فيه بتذكار الشهداء والقدِّيسين.
ثانيًا: الآحاد:
عادةً يوجد في السنة 52 يومَ أحدٍ، وهذه الآحاد كلها يكون الحديث فيها مخصَّصًا عن شخص السيِّد المسيح، بصفته رأس الجسد. فالكنيسة هي جسد المسيح، والمسيح هو رأس الكنيسة، لذلك وجب أن نتكلَّم فيها عن إيماننا بالثالوث الأقدس. هذا الإيمان القوي، وكأننا نفرح بعمل الثالوث الآب والابن والروح القدس في حياتنا.
الآب المُحب، والابن المحبوب، والروح القدس روح الحب، وهذا هو الإيمان الذي نعيش فيه، ويتكرر علينا كل يوم أحد، وتُختار له قراءات من الإنجيل موزَّعة ومُختارة بحكمة الروح القدس، لتُشكِّل فكر الكنيسة التي كل فرد منَّا هو أحد أعضائها. إذًا، طوال أيام الأسبوع نفرح بالقدِّيسين، وفي يوم الأحد نفرح بالثالوث الأقدس.
ثالثًا: الصوم الكبير:
نقرأ في أيام الصوم الكبير نبوَّات من العهد القديم، ليُشكِّل فكر الكنيسة. وقد نتساءل: ما الذي تُريد أن تقدِّمة الكنيسة لنا في الصوم الكبير؟ نُجيب: هي تريد أن تُقدِّم لنا شيئًا واحدًا، وهو الفرح بالتوبة، مِثل: مَثَل الابن الضال، والسامرية، والمولود أعمي، والمفلوج … وهي قراءات التوبة وفرح التوبة، هذا هو فكر الكنيسة.
رابعًا: أيام البصخة وأسبوع الآلام:
نفرح بالآلام المُحيية المُخلِّصة، وبالمسيح الذي صُلِب علي الصليب من أجلنا ومن أجل افتدائنا، وبدمه الثمين الذي رَفَع خطايانا. ونستطيع أن نُسمِّي هذه الأيام رحلة الفرح بالآلام!! لعل هذه الجملة تكون غير متناسقة، فكيف يكون فرحٌ وآلامٌ؟! كما نقرأ في الجمعة العظيمة قطعه تُسمَّى ”أمانة اللص“! فكيف يكون للِّص أمانة؟! ولكن هذا عمق فكر الكنيسة، لذلك فقراءات أيام البصخة هي رحلة فرح في الآلام المُحيية.
خامسًا: الخمسون المقدَّسة:
وهي رحلة فرح بالنصرة والمسيح القائم من بين الأموات: ”بالموت داس الموت، والذين في القبور أنعم لهم بالحياة الأبدية“. فالكنيسة من الممكن أن نقول عنها: مؤسَّسة فرح. ففي فترة نفرح بالقدِّيسين، وأخرى بالإيمان بالثالوث الأقدس، وأخرى بالتوبة، وأخرى بالآلام المُحيية، وأخرى بنُصرة المسيح القائم من بين الأموات. ويصير عقل الكنيسة وفكرها، هو فكر فرح على الدوام. وهذه الرؤية هي التي تجعلنا نرى عمق الإنجيل داخل الكنيسة، ونستطيع أن نعيش فيه ونتمتع به وعند بناء أيِّ كنيسة جديدة، نضع في حَجَر الأساس الإنجيل، وأيضًا لا بدَّ من وَضْع البشارة على المذبح، ولا بدَّ من وجود المنجلية التي يوضع عليها الإنجيل في كلِّ كنيسة ويوجد رُتبه في الشموسية تُسمَّى ”القارئ“، وبسبب كرامة الإنجيل فإننا عند قراءته نمسك بالشموع، ويقول الشمَّاس: ”قفوا بخوفٍ أمام الله وأنصتوا لسماع إنجيله المقدَّس“. ونعيش بالكتاب المقدَّس والكتاب يعيش فينا، ويقول مُعلِّمنا بولس الرسول: «فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ» (في 1: 27).
فالكتاب المقدَّس في الكنيسة، هو عقلها وفكرها، وهو مصدر كلِّ الليتورجيات من قدَّاسات وعشيَّات وأسرار، وهو مصدر كلِّ التسابيح. فالهوس الأول من أصحاح من الكتاب المقدَّس (خروج 15)؛ والهوس الثاني هو مزمور الشكر 1٣٦؛ و هكذا فالألحان كلها قِطَع مأخوذة من الكتاب المقدَّس فالكتاب المقدَّس، هو مصدر لكلِّ الصلوات، ويقول القدِّيس يوحنا ذهبي الفم: ”إنَّ عدم معرفتنا بالكُتُب المقدَّسة هو عِلَّة كلِّ الشرور“.
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد