المقالات
10 أغسطس 2024
إنجيل عشية الأحد الأول من شهر مسرى ( مر ٦ : ٤٥ - ٥٦ )
"وللوقت ألزم تلاميذه أن يدخلوا السفينة ويسبقوا إلى العبر، إلَى بَيْتِ صَيدا، حتى يكون قد صَرَفَ الجمع. وبَعدَما وَدَّعَهُمْ مَضَى إِلَى الجَبَلِ لِيُصَلِّي. " وَلَمَّا صَارَ المساء كانت السفينة في وسط البحر، وهو على البر وحده. ورَاهُمْ مُعَذِّبِينَ في الجَذفِ ، لأنَّ الرِّيحَ كانتْ ضِدَّهُمْ. ونحوَ الهَزِيعِ الرّابع مِنَ اللَّيْلِ أَتاهُمْ ماشيًا على البحر، وأراد أن يتجاوَزَهُمْ. فَلَمَّا رَأَوْهُ ماشيًا على البحر ظَنّوهُ خيالاً، فصرخوا . لأنَّ الجميع رأَوْهُ واصْطَرَبوا . فللوقتِ كَلَّمَهُمْ وقال لهم : ثقوا ! أنا هو. لا تخافوا. فَصَعِدَ إِلَيْهِمْ إِلَى السَّفِينَةِ فسكنت الريح، فبهتوا وتعجبوا في أَنفُسِهِمْ جِدًّا إِلَى الغَايَةِ، ٥٢ لأَنَّهُمْ لم يفهموا بالأرغِفَةِ إذ كانَتْ قُلُوبُهُمْ غَلِيظَةً. فَلَمَّا عبروا جاءوا إلى أرض جَنِّيسارَت وأرسوا ولما خرجوا مِنَ السَّفِينَةِ للوقت عرفوه. فطافوا جميع تلك الكورةِ المُحيطة، وابتدأوا يَحْمِلُونَ المَرْضَى علَى أَسِرَّةٍ إِلَى حَيثُ سمِعوا أَنَّهُ هناك. وحيثما دَخَلَ إِلَى قُرى أو مُدْنٍ أو ضياع، وضعوا المرضى في الأسواق، وطلبوا إليهِ أَنْ يَلمسوا ولو هدبَ ثَوْبِهِ. وَكُلُّ مَنْ لَمَسَهُ شُفِيَ "
مضى إلى الجبل ليُصلّي:
أدخل المسيح طبيعتنا إلى مجد الوجود مع الله وهي الصلاة كما لم تعرفها طبيعتنا البشرية منذ أيام سقطتنا من رتبتنا الأولى ونحن بعد في صلب أبينا الأول، لأنه مكتوب: "كما في آدم يموت الجميع كذلك في المسيح سيحيا الجميع".
متنا في آدم وقمنا وحيينا في المسيح.
ولكن ما هي الحياة في المسيح؟.
هي حياة الله فينا ،وحياتنا في الله لأنكم قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله هذه هي الحياة الجديدة وعلامتها الظاهرة هي الصلاة المسيح له المجد صالحنا مع الآب وصار لنا به جرأة ودالة وقدوم لدى الآب "الأب نفسه يحبكم" هذه هي صلاة المسيح بنا وتقديمنا إلى الآب في شخصه "هاأنذا والأولاد الذين أعطانيهم الرب". أما كون الصلاة كما سلمها لنا المسيح عمليا في ذاته كانت وهو منفرد فهذا سر الحب الأعظم!!
ادخل مخدعك - كأنه مخدع زيجة روحية في الاتحاد بالله والالتصاق به بعيدًا عن كل عين وكل ما يشغل البال هناك نتنعم بحب الذي أحبنا حتى الموت وأحبنا فضلاً وليس لأحد حب أعظم من هذا لذلك لزم أن تكون الصلاة التي فيها المناجاة والعشرة الحلوة على جبل الانفراد مكان خلاء أخرج بها إلى البرية وهناك أتملقها كقول الرب بفم هوشع النبي" ذكرت لك غيرة صباك، محبة خطبتك، ذهابك ورائي في البرية"
كقول إرميا النبي.
الجبل ارتفاع واتساع، علو واتساع رؤيا بالنسبة لنا : الصلاة ترفع عقولنا وقلوبنا وأفكارنا إلى فوق الصلاة الحقيقية هي طلب ما فوق حيث المسيح جالس فوق كل مغريات كاذبة، فوق كل محبة الجسد وأهوائه، فوق كل صيت وغنى فوق كل رتبة ومركز ، فوق كل شهوة ورغبة، فوق كل جمال ورونق فوق فوق هذه هي صلاة هذا هو جبل الصلاة الذي نشتهي أن نحيا فيه مع المسيح وفي المسيح حيث النصرة على كل التجارب وكل حيل المجرب جيد يارب أن نكون ههنا.
لا حساب للزمن
هناك على جبل الصلاة لا تطاردنا المشغوليات ونطرح عن كاهلنا حمل المسئوليات ولا حساب للزمن، من يصعد على جبل الصلاة في المسيح يكون كمن وطأت قدماه أعتاب السماء، إنها عربون الأبدية، حيث لا زمن. المسيح غير الزمني غير المحدود يربطني بشخصه ومع الآب في الروح القدس يتوقف الزمن بالنسبة لي لا أشعر كم من الزمن عبر !! لا أدري هل هو اليوم أو الغد؟ لست أدري، كل ما أدري على الجبل هو يسوع وهو أمسي ويومي وغدي.
الصلاة هي قاعدة الخدمة وأساسها.
قبل أن يختار تلاميذه قضى الليل كله في الصلاة. وبعد أن أشبع الجموع صعد إلى الجبل وحده ليصلي. وبعد أن فرغ من الصلاة ذهب يخلص تلاميذه من لطمات الأمواج في النهار كان يعلم وفي الليل يمضي إلى الجبل وبعد خدمة السنين خدم خلاصنا بالصلاة في البستان وهل توجد خدمة بدون صلاة؟
ما هو سبب الضعف الشديد في الإيمان؟ إنه قلة الصلاة.
ما هو سبب ضعف الخدام وعدم قدرتهم على إنقاذ النفوس من الهلاك؟ إنه ضعف الصلاة أو قُل عدم الصلاة.
"علمنا أن نصلي":
كانت هذه هى طلبة الرسل الأطهار حينما رأوا الرب يسوع يُصلي إن ما رأوه في المسيح هو ما يجب أن تكون عليه الصلاة لأن يسوع هو المثال، مثال كمال طبيعتنا الجديدة المخلوقة فيه مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها" وقمة الأعمال الصالحة هي عمل الصلاة موسى لما دام في الصلاة وكان في حضرة القدير أربعين يوما، استضاء وجهه وصار منيرًا حتى لم يستطيع بنو إسرائيل النظر إلى وجهه، هذا هو مجد الصلاة الذي نضح على الجسد البالي، فكم تكون أرواحنا إذا اتحدت بالمسيح و دامت في الوجود في الله، كم يكون مجدها؟.
قال الرب للتلاميذ صلوا أنتم هكذا : "أبانا الذي في السموات" هكذا لا تعني الكلام فقط بل حالة الصلاة، ودالة البنين في صلاة أبانا بذات الدالة التي نلناها في المسيح نتقدم إلى الآب متى نجد مكانًا منفردًا ومتى نتعلم أن نغلق بابنا خلفنا ولا يتسرب العالم إلى مخدع الصلاة ويفسدها ومتى نكتفي وجودنا في المسيح عن كل ما دونه ومتى ندوم في الصلاة بلا حسابات وبلا قلق وبلا ملل؟ يارب علمنا أن نُصلي وعملنا أن نسهر في الصلاة أنت قابل الصلاة ومجيب الصلاة.
المتنيح القمص لوقا سيداروس
عن كتاب تأملات في أناجيل عشية الآحاد
المزيد
03 أغسطس 2024
إنجيل عشية الأحد الرابع من شهر أبيب ( لو ۷ : ۱ - ۱۰)
" ولما أكمل أقواله كُلَّها فِي مَسَامِعِ الشَّعَبِ دَخَلَ كفرناحوم وكانَ عَبد لقائدِ مِئَةٍ مَرِيضًا مُشْرِفًا عَلَى الموت وكانَ عَزِيزًا عِندَهُ فَلَمّا سَمِعَ عن يسوع أرسَلَ إليه شيوخ اليهود يسألُهُ أنْ يأتي ويشفي عَبْدَهُ فَلَمَّا جاءوا إلى يسوع طلبوا إليه باجتهاد قائلين إِنَّهُ مُسْتَحِقُّ أَنْ يُفعَلَ لهُ هذا، لأنَّهُ يُحِبُّ أمَّتَنا، وهو بَنَى لنا المجمع فَذَهَبَ يَسوعُ معهم وإذ كانَ غَيْرَ بَعيد عن البيت، أرسل إليه قائد المِئَةِ أصدقاء يقول له يا سيد، لا تتعب لأني لستُ مُستَحِقًا أن تدخل تحت سقفي لذلك لم أحسب نفسي أهلاً أن آتي إليك لكن قُلْ كَلِمَةً فيبرأ غُلامي لأني أنا أيضًا إنسانٌ مُرَتَّبُ تحت سلطان، لي جند تحت يدي وأقولُ لهذا اذهَبْ فَيَذهَبُ، ولآخر ائتِ فيأتي، ولعبدي افعل هذا ! فَيَفْعَلُ" ولَمَّا سَمِعَ يَسوعُ هذا تَعَجَّبَ منه، والتفت إلى الجمع الذي يتبعه وقال أقولُ لكُم لم أجد ولا في إسرائيل إيمانا بمقدار هذا ورَجَعَ المرسلونَ إِلَى البَيتِ، فَوَجَدوا العبد المريض قد صح ".
إنجيل القداس : إقامة لعازر .
إنجيل العشية شفاء عبد قائد المئة. إيمان قائد المئة وهو رجل وثني شيء يتعجب منه بالحقيقة "لما سمع يسوع هذا تعجب منه والتفت إلى الجمع الذي يتبعه وقال: أقول لكم لم أجد ولا في إسرائيل إيمانًا بمقدار هذا" فالرجل متضع وجد نفسه غير مستحق أن يأتي إلى السيد واكتفى بشفاعة شيوخ اليهود الذين أرسلهم إلى الرب ليتكلموا عنه إذ حسبهم أقرب إلى الرب وأكثر دالة لديه. وإذ كان الرب قد قبل شفاعة شيوخ اليهود وذهب معهم في طريقه إلى بيت قائد المئة، عاد الرجل وراجع نفسه كيف أن المسيح سيدخل بيته فوجد نفسه غير مستحق لهذه الكرامة فأرسل أصدقاء يقول للرب بفمهم: "يا سيد لا تتعب لأني لست مستحقا أن تدخل تحت سقفي" وعزز الرجل كلامه بإيمانه في سلطان المسيح بمجرد أن يرسل كلمته القادرة الفاعلة، إذ كان الرجل يعرف من حياته الخاصة كقائد مئة ما معنى السلطان والاقتدار على مستوى الأمور العالمية فكم وكم يكون سلطان المسيح الروحي والخيط الواصل بين إنجيل العشية وإنجيل القداس هو عامل الإيمان المقتدر الذي به ننال من المسيح ليس شفاء أمراض فقط بل قيامة من الأموات "ألم أقل لك إن آمنت ترين مجد الله" "سيقوم أخوك" "أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات
فسيحيا والتقابل بين الفصلين بديع. فالأختان أرسلتا للرب وهو بعيد بحسب مقياس البشر بالرؤية السطحية مع أنه حاضر معهما وليس بعيدًا أرسلتا تقولان يا سيد هوذا الذي تحبه مريض، فالمريض محبوب لدى الرب ولدى الأختين وهكذا فعل قائد المئة أرسل شيوخ اليهود ليُعلموا يسوع عن عبد قائد المئة وهو أيضًا محبوب وعزيز عند سيده كقول الإنجيل ويسوع يجئ ملبيًا طلب الشفاعة والسؤال ويقول عن لعازر "أنا أذهب لأوقظه". وهكذا ذهب أيضًا مع شيوخ اليهود إلى بيت قائد المئة، فيسوع يسعى إلينا حيثما نكون إن في مرض أو حتى في قبر، هو يأتي إلينا محمولاً بشفاعة الذين يطلبون عنا ونحن في حال ضعفنا وعدم قدرتنا على الحركة وإن كانت شفاعة رؤساء اليهود وشيوخهم مقبولة لدى المسيح وبمقتضاها يقوم ويذهب ويشفي فكم تكون شفاعة القديسين أحبائه والشهداء أصفيائه والرسل والكارزين وعلى رأسهم العذراء الأم القديسة فهل يرد طلبتهم؟ وإذ كان يسوع غير بعيد عن المنزل أرسل إليه أصدقاء " فلما سمعت مرثا أن يسوع آت، لاقته ولم يكن يسوع قد جاء إلى القرية بل كان في المكان الذي لاقته فيه مرثا"النفوس الممتلئة إيمانًا يحركها الإيمان لملاقاة يسوع لا تلبث في مكانها متكاملة فإن خبر مجيء يسوع إليها يحرك فيها حسيات روحية قوية تدفعها لطلب يسوع بأكثر اشتياق. فمرثا لاقته،ودعت أختها سرًا قائلة المعلم حضر فتلك لما سمعت طارت من الفرح الذي فاق حزنها على موت أخيها وقامت مسرعة ولاقته في ذات المكان بقدر ما يسعى يسوع نحوي بقدر ما تشتاق نفسي لملاقاة يسوع هناك أبث لديه ضيقي وهناك أسجد عند قدميه.
كلمة الحياة :
قال قائد المئة : "قل كلمة " فقالها ففعلت فعلها العجيب وقال الرب كلمة للعازر : "لعازر هلم خارجا" ففعلت الكلمة فعلها العجيب هذا هو إيماننا بكلمة المسيح مدح المسيح إيمان قائد المئة بينما طلب من مرثا إقرارًا بإيمانها قائلاً: "أتؤمنين بهذا" فاعترفت بإيمانها بكل صدق ومن عمق قلبها قائلة: "نعم يا سيد أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن إله الآتي إلى العالم" والفاحص القلوب وعارف الخفايا عرف صدق إيمانها فيه ولكن في وقت التجربة يمتحن الإيمان فوّد المسيح لو يذكرها بالتمسك بمن آمنت ويبرهن لها صدق مواعيده إن هي تقوت في الإيمان "إن آمنت ترین مجد الله" ما أمجد إيماننا بالمسيح وما أحوجنا أن نتقوى في الإيمان ونثبت فيه ونتمسك به كمرساة ثابتة للنفس لئلا نهتز في أوقات المحن والتجارب يارب اسند إيماننا كلمة المسيح هى الإنجيل، انظر كم هي حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته" والمسيح يقولها بسلطانه الإلهي ويرسلها تُحيي وتقيم الموتى وتشفي كل مرض وكل سقم هلم يا إخوة نأخذ كلمة المسيح بإيمان، آية واحدة تقدر أن تعمل عمل الله فينا ، ولكن لابد أن نأخذها بإيمان وثقة في الذي يقولها ويرسلها المرض فينا ليس مرض الجسد،والموت ليس موت الجسد أمراض الجسد وموت الجسد محدودة بحدود ومعروفة نهايتها، أما مرض الخطايا وموت الخطايا ونتن الخطايا فشيء كريه لا يطاق نحتاج أن يقول المسيح كلمته لنا فتتغلغل إلى أعماقنا بصدق وتطرد أمراضنا في الحال وتخرج موتانا من القبور لماذا ندوم في الأمراض ونبقى في القبور وكأن ليس لنا مسيح قويت علينا الخطايا كأمراض مستعصية وكأننا في يأس ليس شيء مستحيل على المسيح لا مرض ولا موت المسيح هو رب الحياة ورب القيامة وكاسر شوكة الموت.
المتنيح القمص لوقا سيداروس
عن كتاب تأملات في أناجيل عشية الآحاد
المزيد
27 يوليو 2024
إنجيل عشية الأحد الثالث من شهر أبيب ( لو ١٤ : ٧ - ١٥ )
" وقال للمدعوين مثلاً، وهو يُلاحظ كيف اختاروا المتكاتِ الأولى قائلاً لهُمْ: مَتَى دُعيتَ مِنْ أَحَدٍ إِلَى عرس فلا تَتَّكِي فِي المُتَّكَ الأَوَّلِ، لَعَلَّ أَكْرَمَ مِنكَ يكون قد دعي منه. فيأتي الذي دعاك وإِيَّاه ويقول لك: أعط مكانًا لهذا. فحينئذ تبتَدِى بِحَجَلٍ تَأخُذُ المَوْضِعَ الأخير. بل متی دعيت فاذهَبْ واتَّكِي فِي المَوْضِعِ الأخير، حتى إذا جاء الذي دعاك يقول لك : يا صديق، ارتفع إلى فوق. حينئذ يكون لك مجد أمامَ المُتَّكِئِينَ معكَ. الأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ ومَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ. وقال أيضًا للذي دَعاهُ : " إذا صَنَعَتَ غَدَاءً أَو عَشَاءً فلا تدع أصدقاءك ولا إخوتك ولا أقرباءك ولا الجيران الأغنياء، لئلا يَدعوكَ هُم أيضًا، فتكون لك مكافاة. " بل إذا صنعت ضيافَةً فادع المساكين، الجدع، العُرج، العمي، فيكون لك الطوبى إذ ليس لهم حتى يُكافوك لأنَّكَ تُكافى في قيامَةِ الأبرار. فَلَمَّا سَمِعَ ذلكَ وَاحِدٌ مِنَ المُتَّكِئِينَ قَالَ لَهُ: طُوبَى لمَنْ يَأْكُلُ خُبزًا في ملكوت الله ".
إنجيل القداس: معجزة إشباع الجموع.
إنجيل العشية المتكأ الأخير طوبى لمن يأكل خبزا
في ملكوت السموات". قال مثلاً وهو يلاحظ كيف اختاروا المتكات الأولى. الرب يلاحظ طرق البشر وعيناه تخترقان أستار الظلام فإن أدركت هذه الحقيقة يجب أن تسلك بخوف وحكمة واتضاع عارفًا أن الله ينظر ويلاحظ كان المتكئون يسرعون لكي يأخذوا مكان الصدارة والمتكات الأولى وعينا يسوع تلاحظهم... ليس كما يلاحظ الناس مظاهر الأعمال، ولكن كان يلاحظ حركة قلوبهم وفكرهم ونياتهم الداخلية، علة الكبرياء والأنا كانت هي الدافع والمحرك - وهي دائمًا كذلك - ولكن الرب لا يترك موقفًا إلا ويعلم لكي يخلص سامعيه بكلمة الحياة حينما يتبعون منهجه الإلهي كيف يخلص الإنسان من الكبرياء وتزكية الذات؟. بالمسيح - بالاتضاع - بالمتكأ الأخير ... وليس ثمة علاج آخر الذي يختار المتكأ الأول يزكي نفسه ويضع غيره منهج المسيح أن يضع الإنسان نفسه ويقدم غيره في الكرامة.وإن ركزنا بصرنا نحو إنجيل القداس حيث اتكأ الجميع ضيوفا على مائدة المسيح بشبه مائدة ذبيحة جسده الذي
كسره خبزًا للحياة الأبدية ... نقول كيف نختار المتكات في هذا الملكوت حيث الملك جالس على الجبل الذي أسس عليه كنيسته ورسله الأطهار هم الموكلون بتجليس الناس. يا للخجل الذي ينالنا حينما نفكر في المتكات الأولى وأنه لا يوجد أكرم منا في كنيسة المسيح وملكوته!!. يا للخجل حينما يزكي الإنسان ذاته ويشتهي كرامة الكهنوت مثلاً !!.
أين يذهب من ملاحظة المسيح له ومن عينيه التي
تنظران إلى القلب !!.
اتكئ في الموضع الأخير هناك تجد المسيح الذي أخلى ذاته وأخذ شكل العبد ووضع نفسه حتى الموت موت
الصليب. لذلك رفعه الله وأعطاه اسما فوق كل اسم".
اتكئ في الموضع الأخير ... إن كنت تشعر أنك خاطئ
شعورًا حقيقيًا من القلب، فليس للخاطئ أن يتكئ في
المتكات الأولى.كل من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع هكذا يقول الرب. وحتى عندما أذهب إلى المتكأ الأخير، أشعر في نفسي أنه فضل من الله مجرد وجودي بين المتكئين وأنا لا أستحق حتى المتكأ الأخير ، فأوجد شاكرًا فرحًا أنني حسبت أهلاً أن أوجد في مجمع القديسين الذي هو كنيسة الله ولو في المتكأ الأخير. الآباء القديسون ضربوا أروع الأمثلة في اختيار المتكأ الأخير ... لما اختار الرب البابا كيرلس السادس ليجلسه في المتكأ الأول ظل يبكي متمسكا بالمتكأ الأخير وكان يقول كنت أتمنى أن أموت مجهولاً.
كانوا يأتون بالآباء المختارين من الله للبطريركية في التاريخ القديم وهم مربوطون بسلاسل حديد ويحضرونهم قسرًا وكانوا يهربون من كرامة المتكات الأولى ويتعللون بعلل حتى يفلتوا ... أحدهم قطع لسانه لكي يعفي نفسه!!
شيء يفوق الوصف ولكن لأنه كان مختارًا من الله أمر أحد الأساقفة أن يفتحوا فمه ووضع الجزء المقطوع في
مكانه وابرأه فخضع للآباء وسار معهم. مار إسحق يقول : من يطلب الكرامة تهرب منه ومن يهرب منها بمعرفة فإنها تتبعه وترشد إليه الكثيرين". فإن كان لا يليق أن نتصرف هكذا في متكات العالم،فلا نختار المتكات الأولى ثم يلحقنا الخزي إذ يطردوننا منها ويعطوها لآخرين ... فبالأولى يكون سلوك أولاد الله الروحيين في الكنيسة. يكون سلوك إنكار الذات والهروب
من الكرامة هو أساس حياتهم ومبدأهم.
متى صنعت وليمة":
ادع المساكين إلى مائدتك ولا تتأفف من عاداتهم ولا من وسخ ملابسهم ... فهم جسدك، أعضاء في جسد المسيح، بل أخوته، وهم إذ ليس لهم ما يكافئونك به سيدفع المسيح عنهم، ويكافئك مكافأة سماوية لا تخطر على بال البشر.طوباك يا أنبا أبرام أسقف الفيوم لأنك عشت كلمات سيدك في حياتك كلها فحسبت نفسك أحد هؤلاء المساكين وسعدت بصحبتهم ولم تتأفف منهم بل احتضنتهم برفق المسيح أكلاً معهم فهم كانوا مدعوين إلى مائدتك كل يوم ترى أي مكافأة عظيمة نلتها في السموات !؟.
الأم تريزا الراهبة المعاصرة التي عاشت في الهند تعتني بالمرضى بالأمراض الخطيرة والمعدمين والمعوقين وكانت تحنو عليهم كأم ارتفع رصيدها في المجد من الله والناس ومن المسيحيين وغير المسيحيين والبوذيين والذين ليس لهم دين. ما أجمل وصايا المسيح حين تخرج إلى حيز التنفيذ في حياة الذين يؤمنون ويصدقون قول الرب ويتبعونه بكل قلوبهم.
طوبى لمن يأكل خبزا في ملكوت الله:
يبدو أن كلام المسيح وإن كان بحسب الظاهر يدعو إلى اتباع آداب الأفراح والمآدب، فالمدعوين يجب ألا يختاروا لأنفسهم المتكات الأولى. والذين يصنعون الولائم يجب أن
يهتموا بالمساكين وهكذا فهم الذين كانوا يسمعون الرب.
ولكن واحدًا وحيدًا فيما بينهم صرخ بهذا القول: "طوبي لمن يأكل خبزًا في ملكوت الله". لقد اتجه فكره نحو المائدة السمائية وعشاء عرس الخروف وخبز الحياة الأبدية.... فطوب أصحاب النصيب الفاخر الذين سيحسبون أهلاً لهذه الكرامة السماوية.
المتنيح القمص لوقا سيداروس
عن كتاب تأملات في أناجيل عشية الآحاد
المزيد
20 يوليو 2024
إنجيل عشية الأحد الثاني من شهر أبيب ( لو 16 : 1 – 18)
"و قال ايضا لتلاميذه كان انسان غني له وكيل فوشي به اليه بانه يبذر امواله فدعاه و قال له ما هذا الذي اسمع عنك اعط حساب وكالتك لانك لا تقدر ان تكون وكيلا بعد فقال الوكيل في نفسه ماذا افعل لان سيدي ياخذ مني الوكالة لست استطيع ان انقب و استحي ان استعطي قد علمت ماذا افعل حتى اذا عزلت عن الوكالة يقبلوني في بيوتهم فدعا كل واحد من مديوني سيده و قال للاول كم عليك لسيدي فقال مئة بث زيت فقال خذ صكك و اجلس عاجلا و اكتب خمسين ثم قال لاخر و انت كم عليك فقال مئة كر قمح فقال له خذ صكك و اكتب ثمانين فمدح السيد وكيل الظلم اذ بحكمة فعل لان ابناء هذا الدهر احكم من ابناء النور في جيلهم و انا اقول لكم اصنعوا لكم اصدقاء بمال الظلم حتى اذا فنيتم يقبلونكم في المظال الابدية الامين في القليل امين ايضا في الكثير و الظالم في القليل ظالم ايضا في الكثير فان لم تكونوا امناء في مال الظلم فمن ياتمنكم على الحق و ان لم تكونوا امناء في ما هو للغير فمن يعطيكم ما هو لكم لا يقدر خادم ان يخدم سيدين لانه اما ان يبغض الواحد و يحب الاخر او يلازم الواحد و يحتقر الاخر لا تقدرون ان تخدموا الله و المال و كان الفريسيون ايضا يسمعون هذا كله و هم محبون للمال فاستهزاوا به فقال لهم انتم الذين تبررون انفسكم قدام الناس و لكن الله يعرف قلوبكم ان المستعلي عند الناس هو رجس قدام الله كان الناموس و الانبياء الى يوحنا و من ذلك الوقت يبشر بملكوت الله و كل واحد يغتصب نفسه اليه و لكن زوال السماء و الارض ايسر من ان تسقط نقطة واحدة من الناموس كل من يطلق امراته و يتزوج باخرى يزني و كل من يتزوج بمطلقة من رجل يزني"
مثل وكيل الظلم:
إنجيل القداس: "ان لم ترجعوا و تصيروا مثل الاولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات".
إنجيل العشية: اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا
فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية". مثل وكيل الظلم هنا يخدم الغرض الأسمى الذي هو دخول ملكوت السموات. كيف يفكر الإنسان بحكمة في مستقبله الأبدي ؟ وماذا بعدما يفنى جسده هنا، هل ستجد روحه راحة في أحضان الأحباء الذين صاروا له أصدقاء؟ وهل إذا عُزل من وكالة الأرض يجد له مكانا في السماء؟. السيد لم يمدح وكيل الظلم لشيء إلا أنه بحكمة تفكر وبحكمة سلك من جهة المستقبل، وهذه الجزئية فقط هي التي تخص حياتنا أننا ننظر بحكمة إلى المستقبل. فليس لنا هنا مدينة باقية ووكالتنا على الأمور الأرضية مؤقتة ولابد أننا تاركوها الحكمة النازلة من فوق هي أعلى بكثير من حكمة وكيل الظلم وكيل الظلم يمثل أبناء هذا الجيل أولاد العالم الذين يسلكون بالمكر والحيلة والظلم والسرقة يؤمنون مستقبلهم بكل وسيلة وحيلة بلا ضمير، وبلا وازع أما أولاد الله أولاد النور فلهم حكمة نازلة من السماء من عند الله، حكمة ليست من هذا العالم ولا من رؤساء هذا العالم الذين يبطلون. فعندما يفكر أولاد الله في مستقبلهم الأبدي فما كان عندهم ربحًا حسبوه خسارة لكي يربحوا المسيح. وهم على استعداد أن يخسروا كل شيء ويعتبروه نفاية بالمقارنة لربحهم الملكوت الأبدي. تأمل مسلك الشهداء كيف ثبتوا النظر في أورشليم السمائية وباعوا كل ما لهم في العالم رخيصا، وتنازلوا عن الثروات والمراكز والنياشين، والملذات وكل ما يخص هذا العالم الحاضر، وقبلوا أن يهانوا ويعذبوا حتى الموت صنعوا لهم أصدقاء بمال الظلم حينما تنازلوا عنه وفرطوا فيه تأمل حياة النساك في كل جيل كيف تمسكوا بالحكمة في النظر إلى المستقبل وتأهلوا للملكوت وأعدوا لأنفسهم نصيبًا
حسنًا في مسكن الأبرار لم يكن مسلك وكيل الظلم، حينما سرق أموال سيده ومزق الصكوك التي على المديونين وكتب أقل منها سوى مسلك إنساني علمي خائن لسيده وهو أمر غير ممدوح على الإطلاق. ولكن الرب يسوع يقول إنه مدح لأنه بحكمة صنع مفكرًا في مستقبله بعد أن يُعزل من الوكالة الطريق إلى الملكوت يحتاج حكمة وإعداد ما هو للمستقبل.
مال الظلم:
أما أن يدعو المسيح مال هذا العالم الذي في أيدينا مال الظلم فهذه حقيقة. أموال العالم كلها ظلم في توزيعها وفي تداولها وفي اعتبارها القوة المحركة لكثير من الشرور والحروب والمنازعات، وهى القوة وراء كل مكسب بطال وسعي محموم، وهى التي سماها المسيح "سيد وإله""لا تستطيعون أن تعبدوا الله والمال، فهي السيد المسيطر على فكر العالم وهى في يد رئيس هذا العالم الذي هو روح الظلم والظلمة أما إذا كان في أيدينا كأولاد الله فإنه يصير للخير متقدسًا ونافعًا فكل ما تمتد إليه يد أولاد الله تقدسه. "أوص أغنياء في الدهر الحاضر... أن يكونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع، مُدَّخرين لأنفسهم أساسًا حسنا للمستقبل، لكي يُمسكوا بالحياة الأبدية" (١تي ٦ : ١٧ - ١٨).وهذه الآية خير ما يوضح السلوك المسيحي المبني على الحكمة. فالمسيحي مدعو أن يقدس كل شيء ويستعمل كل شيء لخدمة الحياة الأبدية التي إليها دعي وفيها ينحصر فكره وقلبه.
الوكالة:
من الأمور التي يجب أن لا يهمل أحد التفكير العميق فيها أننا لا نملك شيئًا وأننا دخلنا العالم بلا شيء وواضح أننا سنترك العالم بلا شيء. فإن كان الرب قد ذكر هذا المثل عن إنسان وكيل لا يملك شيئًا، فالأموال والأملاك ليست له بل هو مقام لكي يتصرف فيها كوكيل، فإن أول كل شيء يُسأل في الوكلاء أن يوجد الوكيل أمينًا ، أما هذا الوكيل الذي في المثل فهو أولاً خائن لسيده وهو يبدد أمواله وفي الآخر متصرف فيما ليس له لحساب نفسه. ولكن إن كنا نحسب أننا وكلاء فليراجع الإنسان نفسه قائلاً: إن سيدي يأخذ مني الوكالة!!
وهذا حق وواقع فمن ذا الذي أقيم وكيلاً وبقي إلى الأبد؟ إنها وكالة مؤقتة بكل المقاييس مثلها مثل الوزنات التي أُعطيت للعبيد ليتاجروا فيها ثم يأتي يوم السؤال حين يقف الوكيل موقف المحاسبة أمام سیده فإن أؤتمن واحد على كنيسة أن يكون وكيل الله أو أؤتمن على أسرة أو على أموال أو حقول أو مقتنيات فليضع في قلبه أنه سيعزل من الوكالة يوما وأنه مطالب بأن يُعطي حساب الوكالة. ترى من هو الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده؟
طوبي لذلك العبد !! أما الذي ظن أنه سيد ومتسلط يأكل ويشرب ويسكر بالعظمة الخيالية ويضرب العبيد والإماء يأتي سيد ذلك العبد في اليوم الذي لا يتوقعه وفي ساعة لا يعرفها فيشقه من وسطه ويجعل نصيبه مع عديمي الإيمان.
كن أمينا إلى الموت:
انظر إلى كل ما هو تحت يدك إنه ليس لك بل لسيدك خَفْ الله لأنه سيأتي يوما واعمل حساب ذلك اليوم تاجر وأربح ولكن ليس لحسابك ولا لذاتك بل لسيدك هو صاحب الأصل وصاحب الربح به ومنه كل الأشياء الرسل الأطهار كانوا يحيون بهذه الحقيقة كوكلاء الله لم ينسبوا شيئًا لذواتهم ليس الغارس شيئًا ولا الساقي بل الله الذي ينمي نحن عبيد لكم من أجل يسوع لسنا كفاة من أنفسنا بل كفايتنا من الله لنسلك بهذا القانون عينه لننال الطوبى في اليوم العظيم المخوف ونسمع ذلك الصوت الفرح: "كنت أمينا في القليل أقيمك على الكثير" وندخل إلى فرح السيد ونجد أصدقاءنا الذين عملناهم بمال الظلم يستقبلوننا ويقبلوننا بالأحضان الأبوية في مساكن النور والمظال الأبدية.
المتنيح القمص لوقا سيداروس
عن كتاب تأملات في أناجيل عشية الآحاد
المزيد
13 يوليو 2024
إنجيل عشية الأحد الأول من شهر أبيب (لو ١:٩ - ٦)
" ودعا تلاميذه الاثني عشر، وأعطاهم قوَّةً وسُلطانًا على جميع الشياطين وشفاء أمراض، وأرسلهم ليكرزوا بملكوت الله ويشفوا المرضى. وقال لهم : لا تحملوا شيئا للطريق : لا عَصا ولا مِرْوَدًا ولا خُبزًا ولا فِضَّةً، ولا يكون للواحد ثوبان. وأيُّ بَيْتِ دَخَلتُمُوهُ فهناك أقيموا ، ومِنْ هناك اخرجوا . وَكُلُّ مَنْ لا يَقْبَلُكُمْ فاخرجوا مِنْ تِلكَ المدينة، وانفضوا الغبار أيضًا عن أرجُلِكُمْ شَهَادَةً عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا خرجوا كانوا يجتازون في كل قريةٍ يُبَشِّرُونَ ويشفون في كل مَوْضِع ".
إنجيل القداس : إرسالية السبعين رسولاً.
إنجيل العشية: دعوة الاثنى عشر تلميذا. عيد الرسل الأطهار وهو عيد استشهاد أبينا بطرس الرسول ومعلمنا بولس الرسول يقع في 5 أبيب من كل عام. لذلك رتب الآباء أن تكون قراءات الأحد الأول مركزة حول الرسل الأطهار . وفي إنجيل العشية يقول إن الرب دعاهم وأعطاهم قوة وسلطانًا والذين دعاهم قال القديس بولس الرسول سبق فعرفهم وسبق فعينهم وبررهم ومجدهم أيضًا.ولأن مملكة المسيح ليست من هذا العالم لذلك فجميع هذه الأوصاف لا تأتي على شاكلة العالم بحال من الأحوال فالدعوى والمعرفة والتعيين والمجد كله يختلف جذريا عما في العالم فلا مثيل ولا وجه للشبه على الإطلاق انظر إلى الرسل الأطهار لا كيس ولا مزود ولا سند مال ولا عصا للطريق لقد جردهم تماما لكي يصير
هو الكل في الكل، هو أكلهم وشربهم وحمايتهم بل هو طريقهم "أنا هو الطريق" وهو غناهم فصاروا فقراء وهم
يغنون كثيرين وكأن لا شيء لهم وهم يملكون كل شيء. أعطاهم قوة وسلطانًا على جميع الشياطين وشفاء الأمراض هذا هو رصيد الكنيسة الذي استقر فيها حين استودعه الرب تلاميذه الأطهار، وهذا ما تصرف منه الكنيسة في كل أجيالها وهو لا ينفد ولا ينقص "هذه الآيات تتبع المؤمنين" ولما كانت مصارعتنا ليست مع لحم ودم بل مع قوات الشر الروحية في السماويات، لذلك لزم الأمر أن المسيح له المجد يعضد تلاميذه بالقوة الروحية ليتفوقوا على قوات الشر ويطردوها إذ أن الرب سحق الشيطان وكسر شوكة الجحيم والموت وهتك قوات الظلمة بصليبه.
إرسالية واضحة محددة :
تحددت معالم إرسالية الرسل بفم المسيح المبارك حين أرسلهم قائلاً : اكرزوا بملكوت الله، اشفوا المرضى، طهروا البرص، أقيموا موتى، أخرجوا شياطين، مجانًا أخذتم، مجانا أعطوا .
فطافوا يكرزون بالملكوت وفتحوا أبواب السماء أمام الخطاة وردوا الضالين وأقاموا موتى الخطايا والأجساد وشفوا أسقام النفس والبدن معًا. وصارت كرازتهم هي عملهم ومهمتهم وإرساليتهم إنقاذ نفوس من الهلاك ورد الضالين وبرجوع وتوبة الخطاة بدأت الكنيسة كجماعة المفديين الذين قبلوا سر الخلاص في المعمودية وعاشوا الحياة
الجديدة ولم يرتبك الرسل الأطهار بعمل آخر تنفيذا لأوامر الذي أرسلهم فحتى حين ظهر أمر خدمة الموائد إذ كان كل شيء عندهم مشتركا قال الرسل في غاية الوضوح: "لا يرضى أن نترك نحن كلمة الله ونخدم موائد". وحين باع المؤمنون أملاكهم وأتوا بأثمانها وضعوها عند أرجل الرسل فلم تشغل بالهم بحال من الأحوال ولا صعدت إلى مستوى أفكارهم بل ظلت عند أرجلهم لقد اختبر الرسل المعنى الكامل للتحرر من نير العالم واهتماماته الباطلة وحين قال القديس بطرس الرسول للرجل الأعرج عند باب الهيكل الجميل - لا فضة لي ولا ذهب - كان يعني ما يقول إنه فقير حقا كسيده ولكن الذي لي إياك أعطيه له اسم الخلاص اسم يسوع المسيح هذا هو الغنى الحقيقي فمن يمتلك اسم يسوع صار أغنى من العالم كله لا يستطيع غنى العالم أن يُعين هذا الرجل المولود من بطن أمه هكذا ولم يمش قط، ولا يستطيع غنى العالم أن يُسعد الإنسان المولود أعمى ولا أن يُعيد له شيئًا مما هو فاقد غنى العالم عاجز أما بطرس الرسول فاستطاع بنعمة الذي دعاه واستودعه القوة والسلطان استطاع أن يقيم الأعرج بكلمة، وليس ذلك فقط بل ما هو فوق الخيال أيضًا لأن الناس كانوا يأتون بالمرضى ويضعونهم على جانب الطريق منطرحين حتى لو خيم ظل بطرس الرسول على أحد فإنه يبرأ شيء مذهل حقًا هكذا صار تجرد التلاميذ علة تمجيد بالأكثر لاسم يسوع المسيح أما قول المسيح له المجد إنه أعطاهم سلطانا على جميع الشياطين فهو مذخر فيه من النعم ما لا يُحصى فكما قال الرب في القديم ليشوع بن نون: "لا يقف إنسان في وجهك" - هنا يقول الرب للرسل وخلفائهم من بعدهم
"لا يقف شيطان في وجهك"جميع الشياطين، فلا يوجد
شيطان يستطيع أن يصمد أو يتجبر جميع الشياطين مثل شيطان الزني، وشيطان الكبرياء، وشيطان محبة المال، وشيطان البغضة، وشيطان الغضب إلخ.ونحن يوم تعمدنا قلنا " أجحدك أيها الشيطان وكل أعمالك النجسة وكل شياطينك الشريرة وكل حيلك الردية والمضلة وكل جيشك وكل سلطانك" ولأننا انحزنا إلى المسيح، وبالسلطان الذي أعطاه المسيح نفخ الكاهن فينا بقوة وسلطان قائلاً : اخرج أيها الروح النجس" فطرد من مسكنه وحل الروح القدس في هيكله المخلوق جديدًا في مياه المعمودية المقدسة.
من يقبلكم... ومن لا يقبلكم
قال الرب للرسل إن من يقبلهم فقد قبل المسيح ومن يسمع كرازتهم فقد سمع صوت المسيح، وعلامة القبول أن يدخلوا إليه حاملين المسيح ويقيموا هناك ويعطوا سلام
المسيح وكل نعمه وإحساناته بينما الذي يرفضهم فقد رفض المسيح فمن هناك يخرجون وينفضون حتى غبار أرجلهم علامة على براءتهم من وزر الرفض وما سيحل بهذا البيت أو المدينة من دينونة ولكن على أي حال، قال الرب إنهم يلقون حتى في مسامع الرافضين هذا القول الإلهي: "ولكن اعلموا أنه قد اقترب منكم ملكوت الله". أي يظل الباب مفتوحا لكل من يراجع نفسه ويرجع إلى الرب الموضوع إذن معلّق بإرادة الإنسان إن في القبول أو في الرفض بكامل الحرية فهل نقبل وهل نقول مبارك الآتي باسم الرب فيدخل إلينا الرسل بكل كلام المسيح الصالح ونفرح بالكلمة ونقبلها
بكل القبول !!
وهل نفرح بحلول الرسل الأطهار في مسكننا حيث يقولون بفم المسيح السلام لهذا البيت؟
آمين أيها الرب يسوع أرسل رسلك كما في البداية يدخلون كنائسنا وبيوتنا بل ويقيمون داخل قلوبنا فيحل السلام الروحاني الحقيقي في كل نفس وبيت وكنيسة كعلامة حقيقية لتمتعنا بالمسيح فينا.
المتنيح القمص لوقا سيداروس
عن كتاب تأملات فى أناجيل عشيات الأحاد
المزيد
29 يونيو 2024
إنجيل عشية الأحد الرابع من شهر باؤنه ( مت ٥ : ٣٤ - ٤٨ )
" وأما أنا فأقولُ لكُم: لا تحلفوا البَتَّةَ، لا بالسماء لأنَّها كرسي الله ، ولا بالأرض لأَنَّها مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، ولا بأورشليم لأنَّها مدينةُ المَلِكِ العظيم. ولا تحلف برأسك، لأنَّكَ لا تقدر أن تجعَلَ شَعرَةً وَاحِدَةً بَيضاء أو سوداء. " بل ليكن كلامُكُمْ : نَعَمْ نَعَمْ، لا لا. وما زادَ على ذلك فهو مِنَ الشَّرِّيرِ. سمعتُم أنَّهُ قيلَ : عَينٌ بعَينِ وسِن بسن. وسن بسن. وأما أنا فأقولُ لكُم: لا تُقاوموا الشَّرَّ، بل مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خدك الأيمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخر أيضًا. ومَنْ أَرادَ أنْ يُخاصِمَك ويأخُذَ ثوبَكَ فاترك له الرداء أيضًا. ومن سخَّرَكَ ميلاً واحِدًا فاذهب معه اثنين. مَنْ سألك فأعطهِ، ومَنْ أَرادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنكَ فَلا تَرُدَّهُ. سمعتُمْ أَنَّهُ قيلَ: تُحِبُّ قريبك وتُبغِضُ عَدوَّكَ وأما أنا فأقولُ لكُم: أحبوا أعداءكُمْ. باركوا لاعنيكُمْ.أحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إِلَيْكُمْ ويطردونكُمْ ، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماواتِ، فَإِنَّهُ يُشرِقُ شَمسَهُ علَى الأشرار والصالحين، ويُمطِرُ على الأبرار والظَّالِمِينَ لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الذين يُحبونكم، فأي أجر لكم؟ أليس العشارون أيضًا يَفْعَلُونَ ذلك؟ " وَإِنْ سلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فقط، فأي فضل تصنعون؟ أليس العشارون أيضًا يَفْعَلُونَ هكذا ؟ فكونوا أنتُمْ كاملين كما أنَّ أباكم الذي في السماوات هو كامل ".
ناموس المسيح
قيل للقدماء ... أما أنا فأقول لكم". الله لم يتغير ، ووصاياه وأحكام فمه هي هي. ولكن الذي يتغير هو الإنسان كان قبلاً عبدًا أما الآن فابن المسيح كان مرفوضًا أما الآن فمقبول ... كان ميتا أما الآن فحي بالمسيح ... كان قبلاً ظلمة أما الآن فنور في الرب. لذلك لم يعد ما قيل للقدماء وهم في حال العبودية يتناسب مع الأبناء المولودين ثانية الذين حررهم الابن فصاروا بالحقيقة أحرارًا. لم ينقض الرب الناموس، حاشا، بل أعطاه كماله ورفع قدر الوصية فصارت تتناسب مع الإنسان الجديد.
فإن كانت الوصية في العهد القديم تحكم على الإنسان وتدين انحراف إرادته وتظهر الخطية أنها خاطئة جدا، وتضع أمام الإنسان بشاعة الخطية ناهيه عنها مثل "لا تزن ... فإنسان العهد الجديد ليس فقط ينفر من الزني كخطية بشعة فهذه بديهية، ولكن حتى بذرة الخطية صارت مكروهة... فالدعوة الجديدة لتقديس النظر لأن الداخل مقدس وصار مسكنا لروح القداسة، فالوصية الجديدة جاءت من فم المسيح أن يتحذر الإنسان لنظره ويرفعه دائما نحو السماويات ولا يدع العدو الشرير يخدعه بخداع النظر
وتحويل القلب إلى الشهوات القديمة. الوصية الجديدة إيجابية تشجع على حياة الفضيلة ليس بالنهي عن الرذيلة بل بارتفاع الحياة في الفكر والقلب والنظر معًا . قيل للقدماء وهم محصورون في الجسد - أي جسدانيون - أما أنا فأقول لكم كروحيين.
القسم:
كان كلام الرب في القديم أن تحلف باسم الرب إلهك" لأن الأمم الذين كانوا حولهم كانوا يتعبدون لآلهة كثيرة غريبة - كلها شياطين وكانوا يتبارون في احتفالاتها ونجاساتها وبناء معابدها ونشر أسماءها، لذلك سمح الرب لشعبه أن يحلفوا باسمه، لإظهار اسمه بين الأمم ولكي يظهر أنهم ينتمون إليه تمييزا لهم عن الأمم وآلهة الأمم... أما وقد ظهر أنه ليس إله آخر في السماء وعلى الأرض إلا الآب والابن والروح القدس لذلك قال الرب "لا تحلفوا البتة".أما ما يدور بين الناس في المعاملات، ويتعود الناس على الحلف ليثبتوا كلامهم ويتدخلوا بالأقسام من أجل التصديق فهذا نهى عنه الرب تماما. وضع قانون الكلام لأولاده هكذا "ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا". وهذا مرجعه إلى الروح القدس الساكن فينا والناطق والعامل في حياتنا، مرشدنا إلى جميع الحق، وليس فيه كذب أو شبه ظل دوران ... فإن عشنا بالروح فإن من فضلة القلب والكنز الصالح كنز الروح القدس تخرج الصالحات على شفاهنا ... ويمتلئ لساننا سبحًا ... فلا مجال لكلام بطال ولا لأقسام... بل تصير النعم نعم واللا لا... موزونين بميزان
الحق. فإن عاش الإنسان بحسب هذا القانون فإن لغته تظهره أنه إنسان حق وصدق ولا يحتاج إن يبرهن على صدق كلامه لأن الروح نفسه يختم على صدق أقواله في ضمائر الناس جميعًا وصايا الكلام واللسان لا تعالج المظاهر إطلاقا بل تعني بالقلب لأن منه مخارج الحياة من فضلة القلب يتكلم الفم.لذلك يصير الأمر طبيعيًا كلما امتلأ الإنسان بروح النعمة والتضرعات وامتلأ من كلام الصلاة وكلام البركة وصار ينبوع قلبه عذبًا فمن أين يأتي ماء مر كقول يعقوب الرسول فلنجعل الينبوع الذي في الداخل، ينبع إلى حياة أبدية ونعطي للروح القدس أن يعمل فينا بلا مانع من إرادتنا أو عنادنا أو شهوات قلوبنا حينئذ يفيض كقول المزمور فاض قلبي بكلام صالح" فإن كان ثمة وصية للكلام وللسان كمثل باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم" فهى تأتي طبيعية سهلة في حياة أولاد الله الذين امتلأت قلوبهم من نعمة الروح المعزي فلا مكان للعنة أو كلمة نابية أو إساءة إلى أحد، بل كل الكنز صار مباركًا فإن لزم الأمر أن أرد على شاتمي فمن ينبوع الروح القدس في قلبي أرد بالبركة فالفم الذي يُبـــــــارك لا يعرف اللعنة.
عين بعين وسن بسن
هذا ما قيل للإنسان البشري ... فإن حقق الإنسان ذلك يكون قد ارتفع عن الطبيعة الحيوانية التي تهاجم وتفترس وتبتدئ بالعدوان.أما وقد رفع المسيح من شأن الإنسان حتى دعي ابن الله. فلا يقاوم الشر... بل يغلب الشر.الذي يشتم فيشتم يصير هو والشاتم في ذات المستوى. الذي يشتم فيبارك يبرهن أنه ارتفع عن مستوى الشاتم إلى مستوى البركة ... الإنسان المسيحي لا يتاجر في الشر، ولا يقابل شرا بشر إن جاع عدوك أطعمه وإن عطش اسقه... هذا هو ناموس المسيح، ناموس الخير كل الخير ... يغلب الشر ويهزمه كما يغلب النور الظلام.إنه عمل كمثل إخراج الشياطين. لا يقدر شيطان أن يخرج شيطانا ، فالشتيمة لا تغلب الشتيمة، والغضب لا يغلب الغضب والبغضة لا تغلب البغضة. بل بروح الله نخرج الشياطين بروح الوداعة نغلب الغضب وبروح المحبة نغلب العداوة.المسيح بذل نفسه لأجل الخطاة. البار من أجل الأثمة
ليقربنا إلى الله ... هذا هو منهج الحياة في المسيح.فبذل الخد الآخر عمل إرادي لا يسلبه أحد منا عنوة أو يغصبنا عليه ... نحن نقدمه طواعية حبًا في الذي مات عنا. هكذا قدم الشهداء ذواتهم حتى ما كان غير مطلوب منهم فعلوه حبًا في المسيح... لقد صاروا أبعد من الوصايا، وتجاوزوا الميل الثاني والثالث لأن الحب الذي فيهم صار کنار لا تعرف حدود.إن الخضوع لوصايا المسيح وعدم مناقشتها يُظهر أننا أولاد الله، وهذه الوصايا عينها هي التي تفرزنا من العالم وتظهر للجميع أننا فعلاً لسنا من هذا العالم... ولأن أولاد الله مولودون من فوق لذلك فالوصايا جميعها فوقانية عالية أعلى من كل ما في العالم وحين نحيا الوصايا فإنها ترفعنا من مجد إلى مجد.بقي أن نقول للذين يستصعبون وصايا المسيح بحسب فكر العقل البشري إن وصاياه" ليست ثقيلة" هذه شهادة التلميذ الحبيب وأن نير المسيح هين وحمله خفيف"بحسب قول المسيح نفسه فلا تصدق عكس هذا الكلام، الأمر يحتاج إلى مجازفة وتنفيذ دون أن نحسب حسابات ويضعف إيماننا يسوع المسيح قال : الذي يحبني يحفظ وصاياي".
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات فى أناجيل عشيات الأحاد
المزيد
22 يونيو 2024
إنجيل عشية أحد عيد العنصرة ( يو ٧ : ٣٧ - ٤٤ )
" وفي اليوم الأخير العظيم من العيدِ وقَفَ يَسوعُ ونادى قائلاً إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فليُقبلُ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ مَنْ آمن بي، كما قالَ الكِتابُ، تجري مِنْ بَطْنِهِ أَنهارُ مَاءٍ حَيٍّ قال هذا عن الروح الذي كان المؤمِنونَ بِهِ مُؤْمِعِينَ أنْ يَقْبَلُوهُ، لأَنَّ الرِّوحَ القُدُس لم يكن قد أُعطي بعد، لأنَّ يسوع لم يكن قد مُجدَ بَعد فكثيرونَ مِنَ الجَمعِ لما سمعوا هذا الكلام قالوا هذا بالحقيقة هو النَّبيُّ آخرون قالوا هذا هو المسيح. وآخرون قالوا أَلَعَلَّ المَسيحَ مِنَ الجليل يأتي ؟ " أَلَمْ يَقُلِ الكِتابُ إِنَّهُ مِنْ نَسلِ داوُدَ، وَمِنْ بَيْتِ لَحم ، القرية التي كان داود فيها، يأتي المسيح؟ " فَحَدَثَ انشقاق في الجَمعِ السَبَبِهِ وَكَانَ قَوْمُ منهم يُريدونَ أنْ يُمسكوه، ولكن لم يُلقِ أَحَدٌ عَلَيهِ الأيادي "
الروح القدس:
تدبير الكنيسة المقدسة يتعجب منه بالحقيقة، فقد جمعت الكنيسة في هذه المناسبة قدرًا من القراءات يصير كينبوع تعزية غزير في هذه المناسبة الجديرة بكل الانتباه فحلول الروح القدس هو كمال قصد المسيح في تجسده وحياته على الأرض وموته المُحيي على الصليب وقيامته المقدسة فقد أكمل المسيح كل هذا من أجل هذا القصد الإلهي الفائق أن تقبل البشرية روح الله حالاً عليها ليسكن فيها وهذا هو منتهى النعم التي تحصل عليها الإنسان منذ بدء الخليقة ألستم تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله ساكن فيكم" هذا هو بيت القصيد والغاية العظمى التي تتجه إليها كل أعمال المسيح له المجد وكل تعاليمه المحيية.
إنجيل العشية : ( يو ٧ : ٣٧ - ٤٤ ) .
في اليوم الأخير من العيد نادى يسوع وقال "إن عطش أحد فيقبل إلي ويشرب ومن آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي قال هذا عن الروح القدس".
إنجيل باكر : هو إنجيل الساعة الثالثة (من الأجبية) الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي".
إنجيل القداس : متى جاء المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي".
إنجيل صلاة السجدة : (يو ١٧ : ١ - ٢٦ ، لو ٢٤: ٣٦ - ٥٣ ، يو ١:٤ - ٢٤) وآخرها إنجيل السامرية "الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا"وكلام المسيح مع المرأة السامرية عن الماء الحي إلى جانب نبوات سفر التثنية ورسائل البولس من (۱) کو ۱۲، ۱۳)، کم هائل من القراءات يشحن الكنيسة بغنى بنفحات الروح القدس - فإن كان كل شيء يتقدس بكلمة الله والصلاة والسجود المتواتر كعلامة خضوع للروح وقبول الروح وعبادة بالروح والحق أما من جهة الروح القدس الذي قبلناه في أشخاص الرسل القديسين الذين هم كنيسة المسيح الحية ممثلة في لبناتها الأولى، الذين اعتبروا أعمدة وأساسات الكنيسة التي بنيت وتبنى عليها كل النفوس المفتداة العتيدة أن ترث الخلاص. هذا الروح الناري كما رأته العيون الشاخصة، تعبيرا عن طبيعته كروح الله - لأن إلهنا نار آكلة كما هو مكتوب - وهذه هي النار التي قال المسيح عنها "جئت لألقي نارًا على الأرض ولست أريد إلا أن تضطرم"وهي بالطبع ليست نارًا مادية وفعل الروح كفعل النار من جهة الإحراق والتطهير لكل ما هو من شأنه أن يحرق بالنار - كالقش والعشب وهذه النار عينها ستمتحن عمل كل واحد الذي بناه فإن احترق فسيخسر أما هو فسيخلص ولكن كما بنار ولكن إن كان البناء ذهبًا، فضة، حجارة كريمة فالنار ستظهره أكثر لمعانا وشروقًا وأكثر نقاوة وقداسة فإن قبلنا هذا الروح الناري فأين فعله الواضح فينا؟ أين المحبة القوية كالموت ؟ التي مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ لهيبها محبة الإخوة من قلب طاهر بشدة وهذه هي المحبة التي أحبنا المسيح بها أحبنا إلى المنتهى هذا هو روح الحب عند المسيح أين نحن من هذا الحب الملتهب نحو الله والناس؟ فإن امتلأ القلب بنار الروح فكيف يُصلي؟ بأي أشواق نحو الله
ودموع وحرارة القلب وسكيب النفس؟.
أما فتور الصلاة وبرودة القلب فهى دليل ما بعده دليل على انطفاء الروح، رغم أننا لنا وصية "لا تطفئوا الروح"وفتور المحبة بين الإخوة حتى حصلنا في القساوة والخصام والنقد والوقيعة واحتقار الآخرين وأغلقنا على أنفسنا في الأنانية ومحبة الذات ونسينا أو تناسينا أن محبة القريب هي وصية معادلة للوصية العظمى واستبدلنا المحبة القلبية الطاهرة ومشاعر الحب الروحي الحار نحو خلاص إخوتنا استبدلناها بمجاملات بشرية ميتة عديمة النفع أوقعتنا في الغيرة والمقارنات ومحبة المديح كل هذا أبعدنا بعيدًا عن اختبار روح الحب الحقيقي كما يريده المسيح لنا وكما عاش به الآباء بمحبة روحية شديدة أعظم بما لا يقاس من المحبة الجسدية التي تربط بين أقارب الجسد أو أصحاب المصالح من وراء الجسد وكما تعلو الروح على الجسد ، تعلو محبة الروح قدرًا هائلاً عن محبة الأجساد وإن كنا قبلنا الروح على هيئة ألسنة منظورة نطق بها آباؤنا الرسل الأطهار بحسب ما أعطاهم الروح، فلماذا عجز لساننا اليوم عن الشهادة للمسيح وباتت كلمات الحق عزيزة في هذه الأيام ؟ إن امتلأ القلب بالروح القدس حقا فعمل الروح الأول هو الشهادة للمسيح "يشهد لي" ،وتشهدون أنتم لي" بالروح الذي فينا فاض قلبي بكلام صالح ،والكلام الصالح من فيض الروح هو أحلى شهادة للمسيح مُخلّصنا أين لسان الروح الذي لم يستطع رؤساء الكهنة أن يقاوموه في اسطفانوس شهيد المسيحية الأول، أين لسان الروح الناطق في الأنبياء الذي يتكلم بإعلان ويتكلم بأسرار الله؟ "إن كان يتكلم أحد فكأقوال الله"أين لسان الروح الذي يمدح ويسند الضعفاء ويتكلم كلام مملح بملح يعطي نعمة للسامع ؟.
أين كلام الروح الذي يفيض حبًا وعذوبة للقريب ويبارك كل أحد حتى الذين يلعنون؟ أين لسان الروح الذي يشفع فينا بأنات وتنهدات لا ينطق بها، فيلهب مشاعر الحب للصليب ويزكي حياة الصلاة؟ أين لسان الروح الذي مثل القيثارة يصعد التسبيح ويردد المزامير ولا يكف عن الشكر والحمد للرب لأنه صالح وإلى الأبد رحمته ؟ أين لسان الروح الذي يعلم كلمة الحق لأنه روح الحق بدون مواربة ولا مجاملة ولا يعمل حسابًا لوجوه الناس؟.
الروح القدس والكنيسة:
لقد ولدت أمة دفعة واحدة كقول الرب بفم إشعياء (٦٦)، ومن ساعتها والروح يخصب الكنيسة فتلد من رحمها الذي لا يشيخ بنين من الماء والروح ثم يتعهدها كل يوم يجملها ويزينها بالزينة المقدسة والفضائل المختلفة لكي تليق بعريسها القدوس فيقول الروح بفم حزقيال النبي "فحممتك بالماء ومسحتك بالزيت والبستك مُطرّزة، ونعلتك بالتخس وكسوتك بزا، وحليتك بالحلي، فوضعت أسورة في يديك وطوقًا في عنقك ووضعت خزامة في أنفك وجملت جدا جدا، فصلحت لمملكة وخرج لك اسم في الأمم لجمالك، لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليك" (حز ١٦ : ٩ - ١٤) فبحسب عطايا الروح ومواهبه يجمل الكنيسة ويكمل القديسين ولجميع أعضاء الجسد يعطي زينة حقيقية لائقة بالمسيح كما قيل للكنيسة أيضًا "تلبسين كلهم كحلي"، فهى تتهيأ للمسيح بزينة القديسين سواء في القداسة أو الاتضاع أو المحبة أو الرجاء أو الإيمان
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات فى أناجيل عشيات الأحاد
المزيد
15 يونيو 2024
إنجيل عشية الأحد السادس من الخمسين ( مر ۱۲ : ۲۸ - ۳۷ )
"فجاء واحِدٌ مِنَ الكتبةِ وسَمِعَهُمْ يتحاورونَ، فَلَمَّا رأى أنَّهُ أَجابَهُمْ حَسَنًا ، سألهُ أَيَّةُ وصيَّةٍ هي أوَّلُ الكل؟ " فأجابَهُ يَسوعُ إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الوَصايا هي اسْمَعْ يا إسرائيل الرَّبُّ إِلَهنا رَبُّ واحد وتُحِبُّ الرَّبِّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلبكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدرَتِكَ هذه هي الوَصيَّةُ الأولى وثانيَةٌ مِثْلُها هي تُحِبُّ قريبك كنفسك ليس وصيَّةٌ أخرى أعظم من هاتين فقال له الكاتِبُ جَيِّدًا يا مُعَلِّمُ بالحَقِّ قلت، لأنَّهُ الله واحد وليس آخَرُ سِواهُ وَمَحَبَّتُهُ مِنْ كُلِّ القَلبِ، ومِنْ كُلِّ الفَهم، ومِنْ كُلِّ النَّفْسِ، وَمِنْ كُلَّ القُدْرَةِ ، ومَحَبَّةُ القريب كالنَّفس، هي أفضَلُ مِنْ جميع المحرقات والذبائح فَلَمَّا رَآهُ يَسوعُ أَنَّهُ أجاب بعقل، قال له لست بعيدا عن ملكوت الله ولم يَجسُرُ أَحَدٌ بَعدَ ذلك أَنْ يَسأله !ثم أجاب يسوع وقال وهو يُعَلِّم في الهيكل كيف يقولُ الكتبةُ إِنَّ المَسيحَ ابن داود؟ لأنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بالرّوحِ القُدُسِ قالَ الرَّبُّ لِرَبِّي اجلس عن يميني، حتَّى أَضَعَ أعداءَكَ مَوْطِئًا لَقَدَمَيكَ فَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَدعوهُ رَبًّا فمن أين هو ابنه؟ وكان الجمع الكَثِيرُ يَسْمَعُهُ بسُرور"
الموضوع الرئيسي الذي يشغل فكر الكنيسة هو الصعود إلى السماء والجلوس عن يمين الآب والمسيح له المجد في إنجيل العشية يقول وهو يعلم الجموع كيف يقول الكتبة إن المسيح ابن داود؟ والمسيح هو رب داود، إن داود نفسه قال في المزمور قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعدائك تحت موطئ قدميك" فداود نفسه يدعوه ربا ،وقول داود هذا غير محسوب إنه قول إنسان بل هو قول الروح القدس نفسه لأن كل الكتاب هو موحى به من الله ،ولم يتكلم أحد من نفسه لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس فالروح القدس هو في الحقيقة الشاهد للمسيح أنه رب بفم داود كقول المسيح له المجد عن الروح القدس "هو يشهدلي" فمن جهة ربوبية المسيا ولاهوته فقد أبرزها المسيح من هذا القول الإلهي قال الرب لربي" فداود ليس له سوى رب واحد وإله واحد ، ولكن هذه آية التجسد إن الكلمة صار جسدًا، فتجسد متأنسًا ، صائرًا في شبه الناس، مخليا ذاته آخذا شكل العبد، ثم إذ صلب عنا ومات قام ناقضا أوجاع الموت فكان يتحتم أن يصعد إلى السماوات حاملاً جسم بشريتنا فيه، ليجلسنا عن يمين الآب،وقول الآب للابن اجلس عن يميني هو محسوب أنه خطاب الآب لكل من اتحد بالابن ولكل من آمن به،لأن كل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المعترفين باسمه،وإذ هم فيه نالوا هذا النصيب الفائق أي الجلوس عن يمين الآب،أي صاروا في حضن الأب كبنين بحسب النعمة،وفي الصعود نلنا في المسيح نعمة النصرة التي ما بعدها نصرة "حتى أضع أعداءك تحت موطئ قدميك فأعداء المسيح مخضعين تحت موطئ قدمي إله السلام يخضع الشيطان تحت أقدامهم سريعًا" "رأيت الشيطان ساقطا من السماء مثل البرق" داس الموت بموته" أخضع الرؤساء والسلاطين، وأشهرهم جهارًا ظافرا بهم". "هأنذا أعطيكم السلطان لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو" نسل المرأة يسحق رأس الحية" حتى الشياطين تخضع لنا باسمك" وفي الواقع هذا هو النصيب العملي الذي يتمتع به أولاد الله في هذه الفترة من الخمسين وهى الإحساس بالنصرة والغلبة على كل قوة المضاد وهذه تعطي النفس ثقة في حربها ضد قوات الظلمة فتتهلل بالذي يقودنا في موكب نصرته كل حين نعود إلى قول السيد الرب، كيف يقول الكتبة أن المسيح هو ابن داود؟.
فهذا القول هو محور الكتاب المقدس كله، فمن نسل داود يظهر المخلص، ويرد الفجور عن إسرائيل، فمملكة أبينا داود كانت شهوة الأجيال وخلاصة تعليم الكتبة والفريسيين ومشتهى المنتظرين فداءً في إسرائيل فإن كان فكر الكتبة قد ارتبط بملكوت المسيح الأرضي ومولد المسيح من الجسد من داود وأماني رجوع مملكة داود الذي غلب جليات كأسطورة تنتشي لها النفس، فقد حول المسيح فكرهم إلى ربوبية المسيح ولملكوته السماوي وجلوسه عن يمين الآب وفي الواقع جاء تعليم المسيح هذا ردا على المحاورات التي كانوا يحاورون بها ولاسيما جماعة الصدوقيون الذين لا يؤمنون بالقيامة، فسألوا المسيح لعلهم ينالوا منه، فلما أفحمهم بالرد من الكتب وأن الله إله أحياء وليس إله أموات، وقال لهم تضلون كثيرًا إذ لا تعرفون الكتب، هنا جاء واحد من الكتبة فلما رأى جواب المسيح أعجبه ليس محبة في المسيح ولكن تشفيًا في جماعة الصدوقيين. فسأل الكاتب السيد المسيح أية وصية هي أول الكل، وهذا أجابه الرب أيضًا من الكتب عن وصية المحبة، ثم قال له لست بعيدًا عن ملكوت الله، ولكن للأسف رغم أنه ليس بعيدًا عن الملكوت لكنه لم يدخله فملكوت الله يدخلون إليه ادخل إلى فرح سيدك ويدخلهم إليهم "ها ملكوت الله داخلكم" ثم بعد ذلك علم السيد الرب تعليمه من جهة قول الكتبة عن أن المسيح ابن داود، فأكمله بالمزمور أنه ليس ابن داود فقط بل رب داود أيضًا، وأن الأمر لا يختص بملكوت أرضي بشبه مملكة داود بل ملكوت سماوي نجلس فيه عن يمين الآب، ونترجى هذا الملكوت في كل يوم وفي كل ساعة حين نصلي قائلين" ليأت ملكوتك".
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات فى أناجيل عشيات الأحاد
المزيد
08 يونيو 2024
إنجيل عشية الأحد الخامس من الخمسين( يو ١٤ : ٢١ - ٢٥ )
" الذي عِندَهُ وصاياي ويحفظها فهو الذي يُحِبُّني، والذي يُحِبُّني يُحِبُّهُ أبي، وأنا أحِبُّهُ، وأَظْهِرُ لَهُ ذاتي قال له يهوذا ليس الإسخريوطي يا سيد، ماذا حدث حتى إِنَّكَ مُرْمِعٌ أَنْ تُظهِرَ ذاتك لنا وليس للعالم؟ أجابَ يَسوعُ وقَالَ لَهُ إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحفَظُ كلامي، ويُحِبُّهُ أبي، وإليه نأتي ، وعِندَهُ نَصْنَعُ مَنزِلاً الذي لا يُحِبُّني لا يحفظ كلامي والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للآب الذي أرسلني " بهذا كلَّمتُكُمْ وأنا عندكُمْ ".
حفظ الوصية :
هذا هو الأحد السابق لصعود السيد المسيح له المجد إلى السماء وكأن الرؤيا تزداد وضوحًا وذهن التلاميذ الأطهار يزداد انفتاحًا، والحديث عن الآب لم يعد ألغازا، ولكن بحسب عطية المسيح وبسبب قيامته إذ قد صالحنا مع الآب، أصبح الحديث عن الآب علانية لقد جازت طبيعتنا أتون التغيير واقترب روح التطهير وروح الإحراق لتقبله البشرية المقامة في المسيح، وينسكب عليها روح الآب حاملاً كل المراحم الأبوية وكل التعطفات الإلهية ليحتوي البشرية الممجدة في المسيح ويدخلها إلى حضن الأب الحنون كان المسيح مزمعًا أن يصعد إلى السماء، ويجلسنا به وفيه عن يمين أبيه الصالح. فماذا عساه أن يخبر التلاميذ عن الآب الذي يحبهم؟
المدخل للحب هو الطاعة !! الذي عنده وصاياي ويحفظها هو الذي يحبني"المسيح اقتنى لنا حب الآب بطاعته المطلقة لما أخذ صورة العبد ووضع نفسه وأطاع. هذا هو النموذج الكامل لاجتذاب رضى الآب السماوي ومسرته، هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" مكتوب في درج الكتاب عن المسيح "هأنذا آتي لأصنع مسرتك". فهو أحضر أبناء الله الكثيرين والذين كانوا متفرقين، أحضرهم فيه وقدمهم للآب "هأنذا والأولاد اللذين أعطانيهم الرب" فإن سألت عن الطريق فهو المسيح وإن سألت عن المدخل فهو حفظ الوصية هذا هو برهان حبنا للمسيح أن نحفظ كلامه فالذي يحني عنقه لنير المسيح ويُخضع إرادته له يبرهن على أنه فعلاً يحب المسيح كسر وصايا المسيح هو ضعف في المحبة أو قل هو انحراف المحبة، فإن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب قلب الإنسان إذن هو الركيزة التي ترتكز عليها كل الحياة، فإن انشغل القلب بحب ذاك الذي أحبنا فإن برهان حبنا له هو حفظ وصاياه وتنفيذ كلامه كل ما عمله المسيح في تجسده كان يمجد الآب به هذا هو واجب البنوة الحقيقية وقد تفاضلت مسرة الآب غير المحدودة وشهادته لكمال ابنه بآيات وأعمال ومجد مساو مجدت وأمجد أيضًا فإن كنا اتحدنا بالمسيح بشبه موته وأقامنا معه وأنعم علينا بنعمة البنوة، فإنه علينا تقع مسئولية وواجب نحو الآب أن نحيا لمجده "أنا مجدت اسمك على الأرض"، "أنا أظهرت اسمك للناس"، هذه هي شهادة البنين حب الآب المنسكب علينا في المسيح شيء مهول لا حدود له ولا إدراك لكماله ومن يقدر أن يطيق، إنه نار ملتهبة تشعل القلب فيسعى الإنسان لتمجيد الآب حتى البذل وحتى الموت بل وما بعد الموت لقد اشتهى الشهداء أن يمجدوه بسفك دمهم كعلامة حب للذي أحبهم واشتهى النساك أن يمجدوه بتكريس الحياة وتقديس كل لحظة لمجده وأحرقوا أجسادهم في مجامر الحب الإلهي فامتلأ العالم من رائحة بخور حياتهم واشتهى الأبرار في كل جيل أن يمجدوه بأعمالهم ليرى الناس أعمالهم الحسنة فيمجدوا أباهم الذي في السموات فتناهوا في كل مجالات الفضيلة من بذل وعطاء وحب واتضاع وإنكار للذات وتقديس النفس والجسد، وإكرام الآخرين وحب العطاء رسالتنا إذن تنحصر في تمجيد الآب الذي أحبنا وأرسل ابنه كفارة لأجلنا، وقبل ذبيحته عن الخطاة وأرسل لنا روحه ليدخلنا إلى نعمة البنوة لنحيا في هذه الحظوة إلى أبد الآبد الصعود عمل إعجاز فائق على طبيعتنا البشرية ولكن المسيح بصعوده بجسدنا أدخل هذا الفعل الجديد إلى طبيعتنا فأصعدنا معه وفيه، بل نستطيع أن نقول إن كان يستحيل على إنساننا العتيق الطبيعي أن يرتفع أو يصعد إلى فوق إذ هو مرتبط بالجذب الأرضي الترابي، فإن إنساننا الجديد - الخليقة الجديدة في المسيح - مقام من الموت وصاعد إلى السماء في صميم خلقته فنحن مخلوقون في المسيح يسوع والمسيح قائم صاعد إلى السماء فالقيامة هي صميم طبيعتنا الجديدة والصعود منهج الحياة الجديدة والجلوس عن يمين الأب هو مركز طبيعتنا الجديدة ومجدها فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما هو فوق حيث المسيح جالس وبرهان ذلك هو انشغال الإنسان بما فوق، وهذيذه في السمويات وشهوة قلبه وكنزه هناك اهتموا بما فوق لا بما على الأرض" لقد نقل المسيح بصعوده مركز ثقل الإنسان من الأرض إلى السماء لما كنا في الجسد كان اهتمام الجسد هو المركز الذي ندور حوله كل الأيام ولا نستطيع أن نفلت من انجذابنا إلى كل ما هو ترابي مادي زائل ولما أصعدنا المسيح إلى السموات نقل سيرتنا إلى السماء لأن سيرتنا نحن في السماوات"وصرنا بحسب الطبيعة الجديدة ندور في فلك السماوات حول مركزنا العالي في الروح، هناك رجاؤنا وفرحنا وشهوة قلبنا ونعيمنا الدائم وهذا ما يعبر عنه بالحياة الأبدية في المسيح.
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات فى أناجيل عشيات الأحاد
المزيد