المقالات

22 فبراير 2021

يونان النبي

ونحن فى صوم يونان‏, ‏أو صوم نينوى‏, ‏أود أن أحدثكم اليوم عن شخصية يونان ومشكلته‏ إن قصة يونان النبي هي قصة صراع بين الذات الإنسانية والله‏. ‏ويونان النبي كان إنسانا تحت الآلام مثلنا‏. ‏وكانت ذاته تتعبه‏. ‏ونود في هذا المقال أن نتأمل صراع ذاته مع الله‏ الذي يريد أن يسير في طريق الله‏, ‏ينبغي أن ينكر ذاته‏, ‏يجحدها وينساها‏, ‏ولا يضع أمامه سوي الله وحده‏. ‏ومشكلة يونان النبي أن ذاته كانت بارزة ومهمة في طريق كرازته‏. ‏وكانت تقف حائلا بينه وبين وصية الله‏, ‏ولعله كثيرا ما كان يفكر في نفسه هكذا‏: ‏ما موقفي كنبي‏, ‏وكرامتي‏, ‏وكلمتي‏, ‏وفكرة الناس عني؟؟ وماذا أفعل إذا اصطدمت كرامتي بطريقة الله في العمل؟ ولم يستطع يونان أن ينتصر علي ذاته‏ كلفه الله بالذهاب إلي نينوي‏, ‏والمناداة بهلاكها‏.. ‏وكانت نينوى عاصمة كبيرة فيها أكثر من‏ 120000‏ نسمة‏ ولكنها كانت أممية وجاهلة وخاطئة جدا‏, ‏وتستحق الهلاك فعلا‏. ‏ولكن يونان أخذ يفكر في الموضوع‏: ‏سأنادي علي المدينة بالهلاك‏, ‏ثم تتوب‏, ‏ويتراءف الله عليها فلا تهلك‏.ثم تسقط كلمتي‏, ‏ويكون الله قد ضيع كرامتي علي مذبح رحمته ومغفرته‏. ‏فالأفضل أن أبعد عن طريقه المضيع للكرامة‏!!‏ وهكذا وجد سفينة ذاهبة إلي ترشيش‏, ‏فنزل فيها وهرب‏. ‏لم يكن يونان من النوع الذي يطيع تلقائيا‏. ‏إنما كان يناقش أوامر الله الصادرة إليه‏, ‏ويري هل توافق شخصيته وذاته أم لا‏ ليس كذلك الملائكة‏. ‏إنهم يطيعون بغير مناقشة‏, ‏وبغير تردد‏. ‏إن الله كلي الحكمة‏, ‏وهم مجرد منفذين لمشيئته‏, ‏وليسوا شركاء له في التدبير حتي يناقشوا أو يعترضوا‏ سواء كان الأمر رحمة أو قصاصا‏, ‏يطيع الملائكة بلا نقاش‏: ‏يأمر الله أحدهم أن يذهب ليسد أفواه الأسود منقذا دانيال‏, ‏فيطيع‏. ‏وبنفس الطاعة يذهب الملاك الذي يأمره الرب بقتل جميع أبكار مصر‏. ‏ملائكة يأمرهم الله بإنقاذ بطرس من السجن‏, ‏أو بإنقاذ بولس‏, ‏أو بإنقاذ لوط‏, ‏أو بافتقاد هاجر‏, ‏فيطيعون‏. ‏وبنفس الطاعة ينفذ أمره الملائكة الذين يبوقون بالأبواق في سفر الرؤيا فتنزل الويلات علي الأرض تحطمها تحطيما‏. ‏لا يقولون عفوا يارب‏, ‏أشفق وأرحم‏, ‏وأبعدنا عن هذه المهمة‏. ‏وظيفتهم هي التنفيذ‏, ‏وليس التدبير أو التفكير‏. ‏إنهم متواضعون‏, ‏لا يعتبرون أنفسهم أحن علي الناس من الله خالقهم‏.يذكرنا هذا بقوانين الأحوال الشخصية‏, ‏ومنع الطلاق إلا لعلة الزنا‏, ‏وعبارات الحنو التي يدافع البعض عن زواج المطلقات‏, ‏كأنهم أكثر حبا وعطفا وحنانا من المسيح الذي وضع الوصية‏ أما نحن فوظيفتنا هي التنفيذ وليس المناقشة‏. ‏لا نريد أن نعمل مثل يونان‏, ‏الذي تلقي الأمر من الله‏, ‏فناقشه ثم رأي الحكمة في مخالفته‏.. ‏وهكذا استقل سفينة ليهرب من الرب‏! ‏مسكين هذا الإنسان الذي يظن أنه يقدر علي الهروب من الله‏! ‏تري إلي أين يهرب؟‏!‏ مهما هربت من الوصية ستجدها تطاردك حيثما كنت‏. ‏ترن في أذنيك وتدور في عقلك‏, ‏وتزعج ضميرك‏ إن كلمة الرب قوية وفعالة‏, ‏ومثل سيف ذي حدين‏, ‏وتستطيع أن تخترق القلب والعقل‏, ‏وتدوي في أرجاء الإنسان‏.‏هرب يونان إلي ترشيش‏, ‏ونسي أن الله موجود في ترشيش أيضا‏. ‏وركب السفينة وهو يعلم أن الله هو إله البحر‏, ‏كما أنه إله البر أيضا‏. ‏ولم يشأ الله أن يصل يونان إلي ترشيش‏, ‏وإنما أمسكه في البحر‏, ‏وهيج الأمواج عليه وعلي السفينة كلها‏.. ‏والعجيب أن يونان كان قد نام في جوف السفينة نوما عميقا‏. ‏لا أيقظه الموج‏, ‏ولا صوت الأمتعة وهي تلقي في الماء‏, ‏ولا صوت ضميره‏!!‏ نام يونان‏, ‏لم يهتم بمشيئة الله وأمره‏, ‏ولم يهتم بنينوي وهلاكها أو خلاصها‏, ‏ولم يهتم بأهل السفينة وما تجره عليهم خطيئته‏.. ‏لكنه تمركز حول ذاته‏, ‏وشعر أنه حافظ علي كرامته فنام نوما ثقيلا‏ هذا النوم الثقيل كان يحتاج إلي إجراء حاسم من الله‏: ‏به ينقذ ركاب السفينة جسديا وروحيا‏, ‏وينقذ مشيئته من جهة نينوي وخلاصها‏, ‏وينقذ نفس هذا النبي الهارب‏, ‏ويعلمه الطاعة والحكمة‏. ‏مستبقيا أياه في خدمته بطول أناة عجيبة‏, ‏علي الرغم من كل أخطائه ومخالفته‏ ومن هم جنودك يارب الذين ستستخدمهم في عمليات الإنقاذ الكبري هذه؟ يجيب الرب عمليا‏: ‏ عندي الموج‏, ‏والرياح‏, ‏والبحر‏, ‏والحوت‏, ‏والشمس‏, ‏والدودة‏, ‏واليقظة‏.. ‏إن كانت خليقتي العاقلة لم تطعني‏, ‏فسابكتها بالجمادات والحيوانات‏.وهكذا أمر الله الرياح‏, ‏فهاج البحر‏, ‏وهاجت أمواجه‏, ‏وصدمت السفينة حتي كادت تنقلب‏. ‏وازداد هيجان البحر‏, ‏لأن أمر الرب كان لابد أن ينفذ وبكل سرعة‏, ‏وبكل دقة‏.‏ وتصرف ركاب السفينة بحكمة وحرص شديدين‏.. ‏وبذلوا كل جهدهم الفني‏, ‏وصلوا كل واحد إلي إلهه وألقوا قرعا ليعرفوا بسبب من كانت تلك البلية‏, ‏فأصابت القرعة يونان‏.‏الوحيد الذي لم يذكر الكتاب أنه صلي كباقي البحارة‏, ‏كان يونان‏. ‏وحتي بعد أن نبهه أو وبخه رئيس النوتية‏, ‏لم يلجأ إلي الصلاة‏. ‏كأن عناده أكبر من الخطر المحيط به‏ حاول البحارة إنقاذ يونان بكافة الطرق فلم يستطعوا‏. ‏واعترف يونان أنه خائف من الله الذي صنع البحر والبر‏!! ‏إن كنت خائفا منه حقا‏, ‏نفذ مشيئته‏. ‏ما معني أن تخافه وتبقي مخالفا؟ ولكن كبرياء يونان كانت ما تزال تسيطر عليه‏. ‏إن الإنسان إذا تعلق بذاته وكرامته‏, ‏يمكن أن يضحي في سبيل ذلك بكل شئ‏.. ‏كان يونان يدرك الحق‏, ‏ومع ذلك تمسك بالمخالفة‏, ‏من أجل الكرامة التي دفعته إليها الكبرياء‏, ‏فتحولت إلي عناد‏.. ‏قالوا له‏: ‏ماذا نصنع بك ليسكن البحر عنا؟‏. ‏فأجابهم‏: ‏خذوني واطرحوني في البحر وهنا أقف متعجبا‏!!‏ علي الرغم من كل هذه الإنذارات والضربات الإلهية‏, ‏لم يرجع يونان‏. ‏لم يقل أخطأت يارب في هروبي‏, ‏سأطيع وأذهب إلي نينوي‏.. ‏فضل أن يلقي في البحر‏, ‏ولا يقول أخطأت‏..!‏ لم يستعطف الله‏. ‏لم يعتذر عن هروبه‏. ‏لم يعد بالذهاب‏. ‏لم يسكب نفسه في الصلاة أمام الله‏. ‏إنما يبدو أنه فضل أن يموت بكرامته دون أن تسقط كلمته‏!! ‏وهكذا القوة في البحر‏ أما مشيئة الله فكانت لابد أن تنقذ‏. ‏هل تظن يا يونان أنك ستعاند الله وتنجح؟‏! ‏هيهات‏, ‏لابد أن تذهب مهما هربت‏, ‏ومهما غضبت‏. ‏أن الله سينفذ مشيئته سواء أطعت أم عصيت‏, ‏ذهبت أم هربت‏ ألقي يونان في البحر‏, ‏وأعد الرب حوتا عظيما فابتلع يونان‏.يا يونان‏, ‏صعب عليك أن ترفس مناخس‏. ‏إن شئت فبقدميك تصل إلي نينوي‏. ‏وإن لم تنشأ فستصل بالبحر والموج والحوت‏. ‏بالأمر‏, ‏إن لم يكن بالقلب‏.‏وفي جوف الحوت وجد يونان خلوة روحية هادئة‏, ‏ففكر في حاله‏. ‏إنه في وضع لا هو حياة‏, ‏ولا هو موت‏. ‏وعليه أن يتفاهم مع الله‏, ‏فبدأ يصلي‏. ‏إنه لا يريد أن يعترف بخطيئته ويعتذر عنها‏, ‏وفي نفس الوقت لا يريد أن يبقي في هذا الوضع‏. ‏فاتخذ موقف العتاب‏, ‏وقال‏: ‏دعوت من ضيقي الرب‏, ‏فاستجابني‏.. ‏لأنك طرحتني في العمق‏.. ‏طردت من أمام عينيك‏.‏ من الواضح أن الله لم يضع يونان في الضيق‏, ‏ولم يطرحه في العمق‏, ‏ولم يطرده ولكن خطيئة يونان هي السبب‏.‏هو الذي أوقع نفسه في الضيقة‏, ‏ثم شكا منها‏, ‏ونسب تعبه إلي الله‏.. ‏ولكن النقطة البيضاء، هي أنه رجع إلي إيمانه في بطن الحوت‏. ‏فآمن أن صلاته ستُستَجاب‏, ‏وقال للرب‏: ‏أعود أنظر هيكل قدسك‏. ‏آمن أنه حتي لو كان في جوف الحوت‏, ‏فلابد سيخرج منه ويري هيكل الرب‏.‏أتت هذه القضية الكبري بمفعولها‏. ‏ونجح الحوت في مهمته‏. ‏والظاهر أن يونان نذر نذرا بأنه إن خرج من جوف الحوت‏, ‏سيذهب نينوي لأنه قال للرب وهو في جوف الحوت أما أنا فبصوت الحمد أذبح لك‏, ‏وأوفي بما نظرته‏ 2: 9. ‏أي نذر تراه غير هذا؟‏! ‏ثم إنه لما قذفه الحوت إلي البر‏, ‏وصدر إليه زمر الرب ثانية‏, ‏نفذ نذره‏, ‏وذهب إلي نينوي‏ ولكن الظاهر أنه ذهب بقدميه مضطرا‏, ‏وليس بقلبه راضيا‏. ‏ذهب من أجل الطاعة‏, ‏وليس عن اقتناع‏.‏بلغ الرسالة إلي الناس‏. ‏ونجحت الرسالة روحيا‏.. ‏وتاب أهل نينوي وتذللوا أمام الرب‏, ‏وصاموا‏, ‏وصلوا‏. ‏وقبل الرب توبتهم‏, ‏ولم يهلك المدينة‏. ‏ورأي النبي أن كلمته قد سقطت‏, ‏ولم تهلك المدينة فاغتاظ‏.‏وكان غيظ يونان دليلا علي الذاتية التي لم يتخلص منها‏.‏ما كان يجوز إطلاقا إن يغتاظ النبي لخلاص أكثر من‏ 120000‏ نسمة‏, ‏قد رجعوا إلي الله بالتوبة وقلب منسحق‏, ‏لأن الكتاب يقول‏: ‏يكون هناك فرحا في السماء بخاطئ واحد يتوب‏. ‏لا شك إذن أنه قد كان هناك فرحا عظيما جدا في السماء بخلاص أهل نينوي‏. ‏ولكن يونان لم يشارك في هذا الفرح من أجل ذاتيته‏. ‏كما أن الابن الأكبر لم يشارك في الفرح برجوع أخيه الصغير وفي الحفل الذي أقيم له لأجل ذاتيته أيضا لو‏ 15.‏ في كل هذا لم تكن مشيئة يونان موافقة لمشيئة الله‏ ولم يكتف يونان بهذا‏, ‏بل عاتب الله‏, ‏وبرر ذاته‏, ‏وظن أن الحق في جانبه‏. ‏فصلي إلي الله وقال‏: ‏آه يارب‏, ‏أليس هذا كلامي إذا كنت بعد في أرضي‏. ‏لذلك بادرت بالهرب إلي ترشيش‏, ‏لإني علمت أنك إله رؤوف ورحيم‏ 4: 2.‏ كيف صلي‏, ‏وهو في تلك الحالة القلبية الخاطئة المغتاظة؟ وكيف تكلم كما لو كان مجنيا عليه وقال‏: ‏آه يارب؟ وكيف ظن الحق في جانبه قائلا‏: ‏أليس هذا كلامي وكيف برر‏ ‏هروبه قائلا‏: ‏لذلك بادرت بالهرب‏.. ‏لم يقل ذلك في شعور بالندم أو الانسحاق‏, ‏بل شعور من له حق‏, ‏وقد رضي بالتعب صابرا‏!‏ عجيب هو الإنسان حينما يجامل نفسه علي حساب الحق‏! ‏ويرفض الاعتراف بالخطأ مهما كانت أخطاؤه واضحة‏!!‏ علي أن الله استخدم في علاجه أربعة أمثلة من مخلوقاته غير العاقلة التي كلفت بمهام صعبة‏, ‏وأدتها علي أكمل وجه‏, ‏دون نقاش‏: ‏الأمواج‏ التي لطمت السفينة حتي كادت تغرق‏, ‏الحوت الذي بلع يونان‏, ‏الشمس التي ضربت رأسه فذبل‏, ‏الدودة التي أكلت اليقطينة‏ أما يونان فجلس شرقي المدينة ليري ماذا يحدث فيها‏. ‏كما لو كان ينتظر أن يعود الله فيهلك الشعب كله إرضاء لكرامة يونان؟‏!!‏ وأعطاه الله درسا من كل تلك الكائنات غير العاقلة التي كانت أكثر تنفيذا لمشيئته من هذا النبي العظيم‏, ‏الذي لم يتركه الرب بل هداه إلي طريقه‏, ‏بركة صلواته فلتكن مع جميعنا‏ إن قصة يونان النبي وتوبة أهل نينوي‏, ‏إنما تقدم لنا تأملات كثيرة‏ لقد دخل شعب نينوي في التاريخ‏, ‏ولم تكن لهم مظاهر عظمة تدعو إلي ذلك علي الإطلاق‏ كانوا شعبا أمميا لا يعرف الله‏. ‏وكانوا في حالة من الجهل لا يعرفون يمينهم من شمالهم يون‏ 4: 11.وكانوا أيضا خطاة تلزمهم التوبة‏ ولكن الذي سجل اسمهم‏, ‏وخلد قصتهم في الكتاب المقدس‏, ‏هو إنهم تابوا‏ وقال عنهم السيد المسيح إنهم سيقومون في يوم الدين ويدينون هذا الجيل‏, ‏لأنهم تابوا بمناداة يونان متي‏ 12: 41.. ‏ومما أعطي لتوبة أهل نينوي أهمة في التاريخ‏, ‏إنها كانت توبة جادة وسريعة وقوية‏. ‏كما انها شملت الشعب كله من الملك إلي عامة الناس‏. ‏واستطاعت هذه التوبة أن تكسب رضا الله‏, ‏بل ودفاعه عن هؤلاء التائبين‏ كثيرون سجل التاريخ أسماءهم بسبب أعمال عظيمة قاموا بها‏, ‏أو بسبب نبوغ أو ذكاء خاص‏, ‏أو ارتفاع في حياة الروح‏, ‏أو قدرة علي إتيان المعجزات‏, ‏أو ما منحهم الله إياه من مواهب‏ أما نينوي فنالت شهرتها بالتوبة‏ وكلما نذكر نينوي‏, ‏نذكر هذه التوبة‏, ‏لكي ما نقتدي بها في حياتنا‏..‏هناك نوعيات من التوبة لا يستطيع التاريخ أن يتجاهلها‏, ‏بخاصة إذا كانت تلك التوبة نقطة تحول في الحياة‏, ‏ولا رجعة فيها‏. ‏وما بعدها يختلف تماما عن حياة الخطية الأولي. قداسة مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث
المزيد
17 فبراير 2021

أهمية حُسن العلاقات

كثير من الأمور تُحلّ بحسن العلاقات أكثر مما تُحل بالقانون أو بالقضاء. بل أن القانون لا يتدخل إلا إذا ساءت العلاقات ولم يستطع الناس فيما بينهم أن يحلّوا مشاكلهم... وهنا يعجبنا المثل القائل "إذا اصطلح الخصمان استراح القاضي". فكم بالأكثر إن لم تكن هناك خصومة على الإطلاق فما هي إذن هذه العلاقات؟ وما أنواعها؟ الناس في علاقاتهم على ثلاثة أنواع: إما إنسان يصنع صداقاتٍ وسلامًا peace maker. وإما إنسان مشاكس يصنع عداوات ومشاكل trouble maker وإما إنسان لا علاقات له, لا عداوات ولا صداقات! هو إنسان منعزل, أو بالتعبير العامي "في حالُه" أو محايد neutral.ولكنك يا أخي تعيش في مجتمع, ولست في عزلة من الناس. وبالضرورة لابد أن تكون لك علاقات.لك علاقات في محيط أسرتك, وفي محيط جيرانك, وفي مجال عملك مع الزملاء أو الإدارة. بل وفي أماكن العبادة أيضًا, كما في نطاق التسلية و الترفيه كذلك. فما هو دورك في هذا كله؟ ما هو موقفك من مبادئ التعاون, وحسن الجوار, ولوازم المجاملة, والمشاركة الاجتماعية والعاطفية, ومواقف التهنئة أو التعزية؟ هل تتجاهل مشاعر الناس؟ أم الواجب أن تشاركهم في مشاعرهم؟ هل يحدث كل ما يحدث, وكأنك أنت لست هنا, لا تحس ولا تدرى!! هل تقول إنني لم أعرف الأخبار حتى أشارك؟! أو لا يعنى هذا عدم اهتمامك! لأن الاهتمام بالغير يعنى السؤال عن أخباره والاطمئنان عليه... أما عدم الاهتمام فيدل على نقص المحبة أو انعدامها وأنت -إن تجاهلت الناس- فتجاهلوك بالمثل... ماذا يكون شعورك وقتذاك؟ ألا تستاء، بل تحزن، وتشعر بإهمال الناس لك؟ إذن ما تريد أن يفعله الناس معك، افعله أنت أيضًا معهم إن الإحساس بالناس، ومجاملتهم، أمران هامان في الحياة الاجتماعية نحسّ بآلام الناس ونشاركهم مشاعرهم، ونشعرهم بحبنا لهم، وعدم التخلي عنهم في ضيقتهم. وهكذا يكون مما يؤثر النفس بزيارة شخص في مرضه، والتخفيف عنه بكل دعاء أو كلمة رجاء، أو تقديم باقة من الورد له، أو الاطمئنان عليه من أطبائه. هذا يترك أثرًا كبيرًا في نفسه، والعكس أيضًا صحيح. فالذي لم تزره في مرضه ولم تطمئن عليه ولو بمكالمة تليفونية، لابد سيشعر بتقصيرك في حقه ويؤلمه ذلك منك نفس الوضع في تعزية الحزانى. سواء كان ذلك في وفاة أحد المحبين، أو في ورطة وقع فيها، أو في تحقيق رسمي معه، أو في أية مشكلة حلّت به. كل ذلك يشعره أنه محاط بقلوب تحبه وتخلص له، وترجو له الخيروتكون هذه المشاركة الوجدانية مع الكبير ومع الصغير: مع زميلك أو رئيسك في العمل، ومع القريب والغريب. بل مع خادمك أيضًا وتلميذك وابنك، ومع جارك أو صديق. فيشعر الكل أنك محب ومخلص، ولك قلب شفاف، ومشاعر طيبةلا ننسى أيضًا مشاركة الناس في احتياجاتهم المادية ولو في السّر، وبطريقة غير ملحوظة وغير جارحة. هناك محتاجون ويطلبون في صراحة أن تساعدهم وتسندهم في احتياجاتهم. وعليك أن تساعدهم بنفسك أو توصى عليهم من يعينهم ماليًا وهناك نوع آخر يحتاج ويستحى أن يطلب أو أن يعلن عن احتياجه. وواجبك أن تساعد مثل هذا في سرّ. ونحن نسمى هذه النوعية بالأسر المستورة. وتحتاج مساعدتهم إلى لباقة وستر. ومن أمثلتهم من تضطره ظروفه الصحية إلى عملية جراحية تكلفه ما هو فوق طاقته، أو قد يحتاج إلى مجرد ثمن الدواء ولا يجد.. أو يضطر إلى الاستدانة في تزويج ابنته، أو في تهيئة سكن لابنه أو في دفع مصروفاته الدراسية أما أن نشعر باحتياجات الناس ولا نهتم، فليس هذا نبلًا، ولا يتفق مع المبادئ الإنسانية، ولا مع العلاقات الاجتماعية! نقول نفس الكلام بالنسبة إلى المسئولين الذين يدفعون للعاملين تحت إدارتهم أجورًا زهيدة أو مرتبات لا تغطى احتياجاتهم.وهنا تأتى علاقة صاحب العمل بالعاملين الذين يأخذون أجرهم منه، وهل هو يكفيهم في حياتهم أم لا؟ وكلما كان صاحب العمل سخيًا في العطاء، وفي الحوافز والعلاوات، وفي مراعاة موظفيه صحيًا واجتماعيًا وماليًا... على هذا القدر تكون محبتهم له، وعرفانهم بجميلة، ودعاؤهم له بأن يكافئه الله حسب هذا الحنو الذي يمتلئ به قلبه من ناحيتهم... إن المجتمع لا يحتاج إلى علماء يكتبون في علم الاجتماع أو علم النفس، بقدر ما يحتاج إلى قلوب نبيلة تحسّ احتياجات الناس وتساهم في إراحتهم ما أجمل عبارة "فرحًا مع الفرحين، وبكاءً مع الباكين". وما أنبل القلب الشفوق الذي لا يستطيع أن ينام، بينما جاره أو صديقه في ضيقة وما أعظم قدر الذين يتعبون لأجل غيرهم وكل مسئول في منصب معين، سوف لا ينسى له الناس مساهمته في إراحتهم. تنقضي فترة مسئوليته في وقت ما، ولكن سيرته الطيبة لا تزول مطلقًا من ذاكرة الناس، بل يذكرونه بالخير في كل علاقاته الطيبة معهم إن المسألة ليست مجرد إدارة، إنما بالأكثر هي رعاية. وهنا نتذكر أن في غالبية المصالح والشركات والمؤسسات، بل وفي الوزارات أيضًا إدارة هي (العلاقات العامة) Public Relations فهل هي مجرد إدارة عبارة عن موظفين وكتابات ومراسلات وباقي الأعمال الإدارية، أم هي علاقة عملية دعامتها المودة والصلة الهادفة للخير عمليًا وحسن العلاقات؟... إن كان الأمر كذلك، فسوف تؤول الأمور إلى الخير بمشيئة الله. إما إن اقتصرت على الرسميات وكفى، فإنها تكون قد فقدت هدفها النبيل. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
10 فبراير 2021

اكسب قلوب الناس و محبتهم

الإنسان الحكيم هو الذي يعمل باستمرار على زيادة عدد محبيه, وتقليل عدد من يعاديه. يبذل جهده -على قدر طاقته- في أن تحيط باستمرار قلوب تحبه. ولا يفسح مجالًا لتكوين عداوة مع أحد, واضعًا أمامه قول سليمان الحكيم "رابح النفوس حكيم" وفى علاقاته مع الآخرين, يتذكر تلك النصيحة الغالية "من لا توافقك صداقته, لا تتخذه لك عدوًّا" ذلك لأن العداوة نار ربما تحرق الطرفين, أو على الأقل طرفًا واحدًا منهما. فهي إذن خسارة ينبغي أن يتفاداها كل حريص والذي يعمل على ربح النفوس, فليس يعمل ذلك لمجرد صالحه, وإنما لصالحهم أيضًا. ولأجل تنفيذ وصية الله في أن يسود السلام بين الجميع, وأن تتنقى القلوب من كل ضغينة وحقد, ويتفرغ الناس للعمل الإيجابي البنّاء, بدلًا من إضاعة الوقت و تبديد الطاقات في السلبيات وفي الصراع. وكذلك لفائدة المجتمع كله حتى يكون بناءً راسخًا يشد بعضه بعضًا... ويتعاون فيه الكل على عمل الخير, وإعطاء صورة جميلة للقيم, وإعطاء صورة جميلة للقيم و للأخلاقيات المعاشة إن ربح النفوس هو مبدأ رعوي واجتماعي. وهو مبدأ روحي وإداري في نفس الوقت فهو لازم جدًا لحفظ كيان الجماعة, سواء على مستوى الأسرة أو الدراسة, أو الإدارة والنظام, أو العلاقة مع الله ومع سلام الإنسان داخل نفسه ففي الأسرة, على الزوجين أن يربح كل منهما الآخر, فيعيشان في سلام, لا يختلفان ولا ينفصلان, بل يراعى كل منهما نفسية الآخر, ويعمل على حفظ المودة مهما اختلفت وجهات النظر إلى الأمور أحيانًا. ويجتهد الاثنان في كسب محبة أبنائهما باستمرار, لا عن طريق التدليل الخاطئ, ولا بأسلوب الحزم القاسي, وإنما بالرعاية والعناية. وهكذا تكون الأسرة مترابطة ولذلك فالأم التي تشكو من متاعب أبنائها, ومن عصيانهم لها أو تمردهم عليها, إنما تعترف ضمنًا أنها لم تكسب محبتهم منذ طفولتهم, ولم تكوّن صداقة معهم تحفظهم تحت إرشادها كذلك ربح النفوس لازم في محيط المدارس والمعاهد العلمية. والمدرس الناجح يتميز بمحبة تلاميذه له, والتفافهم حوله ناظرين إليه كأب ومرشد وصديق, يحترمونه ويثقون برأيه ونصائحه كما يثقون بعلمه وثقافته. وهذا المدرس الناجح -في ربحه لقلوب تلاميذه- لا يقتصر عمله على التدريس, وإنما يشمل أيضًا التربية والتهذيب, وإعداد جيل نافع لخدمة الوطن ومنتج في محيط المجتمع. ربح النفوس يلزم أيضًا في مجال العمل والإدارة. فكل من يريد عملًا, عليه أن يجمع العاملين معه, في رابطة قوية من الإخلاص له والأمانة في العمل. وذلك بما يظهره لهم في كل مناسبة من الاهتمام بهم, وحسن معاملتهم, ورعايتهم ماديًا وصحيًا. فلا يكون مجرد رئيس يأمر وينهى, ويحاسب ويعاقب, وفي حزم يحرص على سلامة العمل, إنما يكون أيضًا قلبًا شفوقًا على العمال, تربطهم به محبة وولاء إلى جوار الطاعة والاحترام إن ربح نفوس العاملين والموظفين، هو الضمان الأساسي لسير العمل ونجاحه، وهو ضمان لاستمرار العمل وحفظه من التظاهر والاعتصام والاحتجاج والمطالبة بحقوق يرون أنها غير متوفرة!! ورابح النفوس، يتصف بأنه يهتم بالكل ويكسب الكل يفهم نفسية الآخرين، ويعاملهم بما يناسبهم. يهتم بالتعابى ويعمل على إراحتهم. ويربح الضعفاء وصغار النفوس ويشجعهم ويتأنى عليهم ولا يطالبهم بما هو أكثر من قدراتهم يحاول أن يكسب المقاومين، فلا يكون سريع الغضب أو ميالًا إلى المجازة والانتقام. بل يتصف بالتسامح والصبر والاحتمال أيضًا يحاول أن يحتفظ بكسب الأصدقاء. ولا يخسرهم بكثرة العتاب وشدته. إنما يذكر باستمرار مودتهم، ويغمض العين عن ضعفاتهم أحيانًا, ولا يركزّ عليها وبالنسبة إلى عموم الناس, يربحهم بالقدوة الحسنة وبالمعاملة الطيبة وبالجواب اللين الذي يصرف الغضب ورابح النفوس يحترم الكل, ولا يستهزئ بأحد أو يتهكم عليه ولا يكون نقّادًا ينظر باستمرار إلى النقط السوداء متجاهلًا فضائل الآخرين ورابح النفوس لا يراهم الناس في طريق الحياة, إنما يحب الكل, ويرجو الخيرللكل, ويفرح بنجاح غيره, دون أن يعتبر أحدًا منافسًا له أو معطلًا.ويكون مجاملًا في شتى المناسبات. يشارك الناس في مشاعرهم ويكون خدومًا, يساعد من يحتاج إلى مساعدة, ويأخذ بيد الساقط حتى يقوم, ويتعاون في كل عمل خيرّ ورابح النفوس ينبغي أن يكون دمث الخلق, عفّ اللسان, وبشوشًا, ورقيقًا في معاملته. ويكون سمح الملامح.بهذا يكسب الناس. يكسب محبتهم وثقتهم, ويعيش مع الكل في سلام بقدر إمكانه. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
03 فبراير 2021

الغش والخداع

ما أكثر أنواع الغش والخداع وعلى الإنسان الحكيم أن يحترس منها جميعًا. وقد يُخدع بها البسطاء. وللأسف حتى العقلاء أحيانًا ينخدعون إن بالغوا في ثقتهم بالآخرين، ولم يفحصوا، ولم يدققوا كما ينبغي. وبخاصة لأن كثيرًا من الذين يخدعون الغير أذكياء، غير أنهم يستخدمون ذكاءهم في الخطيئة أو الشر. وسنحاول هنا أن نتحدث عن بعض أنواع الغش والخداع: 1- الغش في تقديم المعلومات:- وذلك بأن يقدم الشخص مفهومًا مخالفًا للحقيقة: بأن يعرض أنصاف الحقائق، أو أجزاء من الحقائق، لأن ما يخفيه سيُظهر عكس ما يقول. أو يقدم أسبابًا ثانوية أو تمرَضية بدلًا من الأسباب الأساسية. أو يذكر بيانات كاذبة لتصديقها اعتمادًا على الجهل بحقيقة الموقف. أو يستخدم وسائل تكنولوجية حديثة في فبركة الأخبار أو فبركة الصور، وما أكثرها في هذه الأيام. أو أنه يخدع غير الدارسين بذكر معلومات يدعى نسبتها إلى مصادر لا يكون في مقدورهم الإطلاع عليها والتأكد منها. أو ينشر أخبارًا بعناوين مثيرة، بينما من يدقق في قراءة المحتوى لا يجده يثبت ذلك وما أكثر الطرق في الخداع بالمعلومات الخاطئة أو المبالغ فيها إلى حد بعيد، ولكنها تترك تأثيرها في من لا يتقن الفحص والعمل على تقصى الحقائق، أو من لا يجد وقتًا لذلك. 2- الجاسوسية هي لون آخر من الخداع:- وذلك على مستوى الدول وليس مجرد الأفكار. ويعمل في هذا المجال أشخاص مدربون تدريبًا دقيقًا، ولهم قدرة على التخفي، والظهور بغير حقيقتهم، والإدعاء بأنهم مواطنون مخلصون. ويعرفون كيف يندسّون في الأوساط التي يريدون كشفها للعدو، بحيث لا يلاحظهم أحد... وغالبًا تمضى عليهم مدة طويلة دون أن تظهر حقيقتهم. وبالنسبة إلى البعض ربما لا تظهر حقيقتهم على الإطلاق إلا بعد رحيلهم أو فوات الفرصة. وهم أيضًا مزودون بأجهزة تساعد على أداء مهمتهم، سواء في التصنت أو التصوير أو طريقة إرسال المعلومات... 3- الغش عن طريق التزوير:- هناك أشخاص لهم دراية عجيبة في تزوير الإمضاءات، أو تزوير الأختام، أو تزوير الوثائق الهامة بوجه عام... وربما يستخدمون التزوير في حسابات البنوك، أو في الشهادات والبطاقات. أو قد يسرقون بطاقة شخص ويستخدمونها لشخص آخر. أو يقومون بتزوير شهادات يقدمونها إلى المحاكم لكسب قضية معينة. أو قد يكون التزوير لكسب المال، أو للانتقام من شخص معين، أو الإيقاع به، وما إلى ذلك.. 4- التزوير في العملية المالية، وفي المعاملات المالية:- كأن يقوموا بتزوير ورقة مالية من فئة الجنيه، أو من فئة الدولار. ولا يستطيع كشف ذلك إلا الخبراء المتخصصون أو من تعاملوا مع ذلك. ولكن عامة الشعب قد لا يستطيعون أن يفرقوا بين العملتين المزيفة والسليمة.ومن جهة التزوير في المعاملات المالية: من يحاول أن يقدم تقريرًا مزورًا عن ذمته المالية، أو عن موقفه من الضرائب المطلوبة منه، أو موقفه من الجمارك... لكي يفلت من مطالبة الدولة له... 5- الغش في التجارة، وفي البيع والشراء:- مثل الغش في المكاييل والموازين والمقاييس، أو الغش في نوع البضاعة، أو عرض بضاعة فاسدة كأنها بضاعة سليمة، أو الغش في الثمن، أو تقديم بضاعة يقولون إنها (مضروبة). أو شيء على أنه جديد بينما يكون قد سبق استعماله. أو الغش في بيع عقار يكون ملكًا لآخر، والشاري لا يدرى، أو يكون مرهونًا أو عليه ديون لم تدُفع.ولعل من أخطر أنواع الغش، الغش في الأدوية وبخاصة التي تتوقف عليها حياة المريض، أو يتوقف عليها علاجه... 6- الغش في الزواج:- كأن يتزوج شخص امرأة على أنها بكر، وهى ليست كذلك، أو قد فُضّ غشاء بكارتها وعولج ذلك شكليًا بطريقة الخداع. وهذا النوع من الغش يمكن أن يُحكم فيه قضائيًا ببطلان الزواج.أو قد يقدم طالب الزواج شهادة (عدم موانع) تكون مزورة، أو يكون مرتبطًا بزيجات أخرى ويخفيها... أو مريض بمرض خطير ومُعدي ويخفيه، أو مصاب بعجز جنسي كامل ويخفيه وهناك أنواع خداع أخرى قد لا تنكشف إلا بعد الزواج هذا كله غير خداع آخر يحدث داخل نطاق الزيجة، ربما تكون من نتائجه ما يُسمى بالخيانة الزوجية... 7- الغش في المودة وفي الإخلاص:- ليست كل مودة يظهرها الإنسان لغيره تكون مودة خالصة نقية. فقد تكون أحيانًا مظهرية وتكشفها الأحداث فيما بعد، أو لا تنكشف مختفية وراء ألوان من الرياء أو النفاق أو الخداع. وفي كل ذلك لا يكون الشخص مخلصًا لمن يتظاهر بمحبته أو بالولاء له. ويظهر هذا أيضًا في تملق بعض الموظفين لرؤسائهم وللمسئولين عنهم في العمل أو في الهيئات التي ينضمون إليه ومن أمثلة المودة الزائفة، ما يظهره شاب نحو فتاة من الحب، أو من رغبته في الزواج بها، حتى تطمئن إليه وتصدمه ثم يتخلى عنها أخيرًا بعد فترة من الخداع والكلام المعسول. ويكون ما أظهره من مودة أو حب، إلا لونًا من اللهو أو الشهرة وليس غير..! ولعل أخطر نوع من المودة الزائفة، الذي يكون في حقيقته عدوًا، وفي خداعِ يبدو كأنه صديق. وعنه قال الشاعر: ويا لرُبّ خدّاع من الناس تلاقيهِ يعيبُ السمّ في الأفعى وكل السمّ في فيهِ 8- هناك أيضًا الغش في الامتحانات:- وهذا أمر معروف ويحدث كثيرًا بين تلاميذ المدارس. أما بالنسبة إلى الكليات الجامعية، فمن الصعب أن يكون هناك غش في الامتحان الشفهي أو العملي. ولكن يمكن أن يحدث الغش في الامتحان التحريري هناك أنواع أخرى من الغش والخداع، ربما تظهر مثلًا في من يخدع الناس بالبر والتقوى وهو غير ذلك تمامًا، أو من ينسب إلى نفسه معلومات تكون لغيره، كما يحدث في السرقات الفكرية أو الشعرية لكنني أكتفي بما قلته الآن بإيجاز، فموضوع الغش والخداع واسع ومتفرع ومتنوع، مما لا يسمح به المجال. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
30 يناير 2021

محبتنا للقديسين وإكرامنا لهم

اليوم فى عيد الأنبا أنطونيوس ، أتأمل معكم إكرام كنيستنا للقديسين . فى الواقع أن كل أبناء الكنيسة القبطية يحبون القديسين محبة كبيرة، ربما لا توجد فى أية كنيسة أخرى.انظروا إلى أعياد القديسة العذراء مثلا، وأعياد مار جرجس ، وأعياد الملاك ميخائيل ، والأنبا أنطونيوس ، والقديسة دميانة، والأنبا رويس والأنبا بيشوى ، والأنبا موسى الأسود ، ومكسيموس ودوماديوس… كم ترون فى زحام الناس ومحبتهم وتشفعهم بالقديسين…! كم من قديسين تركوا العالم ، ولكن العالم لم يتركهم ولا نسيهم.هم أمامنا فى كل حين ، نقابل حياتهم بوفاء عميق. وفاء نحو آباء عاشوا فى غير زماننا . ولكنهم ما زالوا فى قلوبنا وفى أفكارنا . أنها مشاعر وفاء، ومشاعر حب نحو الآباء.وحب الآباء الروحيين فضيلة راسخة فى أبناء كنيستنا . سواء الآباء الأحياء. أو الذين انتقلوا منهم … نقابلهم جميعا بكل توقير لأبوتهم، ولحياتهم ، وذكراهم. ولا يفهم الآباء خطأ ، ما قد فهمه البعض من عبارة: " لا تدعوا لكم أبا على الأرض". فهذه العبارة قالها السيد المسيح للرسل الإثنى عشر فقط ، لا لعامة الناس ، على اعتبار أن الرسل وخلفاءهم ليس لهم آباء على الأرض . أما بقية الناس فلهم آباء.يوحنا الرسول يقول: " يا أولادي، أكتب لكم هذا لكي لا تخطئوا" (1 يو 2: 1 ). وبولس يصف تيموثاوس بأنه" الابن الحبيب" ( 2تى 1: 2). وتيطس " الابن الصريح حسب الإيمان " (تى 1: 4) . ويقول لفليمون :" أطلب إليك لآجل أبني أنسيموس الذي ولدته فى قيودي "( فل 10). ويقول لأهل غلاطية " يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضا"( غل4: 19). ويقول لأهل كرونثوس" أنا ولدتكم فى المسيح يسوع بالإنجيل " ( كو 4: 14 – 17 ). وبطرس الرسول يقول :" مرقس أبني "( 1بط 5: 13 ).الأبوة الروحية موجودة إذن فى الكنيسة ونحن نحب آباءنا.وهناك رابطة كبيرة بيننا، وبين الذين فى الفردوس.رابطة بين أهل العالم الحاضر والأخر . وهذه الرابطة مستمرة . إكرام القديسين دليل على وجودها . فالله ليس إله أموات . وإنما إله أحياء.ونحن نشعر أن هؤلاء القديسين ما زالوا أحياء ، وأنهم يعيشون بيننا، ونتحدث إليهم تماما كما نتحدث إلى الأحياء.يقف إنسان أمام أيقونة العذراء أو مار جرجس أو الأنبا أنطونيوس ، ويطلب، ويتكلم فى دالة، ويعاتب أيضا.نحن لا نشعر إطلاقا أن القديسين قد فارقوا عالمنا ، أو انتقلوا منه أو انتهوا…! كلا ، بل نشعر بوجودهم باستمرار.ونذكرهم ليس فى أعيادهم فقط، بل فى كثير من صلواتنا .القديس الأنبا أنطونيوس مثلا ، لا نذكره فقط فى عيده ، إنما يذكر فى مجمع الآباء فى كل قداسات الكنيسة . وليس فقط فى القداسات ، إنما أيضا فى تسبحه نصف الليل كل يوم فى الأبصلمودية ، نذكره مع آبائنا جميعا نحن لا ننسى آباءنا أبدا ،مهما نسى الغير آباءهم وأجدادهم . أنها كنيسة تتسم بالوفاء وحب الآباء وفى ذكرنا للقديسين وإكرامنا لهم ، إنما نعلن إيماننا بالأبدية، وبأن الحياة لا تنتهي بالموت ، وإنما لها امتداد بعد الموت لولا شعور كل واحد منا ، بأن الأنبا أنطونيوس لا يزال حيا’ يشفع فينا ويشعر بنا ’ ما كنا نحتفل به الآن ، ونردد له الألحان …! أنحتفل بحفنة تراب ؟ كلا ،بل بحياة. إننا نحتفل بكائن حي، نثق بأن حياته مستمرة ، فى الأبدية. وهذا يعطينا أيضا ثقة ، بأن حياتنا ستبقى مثل آبائنا وفى إكرامنا للقديسين، إنما أيضا نكرم الفضيلة ، التى عاشوها.الذين يكرمون رجال العلم ، إنما يكرمون العلم أيضا والذين يكرمون الأبطال، إنما يكرمون البطولة فيهم ، والذين يكرمون الأذكياء ، إنما يكرمون الذكاء ضمنا. كذلك الذين يحبون القديسين ويكرمونهم، إنما يحبون القداسة فيهم ويكرمونها نحن نحب القديسين، لأن فى حياتهم صفات نحبها . والكنيسة فى إكرامها للقديسين، إنما تكرم صفات القداسة فى أشخاصهم . حينما نقرأ كتابا روحيا، نطلع على مبادئ وأفكار روحية.أما فى حياة القديسين ، فنرى المبادئ الروحية ممثلة عمليا.ونثق أن الفضائل ليست أمورا نظرية، بل هي واقع ملموس، فنطمئن ونثق أن طريق الكمال ممكن التنفيذ وحياة قديس كالأنبا أنطونيوس تعلمنا أشياء كثيرة .تعطينا فكرة كيف أن الإنسان يمكنه أن يكتفي بالله ، ومعه لا يحتاج إلى آخر، ولا يعوزه شئ . بحيث يستطيع أن يترك الكل من أجل الرب ، الذي يصير له الكل فى الكل .وتعلمنا سيرته أيضا، كيف يمكن أن الإنسان يجلس وحده، فلا يمل ولا يسأم ولا يضجر، لأن قلبه مع الله فى كل حين شبعان بالرب تعطينا حياته مثالا عمليا عن الصداقة مع الله ، والعشرة مع الله، التى تملأ القلب وتملأ الفكر ، وتملأ الحياة ، فيقول مع المزمور :" معك لا أريد شيئا على الأرض ". إنها حياة:" الانحلال من الكل . للارتباط بالواحد " آي ينحل من كل أحد ،ومن كل شئ لكي يرتبط بواحد هو الله وما أكثر الفضائل التى نراها عمليا فى حياة هذا القديس. فى المعرفة، فى الإفراز، فى التواضع ، فى الهدوء والسكون . فى الوحدة فى محبة الله، أترى أنسانا يحوى كل هذا فى حياته؟! لأجل هذا قلت لكم أن القديسين عينات ممتازة من البشرومحبتنا وإكرامنا للقديس الأنبا أنطونيوس ، تعنى أيضا محبتنا لحياة الصلاة والتأمل والنسك، التى اتصفت بها حياة الرهبنة.لو لا إعجاب الناس بهذه الحياة النسكية والتأملية التى عاشها الأنبا أنطونيوس ما كانوا يبنون الكنائس والمذابح على أسمه، وما كانوا يرسمون له الأيقونات، ويقيمون له الأعياد وإكراما للقديسين يعنى أيضا لله نفسه لأنه قال : من يكرمكم يكرمني . ومن يقبلكم يقبلني … ولأننا نحب الله ، لذلك نحب أولاده الذين أحبوه والكنيسة فى إكرامها للقديسين، وزعت أعيادهم على مدار السنة فى كل يوم من أيامنا ، تحتفل الكنيسة بعيد أحد القديسين. أو بعض القديسين ، لا يخلو يوم من تذكار قديس ونحن نحتفل بهؤلاء القديسين فى أيام انتقالهم من هذا العالم ،فى يوم الوفاة أو يوم الاستشهاد ، لأنه اليوم الذي أكمل فيه القديس جهاده على الأرض… وكما قال الرسول: " انظروا إلى نهاية سيرتهم، فتمثلوا بإيمانهم"(عب13: 7).هؤلاء القديسون الذين نحتفل بهم ، إنما هم عينات ممتازة. إن كل من يحيا حياة الإيمان ؛ يسميه الكتاب قديسا.يكتب القديس بولس الرسول إلى :" القديسين الذين فى أفسس"( أف 1: 1) وإلى :" جميع القديسين فى المسيح يسوع الذين فى فيلبى"( فى1: 1) ويختم رسالته إليهم بعبارة " يسلم عليكم جميع القديسين "( فى4: 22). ويكتب أيضا إلى :"القديسين الذين فى كولوسى " (كو1: 2). ويخاطب العبرانيين بقوله:" من ثم أيها الأخوة القديسون، شركاء الدعوة السماوية"( عب 3: 1) . لأشك أن كل مؤمن، نزع الإنسان العتيق، ولبس المسيح فى المعمودية( غل3: 27). وسكن فيه الروح القدس ، وعاش فى طاعة الرب ؛ وفى ممارسة أسراره المقدسة، هو قديس لكننا هنا لا نتكلم عن القداسة العادية ، إنما نقصد العينات الممتازة، التى ارتفعت روحيا فوق المستوى العادى كالأنبا أنطونيوس هؤلاء جاهدوا كثيرا لكى يصلوا إلى هذه القداسة. وكل جهاد لهم ، إنما برهنوا فيه على محبتهم لله، وعلى أنهم مستعدون لبذل كل جهد من أجل الثبات فى الرب وهذا لا يمنع من أن البعض ولدتهم أمهاتهم قديسين، أو كانوا فى بطون أمهاتهم قديسين مثال ذلك يوحنا المعمدان الذي قيل عنه:" ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس"( لو1: 15). والذي أحس بالمسيح فى بطن مريم ، فإرتكض يوحنا بابتهاج فى بطن أمه فرحا بالمسيح (1: 43 ) ومثال ذلك أيضا أرميا النبي ، الذي قال له الرب :" قبلما صورتك فى البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبيا للشعوب"(أر 1: 5) هذه عينات نادرة، مستوى عال وهبة من الله.أما الأنبا أنطونيوس، فهو شاب ولد فى أسرة عادية، غنية. ولكنه ، وانتصر على عقبات كثيرة، حتى وصل. مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب تأملات فى حياة القديس أنطونيوس
المزيد
29 يناير 2021

القديس أنطونيوس ومحبته لله

لما ملكت محبة الله على قلب القديس أنطونيوس ، أنتزع الخوف تماما من قلبه حتى من الله نفسه، ما عاد يخاف واستطاع أن يقول لتلاميذه ، تلك العبارة المشهورة عنه[ يا أولادي ، أنا لا أخاف الله] فلما تعجبوا قائلين[ هذا الكلام صعب يا أبانا ] أجابهم[ ذلك لأنني أحبه. والمحبة تطرح الخوف إلى خارج] ( 1يو 4: 18) حقا أن الحياة الروحية يمكن أن تبدأ بمخافة الله ، كما قال الكتاب " بدء الحكمة مخافة الله "(أم9: 10) وبالمخافة ينفذ الإنسان الوصايا ولكنه إذ يمارس الحياة الروحية ، يجد فيها لذة ومتعة، فتزول المخافة ويبقى الحب وكلما نما الإنسان فى محبته لله ولوصاياه، حينئذ " المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى الخارج" والقديس الأنبا أنطونيوس ، عاش فى هذه المحبة : بدأ بها ، فدفعته إلى الوحدة ثم نما فيها ، حتى وصل إلى قممها لولا محبته لله ، ما استطاع أن يحيا فى الوحدة فمحبة الله إحدى الصفات الجوهرية التي ينبغي أن يتميز بها من يطلب الوحدة . وكما نقول فى صلاة القسمة عن آبائنا السواح والمتوحدين " وسكنوا فى الجبال والبراري وشقوق الأرض ، من أجل عظم محبتهم للملك المسيح"هذه المحبة هي التي دفعتهم إلى سكنى الجبال ، لكي يتفرغوا لعشرة الرب الذى أحبوه من أجل هذه المحبة ، ترك القديس كل شئ ، لأن الله عنده هو أثمن وأغلى من كل شئ ، ومن كل أحد . ولأن محبة الله تشجع القلب ، فلا يحتاج إلى محبة أخرى تسنده أو تعزيه محبة الله هي الدافع إلى الوحدة ، وهي الدافع إلى الصلاة أحب القديس الله . ومن محبته له أنفرد به ، وأصبح لا يستطيع أن يفارقه ، ولا يستطيع أن ينشغل عنه بشخص أخر . وكما قال الشيخ الروحاني فى ذلك [ محبة الله غربتني عن البشر وعن البشريات]. ومن محبته له ، وجد متعه روحية فى مخاطبته والتحدث إليه ، كما يقول داود النبي " محبوب هو أسمك يا رب ، فهو طول النهار تلاوتي "، وكما نقول فى التسبحة" أسمك حلو ومبارك ، فى أفواه قديسيك" أن عمق الرهبنة هو فى معناها الإيجابي الالتصاق بالله . أما معناها السلبي : البعد عن العالم، فهو مجرد وسيلة ما أحلى قول داود النبي " أما أنا فخير لي الالتصاق بالرب "( مز73). وكيف يلتصق الإنسان بالرب ، أن كان بكل مشاعره وفكره منشغلا بالعالم وما فيه؟!ومحبة الله ، كما قادت للوحدة والصلاة ، قادت إلى الزهد لأن الشخص الذى يذوق الله وحلاوة محبته ، يبدو كل شئ آخر تافها أمامه . وأمام حلاوة الله ، يفقد كل شئ آخر قيمته ، ويصبح باطلا وقبض الريح. وكما قال بولس الرسول " خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لأربح المسيح" (فى 3) . وهنا نجد الزهد ليس مجرد عمل تغصب ، يغصب فيه الإنسان نفسه على ترك مقتنيات العالم وملاذه من أجل الله ، إنما هو اقتناع عميق بتفاهة كل شئ . وهذا الاقتناع نتيجة لمحبة القلب لله وهكذا يرى الإنسان أن كل متع العالم لا تشبعه، فيزهدها ، لأن قلبه قد أنفتح على محبة أكبر ، وأعمق ، وأسمى ، هي محبة الله ، التي تضاءل أمامها كل شئ آخر . ومن الناحية المضادة، إن ملكت محبة العالم على قلب إنسان ، نزعت منه محبة الله ، ولذلك يقول الرسول أن " محبة العالم عداوة الله "ونحن نسأل أنفسنا كيف استطاع القديس أنطونيوس ، أن يسكن وحده فى تلك المغارة البعيدة؟ وكيف أحتمل البعد عن كل عزاء بشري ؟ وكيف وجد شعبة فى الوحدة ؟ الجواب هو أنه كان شبعانا بمحبة الله ، فلم يعوزه شئ الوحدة بالنسبة إليه ، لم تكن وحدة مطلقا ، وإنما كانت فى حقيقتها عشرة مع الله ، ومع ملائكته عشرة ألذ من عشرة البشر ، ومن المجتمعات البشرية.وعشرته مع الله جعلت المحبة تنمو فى قلبه ، فحينما كان يلتقي بالناس ، كان يلتقي بهم فى حب. وكانت معاملاته لتلاميذه مشبعة بروح الإتضاع والود ، من ثمار الحب الذى فيه وهكذا لم تكن وحدته انطواء ، وأنما حبا ومع محبته للقديس بولس البسيط ، طلب إليه أن يسكن وحده ، لفائدته الروحية لأنه كان يحبه حبا روحيا ، يدفعه إلى أن ينمى محبة التلميذ لله ، ولو فارقه إنها محبة لا تلصقه به شخصيا ، وأنما تلصقه بالله ، الذى يحب المعلم والتلميذ كليهما معا ، أنطونيوس العظيم وبولس البسيط… مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب تأملات فى حياة القديس أنطونيوس
المزيد
28 يناير 2021

القديس أنطونيوس ومحبة الوحدة والسكون

أننا لا نستطيع أن نتأمل حياة الأنبا أنطونيوس فى يوم عيده ، دون أن نتذكر حياة الوحدة والسكون التي عاشها ، وثمار هذه الحياة فى حياته وفى تعاليمه لقد ذكر عنه القديس أثناسيوس الرسولى أنه قضى ثلاثين سنة، وقد أغلق على نفسه فى وحدة كاملة، لا يرى فيها وجه إنسان وفى هذه الوحدة اختبر ثمار السكون ، فى خلوة كاملة مع الله . وأمكنه أن يفرغ ذهنه من تذكارات العالم وأخباره وتفاهاته، لكي يملأ هذا الذهن بالله وحده ، فلا يفكر إلا فيه وفى مذاقته لحلاوة السكون نصح أولاده فيما بعد ، خوفا عليهم من أن يتبدد سكونهم خارج البرية، فقال[ الراهب فى الدير كالسمكة فى البحر ، لا تحيا خارج مياهه] وحتى حينما عاش معه القديس الأنبا بولس البسيط بضع سنوات ، يتتلمذ عليه ، ويحيا تحت ظل صلواته، طلب إليه أن يدخل إلى البرية ويحيا وحده [ ليجرب حروب الشياطين ]إنه الدرس الأول الذى أخذه الأنبا أنطونيوس [ أن كنت راهبا ، فأدخل إلى البرية الجوانية]… وكان هذا هو الدرس الذى يقال لكل راهب ، فى أن يتعلم الهدوء[ اجلس فى قلايتك ، والقلاية ستعلمك كل شئ] إن القديس الأنبا أنطونيوس هو الذى وضع أساس الرهبنة الأصيل. والنظام الذى وضعه هو الذى بقى أكثر من غيره… أكثر من حياة الشركة التي كانت تعتمد على رئيس حازم قوى كالقديس باخوميوس مثلا ، يديرها بدقة وجدية ، ويعاقب من يكسر قوانينها … فإذا لم توجد هذه الرئاسة انتهى قيام الرهبنة تبعا لذلك … وهكذا انتهت كثير من أديرة القديس باخوميوس.أما القديس أنطونيوس فكان يبنى الراهب من الداخل ، بمحبة الوحدة والسكون ، أكثر مما يبنيه بقوانين صارمة تحفظ طاعته كان يبنى قلب الراهب ، لا مجرد إرادته … وتصرفه كان يميت العالم داخل قلبه، ولا يقتصر على إماتة التصرفات العالمية فى سلوكه وهذه الإماتة كانت تأتى أولا بالوحدة ، بالبعد عن الكل ، لحفظ العقل فى السكون وتأتى ثانيا بانشغال الفكر والقلب بالله فى حياة السكون . ما أجمل قول مار أسحق [ إن مجرد نظر القفر ، يميت من القلب الحركات العالمية]. فى البرية تربى موسى قبل عمله الرعوي أكثر مما " تهذب بكل حكمة المصريين". وإلى البرية نقل الله أبانا إبرآم ، حيث تدرب على حياة الخيمة والمذبح ، أي الغربة والشركة مع الله . وفى البرية تدرب إيليا ، على جبل الكرمل . وفى البرية تدرب أيضا يوحنا المعمدان ، أعظم من ولدته النساء . وربنا يسوع المسيح أيضا أحب البرية والجبال ، وترك لنا فى ذلك مثالا ، حتى كما كان يختلي فى جبل الزيتون ( يو 8: 1) ويقضى الليل فى الصلاة ، نفعل نحن أيضًا وهكذا عاش الأنبا أنطونيوس ، ليس أياما ، وإنما الحياة كلها عاش بعيدا عن المدن ، وما فيها من صخب وضجيج وضوضاء ، وأيضا بعيدا عما فيها من دوامة المشغوليات ، التي لا تعطى فرصة لجلوس الإنسان مع نفسه أو جلوسه مع الله حقا ، لقد سألت نفسي مرة : لماذا خلق الله كل هذه الصحراوات؟ هذه الصحراوات الواسعة، وهذه الجبال والتلال ، فى كل قارة من القارات ، تمثل الهدوء والوحدة ، بعيدا عن صخب المدن أليس فى كل هذا إيحاء ، يشير إلى الناس بحياة الهدوء ؟! وكان السيد المسيح يأخذ تلاميذه إلى موضع قفر ، حتى تتركز حواسهم فى كلامه، ولا تنشغل بالمناظر والأفكار إن كل إنسان فى الدنيا ، مهما تعمق فى الحياة الروحية … هو محتاج إلى فترات هدوء ، يجلس فيها إلى الله، وإلى نفسه يهدأ بعيدا عن المشغوليات ، وبعيدا عما تجلبه الحواس من أفكار … وفى هدوء يأخذ من الله ، وأيضا يفحص ذاته ، ويأخذ من أعماق أعماقه ، حيث يسكن الله أيضا . هذا هو أول ما يجذبنا ، فى الحياة العميقة التي عاشها قديسنا وحياة السكون هذه، لها دلالتها الروحية الكثيرة فليس كل إنسان يستطيع أن يحيا حياة السكون فى البرية. وإن استطاع ذلك بضعة أيام أو أسابيع ، فلا يستطيع أن يحيا فى البرية العمر كله ، إلا إن كانت له دوافع روحية راسخة ، كما كان للقديس أنطونيوس . فما هي هذه الدوافع؟ أول صفة تلتزمها حياة البرية ، هي الزهد أن الذي يحب العالم ، تجذبه أمور العالم ، فلا يستطيع أن يبقى فى البرية إذ يشتاق إلى ما تركه فى العالم من أمور محببة إلى نفسه . وكما قال الكتاب : " حيثما يكون كنزك ، فهناك يكون قلبك "( مت 6: 21) . إنما يحيا فى البرية ، الإنسان الذى مات قلبه عن العالم موتا حقيقيا . بمقدار ما يكون قلبه مائتا عن العالم ، هكذا يكون ثباته فى البرية أيضا إذن الموت عن العالم ، يسبق بالضرورة الحياة فى البرية والقديس الأنبا أنطونيوس كان قلبه قد مات عن العالم وكل رغباته : ترك الأهل والبلد والمال والجاه والعلم وكل شئ . ولم يعد يشتهى شيئا عالميا ، لذا استطاع أن يسكن فى مقبرة ، وأن يسكن فى القفر وأن يحتمل الجوع والعطش والوحدة كذلك السكنى فى البرية تحتاج إلى شجاعة قلب يصلح لها قلب لا يخاف … لا يخاف الوحدة ، ولا الظلام ، ولا الوحوش والدبيب ، ولا الشياطين … وهكذا كان الأنبا أنطونيوس ، لقد تعرض لحروب مخيفة جدا . وكان الشياطين يظهرون له فى هيئة وحوش مفترسة ، تصيح بأصوات مرعبة، وتهجم عليه. ومع ذلك لم يخف ، بل وقف صامدا أمامهم … كذلك هاجموه لما كان فى المقبرة ، وضربوه ضربا مبرحا جدا ، ولم يهتز إطلاقا . وفيما بعد أصبحت الشياطين هي التي تخاف الأنبا أنطونيوس ، وأخذ قوة من الله على طرد الشياطين هذا هو الأنبا أنطونيوس رجل البرية ، وأبن الجبال ، صاحب القلب القوى الذى لا يخاف ، الذى عاش فى الجبال وحده عشرات السنوات ، لا يؤنسه سوى الله السكنى فى البرية أيضا يلزمها إنسان يعرف كيف يقضى وقته حسنا ، بحيث لا يمل من فراغ يحيط به فالوحدة ليست مجرد عمل سلبي ، هو البعد عن العالم ، أو الموت عن العالم ، إنما هي عمل إيجابي فى الحياة مع الله والالتصاق به ، ومذاقه حلاوته والعشرة معه. وهذا هو الهدف الأساسي من الوحدة ، التي تعتبر مجر وسيلة للالتصاق بالله . وأن كانت الوحدة هي الإنحلال من الكل ، فإن مار أسحق يقول [ الإنحلال من الكل ، للارتباط بالواحد] والأنبا أنطونيوس عاش حياة الصلاة وحياة التأمل ، منشغلا بالله كل وقته ، فكرا وقلبا ، فلم يمل ، ولم يعد محتاجا إلى عزاء بشرى يسليه. وصارت الوحدة بالنسبة إليه متعة روحية ، بسبب العشرة الإلهية التي شغلت حياته ولم يعش وحده فى البرية ، وانما كان الله معه عرف أن " الحاجة إلى واحد "، ونجح فى الارتباط بهذا الواحد ولما عاش فى حياة السكون ، دخل السكون إلى قلبه أيضاوكما قال مار أسحق :[ بسكون الجسد ، نقتنى سكون النفس ] هدأت حواسه ، وهدأت أفكاره، وهدأ قلبه من الداخل ، وهدأت ملامحه أيضا ، وصار مصدرا للسلام لكل من يتصل به . وفيه أحب الناس هذه الحياة الهادئة الساكنة المملوءة بالسلام بمرور الوقت زالت من فكره كل التذكارات القديمة التي عاشها فى العالم ، وأخذت نقاوة فكره تنمو شيئا فشيئا، حتى لم يعد فى فكره سوى الله وحده. أو محيت من ذهنه كل العالميات ، إذ لا استعمال ، ولا جديد يضاف إليها ، بل لا جديد سوى الأمور الإلهية التي رسخت فى ذهنه ، وملكته كله وفيما بعد، حينما سمح أن يكون له تلاميذ ، وزوار ، لم يكن يكلمهم إلا عن الله وحياة الروح. فصارت حياته كلها مركزة فى الله، فكرا، وشعورا وكلاما ومات العالم من حوله استطاع أن يحول الأرض التي عاش فيها إلى سماء ، وأن يحول أبناءه الرهبان إلى ملائكة أرضيين أو بشر سمائيين أما أنتم يا أخوتي ، فإن كنتم لا تستطيعون أن تسكنوا الجبال فعلى الأقل لا تحرموا أنفسكم من الخلوة والسكون على قدر طاقتكم ولو بضعة أيام كل سنة ، أو يوما كل أسبوع ، أو ساعة كل يوم ، أو بضعة دقائق كل ساعة انفضوا ضجيج العالم من آذانكم ، وغوصوا داخل أنفسكم ، واكتشفوا فى أية الطرق أنتم سائرون ، وماذا على كل منكم أن يفعل وأجلسوا مع الله ، وخذوا منه معونة ولا تجعلوا الفترة تطول بكم وسط ضجيج العالم ، حيثما استطعتم أن تنسحبوا من هذا الضجيج، انسحبوا بسرعة وإن لم تستطيعوا أن تنسحبوا منه موضعيا، فعلى الأقل انسحبوا منه موضوعيا فلا تشتركوا فى أعماله وأحاديثه كونوا كغرباء فى الموضع الذى لا يناسبكم حديثه. لا تشتركوا فى الكلام ، أن لم يمكنكم تغيير دفته. وفيما أنتم صامتون ، اسرحوا بأفكاركم فى الله وملكوته ، دون أن يشعر أحد وهكذا تحتفظوا بقلوبكم مع الله ، سواء كنتم فى خلوة أو مع الناس ، كما قال عن ذلك (الشاعر): كنت فى مجتمع أو خلوة أنا وحدي ، يستوي الأمران عندي لي طريق مفــرد أحببتـه عشـت فيه طـول هـذا العمر وحدي المهم أن محبة السكون تكون فى القلب ، وكإحدى نتائجها تتكون الرغبة فى الاختلاء بالله ، حتى وسط مشغوليات المجتمع ونصيحتي أنكم لا تأخذون أمور العالم بعمق لا تجعلوا أمور العالم تستقر فى عمق اهتمامكم ، بحيث تستولي على ذهنكم ، ويطيش فيها فكركم وقت الصلاة…!وفى محبتكم للوحدة ، لا تنفروا من الناس ومحبتهم، بل انفروا من الأخطاء … لأن هناك فرقا بين الوحدة والانطواء والقديس الأنبا أنطونيوس كانت حياته حبا للوحدة، حبا فى الله ، ولم تكن انطواء ولا كراهية للناس أو عجزا فى معاملتهم فكلما سمحت الفرصة ، كان يفيض حبا على الناس ، وكانت معاملاته تتميز بالطيبة والوداعة واللطف… مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب تأملات فى حياة القديس أنطونيوس
المزيد
27 يناير 2021

القديس أنطونيوس أعطى أم أخذ ؟

لا شك أن القديس أنطونيوس قد أعطى الرب كل شئ إنه حسب الوصية:" مضى وباع كل ما له وأعطاه للفقراء "…أعطى الرب ثلثمائة فدان من أجود أطيان بنى سو يف .وأعطى الرب أيضا ما كان ينتظر من مركز وجاه كوريث لوالده. وأيضا زهد فكرة الزواج وما كان يمكن أن ينجبه من أولاد . وكذلك زهد كل ما فى الدنيا من علم ومعرفة ومتع وصلة بالناس ومع كل ذلك يلح علينا السؤال : هل هذا القديس قد أعطى أم أخذ ؟ أم أعطى فأخذ ؟… وننتقل من هذا السؤال إلى سؤال آخر يتبعه هل الرهبنة عطاء أم أخذ ؟ أم هى عطاء يتحول إلى أخذ ؟ أو عطاء يكافأ بأخذ؟ الأخذ فيها أكثر من العطاء؟ * هذا القديس أعطى الله قطعة أرض (300 فدان). ولكن الله أعطى الأرض كلها ، والسماء أيضا… فأصبح له فى كل بلد من البلاد أديرة، وكنائس ، وأماكن مقدسة . وأصبحت له كل البرية أيضا، وكل الأديرة التى على أسماء قديسين آخرين ، لأنه أبو الرهبنة فى العالم كله. فهل أعطى أم أخذ؟ أنني حينما أرى الأراضي والأملاك الموقوفة على دير الأنبا أنطونيوس فى مصر وحدها . أرى أنها أكثر مما تركه القديس الأنبا أنطونيوس فى قمن العروس …! بالإضافة إلى أرض الأحياءوانظروا إن كلمة ربنا يسوع المسيح لم تسقط أبدا ، حينما قال " من ترك أبا أو أما … أو أخوة أو أخوات ، أو زوجة، أو مقتنيات من أجلى، يأخذ مائة ضعف فى هذا العالم ، وملكوت السموات" ( مر 10: 29) لعل البعض حينما أعطى القديس أنطونيوس أرضه للرب ، قالوا عنه: مسكين ، ضيع نفسه وأرضه وثروته ومستقبله…! بينما يرد الرب عليهم قائلا: من أضاع نفسه من أجلى يجدها " (مت 16: 25) ويقول الكتاب للأنبا أنطونيوس :" مناك ربح عشرة أمناء"( لو 19: 16). ماذا ترك القديس أيضا غير الأرض ؟ هل ترك أولادا؟! لنفرض أن الشاب أنطونيوس ، بدلا من الرهبنة تزوج وأنجب ، كم من أبناء كان سينجب ؟ خمسة؟ عشرة؟ عشرين ؟… هودا له الآن آلاف من أبنائه الرهبان فى كل جيل ، يصل عددهم إلى ملايين منذ بدأ الحياة الرهبانية فى أواخر القرن الثالث حتى الآن … يضاف إلى ذلك ملايين من أبنائه الروحيين مثلكم ، من غير الرهبان حقا أن السيد المسيح حينما قال أن يعوض:" مائة ضعفا" كان منكرا لذاته فى كرمه ، لأنه أعطى بآلاف الأضعاف بل قد جعل الله هذا القديس يتخطى حدود المكان والزمان هذا الذي ترك بلده ، وتوحد فى الجبل لأجل الله ، تاركا العالم لأجله ، أصبح العالم كله يتحدث عنه . اسمه وصل إلى أقطار المسكونة كلها . لا توجد قارة من قارات العالم الست ، لا تعرف الأنبا أنطونيوس ! اسمه تخطى حدود قريته ، بل حدود مصر ، بل حدود أفريقيا ، حتى فى أيامه… وأصبح له أولاد وأديرة وكنائس فى كل موضع . وأصبحت له أماكن مقدسة لا تعد . حقا ، هل أعطى أم أخذ ؟! وماذا أعطى القديس الأنبا أنطونيوس أيضا للرب ؟ هل أعطاه عمرا؟ هو ذا الله جعل حياة الأنبا أنطونيوس تتخطى الزمان ! كثيرون تنتهي حياتهم فى الأرض بوفاتهم ، وينساهم جيلهم بعد حين ، وتناسهم الأجيال . هــو ذا قـــد مـــر أكثر من 16 قرنا على نياحة الأنبا أنطونيوس ، وما زال حيا بيننا حتى الآن ، حيا فى مبادئه ، وفى تعاليمه ، وفى أولاده ، وفى النهج الذي أختطه ، وفى ذاكراه... إنه من الأسماء الخالدة التى لا تنسى . إنه روح كبيرة، أكبر من الموت . لم يستطع الموت أن ينهى رسالتها . فلم تقتصر حياته على جيله، بل تختطه عبر الأجيال ، ولا تزال بيننا . إنه صاحب حياة بدأت ولم تنته عند رهبنة كل راهب ، يصلون عليه صلاة الأموات( أعنى المنتقلين) . على اعتبار أنه مات عن العالم . ولكن قديسنا هذا بموته عن العالم، دخل فى الحياة التى لا تنتهي ، وما زال بها حيا بيننا أتراه أعطى الله حياة كرسها له ، أم أخذ حياة لا تنتهي؟! هل لأجل الله أيضا ترك جاها وسلطانا وعظمة وشهرة؟ إذ كان أبوه بالجسد ذا جاه وعظمة يورثها لأبنه… هناك وأتخيل لو بقى القديس أنطونيوس فى مكان أبيه، آي مستقبل كان ينتظره ؟ أتراه كان سيصير عمدة البلدة قمن العروس ؟ أو أعظم رجل فى المركز أو فى محافظة بنى سو يف، مدى حياته، ثم ينساه الناس ، كما نسوا أسم أبيه على الرغم مما كان له من عظمة وجاه وغنى…! هو ذا الأنبا أنطونيوس فى جيله ، يرسل إليه الأمبروطور قسطنطين يطلب بركته، ويأتيه الفلاسفة والنبلاء من كل مكان يطلبون حكمته . وينال شهرة لم ينلها أحد. وتسميه الكنيسة: " العظيم الأنبا أنطونيوس ". أتراه حقا فى هذه النقطة ، أعطى أم أخذ ؟! ماذا ترك أيضا لأجل الله ؟ أتراه ترك الكهنوت ؟ فلم نسمع أنه نال من درجات الكهنوت أو رئاسة الكهنوت ولكن هو ذا أولاده صاروا بطاركة وأساقفة .بل أن البابا البطريرك فى أيامه ( القديس أثناسيوس الرسولى) كان أحد أولاده الروحيين . وجميع بطاركة العالم يسجدون فى مواضعه المقدسة ويطلبون بركاته وكل رتب الكهنوت ، مهما علت ، تطلب فى القداس الإلهي صلوات الأنبا أنطونيوس ، وتتشفع به الكل يعتبرون أنفسهم أولاده صدقوني ، لو أكتشف قطعة قماش صغيرة ، ثبت أنها من ثوب للأنبا أنطونيوس لتنافس عليها كل بطاركة العالم وكهنته ورهبانه ترك الأنبا أنطونيوس الكهنوت ورئاسته . فصار كل رجال الكهنوت من أولاده. أتراه فى ذلك أعطى أم أخذ ؟! حقا أن الله يعطى أكثر مما يأخذ ، بما لا يقاس يأخذ حبة قمح ، ليعطيك سنابل مملوءة قمحا. يأخذ نواة بلح ، ليعطيك نخلة، تحمل آلافا من ثمار البلح وللأسف ، البعض يحجمون عن العطاء . تطلب الكنيسة من أم أن تعطى أبنها للرهبنة أو الكهنوت ، فتبكى وتمرض كأن كارثة ستحدث ! تعجبني جدا فى الأمهات ، القديسة حنة أم صموئيل النبي . لم تنجب أبناء . ولما وهبها الرب صموئيل ، أعطته للرب وكان وحيدها ! فأعطاها الرب أولادا آخرين كثيرين ، لعلكم لا تذكرون أسماءهم ( 1صم 1: 22 ). أما الابن الذي أعطته للرب فهو الوحيد الذي خلد أسمه، وعرفت هى به أنها " أم صموئيل"أعط أذن للرب ، وسيرد لك أضعافا ، دون أن تطلب أو تنتظر. الأنبا أنطونيوس أعطى حياته للرب ، وليس فقط أملاكه. فماذا حدث؟ أعطاه الرب بدلا من هذه الحياة الأرضية، حياة روحية خصبة. حياة أبدية مثمرة فى ملكـوته ، أعطــاه أيضــا حياة أبنائه… بل أن الأنبا أنطونيوس ذاته، تحول إلى رمزأصبح ليس مجرد شخص ، وإنما صار رمزا ، رمزا لحياة الوحدة والصلاة والتأمل والزهد والنسك ، رمزا لحياة الرهبنة بكل ما فيها من فضائل وروحانيات . وكما قيل فى إحدى القصائد. أنت رمــــز لحـــياة طهـــرت أشتهي الخــالق يوما أن تكــون أصبح رمزا لحياة الهدوء والسكون، رمزا للحياة التى تتخلى من الكل لكى ترتبط بالواحد، الحياة السامية المقدسة التى لا تنشغل بتفاهات العالم وكل متعه، لأنها تفرغت لله وحده... أعطى راحته وهدوءه، وتعرض لحروب الشياطين وإيذائهم بالتخويف ، بالضرب، بالتشكيك ، فى صورة وحوش ، فى صورة نساء ، بأصوات مرعبة ، فى وحدة بلا أنيس...!ولكن الله أعطاه الاحتمال، والقوة، والانتصار ، وعدم الخوف، وأعطاه سلاما داخليا عجيبا، وأعطاه مهابة روحية، بحيث صارت الشياطين هى التى تخافه وترتعب من قوته الروحية، صارت له موهبة إخراج الشياطين. أتراه فى كل ذلك أعطى أم أخذ؟! كذلك فى تركه العمران وسكناه القفر، هل أعطى أم أخذ؟ يبدوا ظاهريا أنه ترك بهجة العمران ، ودخل فى وحشة القفر . من أجل الرب . ولكن الرب جعل القفر عامرا بهذا الملاك الأرضي . وحول البرية إلى سماء ، كواكبها هم هؤلاء الملائكة الأرضيون. وصار هذا القفر مكانا مقدسا يأتيه الناس من أقاصي الأرضي ليتبركوا حتى بترابه ، وصار جبل انطونيوس جبلا مقدسا وبرية انطونيوس صارت برية مقدسة. وكل شبرا داسته قدماه، باركه الرب ببركه خاصة. وفجر له فى القفر عين ماء . هل حقا أعطى أم أخذ ؟! إن الناس يشتهون بركة بريته أكثر من كل مباهج العمران الله يعطينا طبعا أكثر مما يأخذ منا . ولكن ولكن المهم أن نبدأ نحن بالعطاء . ولا نفكر حينما نعطى أننا نعطي. وأيضا لا نفكر أننا سنأخذ عوضاإن من يجعل علاقته بالله علاقة طلب مستمر وأخذ ، هو إنسان متمركز حول ذاته . أما الإنسان الروحي ، فأنه يعبر عن حبه لله ، بالبذل المستمر ، ويقول للرب : " من يدك أعطيناك" ( 1 أي 29: 14 ). بل في تقديمه شيئاٌ لله ، يشعر بتفاهة ما يقدمه، إذا ما قورن بما أخذه منه هوذا مثل من خارج الرهبنة ، هو موسى النبي لا شك أنه ترك قصر فرعون ،و " أبى أن يدعى أبن ابنة فرعون"وترك كل خزائن مصر "، وصار راعي غنم فى البرية… تراه خسر أم كسب ؟! لقد ترك الأمارة فإذا بالرب يقول له : " جعلتك إلها لفرعون "( خر 7: 1) . وإذا بفرعون يتوسل أكثر من مرة إلى موسى ، طالبا منه أن يصلى عنه ، الضربات. وكان واضحا أن موسى ، فى موقف أقوى من فرعون … ثم صار موسى قائدا لشعب بأسره ، وأصبح رجل معجزات ، يشق البحر ، ويفجر من الصخرة ماء . لا شك أن موسى قد أخذ أكثر مما أعطى ، بما لا يقاس إن علاقتنا بالله هي علاقة أخذ مستمر ، بلا عطاء هل تقول أنك تعطى الله وقتا للصلاة؟ كلا ، إنك لا تعطى وقت الصلاة بل تأخذ بركة ونعمة ، وتنال عملا من الروح القدس داخلك ، وبركات لا تحصى الله أعطاك أسبوع عمر ، وأنت تقدم له يوما من هذا الأسبوع الذى وهبك إياه، فهل أنت تعطى ؟! كلا بل أنت تأخذ بركة هذا اليوم . وكما يقول الكتاب أن : " السبت قد أعطى للإنسان "( مر 2 : 27) القديس انطونيوس، حينما أعطى حياته لله ، لم يكن يفكر إطلاقا أنه سيأخذ كل ما أخذه، وما جال ذلك بفكره.وفى نفس عملية العطاء بالنسبة إليه ، كانت عملية أخذ أخذ فيها بركة الجلوس مع الله ، وبركة حياة السكون والتأمل . وأخذ فيها بركة هذا الطقس الملائكي . وأخذ النعمة الكبرى التي عملت فيها حتى استطاع أن يصمد فى الوحدة إنه لم يقل إطلاقا : " سأعطي الله صلواتي ". بل كان شعوره: أريد أن أتمتع بالله والوجود معه ، وأن يعطيني الله هذا الشرف وهذه المتعة ، متعة الوجود فى حضرته شعور الإنسان بأنه يعطى الرب ، شعور خاطئ روحيا فنحن باستمرار نقترب إلى الله، لكي نأخذ ثم ، من نحن حتى نعطى الرب ؟! ومن هو الرب الذى نعطيه؟ الله مالك السموات والأرض ، وخالق السموات والأرض ، وصاحب كنوز النعم التي لا تحد ولا تفرغ … هل من المعقول أننا نعطيه؟! الأرملة التي أعطت رجل الله إيليا حفنة دقيق وقليل زيت ، هل أعطت أم أخذت ؟ انظروا، هوذا :" كوز الدقيق لا يفرغ ، وكوز الزيت لا ينقص " طول مدة المجاعة ( 1مل 17: 14) . وهكذا الأنبا أنطونيوس ، علمنا أن الحياة الروحية هي أخذ دائم من الله ، أخذ بركة، ومتعة، فى كل عمل روحي ولو لم يكن القديس أنطونيوس ، يأخذ متعة روحية ، فى كل أيام حياته فى البرية ، أتراه كان يستطيع الحياة فى القفر ؟! لو لم يكن يأخذ نعمة وقوة ، أتراه كان يستطيع مقاومة كل حروب الشياطين، فى كل عنفهم وكل حيلهم…؟! إنه كان يعيش جوار النعم كلها ، يغترف منه بالليل والنهار ، نعمة ، وقوة، وبركة، ومتعة روحية كان ممكنا للشاب أنطونيوس ، بالغنى الكثير الذى ورثه، أن يتعلم ، ويأخذ من العالم معرفة وعلما وشهادات دراسية ولكنه من الله أخذ معرفة عميقة ، ما كان ممكنا للعالم أن يعطيها… معرفة كانت تذهل كل فلاسفة وعلماء عصره وكان الناس يأتون من أقاصي الأرض ، لكي يسمعوا من فمه كلمة منفعة ، أو كلمة حياة ، يخلصون بها إنها كلمات أخذها من الله ، لها عمقها ، ولها قوتها وفاعليتها وتأثيرها ، وليست معرفتها من النوع الذي يعطيه العالم لقد فضل أن يعيش فى جهالة مع الله ، تاركا علم العالم." فأعطاه الله فما وحكمة"( لو 21: 15) . وأعطاه علما يفوق الكل فانذهل علماء الأرض من هذا (الأمي) . فهل الأنبا أنطونيوس أعطى أم أخذ ، وهوذا العالم كله يستفيد من تعاليمه ولأنه رفض من أجل الله معرفة العالم ، أعطاه الله علما روحانيا ، علما إلهيا … أعطاه علم معرفته ليس فى الأمور النسكية فقط ، وإنما حتى فى اللاهوتيات أيضا وقد أفحم الأريوسيين لما نزل إلى الإسكندرية ، وكان لكلماته تأثير عميق . ويعتبره العلماء أستاذا للقديس أثناسيوس أن الله حينما يضع كلمة فى فم إنسان ، يزود هذه الكلمة بقوة وتأثير وفاعلية، لا يستطيع أحد أن يقاومها كان الأنبا أنطونيوس جهازا جيد التوصيل لكلمة الله ، ولنعمة الله ، ولبركة الله ، وللسلام الممنوح من الله كان إنسانا يأخذ من الله ، ويعطى للناس ، نفس القوة لقد فرحت السموات ، لما وجدت على الأرض هذه الآنية المختارة، التي تستطيع أن تحمل نعمة الله للناس ، وفى نفس الوقت تحتفظ ببساطتها وهدوئها ، دون أن ترتفع ، ودون أن تنتفخ … ولم تكن كلمات هذا القديس فقط هي التي تفيض نعمة ، وإنما كانت حياته أيضا كذلك ، وكانت هكذا ملامحه كان كل إنسان يرى الأنبا أنطونيوس ، يحب أن لا يفارقه. كان وجهه يفيض بركة، وحديثة يفيض نعمة ، وحياته تفيض روحا … لذلك لا نعجب لتلمذه الذى قال له:[ يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي …] بالنسبة إلى الله ، كان القديس أنطونيوس يأخذ باستمرار وبالنسبة للناس ، كان هذا القديس يعطي باستمرار، كسيده ولقد أعطاه الله الكثير ، لما زهد كل شئ ، لأجله أعطاه موهبة المعجزات والآيات والعجائب ، فكان يشفى المرضى ، وكان يخرج الشياطين وكان الناس يقصدونه لا من أجل المعرفة الروحية فقط ، والبركة، وأنما أيضا لأجل معجزاته هل هذا يقارن بما تركه من مال أو جاه أو أهل ؟!إنه لما أغمض عينيه عن المال ، فتحهما الله للرؤى السمائية فكم من مرة رأى ملائكة، وكم من مرة تحدث معهم؟!لقد ظهر له ملاك يشرح له كيف يصلى ويعمل ويقاوم الملل. والملاك هو الذى سلمه قلنسوة الرهبنة وفى إحدى المرات رآه تلاميذه ناظرا إلى السماء وساهما، فعرفوا أنه رأى شيئا، فسألوه . فأخبرهم عن نياحة الأنبا آمون أب جبل نتريا ، إذ رأى روحه يزفها الملائكة بالتهليل إلى السماء طوباك أيها القديس الأنبا أنطونيوس ، إن عينيك اللتين رفضتا أن تنظرا إلى المال ، وهو ملقى على الرمال ، صارتا تنظران الملائكة وأرواح القديسين ، أيها البار المفتوح العينين … وماذا أيضا؟ قال القديس الأنبا أنطونيوس :[ أبصرت مرة فخاخ الشيطان مبسوطة على الأرض ، فألقيت نفسي أمام الله وقلت : يارب، من يفلت منها ؟ . فأتاني الصوت من السماء " المتواضعون يفلتون منها "]طوبى لهاتين الأذنين اللتين أغلقتهما أمام أغاني العالم وطربه وأحاديثه، فاستحقتا أن تسمعا صوت الله في هذه المناسبة وغيرها ، وأن تسمعا تهليل الملائكة وهم يحملون روح الأنبا آمون حقا ، كلما نترك شيئا لأجل الله ، نأخذ أضعافا، وبنوعية أفضل، " ليس بكيل يعطى الروح "( يو3: 24) إنه يعطى بلا حدود إن الذى ترفض من أجله خزائن العالم ، يفتح أمامك خزائن السماء والمواهب الروحية ، كما حدث للقديس الأنبا أنطونيوس ، الذى ترينا حياته ، مقدار عمل الله فى النفس البشرية لقد ترك الزواج والنسل الجسدي ، انظروا عدد وحلاوة أولاده من أولاده القديس مقاريوس أبو الإسقيط ، والقديس الأنبا آمون أب جبل نتريا ، والقديس ببنوده رئيس أديرة الفيوم ، والقديس إيلاريون مؤسس الرهبنة فى سوريا وفلسطين . ومن أولاده الأنبا بولس البسيط ، والأنبا بيساريون ، والأنبا سرابيون ، والأنبا شيشوي … وكثيرون حقا" ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد " وسعى خيامك لأن أولادك يصيرون أكثر من ذات البعل ( أش 54: 1) إنني لا أستطيع أن أدخل فى جزيئات ، وأقول أن الأنبا أنطونيوس ترك من أجل الله مالا ، أو أرضا ، أو وقتا ، أو زواجا أو أولاداأنما هو أعطى الله الحياة كلها ، كذبيحة طاهرة قدامه. فأخذ الله هذه الحياة ، وقدسها وباركها وزودها بالمواهب ، وأعطاها للعالم عندما يقول الله :" يا أبني ، أعطني قلبك"( أم 23 :26) ، هل تظنون أنه يريد أن يأخذ هذا القلب؟ كلا ، بل هو يريد أن يملأ هذا القلب حبا وبركة وبرا . ويريد أن يأخذ هذا القلب فيطهره من كل خطية ، ويجعل روحه القدوس يسكن فيه … كمن يقول لك :" أعطني جيبك الفارغ لأملأه خيرات ". أهو يأخذ أم يعطى؟ عندما تعطى الله قلبك ، إنما تعطى فراغك ، والله يملأ تعطى ضعفك وتأخذ قوة الله . كمن يعطى العشور، لتفتح له كوى السماء ، ويفيض اله عليه حتى يقول كفانا كفانا(ملا 3: 10).تقدم لله ، أعطه إرادتك، ليعطيها قوة ، ويرجعها إليك منتصرة… أتكون إذن تعطى أم تأخذ ؟! مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب تأملات فى حياة القديس أنطونيوس
المزيد
26 يناير 2021

القديس أنطونيوس كمعلم وطالب علم

الأنبا أنطونيوس المعلم كثيرون ترهبوا . وكثيرون كانوا قديسين،وسواحا،ومتوحدين،ولم ينالوا شهوة الأنبا أنطونيوس.الأنبا بولا السائح مثلا ، ترهب قبل الأنبا أنطونيوس . وفى لقاء هذين القديسين ، كان الأنبا بولا يخاطب الأنبا أنطونيوس بعبارة يا أبني ، فيرد عليه بعبارة يا أبى . كان الأنبا بولا أكبر منه سنا ، وأقدم منه فى هذه السيرة الملائكية. ولكنه لم ينل نفس الشهرة ، لأنه لم يكن مثل الأنبا أنطونيوس أبا لرهبان كثيرين . ولم يكن مثله أبا لمدرسة من المدارس كان الأنبا أنطونيوس أبا لرهبنة. كان أبا لمدرسة رهبانية ، لأول مدرسة رهبانية . وكان أبا لفكرة معينة انتشرت فى كل مكان أنه لم يتزوج ، ولم ينجب أبنا . لكن له مئات الآلاف من الأبناء . له أبناء فى كل بلد من بلاد العالم . كل رهبان العالم أولاد الأنبا أنطونيوس عندما يدخل الأنبا أنطونيوس إلى الملكوت ، يقول لله :" هأنذا والأولاد الذين أعطانيهم الرب " (إش8: 18)،يدخل وراءه ألوف ألوف ، وربوات ربوات لأنه أب لمدرسة تتلمذ عليه تقريبا كل قادة الرهبنة فى مصر فمثلا كان من تلاميذه الأنبا آمون أبو جبل نتريا، أبو منطقة القلالى . وقد رأى الأنبا أنطونيوس روح الأنبا آمون وهى صاعدة إلى السماء ، تزفها الملائكة فى فرح وكان من تلاميذه أيضا ، القديس الأنبا مكاريوس الكبير، أتى وتتلمذ عليه وألبسه الأنبا أنطونيوس إسكيم الرهبنة. وأشتغل معه، وشهد له بقوله: [ إن قوة عظيمة تخرج من هاتين اليدين]وتتلمذ عليه الأنبا بيشوى ، أو الأنبا سيصوى من أباء الجبل الشرقي ، هو وتلاميذه. وتتلمذ عليه القديس الأنبا بولس البسيط ، والأنبا بيساريون، والأنبا سرابيون وتتلمذ عليه القديس الأنبا ببنوده رئيس أديرة الفيوم . وقد كتب إليه القديس الأنبا أنطونيوس رسالته العشرين وتتلمذ عليه القديس الأنبا إيلاريون الذي نشر الرهبنة فى سوريا وفى فلسطين وعندما كان يأتي إلى الأنبا أنطونيوس أحد من تلك المناطق يطلب إرشاده ، كان يقول لهم فى أتضاع :[ لماذا تأتون إلى ، وعندكم الأنبا إيلاريون ؟] وتتلمذ عليه شيوخ عديدون انتشروا فى الأرض كلها ونشروا الرهبنة فى كل مكان وأصبح الأنبا أنطونيوس أبا لفكرة ، ولمدرسة، ولطريق حياة، أبا لمنهج روحي له فروعه فى كل مكان وأطال الله عمر الأنبا أنطونيوس ولد سنة 251 م ، ورقد فى الرب سنة 356 م . وله من العمر 105 سنة شيخا كبيرا فى الأيام العجيب أن الأنبا أنطونيوس ، لم يتتلمذ عليه رهبان فقط إنما تتلمذ عليه أيضا البابا البطريرك كان القديس الأنبا أثناسيوس الرسولى البابا العشرون من تلاميذه . درس عليه الروحيات. تلقى عنه أيضا كثيرا من أفكاره اللاهوتية إن بعض العلماء ، حينما يدرسون فكرة أثناسيوس اللاهوتية، إنما يرجعون كثيرا من أفكاره اللاهوتية إلى القديس أنطونيوس الكبير. حقا إن هذا لعجيب… والقديس أنطونيوس تتلمذ عليه كثيرون لم يروا وجهه أبدا لقد تتلمذوا على حياته، على سيرته التى نشرها فى الغرب القديس أثناسيوس الرسولى فى كتابه (حياة أنطونيوس). وهذا الكتاب كان سببا فى انتشار الرهبنة فى روما وفى بلاد الغرب . فترهب كثيرون هناك وأتى العديد منهم إلى مصر . لمجرد أنهم تنسموا حياة القديس الأنبا أنطونيوس وكان لهذا الكتاب تأثيره فى هداية أوغسطينوس لقد تأثر أغسطينوس تأثيرا عميقا بسيرة القديس أنطونيوس ، فتاب، وترك حياة الفجور، بل صار راهبا وقديسا ومصدرا من مصادر الحياة والتأملية فى العالم بفضل سيرة الأنبا أنطونيوس والقديس الأنبا أثناسيوس الرسولى ، كاتب هذه السيرة ، حينما كان يذهب إلى آي مكان من بلاد أوربا، كانوا يسألونه عن أنطونيوس ، وعن أخبار الرهبنة فى مصر ، وعن الرائحة الزكية التى تفوح من البرية… وهكذا كان للأنبا أنطونيوس تأثير فى أمكنة عديدة جدا لا توضع تحت حصر. وكثيرون كانوا يأتون من بلاد الشرق والغرب ، لكى يتتلمذوا على القديس الأنبا أنطونيوس فى التدبير الرهباني وكان بعض الفلاسفة يأتون إليه ، ويسألونه ، ويحاورونه ، ويندهشون كثيرا من علمه ومن ذكاءه لدرجة أنهم قالوا له فى إحدى المرات : [ أنت لا تملك الكتب ،ولا تقرأ الكتب ، فمن أين لك هذه المعرفة وهذا الفهم العجيب ؟ ] فأجابهم بسؤال عجيب : [ أيهما أسبق : العقل أم المعرفة ؟ فلما قالوا له: العقل طبعا أسبق ، أجابهم : إذن المعرفة يمكن أن يلدها العقل ، بدون كتب…] !وكان يقول :[ أنا أن أردت معرفة شئ ، أصلى إلى الله ، فيكشف لي ، وأتأمل فى آيات الكتاب ، فأفهم منها . فلا حاجة بي إلى الكتب ] وكما أن الناس كانوا يأتون من مشارق الدنيا ومغاربها إلى الأنبا أنطونيوس ، يطلبون منه كلمة منفعة ، يجعلونها دستورا لحياتهم كذلك فإن الإمبراطور قسطنطين الكبير أرسل إليه رسالة،يطلب منه فيها بركاته وصلواته. ولما لم يقراء القديس هذه الرسالة لتوه. تعجب تلاميذه. فقال لهم: [ لا تتعجبوا من هذا ، بل تعجبوا بالأكثر أن الله يرسل لنا الرسائل كل يوم فى كتابه المقدس ، ونحن لا نسرع إلى قراءتها]…! محاربته للأريوسية: كان الأنبا أنطونيوس فى نظر الناس نبعا كبيرا للقداسة ، ومعلما كبيرا للروحيات وكانت كل كلمة تخرج من فمه هي كلمة ثقة وصدق لدرجة أنه عندما انتشرت الأريوسية فى الإسكندرية، نتيجة للشكوك العنيفة التى أثارها الأريوسيون ضد لاهوت السيد المسيح ، طلب الآباء الأساقفة من القديس أنطونيوس أن ينزل لكى يقول كلمة فيسند بها تعليم البابا أثناسيوس الرسولى ونزل الأنبا أنطونيوس ، إلى الإسكندرية ،وهو فـــوق المائة من عمــره، وقضى ثلاثـــة أيام ، فيهــا ثبـــت الناس فى الأيمان ويقول المؤرخون أن الأيام الثلاثة التى قضاها الأنبا أنطونيوس فى الإسكندرية كان لها مفعول السحر فى الناس وكانت أكثر دسما من سنوات عديدة فى التعليم كانت كلمة التعليم تخرج من فم الأنبا أنطونيوس ، تسندها قداسة سيرته ، وتسندها المعجزات ، وتسندها ثقة الناس به إنه رجل الله . فكل ما يقوله هو كلام من الله . إن الشخص العادى حينما يتكلم ، ربما يحتاج إلى أدلة كثيرة، وإثباتات وبراهين كثيرة لكى يقنع الناس. أما الإنسان القديس ، الذي يشهد الله بآيات ومعجزات ، الإنسان القديس الذي هو موضع ثقة الناس بروحياته. فيكفى أن يقول كلمة وينتهي الآمر هكذا كانت كل كلمة للأنبا أنطونيوس … لها ثقل عجيب !وكان الأنبا أنطونيوس يعلم، ليس فقط بالكلام ، وأنما أيضا بالرسائل . وله عشرون رسالة، أرسلها إلى أولاده ترجمت هذه الرسائل إلى العربية، وهى موجودة فى مخطوطاتنا فى الأديرة، آخرها رسالته إلى تلميذه ببنوده وقد طبع البعض هذه الرسائل ونشرها وكانت موضع دراسة لعلماء كثيرين وللقديس أنطونيوس تعاليم كثيرة ضمنها بستان الرهبان خاصة بنصائحه إلى أبنائه الرهبان، فى النسك والروحيات وله سيرته وحياته المقدسة التى كان يتغذى بها الناس وتعاليمه كانت إما فى كلمات قليلة يرد بها … أو فى عظات طويلة كما فى رسالته، وفى سيرته وله فى كتاب سيرته التى وضعها القديس أثناسيوس ، عظة طويلة قالها عن ضعف الشياطين، وأنه ليست لهم القدرة الخيالية التى يخشاها الناس لذلك لا داعي أبدا لأن يخافهم الناس ويرتعبوا منهم… إنها عظة طويلة وكلمات الأنبا أنطونيوس كان لها تأثيرها ، ليس فى الأشخاص العاديين فقط إنما أيضا فى شيوخ الرهبنة وقادتها ومرشديها .كانوا جميعا يعرفون أنه يتكلم بالروح القدس ولم تكن كلماته فقط نافعة للتعليم ، أو سيرة حياتــه فقــط نافعة للتعليم ، وإنمــا حتـى مجــرد ملامح وجهه. زاره مرة ثلاثة من الرهبان ، أخذ اثنان منهم يسألانه عن بعض أمور . أما الثالث فبقى صامتا . فسأله الأنبا أنطونيوس ، لماذا لا يطلب شيئا مثل زميليه ؟ فأجاب : يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبى وقد قال القديس أثناسيوس عن الأنبا أنطونيوس :[ من الناس كان مضطرب القلب أو مر النفس ، ويرى وجه الأنبا أنطونيوس ، إلا ويمتلئ بالسلام…] لعله كان أيضا من مصادر السلام بالنسبة إلى الأنبا أثناسيوس نفسه فى وسط ضيقاته الكثيرة وكان الأنبا أنطونيوس يحب الإفراز ، آي الحكمة والتمييز والمعرفة ففي إحدى المرات سأله أولاده عن الفضيلة العظمى فى الرهبنة . فقال لهم: إنها الإفراز ، لأن كثيرين صاموا، وأضروا أنفسهم بصومهم . وكثيرين صلوا وفشلوا فى صلواتهم، بسبب عدم الإفراز. وله عظة عن الإفراز فى بستان الرهبان ذلك لأن الشخص الذي يقتنى الإفراز والتمييز ، يستطيع أن يميز بين النافع والضار اللائق وغير اللائق . لذلك أهتم الأنبا أنطونيوس بفضيلة الإفراز . وهو أيضا كانت له هذه الفضيلة ولم يكن يفرح بالآراء بقدر ما كان يفرح بالعمل الروحي الفاضل ، وبخاصة الباطني منه فى إحدى المرات زاره بعض الرهبان ، وسألهم فى تفسير رأيهم آية معينة ، فأبدى كل منهم وجهة نظره . وكان الأنبا يوسف معهم فبقى صامتا . فسأله القديس الأنبا أنطونيوس عن رأيه فى تفسير الآية ، فأجاب : صدقني يا أبى أنى لا أعرف وهنا قال له الأنبا أنطونيوس :[ طوباك يا أنبا يوسف ، لأنك عرفت الطريق إلى كلمة لا أعرف]. الأنبا أنطونيوس كتلميذ يتعلم مصادر معرفته :- ما مصادر المعرفة عند الأنبا أنطونيوس ؟ وممن إستقى تعليمه ؟ فلا يمكن لشخص أن يرتقى إلى رتبة التعليم ، ما لم يتعلم أولا ويتتلمذ ويفهم. فأين تتلمذ القديس الأنبا أنطونيوس ؟ وعلى يد من ؟ كان الأنبا أنطونيوس يطلب المعرفة من كل مصدر : وكانت هذه هى الصفة الأولى فى تلمذته يطلب العلم من كل مصادره . لا يتعلم فقط من الأساتذة الكبار ،وأنما من كل شئ ، ومن كل أحد ، ومن كل حادث ، ومن كل شخص حتى لو كان خاطئا أول درس له ، تعلمه من إنسان ميت وعجيب أن يتلقى أول درس له فى الرهبنة، لا من إنسان حي ، إنما من شخص ميت . وكان هذا الميت هو أبوه لما مات أبوه ، نظر إلى جثمانه المسجى ، وتعلم من هذا الموت شيئا … نظر إلى أبيه الميت ، الذي كان يملك ثلاثمائة فدان من أجود أطيان قمن العروس ببني سو يف ، وكان له غنى ونفوذ بين مواطنيه ، وقال له [ أين هى قوتك وعظمتك وسلطانك ؟ أنت خرجت من العالم بغير إرادتك . ولكنني سأخرج منه بإرادتي ، قبل أن يخرجوني كارها ] وهكذا تلقى أول درس فى الموت عن العالم . تأمل فى ذلك الرجل الغنى العظيم، الذي كان يملأ الدنيا قوة وسلطة، وهو الآن بلا حراك ، لا يملك حتى التصرف فى جسده ! أما الدرس الثاني ، فأخذه من الإنجيل والأنبا أنطونيوس كان يسمع كلام الله فى عمق ، وكان جادا فى سماعه . وكل كلمة يسمعها ، كان يعتبر أنها موجهة إليه شخصيا … ففي إحدى المرات – وهو فى الكنيسة – سمع قول الرب للشاب الغنى :" إن أردت أن تكون كاملا ، أذهب بع كل مالك وأعطه للفقراء ، وتعال اتبعني" وكان أول من سمع هذا الكلام الإلهي شابا غنيا مثله سمع ومضى حزينا مع أنه سمع هذه الآية من فم الرب يسوع المسيح نفسه، من صوت السيد المسيح المملوء تأثيرا وعمقا وروحانية . ولكنه لم يتأثر ولم ينفذ ، لأن محبة المال كانت فى قلبه أما الأنبا أنطونيوس ، فلما سمع هذه العبارة ، وكان هو أيضا شابا غنيا، لم يمضى حزينا ، وإنما مضى وباع ما له فعلا ، وأعطاه للفقراء . أخذ الآمر الإلهي بطريقة جدية، لأنه كان يسير فى حياته بهذا الأسلوب الجدي ولما بدأ يدبر الأمور ، ويفكر كيف يصرف هذا المال ، وكيف يدبر أيضا مستقبل أخته، ، مضى إلى الكنيسة فسمع صوت الرب :" لا تهتموا بما للغد ". فأعتبر هذا الكلام أيضا موجها إليه هو بالذات ، وأسرع فى الخروج من العالم . بينما فى أيامه ، لم تكن هناك رهبنة بالمفهوم الحالي ، والنظام الحالي ، لأنه هو أول الرهبان .كم من مرة نسمع نحن الآيات تقرأ علينا فى الكنيسة ، ولا نتأثر ونعمل مثلما تأثر بها الأنبا أنطونيوس وعمل…! ولكنه كان إنسانا يود أن يستفيد، ويعتبر أن كلام الله للعمل ، وليس لمجرد السماع والمتعة الروحية به كان جادا فى سماعه، يحول كلام الله إلى حياة كان يعمل بقول الرب :" الكلام الذي أقوله لكم ، هو روح وحياة ". فكان يفهم الروح الذي فى الكلام ، ويحوله إلى حياة لقد تعلم درسه الأول فى الرهبنة من موت أبيه وتعلم درسه الثاني من آيات الإنجيل التى سمعها . فمن تعلم درسه الثالث إذن ؟ تعلم درسه الثالث من القدوة الحسنة كان هناك بعض النساك يعيشون على حافة القرى. ففي أول خروج الأنبا أنطونيوس تعلم من هؤلاء النساك . ولم يشأ أن يكون مقلدا لشخص معين منهم ، وإنما أخذ من كل واحد شيئا : كان يتعلم من هذا الهدوء ، ومن ذاك الوداعة والإتضاع ، ومن ثالث الصمـــت، ومن رابــع المداومة على الصـــلاة ، ومن خـامس النســك ومن سادس السهركان يبحث عن الشيء الفاضل فى آي إنسان يقابله، ويتعلمه منه ، دون أن يكون صورة طبق الأصل لشخص واحد بالذات . أما الدرس الرابع ، الكبير ، فتعلمه من امرأة مستهترة كان متوحدا إلى جوار النهر ، وإذا بامرأة لا حياء لها ، قد جاءت إلى حيث كان ساكنا يتعبد. وبدأت تخلع ملابسها لتنزل إلى البحر لتستحم أمامه، وهى لا تخجل ! أما هو فقد خجل ، وأنبها قائلا :[ يا امرأة أما تستحين أن تتعرى أمامي وأنا رجل راهب ؟!] فأجابته:[ لو كنت راهبا ، لدخلت إلى الجبل فى البرية الجوانية، لأن هذا المكان لا يصلح لسكنى الراهبان ]! قالت ذلك ، وهى تضحك منه باستهزاء…! أما الأنبا أنطونيوس، فأخذ كلمة الاستهزاء هذه، بجدية ، وقال :[ حقا هذا صوت الله لي على فم هذه المرأة]وقام فعلا ، وترك ذلك المكان ، شاعرا أنه لا يناسبه فعلا كراهب ، ودخل أعماق الجبل ، وكان دخوله بركة العالم… حتى كلمة الاستهزاء والتهكم التى سمعها ، أخذها بعمق وروحانية وتنفيذ. ولم يغضب بسببها ، إنما أنتفع روحيا… ويبدوا أن نساء شريرات كثيرات ، كن على غير قصد منهن ، سبب بركة وتعليم لكثير من القديسين وكما يقول الكتاب أن الله يخرج من الجافي حلاوة ( قض14: 14) . + وقد رأينا كيف أن الأنبا أنطونيوس أنتفع روحيا من كلمة قالتها امرأة لا تستحي من أن تتعرى أمامه. + والقديس مقاريوس الكبير ، كان سبب دخوله إلى البرية أيضا ، امرأة أخطأت مع شاب ، وحملت منه ، ولما أنكشف أمرها اتهمت هذا القديس المتوحد ظلما . فأتى أهلها وأهانوه أشد إهانة وكلفوه بالعانيه بها ، ولما حان موعد ولادتها لأبنها ، تعسرت ولادتها جدا. وكادت تموت ، فاعترفت بخطيئتها وظلمها لهذا القديس، فأتى الناس ليعتذروا إليه، فهرب من المجد الباطل ، وترك تعبده على حافة القرية، ودخل إلى البرية. + امرأة خاطئة أخرى ، قابلت القديس مار أفرام السرياني ، والظاهر أنه كان جميل الصورة جدا ، فأخذت تتأمل جمال وجهه، وثبتت عينيها على وجهه ، فخجل ولامها على ذلك ، فقالت له[ أنا امرأة ، فى الأصل مأخوذة من رجل ، فمن الطبيعي أن أنظر إليك . أما أنت فرجل مأخوذ فى الأصل من تراب، كان ينبغي أن تنظر إلى التراب الذي أخذت منه ]فأنتفع القديس مار أفرايم، وجعل وجهه فى الأرض ، وتركها ومضى ، واستفاد من عدم حيائها وطبعا لا يجوز أن تفعل النساء هكذا ، معتمدات على منطق هذه المرأة ! فإنها امرأة خاطئة، وليست مثالا عموما ، آن الشخص الذي يريد أن يستفيد روحيا يمكنه أن يتخذ كل مصدر لفائدته ، حتى المرأة الخاطئة . وكما يقول الكتاب :" كل شئ طاهر للطاهرين" (تى 1: 15) إن ربنا يسوع المسيح علمنا أن نستفيد دروسا روحية، من تأملنا لزنابق الحقل التى تلبس أعظم من سليمان فى كل مجده، ومن طيور السماء التى لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن ، وأبونا السماوي يقوتها ولقد أعطانا دروسا، من الزارع والبذار ، ومن الحنطة والزوان ، ومن الشباك والصيد ، ومن الخميرة ، ومن الابن الضال لأن من أراد أن ينتفع، يمكنه أن ينتفع ومن له أذنان للسمع ، سيسمع ما يقوله الروح للكنائس وعلى رأى أحد الآباء الروحيين ، الذي قال :[ تعلمت الصمت من الببغاء]. آي أنني لما رأيت تفاهة الثرثرة، تعلمت الصمت لقد تعلم القديس الأنبا أنطونيوس دروسه الأربعة : من جسد إنسان ميت ، ومن آيات الإنجيل ، ومن القدوة الصالحة ،ومن صوت الله على فم امرأة خاطئة فماذا كان المصدر الثابت لتعليمه ، ليس فى الدرس الخامس فقط إنما فى دروس عديدة؟ لقد تعلم أيضا من التأمل فى الكتاب عيبنا فى هذا الزمان أننا نقرأ كثيرا ، ولكن تأملنا قليل ، لذلك لا ندخل إلى أعماق المكتوب أما الأنبا أنطونيوس ، فلم تكن لديه كتب كثيرة مثلنا . كان راهبا بسيطا ، من غير المعقول أن ينتقل فى البرية من مكان إلى أخر وهو مثقل بأحمال من المخطوطات ! كان يقرأ قليلا فى كتاب الله ، ولا يقف عند المعنى الخارجي للكلمة، أو المفهوم السطحي ، إنما يدخل فى عمق إلى روحانية الكلام . وحسبما قال القديس بولس الرسول :" خمس كلمات بفهم، أفضل من عشرة آلاف كلمة بدون فهم" ( 1كو 14: 19) بهذا كان القديس أنطونيوس يفهم معاني الكتاب أكثر من غيره . وبهذا شهد له الكثيرون وكان القديس أنطونيوس يتعلم أحيانا من أولاده من أولاده الذين هو معلمهم . كما قال، أنه كان يأخذ أحيانًا من تلميذه الأنبا بولس البسيط ، وكان هذا يسكن فى مغارة تحت مغارة معلمه فى الجبل . وكانت فى حياته بساطة ونقاوة ، يصلح سلوكه أن يكون نافعا ومفيدا لمن يرغب فى المنفعة وهناك أمور تعلمها القديس أنطونيوس من الله مباشرة، عن طريق الكشف ، آو عن طريق الملائكة فلما حورب بالضجر فى الوحدة ، أرسل له الله ملاكا يريه كيف يصلى ويعمل بيديه ، ويقاتل الضجر بعمل اليدين وأراه الملاك الزي الرهباني ، القلنسوة المملوءة صلبانا ولما حورب بالمجد الباطل ، أرشده الله إلى حيث يوجد القديس الأنبا بولا السائح، ليأخذ درسا من حياته ويتضع وقد تعلم القديس أنطونيوس أيضا من الخبرة ومن حروب الشياطين كان يتعلم من الحيل التى يستخدمها الشياطين معه ، ومن أفكارهم وحروبهم ومحاولاتهم لإسقاطه . وهكذا بالخبرة والممارسة تدرب على أشياء كثيرة، واتسعت معارفه ولهذا بعد أن قضى تلميذه الأنبا بولس البسيط فترة معه، يتتلمذ عليه، ويعيش تحت ظل صلواته، وكان يود أن يستمر هكذا ، أمره الأنبا أنطونيوس أن يسكن فى مغارة وحده، (لكى يجرب حروب الشياطين )… ويختبر ، ويتعلم ، ويتقوى وفى الواقع كانت اختباراته كثيرة وعلى مدى طويل لقد عاش فى حياة الوحدة والنسك والصلاة أكثر من ثمانين عاما ، وقد حفلت – وبخاصة فى بدايتها – بالعديد من الحروب ، أثارها الشياطين عليه لكى يبعدوه عن هذه الحياة الملائكية حاربوه بالأفكار والشكوك وشككوه فى هذا الطريق ، وفى مصير أخته، وفى إمكانية استخدام المال للخير بدلا من توزيعه على الفقراء . وحاربوه بالحواس ، والمناظر المخيفة، وحاربوه فى عفته بمناظر العبث والنساء وظهروا له بهيئة فهود ونمور وأسود وحيوانات متوحشة ليرعبوه فانتصر عليهم ولم يخف . وقال لهم [ لماذا هذا التجمهر؟ لو كنتم أقوياء ، لكان واحد منكم فقط يكفى لمحاربتي ، بينما أنا أضعف من مقاتلة أصغركم] نقطة ذكاء حاربوه أيضا بالضرب والإيذاء وبالأخص حينما كان يسكن فى المقبرة، فى بدء رهبنته وربما يكون قليل من القديسين قد ضربوا من الشياطين ضربا عنيفا، كما حدث للأنبا أنطونيوس لقد ضربوه بعنف شيطاني لا رحمة فيه ، حتى تركوه فى المقبرة ما بين حي وميت . وهو نفسه قال عن هذا الحادث :[ إن الضربات التى كانت تقع على . كانت من القوة والعنف ، بحيث أنني لا أظن أن قوة بشرية تستطيع أن تضرب بمثل ذلك الإيلام وبمثل تلك القسوة]…. ولما جاء العلماني الذي يخدمه ووجده هكذا ، حمله إلى كنيسة القرية وهو فى غيبوبة ، فبكى عليه الناس. وعند منتصف الليل تقريبا ، وكان الناس قد انصرفوا ، فتح الأنبا أنطونيوس عينيه، وسأل الأخ العلماني:[ أين أنا ؟] فلما أخبره أنه فى كنيسة القرية ، قال له :[ احملني إلى المقبرة]. ولما أدخله فيها ،قال له :[ اغلق وأمضى ]. ثم أعتدل الأنبا أنطونيوس وقال للشياطين[ إن كان الله قد أعطاكم سلطانا على ، فمن أنا حتى أقاوم الله؟! وإن كان الله لم يعطكم سلطانا ، فلن يستطيع أحد منكم أن يؤذيني !]. وبدأ يرتل مزاميره الرب نوري وخلاصي ممن أخاف ؟! الرب عاضد حياتي ممن أرتعب؟ عند اقتراب الأشرار منى ليأكلوا لحمى ، مضايقي وأعدائي جزعوا وسقطوا . إن يحاربني جيش ، فلن يخــاف قلبي . وإن قــام على قتــال ، ففي هـــذا أنا مطمئن" وكانت الشياطين تنحل أمامه كالدخان وتمضى صارخة ولما أنتصر هكذا على الشياطين ، بدأت الشياطين تخافه عالمة أنه أقــوى منها . وتعلــم هـــو من هذا دروسا تعلم أن لا يخاف من الشياطين ، وتعلم قوة الصلاة والمزامير وعجز الشياطين أمامها . وتعلم الشجاعة أيضا ، والصلابة فى الجهاد . وأخذ خبرة فى العمل الروحي وفى حروبه ومن ذلك الحين ، بدأت الشياطين تخافه، لأنه هزمها فى أكثر من ميدان . وألقى فيما بعد عظته عن ضعف الشياطين وأخذ قوة من ذلك كله ، على إخراج الشياطين وطردهم وعاش هذا الجبار وحده فى الجبل ، يملأ البرية صلاة وتأملات وتسبيحا وترتيلا وقدسية وطهرا، وترتعب منه الشياطين ، وتحيطه الملائكة.وعرف متى يقول لهم فى أتضاع : أيها الأقوياء، ماذا تريدون منى أنا الضعيف ؟ أنا أضعف من أن أقاتل أصغركم . ألا تعلمون أنى مجرد تراب ورماد؟ وتواضعه هذا كان يحرقهم ويطردهم بعيدا وعرف أيضا متى يكون حازما وشديدا معهم . ويقول لهم فى ثقة[ لو كنتم أقوياء ، لكان واحد منكم يكفى لمحاربتي ] .[ إن كان الله لم يعطكم سلطانا على ، فلن يستطيع أحد منكم أن يؤذني] وأستطاع أيضا أن يميز أفكارهم وخداعهم وأحلامهم فى إحدى المرات أتاه الشيطان مرة ليوقظه ليصلى!! فلم يسمع منه . وقال له : متى أردت أن أقوم للصلاة، سأقوم وأصلى . ولكن منك أنت لا أسمع وفى إحدى المرات تعجب البعض من سر كشفه لهم ، فسألوه عن ذلك قال :[ أتى الشياطين فى حلم وأخبروني ] لقد أكتسب إفرازا وعلما من حروب الشياطين إن الأنبا أنطونيوس فى تعليمه لغيره ، إنما كان يعلم من حصيلة خبرة طويلة ، لم يكن يعلم من معرفة الكتب . لم يحدث أنه قرأ كتابا وفهمه ، وأخذ أفكاره وشرحها للناس إنما كان يحيا الحياة ، ويجرب ويختبر. ثم يعلم لقد عرف الشياطين وحروبهم ، وعرف الأفكار وحروبها ، وعرف الجسد وحروبه ، وجرب الرؤى والأحلام … ومن ناحية أخرى ذاق حلاوة العشرة مع الله ، فى الوحدة والصلاة ، والتعزيات الإلهية، والكشف الإلهي ، والتأمل ومن واقع هذه الخبرة الطويلة مدى عشرات السنوات ، كان يتكلم كلاما عمليا عن خبرة وتجربة ، وليس كلاما من الكتب . لذلك كان لكلامه تأثير إن خبرة 90 سنة فى الروحيات ليست أمرا هينا إنها رحلة طويلة مشاها مع الله فى الجبل المقدس … مشوار طويل مشاه فى البرية، فى الصحراء ، يده فى يد الله ، وحياته فى قلب الله… يختبر ويذوق ما أطيب الرب . والقديس الأنبا أنطونيوس ، كانت له عينان مفتوحتان ، تكشفان الأسرار وتستطيعان أن تمزقا الحجب ، وتريان ما لا يرى فى مرة من المرات كان واقفا مع تلاميذه ، ثم رأوه قد سها قليلا ونظر إلى فوق فترة، ثم تنهد . فسألوه… فقال :[ لقد أنتقل اليوم عمود كبير من أعمدة الرهبنة … لقد رأيت روح الأنبا آمون وهى صاعدة إلى السماء تزفها الملائكة]صدقوني يا أخوتي ، لقد وقفت مذهولا فترة أمام هذه العبارة …! ما الذي رآه الأنبا أنطونيوس ؟ وكيف رأى ؟ إن أرواح البشر لا تراها العين المحسوسة المادية ، وكذلك أرواح الملائكة ! فهل رأى الأنبا أنطونيوس هذه الرؤيا بالروح أم بالجسد! إن كان بالروح فكيف وهو فى الجسد ؟! وإن كان فى الجسد فكيف؟ هل ظهرت الملائكة فى هيئة منظورة، كما يظهرون أحيانا للبشر، وهل كذلك ظهرت روح الأنبا آمون ؟ أم كان الأنبا أنطونيوس فى ذلك الوقت :" فى الروح " كما كان يوحنا الحبيب ( رؤ 1 :10) ، " فى الجسد أم خارج الجسد ؟ لست أعلم. الله يعلم " ( 2 كو 12: 2) كان الأنبا أنطونيوس رجلا مفتوح العينين ، يكشف له الله أمورا وأسرارا وقد تعلم كثيرا من الكشف الإلهي ، وتعلم من الرؤى ومن الملائكة كما سبق له وتعلم من الموت ومن الحياة ، من الأبرار ومن الخطاة ، ومن التأمل فى كلام الله ولما امتلأ علما فاض من علمه على الآخرين وكان الفلاسفة يأتون إليه، ليتعلموا من هذا الأمي فى نظر فلسفة اليونان والرومان …! هذا هو الأنبا أنطونيوس العجيب الكنيسة مملوءة من العلماء والفلاسفة والمفكرين ، ومملوءة من الأساقفــة والمطارنة والبطـــاركة وكل رتب الكهنوت ولكن ليس فيها كثيرون من أمثال الرجل العظيم الأنبا أنطونيوس ! . من هذه الطاقة الروحية الجبارة ، التى احتقرت الدنيا وما فيها وزهدت كل شئ : المال والشهرة والأسرة، ومتع الأرض كلها ، والجسد … فأصبح الله له هو الكل فى الكل نادرا ما نجد إنسانا ناسكا زاهدا عابدا، مثل الأنبا أنطونيوس ! فكم بالأكثر إنسانا قائدا معلما مثالا فى هذا الطريق كالأنبا أنطونيوس ! نبغ فى الروحيات ، اختبرها ، وعلمها لغيره ، بالتعليم والقدوة الصالحة نطلب بركة هذا القديس العظيم ، وبركة هذه الكنيسة المقدسة ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد أمــــــــين ، مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب تأملات فى حياة القديس أنطونيوس
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل