المقالات
26 أكتوبر 2025
الأحد الثالث من شهر بابة مت ۱۲ : ۲۲ - 37
حينئذ أحضر إليه بجنون أعمى وأخرس فشفاه حتى أن الأعمى الأخرس تكلم وأبصر فبهت كل الجموع وقالوا ألعل هذا هو إبن داود أما الفريسيون فلما سمعوا قالوا هذا لا يخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين فعلم يسوع أفكارهم وقال لهم كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب وكل مدينة أو بيت منقسم على ذاته لا يثبت فإن كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته وإن كنت أنا بيعلزبول أخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون لذلك هم يكونون قضاتكم و لكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله أم كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القوى وينهب أمتعته إن لم يربط القوى أولا وحينئذ ينهب بيته . من ليس معى فهو على ومن لا يجمع معى فهو يفرق لذلك أقول لكم كل خطية وتجديف يغفر للناس وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس و من قال كلمة علي إبن الإنسان يغفر له . وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتى اجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيداً أو أجعلوا الشجرة ردية وثمرها ردياً . لان من الثمر تعرف الشجرة يا أولاد الافاعي كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار فإنه من فضلة القلب يتكلم الفم الإنسان الصالح من الكنز الصالح ( في القلب) يخرج الصالحات والإنسان الشرير من الكنز الشرير يخرج الشرور ولكن أقول لكم إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين لانك بكلامك تتبرر وبكلامك تدان .
شفاء الأعمى والأخرس
قدموا إليه مجنون أعمى وأخرس فشفاه حتى أن الأعمى الاخرس تكلم وأبصر فبهت الحاضرون أما الفريسيون فقالوا انه برئيس الشياطين فعلم يسوع أفكارهم وقال لهم « كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب وكل مدينة أو بيت منقسم على ذاته يخرب فإن كان الشيطان يخرج الشيطان فكيف تثبت مملكته ؟ وإن كنت ببعلز بول أخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون ؟ ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله لذلك كل خطية وتجديف يغفر للناس وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس
بروح الله اخرج الشياطين
كما تهرب الظلمة وتتبدد أمام النور هكذا مع الشيطان والروح النجس أمام روح الله القدوس الروح النجس الذى سكن في الإنسان فإنه يفسده ويهلكه قيل عن الرجل الذي كان به شياطين كثيرة أنه كان يصيح ويقطع نفسه بالحجارة، وربط بسلاسل وقيود ولكنه كان يقطع السلاسل ويسكن القبور عندما يسكن الروح النجس فى الإنسان فإنه يعمل فيه لفساده وهلاكه لأنه منذ البدء كان قتالا ،وهو المشتكى على جنسنا و عدوه وهو عندما سكن داخل هذا الرجل تركه مجنوناً أعمى وأخرس وهذا معناه أن الروح النجس تسلط على فكره وبصره ولسانه .
مجنون
الشيطان عندما يتسلط على الفكر يفسده عن طرق الله المستقيمة وعن التعقل والحكمة النازلة من فوق يصير الإنسان مجنوناً قد يقتحمه الشيطان بفكر العظمة فيصاب الإنسان بالجنون ليفتكر فى نفسه أنه شيء ، وينسى أنه تراب ورماد ، وينسى أنه بائس وفقير ومسكين، وأنه لا شيء و مزدری و غیر موجود أصيب نبوخذ نصر بهذا الشيطان شيطان العظمة فقال وهو فى جنون العظمة : أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها بقوتى وإقتدارى ونسى أن الله هو المتسلط في ممالك الأرض كلها فسمع ذلك الصوت " يطردونك من بين الناس ، ويبتل شعرك بندى السماء" أصيب هيرودس الملك بجنون العظمة و لبس الحلة الملكية في يوم عيده ،وصار يتكلم فصاح الشعب : و هذا صوت الله لا إنسان فضربه ملاك الرب فدود ومات كثيرون يصابون بجنون العظمة والكبرياء والإعتداد بالذات ويتكلون على الكذب ، ويفتكرون أنهم عقلاء . والحق أن من أراد أن يكون حكيماً فليصر جاهلا آخرون يصابون بجنون الشهوات وجنون محبة العالم آخرون يصابون بجنون العلم والعقلانية والفلسفات والإلحاد آخرون في جنون ينكرون السيد الوحيد القادر الذي له وحده عدم الموت
أعمى
هذا الرجل يختلف تماماً عن المولود أعمى لان هذه الولادات والأمراض الطبيعية والعيوب الخلقية تحدث بقصد الله و تدبيره ولا دخل الإرادة الإنسان فيها فكلها تؤول لمجد الله كما قال الرب : " لا هذا أخطأ ولا أبواه ، لكن لتظهر أعمال الله فيه ". أما هذا الإنسان فإن العمى هو نتيجة سكنى روح الظلمة فيه لذلك عندما طرد الرب يسوع الشيطان منه بقوة الروح القدس ،إستنارت عينيه مرة أخرى و لأن النور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه إن عيوننا التي إستنارت بالمعمودية والبصيرة التي أعطاها لنا إبن الله هي أغلى ما نملك فلتخف يا إخوة لئلا يدخل روح
الظلمة إلينا ويطمس بصيرتنا قال الرب للفريسيين : "لو كنتم عميان لما كان لكم خطية ولكنكم لانكم مبصرين فخطيتكم باقية" الذى يرى الحق أمامه ويغمض عينيه ، أليس هذا شيء من العمى الروحي ؟ الذي يرى الطريق للحياة مع الله ويغمض عينيه عنها أليس هذا خطر كبير ؟
الذي ينظر أخاه محتاجاً ويغلق أحشاؤه عنه ، أليس هذا أعمى ومسكين ؟
الذى لا يرى خطورة الخطية ونجاساتها ويهرب منها كما من أفعى سامة وخطر الموت أليس هذا أعمى ومسكين ؟
الذى لا يرى خطاياه ونجاسات قلبه ويريح ضميره مثل الفريسي ، وينظر إلى خطايا الآخرين ويحكم عليهم أليس هذا أعمى قصير النظر قد نسى تطهير خطاياه ؟ نحن غير ناظرين للأشياء التي ترى بل إلى التى لا ترى لان التي ترى وقتية أما التي لا ترى فأبدية هذه هي البصيرة التي يحددها فينا الروح القدس كل يوم في التوبة وفى الكنيسة وفى الأسرار فتدرك الأشياء الموهوبة لنا من الله بحسب نعمته وقوته .
أخرس
الروح القدس يجدد خلقتنا ويحرر لساننا يجعله ينطق من جديد كلمات جديدة وترنيمة جديدة لقد حل الروح القدس على التلاميذ مثل السنة نار تنطق بشهادة يسوع المسيح بلا مانع وتتكلم بالحب لجميع الناس وهذه الألسنة النارية استقرت في الكنيسة في كل أجيالها الروح القدس نطق بفم بطرس الرسول كلمات فيها قوة خلاص وشهادة لقيامة المسيح من الأموات الروح القدس تكلم فى الرسولين بطرس ويوحنا وهما إنسانان عديما العلم وعاميان ، بكلمات مملوءة نعمة لم يستطع رؤساء الكهنة أن يسكتاهما الروح القدس تكلم بفم إسطفانوس بحكمة لم يستطع جميع المعاندين أن يقاوموها أو يناقضوها الروح القدس أعطى القديس بولس الرسول كلمة كرازة عند إفتتاح الفم فنطق بأسرار الروح وسر الكنيسة وسر المسيح .بدون الروح القدس سيظل الإنسان أخرس واللسان عاجز عن النطق حتى لو قال ملايين الكلمات.
التجديف على الروح القدس
جماعة الفريسيين رفضوا مشورة الله من قبل أنفسهم . رفضوا عمل روح الله ولم يقبلوه فصار هذا تجديفا إنتهى بهم إلى الهلاك ، ونحن اليوم يريد الروح أن يعمل فينا . يريد أن يحرر فكرنا وينير بصيرتنا ويطلق ألسنتنا فهل تذعن لمشورته ؟ وهل نسلم نفوسنا طوع إرادته ليعمل فينا مسرته ؟!
الروح القدس يريد كل يوم أن يطرد عنا كل ظلمة ،وكل فكر قلة الإيمان . ويريد أن يستخدم فكرنا و لساننا وعيننا يريدنا آلات بر وآلات بركة ألا يكفينا زمانا طويلا دقننا فيه وزناتنا وصرنا مثل أخرس وأعمى ومجنون بلا قوة وبلا قدرة وبلا فاعلية من جهة الإيمان والحياة مع الله اليوم فرصتنا أن نسلم أنفسنا ونقدم أحباءنا بالصلاة والتوسل عند قدمى الرب يسوع ليطرد عنا بقوة روحه القدوس كل أرواح العدو المقاوم ويستخدم ضعفنا لمجده .
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية
المزيد
19 أكتوبر 2025
الأحد الثاني من شهر بابه( لو ٥ :1-11 )
وإذ كان الجمع يزدحم عليه ليسمع كلمة الله كان واقفاً عند بحيرة جنيارت فرأى سفينتين واقفتين عند البحيرة والصيادون قد خرجوا منهما وغسلوا الشباك فدخل إحدى السفينتين التي كانت لسمعان وسأله أن يبعد قليلا عن البر ثم جلس وصار يعلم الجموع من السفينة ولما فرغ من الكلام قال لسمعان أبعد إلى العمق وألقوا شباككم للصيد فأجاب سمعان وقال له يا معلم قد تعبنا الليل كله ولم نأخذ شيئاً ولكن على كلمتك ألقى الشبكة ولما فعلوا ذلك أمسكوا سمكاً كثيراً جداً فصارت شبكتهم تتخرق فأشاروا إلى شركائهم الذين في السفينة الأخرى أن يأتوا ويساعدوهم فأتوا وملأوا السفينتين حتى أخذتا في الغرق فلما رأى سمعان بطرس ذلك خر عند ركبتي يسوع قائلا أخرج من سفينتى يا رب لانى رجل خاطيء إذ اعترته وجميع الذين معه دهشة على صيد السمك الذى أخذوه وكذلك أيضاً يعقوب ويوحنا إبنا زبدى اللذان كانا شريكي سمعان فقال يسوع لسمعان لا تخف من الآن تكون تصطاد الناس ولما جاءوا بالسفينتين إلى البر تركوا كل شيء وتبعوه.
معجزة صيد السمك
دخل احد السفينتين التي لسمعان
المسيح هو دائما الذى يبدأ الحركة نحونا ، وهو في غالب الأحيان يبدو كأنه محتاج إلينا مثلما رأيناه عطشان أمام السامرية وهو مزمع أن يروى عطشها ويفيض فيها ينابيع حياة وكما احتاج إلى الخمس خبزات وهو مزمع أن يشبع الخمسة آلاف رجل هكذا احتاج الرب إلى سفينة سمعان وهو مزمع أن يجعله صياداً يصطاد الناس ولكن يبدو واضحا أن سمعان بطرس كان مقدماً سفينته للرب بكل الرضى والسرور ،وإن كان لم يدرك القصد الإلهى لأول وهلة ولكن ليس مطلوب منا في مثل هذه الحالة سوى تقديم إمكانياتنا البسيطة وتسليمها في يد الرب وبعد أن علم الرب الجموع من السفينة قال لسمعان أدخل إلى العمق وألقوا شباككم للصيد هنا بعد أن ترضى النفس أن يدخل الرب يسوع إلى سفينتها يوجه الرب دعوته للنفس أن تدخل إلى العمق إذ نكون النفس قد تعبت ليلها دون أن تأخذ شيئا إنها دعوة الذين تعبوا في الصلاة وانتهوا من الصلاة دون أن يأخذوا شيئاً أدخل إلى العمق وقل" من الأعماق صرخت إليك يا رب" أدخل إلى العمق في الصلاة بالإنسحاق والدموع والتذلل والصوم انزل إلى الاعماق في كل كلمة ،وكل طلبة تعمق في مواعيد الله وفي روح الصلاة كن عميقاً في خشوعك و توبتك وكلماتك كثيراً ما بكت الرب شعبه قديماً "هذا الشعب يكرمني بشفتيه أما قلبه فيبتعد عنى" .دعوة للذين قضوا حياتهم في السطحيات ،والمظاهر الكاذبة أدخل إلى العمق لا تنظر إلى العينين ، بل إلى القلب.لا تكن سطحياً مثل الفريسيين الذين كانوا يهتمون بالشكل الخارجي وهم في أعماقهم مملوئين خبثاً وشراً نقى أولا داخل الكأس حينئذ يتطهر خارجها تعبنا الليل كله ولم تأخذ شيئا على ان خبرة سمعان هذه هي في حقيقتها تصلح أن تكون خبرة كل واحد فينا إسأل الذين اتكلوا على يقينية الغنى وسعوا وراء المال وأرادوا أن يكونوا أغنياء كيف سقطوا في تجربة وفخ وطعنوا انفسهم بأوجاع كثيرة وأدركوا أن محبة المال أصل لكل الشرور وكأن لسانهم بعد السعى الطويل يقول تعبنا الليل كله ولم تأخذ شيئاً إسأل الذين جروا وراء الشهوات الجسدية وسهروا الليالى وقضوا العمر ،وسكبوا شبابهم لكى يشبعوا رغباتهم فيخبروك أنه باطل الأباطيل الكل باطل ،وقبض الريح ،ولا منفعة تحت الشمس وفى نهاية سعيهم يقولون ذات العبارة تعبنا الليل كله ولم نأخذ شيئاً . إسأل الذين ضيعوا عمرهم في طلب الكرامة ومديح الناس كيف رجعوا خائبين بعدما أكتشفوا أنه ليس من يمدحه الناس هو المزكي بل الذي مدحه من الله وبعدما سقطوا من النعمة لانهم كانوا يطلبون مجد الناس ، وأدركوا قول الرب نفسه مجداً من الناس لست أقبل ، فرجعوا يقولون تعبنا الليل كله ولم نأخذ شيئاً .وهكذا تصلح هذه لكل الذين يسعون جرياً وراء أباطيل العالم ويريدون أن يمتلكوا من فراغه .
على كلمتك القي الشبكة
فرق بين من يعمل من ذاته ،ومن يعمل على سند كلمة المسيح بوعد ورجاء وإيمان لتسكن ممارستنا لأعمالنا مسنودة بالكلمة أننا نعمل لأنه هو يبارك عملنا لأننا بدونه لا نقدر أن نعمل شيئاً وان لم يبنى الرب البيت فباطلا يتعب البناؤون حينئذ إذا صادفنا نجاحاً عظيماً كصيد السمك فلا تنسب هذا لمقدرتنا ولا لجهدنا بل الله الذى يعطى ولكلمته القادرة أن تعمل في الضعف هنا نتعلم إنكار الذات وعدم الاعتــــداد بالامكانيات أو المهارات بل نمجد إلهنا في أعمالنا ونخبر بفضائل ذاك الذي تمجد في عجزنا وضعفنا .
اخرج من سفينتي يا رب فإني رجل خاطي
الأثر الأول والأعظم لعمل الله في حياتنا والمعجزات التي يصنعها معنا هو أننا نكتشف :
١ - أننا لخطاة
فالمواجهة مع الله تكشف خزينا وكسلنا و تقصيرنا وتهاوننا ،والمواجهة مع القدوس تطهر للحال نجاسات قلبنا فتصرخ و أنا ر جل خاطى بعكس ما يصنعه النجاح من غرور فإن أولاد الله يتحول نجاحهم إلى كثرة اتضاع ومسكنة وإحساس بالخطية وإعتراف أمام الله للتوبة .
٢ - عدم الاستحقاق
فلسنا نحسب أنفسنا أهلا أن نكون خدام للمسيح ولا أن يدخل سفينتنا ،ولا أن يبارك صيدنا هذا الشعور صاحب القديسين في الكنيسة في كل الاجيال " لسنا كفاه من أنفسنا " أنا أصغر جميع الرسل الخطاة الذين أولهم أنها لست مستحق أن أدعى رسولا ، " مهما فعلتم كل البر قولوا أننا عبيد بطالون" أحذر أيها الحبيب أن تفقد الشعور بعدم الإستحقاق لئلا تسقط مع الشيطان .
صياد الناس
هنا نكتشف قصد المسيح الذي بدأ بدخول سفينة سمعان ثم بصيد السمك المسيح يريد سمعان نفسه يريد أن يعمل به عملا عظيماً يا سمعان من الآن أنت رائحة المسيح الذكية لجميع الناس یا سمعان الكلمة الإلهية في فمك هي صنارة عقلية تصيد بها النفوس بقوة وتجذبهم من بحر العالم إلى حظيرة المسيح ،وتشهد لعمل نعمة الله يا سمعان بدل قوتك الجسدية التي لا تزول لتخدم لا بالجسد بل بالروح الذي يتجدد في داخلك يوماً فيوم لا يعرف التعب ولا الملل
تركه كل شيء و تبعه
الآن لم يعد سمعان يرتبك بأمور هذه الحياة لكي يرضى من جنده كانت كثرة السمك تربك سمعان جداً ،وتدخل إلى نفسه الغرور وشرور كثيرة ولكن الآن كثرة السمك لن تحول نظره عن شخص الرب يسوع لنراجع أنفسنا هل تركنا كل شيء ؟ هل نتبعه أم مازالت أموالنا وأملاكنا وربما وظائفنا أو للأسف ربما لعبنا ونزهتنا أو أقل من هذه الأمور تجذب إنتباهنا وتربك عقلنا عن تبعية يسوع في الصلاة أو حضور القداسات أو فى البذل أو حتى في مجرد الوجود معه لا تجعل شيء يعوق مسيرتك خلفه بل اختبر ما قاله القديس أغسطينوس " وضعت قدمى على قمة هذا العالم عندما أصبحت لا أخاف شيء ولا أشتهي شيء" .
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية
المزيد
12 أكتوبر 2025
الأحد الأول من شهر بابه مر ۲ : ۱ - ۱۲
ثم دخل كفرناحوم أيضاً بعد أيام فسمع أنه في بيت و للوقت إجتمع كثيرون حتى لم يعد يسع ولا ما حول الباب فكان يخاطبهم بالكلمة وجاءوا إليه مقدمين مفلوجاً يحمله أربعة وإذ لم يقدروا أن يقتربوا إليه من أجل الجمع كشفوا السقف حيث كان وبعدما نقموه دلوا السرير الذي كان المفلوج مضطجعاً عليه فلما رأى يسوع إيمانهم قال المفلوج يا بنى مغفورة لك خطاياك وكان قوم من الكتبة هناك جالسين يفكرون فى قلوبهم لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده فللوقت شعر يسوع بروحه أنهم يفكرون هكذا فى أنفسهم فقال لهم لماذا تفكرون بهذا في قلوبكم أيما أيسر أن يقال للمفلوج مغفورة لك خطاياك أم أن يقال قم وأحمل سريرك وأمشى و لكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا قال للمفلوج " لك أقول قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الكل حتى بهت الجميع ومجدوا الله قائلين ما رأينا مثل هذا قط.
شفاء المفلوج
وجاءوا إليه مقدمين مفلوجاً يحمله أربعة وإذ لم يقدروا أن يقتربوا إليه من أجل الجمع كشفوا السقف حيث كان و بعدما نقبوه دلوا السرير الذي كان المفلوج مضطجعاً عليه فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج : مغفورة لك خطاياك
إنجيل هذا اليوم إنجيل خدمة المفلوجين و تقديمهم للمسيح إنجيل القلوب الرحيمة والتي لا ترتاح إلا في البذل والعطاء ولا تتوقف حتى تحدث قوات وآيات يتمجد فيها إسم يسوع المسيح .
المفلوج
المفلوج إنسان مشلول عاجز تماما عن الحركة ملقى على فراشه يخيم عليه ظل الموت ألا يوجد اليوم بينما مفلوجين كثيرين أقعدتهم الخطية وشلت حركتهم نحو الله نهائياً لابد ترتفع نحو الله في الصلاة ،ولا أرجل تسعى نحو جعالة دعوة الله العليا وتركع في خشوع ، ولا عين تتطلع في رجاء ،ولا قلب يرتفع في خفة وسهولة والجسد كله أنهكته الخطية وحطمته الشهوات ملقى على سرير الخطايا منطرحاً في ظل الموت .
أربعة رجال
ألا يوجد بيننا اليوم صاحب قلب رحيم وشفوق يتحنن على إخوته أين غيرة نحميا ودموعه وصومه ورجائه وتذلله أمام إله من أجل إخوته وبيت أبيه أين دموع أرميا ؟ أين شفاعة موسی و داود وصلاة أشعياء ألا يوجد اليوم من يشدد يده للعمل ليحمل أوجاع إخوته إحملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح .
فلما رأى يسوع إيمانهم ولكن ما هو دور هؤلاء الأربعة في المعجزة ؟ إنه دور خطير جداً وأساسي جداً في إتمام مقاصد الله
١ - إنكار الذات
هذا شيء رئيسي جداً في خدمة النفوس المفلوجة . فالرجال الأربعة يتمثل فيهم الشكل الكامل للخدمة الحقيقية داخل الكنيسة الأسقف والكاهن والشماس والشخص العادي إذا إتحدوا بمحبة حقيقية وعملوا كمجهولين فلا مركز ولا اسم ولا شكل ولا كرامة تعطل هذه الخدمة للنفوس المفلوجة وطالما يعيش هؤلاء الأربعة في إنكار ذات ونبذ للكرامة العالمية وحب الظهور ومشكلة من هو الأول بيننا طالما هم يمارسون روح المسيح ويضمون أنفسهم بإتفاق كامل من أجل المسيح في خدمة النفوس المتعبة لابد أن تحدث المعجزات ،ولا بد أن ينظر المسيح له المجد إلى إيمانهم ويشفى بقوة ويمنح غفران الخطايا .
٢ - الإيمان.
إن الذين تكملوا فى الإيمان هم القديسون الذين صارت لهم ثقة كبيرة في شخص المسيح ، الذين بالإيمان صنعوا برا ونالوا مواعيد وتقووا من ضعف إن هؤلاء الأربعة في الكنيسة اليوم هم آباؤنا القديسون الذين يحملون النفوس المفلوجة يحملونها بصلواتهم ويقدمونها للمخلص بإيمانهم وهو يشفيهم الكنيسة تعيش هذا الإيمان اليوم حينما تتشفع بالقديسين من أجل الضعفاء وغير التائبين ، وتتوسل أن يكونوا محمولين على صلواتهم ليصلوا إلى حيث الرب يسوع .
الخطية هي أصل الداء
لقد قال الرب للمفلوج مغفورة لك خطاياك قبل أن يقول له قم إحمل سريرك وامشى لان الرب يسوع يعتنى بالدرجة الأولى أن يخرج الخطية ويطردها من الداخل قبل أي عمل خارجي كثيراً ما نتوقع من رجال الله أن يتحدثوا عن الإصلاح الإجتماعي ، والأمور ، والترتيبات المادية ، ومشاكل المجتمع ولكننا نرى الكنيسة تتحدث أساساً عن التوبة والغفران حقيقة أن الكنيسة مسئولة عن إيجاد حلول لمشاكل الإنسان و لكن يجب أن نكتشف أن سر آلام الناس والمظالم التي يعيش فيها الإنسان والأمراض، كائن في أن الخطية وراء كل هذا ، لان بالخطية دخل الموت إلى العالم واجتاز إلى جميع الناس إن كل تسیب روحى وبعد عن الله هو التغاضى عن الكشف عن الخطية المستقرة فى الاعماق ، والمحاولات اليائسة في الخارج نبل غفران الخطايا .
غفران الخطايا
المسيح في هذه الحادثة يظهر سلطان غفران الخطايا كيف يكون وأراد أن يرينا كيف يتشدد الإنسان ويقوم في الحال من ضعف إلى قوة ،ومن موت إلى حياة ومن ظلمة إلى نور حينما ينال غفران خطاياه .ولقد أراد الرب بشفاء جسد الإنسان أن يظهر لنا سر غفران الخطايا داخل النفس البشرية هنا يقف الجسد كشاهد لما حدث خفياً فى نفس ذلك المريض حينما حمل الرب عن نفسه ثقل خطاياه وحمل ورفع عنه موتها ، فإن كان المشلول يقوم متحركاً للحال بقوة ويحمل سريره ويسير في وسط كان هذا المنظر مذهلا للعقل البشرى و مدهشاً بهذا الجموع إن المقدار فماذا يكون منظر النفس من الداخل وهي تنفض رباطات الخطية وتتمتع بقوة خلاص الرب وغفران الخطايا !!
ولكن كيف يتم غفران الخطايا ؟
قال الرب للمفلوج : « مغفورة لك خطاياك" ،الموضوع ليس مجرد كلمة قالها الرب للمفلوج ، ولكن حقيقة الأمر أن الرب يسوع رضى أن يعمل مع المريض مبادلة في غاية العجب يأخذ خطاياه ويعطيه بره ويحمل أوجاعه ويطلق نفسه بلا قيود ، ويسلم الرب نفسه للقيود الذي لم يعرف خطية صار خطية لأجلنا لكى نصير نحن بر الله فيه وهذا ما كان الرب مزمعاً أن يعمله مع الجنس البشرى كله بالصليب غفران الخطايا هو أن يحملها يسوع حمل الله ويبرئنا من نيرها الرهيب ،و يبذل هو نفسه فدية عن الكثيرين.
لم احمل سريرك
علامة الصحة لهذا المريض صارت هي حمل الصليب بهذا يشهد الجميع أنه حصل على قوة قيامة وحياة جديدة هكذا قصد الرب أن يعطينا علامة وعربون خلاص عندما قال لنا أن تحمل صليبنا ونتبعه إن حملنا الصليب هو علامة حياتنا الجديدة وقوتنا بعد أن ذقنا موت الصليب وعار الخطية صرنا تحمل الصليب كعلامة شفاء النفس وجدة حياتها .
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية
المزيد
05 أكتوبر 2025
إنجيل قداس الأحد الرابع من شهر توت لو ٧ : ٣٦ -٥٠
"وسأله واحد من الفريسيين أن يأكل معه فدخل بيت الفريسي وإتكا وإذا إمرأة في المدينة كانت خاطئة إذ علمت أنه متكى في بيت الفريسي جاءت بقارورة طيب ووقعت عند قدميه من وراءه باكية وابتدأت تبل قدميه بالدموع وكانت تمسحهما بشعر رأسها وتقبل قدميه وتدهنهما بالطيب فلما رأى الفريسي الذي دعاه ذلك تكلم في نفسه قائلا لو كان هذا نبياً لعلم من هذه الامرأة التي تلمسه وما هى أنها خاطئه فأجاب يسوع و قال له يا سمعان عندى شيء أقوله لك فقال قل يا معلم كان لمداين مديونان على الواحد خمسمائة دينار وعلى الآخر خمسون وإذ لم يكن لهما ما يوفيان سامحهما جميعاً فقل أيهما يكون أكثر حبا له فأجاب سمعان وقال أظن الذي سامحه بالأكثر فقال له بالصواب حكمت ثم التفت إلى المرأة وقال لسمعان أنتظر هذه المرأة إنني دخلت بيتك وماء لأجل رجلى لم تعط وأما هي فقد غسلت رجلي بالدموع ومسحتهما بشعر رأسها قبلة لم تقبلني وأما هي فمنذ دخلت لم تكف عن تقبيل رجلى بزيت لم تدهن رأسي وأما هی فقد دهنت بالطيب رجلى . من أجل ذلك أقول لك قد غفرت خطاياها الكثيرة لانها أحبت كثيراً والذى يغفر له قليل يحب قليلا ثم قال لها مغفورة لك خطاياك فابتدأ المتكئون معه يقولون في أنفسهم من هذا الذي يغفر خطايا أيضاً فقال للمرأة إيمانك قد خلصك إذهبي بسلام" .
المرأة الخاطئة
وسأله واحد من الفريسيين أن يأكل معه فدخل بیت الفريسي وإتكا وإذا إمرأة في المدينة كانت خاطئة إذ علمت انه متكئ في بيت الفريسي جاءت بقارورة طيب ووقفت من وراءه باكية وابتدأت تقبل قدميه بالدموع وكانت تمسحهما بشعر رأسها و تقبل قدميه وتدهنهما بالطيب قصة توبة المرأة الخاطئة مليئة بمشاعر يصعب على الإنسان أن يعبر عنها لأن هذه المرأة في توبتها لم تتكلم كلمة واحدة لم تفتح فاها فكيف نتكلم نحن عما عجزت هي ذاتها عن التعبير عنه ؟ لقد أذابت كل مشاعر التوبة و كل فكر الرجوع إلى الله في دموعها وسكبتها غزيرة على قدمى المخلص حتى بللت قدميه ، ولنتصور كمية الدموع التي زرفتها حتى غسلت قدمى يسوع لقد ابتكرت هذه المرأة بسلوكها العجيب طريقاً جديداً للتوبة علمت به الكنيسة كلها في كل الأجيال وصارت أعلى مثل لقوة التوبة وجراة الوصول إلى قدمى يسوع .
ابتدأت تبل قدميه بالدموع
الدموع هى علامة العجز عن التعبير ،فعندما تتغلب المشاعر القلبية يصمت الفم وتتكلم العيون بلغة هي أسمى من كل كلام وأقوى من كل لسان لكن ترى ماذا تريد هذه المرأة أن تقول بدموعها التي سكبتها على قدمى المخلص ؟
هل تريد أن تقول انها خاطئة جداً جداً وانها شاعرة بنجاسات خطيتها ولا تستطيع أن تعبر عن ثقل خطاياها بالكلام أم أنها ترى نفسها عاجزة عن التعبير عن مدى العمق والهوة السحيقة التى صارت إليها وهى كمثل طفل مفقود من أبيه ظل في شروده تائها غير مدرك مرارة البعد عن الأب حتى وجده أبوه في لحظة فانفجر الطفل باكياً في دموع اللقيا يشكو البعد والضياع ويبكي في حنين على صدر أبيه أم انها حالما نظرت المخلص الحبيب وأدركت مشاعرحبه الإلهى نحو الخطاة ونحوها هى بالذات رغم كثرة خطاياها انفجرت تبكى بإحساس عدم الإستحقاق للحب الإلهى وشعور بالتقصير والتأخير في السعى نحو هذا القلب الحنون .أم أنها أدركت بعين النبوة حينما نظرت إلى قدمى يسوع ، أحست للحال ما ستتحمله هاتان القدمان وهما تسيران نحو الجلجثة ورأت الرب يسلم قدميه للمسامير من أجلها لكي يخلصها وينقذها من طريق الخطية والموت فانسكبت تبكي و تبل قدميه بالدموع أم انها عندما لمست قدميه أدركت مقدار الفارق المهول بين نجاسة خطاياها وقذر أيديها و بين الطهر اللانهائي للرب القدوس فسكبت دموعها لعلها تضمل آثار نجاسة أيديها التي لمست بها قدميه الطاهرتين لابد أن يكون قلب المرأة قد إمتلأ بمثل هذه المشاعر بل ومن المؤكد أن أفكاراً مقدسة وسامية جداً كانت مختزنة ومكنونة فى قلبها منتظرة فرصة للتعبير فلما وجدت منفذاً إنفجرت ينابيع دموعها بلا توقف وكأن شمس البر ( يسوع ) عندما أشرقت عليها أذابت للحال ثلوج خطاياها فأسالت دموعها .
جاءت من ورائه
قال الرب عن العشار التائب أنه لم يشأ أن يرفع عينيه إلى السماء هكذا كانت هذه المرأة ، جاءت من ورائه في إتضاع وإحساس بعدم الإستحقاق ومخافة وخجل كثير وعيناها مملوءتان دموعاً ومطرتتين إلى أسفل ( إيه يا نفسى غير التائية كم من مرة وقفت بجرأة وعدم خشوع أمام الله ! ) ما أقدر هاتان العينان على إستدرار مراحم الرب الحنون الذي قال : ( حولى عينيك فإنهما غلبتاني) . .
بين الفريسي والمرأة الخاطئة
هوة عظيمة وبعد شاسع يفرق بين سمعان الفريسي والمرأة الخاطئة صحيح ان سمعان إستضاف الرب يسوع في بيته ولكن المرأة الخاطئة أدخلت الرب إلى قلبها وحياتها سمعان قدم للرب طعاماً مادياً وصنع وليمة ليفتخر بها أنه أضاف الرب ولكن معلوم أن للمسيح طعاماً آخر عرفته المرأة الخاطئة فشبع الرب بتوبتها وارتاحت نفسه في دموعها ورجوعها سمعان إتكأ بجوار المخلص في كبرياء وإعتداد بالنفس أما المرأة الخاطئة فلم تحسب نفسها أهلا للمس قدميه سمعان لم يقبل الرب في وجهه أما المرأة الخاطئة إذ علمت مقدار حب الحبيب لم تشبع ولم تكف عن تقبيل قدميه سمعان لم يغسل قدى المخلص بماء ولكن هذه المرأة بللت قدميه بدموعها سمعان لم يدهن رأس المخلص بزيت أما هذه فقد دهنت بالطيب قدميه أعرفت أيها الحبيب الفارق العجيب بين هاتين العينين ؟!
توجد نفوس كثيرة منشغلة بما يسمونه خدمة للمسيح مثل سمعان الفريسي ، ويسكتون ضمائرهم بأنهم يعملون من أجل ولائم أو حفلات أو إجتماعيات ولكن أين قلوبهم وأين توبتهم ؟ إن الرب يسوع لا ترضيه ولائم مادية أصحابها قلوبهم منشغلة بالعالم ولا يسر بعطايا مقدمة من إناس ليس لهم توبة ولا دموع ولا حب مثل المرأة الخاطئة. إن توبة مثل هذه المرأة قدام الرب لهى أثمن من كل عطايا الناس وهي في نظر المسيح أعظم من مشاريع ضخمة وأعمال عظيمة في نظر الناس ليتنا قبل أن نقدم عطايانا نقدم قلوبنا وقبل أن ندعو الرب إلى وليمة في منزلنا نسكب دموعنا على قدميه ليقبل حبنا وينعم لنا بغفران خطايانا هذه المرأة أحبت كثيراً ومن أجل ذلك غفرت لها خطاياها الكثيرة ثم التفت إلى المرأة وقال لها ( مغفورة لك خطاياك إذهبي بسلام إيمانك خلصك) يا للفرح الذي يتمتع به القلب التائب ، ويا للسلام الإلهى الذي يحل فى داخل النفس عوض الدموع وقرع الصدر والندم وكلمات التأنيب في داخل النفس يشرق الرب بنوره فيبدد الظلمة ويقول كلمة سلام فيستقر فى داخل النفس سلاماً إلهياً لا يعبر عنه أيحن المشتكين على هذه المرأة ؟
سمعان والمتكئين وجموع الذين يحركهم الشيطان للشكوى على أولاد الله حقا ما قاله معلمنا القديس بولس الرسول : « من سيشتكى على مختارى الله ؟! من الذي يدين ؟ المسيح هو الذي يبرر لقد وقف الرب كراع صالح يحمى خروفه الصغير الذي إلتجأ إليه تحت ظل جناحيه ويدفع عنه هجمات الذئاب الخاطفة طوباك أيتها المرأة التي بدموعها إستحقت أن تسمع كلمات عزاء من فم الرب نفسه أعطنى يا رب ينابيع دموع كثيرة كما أعطيت منذ القديم للمرأة الخاطئة واجعلنى أبل قدميك اللتان أعتقتاني من طريق الضلالة ، وأقتنى لى عمراً نقياً بالتوبة لكي أسمع أنا ذلك الصوت الممتلى. فرحاً القائل " إن إيمانك خلصك".
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية
المزيد
21 سبتمبر 2025
إنجيل قداس الأحد الثانى من شهر توت لو 10 : 21 - 28
"و في تلك الساعة تهلل يسوع بالروح و قال احمدك ايها الاب رب السماء و الارض لانك اخفيت هذه عن الحكماء و الفهماء و اعلنتها للاطفال نعم ايها الاب لان هكذا صارت المسرة امامك و التفت الى تلاميذه و قال كل شيء قد دفع الي من ابي و ليس احد يعرف من هو الابن الا الاب و لا من هو الاب الا الابن و من اراد الابن ان يعلن له و التفت الى تلاميذه على انفراد و قال طوبى للعيون التي تنظر ما تنظرونه لاني اقول لكم ان انبياء كثيرين و ملوكا ارادوا ان ينظروا ما انتم تنظرون و لم ينظروا و ان يسمعوا ما انتم تسمعون و لم يسمعوا و اذا ناموسي قام يجربه قائلا يا معلم ماذا اعمل لارث الحياة الابدية فقال له ما هو مكتوب في الناموس كيف تقرا فاجاب و قال تحب الرب الهك من كل قلبك و من كل نفسك و من كل قدرتك و من كل فكرك و قريبك مثل نفسك فقال له بالصواب اجبت افعل هذا فتحيا".
يعوزك شيء واحد
وفيما هو خارج إلى الطريق ركض واحد وجثا وسأله أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لارث الحياة الأبدية ؟ فقال له يسوع أنت تعرف الوصايا لا تزن لا تقتل الخ فاجاب وقال يا معلم هذه كلها حفظتها منذ حداثي فنظر إليه يسوع وأحبه وقال له يعوزك شيء واحد أذهب وبع كل مالك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعنى حاملا الصليب فاغتم على القول ومضى حزيناً لأنه كان ذا أموال كثيرة ثم قال الرب للتلاميذ ما أعسر دخول المتكلين على الأموال إلى ملكوت الله .
سؤال للغنى :
ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية ؟
ان هذا الشاب على ما يبدو مهتم بحياته الابدية وميراث الملكوت فتراه يركض ويجثوا أمام الرب يسوع ويسأل كيف يرث الحياة الأبدية ؟ ولكن يسوع يمتحن قلب الذين يطلبون الملكوت وكثيراً ما يجيب على سؤالهم بسؤال ولكن سؤال يسوع ليس لعدم معرفته بأحوالنا ، ولكنه يدخلنا مباشرة إلى النور والطريق المؤدى إلى الحياة ويشجعنا لكي تدخل فيه فالرب يسوع يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون وهو لا يشاء موت الخاطى ولا يسر بهلاكه . بل ان الفتيلة المدخنة والقصبة المرضوضة لها رجاء عنده .
سؤال يسوع :
أنت تعرف الوصايا : لا تزن لا تقتل لا تسرق لا تشهد بالزور لا تسلب وأكرم أباك وأمك العجيب جداً أن الرب يسوع لم يذكر له الوصايا من أولها و تحب الرب إلهك من كل قلبك الخ إن الرب في حنانه يساله أولا عن الوصايا التي يعرفها والوصايا التى يحفظها وعندما أجاب الشاب بالايجاب نظر إليه الرب نظرة مملوءة حب ، نظرة تشجيع قائلا : يعوزك شيء واحد أذهب وبع كل أملاكك وأعط الفقراء ، فيكون لك كنز في السماء وتعال أتبعنى حاملا الصليب وهنا يكشف الرب أمراً في غاية الأهمية والخطورة :ماذا تنفع الوصايا بدون محبة الله من كل القلب ؟
قد يقول واحد "اللهم انى أشكرك انى لست مثل سائر الناس الخاطفين والظالمين والزنا أصوم مرتين كل أسبوع وأعطى عشراً من كل أموالى ؟
و لكن يا عزيزي هل تحب الله من كل القلب ؟ ما هي علاقتك الشخصية بالله هكذا قال الرب لهذا الشاب يعوزك محبتى من كل القلب أذهب أفعل هذا فمضى حزيناً لأنه كان يحب آخر؟ يحب العالم ، يحب المال من أراد أن يكون محباً للعالم فقد صار عدواً لله اني أؤثر يا ربى أن أكون فقيراً من أجل حبك على أن أكون غنياً بدونك أختار التغرب معك على الأرض أفضل من امتلاك السماء بدونك .
هناك نوع من المعرفة الكاذبة للوصايا الإلهية
معرفة عقلانية
مثل إنسان يحفظ وصايا المسيح عن ظهر قلب . ويناقش في الأمور الروحية ، ويتخيل في نفسه أنه يعرف الإنجيل بينما هو مرتبط بمحبة المال ، محبة العالم ، محبة الشهوات لمثل هذا الإنسان يقول الرب يسوع يعوزك شيء واحد أذهب وبع وتعال أتبعنى حاملا الصليب ان هذا الشاب لا يزنى ولا يقتل ولا يسرق ويكرم أباه وأمه فماذا يطلب منه الرب أكثر من هذا ؟
ألا يستحق مثل هذا الشاب التقى في عيني نفسه وفي عيني المجتمع أن يدخل الملكوت ؟ لو وجد مثل هذا الشاب في مجتمعنا الآن لمدحه الجميع من أجل أخلاقياته ومن أجل استقامته و لكن الملكوت لا يوهب من أجل الأخلاق ، ولكنه يعطى للمحبين لله من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة . هذا الأساس يجعل الفريسى الذى يصلى إلى الله ويصوم مرتين في الاسبوع ، مستحقاً للسكوت ولكن الرب يسوع يطالبنا بالوصية الأولى والعظمى ، تحب الرب إلهك من كل القلب ومن كل الفكر ومن كل القدرة وبدون هذه الوصية يصير كل شيء باطلا هناك أمثلة كثيرة طلب الرب إليهم أن يعملوا أموراً خارقة و فائقة للطبيعة فعملوها بفرح ووصلوا إلى ملكوت الله موسى أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون مفضلا بالأحرى أن يذل مع شعب الله ، حاسباً عار المسيح عنده غنى أفضل من كل خزائن مصر ابراهيم قال له الله سر أمامى وكن كاملا فسمع الصوت الإلهى وأطاع و لما قال له الله اترك أهلك وعشيرتك ، خرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي و لما قال له الله خذ ابنك وحيدك الذي تحبه و قدمه لى محرقة على الجبل الذي أعلمك به قام باكراً وقدم ابنه ولم يمسك ابنه الوحيد ولاوى قال له الله اتبعنى فقام من مكان الجباية وترك كل شيء وتبع الرب وهكذا بقية التلاميذ وتركنا كل شيء وتبعناك ،أما هذا الشاب فعندما قال أذهب وبع أملاكك واعط للفقراء فاغتم على الفور ومضى حزيناً . أين ما كان يبدو من اهتمام من أجل الملكوت ؟ لقد كان يركض ويجثو على ركبتيه أمام المخلص ويسأل بلهفة . و لكن عندما طلب منه أن يبذل شئ من أجل الملكوت اغتم هو يريد أن يحصل على الملكوت ولا يريد أن يبذل من أجل الملكوت .يريد أن يأخذ ولا يريد أن يعطى .مع أن ملكوت المسيح هو "الغبطة في العطاء أكثر من الأخذ " القديس العظيم الأنبا أنطونيوس سمع هذا الفصل من الإنجيل فى القرن الرابع ، فمضى على الفور وباع كل ما كان له ( ٣٠٠ فدان من أجود الأرض ) . ومع أن الشاب الذي سمعها لم تنفعه الكلمة . ولكن القديس أنطونيوس قبلها بفرح وخبأها في قلبه وخضع لناموسها ونفذها بشجاعة فرفعته الكلمة الإلهية إلى فوق وصار من أكبر القديسين الذين أرضوا الرب .
اتبعني حاملا الصليب.
هذا هو ملكوت المسيح الحقيقي ، وطريق الخلاص الذي يرفضه كثيرون ، لأن البعض يرسم صورة خيالية للملكوت ويطلبون راحتهم ومتعتهم ويتصورون الملكوت فرصة للذات البشرية وللتمتع ولكن ملكوت المسيح يبدأ بإنكار الذات و صلب الذات فنحن في المسيح نموت لنحيا حياة أبدية ونصلب معه لنقوم فيه ونسلك فى الحياة الجديدة الذين لا يقبلون صلب المسيح لا يكون لهم نصيب في مجده و قيامته، ومن الأمور اليقينية أن غنى هذا الشاب صار صخرة عثرة أمام خلاصه لقد صار غناه ترف ورفاهية وتلذذ وشهوات وما أبعد هذا الطريق عن الصليب ما أحوجنا إلى الصليب الذي يضع حداً لطغيان الأمور العادية في حياتنا ويسمر إنساننا العتيق ويصلبه فنتحرر من كل رباطات وعبودية هذا العالم ونختبر حرية مجد أولاد الله .
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية
المزيد
14 سبتمبر 2025
إنجيل قداس الأحد الأول من شهر توت لو ٧ : ٢٨ - ٣٥
"لأنى أقول لكم أنه بين المولودين من النساء ليس نبي أعظم من يوحنا المعمدان ولكن الأصغر في ملكوت الله أعظم منه و جميع الشعب إذ سمعوا العشارون برروا الله معتمدين بمعمودية يوحنا وأما الفريسيون والناموسيين فرفضوا مشورة الله من جهة أنفسهم غير معتمدين منه ثم قال الرب فمن أشبه إناس هذا الجيل وماذا يشبهون يشبهون أولاداً جالسين في السوق ينادون بعضهم بعضاً ويقولون زمرنا لكم فلم ترقصوا نحنا لكم فلم تبكوا لأنه جاء يوحنا المعمدان لا يأكل خبزاً ولا يشرب خمراً فتقولون به شيطان جاء إبن الإنسان يأكل ويشرب فتقولون هوذا إنسان أكول وشريب خمر محب للعشارين والخطاة والحكمة تبررت من جميع بنيها" .
يوحنا المعمدان
منذ أيام احتفلت الكنيسة بإستشهاد القديس يوحنا المعمدان (۲توت ) والكنيسة تضع القديس يوحنا المعمدان مقدما على مصاف القديسين والشهداء والنساك لأن يوحنا المعمدان بشهادة الرب نفسه أعظم مواليد النساء وقد حباه الرب بميزات فريدة و فائقة إذ ولد بوعد ورؤيا وكلام رئيس ملائكة من أبوين بارين سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم وامتلأ من بطن أمه من الروح القدس وسجد وارتكض بابتهاج أمام مركبة الشاروبيم العذراء القديسة وهي حاملة ابن الله الكلمة في بطنها ،كما رقص داود أمام تابوت العهد وهو الملاك الذى أرسله الرب قدامه بنبوات سابقة ليهيء الطريق قدامه ويرد قلوب الآباء ويهيي للرب شعباً مستعداً وهو الناسك ساكن البراري منذ نشأته والزاهد في العالم بكل مباهجه والعجيب في ملبسه ( وبر الأبل ومنطقه من جلد على حقويه ، وفي ما كله (كان يأ كل جراداً وعسلا برياً ) وفي انعزاله في القفار وهو وريث روح إيليا الناري وقوته والمتكلم بالحق بلا مواربة وبلا مجاملة وبلا خوف لا من رؤساء العالم ولا من كلام الناس وهو المتمسك بالله وبالحق الإلهى لا يتقلب ولا يتغير ولا يشاب قصبة تحركها الريح ولا متنعم في حرير وقصور الملوك وريائهم وتلونهم، بل ثابت فى إلهه كالجبل تعصف به الزوابع والاعاصير فيهزأ بها راسخاً لا يتزعزع وهو صوت الصراخ للغافلين والمتوانين في برارى العالم ليهدى التأئهين وينبه السكارى ويبكت الخطاة ويوقظ الضمير ويلهب القلب ، ويعمد بماء التوبة كل من يقبل إليه. ويكفى يوحنا المعمدان - الكاهن ابن الكاهن - أنه يستحق أن يعمد مخلصنا الصالح فى نهر الأردن ويرى الروح نازلا ومستقراً عليه ويسمع صوت الآب من السماء ( هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ) ويوحنا المعمدان هو الذي قدم المسيح للعالم على أنه حمل الله وكررها مراراً فهو بعين روحانية نبوية نظر إلى الحمل مذبوحاً مقدماً عن حياة العالم وهو أعلن لنا المسيح الذي يعمد بالروح القدس والنار ، والمسيح الديان الماسك رفشة في يده وينقى بيدره ويجمع القمح إلى المخازن ، أما التين فيحرق بنار لا تطفأ .
روح إيليا وروح ايزابيل
وقفت ايزابيل الشريرة في أيام إيليا تقاوم طريق الله وتخدم أنبياء البعل والنجاسات ، وعندما قتل إيليا بروحه الناري أنبياء البعل وبنى مذبح الرب المنهدم ورد الشعب رجوعاً إلى طريق الحياة مع الله ، هاجت ايزابيل واقسمت بوعد أن تقتل إيليا وتنتقم منه هكذا أيضاً وقفت هيروديا في أيام يوحنا المعمدان عندما شهد للحق ، ووقف ضد شهوات هيرودس و نجاسة هير وديا ، وقفت تتحين الفرص وتدبر المكائد حتى ألقى هيرودس الملك يوحنا المعمدان في السجن ولم تهدأ حتى قطع رأس يوحنا وقدم لها على طبق . وسواء كانت ايزابيل في أيام إيليا أو هيروديا أيام يوحنا المعمدان فانه لا يجب أن ننظر إليهما كمجرد أفراد ولكن الذهن الروحي يدرك أن ايزابيل وهيروديا تمثلان مبدأ ( الفداء لحق الله ومقاومة عبيد الله الحي وكل من يغار الرب غيرة روحية ) وقد تكتمل أمامنا شخصية ايزابيل وهيروديا عندما نقرأ عن المرأة الزانية التي رآها القديس يوحنا اللاهوتي في سفر الرؤيا جالسة على وحش له سبعة رؤوس وعشرة قرون ( السبعة رؤوس هي ٩٤م ٩٩سبعة ملوك والعشرة قرون أيضاً عشرة ملوك). إذن حيثما يوجد روح إيليا وروح يوحنا المعمدان ( روح الحق ) توجد روح ايزابيل وروح هيروديا (روح المقاومة ) ،وفى جميع الحالات نجد أن روح ايزابيل اخضعت السلطان الزمنى لمصلحتها فآخاب الملك وهيرودس ومن على شاكلتهم ليس أكثر من آلات طيعة في يد روح الزنى والشهوات روح ایزابیل .
لا يحل لك
ان روح يوحنا المعمدان لا تموت وصوت يوحنا المعمدان لا يسكت بموت الجسد قيل ان رأس يوحنا المعمدان وهي موضوعة على الطبق كانت تصرخ فى وجه هيرودس لا يحل لك أن تأخذ هيروديا إمرأة أخيك زوجة لك ، لقد أرادت هيروديا أن تسكت هذا الصوت الصارخ فطلبت أن يموت ولكن الصوت كان يزداد صراخاً في الضمير في الداخل . ولكن إلى متى تظل روح ايزابيل وهيروديا والمرأة الزانية تتمتع بسلطان وقوة وسطوة على أولاد الله ؟ إلى متى تطلب نفس إيليا وتقتل يوحنا المعمدان وتسكر من دم القديسين وشهداء الرب يسوع ؟! لان التاريخ فى الكتاب المقدس يعزينا جداً إذ يذكر نهاية ايزابيل الأليمة كيف أكلت الكلاب جسمها ولحست دمها ، وسفر الرؤيا يثبت إيماننا من جهة سقوط المرأة الزانية ودينونتها و في يوم واحد ستأتى ضرباتها موت و حزن وجوع وتحترق بالنار لان الرب الإله الذي يدينها قوى .
اولاد الله :
الآن نحن أولاد الله والروح الساكن فينا هو روح الحق ذاته الذي يعمل فى إيليا وملأ يوحنا المعمدان وروح ايزابيل تقف مضادة للحق في كل زمان وفى كل مكان . تستخدم شهواتها وسلطانها هيا يا اخوة نشهد للحق بلا خوف ونسلك بالروح ولا نكمل شهوة الجسد.هيا نشهد للحق في داخل أنفسنا، وقبل أن نقف أمام هيرودس الملك نقف كل واحد أمام نفسه وهي مائلة للشر ونقول و لا يحل لك ، هلم نراجع أنفسنا كم أخذنا بالوجوه وكم جاملنا الناس على حساب كلمة المسيح ؟
كم جبنا وإمتلانا خوفاً من مجرد تهديدات من روح ایزابیل فتركنا الحق وخفنا على مصالحنا ومادياتنا ومراكزنا وتنكرنا للمبادىء في لحظة من الزمان ؟
كم مرة تغاضينا عن الشهادة للحق واعتذرنا أمام أنفسنا
وأمام الآخرين بعدم مسئوليتنا عن الناس ؟
كم مرة احتفظنا بسلامنا خوفاً من مواجهة روح ايزابيل وفضلنا البعد والإنطواء عن الشهادة للحق ؟ إن صوت يوحنا يصرخ في ضميرنا ودم الشهادة للحق هو أغلى ما في كنيستنا هو كنزها و سرها لان كنيستنا هي أم الشهداءليعطينا الرب روح الشهادة له في السر والعلن بلا خوف
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية
المزيد
31 أغسطس 2024
إنجيل عشية الأحد الرابع من شهر مسرى( لو ۱۷ : ۲۰ - ۳۷ )
" ولَمَّا سألهُ الفَرِّيسيّونَ : متى يأتي ملكوت الله ؟. أجابهم وقال لا يأتي ملكوت الله بمُراقَبَةٍ، ولا يقولون: هوذا ههنا أو هوذا هناك! لأنها ملكوت الله داخلكم وقال للتلاميذ: ستأتي أيام فيها تشتهون أنْ تَرَوْا يوما واحِدًا مِنْ أَيَّامِ ابن الإنسان ولا تَرَوْنَ ويقولونَ لَكُمْ هوذا ههنا أو هوذا هناك لا تذهبوا ولا تتبعوا، لأنَّه كما أنَّ البرق الذي يَبْرُقُ مِنْ ناحيةٍ تحت السماء يُضيء إلى ناحيةٍ تحت السماء، كذلك يكون أيضًا ابن الإنسان في يومه ولكن ينبغي أوَّلاً أن يتألم كثيرًا ويُرفَضَ مِنْ هذا الجيل. وكما كان في أيام نوح كذلك يكون أيضًا في أيام ابن الإنسان: " كانوا يأكلون ويشربون، ويُزَوِّجون ويتزوجون، إلى اليوم الذي فيهِ دَخَلَ نوح الفلك، وجاء الطوفان وأهلك الجميع كذلك أيضًا كما كان في أيام لوط كانوا يأكُلُونَ ويشربون، ويشترون ويبيعون، ويغرسون ويبنون. ولكن اليوم الذي فيه خرج لوط من سدوم ، أمطَر نارًا وكبريتًا مِنَ السماء فأهلك الجميع. هكذا يكون في اليوم الذي فيه يُظهرُ ابن الإنسان. " في ذلك اليوم مَنْ كَانَ عَلَى السطح وأمتعَتُهُ في البَيتِ فلا يَنزِلْ ليأخُذها، والذي في الحقل كذلك لا يرجع إلى الوراء أذكروا امرأة لوط! مَنْ طَلَبَ أَنْ يُخَلِّص نَفْسَهُ يُهْلِكُها، ومَنْ أهلكها يُحييها. أقولُ لَكُمْ: إِنَّهُ فِي تِلكَ اللَّيْلَةِ يكون اثنانِ عَلَى فراش واحد، فيؤخذ الواحد ويُترك الآخر تكون اثنتان تطحنانِ مَعًا، فتؤخذ الواحِدَةُ وتُترَكُ الأُخرى يكون اثنان في الحقل، فيؤخَذُ الواحِدُ ويُترَكُ الْآخَرُ فأجابوا وقالوا له: أين يارب؟ فقالَ لَهُمْ: حَيثُ تكونُ الجنَّةُ هناك تجتَمِعُ النُّسُورُ ".
مجيء المسيح الثاني:
بنهاية السنة القبطية يصير دائمًا تذكار نهاية العالم وزواله، ولما انطوى عام، اقترب الإنسان من النهاية وكأنما السنين تقتطع من فترة وجودنا المحدودة على الأرض وهذا يُفرح قلب الإنسان الذي يشتهي السماويات وينتظر مجيء المسيح بفارغ الصبر . وعلى قدر ما يخيف هذا الأمر الذين وضعوا رجائهم في هذا العالم وعاشوا للجسد والأهواء إذ تكون لهم النهاية دينونة مخيفة ورعب على قدر ما هي مفرحة لأولاد الله لأن هذا هو وقت نوالهم الأكاليل عوض الأتعاب التي قاسوها فـــــــي هـــــذا العالم وفي إنجيل العشية ينبه المسيح ذهننا إلى أمور غاية في الأهمية:
١- لا يأتي ملكوت الله بمراقبة:
فالأمر ليس في مقدور ذهن الإنسان أن يراقبه بحسابات أو تكهنات، فالمسيح له المجد قطع في هذا الأمر أن اليوم والساعة لا يعرفها أحد ولا الملائكة، فكيف يسوغ للبشر أن يراقبوه؟ هو وحده يعرف يوم مجيئه وقد أخفاه عنا لنكون دائمًا مستعدين كعبيد أمناء ينتظرون متى يرجع سيدهم !! وهذا ما نصليه في قانون إيمان كل يوم وننتظر قيامة الموات وحياة الدهر الآتي" وعلى مدى تاريخ كنيستنا المجيدة لم ينشغل الآباء القديسون بحسابات أو دراسات في هذا الأمر على العكس ما فعلت كنائس كثيرة في العالم وباءت جميع هذه المحاولات بالفشل.
۲- ها ملكوت الله داخلكم
هذا هو الاهتمام الأول الذي يجب أن نكون فيه، ملكوت الله داخلنا، أي أن يملك المسيح على القلب والفكر والحواس والنيات فيصير هو الملك الحقيقي بعد أن ملكت الخطية علينا في الماضي في أيام الجهالة وإن كان ملكوت الله داخلنا فنحن ندرك أن ملكوت المسيح ليس من هذا العالم ولا هو شكل مملكة الناس الذين يتسلطون، بل هو ملكوت بالصليب، والبذل، وبالاتضاع بالحب فإن عشنا ملكوت الله وعاش ملكوت الله داخلنا فنحن نحيا في المسيح في هذه الفضائل التي هي سمات ملكوت الله.
٣- كما كان في أيام نوح
" بالإيمان نوح لما أُوحي إليه عن أمور لم تـر بعـد خــاف فبنى فلكا لخلاص بيته، فبه دان العالم، وصار وارثا للبرالذي حسب الإيمان" (عب ۷:۱۱) كان الطوفان نموذجًا مصغرًا للدينونة ومجازاة الشر والأشرار ونجاة الأبرار ، فيه غرق عالم الفجور والإثم بدون رحمة وقد دان نوح عالم الفجار إذ عاش أمينا الله "إياك وجدت بارًا في هذا الجيل". وقد كان الناس إلى يوم دخول نوح الفلك يمارسون حياتهم المستهترة في أكل وشرب وزنى ونجاسات إلى جانب الارتباك بالعالميات من بيع وشراء ومسرات وغرور وغياب عن الوعي. وكان نوح في نظرهم واهما يعيش في الخيال وكانت كرازته بالبر كلا شيء ولم تثمر كلماته في أحد حتى النجارين الذين بنوا الفلك هلكوا !!.
شيء محزن.
قال الرب محذرًا "إنه كما كان في أيام نوح كذلك يكون في يوم مجيئه، وهذا تشجيع لأولاد الله حتى لو كانوا أقلية قليلة لأن نوح وأسرته كانوا ثمانية أفراد بينما هلك كل العالم فإن بقينا قليلين شاهدين لحياة البر فلا يغرنك كثرة السائرين في الطريق الواسع المؤدي إلى الهلاك فالأمر ليس بالكثيرة وهذا أيضًا فيه تحذير للتوبة للذين يعيشون حياة الاستهتار ويقولون أين هو موعد مجيئه؟" فلا يصدقون أنه آت لتحذير ضمائرهم لكي يشربوا الإثم كالماء بلا نكد... ولكن ليعلم الجميع أن السماء والأرض تزولان ولكن كلامه لا يزول... هو طويل الأناة وبطئ الغضب وهو يعطي الجميع فرص للتوبة.
٤- كما كان في أيام لوط:
" كما أن سدوم وعمورة والمدن التي حولهما، إذ زنت على طريق مثلهما، ومضت وراء جسد آخر، جعلت عبرة، مكابدة عقاب نار أبدية" (رسالة يهوذا : ٧) " وإذ رمد مدينتي سدوم وعمورة حكم عليهما بالانقلاب،واضعا عبرة للعتيدين أن يفجروا ، وأنقذ لوطا البار مغلوباً من سيرة الأردياء في الدعارة" (٢بط ٢ : ٦ - ٢) هذا هو النموذج الثاني في تاريخ البشر المدون في الأسفار الإلهية الذي فيه كانت دينونة الفجار وقد خلص الرب مختاره لوطا البار.
ه - اذكروا امرأة لوط:
امرأة لوط تمثل القلب الراجع إلى خلف، والارتداد بالقلب إلى عالم الفجور والتعلق بالأملاك والمقتنيات وحطام الدنيا بينما كانت امرأة لوط سائرة مع لوط، وبينما يعجلهما ملاك الرب للخلاص من النار المحتم نزولها على عالم الفجور، وبينما هي بحسب الشكل تسرع خطاها إلى خارج سدوم كان قلبها راجعا إلى هناك !! وكان تحذير الملاك للوط لا تنظر إلى خلف، وهو تحذير جدير بالاعتبار لكل من يسعى في طريق الخلاص ويخرج تابعا كلام الله ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله ألم يكن قلب إسرائيل راجعا إلى خلف إلى أرض مصر وكانت شهوات الرجوع تحطم الشعب حتى أقسم الرب في غضبه عليهم أنهم لن يدخلوا راحته فحرموا من البلوغ إلى كنعان، وبأكثرهم لم يسر الله الخروج يجب أن يكون بقلب كامل مستقيم ونية وتصميم وتثبيت الوجه نحو أورشليم.
المفارقات في النهاية:
اثنان على فراش واحد يؤخذ ويترك الآخر""اثنتان تطحنان على الرحى تؤخذ الواحدة وتترك الأخرى" من حيث الشكل الخارجي في مدة غربتنا في هذا العالم فالأبرار والأشرار يعيشون جنبًا إلى جنب، في كل مصلحة وعمل في كل مدرسة وحقل في كل وظيفة وفي كل مجال من مجالات الحياة والفارق الجوهري هو الحياة الداخلية والهدف الذي يسعى إليه الإنسان، إن كان هو الحياة الأبدية أو أن الإنسان يسعى كأنه عن غير يقين أو إيمان في شيء هذا ما يميز الواحد عن الآخر فإن جاء يوم كشف الأسرار الداخلية، فيا مجد أولاد الله ويا للبهجة والسرور ويا للرجاء المعد والأكاليل المنتظرة فلا يغرنك المنظر الخارجي ولا تحكم بحسب الظاهر، فإن اليوم سيبينه. والمختارون سيُمجدون في يوم فرز الحنطة عن الزوان.
المتنيح القمص لوقا سيداروس
عن كتاب تأملات في أناجيل عشية الآحاد
المزيد
24 أغسطس 2024
إنجيل عشية الأحد الثالث من شهر مسرى ( لو ١١ : ٢٧ - ٣٦)
" وفيما هو يتكلم بهذا ، رَفَعَتِ امرأة صوتها مِنَ الجمع وقالت له: طوبى للبطن الذي حَمَلكَ والثديين اللذين رَضِعتَهُما . أما هو فقال: بل طوبى للذين يسمعونَ كلام الله ويَحْفَظُونَهُ وفيما كانَ الجُموع مُزْدَحِمِينَ، ابتدأ يقولُ: هذا الجيلُ شِرِّيرٌ. يَطلُبُ آيةً، ولا تُعطى له آيةٌ إلا آية يونان النبي. لأنَّهُ كما كان يونان آيةً لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضًا لهذا الجيل. مَلِكَةُ التَّيمَنِ ستقوم في الدين مع رجال هذا الجيل وتدينهم، لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمعَ حِكمَةَ سليمان، وهوذا أعظَمُ مِنْ سُليمان ههنا رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنَّهم تابوا بمناداة يونان، وهوذا أعظم من يونان ههنا!ليس أحَدٌ يوقد سراجًا وَيَضَعُهُ في خِفْيَةٍ ولا تحت المكيال، بل على المَنَارَةِ، لِكَيْ يَنظُرَ الداخلون النور. سراج الجَسَدِ هو العَينُ، فَمَتَى كانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيْرًا، وَمَتَى كانت شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ يكونُ مُظْلِمًا. انظُرْ إِذَا لِئلا يكون النور الذي فيكَ ظُلمَةً. فَإِنْ كَانَ جَسَدُكَ كُلُّهُ نيرًا ليس فيهِ جُزء مُظلم، يكون نَيْرًا كُلُّه، كما حينما يُضيء لكَ السَّراجُ بِلَمَعانِهِ ".
رفعت امرأة صوتها :
يتواكب الأحد الثالث من مسرى مع عيد السيدة العذراء القديسة مريم الذي يقع في ١٦ مسرى في نهاية الصوم المدعو باسمها المبارك فصل إنجيل العشية يسجل أول تطويب من عامة الشعب، لأن القديسة أليصابات كانت أول من طوب العذراء مريم حين تصاغرت أمامها وهى امرأة متقدمة في أيامها وزوجها كاهن شيخ وقور وهي حامل بابن ليس في مواليد النساء أعظم منه، فحين دخلت إليها القديسة العذراء مريم وسلمت عليها بالسلام الروحاني وهى حاملة الكلمة المتجسد في بطنها البتولي صرخت أليصابات بالروح وقالت: "من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلي طوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب" وتطويب أليصابات معتبر أنه تطويب من عشيرة الكهنوت. وطوبتها أليصابات حين ارتكض الجنين في بطنها ساجدًا للذي كونه من العدم ومبتهجا راكضًا للقاء سيده، وحين امتلأت أليصابات هي وجنينها من الروح القدس بسبب كلام مريم أم الله الكلمة أما إنجيل العشية فيسجل تطويب امرأة من عامة الشعب جالسة مستمعة لتعاليم الرب ومن شدة انفعالها بالروح رفعت صوتها وقالت: "طوبى للبطن الذي حملك وللثديين الذين رضعتهما" وقد خرجت هذه المرأة عن مألوف العادة في زمانها فقبيح بالمرأة أن ترفع صوتها في وسط جمع غفير كهذا وفي وسط رجال مجتمعين هذا عددهم ولكنها تجاوزت كل هذا وتخطت العادات ومثل زكا الذي لم يعبأ بماذا يقول الناس عنه، أو كمثل المرأة الخاطئة التي ارتفعت فوق العيون التي نظرت إليها بالاحتقار أو النقد والدينونة، شقت طريقها إلى قدمي يسوع هكذا صرخت هذه المرأة لتمدح أم الله وتطوبها بصوت عال كقائدة وكباكورة ملايين الملايين الذين تبعوها يطوبون العذراء إلى جيل الأجيال ويخيل إلي أن هذه المرأة كمثل مريم النبية أخت هارون حين أخذت الدف بيدها وبدأت بنشيد التسبيح وتبعتها النسوة بل وكل جماعة بني إسرائيل قائلين: "تعالوا نسبح الرب لأنه بالمجد قد تمجد" هكذا بدأت هذه المرأة نشيد تطويب العذراء أم المسيح التي حملت الرب في بطنها تسعة أشهر وأرضعته من ثديها الطاهرة قال أحد الآباء إن الخليقة كلها تهللت بمجيء المسيح متجسدا فقدم له عالم الفلك نجمًا فريدًا وقدم له عالم الحيوان ما كان لخدمته في أيام تجسده، أما البشرية فقدمت له أما عذراء ويلذ لنا نحن المؤمنين أن نتأمل عمق العلاقة التي ربطت أمنا العذراء بابنها الوحيد ، كيف عاشت التسعة أشهر وهي حاملة السر الإلهي والروح القدس حال عليها وقوة العلي مظللة عليها !! وليس كما يزعم قوم أنها حال ولدت ابنها الإلهي فقد انتهت العلاقة التي تربطها به فهى كعلبة الجواهر، فإن أخذنا الجوهرة فما حاجتنا إلى علبة وهذا كلام غير الروحيين والمحرومين من أمومة الأم العذراء فهي بعد أن ولدته أرضعته من ثدييها الطاهرين، فإن كان قد أخذ ناسوته منها متجسدًا في الحشاء البتولي، فقد نما جسده الإلهي الذي كان ينمو في النعمة والقامة، نما أيضًا متغذيا على لبنها فلم تنقطع هذه الصلة السرية جدا وغير المقترب إليها بالفعل لم تنقطع بالولادة !!
طوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب هذا تطويب أليصابات طوبى للذين يسمعون كلام الله ويعملونه وهذا تعليق الرب على تطويب المرأة فالعذراء مطوبة أولاً من أجل إيمانها الفائق الوصف الذي تجاوز المعقول حين أحنت رأسها أمام الرب خاضعة وقائلة "هوذا أنا أمة الرب" بحضور شاهد سماوي هو رئيس الملائكة جبرائيل المبشر والإيمان هو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى ولم يبلغ إنسان على وجه الأرض إلى ثقة العذراء ورجائها، ولم يصل أحد قط إلى قامة يقينها بما لا يرى، لقد حملت غير المرئي كمرئي ومحسوس واحتوت غير الزمني الذي صار في بطنها تحت الزمان. يا للعجب !!.
أليصابات شاهدة عيان على هذا الإيمان فرأت في العذراء إيمانها وكمال مواعيد الله ولمست عن قرب وهي تحتضن العذراء ما هو أعلى من فكر الملائكة فطوبت إيمانها وطوبت أمومتها للرب عن يقين الرؤيا والتلامس ونطقت بشهادتها مؤازرة بملء الروح القدس في تلك اللحظات أما هذه المرأة فلم تر العذراء ولا عرفتها المعرفة الشخصية، فهى تمثل باقي البشرية لكل الأجيال، ولكنها رأت ثمرة بطنها التي قالت عنها أليصابات أيضًا "مباركة أنت في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك" ها هي هذه المرأة تسمع ثمرة بطن العذراء - يسوع المسيح - فتنفعل بالروح لتنطق بباكورة تطويب العذراء فيجيب المسيح له المجد : بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه"، فالعذراء وإن كان لها الإيمان الفريد ولكنها فوق الكل أيضًا في سماع كلام الله وحفظه، فهى التي حوت الكلمة متجسدًا في أحشائها، وخبأت الكلمة متفكرة بها في قلبها ومن يعرف أسرار هذا أو ذلك في حياتها التي هي أعلى من السماوات ؟!!
بقي أن تفرح قلبها كأم إن سلكنا في طاعة المسيح وحفظنا وصاياه، لأن فرح الأم دائما يكون بنجاح أولادها فإن أحببنا المسيح من كل القلب وحفظنا وصاياه نكون قد فرحنا قلب أمنا وحين نطوبها نطوبها لا بالكلام بل بالعمل والحق قال أحد الآباء للعذراء القديسة : أنت أم الله (يسوع المسيح) وأم الخاطئ (أنا) في آن واحد أم الديان العادل وأم المذنب ، فاطلبي إلى ابنك الإله أن يترفق بالخاطئ ويرحمه قوية هي شفاعتك ومقبولة عند الذي ولدته اشفعي فينا.
المتنيح القمص لوقا سيداروس
عن كتاب تأملات في أناجيل عشية الآحاد
المزيد
17 أغسطس 2024
إنجيل عشية الأحد الثاني من شهر مسرى( لو ١٨ : ٩ - ١٤ )
" وقالَ لِقَوْمٍ واثقين بأنفُسِهِمْ أَنهم أبرار، وَيَحْتَقِرُونَ الآخرين هذا المثل: إنسانان صعدا إلى الهيكل ليُصَلِّيا، واحِدٌ فريسي والآخَرُ عَشَارٌ. أَمَّا الفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هكذا : اللَّهُمَّ أنا أشكُرُكَ أني لستُ مِثْلَ باقي الناس الخاطفين الظَّالِمِينَ الزُّناةِ، ولا مثل هذا العشار. " أصومُ مَرَّتَين في الأسبوع، وأَعَشرُ كُلَّ ما أقتنيه . " وأمّا العَشَارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لَا يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحوَ السماء، بل قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قائلاً: اللَّهُمَّ ارحمني، أنا الخاطئ. أقولُ لَكُمْ: إِنَّ هَذا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دونَ ذاكَ، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ،وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ ".
يسوع المخلص:
إن الرب يسوع في تعليمه الإلهي يلمس مواضع أوجاع البشرية كمخلص، فهو يكشف عوار النفس لأن عينيه تخترقان أستار الظلام وهو قابل الصلاة الذي يأتي إليه كل بشر ، وهو العارف بقلب كل واحد وكل شيء مكشوف وعريان أمامه، وتصعد إليه من قلوب أصفيائه كلمات الصلاة مختلطة بعواطف زكية تستقيم كالبخور الصاعد إلى عنان السماء، بينما تكون صلاة الأشرار مكرهة قدامه إذ تكون مختلطة بدنس القلب ولو زينت بأجمل الكلمات. فالله يقبل الصلاة لا من اللسان والكلام بل من القلب حيث يكمن كنز الإنسان... يا ابني أعطني قلبك"... "ليس كل من يقول لي يارب يارب"... "لا تكرروا الكلام باطلاً كالأمم، فإنهم يظنون أنه بكثرة كلامهم يستجاب لهم".
راجع (مت ٦ : ٧).إذا لنحذر ونقدم الصلاة دائمًا من القلب ولا تكن صلواتنا ترديدات وكلمات، ولنتعلم أنه في حالة وقوفنا أمامه يحكم على صلاتنا إما للبر كالعشار وإما بالرفض مثل الفريسي الذي صارت صلاته دينونة وحسبت صلاته عليه وليست له.
البار في عيني نفسه:
قال لقوم واثقين بأنفسهم أنهم أبرار". هذا هو أصل الداء، الذي أراد الرب بهذا المثل أن يخلصنا منه ويطهر قلوبنا وأذهاننا من هذا العيب القاتل. والحقيقة أن هذا المرض والانحراف في الحياة الروحية يصيب بالأكثر المواظبين على العبادة والصلاة، وقد تكون الثقة في الذات من حيث المعرفة أو الحكمة أو الإمكانيات الذاتية أو القدرات أو المهارات. وقد نبه الكتاب المقدس "فإني لست أريد أيها الأخوة أن تجهلوا هذا السر، لئلا تكونوا عند أنفسكم حكماء" (رو ۱۱: ٢٥) ، "ليمدحك الغريب لا فمك "(ام٢:٢٧) وقد يثق الإنسان في فهمه فيضل طريقه ويتعثر كثيرًا لأن الكتاب يقول : "توكل على الرب بكل قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد" (أم ٣: ٥).ويقول: "لا يخد عن أحد نفسه. إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر ، فليصر جاهلاً لكي يصير حكيمًا"(١كو١٨:٣)
ويقع الإنسان في غباوة الذين إذ كانوا حكماء في أعين أنفسهم فإنهم لا يفهمون مكنونات الحكمة الإلهية، أما أن يثق الإنسان في بره وتقواه وصلاحه فهذا أمر مخيف حقا. فالمثل قاله الرب لأناس واثقين بأنفسهم من جهة البر... يا للغباوة التي أصابت الذهن، والعمى الروحي الدافع إلى الهلاك. إن هذا المرض الخطير صار ظاهرة متفشية في أيامنا تحتاج إلى مراجعات كثيرة من أين تأتي الثقة بالنفس بأن يكون الإنسان بارًا في عيني نفسه؟!.
الواقع أن ذلك يرجع لانطماس البصيرة الروحية فلم يعد الإنسان يرى خطاياه ولا ضعفاته، بل يرى أنه غني وأنه استغنى ولا حاجة له إلى شيء وهو كما يقول سفر الرؤيا:"لأنك تقول: إني أنا غني وقد استغنيت، ولا حاجة لي إلى شيء، ولست تعلم أنك أنت الشقي والبائس وفقير وأعمى وعريان" (رؤ ۳: ۱۷). إنه إنسان نسي تطهير خطاياه السابقة،نسي أن الله ينظر إلى السماء ذاتها وكأنها غير طاهرة قدام عينيه وإلى ملائكته ينسب حماقة "هوذا عبيده لا يأتمنهم، وإلى ملائكته ينسب حماقة" (أي ١٨:٤). غاب عن ذهن هذا الإنسان موقف الآباء القديسين الذين كان منهجهم الإنجيلي واضحًا "كذلك أنتم أيضًا، متى فعلتم كل ما أُمرتم به فقولوا : إنَّنا عبيد بطالُون، لأننا إنَّما عملنا ما كان يجب علينا" (لو ۱۷ : ۱۰). الذين وضعوا أمامهم قول الرب: "فإني أقول لكم: إنكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات" (مت ه: ۲۰). إن البار في عيني نفسه لا يرى سواها، هذا نوع من تأله الذات... بل إن العبادة كلها تتحول إلى مظاهر تعود بالمدح على الذات وإثبات برها أمام الناس وتضخمها في عين صاحبها ... يصوم لينظره الناس، يُصلي ويتصدق سعيا وراء تمجيد الذات، ويمارس عبادات ونسكيات كثيرة لتأكيد البر الذاتي... وكل هذا يعمله بحبكة وحرفية رهيبة. وعندما تقع على هذا المسكين حيل الذات الخبيثة يصدق زيفها ويقتنع بإتقان دورها الذي أخذت فيه الصدارة في مجال أعمال البر وحفظ الوصايا والواقع المر أن الإنسان أبعد ما يكون عن البر في عيني الله، إذ يكون قد استوفى أجره كاملاً مدحًا من الناس ومدحا من نفسه لنفسه.
ويحتقرون الآخرين:
إن البار في عيني نفسه لا يرى في غيره فضيلة، ولكن عينه تبحث عن نقائص الناس، وإذ يقيس غيره على ذاته المتعظمة المتألهة يتضاءل شأن الناس جميعًا في نظره من ناحية البر والفضيلة مهما كان شأنهم ولو أن الفريسي اكتفى بمدح نفسه وإظهار بره الكاذب أمام الله لهان الأمر، ولكنه تعدى ذلك إلى ذم الناس عامة ثم تعدى بالأكثر إلى احتقار العشار الواقف بجواره. على العكس تماما كان الآباء القديسون ... ما نظروا إنسانًا قط إلا ورأوا فيه فضيلة وتعلموا منه درسا وما قارنوا أنفسهم بأحد إلا ووجدوا أنفسهم في الموازين إلى فوق.
العين البسيطة:
قيل إن أحد الآباء ذهب إلى أبيه الروحي في البرية حزينًا متألما فلما سأله أبوه عن سبب حزنه قال له: لقد جلست في قلايتي أعدد فضائل أخي فوجدتها ثلاثين فضيلة، ولما بحثت في نفسي بالمقارنة لم أجد فضيلة واحدة... فعزاه أبوه الروحي قائلاً : إن رؤيتك لفضائل أخيك بينما لم تر في نفسك غير النقص هذا في حد ذاته يعتبر فضيلة الفضائل، يا للعين البسيطة النقية التي ترى فضائل الناس وحين تبحث عن العيوب لا تجدها سوى في نفسها.
محتقر الآخرين:
كيف يصل الإنسان إلى احتقار الآخرين؟.
لا شك أن العين إذا امتلأت شرًا لا ترى سوى من خلال شرها فترى شرًا في كل أحد. "لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها" (مت ۷: ۳).المحتقر الآخرين يقود الناس إلى الرجم كبريء، ولكن ماذا يفعل حينما يواجهه الرب بالكتابة أي سجل خطاياه السالفة ويقول : من منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر ؟ المحتقر الآخرين هو مخدوع مأخوذ في حفرة من أعلمه بقلوب الناس وسرائرهم من أنت يا من تدين عبد غيرك هو لمولاه المحتقر الآخرين لا يلتمس عذرًا لأخيه في خطيته لا يرحم ولا يعرف سبيلاً للمحبة بحسب المسيح. الآباء القديسون عندما رأوا خطايا آخرين ستروها بالمحبة وتوبوا أصحابها بمسلك روحاني "أيها الإخوة، إن انسبق إنسان فأخذ في زلة ما ، فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة، ناظرًا إلى نفسك لئلا تجرب أنت أيضًا" (غل ٦ : ١). وعندما رأوا أخا يخطى اعتبروها خطيتهم الخاصة وبكوا وناحوا وصلوا وتضرعوا ولم يحتقروه !!. "وقال القَوْم واثقين بأنفُسِهم أنهم أبرار، ويحتقرون الآخرين هذا المثل" (لو ۱۸ :۹) ، مثل الفريسي والعشار. إنسانان صعدا إلى الهيكل ليصليا":
هذه بداية كلام الرب شافي نفوسنا فالفريسي والعشار أولاً وآخرًا هما إنسانان أمام الله والإنسان ضعيف مهما عظم شأنه، صغير مهما كبر ، إنهما أمام الله إنسانان. عندما نقف للصلاة نصير أمامه مجردين تماما لا اسم ولا رتبة ولا وظيفة ولا لقب ولا شكل ولا شيء بالمرة. فأنت قبل وبعد كل شيء الإنسان مولود المرأة قليل الأيام وشبعان تعبا" (أي ١٤: ١). وما أجمل العبارة التي قالها إشعياء النبي: "كفوا عن الإنسان الذي في أنفه نسمة، لأنه ماذا يُحسب" (إش ۲: ۲۲). القديسون العظام حينما وقفوا أمام الله ما وجدوا شيئًا يتقدمون به إلى الله فوقفوا أمامه عراه وضعفاء لم يضبطوا قوة كدانيال، وكإبراهيم أب الآباء حين قال: "إني قد شرعت أن أكلم المولى وأنا تُراب ورماد" (تك ۱۸: ۲۷)، وأيوب الصديق يقول: "لذلك أرفض وأندَم في التراب والرماد" (أي ٦:٤٢)، وداود النبي يقول : "يارب، أي شيء هو الإنسان حتى تعرفه، أو ابن الإنسان حتى تفتكر به" (مز ١٤٤: ٣)، ويقول: لصقت بالتراب نفسي، فأحيني حسب كلمتك " (مز (۱۱۹ : ٢٥). الإنسان عرضة للتغير، عرضة للضعف، عرضة للسقوط لولا نعمة الله معه. فكم من إنسان بدأ بالروح وكمل بالجسد، كم من إنسان سما في الفضيلة ثم سقط من رتبته !! وعلى العكس كم من إنسان رفعه الله من المزبلة ليجلس مع رؤساء شعبه راجع مت (۱۹ :۳۰). ولكن الفريسي نسي في صلاته أنه إنسان!! يا للحسرة نسي أنه نفخة وتراب وبخار !! وضع الرب أمامنا هذا النموذج "اللهم أنا أشكرك أني لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشار أصوم مرتين في الأسبوع وأعشر كل ما أقتنيه" ترى هل تُسمي هذه صلاة ؟ إنه واقف أمام الله
لا ليأخذ بل كأنه يُعطي !!
إنه الشعور بتكميل الواجبات نحو الله. ماذا يريد الله مني بعد ذلك؟ ليس له عندي شيء !! إنه شعور مؤسف حقا كأن الإنسان يتفضل على الله. ما هي صلواتنا وما هي أصوامنا وما هي عشورنا في حد ذاتها ؟ هل الله محتاج إلى هذه كلها ؟ حاشا . هل الله معوز لعبادتنا ؟ ماذا لو لم يقدم إنسان كل هذه الأمور هل ينقص الله شيء ؟
إن الله هو مصدر النعم، وأصل كل بركة ومنه وله كل الأشياء نحن حينما نُصلي نأخذ من الله، وحينما نصوم نأخذ من الله، وحينما نُعطي نأخذ من الله. هو المنعم دائما المعطي بسخاء ، الكريم في التوزيع... "كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار، الذي ليس عنده تغيير ولا ظلُّ دَوَران" (یع ۱: ۱۷).
مقارنة مغلوطة
تلك المقارنة في كلمات الفريسي تحوي خداعًا قاتلاً قد يكون في كلام الفريسي شيء من الصدق أنه ليس مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة. والسؤال لماذا قاس نفسه بهذه العينات الساقطة من الناس ؟ لماذا لم يقارن نفسه بالقديسين والأبرار والشهداء الذين أحبوا الرب حتى الموت؟! لماذا لم يقارن صلواته بصلوات الأبرار التي تقتدر كثيرًا في فعلها كصلاة نحميا وعزرا ودانيال والثلاثة فتية القديسين في أتون النار ؟!
لماذا لم يقارن صومه بأصوام الأبرار ؟ كموسى وإيليا اللذين صاما أربعين يومًا كاملة، ولا بصوم أستير بتذللها حتى استدرت مراحم الرب، ولا بصوم أهل نينوى الذين رفع الله غضبه عنهم ؟! ولكنه وضع أمامه أمثلة ضعيفة ساقطة منحرفة لكي يزكي ذاته.
إنه يصوم مرتين كل أسبوع:
وهكذا من جهة العطاء : إنه يعشر كل ما يقتنيه... ألم يكشف الرب عوار الفريسيين حين قال: "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع والشبت والكمون، وتركتم أثقل الناموس : الحق والرحمة والإيمان. كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك" (مت ۲۳ : ۲۳).تعشرون النعنع والبقول وتأكلون بيوت الأرامل، أيها الفريسي الأعمى تُصلي قائمًا في زوايا الشوارع لكي ينظرك الناس مزكى من الخارج وبواطنك مملوءة غش مثل قبر مبيض؟ ما أكره الرياء !.
ما أحقرك أيتها الفريسية التي حجبت وجه الله فردت صلاة الفريسي الأعمى إلى حضنه وأرجعت كلماته إليه بعد أن أُغلقت السماء دونها !.
القياس السلبي:
القياس إلى أناس فاسدي الرأي وعادمي الذهن، والمقارنة بالمستويات الدون والسلوكيات البغيضة تؤله الذات وتجعل الإنسان بارًا في عيني نفسه، أليس هذا هو منطق كثيرين حين تبلغ إليهم كلمة الإنجيل منبهة. فيقول قائل: "أنا إنسان لا أؤذي أحدًا ولا أضر أحدًا ولا أضمر لإنسان شرا ولا أحلف ولا أشتم ولم أسرق ولم أزن وهكذا ببساطة شديدة يبرر الإنسان ذاته ويبدو كأنه غير ناقص وغير محتاج. أو قل أنه قد وصل إلى الكمال الروحي لقد وقع المسكين في الفخ وقاس نفسه بقياس مغلوط. إن قياسنا الصحيح هو ملء قامة المسيح. والسعي إلى أن نبلغ الذي من أجله قد أدركنا المسيح لعلنا نبلغ إلى قيامة الأموات والرب ترك لنا مثالاً لنقتفي آثار خطواته... فإن عرفنا هذا فلنخرج على آثار الغنم لكي لا تضل أقدامنا سبل الحياة ... لنخرج على آثار الآباء في الفضيلة والسعي وراء المسيح وإنكار الذات والحب الحقيقي والاتضاع الكامل "كونوا متمثلين بي ما أنا أيضًا بالمسيح" (۱کو ۱۱: ۱).
ولا مثل هذا العشار
يا ليتك كنت مثل هذا العشار الكنيسة وضعت في أفواهنا كلمات العشار نكررها كل يوم في الصلاة وصار منهج العشار في قرع صدره وتنكيس رأسه وخفض نظره في خوف ورعدة كثيرة صار كل هذا نموذجا رائعًا يُحتذى به في كنيسة الله!!. أما الفريسي فلم ير شيئًا في هذا العشار سوى خطايا منظره الخارجي. ألم يصر العشار "متى" واحدًا من الاثنى عشر رسولاً الأطهار تلاميذ الرب الذين صاروا أساسات سور أورشليم السمائية - ليتك يا أخي تبرأ من إطلاق لسانك بالجيد والرديء على الناس - العبرة بالنهايات دائما قال الرب للفريسيين: "العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله" (مت ۲۱: ۳۱).
صلاة العشار :
أما العشار فوقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء. قال أحد الآباء : إن صلاة العشار غلبت الله الذي لا يغلب لماذا وقف من بعيد. إنه شاعر أنه ليس له جرأة ولا جسارة ولا قدوم بسبب خطاياه. إنه يشعر في أعماقه ببعد المسافة بينه وبين الله القدوس لذلك وقف من بعيد أية خلطة للبر مع الأثم ؟ بأي استحقاق يقف أمام قدوس القديسين الساكن في النور الذي لا يُدنى منه؟ كيف يتقرب إليه إنسان خاطئ. هو ذات الشعور الذي سكن قلب المرأة الخاطئة فجاءت من وراء الرب عند قدميه باكية. الخوف والرعدة هما الإحساس الطبيعي للقلب المتضع عندما يتراءى أمام الله. إشعياء النبي اعتراه خوف عندما رأى السيد الرب جالسًا على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل فصرخ قائلاً: "فقلت: ويل لي! إني هلكت،لأني إنسان نجس الشفتين" (إش ٦ : ٥). ذات الشعور اجتاح قلب بطرس عند صيد السمك الكثير فطلب إلى الرب قائلاً : "اخرج من سفينتي يارب، لأني رجل خاطئ" (لوه: (٨). من يستطيع أن يقترب إلى غير المتقرب منه ... إن اجتراء الفريسي وجسارته مغشوشة ومكروهة لأن دافعها هو الكبرياء والثقة بالنفس. إنه بار ماذا يمنعه من الوقوف أمام الله ، لقد تطهر بغسلات خارجية وصار واثقا في نفسه أنه ليس ما يعيبه أو يخيفه فاجترأ بغير معرفة كما يدخل إلى النار الآكلة بغباوة وثقة في النفس فإنه في الحال يحترق، لأنه ماذا يكون الإنسان في مثل هذه المواجهة. أما العشار فقد عرف نفسه واثقا أنه خاطئ وضعيف وليس له أن يقف في الهيكل. ولكن احتياجه يدفعه وشعوره بالهلاك والضياع بعيدًا عن الله جعله يهرب إلى الله... إنه يتقدم بشعور المحتاج لا بشعور المستحق، لذلك وقف من بعيد كمن يتوسل ويستجدي . الدالة عند الله تكون قوية إذا كانت مصحوبة بالاتضاع لا بالكبرياء ... بالبر الحقيقي لا بتزييف البر وتصنع القداسة.
لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء :
هكذا كانت عيني العشار منكسرة في اتضاع عجيب، من الذي يرى هذا المنظر ولا يرق له !! إنه بوقفته هذه وعينيه الذابلتين قد استجلب المراحم الإلهية. صارت عيناه كعيني العبيد إلى أيدي مواليهم ومثل عيني الأمة إلى يدي سيدتها. يقول المرنم : "كذلك أعيننا نحو الرب إلهنا حتى يتراءف علينا"(مز ۱۲۳ : ۲)قال الرب لعروس النشيد حولي عني عينيك فإنهما قد غلبتاني" (نش ٦ : ٥)بل قرع صدره قائلاً: "اللهم ارحمني أنا الخاطئ" ما أن تسلمت الكنيسة من فم الرب هذا التعليم عن الصلاة حتى جعلته منهجًا للتوبة في كل مناسبة، فصار قرع الصدر والوقوف في خشوع وخفض النظر إلى أسفل... صار كل هذا يُسلم من جيل إلى جيل كتعبير صادق للتوبة والرجوع والإحساس بوجع الخطية وطلب المراحم.ففي صلاة الغروب نقول : فما أجسر أن أنظر نحو السماء لكني اتكل على غنى رحمتك ومحبتك للبشرية صارخا قائلاً : اللهم اغفر لي أنا الخاطئ وارحمني"، وكذا في صلاة النوم نقول : لكني اتخذ صورة العشار قارعًا صدري قائلاً : اللهم ارحمني أنا الخاطئ". هنا تضع الكنيسة حركات توبة العشار كأيقونة دائمة للوصول إلى وقفة صحيحة مقبولة. فأوضاع الجسد مقترنة مع خلجات النفس. فإن انسحقت النفس ولصقت بالتراب صار الجسد شريكا ومعبرا عن حركات التوبة. فدموع المرأة الخاطئة، وقبلاتها التي لم تكف على قدمي المخلص، وارتماء الابن الراجع عند قدمي أبيه، وسجود سمعان في سفينته، خرّ عند قدمي يسوع قائلاً: "اخرج من سفينتي يارب" (لوه: ۸)، إلى آخر هذه الأمور صادقة التعبيرصارت أساسا من أساسات العبادة المقبولة والمرضية لدى الرب إلهنا والكنيسة تضع أيضاً صلاة العشار في أفواهنا كل يوم لننال ذات التبرير إذا نطقناها بانسحاق العشار وشوقه للخلاص. ففي ذكصولوجية الصوم المقدس نستعرض عينات للتوبة والتذلل المقبول أمام الله والذين نالوا نعمة الخلاص بالصلاة المنسحقة مثل المرأة الخاطئة واللص اليمين وأهل نينوى. وفي مقدمة هؤلاء تجيء صلاة العشار فنقول: اجعلني
مثل العشار الذي أخطأ إليك وتراءفت عليه وغفرت له خطاياه" وفي ختام الثيئوطوكيات الآدام نقول : "فإن العشار اخترته والزانية غفرت لها واللص اليمين يا سيدي ذكرته.وفي مديحة تقال في شهر كيهك على أبصالية يوم الأحد نقول: "أصرخ بصوت العشار وأنا بوجه مطاطئ... اللهماغفر لي الأوزار فإني عبد خاطئ".
في القداس
بل إن الكنيسة كلها وهي في قمة صلواتها في القداس تقف من الرب موقف العشار المغبوط في نهاية القداس بعد صلوات القسمة حين ينادي الشماس قائلاً: "احنوا رؤوسكم أمام الرب" أي قفوا مثل العشار الذي لم يشأ أن يرفع عينيه نحو السماء ، ويجاوبه الشعب قائلاً : أمامك يارب"، فيقول الشماس: "أنصتوا بخوف الله". وهنا يقرأ الكاهن التحليل ويطلب غفران للشعب الذين أحنوا رؤوسهم تحت يدك ارفعهم في السيرة وزينهم بالفضائل". وهنا ندرك أن الكنيسة ترجمت الإنجيل المكتوب إلى حياة وحولت حركات العشار إلى واقع في حياة أبنائها واستلهمت كلمات التوبة عينها لكي تبلغ بها إلى بر المسيح نزل إلى بيته مبررًا "ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء لأن من عرف فكر الرب؟ أو من صار له مشيرا" (رو ١١: ٣٣ - ٣٤). كما علت السموات عن الأرض هكذا علت طرق الرب. الفريسي في عين الناس ممدوح وممجد، معروف و مشهور بالتدقيق وحفظ الناموس ومميز بين الجميع، يشيرون إليه في كل مكان كإنسان بار ومتدين ملابسه تميزه، وشكله وتصرفاته الظاهرة. يُصلي قائمًا في زوايا الشوارع. يصوم معبسًا وجهه لكي ينظره الناس. يُعطي العشور بتدقيق بالغ حتى عيدان النعناع والشبت والكمون. وهكذا على العكس بحسب حكم الناس ونظرتهم يكون العشار ... مكروها مهانا من الجميع معروفًا بخطاياه وظلمه الخ.هذه هي أحكام الناس، بحسب المظهر الخارجي... فإن صلى الفريسي والحال هذا ، مدحه الناس على صلاته وقيامه وتدقيقه، وإن صلى العشار انتقده الناس وظنوا أنه لا يمكن أن يكون مقبولاً لدى الله. ولكن الرب يشهد في هذا المثل الصلاة العشار يقبلها ويتقبلها ويتنفسها رائحة رضى وسرور بينما يرفض صلاة الفريسي فيخرج من لدن الرب صفر اليدين خالي الوفاض.هكذا فاز اللص بالفردوس وهو في آخر لحظة يلفظ أنفاسه محكوما عليه من الناس كمذنب وفاعل شر، ولكنه صلى صلاة فقبلت وطلب من الرب المصلوب أن يذكره في ملكوته فكان أول الداخلين إلى الفردوس. وها المرأة الخاطئة محكوما عليها في المدينة كلها أنها خاطئة. صلت بدموع فسمعت دقات قلبها المحترق ونزلت من بيت الفريسي مغفورة الخطايا حاصلة على السلام. وها السامرية مشهورة في مدينتها أنها لها خمسة أزواج سابقين والذي معها الآن ليس رجلها. جلست مع الرب عند بئر سوخار فعادت مبررة تكرزبالمسيا مخلص العالم نزل العشار من الهيكل مبررًا من فم الرب، وإن كان في نظر الناس إنسانًا خاطئا، بينما نزل الفريسي راضيا واثقا في نفسه أنه بار وهو في نظر الرب مراء مرفوض. الذي سعى في إثر البر بطريقته الناموسية سقط. والذي طلب الغفران بنفس منسحقة استحق أن يتمتع بالبر وكمل قول الرب "من" يرفع نفسه يتضع ، ومن يضع نفسه يرتفع"(مت ۲۳ :۱۲)
المتنيح القمص لوقا سيداروس
عن كتاب تأملات في أناجيل عشية الآحاد
المزيد